— Bagian 22 · لمسجد يخطب الناس، فجاءه رومى فقال: ألا أصنع لك ش… —
Bagian 22
لمسجد يخطب الناس، فجاءه رومى فقال: ألا أصنع لك شيئا تقعد عليه كأنك قائم؟ فصنع له منبرا له درجتان ويقعد على الثالثة، فلما قعد رسول الله- ﷺ على المنبر
جأر الجذع كجؤر الثور، حتى ارتج المسجد لجؤاره حزنا على رسول الله- ﷺ فنزل إليه رسول الله- ﷺ عن المنبر فالتزمه وهو يجأر، فلما التزمه سكت. ثم قال رسول الله- ﷺ: «والذى نفس محمد بيده، لو لم ألتزمه لما زال هكذا حتى تقوم الساعة حزنا على رسول الله- ﷺ، فأمر به- ﷺ فدفن» «١» ورواه الترمذى وقال: صحيح غريب. وكذا رواه ابن ماجه والإمام أحمد من طريق الحسن عن أنس ولفظه: كان رسول الله- ﷺ إذا خطب يوم الجمعة يسند ظهره إلى خشبة، فلما كثر الناس قال: «ابنوا لى منبرا» أراد أن يسمعهم، فبنوا له عتبتين، فتحول من الخشبة إلى المنبر، قال: فأخبر أنس بن مالك أنه سمع الخشبة تحن حنين الواله، قال: فما زالت تحن حتى نزل رسول الله- ﷺ عن المنبر فمشى إليها فاحتضنها فسكتت. ورواه أبو القاسم البغوى وزاد فيه: فكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى ثم قال: يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله- ﷺ شوقا إليه لمكانه من الله، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه. ولله در القائل: وألقى حتى فى الجمادات حبه ... فكانت لإهداء السلام له تهدى وفارق جذعا كان يخطب عنده ... فأنّ أنين الأم إذ تجد الفقدا يحن إليه الجذع يا قوم هكذا ... أما نحن أولى أن نحنّ له وجدا إذا كان جذع لم يطق بعد ساعة ... فليس وفاء أن نطيق له بعدا وأما حديث سهل بن سعد، ففى الصحيحين من طرق. وأما حديث
ابن عباس فعند الإمام أحمد بإسناد على شرط مسلم، ورواه ابن ماجه. وأما حديث ابن عمر، ففى البخارى. وأما حديث أبى سعيد الخدرى، فعند عبد ابن حميد. وأما حديث عائشة، فعند البيهقى وفى آخره: أنه خير الجذع بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة. وأما حديث بريدة، فعند الدارمى وفيه: أن النبى- ﷺ قال: «إن شئت أردك إلى الحائط الذى كنت فيه تنبت لك عروقك ويكمل خلقك، ويجدد لك خوص وثمرة، وإن شئت أغرسك فى الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك؟» ثم أصغى له النبى- ﷺ ليسمع ما يقول، فقال: بل تغرسنى فى الجنة فيأكل منى أولياء الله وأكون فى مكان لا أبلى فيه، فسمعه من يليه، فقال النبى- ﷺ: «قد فعلت» ثم قال: «اختار دار البقاء على دار الفناء» «١» . وأما حديث أم سلمة، فعند أبى نعيم فى الدلائل. والقصة واحدة، وما فى ألفاظها مما ظاهره التغاير هو من الرواة. وعند التحقيق ترجع إلى معنى واحد، فلا نطيل بذكر ذلك والله أعلم. وأما كلام الحيوانات وطاعتها له- ﷺ: فمنها: سجود الجمل وشكواه إليه- ﷺ «٢» . عن أنس بن مالك- رضى الله عنه- قال: كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه، وأنه استصعب عليهم فمنعهم ظهره، وأن الأنصار جاؤا إلى رسول الله- ﷺ فقالوا: إنه كان لنا جمل نسنى عليه، وإنه استصعب علينا ومنعنا ظهره، وقد عطش النخل والزرع، فقال رسول الله- ﷺ لأصحابه: «قوموا» فقاموا فدخل الحائط، والجمل فى ناحية فمشى رسول الله- ﷺ نحوه، فقالت الأنصار: يا رسول الله، قد صار مثل الكلب الكلب، وإنا نخاف عليك صولته، فقال رسول الله- ﷺ: «ليس على منه بأس» فلما نظر الجمل إلى رسول الله- ﷺ أقبل نحوه حتى خر ساجدا بين يديه، فأخذ رسول الله- ﷺ بناصيته أذل ما كان قط، حتى أدخله فى العمل، فقال له أصحابه: يا رسول الله، هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك ونحن نعقل فنحن أحق أن نسجد
ديه، فأخذ رسول الله- ﷺ بناصيته أذل ما كان قط، حتى أدخله فى العمل، فقال له أصحابه: يا رسول الله، هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك ونحن نعقل فنحن أحق أن نسجد
لك، فقال رسول الله- ﷺ: «لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، لو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها» «١» ، رواه أحمد والنسائى. والحائط: هو البستان. وقوله: نسنى عليه: - بالنون والسين المهملة- أى نستقى عليه. وفى حديث يعلى بن مرة الثقفى: بينا نحن نسير مع النبى- ﷺ إذ مررنا ببعير يسنى عليه، فلما رآه البعير جرجر، فوضع جرانه، فوقف عليه النبى- ﷺ فقال: «أين صاحب هذا البعير» ، فجاءه، فقال: «بعنيه» ، فقال: بل نهبه لك يا رسول الله، وإنه لأهل بيت ما لهم معيشة غيره، فقال: «أما إذ ذكرت هذا من أمره، فإنه شكا كثرة العمل، وقلة العلف، فأحسنوا إليه» «٢» رواه البغوى فى شرح السنة. والجران: بكسر الجيم، قال ابن فارس: مقدم عنق البعير من مذبحه إلى منحره. وروى الإمام أحمد قصة أخرى نحو ما تقدم من حديث جابر ضعيفة السند، والبيهقى بإسناد جيد. وكذا روى الطبرانى قصة أخرى عن عكرمة عن ابن عباس: لكن بإسناد ضعيف. والإمام أحمد أيضا من حديث يعلى بن مرة. وأخرج ابن شاهين فى الدلائل عن عبد الله بن جعفر- رضى الله عنهما- قال: أردفنى رسول الله- ﷺ ذات يوم خلفه فأسر إلى حديثا لا أحدث به أحدا من الناس، قال: وكان أحب ما استتر به النبى- ﷺ لحاجته هدف أو حائش نخل، فدخل حائط رجل من الأنصار، فإذا جمل، فلما رأى النبى- ﷺ حنّ فذرفت عيناه، فأتاه النبى- ﷺ فمسح ذفراه، وفى رواية فسكن، ثم قال: «من رب هذا الجمل؟» فجاء فتى من الأنصار فقال: هذا لى يا رسول الله، فقال: «ألا تتقى الله فى هذه البهيمة التى ملكك الله إياها،
وفى رواية فسكن، ثم قال: «من رب هذا الجمل؟» فجاء فتى من الأنصار فقال: هذا لى يا رسول الله، فقال: «ألا تتقى الله فى هذه البهيمة التى ملكك الله إياها،
فإنه شكا إلى أنك تجيعه وتدئبه» «١» قال فى المصابيح: وهو حديث صحيح، قال: ورواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل عن مهدى بن ميمون. والحائش: - بالحاء المهملة وبالشين المعجمة ممدودا- هو جماعة النخل، لا واحد له من لفظه. وقوله: ذفران: تثنية ذفرا، بكسر الذال المعجمة مقصور، وهو الموضع الذى يعرف من قفا البعير عند أذنه. ومنها: سجود الغنم له- ﷺ، عن أنس بن مالك قال: دخل رسول الله- ﷺ حائطا للأنصار ومعه أبو بكر وعمر ورجل من الأنصار، وفى الحائط غنم فسجدت له، فقال أبو بكر: يا رسول الله، نحن أحق بالسجود لك من هذه الغنم، فقال رسول الله- ﷺ: «لا ينبغى لأحد أن يسجد لأحد» «٢» رواه أبو محمد عبد الله بن حامد الفقيه فى كتاب دلائل النبوة بإسناد ضعيف. وذكره القاضى عياض فى الشفاء وذكر أيضا عن جابر عن عبد الله عن رجل أتى النبى- ﷺ وآمن به وهو على بعض حصون خيبر، وكان من غنم يرعاها لهم، فقال: يا رسول الله، كيف لى بالغنم، قال: «احصب وجوهها فإن الله سيؤدى عنك أمانتك ويردها إلى أهلها» ففعل فسارت كل شاة حتى دخلت إلى أهلها «٣» . ومنها: قصة كلام الذئب وشهادته له بالرسالة «٤» . اعلم أنه قد جاء حديث قصة كلام الذئب فى عدة طرق من حديث أبى هريرة وأنس وابن عمر وأبى سعيد الخدرى. فأما حديث أبى سعيد، فرواه الإمام أحمد بإسناد جيد ولفظه: عدا الذئب على شاة فأخذها، فطلبه الراعى فانتزعها منه فأقعى الذئب على ذنبه وقال: ألا تتقى الله؟ تنزع منى رزقا ساقه الله إلى، فقال الراعى: يا عجبا، ذئب مقع على ذنبه يكلمنى بكلام الإنس، فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك:
محمد بيثرب يخبر الناس بأنباء ما سبق قال: فأقبل الراعى يسوق غنمه حتى دخل المدينة، فزواها إلى زواياها، ثم أتى رسول الله- ﷺ فأخبره، فأمر رسول الله- ﷺ فنودى بالصلاة جامعة، ثم خرج فقال للأعرابى: «أخبرهم» «١» فأخبرهم. وأما حديث ابن عمر فأخرجه أبو سعد المالينى والبيهقى. وأما حديث أنس فأخرجه أبو نعيم فى الدلائل. وأما حديث أبى هريرة، فرواه سعيد بن منصور فى سننه قال: جاء الذئب فأقعى بين يدى رسول الله- ﷺ وجعل يبصبص بذنبه فقال رسول الله- ﷺ: «هذا وافد الذئاب جاء يسألكم أن تجعلوا له من أموالكم شيئا» قالوا: والله لا نفعل، وأخذ رجل من القوم حجرا رماه به، فأدبر الذئب وله عواء، فقال رسول الله- ﷺ: «الذئب وما الذئب» «٢» . وروى البغوى فى شرح السنة وأحمد وأبو نعيم بسند صحيح عن أبى هريرة أيضا قال: جاء ذئب إلى راعى غنم فأخذ منه شاة، فطلبه الراعى حتى انتزعها منه، قال فصعد الذئب على تل فأقعى واستثفر وقال: عمدت إلى رزق رزقنيه الله أخذته ثم انتزعته منى فقال الرجل: تالله إن رأيت كاليوم ذئب يتكلم، فقال الذئب: أعجب من هذا رجل فى النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى وما هو كائن بعدكم، ولا تتبعونه، قال: وكان الرجل يهوديّا فجاء إلى النبى- ﷺ فأخبره وأسلم فصدقه النبى ثم قال: «إنها أمارات بين يدى الساعة، قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى يحدثه نعلاه وسوطه بما
رجل يهوديّا فجاء إلى النبى- ﷺ فأخبره وأسلم فصدقه النبى ثم قال: «إنها أمارات بين يدى الساعة، قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى يحدثه نعلاه وسوطه بما
أحدث أهله بعده» «١» . واستثفر: - بالسين والمثناة ثم المثلاثة والفاء آخره راء- كاستفعل، أى جعل ذنبه بين رجليه كما يفعل الكلب. قال القاضى عياض: وفى بعض الطرق عن أبى هريرة: فقال الذئب أنت أعجب منى واقفا على غنمك وتركت نبيّا لم يبعث الله قط أعظم منه عنده قدرا، وقد فتحت له أبواب الجنة وأشرف أهلها على أصحابه ينظرون قتالهم وما بينك وبينه إلا هذا الشعب، فتصير من جنود الله. قال الراعى: من لى بغنمى؟ قال الذئب: أنا أرعاها حتى ترجع، فأسلم الرجل إليه غنمه ومضى، وذكر قصته وإسلامه ووجوده النبى- ﷺ يقاتل، فقال له النبى- ﷺ: «عد إلى غنمك تجدها بوفرها» فوجدها كذلك، وذبح للذئب شاة منها. وقد روى ابن وهب مثل هذا أنه جرى لأبى سفيان بن حرب وصفوان ابن أمية مع ذئب وجداه أخذ ظبيا، فدخل الظبى الحرم فانصرف الذئب، فعجبا من ذلك فقال الذئب: أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار، فقال أبو سفيان: واللات والعزى، لئن ذكرت هذا بمكة لتتركنها خلوفا- بضم الخاء المعجمة- أى فاسدة متغيرة، بمعنى: يقع الفساد والتغير فى أهلها. ومن ذلك حديث الحمار: أخرج ابن عساكر عن أبى منظور قال: لما فتح رسول الله- ﷺ خيبر أصاب حمارا أسود، فكلم رسول الله- ﷺ الحمار، فكلمه الحمار، فقال له رسول الله- ﷺ: «ما اسمك» قال: يزيد ابن شهاب، أخرج الله من نسل جدى ستين حمارا كلهم لا يركبه إلا نبى، وقد كنت أتوقعك أن تركبنى، لم يبق من نسل جدى غيرى ولا من الأنبياء غيرك وقد كنت قبلك لرجل يهودى وكنت أتعثر به عمدا، وكان يجيع بطنى ويضرب ظهرى، فقال له النبى- ﷺ: «فأنت يعفور» فكان رسول الله- ﷺ يبعثه إلى باب الرجل فيأتى الباب فيقرعه برأسه فإذا خرج إليه
تعثر به عمدا، وكان يجيع بطنى ويضرب ظهرى، فقال له النبى- ﷺ: «فأنت يعفور» فكان رسول الله- ﷺ يبعثه إلى باب الرجل فيأتى الباب فيقرعه برأسه فإذا خرج إليه
صاحب الدار أومأ إليه أن أجب رسول الله- ﷺ، فلما قبض رسول الله- ﷺ جاء إلى بئر كانت لأبى الهيثم بن التهيان فتردى فيها جزعا على رسول الله- ﷺ «١» . ورواه أبو نعيم بنحوه من حديث معاذ بن جبل، لكن الحديث مطعون فيه. وذكره ابن الجوزى فى الموضوعات. وفى معجزاته- ﷺ ما هو أعظم من كلام الحمار وغيره. ومن ذلك: من حديث الضب، وهو مشهور على الألسنة، ورواه البيهقى «٢» فى أحاديث كثيرة، لكنه حديث غريب ضعيف. قال المزى: لا يصح إسنادا ولا متنا، وذكره القاضى عياض فى الشفاء، وقد روى من حديث عمر أن رسول الله- ﷺ كان فى محفل عن أصحابه، إذ جاء أعرابى من بنى سليم قد صاد ضبا جعله فى كمه ليذهب به إلى رحله فيشويه ويأكله، فلما رأى الجماعة قال من هذا؟ قالوا: نبى الله، فأخرج الضب من كمه وقال: واللات والعزى لا آمنت بك أو يؤمن هذا الضب. وطرحه بين يدى رسول الله- ﷺ، فقال النبى- ﷺ: «يا ضب» فأجابه بلسان مبين يسمعه القوم جميعا: لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة، قال: «من تعبد؟» قال: الذى فى السماء عرشه وفى الأرض سلطانه وفى البحر سبيله وفى الجنة رحمته وفى النار عقابه، قال: «فمن أنا؟» قال: رسول رب العالمين وخاتم النبيين، وقد أفلح من صدقك وقد خاب من كذبك فأسلم الأعرابى الحديث بطوله، وهو مطعون فيه وقيل إنه موضوع. لكن معجزاته- ﷺ فيها ما هو أبلغ من هذا وليس فيه ما ينكر شرعا خصوصا وقد رواه الأئمة فنهايته الضعف لا الوضع، والله أعلم. ومن ذلك: حديث الغزالة. روى حديثها البيهقى من طرق، وضعفه جماعة من الأئمة، لكن طرقه يقوى بعضها بعضا. وذكره القاضى عياض فى الشفاء، ورواه أبو نعيم فى الدلائل بإسناد فيه مجاهيل، عن حبيب بن محصن عن أم سلمة- رضى الله عنها- قالت: بينما رسول الله- ﷺ فى صحراء من
الأرض، إذا هاتف يهتف: يا رسول الله ثلاث مرات فالتفت فإذا ظبية مشدودة فى وثاق، وأعرابى منجدل فى شملة نائم فى الشمس، فقال: «ما حاجتك؟» قالت: صادنى هذا الأعرابى، ولى خشفان فى ذلك الجبل فأطلقنى حتى أذهب فأرضعهما وأرجع، قال: «وتفعلين؟» فقالت: عذبنى الله عذاب العشار إن لم أعد، فأطلقها فذهبت ورجعت فأوثقها النبى- ﷺ فانتبه الأعرابى وقال: يا رسول الله ألك حاجة؟ قال: «تطلق هذه الظبية» فأطلقها فخرجت تعدو فى الصحراء فرحا وهى تضرب برجليها الأرض وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله «١» . وكذا رواه الطبرانى بنحوه، وساق الحافظ المنذرى حديثه فى الترغيب والترهيب من باب الزكاة: ونقل شيخنا الحافظ أبو الخير السخاوى عن ابن كثير: أنه لا أصل له، وأن من نسبه إلى النبى- ﷺ فقد كذب، ثم قال: شيخنا: لكن ورد فى الجملة فى عدة أحاديث يتقوى بعضها ببعض أوردها شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر فى المجلس الحادى والستين من تخريج أحاديث المختصر والله أعلم. انتهى. وفى شرح مختصر ابن الحاجب للعلامة ابن السبكى، وتسبيح الحصى رواه الطبرانى وابن أبى عاصم من حديث أبى ذر، وتسليم الغزالة رواه أبو نعيم الأصبهانى والبيهقى فى دلائل النبوة، ونحن نقول فيهما: وإن لم يكونا متواترين فلعلهما استغنى عنهما بنقل غيرهما، أو لعلهما تواترا إذ ذاك، انتهى. ومن ذلك، داجن البيوت، وهو ما ألفها من الحيوان، كالطير والشاة وغيرهما، روى قاسم بن ثابت عن عائشة- رضى الله عنها- قالت: كان عندنا داجن، فإذا كان عندنا رسول الله- ﷺ قر وثبت مكانه، فلم يجئ ولم يذهب، وإذا خرج رسول الله- ﷺ جاء وذهب، وذكره القاضى عياض بسنده. وأما نبع الماء الطهور من بين أصابعه- ﷺ، وهو أشرف المياه، فقال
وثبت مكانه، فلم يجئ ولم يذهب، وإذا خرج رسول الله- ﷺ جاء وذهب، وذكره القاضى عياض بسنده. وأما نبع الماء الطهور من بين أصابعه- ﷺ، وهو أشرف المياه، فقال
القرطبى: قصة نبع الماء من بين أصابعه قد تكررت منه- ﷺ فى عدة مواطن فى مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها العلم القطعى المستفاد من التواتر المعنوى، ولم يسمع بمثل هذه المعجزة عن غير نبينا- ﷺ، حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه، وقد نقل ابن عبد البر عن المزنى أنه قال: نبع الماء من بين أصابعه- ﷺ أبلغ فى المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى بالعصا فتفجرت منه المياه، لأن خروج الماء من الحجارة معهود بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم. انتهى. وقد روى حديث نبع الماء جماعة من الصحابة، منهم أنس وجابر وابن مسعود. فأما حديث أنس ففى الصحيحين قال: رأيت رسول الله- ﷺ وحانت صلاة العصر، والتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتى رسول الله- ﷺ بوضوء فوضع يده فى ذلك الإناء، فأمر الناس أن يتوضؤوا منه، فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم وفى لفظ البخارى: كانوا ثمانين رجلا، وفى لفظ له: فجعل الماء ينبع من بين أصابعه وأطراف أصابعه حتى توضأ القوم، قال: فقلنا لأنس كم كنتم قال: كنا ثلاثمائة «١» . قوله: «حتى توضؤوا من عند آخرهم» قال الكرمانى: حتى للتدريج، ومن للبيان، أى: توضأ الناس حتى توضأ الذين هم عند آخرهم، وهو كناية عن جميعهم، و «عند» بمعنى «فى» لأن «عند» وإن كانت للظرفية الخاصة لكن المبالغة تقتضى أن تكون لمطلق الظرفية، فكأنه قال: الذين هم فى آخرهم. وقال التيمى: المعنى توضأ القوم حتى وصلت النوبة إلى الآخر، وقال النووى: «من» هنا بمعنى «إلى» وهى لغة، وتعقبه الكرمانى بأنها شاذة، قال: ثم إن «إلى» لا يجوز أن تدخل على «عند» ويلزم عليه وعلى ما قاله التيمى أن لا يدخل إلا خبر، لكن ما قاله الكرمانى من أن «إلى» لا تدخل على عند
شاذة، قال: ثم إن «إلى» لا يجوز أن تدخل على «عند» ويلزم عليه وعلى ما قاله التيمى أن لا يدخل إلا خبر، لكن ما قاله الكرمانى من أن «إلى» لا تدخل على عند
لا يلزم مثله فى «من» إذا وقعت بمعنى «إلى» وعلى توجيه النووى يمكن أن يقال عند زائدة. قاله فى فتح البارى. وروى هذا الحديث أيضا عن أنس، ابن شاهين، ولفظه: قال كنت مع النبى- ﷺ فى غزوة تبوك، فقال المسلمون: يا رسول الله، عطشت دوابنا وإبلنا، فقال: «هل من فضلة ماء» فجاء رجل فى شن بشىء، فقال: «هاتوا صحيفة» فصب الماء ثم وضع راحته فى الماء، قال: فرأيتها تخلل عيونا بين أصابعه، قال: فسقينا إبلنا ودوابنا وتزودنا، فقال: «اكتفيتم؟» فقالوا: نعم اكتفينا يا نبى الله، فرفع يده فارتفع الماء «١» . وأخرج البيهقى عن أنس أيضا، قال: خرج النبى- ﷺ إلى قباء فأتى من بعض بيوتهم بقدح صغير، فأدخل يده فلم يسعه القدح، فأدخل أصابعه الأربعة ولم يستطع أن يدخل إبهامه، ثم قال للقوم: «هلموا إلى الشراب» قال أنس: بصر عينى ينبع الماء من بين أصابعه فلم يزل القوم يردون القدح حتى رووا منه جميعا «٢» . وأما حديث جابر: ففى الصحيحين، قال: عطش الناس يوم الحديبية، وكان رسول الله- ﷺ بين يديه ركوة يتوضأ منها، وجهش الناس نحوه، فقال: «ما لكم؟» فقالوا يا رسول الله ما عندنا ماء نتوضأ به ولا نشربه إلا ما بين يديك، فوضع يده فى الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا، قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة «٣» . وقوله: «يفور» ، أى يغلى ويظهر متدفقا. وفى رواية الوليد بن عبادة بن الصامت عنه فى حديث مسلم الطويل فى ذكر غزوة بواط، قال لى رسول الله- ﷺ: «يا جابر ناد: الوضوء» وذكر الحديث بطوله، وأنه لم يجد إلا قطرة فى عزلاء شجب فأتى به النبى
- ﷺ فغمزه وتكلم بشىء لا أدرى ما هو، وقال: «ناد بجفنة الركب» فأتيت بها فوضعتها بين يديه، وذكر أن النبى- ﷺ بسط يده فى الجفنة وفرق أصابعه وصب عليه جابر، فقال: «بسم الله» ، فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، ثم فارت الجفنة واستدارت حتى امتلأت وأمر الناس بالاستقاء فاستقوا حتى رووا، فقلت: هل بقى من أحد له حاجة؟ فرفع رسول الله- ﷺ يده من الجفنة وهى ملأى «١» . وروى حديث جابر أيضا الإمام أحمد فى مسنده بلفظ: اشتكى أصحاب رسول الله- ﷺ إليه العطش، فدعا بعس فصب فيه شيئا من الماء، فوضع رسول الله- ﷺ فيه يده، وقال: «استقوا» فاستقى الناس، فكنت أرى العيون تنبع من بين أصابعه «٢» . وفى لفظ من حديث له أيضا: فوضع رسول الله- ﷺ كفه فى الإناء ثم قال: «بسم الله» ثم قال: «أسبغوا الوضوء» قال جابر: فو الذى ابتلانى ببصرى، لقد رأيت العيون، عيون الماء يومئذ تخرج من بين أصابعه- ﷺ فما رفعها حتى توضؤوا أجمعون «٣» . ورواه أيضا عند البيهقى فى الدلائل قال: كنا مع رسول الله- ﷺ فى سفر، فأصابنا عطش فجهشنا إلى رسول الله- ﷺ قال: «فوضع يده فى تور من ماء بين يديه، قال: فجعل الماء ينبع من بين أصابعه كأنه العيون قال: خذوا بسم الله» ، فشربنا، فوسعنا وكفانا، ولو كنا مائة ألف لكفانا، قلت لجابر: كم كنتم؟ قال: ألفا وخمسمائة «٤» . وأخرجه ابن شاهين من حديث جابر أيضا، وقال: أصابنا عطش بالحديبية فجهشنا إلى رسول الله- ﷺ، الحديث: وأخرجه أيضا- عن
ر: كم كنتم؟ قال: ألفا وخمسمائة «٤» . وأخرجه ابن شاهين من حديث جابر أيضا، وقال: أصابنا عطش بالحديبية فجهشنا إلى رسول الله- ﷺ، الحديث: وأخرجه أيضا- عن
جابر- أحمد من طريق نبيح العنزى عنه، وفيه: فجاء رجل بإداوة فيها شىء من ماء ليس فى القوم ماء غيره، فصبه رسول الله- ﷺ فى قدح ثم توضأ فأحسن الوضوء، ثم انصرف وترك القدح، قال: «فتزاحم الناس على القدح» فقال: «على رسلكم» ، فوضع كفه فى القدح ثم قال: «أسبغوا الوضوء» قال: فلقد رأيت العيون عيون الماء تخرج من بين أصابعه. وأما حديث ابن مسعود، ففى الصحيح من رواية علقمة: بينما نحن مع رسول الله- ﷺ وليس معنا ماء، فقال لنا رسول الله- ﷺ: «اطلبوا من معه فضل ماء» ، فأتى بما فصبه فى إناء، ثم وضع كفه فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابع رسول الله- ﷺ «١» . وظاهر هذا أن الماء ينبع من بين أصابعه بالنسبة إلى رؤية الرائى، وهو فى نفس الأمر- للبركة الحاصلة فيه- يفور ويكثر، وكفه- ﷺ فى الإناء، فيراه الرائى نابعا من بين أصابعه. وظاهر كلام القرطبى: أنه نبع من نفس اللحم الكائن فى الأصابع، وبه صرح النووى فى شرح مسلم، ويؤيده قول جابر: فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه، وفى رواية: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، وهذا هو الصحيح، وكلاهما معجزة له- ﷺ. وإنما فعل ذلك ولم يخرجه من غير ملامسة ماء ولا وضع إناء تأدبا مع الله تعالى، إذ هو المنفرد بابتداع المعدومات وإيجادها من غير أصل. وروى ابن عباس قال: دعا النبى- ﷺ بلالا فطلب الماء، فقال: لا والله ما وجدت الماء، قال: «فهل من شن؟» فأتاه بشن فبسط كفه فيه فانبعث تحت يده عين، فكان ابن مسعود يشرب وغيره يتوضأ «٢» ، رواه الدارمى وأبو نعيم، وكذا رواه الطبرانى وأبو نعيم من حديث أبى ليلى الأنصارى وأبو نعيم من طريق القاسم بن عبد الله بن أبى رافع عن أبيه عن جده.
٢» ، رواه الدارمى وأبو نعيم، وكذا رواه الطبرانى وأبو نعيم من حديث أبى ليلى الأنصارى وأبو نعيم من طريق القاسم بن عبد الله بن أبى رافع عن أبيه عن جده.
ومن ذلك تفجير الماء ببركته، وانبعاثه بمسه ودعوته. روى مسلم فى صحيحه عن معاذ أن رسول الله- ﷺ قال لهم: «إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتى» قال: فجئناها، وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض بشىء من ماء «١» ، فسألهما رسول الله- ﷺ: «هل مسستما من مائها شيئا؟» قالا: نعم، فسبهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع فى شىء، ثم غسل- ﷺ به وجهه ويديه ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس ثم قال- ﷺ: «يا معاذ، يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملىء جنانا» «٢» . أى بساتين وعمرانا، وهذا أيضا من معجزاته- ﷺ. ورواه القاضى عياض فى الشفاء بنحوه من طريق مالك فى الموطأ، وزاد فقال: قال فى حديث ابن إسحاق: فانخرق من الماء ما له حس كحس الصواعق. وفى البخارى، فى غزوة الحديبية، من حديث المسور بن مخرمة ومروان ابن الحكم: أنهم نزلوا بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضا، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه وشكى إلى رسول الله- ﷺ العطش، فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فو الله ما زال يجيش لهم بالرى حتى صدروا عنه «٣» . والثمد: - بالمثلاثة والتحريك- الماء القليل. وقوله: «يتبرضه الناس تبرضا» - بالضاد المعجمة- أى يأخذونه قليلا قليلا، والبرض: الشىء القليل. وقوله: «فما زال يجيش» - بفتح المثناة التحتية، وبالجيم آخره شين- أى: يفور ماؤه ويرتفع. وفى رواية: أنه- ﷺ توضأ فتمضمض ودعا ومج فى بئر الحديبية من فمه، فجاشت بالماء كذلك.
وفى مغازى أبى الأسود عن عروة: أنه توضأ فى الدلو، ومضمض فاه ثم مج فيه، وأمر أن يصب فى البئر، ونزع سهما من كنانته وألقاه فى البئر ودعا الله تعالى، ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها وهم جلوس على شفتيها، فجمع بين الأمرين. وكذا رواه الواقدى من طريق أوس بن خولى. وهذه القصة غير القصة السابقة فى ذكر نبع الماء من بين أصابعه- ﷺ مما رواه البخارى فى المغازى من حديث جابر: عطش الناس بالحديبية وبين يدى رسول الله- ﷺ ركوة فوضع يده فى الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه. الحديث «١» . فبين القصتين مغايرة، وجمع ابن حبان بينهما: بأن ذلك وقع فى وقتين، انتهى. فحديث جابر فى نبع الماء كان حين حضرت صلاة العصر عند إرادة الوضوء، وحديث البراء كان لإرادة ما هو أعم من ذلك. ويحتمل أن يكون الماء لما تفجر من أصابعه ويده فى الركوة، وتوضؤوا كلهم وشربوا أمر حينئذ بصب الماء الذى بقى فى الركوة فى البئر فتكاثر الماء فيها. انتهى. وفى حديث البراء وسلمة بن الأكوع مما رواه البخارى فى قصة الحديبية وهم أربع عشرة مائة، وبئرها لا تروى خمسين شاة، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فقعد رسول الله- ﷺ على جباها، قال البراء: وأتى بدلو منها فبصق ودعا، وقال سلمة: فإما دعا وإما بصق فيها، فجاشت فأرووا أنفسهم وركابهم، وقال فى رواية البراء: ثم مضمض ودعا ثم صبه فيها ثم قال: «دعوها ساعة» «٢» . قوله: «على جباها» - بفتح الجيم والموحدة والقصر- ما حول البئر، وبالكسر: ما جمعت فيها من الماء. وقوله: «وركابهم» أى الإبل التى يسار عليها. وفى الصحيحين عن عمران بن الحصين قال: كنا مع رسول الله- ﷺ فى سفر، فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلانا- كان يسميه أبو
ى الإبل التى يسار عليها. وفى الصحيحين عن عمران بن الحصين قال: كنا مع رسول الله- ﷺ فى سفر، فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلانا- كان يسميه أبو
رجاء ونسبه عوف- ودعا عليّا، وقال: «اذهبا فابتغيا الماء» فانطلقا فتلقيا امرأة بين مزادتين أو سطيحتين من ماء فجاآ بها إلى النبى- ﷺ، فاستنزلوها عن بعيرها، ودعا النبى- ﷺ بإناء ففرّغ فيه من أفواه المزادتين أو السطيحتين، وأوكأ أفواههما، وأطلق العزالى، ونودى فى الناس: «اسقوا واستقوا» فسقى من سقى، واستقى من شاء، وهى قائمة تنظر إلى ما يفعل بمائها، وايم الله لقد أقلع عنها وإنه ليخيل إلينا أنها أشد ملأة منها حين ابتدأ فيها، فقال النبى- ﷺ: «اجمعوا لها» فجمعوا لها من بين عجوة ورقيقة وسويقة حتى جمعوا لها طعاما، فجعلوه فى ثوب وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها قال لها: «تعلمين ما رزأنا من مائك شيئا ولكن الله هو الذى سقانا» فأتت أهلها فقالت: العجب، لقينى رجلان فذهبا بى إلى الرجل الذى يقال له الصابئ ففعل كذا وكذا، فو الله إنه لأسحر الناس كلهم أو إنه لرسول الله حقّا، فقالت لقومها: ما أرى أن هؤلاء يدعونكم عمدا فهل لكم فى الإسلام «١» . الحديث. وعن أبى قتادة قال: خطبنا رسول الله- ﷺ فقال: «إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم وتأتون الماء غدا إن شاء الله» فانطلق الناس لا يلوى أحد على أحد، فبينا رسول الله- ﷺ يسير حتى ابهارّ الليل- أى ابيض- فمال عن الطريق فوضع رأسه ثم قال: «احافظوا علينا صلاتنا» فكان أول من استيقظ رسول الله- ﷺ والشمس فى ظهره، ثم قال: «اركبوا» ، فركبنا فسرنا، حتى إذا ارتفعت الشمس نزل، ثم دعا بميضأة كانت معى فيها شىء من ماء، فتوضأ منها وضوآ، قال: «وبقى شىء من ماء» ، ثم قال: «احفظ علينا ميضأتك» فسيكون لها نبأ، ثم أذن بلال بالصلاة، فصلى رسول الله- ﷺ ركعتين ثم صلى الغداة، وركب وركبنا معه، فانتهينا إلى الناس حين اشتد النهار وحمى كل شىء، وهم يقولون: يا رسول الله هلكنا وعطشنا، فقال: «لا هلك عليكم» ودعا بالميضأة فجعل يصب وأبو قتادة يسقيهم فلم
هينا إلى الناس حين اشتد النهار وحمى كل شىء، وهم يقولون: يا رسول الله هلكنا وعطشنا، فقال: «لا هلك عليكم» ودعا بالميضأة فجعل يصب وأبو قتادة يسقيهم فلم
يعد أن رأى الناس ماء فى الميضأة فتكابوا عليها، فقال رسول الله- ﷺ: «أحسنوا الملأ «١» كلكم سيروى» ، قال: ففعلوا، فجعل رسول الله- ﷺ يصب وأسقيهم، حتى ما بقى غيرى وغير رسول الله- ﷺ، ثم صب فقال لى: «اشرب» فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله، فقال: «إن ساقى القوم آخرهم» قال: فشربت وشرب «٢» ، الحديث رواه مسلم. وعن أنس قال: أصاب الناس سنة «٣» على عهد رسول الله- ﷺ، فبينما النبى- ﷺ يخطب فى يوم الجمعة، قام أعرابى فقال: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه وما نرى فى السماء قزعة «٤» ، «فو الذى نفسى بيده» ما وضعهما حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد الغد، حتى الجمعة الآخرى، وقام ذلك الأعرابى أو غيره وقال: يا رسول الله، تهدم البناء وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يديه فقال: «اللهم حوالينا ولا علينا» ، فما يشير إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الجوبة، وسال الوادى قناة شهرا، ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود. وفى رواية قال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر» فأقلعت وخرجنا نمشى فى الشمس «٥» . رواه البخارى ومسلم. و «الجوبة» - بفتح الجيم والموحدة بينهما واو ساكنة- الحفرة المستديرة الواسعة، وكل منفتق بلا بناء جوبة، أى حتى صار الغيم والسحاب محيطا بافاق المدينة. و «الجود» : - بفتح الجيم وإسكان الواو- المطر الواسع الغزير. وعن عبد الله بن عباس، أنه قيل لعمر بن الخطاب- رضى الله عنه- حدثنا عن
ساعة العسرة فقال عمر: خرجنا إلى تبوك فى قيظ شديد، فنزلنا منزلا أصابنا عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الرجل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن كان الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقى على كبده. فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن الله قد عودك فى الدعاء خيرا، فادع الله لنا، قال: «أتحبون ذلك؟» قال: نعم، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء فانسكبت، فملؤوا ما معهم من آنية، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها تجاوز العسكر «١» ، قال الحافظ المنذرى: أخرجه البيهقى فى الدلائل، وشيخه ابن بشران ثقة، ودعلج ثقة، وابن خزيمة أحد الأئمة، ويونس احتج به مسلم فى صحيحه وابن وهب وعمرو بن الحارث ونافع بن جبير احتج بهم البخارى ومسلم، وعتبة فيه مقال. وقد رواه القاضى عياض فى الشفاء مختصرا وروى ابن إسحاق فى مغازيه نحوه. وروى صاحب «مصباح الظلام» عن عمرو بن شعيب: أن أبا طالب قال: كنت مع ابن أخى- يعنى النبى- ﷺ بذى المجاز، فأدركنى العطش، فشكوت إليه فقلت: يا ابن أخى عطشت، وما قلت له ذلك وأنا أرى عنده شيئا إلا الجزع، فثنى وركه ثم نزل وقال: «يا عم، أعطشت؟» فقلت: نعم، فأهوى بعقبه إلى الأرض فإذا بالماء، فقال: «اشرب يا عم فشربت» وكذا رواه ابن سعد وابن عساكر. ومن ذلك: تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه- ﷺ. عن جابر، فى غزوة الخندق قال: فانكفأت إلى امرأتى، فقلت هل عندك شىء، فإنى رأيت بالنبى- ﷺ خمصا «٢» شديدا، فأخرجت جرابا فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن «٣» فذبحتها وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم فى البرمة ثم
هل عندك شىء، فإنى رأيت بالنبى- ﷺ خمصا «٢» شديدا، فأخرجت جرابا فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن «٣» فذبحتها وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم فى البرمة ثم
جئت النبى- ﷺ فساررته فقلت: يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا وطحنت صاعا من شعير. فتعال أنت ونفر معك. فصاح النبى- ﷺ: «يا أهل الخندق، إن جابرا صنع سورا، فحى هلا بكم» فقال- ﷺ: «لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجىء برجال» فأخرجت له عجينا فبصق فيه وبارك ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك ثم قال: «ادع خابزة فلتخبز معك، واقدحى من برمتكم ولا تنزلوها» وهم ألف. فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هى، وإن عجيننا ليخبز كما هو «١» ، رواه البخارى ومسلم. وقوله: «فانكفأت» أى: انقلبت. وقوله: «داجن» يعنى سمينة. وقوله: «فذبحتها» بسكون الحاء، و «طحنت» بسكون التاء، يعنى إن الذى ذبح هو جابر، والتى طحنت هى امرأته سهيلة بنت معوذ الأنصارية. وقوله: «سورا» بضم المهملة وسكون الواو بغير همز. قال ابن الأثير: أى طعاما يدعو إليه الناس. قال: اللفظة فارسية. وقوله: «فحى هلا بكم» كلمة استدعاء فيه حث، أى هلموا مسرعين. وقوله: «واقدحى» أى: اغرفى. وقوله: «إن برمتنا لتغط» بالغين المعجمة والطاء المهملة، أى: تغلى ويسمع غطيطها. وعن أنس قال: قال أبو طلحة لأم سليم، لقد سمعت صوت رسول الله- ﷺ ضعيفا، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شىء، فقالت: نعم، فأخرجت أقراصا من شعير، ثم أخرجت خمارا، فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت يدى ولاثتنى ببعضه- أى أدارت بعض الخمار على رأسى مرتين كالعمائم- ثم أرسلتنى إلى رسول الله- ﷺ، فذهبت به فوجدت رسول الله- ﷺ فى المسجد ومعه الناس، فسلمت عليه، فقال لى رسول الله- ﷺ: «أرسلك أبو طلحة؟» فقلت: نعم، قال: «لطعام؟» قلت: نعم، فقال رسول الله- ﷺ لمن معه: «قوموا» فانطلق وانطلقت بين أيديهم، حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء
عم، قال: «لطعام؟» قلت: نعم، فقال رسول الله- ﷺ لمن معه: «قوموا» فانطلق وانطلقت بين أيديهم، حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء
رسول الله- ﷺ بالناس، وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقى رسول الله- ﷺ، فأقبل رسول الله- ﷺ وأبو طلحة معه، فقال رسول الله- ﷺ: «هلمى يا أم سليم ما عندك» فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله- ﷺ ففت، وعصرت أم سليم عكة فأدمته، ثم قال رسول الله- ﷺ فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال: «ائذن لعشرة» فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: «ائذن لعشرة» ثم لعشرة، فأكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلا «١» . رواه البخارى ومسلم. والمراد بالمسجد- هنا- الموضع الذى أعده النبى- ﷺ للصلاة فيه حين محاصرة الأحزاب للمدينة فى غزوة الخندق. وفى رواية لمسلم: أنه قال: «ائذن لعشرة» فدخلوا فقال: «كلوا وسموا الله» ، فأكلوا حتى فعل ذلك بثمانين رجلا، ثم أكل النبى- ﷺ وأهل البيت وترك سؤرا. أى بقية وهو بالهمز. وفى رواية للبخارى: قال: «أدخل على عشرة» ، حتى عد أربعين، ثم أكل النبى- ﷺ، فجعلت أنظر هل نقص منها شىء؟. وفى رواية يعقوب: أدخل على ثمانية ثمانية، فما زال حتى دخل عليها ثمانون، ثم دعانى ودعا أمى وأبا طلحة فأكلنا حتى شبعنا. انتهى. وهذا يدل على تعدد القصة، فإن أكثر الروايات فيها أنه أدخلهم عشرة عشرة سوى هذه، قاله الحافظ ابن حجر، قال: وظاهره أنه- ﷺ دخل لمنزل أبى طلحة وحده، وصرح بذلك فى رواية عبد الرحمن بن أبى ليلى ولفظه: فلما انتهى رسول الله- ﷺ إلى الباب قال لهم: «اقعدوا» ودخل. وفى رواية يعقوب عن أنس: فقال أبو طلحة: يا رسول الله إنما أرسلت أنسا يدعوك وحدك، ولم يكن عندنا ما يشبع من أرى، وفى رواية عمرو بن عبد الله عن أنس: فقال أبو طلحة: إنما هو قرص، فقال: «إن الله سيبارك فيه» «٢» .
قال العلماء: وإنما أدخلهم عشرة عشرة- والله أعلم- لأنها كانت قصعة واحدة، لا يمكن الجماعة الكثيرة أن يقدروا على التناول منها مع قلة الطعام، فجعلهم عشرة عشرة لينالوا من الأكل ولا يزدحموا. وأما قوله- ﷺ: «أرسلك أبو طلحة؟» قلت: نعم، قال: «لطعام؟» قلت: نعم، فقال لمن معه: «قوموا» فظاهره: أن النبى- ﷺ فهم أن أبا طلحة استدعاه إلى منزله، فلذلك قال لمن عنده قوموا، وأول الكلام يقتضى أن أم سليم وأبا طلحة أرسلا الخبز مع أنس؟!. فيجمع: بأنهما أرادا الخبز مع أنس «١» أن يأخذه النبى- ﷺ فيأكله، فلما وصل أنس ورأى كثرة الناس حول النبى- ﷺ استحيى، وظهر له أن يدعو النبى- ﷺ ليقوم معه وحده إلى المنزل فيحصل مقصودهم من إطعامه. ويحتمل أن يكون ذلك عن رأى من أرسله، عهد إليه أنه إذا رأى كثرة الناس أن يستدعى النبى- ﷺ وحده، خشية أن لا يكفى ذلك النبى- ﷺ هو ومن معه، وقد عرفوا إيثاره- ﷺ، وأنه لا يأكل وحده. ووقع فى رواية يعقوب بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس- عند أبى نعيم وأصله عند مسلم- فقال لى أبو طلحة: يا أنس اذهب فقم قريبا من رسول الله- ﷺ، فإذا قام فدعه حتى يتفرق عنه أصحابه، ثم اتبعه حتى إذا قام على عتبة بابه فقل له: إن أبى يدعوك، وفيه: فقال أبو طلحة: يا رسول الله إنما أرسلت أنسا يدعوك وحدك، ولم يكن عندنا ما يشبع من أرى، فقال: «ادخل فإن الله سيبارك فيما عندك» . وفى رواية مبارك بن فضالة: فقال: هل من سمن؟ فقال أبو طلحة: قد كان فى العكة شىء فجاء بها، فجعلا يعصرانها حتى خرج، ثم مسح رسول الله- ﷺ القرص فانتفخ، وقال: «بسم الله» فلم يزل يصنع ذلك والقرص
سمن؟ فقال أبو طلحة: قد كان فى العكة شىء فجاء بها، فجعلا يعصرانها حتى خرج، ثم مسح رسول الله- ﷺ القرص فانتفخ، وقال: «بسم الله» فلم يزل يصنع ذلك والقرص
ينتفخ حتى رأيت القرص فى الجفنة يتسع «١» . وفى رواية النضر بن أنس: فجئت بها ففتح رباطها ثم قال: «بسم الله، اللهم أعظم فيها البركة» «٢» وعرف بهذا المراد بقوله فى رواية الصحيحين: «فقال فيها ما شاء الله أن يقول» . وفى رواية أنس عند أحمد: أن أبا طلحة رأى رسول الله- ﷺ طاويا. وعند أبى يعلى من طريق محمد بن سيرين عن أنس: أن أبا طلحة بلغه أنه ليس عند رسول الله- ﷺ طعام فاجر نفسه بصاع من شعير فعمل بقية يومه ذلك ثم جاء به الحديث. وفى رواية عمرو بن عبد الله بن أبى طلحة عند مسلم وأبى يعلى قال: رأى أبو طلحة رسول الله- ﷺ مضطجعا ينقلب ظهرا لبطن. وفى رواية يعقوب بن عبد الله بن أبى طلحة عند مسلم أيضا عن أنس قال: جئت رسول الله- ﷺ فوجدته جالسا مع أصحابه يحدثهم وقد عصب بطنه بعصابة، فسألت بعض أصحابه فقال من الجوع، فذهبت إلى أبى طلحة فأخبرته، فدخل على أم سليم فقال: هل من شىء؟. وفى رواية محمد بن كعب عن أنس عند أبى نعيم قال: جاء أبو طلحة إلى أم سليم فقال: «أعندك شىء؟ فإنى مررت على النبى- ﷺ وهو يقرئ أصحاب الصفة سورة النساء وقد ربط على بطنه حجرا» . وعن أبى هريرة قال: لما كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقال عمر: يا رسول الله ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم عليها بالبركة، فقال: «نعم» فدعا بنطع فبسط، ثم دعا بفضل أزوادهم فجعل الرجل يجىء بكف ذرة، ويجىء الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع شىء يسير، فدعا رسول الله- ﷺ بالبركة ثم قال: «خذوا فى أوعيتكم» فأخذوا فى أوعيتهم، حتى ما تركوا فى العسكر وعاء إلا ملئوه. قال: فأكلوا حتى شبعوا
النطع شىء يسير، فدعا رسول الله- ﷺ بالبركة ثم قال: «خذوا فى أوعيتكم» فأخذوا فى أوعيتهم، حتى ما تركوا فى العسكر وعاء إلا ملئوه. قال: فأكلوا حتى شبعوا
وفضلت فضلة فقال رسول الله- ﷺ: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأنى رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجز عن الجنة» «١» رواه مسلم. وعن أنس قال: كان رسول الله- ﷺ عروسا بزينب، فعمدت أمى أم سليم إلى تمر وسمن وأقط فصنعت حيسا، فجعلته فى تور، فقالت: يا أنس اذهب بهذا إلى رسول الله- ﷺ فقل: بعثت بهذا إليك أمى، وهى تقرئك السلام، فقال رسول الله- ﷺ: «ضعه» ثم قال: «اذهب فادع لى فلانا وفلانا» رجالا سماهم، «وادع لى من لقيت» فدعوت من سمى ومن لقيت، فرجعت فإذا البيت غاص بأهله، قيل لأنس: عددكم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة، فرأيت النبى- ﷺ وضع يده على تلك الحيسة وتكلم بما شاء الله، ثم جعل يدعو عشرة عشرة يأكلون منه، ويقول لهم: «اذكروا اسم الله، وليأكل كل رجل مما يليه» قال: فأكلوا حتى شبعوا، فخرجت طائفة بعد طائفة حتى أكلوا كلهم، قال لى: «يا أنس ارفع فرفعت، فما أدرى حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت» «٢» رواه البخارى ومسلم. وعن جابر أن أم مالك كانت تهدى للنبى- ﷺ فى عكة لها سمنا، فيأتيها فيسألونها الأدم، وليس عندهم شىء، فتعمد إلى الذى كانت تهدى فيها للنبى- ﷺ فتجد فيه سمنا، فما زال يقيم لها أدم بيتها حتى عصرته، فأتت النبى- ﷺ فقال: «أعصرتيها؟» قالت: نعم، قال: «لو تركتيها ما زال قائما» «٣» رواه مسلم. وعنه أن رجلا أتى النبى- ﷺ يستطعمه، فأطعمه شطر وسق من شعير، فما زال يأكل منه وامرأته وضيفه حتى كاله، فأتى النبى- ﷺ فأخبره، فقال: «لو لم تكله لأكلتم منه ولقام بكم» «٤» . رواه مسلم أيضا.
والحكمة فى ذهاب بركة السمن حين عصرت العكة، وإعدام بركة الشعير حين كاله، أن عصرها وكيله مضاد للتسليم على رزق الله تعالى، يتضمن التدبير والأخذ بالحول والقوة، وتكلف الإحاطة بأسرار حكم الله تعالى وفضله، فعوقب فاعله بزواله، قاله النووى.
حديث القصعة : وعن أبى العلاء سمرة بن جندب قال: كنا مع النبى- ﷺ نتداول من قصعة من غدوة حتى الليل، يقوم عشرة ويقعد عشرة، قلنا: فما كانت تمد؟ قال: «من أى شىء تعجب، ما كانت تمد إلا من هاهنا» وأشار بيده إلى السماء «١» ، رواه الترمذى والدارمى. وعنه: أتى النبى- ﷺ بقصعة فيها لحم، فتعاقبوها من غدوة حتى الليل، يقوم قوم ويقعد آخرون، فقال رجل لسمرة: هل كانت تمد؟ قال: ما كانت تمد إلا من هاهنا، وأشار بيده إلى السماء «٢» . رواه الدارمى وابن أبى شيبة والترمذى والبيهقى والحاكم وصححوه وأبو نعيم. وفى حديث عبد الرحمن بن أبى بكر: كنا مع النبى- ﷺ ثلاثين ومائة، وذكر الحديث أنه عجن صاع، وصنعت شاة فشوى سواد بطنها، قال: وايم الله، ما من الثلاثين ومائة إلا وقد حزّ له حزة من سواد بطنها، ثم جعل منها قصعتين فأكلنا أجمعون وفضل فى القصعتين فحملته على البعير «٣» . رواه البخارى.
الله، ما من الثلاثين ومائة إلا وقد حزّ له حزة من سواد بطنها، ثم جعل منها قصعتين فأكلنا أجمعون وفضل فى القصعتين فحملته على البعير «٣» . رواه البخارى.
وعن أبى هريرة قال: أمرنى رسول الله- ﷺ أن أدعو أهل الصفة، فتتبعتهم حتى جمعتهم، فوضعت بين أيدينا صحفة فأكلنا ما شئنا وفرغنا، وهى مثلها حين وضعت إلا أن فيها أثر الأصابع «١» . رواه ابن أبى شيبة والطبرانى وأبو نعيم. وعن على بن أبى طالب: جمع رسول الله- ﷺ بنى عبد المطلب وكانوا أربعين، منهم قوم يأكلون الجذعة ويشربون الفرق، فصنع لهم مدا من طعام، فأكلوا حتى شبعوا، وبقى كما هو، ثم دعا بعس فشربوا حتى رووا، وبقى كأنه لم يشرب منه، رواه فى الشفاء. ومن ذلك: إبراء ذوى العاهات، وإحياء الموتى، وكلامهم، وكلام الصبيان وشهادتهم له- ﷺ بالنبوة. روى البيهقى فى الدلائل: أنه- ﷺ دعا رجلا إلى الإسلام، فقال: لا أؤمن بك حتى تحيى لى ابنتى، فقال- ﷺ: «أرنى قبرها» فأراه إياه، فقال- ﷺ: «يا فلانة» ، فقالت: لبيك وسعديك. فقال- ﷺ: «أتحبين أن ترجعى إلى الدنيا؟» فقالت: لا والله يا رسول الله، إنى وجدت الله خيرا لى من أبوى، ورأيت الآخرة خيرا لى من الدنيا. وروى الطبرى عن عائشة أن النبى- ﷺ نزل الحجون كئيبا حزينا، فأقام به ما شاء الله ﷿ ثم رجع مسرورا قال: «سألت ربى ﷿ فأحيا لى أمى فامنت بى ثم ردها» . وكذا روى من حديث عائشة أيضا إحياء أبويه- ﷺ حتى آمنا به، أورده السهيلى وكذا الخطيب فى السابق واللاحق، لكن قال السهيلى: إن فى إسناده مجاهيل، وقال ابن كثير: إنه منكر جدّا، وتقدم البحث فى ذلك فى أوائل المقصد الأول.
السهيلى وكذا الخطيب فى السابق واللاحق، لكن قال السهيلى: إن فى إسناده مجاهيل، وقال ابن كثير: إنه منكر جدّا، وتقدم البحث فى ذلك فى أوائل المقصد الأول.
وعن أنس أن شابا من الأنصار توفى وله أم عجوز عمياء، فسجيناه وعزيناها، فقالت: مات ابنى؟ قلنا: نعم، قالت: اللهم إن كنت تعلم أنى هاجرت إليك وإلى نبيك رجاء أن تعيننى على كل شدة فلا تحملن على هذه المصيبة، فما برحنا أن كشف الثوب عن وجهه فطعم وطعمنا «١» . رواه ابن عدى وابن أبى الدنيا والبيهقى وأبو نعيم. وعن النعمان بن بشير قال: كان زيد بن خارجة من سروات الأنصار، فبينما هو يمشى فى طريق من طرق المدينة بين الظهر والعصر إذ خرّ فتوفى، فأعلمت به الأنصار، فأتوه فاحتملوه إلى بيته فسجوه كساء وبردين، وفى البيت نساء من نساء الأنصار يبكين عليه، ورجال من رجالهم، فمكث على حاله حتى إذا كان بين المغرب والعشاء الآخرة سمعوا صوت قائل يقول: انصتوا انصتوا، فنظروا فإذا الصوت من تحت الثياب، فحسروا عن وجهه وصدره، فإذا القائل يقول على لسانه: محمد رسول الله النبى الأمى خاتم النبيين، لا نبى بعده، كان ذلك فى الكتاب الأول، ثم قال: صدق صدق، ثم قال: هذا رسول الله، السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. رواه ابن أبى الدنيا فى كتاب من عاش بعد الموت. وعن سعيد بن المسيب أن رجلا من الأنصار توفى، فلما كفن أتاه القوم يحملونه تكلم فقال: محمد رسول الله، أخرجه أبو بكر بن الضحاك. وأخرج أبو نعيم: أن جابرا ذبح شاة وطبخها، وثرد فى الجفنة، وأتى به رسول الله- ﷺ فأكل القوم، وكان- ﷺ يقول لهم: «كلوا ولا تكسروا عظاما» ثم إنه- ﷺ جمع العظام ووضع يده عليها ثم تكلم بكلام فإذا بالشاة قد قامت تنفض أذنيها، كذا رواه والله أعلم؟!. وعن معرض بن معيقيب اليمانى قال: حججت حجة الوداع، فدخلت دارا بمكة، فرأيت فيها رسول الله- ﷺ، ورأيت منه عجبا، جاء رجل من أهل اليمامة بغلام يوم ولد، فقال له رسول الله- ﷺ: «يا غلام، من أنا»
قال: أنت رسول الله، قال: «صدقت بارك الله فيك» ، ثم إن الغلام لم يتكلم بعد ذلك حتى شب، فكنا نسميه مبارك اليمامة «١» . رواه البيهقى من حديث معرض- بالضاد المعجمة-. وعن فهد بن عطية، أن النبى- ﷺ أتى بصبى قد شب لم يتكلم قط فقال: «من أنا؟» قال: أنت رسول الله، رواه البيهقى. وعن ابن عباس قال: إن امرأة جاءت بابن لها إلى رسول الله- ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابنى به جنون، وإنه ليأخذه عند غدائنا وعشائنا، فمسح رسول الله- ﷺ صدره فثع ثعة وخرج من جوفه مثل الجرو الأسود يسعى «٢» . رواه الدارمى. وقوله «ثع» يعنى قاء. وأصيبت يوم أحد عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته، فأتى بها إلى رسول الله- ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لى امرأة أحبها أخشى إن رأتنى تقذرنى فأخذها رسول الله- ﷺ بيده وردها إلى موضعها وقال: «بسم الله اللهم اكسه جمالا» فكانت أحسن عينيه وأحدّهما نظرا، وكانت لا ترمد إذا رمدت الآخرى «٣» . وقد وفد على عمر بن عبد العزيز رجل من ذريته فسأله عمر: من أنت؟ فقال: أبونا الذى سالت على الخد عينه ... فردت بكف المصطفى أيما رد فعادت كما كانت لأول أمرها ... فيا حسن ما عين ويا حسن ما خد فوصله عمر وأحسن جائزته. قال السهيلى: ورواه محمد بن أبى عثمان عن عمار بن نصر عن مالك بن أنس عن محمد بن عبد الله بن أبى صعصعة
حسن ما عين ويا حسن ما خد فوصله عمر وأحسن جائزته. قال السهيلى: ورواه محمد بن أبى عثمان عن عمار بن نصر عن مالك بن أنس عن محمد بن عبد الله بن أبى صعصعة
عن أبيه عن أبى سعيد عن أخيه قتادة بن النعمان قال: أصيبت عيناى يوم أحد فسقطتا على وجنتى، فأتيت بهما النبى- ﷺ فأعادهما مكانهما وبصق فيهما فعادتا تبرقان، قال الدار قطنى: هذا حديث غريب تفرد به عمار بن نصر وهو ثقة، ورواه الدار قطنى عن إبراهيم الحربى عن عمار بن نصر. وأخرج الطبرانى وأبو نعيم عن قتادة قال: كنت يوم أحد أتقى السهام بوجهى دون وجه رسول الله- ﷺ، فكان آخرها سهما ندرت منه حدقتى فأخذتها بيدى وسعيت إلى رسول الله- ﷺ، فلما رآها فى كفى دمعت عيناه فقال: «اللهم ق قتادة كما وقى وجه نبيك بوجهه، فاجعلها أحسن عينيه وأحدّهما نظرا» «١» . وفى البخارى فى غزوة خيبر أنه- ﷺ قال: «أين على بن أبى طالب» فقالوا: هو يا رسول الله يشتكى عينيه، قال: «فأرسلوا إليه» فأتى به، فبصق رسول الله- ﷺ فى عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع «٢» . وعند الطبرانى من حديث على قال: فما رمدت ولا صدعت منذ دفع إلى رسول الله- ﷺ الراية يوم خيبر «٣» . وفى رواية مسلم من طريق إياس بن سلمة عن أبيه قال: فأرسلنى النبى- ﷺ إلى على فجئت به أقوده أرمد، فبصق فى عينيه فبرأ «٤» . وعند الحاكم من حديث على قال: فوضع- ﷺ رأسى فى حجره ثم بصق فى راحته فدلك بها عينى «٥» . وعند الطبرانى: فما اشتكيتهما حتى الساعة، ودعا لى- ﷺ فقال: «اللهم أذهب عنه الحر والقر» ، قال: فما اشتكيتهما حتى يومى هذا «٦» .
وأصيب سلمة يوم خيبر أيضا بضربة فى ساقه، فنفث فيها- ﷺ ثلاث نفثات فما اشتكاها قط «١» . رواه البخارى. ونفث فى عينى فديك وكانتا مبيضتين لا يبصر بهما شيئا، وكان وقع على بيض حية، فكان يدخل الخيط فى الإبرة وإنه لابن ثمانين سنة وإن عينيه لمبيضتان «٢» ، رواه ابن أبى شيبة والبغوى والبيهقى والطبرانى وأبو نعيم.
كان وقع على بيض حية، فكان يدخل الخيط فى الإبرة وإنه لابن ثمانين سنة وإن عينيه لمبيضتان «٢» ، رواه ابن أبى شيبة والبغوى والبيهقى والطبرانى وأبو نعيم.
الفصل الثانى فيما خصّه الله تعالى به من المعجزات وشرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات والآيات البيّنات اعلم نور الله قلبى وقلبك، وقدس سرى وسرك، أن الله تعالى قد خص نبينا- ﷺ بأشياء لم يعطها لنبى قبله، وما خص نبى بشىء إلا وكان لسيدنا محمد- ﷺ مثله، فإنه أوتى جوامع الكلم، وكان نبيّا وآدم بين الروح والجسد، وغيره من الأنبياء لم يكن نبيّا إلا فى حال نبوته وزمان رسالته. ولما أعطى هذه المنزلة علمنا أنه- ﷺ الممد لكل إنسان كامل مبعوث ويرحم الله الأديب شرف الدين الأبوصيرى فلقد أحسن حيث قال: وكل آى أتى الرسل الكرام بها ... فإنما اتصلت من نوره بهم فإنه شمس فضل هم كواكبها ... يظهرن أنوارها للناس فى الظلم قال العلامة ابن مرزوق: يعنى أن كل معجزة أتى بها كل واحد من الرسل فإنما اتصلت بكل واحد منهم من نور محمد- ﷺ وما أحسن قوله: فإنما اتصلت من نوره بهم فإنه يعطى أن نوره- ﷺ لم يزل قائما به ولم ينقص منه شىء، ولو قال: فإنما هى من نوره لتوهم أنه وزع عليهم وقد لا يبقى له منه شىء. وإنما كانت آيات كل واحد من نوره- ﷺ لأنه شمس فضل هم كواكب تلك الشمس يظهرن- أى تلك الكواكب- أنوار تلك الشمس للناس فى الظلم. فالكواكب ليست مضيئة بالذات وإنما هى مستمدة من الشمس فهى عند غيبة الشمس تظهر نور الشمس. فكذلك الأنبياء قبل وجوده- ﷺ كانوا يظهرون فضله فجميع ما ظهر على أيدى الرسل- عليهم
الصلاة والسلام- سواه من الأنوار فإنما هو من نوره الفائض ومدده الواسع من غير أن ينقص منه شىء. وأول ما ظهر ذلك فى آدم- ﵇، حيث جعله الله خليفة وأمده بالأسماء كلها من مقام جوامع الكلم التى لمحمد- ﷺ فظهر بعلم الأسماء كلها على الملائكة القائلين: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ «١» ، ثم توالت الخلائف فى الأرض إلى أن وصل زمان وجود صورة جسم نبينا- ﷺ الشريف لإظهار حكم منزلته، فلما برز كان كالشمس اندرج فى نوره كل نور، وانطوى تحت منشور آياته كل آية لغيره من الأنبياء، ودخلت الرسالات كلها فى صلب نبوته، والنبوات كلها تحت لواء رسالته، فلم يعط أحد منهم كرامة أو فضيلة إلا وقد أعطى- ﷺ مثلها. فادم- ﵊ أعطى أن الله تعالى خلقه بيده، فأعطى سيدنا محمد- ﷺ شرح صدره، وتولى الله تعالى شرح صدره بنفسه، وخلق فيه الإيمان والحكمة، وهو الخلق النبوى، فتولى من آدم الخلق الوجودى ومن سيدنا محمد- ﷺ الخلق النبوى، مع أن المقصود- كما مر- من خلق آدم خلق نبينا فى صلبه، فسيدنا محمد- ﷺ المقصود وآدم الوسيلة، والمقصود سابق على الوسيلة «٢» . وأما سجود الملائكة لآدم، فقال فخر الدين الرازي فى تفسيره: إن الملائكة أمروا بالسجود لآدم لأجل أن نور محمد- ﷺ كان فى جبهته «٣» ، ولله در القائل:
٢» . وأما سجود الملائكة لآدم، فقال فخر الدين الرازي فى تفسيره: إن الملائكة أمروا بالسجود لآدم لأجل أن نور محمد- ﷺ كان فى جبهته «٣» ، ولله در القائل:
تجليت جل الله فى وجه آدم ... فصلى له الأملاك حين توسلوا وعن أبى عثمان الواعظ، فيما حكاه الفاكهانى قال: سمعت الإمام سهل بن محمد يقول: هذا التشريف الذى شرف الله تعالى به محمدا بقوله: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ «١» الآية، أتم وأجمع من تشريف آدم- ﵇ بأمر الملائكة له بالسجود، لأنه لا يجوز أن يكون الله مع الملائكة فى ذلك التشريف، فتشريف يصدر عنه تعالى وعن الملائكة والمؤمنين أبلغ من تشريف تختص به الملائكة، انتهى. قال بعضهم: وأما تعليم آدم أسماء كل شىء، فأخرج الديلمى فى مسند الفردوس من حديث أبى رافع قال: قال رسول الله- ﷺ: «مثلت لى أمتى فى الماء والطين، وعلمت الأسماء كلها كما علم آدم الأسماء كلها» «٢» فكما أن آدم علم أسماء العلوم كلها كذلك نبينا- ﷺ، وزاد عليه- واصل الله صلاته وسلامه عليه- بعلم ذواتها. ولله در الأبوصيرى حيث قال: لك ذات العلوم من عالم الغي ... ب ومنها لآدم الأسماء ولا ريب أن المسميات أعلى رتبة من الأسماء، لأن الأسماء يؤتى بها لتبين المسميات، فهى المقصودة بالذات، وإليه الإيماء بقوله: «ذات العلوم» ، والأسماء مقصودة لغيرها فهى دونها، ففضل العالم بحسب فضل معلومه.
- وأما إدريس- ﵇، فرفعه الله مكانا عليّا، فأعطى سيدنا محمد- ﷺ المعراج، ورفع إلى مكان لم يرفع إليه غيره.
- وأما نوح- ﵇ فنجاه الله تعالى ومن آمن معه من الغرق ونجاه من الخسف، فأعطى سيدنا محمد- ﷺ أنه لم تهلك أمته بعذاب من السماء، قال الله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ «٣» . وأما قول الفخر الرازى فى تفسيره: «أكرم الله نوحا بأن أمسك سفينته
من السماء، قال الله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ «٣» . وأما قول الفخر الرازى فى تفسيره: «أكرم الله نوحا بأن أمسك سفينته
على الماء وفعل بمحمد- ﷺ أعظم منه. روى أنه- ﷺ كان على شط ماء وقعد عكرمة بن أبى جهل فقال: إن كنت صادقا فادع ذلك الحجر الذى فى الجانب الآخر فليسبح ولا يغرق، فأشار إليه- ﷺ فانقلع الحجر من مكانه وسبح حتى صار بين يدى رسول الله- ﷺ وشهد له بالرسالة، فقال له النبى- ﷺ: «يكفيك هذا؟» فقال: حتى يرجع إلى مكانه» فلم أره لغيره والله أعلم بحاله.
- وأما إبراهيم الخليل- ﵊ فكانت عليه نار نمروذ بردا وسلاما، فأعطى سيدنا محمد- ﷺ نظير ذلك، إطفاء نار الحرب عنه- ﷺ وناهيك بنار حطبها السيوف ووهجها الحتوف وموقدها الحسد ومطلبها الروح والجسد، قال الله تعالى: كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ «١» . فكم أرادوا أن يطفئوا النور بالنار، وأبى الجبار إلا أن يتم نوره وأن يخمد شرورهم ويحمد لمحمد- ﷺ سروره وظهوره. ويذكر أنه- ﷺ مر ليلة المعراج على بحر النار الذى دون سماء الدنيا مع سلامته منه، كما روى مما رأيته فى بعض الكتب. وروى النسائى أن محمد بن حاطب قال: كنت طفلا فانصب القدر على واحترق جلدى كله، فحملنى أبى إلى رسول الله- ﷺ فتفل- ﷺ فى جلدى ومسح بيده على المحترق وقال: «أذهب البأس رب الناس» ، فصرت صحيحا لا بأس بى «٢» . وأما ما أعطيه إبراهيم- ﵊ من مقام الخلة فقد أعطيه نبينا- ﷺ، وزاد بمقام المحبة. وقد روى فى حديث الشفاعة أن الخليل إبراهيم- ﵊ إذا قيل له: اتخذك الله خليلا فاشفع لنا قال: «إنما كنت خليلا من وراء وراء» اذهبوا إلى غيرى إلى أن تنتهى الشفاعة إلى النبى- ﷺ فيقول: «أنا لها، أنا لها» «٣» وهذا يدل على أن نبينا- ﷺ كان
خليلا مع رفع الحجاب وكشف الغطاء ولو كان خليلا من وراء وراء لاعتذر كما اعتذر إبراهيم- ﵊. وفيه تنبيه ظاهر على أنه- ﷺ فاز برؤية الحق سبحانه وكشف له الغطاء حتى رأى الحق بعينى رأسه «١» ، كما سيأتى البحث فى ذلك- إن شاء الله تعالى- فى المقصد الخامس. والملخص من هذا: أن النبى- ﷺ نال درجة الخلة التى اشتهرت لإبراهيم- ﵊ على وجه نطق إبراهيم بأن نصيب سيدنا محمد- ﷺ منه الأعلى، بمفهوم قوله عن نفسه: «إنما كنت خليلا من وراء وراء» فلم يشفع، ففيه دليل على أنه إنما يشفع من كان خليلا لا من وراء وراء بل مع الكشف والعيان وقرب المكانة من حظيرة القدس، لا المكان، وذلك مقام محمد- ﷺ بالدليل والبرهان. ومما أعطيه إبراهيم- ﵊ انفراده فى أهل الأرض بعبادة الله تعالى وتوحيده، والانتصاب للأصنام بالكسر والقسر، أعطى سيدنا محمد- ﷺ كسرها بأسرها بمحضر من أولى نصرها بقضيب ليس مما يكسر إلا بقوة ربانية ومادة إلهية، اجتزأ فيها بالأنفاس عن الفاس، وما عول على المعول، ولا عرض فى القول ولا تمرض من الصول بل قال جهرا بغير سر: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً «٢» . ومما أعطيه الخليل- ﵊ بناء البيت الحرام، ولا خفاء أن البيت جسد وروحه الحجر الأسود بل هو سويداء القلب، بل جاء «أنه يمين الرب» «٣» كناية عن استلامه كما تستلم الأيمان عند عقد العهود والأيمان، وقد أعطى سيدنا محمد- ﷺ أن قريشا لما بنت البيت بعد تهدمه ولم يبق إلا وضع الحجر تنافسوا على الفخر الفخم والمجد الضخم، ثم اتفقوا على أن يحكموا أول داخل، فاتفق دخول سيدنا محمد- ﷺ فقالوا: هذا الأمين،
بعد تهدمه ولم يبق إلا وضع الحجر تنافسوا على الفخر الفخم والمجد الضخم، ثم اتفقوا على أن يحكموا أول داخل، فاتفق دخول سيدنا محمد- ﷺ فقالوا: هذا الأمين،
فحكموه فى ذلك فأمر ببسط ثوب ووضع الحجر فيه ثم قال: «يرفع كل بطن بطرف» فرفعوه جميعا، ثم أخذه سيدنا محمد- ﷺ فوضعه فى موضعه «١» ، فادخر الله تعالى له ذلك المقام ليكون منقبة له على مدى الأيام.
- وأما ما أعطيه موسى- ﵊ من قلب العصا حية غير ناطقة، فأعطى سيدنا محمد- ﷺ حنين الجذع «٢» ، وقد مرت قصته. وحكى الإمام الرازى- فى تفسيره- وغيره: أنه لما أراد أبو جهل أن يرميه- ﷺ بالحجر رأى على كتفيه ثعبانين فانصرف مرعوبا. وأما ما أعطيه موسى- ﵇ أيضا من اليد البيضاء، وكان بياضها يغشى البصر، فأعطى سيدنا محمد- ﷺ أنه لم يزل نورا ينتقل فى أصلاب الآباء وبطون الأمهات من لدن آدم إلى أن انتقل إلى عبد الله أبيه. وأعطى- ﷺ قتادة بن النعمان وقد صلى معه العشاء فى ليلة مظلمة مطيرة عرجونا وقال: «انطلق به فإنه سيضىء لك من بين يديك عشرا، ومن خلفك عشرا، فإذا دخلت بيتك فسترى سوادا فاضربه حتى يخرج فإنه شيطان» «٣» فانطلق فأضاء له العرجون حتى دخل بيته ووجد السواد وضربه حتى خرج. رواه أبو نعيم. وأخرج البيهقى، وصححه الحاكم عن أنس قال: كان عباد بن بشر وأسيد بن حضير عند رسول الله- ﷺ فى حاجة: حتى ذهب من الليل ساعة، وهى ليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا وبيد كل واحد منهما عصا، فأضاءت لهما عصا أحدهما، فمشيا فى ضوئها، حتى إذا افترقت بهم الطريق أضاءت للآخر عصاه، فمشى كل واحد منهما فى ضوء عصاه حتى بلغ هديه «٤» ، ورواه البخارى بنحوه فى الصحيح.
أحدهما، فمشيا فى ضوئها، حتى إذا افترقت بهم الطريق أضاءت للآخر عصاه، فمشى كل واحد منهما فى ضوء عصاه حتى بلغ هديه «٤» ، ورواه البخارى بنحوه فى الصحيح.
وأخرج البخارى فى تاريخه والبيهقى وأبو نعيم عن حمزة الأسلمى قال: كنا مع النبى- ﷺ فى سفر فتفرقنا فى ليلة ظلماء، فأضاءت أصابعى حتى جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم وإن أصابعى لتنير «١» . ومما أعطيه موسى- ﵇ أيضا انفلاق البحر له، أعطى نبينا محمد- ﷺ انشقاق القمر- كما مر- فموسى تصرف فى عالم الأرض وسيدنا محمد- ﷺ تصرف فى عالم السماء، والفرق بينهما واضح، قاله ابن المنير. وذكر ابن حبيب أن بين السماء والأرض بحرا يسمى المكفوف «٢» ، يكون بحر الأرض بالنسبة إليه كالقطرة من البحر المحيط، قال: فعلى هذا يكون ذلك البحر انفلق لنبينا- ﷺ حتى جاوزه- يعنى ليلة الإسراء- وهو أعظم من انفلاق البحر لموسى- ﵊. ومما أعطيه موسى- ﵇ إجابة دعائه، أعطى نبينا محمد- ﷺ من ذلك ما لا يحصى. ومما أعطيه موسى- ﵇ تفجير الماء له من الحجارة، أعطى سيدنا محمد- ﷺ أن الماء تفجر من بين أصابعه «٣» ، وهذا أبلغ لأن الحجر من جنس الأرض التى ينبع منها الماء، ولم تجر العادة ينبع الماء من اللحم، ويرحم الله القائل: وكل معجزة للرسل قد سلفت ... وافى بأعجب منها عند إظهار فما العصا حية تسعى بأعجب من ... شكوى البعير ولا من مشى أشجار ولا انفجار معين الماء من حجر ... أشد من سلسل من كفه جار ومما أعطيه موسى- ﵇ الكلام، أعطى سيدنا محمد- ﷺ مثله ليلة الإسراء وزيادة الدنو والتدلى، وأيضا كان مقام المناجاة فى حق نبينا
- ﷺ فوق السماوات العلى وسدرة المنتهى، والمستوى وحجب النور والرفرف، ومقام المناجاة لموسى- ﵇ طور سيناء.
- وأما ما أعطيه هارون- ﵊ من فصاحة اللسان، فقد كان نبينا- ﷺ من الفصاحة والبلاغة بالمحل الأفضل والموضع الذى لا يجهل. ولقد قال له بعض أصحابه: ما رأينا الذى هو أفصح منك فقال: «وما يمنعنى وإنما نزل القرآن بلسانى، لسان عربى مبين» «١» . وقد كانت فصاحة هارون غايتها فى العبرانية، والعربية أفصح منها. وهل كانت فصاحة هارون معجزة أم لا؟ قال ابن المنير: الظاهر أنها لم تكن معجزة، ولكن فضيلة ولم يتحد نبى من الأنبياء بالفصاحة إلا نبينا محمد- ﷺ، لأن هذه الخصوصية لا تكون لغير الكتاب العزيز، وهل فصاحته- ﷺ فى جوامع الكلم التى ليست من التلاوة ولكنها معدودة من السنة، هل تحدى بها أم لا؟ فظاهر قوله- ﷺ: «أوتيت جوامع الكلم» «٢» أنه من التحدث بنعمة الله عليه وخصائصه، ولا خلاف أنها باعتبار ما اشتملت عليه من الإخبار بالمغيبات ونحوها معجزة.
- وأما ما أعطيه يوسف- ﵊ من شطر الحسن، فأعطى نبينا- ﷺ الحسن كله، وستأتى الإشارة إلى ذلك- إن شاء الله تعالى- فى مقصد الإسراء. ومن تأمل ما نقلته فى صفته تبين له من ذلك التفصيل التفضيل على كل مشهور بالحسن فى كل جيل. وأما ما أعطيه يوسف- ﵇ أيضا من تعبير الرؤيا، فالذى نقل عنه من ذلك ثلاث منامات، أحدها: حين رأى أحد عشر كوكبا والشمس والقمر، والثانى: منام صاحبى السجن، والثالث: منام الملك، وقد أعطى نبينا- ﷺ من ذلك ما لا يدخله الحصر، ومن تصفح الأخبار وتتبع الآثار وجد من ذلك العجب العجاب، وستأتى نبذة من ذلك- إن شاء الله تعالى-.
ام الملك، وقد أعطى نبينا- ﷺ من ذلك ما لا يدخله الحصر، ومن تصفح الأخبار وتتبع الآثار وجد من ذلك العجب العجاب، وستأتى نبذة من ذلك- إن شاء الله تعالى-.
- وأما ما أعطيه داود- ﵊ من تليين الحديد له، فكان إذا مسح الحديد لان، فأعطى نبينا- ﷺ أن العود اليابس اخضر فى يده وأورق، ومسح- ﷺ شاة أم معبد الجرباء، فبرئت ودرت.
- وأما ما أعطيه سليمان- ﵊ من كلام الطير وتسخير الشياطين والريح، والملك الذى لم يعطه أحد من بعده، فقد أعطى سيدنا محمد- ﷺ مثل ذلك وزيادة. أما كلام الطير والوحش فنبينا- ﷺ كلمه الحجر، وسبح فى كفه الحصى، وهو جماد، وكلمه ذراع الشاة المسمومة- كما تقدم فى غزوة خيبر- وكذلك كلمه الظبى وشكا إليه البعير- كما مر-. وروى أن طيرا فجع بولده فجعل يرفرف على رأسه ويكلمه فيقول: أيكم فجع هذا بولده، فقال رجل أنا فقال: «اردد ولده» ذكره الرازى ورواه أبو داود بلفظ: كنا مع النبى- ﷺ فى سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش- أى تدنو- من الأرض، فجاء النبى- ﷺ فقال: «من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها» «١» الحديث. وقصة كلام الذئب مشهورة. وأما الريح التى كانت غدوها شهر ورواحها شهر، تحمله أين أراد من أقطار الأرض، فقد أعطى سيدنا محمد- ﷺ البراق الذى هو أسرع من الريح، بل أسرع من البرق الخاطف، فحمله من الفرش إلى العرش فى ساعة زمانية، وأقل مسافة ذلك سبعة آلاف سنة، وتلك مسافة السماوات، وأما إلى المستوى وإلى الرفرف فذلك ما لا يعلمه إلا الله تعالى. وأيضا: فالريح سخرت لسليمان لتحمله إلى نواحى الأرض، ونبينا- ﷺ زويت له الأرض
ة السماوات، وأما إلى المستوى وإلى الرفرف فذلك ما لا يعلمه إلا الله تعالى. وأيضا: فالريح سخرت لسليمان لتحمله إلى نواحى الأرض، ونبينا- ﷺ زويت له الأرض
- أى جمعت- حتى رأى مشارقها ومغاربها، وفرق بين من يسعى إلى الأرض، وبين من تسعى له الأرض. وأما ما أعطيه من تسخير الشياطين فقد روى أن أبا الشياطين إبليس اعترض سيدنا محمد- ﷺ وهو فى الصلاة فأمكنه الله منه وربطه بسارية من سوارى المسجد «١» وخير مما أوتيه سليمان من ذلك إيمان الجن بمحمد- ﷺ، فسليمان استخدمهم ومحمد استسلمهم. وأما عد الجن من جنود سليمان فى قوله تعالى: وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ «٢» . فخير منه عد الملائكة، جبريل ومن معه من جملة أجناده- ﷺ، باعتبار الجهاد وباعتبار تكثير السواد على طريقة الأجناد. وأما عد الطير من جملة أجناده، فأعجب منه حمامة الغار «٣» وتوكيرها فى الساعة الواحدة وحمايتها له من عدوه، والغرض من استكثار الجند إنما هو الحماية، وقد حصلت من أعظم شىء بأيسر شىء. وأما ما أعطيه من الملك، فنبينا- ﷺ خيّر بين أن يكون نبيّا ملكا ونبيّا عبدا، فاختار- ﷺ أن يكون نبيّا عبدا. ولله در القائل: يا خير عبد على كل الملوك ولى
- وأما ما أعطيه عيسى- ﵊ من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، فأعطى سيدنا محمد- ﷺ أنه رد العين إلى مكانها بعد ما سقطت فعادت أحسن ما كانت «٤» ، وفى دلائل البيهقى قصة الرجل الذى قال للنبى- ﷺ لا أؤمن بك حتى تحيى لى ابنتى، وفيه أنه- ﷺ أتى قبرها فقال: «يا فلانة» ، فقالت: لبيك وسعديك يا رسول الله، الحديث «٥» ، وقد مر. وروى أن امرأة معاذ بن عفراء- وكانت برصاء-
فشكت ذلك إلى رسول الله- ﷺ فمسح عليها بعصا فأذهب الله البرص منها، ذكره الرازى، وأيضا قد سبح الحصى فى كفه- ﷺ، وسلم عليه الحجر، وحن لفراقه الجذع، وذلك أبلغ من تكليم الموتى لأن هذا من جنس من لا يتكلم. وأما ما أعطيه عيسى أيضا من أنه كان يعرف ما تخفيه الناس فى بيوتهم، فقد أعطى نبينا- ﷺ من ذلك ما لا يحصى، وسيأتى من ذلك- إن شاء الله تعالى- ما يكفى ويشفى. وأما ما أعطيه عيسى أيضا من رفعه إلى السماء، فقد أعطى نبينا- ﷺ ذلك ليلة المعراج، وزاد فى الترقى لمزيد الدرجات وسماع المناجاة والحظوة فى الحضرة المقدسة بالمشاهدات. وبالجملة: فقد خص الله تعالى نبينا- ﷺ من خصائص التكريم بما لم يعطه أحدا من الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام-. وقد روى جابر عنه- ﷺ أنه قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلى، كان كل نبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لى الغنائم ولم تحل لأحد قبلى، وجعلت لى الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتى أدركته الصلاة فليصل حيث كان، ونصرت بالرعب مسيرة شهر وأعطيت الشفاعة» «١» رواه البخارى. وفى رواية: «وبعثت إلى الناس كافة» . وزاد البخارى فى روايته- فى الصلاة- عن محمد بن سنان (من الأنبياء) . وعند الإمام أحمد: «أعطيت خمسا لم يعطهن نبى قبلى، ولا أقوله فخرا» وفيه: «وأعطيت الشفاعة فاخترتها لأمتى، فهى لمن لا يشرك بالله شيئا» وإسناده كما قال ابن كثير جيد.
أحمد: «أعطيت خمسا لم يعطهن نبى قبلى، ولا أقوله فخرا» وفيه: «وأعطيت الشفاعة فاخترتها لأمتى، فهى لمن لا يشرك بالله شيئا» وإسناده كما قال ابن كثير جيد.
وليس المراد حصر خصائصه- ﷺ فى هذه الخمسة المذكورة. فقد روى مسلم من حديث أبى هريرة مرفوعا: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب وجعلت لى الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بى النبيون» «١» فذكر الخمسة المذكورة فى حديث جابر إلا الشفاعة، وزاد خصلتين وهما: أعطيت جوامع الكلم وختم بى النبيون، فتحصل منه ومن حديث جابر سبع خصال. ولمسلم أيضا من حديث حذيفة: «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة» «٢» وذكر خصلة الأرض كما تقدم، قال: وذكر خصلة أخرى. وهذه الخصلة المبهمة قد بينها ابن خزيمة والنسائى، وهى: وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، يشير إلى ما حطه الله تعالى عن أمته من الإصر وتحميل ما لا طاقة لهم به، ورفع الخطأ والنسيان، فصارت الخصال تسعا. ولأحمد من حديث على «أعطيت أربعا لم يعطهن أحد من أنبياء الله تعالى قبلى أعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعلت أمتى خير الأمم، وذكر خصلة التراب، فصارت الخصال ثنتى عشرة خصلة» «٣» . وعند البزار من وجه آخر عن أبى هريرة رفعه: «فضلت على الأنبياء، وغفر لى ما تقدم من ذنبى وما تأخر، وجعلت أمتى خير الأمم، وأعطيت الكوثر، وإن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمن دونه» «٤» وذكر ثنتين مما تقدم. وله من حديث ابن عباس رفعه: «فضلت على الأنبياء بخصلتين: كان شيطانى كافرا فأعاننى الله عليه فأسلم. قال: ونسيت الآخرى» «٥» .
» «٤» وذكر ثنتين مما تقدم. وله من حديث ابن عباس رفعه: «فضلت على الأنبياء بخصلتين: كان شيطانى كافرا فأعاننى الله عليه فأسلم. قال: ونسيت الآخرى» «٥» .
فينتظم بهذا سبع عشرة خصلة، ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع. وقد ذكر أبو سعيد النيسابورى فى كتاب «شرف المصطفى» أن عدد الذى خص به- ﷺ ستون خصلة. وطريق الجمع أن يقال: لعله- ﷺ اطلع أولا على بعض ما اختص له، ثم اطلع على الباقى. ومن لا يرى مفهوم العدد حجة يدفع هذا الإشكال من أصله. وقد ذكر بعض العلماء أنه- ﷺ أوتى ثلاثة آلاف معجزة وخصيصية. وقد اختلف فى العلم بخصائصه- ﷺ، فقال الصيمرى من الشافعية: منع أبو على بن خيران الكلام فيها، لأنه أمر انقضى فلا معنى للكلام فيه. وقال إمام الحرمين: قال المحققون ذكر الاختلاف فى مسائل الخصائص خبط غير مفيد، فإنه لا يتعلق به حكم ناجز تمس إليه حاجة، وإنما يجرى الخلاف فيما لا يوجد بد من إثبات حكم فيه، فإن الأقيسة لا مجال لها، والأحكام الخاصة تتبع فيها النصوص، وما لا نص فيه فالخلاف فيه هجوم على الغيب من غير فائدة. وقال النووى- فى الروضة والتهذيب- بعد نقله هذين الكلامين: وقال سائر الأصحاب لا بأس به، وهو الصحيح، لما فيه من زيادة العلم، فهذا كلام الأصحاب، والصواب الجزم بجواز ذلك، بل استحبابه، ولو قيل وجوبه لم يكن بعيدا، لأنه ربما رأى جاهل بعض الخصائص ثابتا فى الحديث الصحيح فعمل به أخذا بأصل التأسى، فوجب بيانها لتعرف، فلا يعمل بها، فأى فائدة أهم من هذه الفائدة، وأما ما يقع فى ضمن الخصائص مما لا فائدة فيه اليوم فقليل لا تخلو أبواب الفقه عن مثله للتدريب ومعرفة الأدلة، وتحقيق الشىء على ما هو عليه. انتهى كلام النووى. وقد تتبعت ما شرف الله تعالى به نبينا- ﷺ من الخصائص والآيات،



