المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya القسطلاني (w. 923 H).

Bagian 23 dari 49 2019 halaman

— Bagian 23 · وأكرمه به من الفضائل والكرامات من كتب العلماء، ك… —

Bagian 23

وأكرمه به من الفضائل والكرامات من كتب العلماء، كالخصائص لابن سبع، وخصائص الروضة للنووى، ومختصرها للحجازى، وشرح الحاوى لابن الملقن، وشرح البهجة لشيخ الإسلام زكريا الأنصارى، واللفظ المكرم فى خصائص النبى- ﷺ للشيخ قطب الدين الخيضرى، واستفدت منه كثيرا فى فصل المعجزات، مع ما رأيته أثناء مطالعتى لفتح البارى، وشرح مسلم للنووى، وشرح تقريب الأسانيد للعراقى وغير ذلك مما يطول ذكره، فتحصل لى من ذلك جملة. وقد قسمها غير واحد من الأئمة أربعة أقسام: [خصائص النبي ص من الفضائل والكرامات]

القسم الأول: ما اختص به- ﷺ من الواجبات والحكمة فى ذلك زيادة الزلفى والدرجات، فإنه لن يتقرب المتقربون إلى الله تعالى بمثل أداء ما افترض عليهم. قال بعضهم: خص الله تعالى نبيه- ﷺ بواجبات عليه لعلمه بأنه أقوم بها منهم، وقيل ليجعل أجره بها أعظم.

  • فاختص- ﷺ بوجوب الضحى على المذهب ، لكن قول عائشة فى الصحيح: (ما رأيت رسول الله- ﷺ يسبح سبحة الضحى) «١» يدل على ضعف أنها كانت واجبة عليه. قال الحافظ ابن حجر: ولم يثبت ذلك فى خبر صحيح. انتهى. وسيأتى مزيد لذلك- إن شاء الله تعالى- فى ذكر صلاة الضحى فى مقصد عباداته- ﷺ. وهل كان الواجب عليه أقل الضحى أو أكثرها، أو أدنى الكمال؟ قال الحجازى: لا نقل فيه، لكن فى مسند أحمد: «أمرت بركعتى الضحى ولم تؤمروا بهما» «٢» .

  • ومنها الوتر وركعتا الفجر ، كما رواه الحاكم فى المستدرك وغيره، ولفظ أحمد والطبرانى: «ثلاث على فريضة وهن لكم تطوع، الوتر وركعتا

الفجر وركعتا الضحى» «١» . قال بعضهم: وقد ثبت أنه- ﷺ صلى الوتر على الراحلة. قال: ولو كان واجبا لما جاز فعله على الراحلة. وتعقب: بأن فعله على الراحلة من الخصائص أيضا كما سيأتى فيما اختص به- ﷺ من المباحات، - إن شاء الله تعالى-. وأجيب بأنه يحتاج إلى دليل. وهل كان الواجب عليه أقل الوتر أم أكثره؟ أم أدنى الكمال؟ قال الحجازى: لم أر فيه نقلا.

ﷺ من المباحات، - إن شاء الله تعالى-. وأجيب بأنه يحتاج إلى دليل. وهل كان الواجب عليه أقل الوتر أم أكثره؟ أم أدنى الكمال؟ قال الحجازى: لم أر فيه نقلا.

  • ومنها صلاة الليل ، قال تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ «٢» . أى فريضة زائدة لك على الصلوات المفروضة، أو فضيلة لك لاختصاص وجوبه بك، وهذا ما صححه الرافعى ونقله النووى عن الجمهور، ثم قال: وحكى الشيخ أبو حامد أن الشافعى نص على أنه نسخ وجوبه فى حقه، كما نسخ فى حق غيره.

  • ومنها السواك ، واستدلوا له بما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن أبى حنظلة بن أبى عامر أن رسول الله- ﷺ أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرا أو غير طاهر، فلما شق عليه ذلك أمر بالسواك لكل صلاة «٣» . وفى إسناده محمد بن إسحاق، وقد رواه بالعنعنة وهو مدلس. وحجة من لم يجعله واجبا عليه، ما رواه ابن ماجه فى سننه من حديث أبى أمامة أن رسول الله- ﷺ قال: «ما جاءنى جبريل إلا أوصانى بالسواك

حتى خشيت أن يفرض على وعلى أمتى» «١» ، وإسناده ضعيف. وروى أحمد فى مسنده من حديث واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله- ﷺ: «أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب على» «٢» ، وإسناده حسن. والخصائص لا تثبت إلا بدليل صحيح، قاله فى شرح تقريب الأسانيد.

  • ومنها الأضحية ، قال الله تعالى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ «٣» ، وروى الدارقطنى والحاكم عن ابن عباس أنه- ﷺ قال: «ثلاث هن على فرائض، وهن لكم تطوع: النحر والوتر وركعتا الفجر» «٤» .

فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ «٣» ، وروى الدارقطنى والحاكم عن ابن عباس أنه- ﷺ قال: «ثلاث هن على فرائض، وهن لكم تطوع: النحر والوتر وركعتا الفجر» «٤» .

  • ومنها المشاورة ، قال الله تعالى: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ «٥» . فظاهره الإيجاب، ويقال إنه استحباب، استمالة للقلوب، ومعناه: استخراج آرائهم، ونقل البيهقى فى «معرفة السنن والآثار» عن النص: أن المشورة غير واجبة عليه، كما نبه عليه الحجازى وغيره. واختلف فى المعنى الذى لأجله أمر الله تعالى نبيه- ﷺ بالمشاورة مع كمال عقله وجزالة رأيه وتتابع الوحى عليه، ووجوب طاعته على أمته. فقال بعضهم: هو خاص فى المعنى، وإن كان عاما فى اللفظ، أى: وشاورهم فيما ليس عندك من الله فيه عهد، يدل عليه قراءة ابن عباس: وشاورهم فى بعض الأمر. وقال الكلبى: يعنى ناظرهم فى لقاء العدو، ومكائد الحرب عند الغزو. وقال قتادة ومقاتل: كانت سادات العرب إذا لم تشاور فى الأمر شق عليهم، فأمر الله تعالى نبيه- ﷺ أن يشاورهم، فإن ذلك أعطف لهم

وأذهب لأضغانهم، وأطيب لنفوسهم. وقال الحسن: قد علم الله أن ما به إليهم حاجة، ولكنه أراد أن يستن به من بعده. وحكى القاضى أبو يعلى، فى الذى أمر بالمشاورة فيه قولين: أحدهما: فى أمر الدنيا خاصة، والثانى: فى الدين والدنيا وهو الأصح، قاله المعافى بن زكريا فى تفسيره. والحكمة فى المشاورة فى الدين التنبيه لهم على علل الأحكام، وطريق الاجتهاد. وأخرج ابن عدى والبيهقى فى الشعب عن ابن عباس قال: لما نزلت وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ قال رسول الله- ﷺ: «أما إن الله ورسوله لغنيان عنها ولكن جعلها الله رحمة لأمتى» «١» . وعند الترمذى الحكيم من حديث عائشة، رفعته: «إن الله أمرنى بمداراة الناس، كما أمرنى بإقامة الفرائض» «٢» .

  • ومنها مصابرة العدو وإن كثر عددهم.

  • ومنها تغيير المنكر إذا رآه ، لكن قد يقال: كل مكلف تمكن من تغييره يلزمه، فيقال: المراد أنه لا يسقط عنه- ﷺ بالخوف بخلاف غيره.

العدو وإن كثر عددهم.

  • ومنها تغيير المنكر إذا رآه ، لكن قد يقال: كل مكلف تمكن من تغييره يلزمه، فيقال: المراد أنه لا يسقط عنه- ﷺ بالخوف بخلاف غيره.

  • ومنها قضاء دين من مات مسلما معسرا ، روى مسلم حديث: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفى وعليه دين فعلى قضاؤه، ومن ترك مالا فلورثته» «٣» . قال النووى: كان هذا القضاء واجبا عليه- ﷺ، وقيل: تبرع منه، والخلاف وجهان لأصحابنا وغيرهم، قال: ومعنى الحديث: أنه- ﷺ قال: «أنا قائم بمصالحكم فى حياة أحدكم أو موته، أنا وليه فى الحالين، فإن كان

عليه دين قضيته من عندى إن لم يخلف وفاء، وإن كان له مال فلورثته، لا آخذ منه شيئا، وإن خلف عيالا محتاجين ضائعين فليأتوا إلى فعلى نفقتهم ومؤنتهم» . انتهى. وفى وجوب قضائه على الإمام من مال المصالح وجهان، لكن قال الإمام: من استدان وبقى معسرا إلى أن مات لم يقض دينه من بيت المال، فإن كان ظلم بالمطل ففيه احتمال، والأولى: لا، والله أعلم.

  • ومنها تخيير نسائه- ﷺ فى فراقه ، وإمساكهن بعد أن اخترنه فى أحد الوجهين، وترك التزوج عليهن والتبدل بهن مكافأة لهن، ثم نسخ ذلك، لتكون المنة له- ﷺ عليهن، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها «١» . الآية. واختلف فى تخييره لهن على قولين، أحدهما: أنه خيرهن بين اختيار الدنيا فيفارقهن، واختيار الآخرة فيمسكهن، ولم يخيرهن فى الطلاق، وهذا هو قول الحسن وقتادة، و الثانى: أنه خيرهن بين الطلاق والمقام معه، وهذا قول عائشة ومجاهد والشعبى ومقاتل. [سبب تخييره ص نساءه] واختلفوا فى السبب الذى لأجله خير- ﷺ نساءه على أقوال.

أحدها: أن الله تعالى خيره بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة على الدنيا، فاختار الآخرة وقال: «اللهم أحينى مسكينا وأمتنى مسكينا واحشرنى فى زمرة المساكين» «٢» ، فلما اختار ذلك أمره الله تعالى بتخيير نسائه ليكن على مثل اختياره. حكاه أبو القاسم النميرى. الثانى: لأنهن تغايرن عليه.

والثالث: لأن أزواجه طالبنه وكان غير مستطيع ، فكان أولهن أم سلمة سألته سترا معلما، وسألته ميمونة حلة يمانية، وسألته زينب ثوبا مخططا وهو البرد اليمانى، وسألته أم حبيبة ثوبا سحوليّا، وسألته كل واحدة شيئا إلا عائشة. حكاه النقاش.

علما، وسألته ميمونة حلة يمانية، وسألته زينب ثوبا مخططا وهو البرد اليمانى، وسألته أم حبيبة ثوبا سحوليّا، وسألته كل واحدة شيئا إلا عائشة. حكاه النقاش.

والرابع: أن أزواجه- ﷺ اجتمعن يوما فقلن: نريد ما تريد النساء من الحلى فأنزل الله تعالى آية التخيير، حكاه النقاش أيضا. وذلك أنه لما نصر الله تعالى رسوله وفتح عليه قريظة والنضير، ظن أزواجه أنه اختص بنفائس اليهود، وذخائرهم، فقعدن حوله وقلن: يا رسول الله، بنات كسرى وقيصر فى الحلى والحلل، ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق. وآلمن قلبه بمطالبتهن له بتوسعة الحال، وأن يعاملن بما يعامل به الملوك والأكابر أزواجهم، فأمره الله أن يتلو عليهن ما نزل فى أمرهن لئلا يكون لأحد منهن عليه منة فى الصبر على ما اختاره من خشونة العيش. فلما اخترنه وصبرن معه عوضهن الله على صبرهن بأمرين: أحدهما، أن جعلهن أمهات المؤمنين تعظيما لحقهن وتأكيدا لحرمتهن، وتفضيلهن على سائر النساء بقوله: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ «١» ، والثانى: أن حرم الله عليه طلاقهن والاستبدال بهن فقال تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ «٢» . الآية. فكان تحريم طلاقهن مستداما، وأما تحريم التزوج عليهن فنسخ، قالت عائشة: ما مات رسول الله- ﷺ حتى أحل الله له النساء، يعنى اللاتى حرمن عليه، وقيل: الناسخ لتحريمهن قوله تعالى: إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ «٣» . الآية. وقال النووى فى الروضة: لما خيرهن فاخترنه كافأهن على حسن صنيعهن بالجنة فقال: فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً «٤» . انتهى.

وإنما اختص- ﷺ بوجوب التخيير لنسائه بين التسريح والإمساك، لأن الجمع بين عدد منهن يوغر صدورهن بالغيرة التى هى من أعظم الآلام، وهو إيذاء يكاد ينفر القلب ويوهن الاعتقاد، وكذا إلزامهن على الصبر والفقر يؤذيهن، ومهما ألقى زمام الأمر إليهن خرج عن أن يكون ضررا، فنزه عن ذلك منصبه العالى. وقيل له: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ «١» .

بر والفقر يؤذيهن، ومهما ألقى زمام الأمر إليهن خرج عن أن يكون ضررا، فنزه عن ذلك منصبه العالى. وقيل له: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ «١» .

  • ومنها: إتمام كل تطوع شرع فيه ، حكاه فى الروضة وأصلها، قال النووى: وهو ضعيف. وفرعه بعض الأصحاب: على أنه كان يحرم عليه- ﷺ إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يلقى العدو ويقاتل. ذكره فى تهذيب الأسماء واللغات.

  • ومنها: أنه كان يلزمه- ﷺ أداء فرض الصلاة بلا خلل . قاله الماوردى: قال العراقى فى شرح المهذب: إنه كان معصوما عن نقص الفرائض. انتهى، والمراد خلل لا يبطل الصلاة.

  • وقال بعضهم: كان يجب عليه- ﷺ إذا رأى ما يعجبه أن يقول: «لبيك إن العيش عيش الآخرة» «٢» ثم قال: هذه كلمة صدرت منه- ﷺ فى أنعم حالة، وهو يوم حجه بعرفة، وفى أشد حالة، وهو يوم الخندق، انتهى.

  • ومنها: أنه- ﷺ كان يؤخذ عن الدنيا حالة الوحى ، ولا يسقط عنه الصوم والصلاة وسائر الأحكام، كما ذكره فى زوائد الروضة عن ابن القاص والقفال، وكذا ذكره ابن سبع.

  • ومنها: أنه كان- ﷺ يغان على قلبه فيستغفر الله سبعين مرة . ذكره ابن القاص ونقله ابن الملقن فى الخصائص، ورواه مسلم وأبو داود من حديث الأغر المزنى بلفظ: «إنه ليغان على قلبى وإنّى لأستغفر الله فى اليوم

مائة مرة» «١» هذا لفظ مسلم، وقال أبو داود «فى كل يوم» ، قال الشيخ ولى الدين بن العراقى: والظاهر أن الجملة الثانية مرتبة على الأولى، وأن سبب الاستغفار: الغين، ويدل لذلك قوله فى رواية النسائى فى عمل اليوم والليلة: إنه ليغان على قلبى حتى أستغفر الله كل يوم مائة مرة، وفى رواية له أيضا: فأستغفر الله. وألفاظ الحديث يفسر بعضها بعضا. ويحتمل من حيث اللفظ أن تكون الجملة الثانية كلاما برأسه غير متعلق بما قبله، فيكون- ﷺ أخبر بأنه يغان على قلبه، وبأنه يستغفر الله فى اليوم مائة مرة، انتهى. وقال أبو عبيد: أصل الغين فى هذا، ما يغشى القلب ويغطيه، وأصله: من غين السماء، وهو إطباق الغيم عليها. وقال غيره: الغين يغشى القلب ولا يغطيه كل التغطية، كالغيم الرقيق الذى يعرض فى الهواء فلا يمنع ضوء الشمس. قال القاضى عياض- بعد حكايته ذلك-: فيكون المراد بهذا الغين إشارة إلى غفلات قلبه وفترات نفسه وسهوها عن مداومة الذكر ومشاهدة الحق بما كان- ﷺ دفع إليه من مقاساة البشر وسياسة الأمة ومعاناة الأهل، ومقاومة الولى والعدو، ومصلحة النفس، وما كلفه من أعباء أداء الرسالة وحمل الأمانة، وهو فى كل هذا فى طاعة ربه، وعبادة خالقه، ولكن لما كان- ﷺ أرفع الخلق عند الله مكانة وأعلاهم درجة، وأتمهم به معرفة، وكانت حاله عند خلوص قلبه وخلو همته، وتفرده بربه وإقباله بكليته عليه، ومقامه هناك أرفع حاليه، رأى- ﷺ حال فترته عنها، وشغله بسواها غضا على حاله، وخفضا من رفيع مقامه، فاستغفر الله من ذلك، قال: وهذا أولى وجوه الحديث وأشهرها، وإلى معنى ما أشرنا إليه مال كثير من الناس، وحام حوله فقارب ولم يرد، وقد قربنا غامض معناه، وكشفنا للمستفيد محياه، وهو مبنى على جواز الفترة والغفلات والسهو فى غير طريق البلاغ، انتهى.

من الناس، وحام حوله فقارب ولم يرد، وقد قربنا غامض معناه، وكشفنا للمستفيد محياه، وهو مبنى على جواز الفترة والغفلات والسهو فى غير طريق البلاغ، انتهى.

وتعقب: بأنه لا ترضى نسبته- ﷺ إلى ذلك، لما يلزم عليه من تفضيل الملائكة بعدم الفترة عن التسبيح والمشاهدة، ولقوله- ﷺ: «لست أنسى ولكن أنسى لأسنّ» «١» فهذه ليست فترة وإنما هى لحكمة مقصودة يثبت بها حكم شرعى، فالأولى أن يحمل على ما جعله علة فيه، وهو ما دفع إليه من مقاساة البشر وسياسة الأمة، ومعاناة الأهل، وحمل كل أعباء النبوة وحمل أثقالها. انتهى. وقيل: الغين شىء يعترى القلب مما يقع من حديث النفس، قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر: وهذا أشار إليه الرافعى فى أماليه، وقال: إن والده كان يقرره. وقيل: كانت حالة يطلع فيها على أحوال أمته فيستغفر لهم. وقيل: هو السكينة التى تغشى قلبه، والاستغفار لإظهار العبودية لله تعالى، والشكر لما أولاه. وقال شيخ الإسلام ابن العراقى أيضا: هذه الجملة حالية، أخبر- ﷺ أنه يغان على قلبه مع أن حاله الاستغفار فى اليوم مائة مرة، وهى حال مقدرة، لأن الغين ليس موجودا فى حال الاستغفار، بل إذا جاء الاستغفار أذهب ذلك الغين. قال: وعلى تقدير تعلق إحدى الجملتين بالآخرى، وأن الثانية مسببة عن الأولى، فيحتمل أن يكون هذا الغين تغطية للقلب عن أمور الدنيا، وحجابا بينه وبينها، فينجمع القلب حينئذ على الله تعالى ويتفرغ للاستغفار شكرا وملازمة للعبودية، قال: وهذا معنى ما قاله القاضى عياض، انتهى ومراده قوله فى «الشفاء» : وقد يحتمل أن تكون هذه الإغانة حالة خشية وإعظام تغشى قلبه فيستغفر حينئذ شكرا لله تعالى، وملازمة لعبوديته إلى آخر كلامه. قال الشيخ ابن العراقى: وهو عندى كلام حسن جدّا، وتكون الجملة

حالة خشية وإعظام تغشى قلبه فيستغفر حينئذ شكرا لله تعالى، وملازمة لعبوديته إلى آخر كلامه. قال الشيخ ابن العراقى: وهو عندى كلام حسن جدّا، وتكون الجملة

الثانية مسببة عن الأولى، لا بمعنى أنه يسعى بالاستغفار فى إزالة الغين، بل بمعنى أن الغين أصل محمود، وهو الذى تسبب عنه الاستغفار، وترتب عليه، وهذا أنزه الأقوال وأحسنها لأن الغين حينئذ وصف محمود وهو الذى نشأ عنه الاستغفار، وعلى الأول يكون «الغين» مما يسعى فى إزالته بالاستغفار، وما ترتب الإشكال وجاء السؤال إلا على تفسير الغين بذلك، وأهل اللغة إنما فسروا الغين بالغشاء، فنحمله على غشاء يليق بحاله- ﷺ، وهو الغشاء الذى يصرف القلب ويحجبه عن أمور الدنيا، لا سيما وقد رتب على الغشاء أمرا محمودا وهو الاستغفار، فما نشأ هذا الأمر الحسن إلا عن أمر حسن، انتهى. وذكر الشيخ تاج الدين بن عطاء الله فى كتابه «لطائف المنن» أن الشيخ أبا الحسن الشاذلى قال: رأيت النبى- ﷺ فى النوم فسألته عن هذا الحديث «إنه ليغان على قلبى» فقال لى: «يا مبارك: ذلك غين الأنوار، لا غين الأغيار» «١» .

القسم الثانى: ما اختص به- ﷺ مما حرم عليه:

  • فمنها: تحريم الزكاة عليه ، وكذا الصدقة على الصحيح المشهور المنصوص، قال- ﷺ: «إنا لا نأكل الصدقة» «٢» رواه مسلم، ومن قال بإباحتها له يقول: لا يلزم من امتناعه من أكلها تحريمها، فلعله ترك ذلك تنزها مع إباحتها له، وهذا خلاف ظاهر الحديث. قال شيخ الإسلام ابن العراقى، فى شرح التقريب: وعلى كل حال ففيه أن من خصائصه- ﷺ الامتناع من أكل الصدقة إما وجوبا وإما تنزها، انتهى. والحكمة من ذلك: صيانة منصبه الشريف عن أوساخ أموال الناس.

  • ومنها: تحريم الزكاة على آله- ﷺ -، وتحريم كون آله عمالا على الزكاة فى الأصح، وكذا يحرم صرف النذر والكفارة إليهم، وأما صدقة التطوع فتحل لهم فى الأصح خلافا للمالكية وهو وجه عندنا.

  • ومنها: أنه يحرم عليه- ﷺ أكل ما له رائحة كريهة ، كثوم وبصل، لتوقع مجىء الملائكة والوحى كل ساعة. والأكل متكئا فى أحد الوجهين فيهما، والأصح فى الروضة كراهتهما، وتعقب السهيلى الاتكاء فقال: قد يكره لغيره أيضا لأنه من فعل المتعظمين، وقد تقدم مزيد لذلك.

  • ومنها: تحريم الكتابة والشعر ، وإنما يتجه القول بتحريمهما ممن يقول إنه- ﷺ كان يحسنهما، والأصل أنه كان لا يحسنهما، قال تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ «١» . وقال تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ «٢» . أى ما هو فى طبعه، ولا يحسنه ولا تقتضيه جبلته ولا يصلح له. وأجيب: بأن المراد تحريم التوصل إليهما. وهل عدم الشعر خاص به- ﷺ أو بنوع الأنبياء؟ قال بعضهم: هو عام لقوله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ لأنه لا يظهر فيه للخصوص نكتة. وتقدم فى قصة الحديبية البحث فى كونه- ﷺ هل كان يحسن الكتابة أو لا.

  • ومنها: نزع لأمته إذا لبسها، حتى يقاتل أو يحكم الله بينه وبين عدوه.

  • ومنها: المن ليستكثر ، ذكره الرافعى، قال الله تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ «٣» أى: لا تعط شيئا لتعطى أكثر منه، بل أعط لربك، واقصد به وجهه، فأدبه بأشرف الآداب، قاله أكثر المفسرين، وقال الضحاك ومجاهد: هذا كان للنبى- ﷺ خاصة، وليس على أحد من أمته، وقال قتادة: لا تعط شيئا لمجازاة الدنيا، أى أعط لربك، وعن الحسن: لا تمنن على الله

بعملك فتستكثره، وقيل: لا تمنن على الناس بالنبوة فتأخذ عليها أجرا وعوضا من الدنيا.

تعط شيئا لمجازاة الدنيا، أى أعط لربك، وعن الحسن: لا تمنن على الله

بعملك فتستكثره، وقيل: لا تمنن على الناس بالنبوة فتأخذ عليها أجرا وعوضا من الدنيا.

  • ومنها: مد العين إلى ما متع به الناس ، قال الله تعالى: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ «١» أى استحسانا له وتمنيا أن يكون لك مثله أَزْواجاً مِنْهُمْ «٢» أى أشكالا وأشباها من الكفار، وهى المزاوجة بين الأشياء، وهى المشاكلة. وعن ابن عباس: أصنافا منهم، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته، فإنه كمال مطلوب بالذات مفض إلى دوام اللذات.

  • ومنها: خائنة الأعين ، وهى الإيماء إلى مباح من قتل أو ضرب على خلاف ما يشعر به الحال، كما قيل له- ﷺ فى قصة رجل أراد قتله. هلا أومأت إلينا بقتله، فقال: «ما كان ينبغى لنبى أن تكون له خائنة الأعين» «٣» . ولا يحرم ذلك على غيره إلا فى محظور، قاله الرافعى فيما نقله الحجازى فى مختصر الروضة.

  • ومنها: نكاح من لم تهاجر ، فى أحد الوجهين: قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ «٤» . أى مهورهن، سمى المهر أجرا لأن المهر أجر على البضع وتقييد الإحلال بإعطائها معجله لا يتوقف الحل عليه، بل لإيثار الأفضل له، كتقييد إحلال المملوكة بكونها مسبية فى قوله: وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ «٥» . يعنى من نساء بنى زهرة اللَّاتِي هاجَرْنَ

مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ «٥» . يعنى من نساء بنى زهرة اللَّاتِي هاجَرْنَ

مَعَكَ «١» . أى إلى المدينة، قالوا: والمراد هاجرن كما هاجرت، وإن لم تكن هجرتها فى حال هجرته- ﷺ. وظاهره يدل على أن الهجرة شرط فى التحليل، وأن من لم تهاجر من النساء لم يحل له نكاحها. وقالت أم هانئ: خطبنى- ﷺ فاعتذرت إليه بعذر فعذرنى، ثم أنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ إلى قوله: اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ «٢» . فلم أكن لأحل له، فإنى لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء «٣» . وعن بعض المفسرين: أن شرط الهجرة فى التحليل منسوخ، ولم يذكر ناسخه. وعن الماوردى قولان: أحدهما أن الهجرة شرط فى إحلال كل النساء له- ﷺ من غريبة وقريبة، والثانى: أنها شرط فى إحلال بنات عمه وبنات عماته المذكورات فى الآية وليس شرطا فى إحلال الأجنبيات، وعنه أيضا: أن المراد بالمهاجرات المسلمات.

  • ومنها: تحريم إمساك من كرهته ، قاله الحجازى وغيره.

  • ومنها: نكاح الكتابية ، لأن أزواجه أمهات المؤمنين وزوجات له فى الآخرة، ومعه فى درجته فى الجنة، ولأنه- ﷺ أشرف من أن يضع ماءه فى رحم كافرة، قالوا: ولو نكح كتابية لهديت إلى الإسلام كرامة له.

  • ومنها: نكاح الأمة المسلمة ، ولو قدر نكاحه أمة كان ولده منها حرّا، ولا تلزمه قيمته لتعذر الرق. قاله القاضى حسين، وقال أبو عاصم: تلزم، نقله الحجازى، ولا يشترط فى حقه حينئذ خوف العنت ولا فقد الطول. وأما التسرى بالأمة فالأصح الحل، لأنه- ﷺ استمتع بأمته ريحانة قبل أن تسلم، وعلى هذا، فهل عليه تخييرها بين أن تسلم فيمسكها أو تقيم على دينها فيفارقها؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم لتكون من زوجاته فى الآخرة،

والثانى: لا، لأنه لما عرض على ريحانة الإسلام فأبت لم يزلها عن ملكه وأقام على الاستمتاع، وقد أسلمت بعد.

  • ومنها: تحريم الإغارة إذا سمع التكبير، كما ذكره ابن سبع فى الخصائص.

القسم الثالث: فيما اختص به- ﷺ من المباحات .

  • اختص- ﷺ بإباحة المكث فى المسجد جنبا ، قاله صاحب التلخيص. ومنعه القفال، قال النووى: وما قاله فى التلخيص قد يحتج له بقوله- ﷺ فى حديث أبى سعيد الخدرى: «يا على لا يحل لأحد أن يجنب فى هذا المسجد غيرى وغيرك» «١» قال الترمذى: حسن غريب. وقد يعترض على هذا الحديث بأن عطية ضعيف عند الجمهور. ويجاب بأن الترمذى حكم بأنه حسن فلعله اعتضد بما اقتضى حسنه، لكن إذا شاركه- ﷺ على فى ذلك لم يكن من الخصائص. وقد غلّط إمام الحرمين وغيره صاحب التخليص فى الإباحة. واعلم أن معظم المباحات لم يفعلها- ﷺ وإن جازت له.

  • ومما اختص به أيضا أنه لا ينتقض وضوؤه بالنوم مضطجعا ، وفى اللمس وجهان، قال النووى: المذهب الجزم بانتقاضه به. واستدل القائلون بالأول بنحو حديث عائشة، عند أبى داود، أن النبى- ﷺ كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلى ولا يتوضأ «٢» ورواه النسائى أيضا، وقال أبو داود: هو مرسل، إبراهيم التيمى لم يسمع من عائشة، وقال النسائى: ليس فى هذا الباب حديث أحسن من هذا الحديث وإن كان مرسلا.

  • واختص أيضا بإباحة الصلاة بعد العصر ، فقد فاتته ركعتان بعد الظهر فقضاهما بعد العصر. ثم واظب عليهما، ذكره الحجازى، وبجواز

صلاة الوتر على الراحلة مع وجوبه عليه، كما ذكره فى شرح المهذب وعبارته: كان من خصائصه- ﷺ جواز فعل هذا الواجب الخاص به على الراحلة. وبالصلاة على الغائب عند أبى حنيفة ومالك.

ة مع وجوبه عليه، كما ذكره فى شرح المهذب وعبارته: كان من خصائصه- ﷺ جواز فعل هذا الواجب الخاص به على الراحلة. وبالصلاة على الغائب عند أبى حنيفة ومالك.

  • وبالقبلة فى الصوم ، مع قوة الشهوة، روى البخارى من حديث عائشة قالت: (كان رسول الله- ﷺ يقبل بعض نسائه وهو صائم، وكان أملككم لإربه) «١» قال الحافظ ابن حجر: فأشارت بذلك إلى أن الإباحة لمن يكون مالكا لنفسه دون من لا يأمن الوقوع فيما يحرم. قال: وفى رواية حماد- عند النسائى- قال الأسود: قلت لعائشة: أيباشر الصائم؟ قالت: لا، قلت: أليس كان رسول الله- ﷺ يباشر وهو صائم؟ قالت: إنه كان أملككم لإربه قال: وظاهر هذا أنها اعتقدت خصوصية النبى- ﷺ بذلك. قاله القرطبى، قال: وهو اجتهاد منها. ويدل على أنها لا ترى بتحريمها ولا بكونها من الخصائص: ما رواه مالك فى الموطأ أن عائشة بنت طلحة كانت عند عائشة فدخل عليها زوجها وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر فقالت له عائشة: ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتلاعبها وتقبلها؟ قال: أقبلها وأنا صائم؟ قالت: نعم «٢» .

  • واختص أيضا بإباحة الوصال فى الصوم: كما سيأتى، وقال إمام الحرمين، هو قربة فى حقه- ﷺ.

  • وأن يأخذ الطعام والشراب من مالكهما المحتاج إليهما إذا احتاج ، ويجب على صاحبهما البذل. ويفدى بمهجته مهجة رسول الله- ﷺ. قال الله تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ «٣» . ولو قصده ظالم وجب على من حضره أن يبذل نفسه دونه- ﷺ، كما وقاه طلحة بنفسه يوم أحد.

وبإباحة النظر إلى الأجنبيات لعصمته ، وسيأتى- إن شاء الله تعالى- فى القسم الرابع حكم غيره- ﷺ. وبجواز الخلوة بهن. قال فى فتح البارى: الذى وضح لنا بالأدلة القوية أن من خصائصه- ﷺ جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها، ويدل له قصة أم حرام بنت ملحان فى دخوله- ﷺ عليها ونومه عندها وتفليتها رأسه «١» ، ولم يكن بينهما محرمية ولا زوجية، انتهى.

خلوة بالأجنبية والنظر إليها، ويدل له قصة أم حرام بنت ملحان فى دخوله- ﷺ عليها ونومه عندها وتفليتها رأسه «١» ، ولم يكن بينهما محرمية ولا زوجية، انتهى.

  • ومنها نكاح أكثر من أربع نسوة ، وكذلك الأنبياء، وفى الزيادة لنبينا- ﷺ على التسع خلاف.
  • ويجوز له النكاح بلفظ الهبة من جهة المرأة، قال الله تعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ «٢» . وأما من جهته- ﷺ فلابد من لفظ النكاح أو التزويج على الأصح فى أصل الروضة، وحكاه الرافعى عن ترجيح الشيخ أبى حامد لظاهر قوله تعالى: إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ «٣» . قال البيضاوى: فى قوله تعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً الآية، أى أعلمناك حل امرأة مؤمنة تهب لك نفسها ولا تطلب مهرا إن اتفق ذلك، ولذلك نكّرها. واختلف فى ذلك والقائل به ذكر أنها ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة الأنصارية، وأم شريك بنت جابر، وخولة بنت حكيم، قال: وقرئ «أن» بالفتح، أى لأن وهبت، أو مدة أن وهبت، كقولك: اجلس ما دام زيد جالسا، قال: وقوله: إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ «٤» شرط

للشرط الأول فى استحباب الحل، فإن هبتها نفسها منه لا توجب له إلا بإرادته نكاحها، فإنها جارية مجرى القبول، قال: والعدول عن الخطاب إلى الغيبة بلفظ «النبى» ﷺ مكررا. ثم الرجوع إليه فى قوله: خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ «١» . إيذان بأنه مما خص به لشرف نبوته وتقرير لاستحقاقه الكرامة لأجله. انتهى. وقال المعافى: وفى معنى «خالصة» ثلاثة أقوال: أحدها: أن المرأة إذا وهبت نفسها له يلزمه صداقها دون غيره من المؤمنين. قاله أنس بن مالك وابن المسيب. والثانى: أن له أن ينكحها بلا ولى ولا شهود دون غيره. قاله قتادة، والثالث: خالصة لك أن تملك عقد نكاحها بلفظ الهبة دون المؤمنين، قال: وهذا قول الشافعى وأحمد، وعن أبى حنيفة ينعقد النكاح بلفظ الهبة لغيره- ﷺ أيضا.

  • وكذا يجوز له- ﷺ النكاح بلا مهر ابتداء وانتهاء، كما تقدم أن المرأة إذا وهبت نفسها له- ﷺ لا يلزمه صداقها. قال النووى: إذا وهبت امرأة نفسها له- ﷺ فتزوجها بلا مهر حل له ذلك، ولا يجب عليه بعد ذلك مهرها بالدخول، ولا بغير ذلك، بخلاف غيره فإنه لا يخلو نكاحه من وجوب مهر، إما مسمى وإما مهر المثل والله أعلم.

  • وكذا يجوز له النكاح فى حال الإحرام ، قال النووى فى شرح مسلم: قال جماعة من أصحابنا أنه- ﷺ كان له أن يتزوج فى حال الإحرام، وهو مما خص به دون الأمة، قال: وهذا أصح الوجهين عند أصحابنا. انتهى.

  • وكذا يجوز له- ﷺ النكاح بغير رضى المرأة ، فلو رغب فى نكاح امرأة خلية لزمها الإجابة، وحرم على غيره خطبتها، أو متزوجة وجب على زوجها طلاقها. قال الغزالى: ولعل السر فيه من جانب الزوج امتحان إيمانه بتكليف

ى نكاح امرأة خلية لزمها الإجابة، وحرم على غيره خطبتها، أو متزوجة وجب على زوجها طلاقها. قال الغزالى: ولعل السر فيه من جانب الزوج امتحان إيمانه بتكليف

النزول عن أهله، فإنه- ﷺ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وولده والناس أجمعين» «١» . ويدل لهذه الخصيصة قصة زينب بنت جحش بنت عمته- ﷺ أميمة بنت عبد المطلب، المنصوص عليها بقوله تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ «٢» . أى بنعمة الإسلام وهى أجل النعم وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أى بالإعتاق بتوفيق الله لك، وهو زيد بن حارثة الكلبى، وكان من سبى الجاهلية، فملكه رسول الله- ﷺ قبل البعثة وأعتقه وتبناه وخطب له زينب فأبت هى وأخوها عبد الله، ثم رضيا لما نزل قوله تعالى: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ «٣» . الآية وكان الرجل فى الجاهلية وصدر الإسلام إذا تبنى ولد غيره يدعوه الناس به ويرث ميراثه وتحرم عليه زوجته، فنسخ الله تعالى التبنى بقوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ «٤» . وبهذه القصة يثبت الحكم بالقول والفعل، فأوحى الله إليه أن زيدا سيطلقها، وأنه- ﷺ يتزوجها، وألقى فى قلب زيد كراهتها فأراد فراقها فأتى رسول الله- ﷺ فقال إنى أريد أن أفارق صاحبتى قال: «ما لك؟ أرابك منها شىء؟» قال: لا والله يا رسول الله ما رأيت منها إلا خيرا، ولكنها تتعظم على بشرفها وتؤذينى بلسانها، فقال رسول الله- ﷺ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ «٥» ، أى فى أمرها، فلا تطلقها ضرارا وتعللا فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً «٦» . ولم يبق له فيها حاجة، ولما طلقها وانقضت عدتها زوجها الله تعالى له، كما قال تعالى:

فلا تطلقها ضرارا وتعللا فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً «٦» . ولم يبق له فيها حاجة، ولما طلقها وانقضت عدتها زوجها الله تعالى له، كما قال تعالى:

زَوَّجْناكَها «١» . والمعنى أنه أمره بتزويجها منه، أو جعلها زوجته بلا واسطة عقد. ويؤيده أنها كانت تقول لسائر نساء رسول الله- ﷺ: إن الله تولى نكاحى، وأنتن زوجكن أولياؤكن. وقيل إن زيدا كان السفير للتزويج، وفى ذلك لزيد ابتلاء عظيم وشاهد بين على قوة إيمانه. وقد علل تعالى تزويجه إياها بقوله: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ «٢» . أى فى أن يتزوجوا زوجات من كانوا يتبنونه إذا فارقوهن، وأن هؤلاء الزوجات ليست داخلات فيما حرم فى قوله: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ «٣» . وأما قوله: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ «٤» . فمعناه: علمك أنه سيطلقها وتتزوجها، فعاتبه الله تعالى على هذا القدر فى شىء أباحه له، بأن قال: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ «٥» . مع علمه أنه سيطلق، وهذا مروى عن على بن الحسين، وعليه أهل التحقيق من المفسرين، كالزهرى، وبكر بن العلاء، والقاضى أبى بكر بن العربى وغيرهم. والمراد بقوله: وَتَخْشَى النَّاسَ «٦» . إنما هو فى إرجاف المنافقين فى تزويج نساء الأبناء، والنبى- ﷺ معصوم فى الحركات والسكنات. ولبعض المفسرين هنا كلام لا يليق بمنصب النبوة. وقيل قوله: وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ «٧» . خطاب من الله تعالى، أو من الرسول- ﷺ لزيد، فإنه أخفى الميل إليها وأظهر الرغبة عنها لما توهم أن رسول الله- ﷺ يريد أن تكون من نسائه.

قال جار الله: وكم من شىء مباح يتحفظ الإنسان منه ويستحى من إطلاع الناس عليه، فطموح قلب الإنسان إلى بعض مشتهياته من امرأة وغيرها غير موصوف بالقبح فى العقل ولا فى الشرع، وتناول المباح بالطريق الشرعى ليس بقبيح أيضا، وهو خطبة زينب ونكاحها من غير استنزال زيد عنها ولا طلب إليه، ولم يكن مستكرها عندهم أن ينزل الرجل منهم عن امرأته لصديقه ولا مستهجنا إذا نزل عنها أن ينكحها آخر، فإن المهاجرين حين دخلوا المدينة واستهم الأنصار بكل شىء، حتى إن الرجل منهم إذا كانت له امرأتان نزل عن إحداهما وأنكحها المهاجرى، فإذا كان الأمر مباحا من جميع جهاته لم يكن فيه وجه من وجوه القبح. انتهى.

  • وكذا يجوز له- ﷺ النكاح بلا ولى وبلا شهود . قال النووى: الصحيح المشهور عند أصحابنا صحة نكاحه- ﷺ بلا ولى ولا شهود لعدم الحاجة إلى ذلك فى حقه- ﵇، وهذا الخلاف فى غير زينب أما زينب فمنصوص عليها والله أعلم. قال العلماء: إنما اعتبروا الولى للمحافظة على الكفاءة، وهو- ﷺ فوق الأكفاء، وإنما اعتبر الشهود لأمن الجحود، وهو- ﷺ لا يجحد ولو جحدت هى لم يرجع إلى قولها، بل قال العراقى فى شرح المهذب، تكون كافرة بتكذيبه. وكان له- ﷺ تزويج المرأة ممن شاء بغير إذنها وإذن وليها، وله إجبار الصغيرة من غير بناته، وزوج ابنة حمزة مع وجود عمها العباس، فيقدم على الأب. وزوجه الله تعالى بزينب، فدخل عليها بتزويج الله من غير عقد من نفسه. وعبر فى الروضة عن هذا بقوله: وكانت المرأة تحل له بتحليل الله تعالى.

  • وأعتق أمته صفية وجعل عتقها صداقها وقد اختلف فى معناه، فقيل إنه أعتقها بشرط أن يتزوجها، فوجب له عليها قيمتها وكانت معلومة، فتزوجها بها، ويؤيده: قوله فى رواية عبد العزيز بن صهيب: سمعت أنسا قال: سبى رسول الله- ﷺ صفية فأعتقها وتزوجها، فقال ثابت لأنس: ما

قيمتها وكانت معلومة، فتزوجها بها، ويؤيده: قوله فى رواية عبد العزيز بن صهيب: سمعت أنسا قال: سبى رسول الله- ﷺ صفية فأعتقها وتزوجها، فقال ثابت لأنس: ما

أصدقها، قال: نفسها فأعتقها «١» ؛ هكذا أخرجه البخارى فى المغازى. وفى رواية حماد عن ثابت وعبد العزيز عن أنس فى حديثه قال: وصارت صفية لرسول الله- ﷺ ثم تزوجها وجعل عتقها صداقها. قال عبد العزيز لثابت: يا أبا محمد أنت سألت أنسا ما أمهرها؟ قال: أمهرها نفسها، فتبسم. فهو ظاهر جدّا فى أن المجعول مهرا هو نفس العتق. والتأويل الأول لا بأس به، فإنه لا منافاة بينه وبين القواعد حتى ولو كانت القيامة مجهولة، فإن فى صحة العقد بالشرط المذكور وجها عند الشافعية. وقال آخرون: بل جعل نفس العتق المهر، ولكنه من خصائصه، وممن جزم بذلك الماوردى. وقال آخرون: قوله: «أعتقها وتزوجها» معناه: أعتقها ثم تزوجها، فلما لم يعلم أنه ساق لها صداقا قال: أصدقها نفسها، أى: لم يصدقها شيئا فيما أعلم، ولم ينف أصل الصداق، ومن ثم قال أبو الطيب الطبرى من الشافعية، وابن المرابط من المالكية ومن تبعهم: أنه قول أنس قاله ظنّا من قبل نفسه ولم يرفعه. ويعارضه ما أخرجه الطبرانى وأبو الشيخ من حديث صفية نفسها قالت: أعتقنى النبى- ﷺ وجعل عتقى صداقى. وهذا موافق لحديث أنس، وفيه رد على من قال: إن أنسا قال ذلك بناء على ظنه. ويحتمل أن يكون أعتقها بشرط أن ينكحها من غير مهر، فلزمها الوفاء بذلك، وهذا خاص بالنبى- ﷺ دون غيره. ويحتمل: أنه أعتقها بغير عوض، وتزوجها بغير مهر فى الحال، ولا فى المال، قال ابن الصلاح: معناه أن العتق حل محل الصداق وإن لم يكن صداقا، قال: وهذا كقولهم الجوع زاد من لا زاد له، قال: وهذا الوجه أصح الأوجه وأقربها إلى لفظ الحديث، وتبعه النووى فى «الروضة» . وممن جزم بأن ذلك كان من الخصائص يحيى بن أكثم فيما أخرجه البيهقى قال: وكذا نقله المزنى عن الشافعى قال: وموضع الخصوصية، أنه

وتبعه النووى فى «الروضة» . وممن جزم بأن ذلك كان من الخصائص يحيى بن أكثم فيما أخرجه البيهقى قال: وكذا نقله المزنى عن الشافعى قال: وموضع الخصوصية، أنه

أعتقها مطلقا وتزوجها بغير مهر ولا شهود، وهذا بخلاف غيره. انتهى. وقال النووى فى شرح مسلم: الصحيح الذى اختاره المحققون، أنه أعتقها تبرعا بلا عوض ولا شرط، ثم تزوجها برضاها من غير صداق، والله أعلم. قاله الحافظ ابن حجر.

  • واختلف فى انحصار طلاقه- ﷺ فى الثلاث ، وعلى الحصر، قيل: تحلل له من غير محلل، وقيل لا تحل له أبدا.

  • وفى وجوب نفقة زوجاته وجهان، قال النووى: الصحيح: الوجوب، انتهى. ولا يجب عليه القسم فيما قاله طوائف من أهل العلم، وبه جزم الاصطخرى من الشافعية، والمشهور عندهم وعند الأكثرين الوجوب. وفى حل الجمع له بين المرأة وخالتها وعمتها وجهان، لا أختها وبنتها وأمها، قالوا: ومرجع غالب هذه الخصائص إلى أن النكاح فى حقه كالتسرى فى حقنا.

  • وكان له- ﷺ أن يصطفى ما شاء من المغنم قبل القسمة من جارية وغيرها.

  • وأبيح له القتال بمكة والقتل بها ، وجواز دخول مكة بغير إحرام مطلقا. ذكره ابن القاص، واستدلوا له بحديث أنس عند الستة: (دخل رسول الله- ﷺ مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر) «١» وذلك من كونه- ﷺ كان مستور الرأس بالمغفر، والمحرم يجب عليه كشف رأسه. ومن تصريح جابر والزهرى ومالك بأنه لم يكن محرما. وأبدى ابن دقيق العيد لستر الرأس احتمالا فقال: يحتمل أن يكون لعذر. انتهى. وتعقبه الشيخ ولى الدين ابن العراقى فقال: هذا يرده تصريح جابر وغيره: قال: وهذا الاستدلال فى غير موضع الخلاف المشهور، لأنه- ﷺ كان خائفا من القتال متأهبا، ومن كان كذلك فله الدخول عندنا بلا إحرام بلا خلاف عندنا، ولا عند أحد نعلمه.

وقد استشكل النووى فى شرح المهذب ذلك، لأن مذهب الشافعى أن مكة فتحت صلحا خلافا لأبى حنيفة فى قوله: إنها فتحت عنوة، وحينئذ فلا خوف. ثم أجاب عنه: بأنه- ﷺ صالح أبا سفيان، وكان لا يأمن غدر أهل مكة، فدخلها صلحا وهو متأهب للقتال إن غدروا. انتهى. وقد ذكرت ما فى فتح مكة من المباحث فى قصة فتحها من المقصد الأول. ثم إن غيره- ﷺ إذا لم يكن خائفا، فقال أصحابنا: إن لم يكن ممن يتكرر دخوله، ففى وجوب الإحرام عليه قولان: أصحهما عند أكثرهم: أنه لا يجب، وقطع به بعضهم، فإن تكرر دخوله كالحطابين ونحوهم ففيه خلاف مرتب وهو أولى بعدم الوجوب وهو المذهب. وقال الحنابلة بوجوب الإحرام إلا على الخائف وأصحاب الحاجات، وأوجبه المالكية فى المشهور عندهم على غير ذوى الحاجات المتكررة، وأوجبه الحنفية مطلقا إلا من كان داخل الميقات. وقد تحرر أن المشهور من مذهب الشافعى: عدم الوجوب مطلقا. ومن مذاهب الأئمة الثلاثة الوجوب إلا فيما استثنى.

  • ومن خصائصه- ﷺ أنه كان يقضى بعلمه من غير خلاف . وأن يقضى لنفسه ولولده، وأن يشهد لنفسه ولولده. ولا تكره له الفتوى والقضاء فى حال الغضب، كما ذكره النووى فى شرح مسلم، وقد قضى للزبير بشراج الحرة «١» بعد أن أغضبه خصم الزبير. لعصمته- ﷺ، فلا يقول فى الغضب إلا كما يقول فى الرضى.

  • وكان له أن يدعو لمن شاء بلفظ الصلاة ، وليس لنا أن نصلى إلا على نبى أو ملك.

  • وكان له أن يقتل بعد الأمان . وأن يلعن من شاء بغير سبب: واستبعد ذلك.

  • وجعل الله شتمه ولعنه قربة للمشتوم والملعون لدعائه- ﷺ

بذلك «١» . قاله ابن القاص، وردوه عليه، حكاه الحجازى فى مختصر الروضة عن نقل الرافعى.

  • وكان يقطع الأراضى قبل فتحها ، لأن الله ملكه الأرض كلها. وأفتى الغزالى بكفر من عارض أولاد تميم الدارى فيما أقطعهم. وقال: إنه- ﷺ كان يقطع أرض الجنة فأرض الدنيا أولى.

القسم الرابع: فيما اختص به- ﷺ من الفضائل والكرامات .

  • منها: أنه أول النبيين خلقا «٢» ، كما تقرر فى أول هذا الكتاب، وأنه كان نبيّا وآدم بين الروح والجسد، رواه الترمذى من حديث أبى هريرة.

  • ومنها: أنه أول من أخذ عليه الميثاق كما مر.

٢» ، كما تقرر فى أول هذا الكتاب، وأنه كان نبيّا وآدم بين الروح والجسد، رواه الترمذى من حديث أبى هريرة.

  • ومنها: أنه أول من أخذ عليه الميثاق كما مر.

  • ومنها: أنه أول من قال: «بلى» يوم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ رواه أبو سهل القطان فى جزء من أماليه.

  • ومنها: أن آدم وجميع المخلوقات خلقوا لأجله «٣» ، رواه البيهقى وغيره.

  • ومنها: أن الله كتب اسمه الشريف على العرش ، وعلى كل سماء، وعلى الجنان وما فيها «٤» . رواه ابن عساكر عن كعب الأحبار.

  • ومنها: أن الله تعالى أخذ الميثاق على النبيين، آدم فمن بعده، أن يؤمنوا به وينصروه ، قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ «١» . قال على بن أبى طالب: لم يبعث الله نبيّا من آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد فى محمد- ﷺ لئن بعث وهو حى ليؤمنن به ولينصرنه ويأخذ العهد بذلك على قومه.

  • ومنها: أنه وقع التبشير به فى الكتب السالفة كما سيأتى- إن شاء الله تعالى-.

  • ومنها: أنه لم يقع فى نسبه من لدن آدم سفاح «٢» . رواه البيهقى والطبرانى فى الأوسط وأبو نعيم فى الدلائل.

  • ومنها: أنه نكست الأصنام لمولده رواه الخرائطى- فى الهواتف- وغيره.

  • ومنها: أنه ولد مختونا مقطوع السرة ، رواه الطبرانى، وتقدم ما فيه من البحث فى أول الكتاب.

  • ومنها: أنه خرج نظيفا ، ما به قذر، رواه ابن سعد.

  • ومنها: أنه وقع إلى الأرض ساجدا رافعا أصبعيه كالمتضرع المبتهل . رواه أبو نعيم من حديث ابن عباس. ورأت أمه عند ولادته نورا خرج منها أضاء له قصور الشام، وكذلك ترى أمهات الأنبياء. رواه الإمام أحمد، وكان مهده- ﷺ يتحرك بتحريك الملائكة، كما ذكره ابن سبع فى الخصائص، وكان القمر يحدثه وهو فى مهده، ويميل حيث أشار إليه، رواه ابن طغر بك فى «النطق المفهوم» وغيره. وتكلم فى المهد، رواه الواقدى وابن سبع، وظللته الغمامة فى الحر، رواه أبو نعيم والبيهقى، ومال إليه فىء الشجرة إذ سبق إليه، رواه البيهقى.

  • ومنها: شق صدره الشريف «١» . رواه مسلم وغيره.

سبع، وظللته الغمامة فى الحر، رواه أبو نعيم والبيهقى، ومال إليه فىء الشجرة إذ سبق إليه، رواه البيهقى.

  • ومنها: شق صدره الشريف «١» . رواه مسلم وغيره.

  • وغطه جبريل عند ابتداء الوحى ثلاث غطات . عدّ هذه بعضهم من خصائصه- ﷺ كما نقله الحافظ ابن حجر، قال: ولم ينقل عن أحد من الأنبياء أنه جرى له عند ابتداء الوحى.

  • ومنها: أن الله تعالى ذكره فى القرآن عضوا عضوا ، فقلبه بقوله: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى «٢» . وقوله: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ «٣» ، ولسانه بقوله: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى «٤» ، وقوله: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ* «٥» . وبصره بقوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى «٦» ، ووجهه بقوله: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ «٧» ، ويده وعنقه بقوله: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ «٨» ، وظهره وصدره بقوله: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ

صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ «١» . واشتق اسمه من اسم الله «المحمود» ويشهد له ما أخرجه البخارى فى تاريخه الصغير من طريق على بن زيد، قال: كان أبو طالب يقول: وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد وهو مشهور لحسان بن ثابت. وسمى أحمد، ولم يسم به أحد قبله «٢» . رواه مسلم. ولأحمد من حديث على: أعطيت أربعا لم يعطهن أحد قبلى فذكر منها: وسميت أحمد «٣» .

  • ومنها أنه- ﷺ كان يبيت جائعا، ويصبح طاعما يطعمه ربه ويسقيه من الجنة، كما سيأتى البحث فيه- إن شاء الله تعالى- فى صيامه- ﷺ من مقصد عباداته.

  • وكان يرى من خلفه كما يرى أمامه «٤» ، رواه مسلم. ويرى فى الليل وفى الظلمة كما يرى بالنهار والضوء «٥» . رواه البيهقى.

  • وكانت ريقه يعذب الماء الملح ، رواه أبو نعيم. ويجزى الرضيع، رواه البيهقى.

  • ومنها: أنه- ﷺ كان إذا مشى فى الصخر غاصت قدماه فيه ، كما هو مشهور قديما وحديثا على الألسنة «٦» ، ونطق به الشعراء فى منظومهم، والبلغاء فى منثورهم، مع اعتضاده بوجود أثر قدمى الخليل إبراهيم- ﵇ فى حجر المقام المنوه به فى التنزيل فى قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ

مهم، والبلغاء فى منثورهم، مع اعتضاده بوجود أثر قدمى الخليل إبراهيم- ﵇ فى حجر المقام المنوه به فى التنزيل فى قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ

إِبْراهِيمَ «١» . وهو البالغ تعيينه- وأنه أثره- مبلغ التواتر، القائل فيه أبو طالب: وموطئ إبراهيم فى الصخر رطبة ... على قدميه حافيا غير ناعل وبما فى البخارى من حديث أبى هريرة مرفوعا من معجزة تأثير ضرب موسى فى الحجر ستّا أو سبعا إذ فرّ بثوبه لما اغتسل «٢» . إذ ما خص نبى بشىء من المعجزات والكرامات إلا ولنبينا- ﷺ مثله، كما نصوا عليه، مع ما يؤيد ذلك: وهو وجود أثر حافر بغلته الشريفة- على ما قيل- فى مسجد بطيبة، حتى عرف المسجد بها، بحيث يقال له مسجد البغلة، وما ذاك إلا من سره السارى فيها ليكون ذلك أقوى فى الآية. وأوضح فى الدلالة على إيتائه- ﷺ هذه الآية التى أوتيها الخليل فى حجر المقام على وجه أعلى منه. بل قال الزبير بن بكار فيما نقله المجد الشيرازى فى المغانم المطابة بعد ذكره لأثر البغلة ومسجدها: وفى غربى هذا المسجد أثر كأنه أثر مرفق يذكر أنه- ﷺ اتكأ عليه ووضع مرفقه عليه، وعلى حجر آخر أثر الأصابع، والناس يتبركون بهما. وقال السيد نور الدين السمهودى فى كتاب «وفاء الوفا» بعد إيراد ذلك: قلت ولم أقف فى ذلك على أصل إلا أن ابن النجار قال فى المساجد التى أدركها خرابا بالمدينة ما لفظه: ومسجدان قرب البقيع أحدهما يعرف بمسجد الإجابة، والثانى يعرف بمسجد البغلة، فيه إسطوان واحد، وهو خراب، وحوله نشز من الحجارة، فيه أثر يقولون إنه أثر حافر بغلة النبى- ﷺ، وانتهى.

  • وكان إبطه- ﷺ لا شعر عليه ، قاله القرطبى، وكان أبيض غير متغير اللون، كما ذكره الطبرى وعده من الخصائص، وذكره بعض الشافعية،

ر بغلة النبى- ﷺ، وانتهى.

  • وكان إبطه- ﷺ لا شعر عليه ، قاله القرطبى، وكان أبيض غير متغير اللون، كما ذكره الطبرى وعده من الخصائص، وذكره بعض الشافعية،

لحديث أنس «١» - المتفق عليه- أنه- ﷺ كان يرفع يديه فى الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه. وقال الشيخ جمال الدين الإسنوى فى «المهمات» إن بياض الإبط كان من خصائصه- ﷺ. انتهى. قال فى شرح تقريب الأسانيد: وما ادعاه من كون هذا من الخصائص فيه نظر، إذ لم يثبت ذلك بوجه من الوجوه، بل لم يرد ذلك فى شىء من الكتب المعتمدة، الخصائص لا تثبت بالاحتمال، ولا يلزم من ذكر أنس وغيره بياض إبطيه أن لا يكون له شعر، فإن الشعر إذا نتف بقى المكان أبيض، وإن بقى فيه آثار الشعر، ولذلك ورد فى حديث عبد الله بن أقرم الخزاعى، أنه صلى مع رسول الله- ﷺ فقال: كنت أنظر إلى عفرة إبطيه إذا سجد «٢» ، خرجه الترمذى، وحسنه، والنسائى وابن ماجه، وقد ذكر الهروى فى «الغريبين» ، وابن الأثير فى «النهاية» أن العفرة بياض ليس بالناصع ولكن كلون عفرة الأرض، وهو وجهها، وهذا يدل على أن آثار الشعر هو الذى جعل المكان أعفر، وإلا فلو كان خاليا من نبات الشعر جملة لم يكن أعفر. نعم الذى تعتقد فيه- ﷺ أنه لم يكن لإبطه رائحة كريهة، بل كان نظيفا طيب الرائحة، كما ثبت فى الصحيح.

  • وكان- ﷺ يبلغ صوته وسمعه ما لا يبلغه صوت غيره ولا سمعه.

  • وكان تنام عينه ولا ينام قلبه «٣» . رواه البخارى.

  • وما تثاءب قط . رواه ابن أبى شيبة والبخارى فى تاريخه من مرسل

يزيد بن الأصم قال: ما تثاءب نبى قط، ويؤيد ذلك. أن التثاؤب من الشيطان «١» رواه البخارى.

  • وما احتلم قط ، وكذلك الأنبياء «٢» . رواه الطبرانى. وكان عرقه أطيب من المسك. رواه أبو نعيم وغيره.

وإذا مشى مع الطويل طاله ، رواه البيهقى، ولم يقع له ظل على الأرض، ولا رؤى له ظل فى شمس ولا قمر. ويشهد له أنه- ﷺ لما سأل الله تعالى أن يجعل فى جميع أعضائه وجهاته نورا، ختم بقوله: «واجعلنى نورا» .

وكان- ﷺ لا يقع على ثيابه ذباب قط . نقله الفخر الرازى، ولا يمتص دمه البعوض، كذا نقله الحجازى وغيره. وما آذاه القمل، قاله ابن سبع فى «الشفاء» والسبتى فى «أعذب الموارد» .

ثيابه ذباب قط . نقله الفخر الرازى، ولا يمتص دمه البعوض، كذا نقله الحجازى وغيره. وما آذاه القمل، قاله ابن سبع فى «الشفاء» والسبتى فى «أعذب الموارد» .

ومنها: انقطاع الكهنة عند مبعثه ، وحراسة السماء من استراق السمع، والرمى بالشهب، قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون عن السماوات، وكانوا يدخلونها ويأتون بأخبارها، فيلقون على الكهنة، فلما ولد عيسى- ﵇ منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد- ﷺ منعوا من السماوات كلها، فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلا رمى بشهاب، وهو الشعلة من النار، فلا يخطئ أبدا، فمنهم من يقتله، ومنهم من يحرق وجهه، ومنهم من يخبله فيصير غولا يضل الناس فى البرارى، وهذا لم يكن ظاهرا قبل مبعث النبى- ﷺ، ولم يذكره أحد قبل زمانه. وإنما ظهر فى بدىء أمره، وكان ذلك أساسا لنبوته. وقال معمر قلت للزهرى: أكان يرمى بالنجوم فى الجاهلية؟ قال: نعم.

قلت: أفرأيت قوله: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ «١» الآية، قال: غلظت وشدد أمرها حين بعث محمد- ﷺ. وقال ابن قتيبة: إن الرجم كان قبل مبعثه، ولكن لم يكن فى شدة الحراسة إلا بعد مبعثه، وقيل: إن النجم كان ينقض ويرمى الشياطين ثم يعود إلى مكانه. ذكره البغوى.

ومنها أنه أتى بالبراق ليلة الإسراء مسرجا ملجما ، قيل كانت الأنبياء إنما تركبه عريانا.

ومنها أنه أسرى به- ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وعرج به إلى المحل الأعلى، وأراه من آيات ربه الكبرى، وحفظه فى المعراج حتى ما زاغ البصر وما طغى، وأحضر الأنبياء له وصلى بهم وبالملائكة إماما. وأطلعه على الجنة والنار. وعزيت هذه للبيهقى.

ومنها: أنه رأى الله تعالى بعينيه «٢» ، كما يأتى فى مقصد الإسراء- إن شاء الله تعالى-، وجمع الله له بين الكلام والرؤية، وكلمه تعالى فى الرفيع الأعلى، وكلم موسى بالجبل.

ومنها أن الملائكة تسير معه حيث سار يمشون خلف ظهره وقاتلت معه- كما مر- فى غزوة بدر وحنين.

ومنها: أنه يجب علينا أن نصلى ونسلم عليه ، لآية إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ «٣» إلى آخرها، ولم ينقل أن الأمم المتقدمة كان يجب عليهم أن يصلوا على أنبيائهم.

ومنها: أنه أوتى الكتاب العزيز، وهو أمى لا يقرأ ولا يكتب، ولا اشتغل بمدارسة.

آخرها، ولم ينقل أن الأمم المتقدمة كان يجب عليهم أن يصلوا على أنبيائهم.

ومنها: أنه أوتى الكتاب العزيز، وهو أمى لا يقرأ ولا يكتب، ولا اشتغل بمدارسة.

ومنها: حفظ كتابه هذا من التبديل والتحريف ، حتى سعى كثير من الملحدة والمعطلة لا سيما القرامطة فى تغييره وتبديل محكمه، فما قدروا على إطفاء شىء من نوره، ولا تغيير كلمة من كلمه، ولا تشكيك المسلمين فى حرف من حروفه، قال تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ «١» الآية. وكتابه يشتمل على ما اشتملت عليه جميع الكتب، جامعا لأخبار القرون السالفة والأمم البائدة، والشرائع الدائرة، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار أهل الكتاب، الذى قطع عمره فى تعلم ذلك. ويسر الله تعالى حفظه لمتعلميه، وقربه على متحفظيه، كما قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ «٢» وسائر الأمم لا يحفظ كتبها الواحد منها، فكيف بالجم الغفير على مرور السنين عليهم، والقرآن ميسر حفظه للغلمان فى أقرب مدة.

ومنها: أنه أنزل على سبعة أحرف «٣» تسهيلا علينا، وتيسيرا وشرفا ورحمة وخصوصية لفضلنا.

ومنها: أنه تعالى تكفل بحفظه ، فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «٤» أى من التحريف والزيادة والنقصان، ونظيره قوله تعالى فى صفة القرآن: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ «٥» ، وقوله: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً «٦» .

يهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ «٥» ، وقوله: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً «٦» .

فإن قلت: هذه الآية تنفى الاختلاف فيه، وحديث «أنزل القرآن على سبعة أحرف» المروى فى البخارى عن عمر، يثبته. فأجاب الجعبرى فى أول شرحه للشاطبية: بأن المثبت اختلاف تغاير، والمنفى اختلاف تناقض، فموردهما مختلف. انتهى. فإن قلت: فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن فى الصحف، وقد وعد الله تعالى بحفظه، وما حفظه الله تعالى فلا خوف عليه؟ فالجواب: - كما قال الرازى- إن جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله تعالى إياه، فإنه تعالى لما أراد حفظه قيضهم لذلك، قال: وقال أصحابنا: وفى هذه الآية دلالة قوية على أن البسملة آية من أول كل سورة، لأن الله تعالى قد وعد بحفظ القرآن، والحفظ لا معنى له إلا أن يبقى مصونا عن التغيير، وإلا لما كان محفوظا عن الزيادة، ولو جاز أن يظن بالصحابة أنهم زادوا لوجب أيضا أن يظن بهم النقصان. وذلك يوجب خروج القرآن عن كونه حجة. واختلف فيه، كيف يحفظ القرآن؟ فقال بعضهم: حفظه بأن يجعله معجزا مباينا لكلام البشر، يعجز الخلق عن الزيادة فيه والنقصان منه، لأنهم لو زادوا فيه أو نقصوا منه تغير نظم القرآن، فيظهر لكل العقلاء أن هذا ليس من القرآن. وقال آخرون: أعجز الخلق عن إبطاله وإفاده، بل قيض جماعة يحفظونه ويدرسونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاء التكليف. وقال آخرون: المراد بالحفظ هو أن أحدا لو حاول أن يغير بحرف أو نقطة لقال له أهل الدنيا: هذا كذب، حتى إن الشيخ المهيب لو اتفق له تغيير فى حرف منه لقال الصبيان كلهم: أخطأت أيها الشيخ وصوابه كذا، ولم يتفق لشىء، من الكتب مثل هذا الكتاب، فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف والتغيير والتحريف، وقد صان الله تعالى هذا الكتاب العزيز عن جميع التحريف، مع أن دواعى الملحدة واليهود والنصارى متوفرة على إبطاله وإفساده، وقد انقضى الآن ثمانية وتسعون سنة وثمانمائة سنة، وهو بحمد الله فى زيادة من الحفظ.

ومنها: أنه- ﷺ خص باية الكرسى ، وبالمفصل وبالمثانى، وبالسبع الطوال، كما فى حديث ابن عباس بلفظ: «وأعطيت خواتيم سورة البقرة من كنوز العرش، وخصصت به دون الأنبياء، وأعطيت المثانى مكان التوراة، والمئين مكان الإنجيل، والحواميم مكان الزبور، وفضلت بالمفصل» . رواه أبو نعيم فى الدلائل. وقال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ «١» ، وفى البخارى من حديث أبى هريرة عنه- ﷺ: «أم القرآن هى السبع المثانى والقرآن العظيم» «٢» سائرة. واختلفوا: لم سميت مثانى، فعن الحسن وابن عباس وقتادة لأنها تثنى فى الصلاة، فتقرأ فى كل صلاة، وقيل لأنها مقسومة بين الله وبين العبد نصفين، نصفها ثناء ونصفها دعاء، كما فى حديث أبى هريرة عنه- ﷺ: «يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين» «٣» . وقيل لأنها نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة. وعن مجاهد: لأن الله استثناها وادخرها لهذه الأمة، فما أعطاها غيرهم. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن السبع المثانى هى السبع الطوال، أولها سورة البقرة، وآخرها سورة الأنفال مع التوبة، وقال بعضهم: سورة يونس بدل الأنفال: قال ابن عباس: وإنما سميت السبع الطوال مثانى لأن الفرائض والحدود والأمثال والخبر والعبر ثنيت فيها. وقال طاووس: القرآن كله مثانى، قال الله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ «٤» ، وسمى القرآن مثانى لأن القصص ثنيت فيه والله أعلم.

ومنها: أنه أعطى مفاتيح الخزائن «١» . قال بعضهم: وهى خزائن أجناس العالم ليخرج لهم بقدر ما يطلبونه لذواتهم، فكل ما ظهر من رزق العالم فإن الاسم الإلهى لا يعطيه إلا عن محمد- ﷺ الذى بيده المفاتيح، كما اختص تعالى بمفاتيح الغيب فلا يعلمها إلا هو، وأعطى هذا السيد الكريم منزلة الاختصاص بإعطائه مفاتيح الخزائن.

طيه إلا عن محمد- ﷺ الذى بيده المفاتيح، كما اختص تعالى بمفاتيح الغيب فلا يعلمها إلا هو، وأعطى هذا السيد الكريم منزلة الاختصاص بإعطائه مفاتيح الخزائن.

ومنها: أنه أوتى جوامع الكلم ، فالكلم جمع كلمة، وكلمات الله تعالى لا تنفد، فالكلمة منه كلمات، ولما علم جوامع الكلم أعطى الإعجاز بالقرآن الذى هو كلام الله تعالى، وهو المترجم عن الله تعالى، فوقع الإعجاز فى الترجمة التى هى له، فإن المعانى المجردة عن المواد لا يتصور الإعجاز بها وإنما الإعجاز ربط هذه المعانى بصور الكلم القائم من نظم الحروف، فهو لسان الحق وسمعه وبصره.

ومنها: أنه بعث إلى الناس كافة ، قال بعضهم: وهو من الكفت، وهو الضم، قال الله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً «٢» تضم الأحياء على ظهرها، والأموتا فى بطنها، كذلك ضمت شريعته- ﷺ جميع الناس، فلا يسمع به أحد إلا لزمه الإيمان به، ولما سمع الجن القرآن يتلى قالوا: يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ «٣» الآية، فضمت شريعته الإنس والجن، وعمت رحمته التى أرسل بها العالم، قال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «٤» ، فمن لم تنله رحمته فما ذلك من جهته، وإنما ذلك من جهة القابل. فهو كالنور الشمسى أفاض شعاعه على الأرض، فمن استتر عنه فى كنّ أو ظل جدار فهو الذى لم يقبل انتشار النور عليه، وعدل عنه، فلم يرجع إلى الشمس من ذلك منع. انتهى.

نور الشمسى أفاض شعاعه على الأرض، فمن استتر عنه فى كنّ أو ظل جدار فهو الذى لم يقبل انتشار النور عليه، وعدل عنه، فلم يرجع إلى الشمس من ذلك منع. انتهى.

فإن قلت: إن نوحا كان مبعوثا إلى أهل الأرض بعد الطوفان، فإنه لم يبق إلا من كان مؤمنا معه، وقد كان مرسلا إليه، وقد جاء فى حديث جابر وغيره «وكان النبى يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود» «١» وفى رواية «إلى الناس كافة» . أجاب الحافظ ابن حجر، - رحمه الله تعالى-: بأن هذا العموم الذى حصل لنوح- ﵇ لم يكن فى أصل بعثته، وإنما اتفق بالحادث الذى وقع، وهو انحصار الخلق فى الموجودين بعد هلاك سائر الناس. وأما نبينا- ﷺ فعموم رسالته من أصل البعثة فثبت اختصاصه بذلك. وأما قول أهل الموقف لنوح- كما صح فى حديث الشفاعة-: إنه أول رسول إلى أهل الأرض، فليس المراد به عموم بعثته، بل إثبات أولية إرساله، وعلى تقدير أن يكون مرادا فهو مخصوص بتنصيصه ﷾ فى عدة آيات على أن إرسال نوح كان إلى قومه، ولم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم. واستدل بعضهم لعموم بعثته: بكونه دعا على جميع من فى الأرض فأهلكوا بالغرق إلا أهل السفينة، ولو لم يكن مبعوثا إليهم لما أهلكوا، لقوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا «٢» ، وقد ثبت أنه أول الرسل. وأجيب: بجواز أن يكون غيره أرسل إليهم فى أثناء مدة نوح، وعلم نوح بأنهم لم يؤمنوا فدعا على من لم يؤمن من قومه وغيرهم. فأجيب: وهذا جواب حسن، لكن لم ينقل أنه نبئ فى زمن نوح غيره. ويحتمل أن يكون معنى الخصوصية لنبينا- ﷺ فى ذلك بقاء شريعته. انتهى. وأما قول بعض اليهود: أن نبينا محمدا- ﷺ إنما هو مبعوث إلى العرب خاصة، ففاسد. والدليل عليه أنهم- أى اليهود- سلموا أنه رسول صادق إلى العرب، فوجب أن يكون كل ما يقوله حقّا، وقد ثبت بالتواتر أنه

يدعى أنه رسول إلى كل الناس، فلو كذبوه فيه لزم التناقض، أشار إليه صاحب المعالم «١» .

ومنها: نصره- ﷺ بالرعب مسيرة شهر «٢» ، والشهر قدر قطع القمر درجات الفلك المحيط، فهو أسرع قاطع، لعموم رعبه فى قلوب أعدائه، فلا يقبل الرعب إلا عدو مقصود ليتميز السعيد من الشقى، ومفهوم هذا: أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب فى هذه المدة، ولا فى أكثر منها، أما ما دونها فلا، لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب: «ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بينى وبينهم مسيرة شهر» «٣» فالظاهر اختصاصه به مطلقا. وإنما جعل الغاية شهرا، لأنه لم يكر بين بلده- ﷺ وبين أحد من أعدائه أكثر من شهر وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق، حتى ولو كان وحده بغير عسكر، وهل هى حاصلة لأمته من بعده، فيه احتمال.

ومنها: إحلال الغنائم ولم تحل لأحد قبله . وقد كان من تقدم على ضربين، منهم من لم يؤذن له فى الجهاد، فلم تكن له مغانم، ومنهم من أذن له فيه، لكن كانوا إذا غنموا شيئا لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فأحرقته «٤» . قال بعضهم: أعطى- ﷺ ما يوافق شهوة أمته، لأن النفوس لها التذاذ بها، لكونها حصلت لهم عن غير قهر منهم لتحصيلها وغلبة، فلا يريدون أن يفوتهم التنعم بها فى مقابلة ما قاسوه من الشدة والتعب.

ومنها: جعل الأرض له ولأمته مسجدا وطهورا «٥» ، والمراد: موضع

نهم لتحصيلها وغلبة، فلا يريدون أن يفوتهم التنعم بها فى مقابلة ما قاسوه من الشدة والتعب.

ومنها: جعل الأرض له ولأمته مسجدا وطهورا «٥» ، والمراد: موضع

سجود، أى لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، ويمكن أن يكون مجازا عن المكان المبنى للصلاة، وهو من مجاز التشبيه، لأنه لما جازت الصلاة فى جميعها كان كالمسجد فى ذلك. وقيل المراد: جعلت لى الأرض مسجدا وطهورا، وجعلت لغيرى مسجدا ولم تجعل له طهورا، لأن عيسى كان يسيح فى الأرض، ويصلى حيث أدركته الصلاة، قاله ابن التين ومن قبله الداودى. وقيل: إنما أبيح لهم فى موضع يتيقنون طهارته، بخلاف هذه الأمة فأبيح لهم فى جميع الأرض، إلا فيما تيقنوا نجاسته. والأظهر: ما قاله الخطابى، وهو أن من قبله إنما أبيحت لهم الصلاة فى أماكن مخصوصة كالبيع والصوامع، ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ «وكان من قبلى إنما كانوا يصلون فى كنائسهم» وهذا نص فى موضع النزاع فتثبت الخصوصية. ويؤيده ما رواه البزار من حديث ابن عباس، نحو حديث جابر وفيه: ولم يكن من الأنبياء أحد يصلى حتى يبلغ محرابه قاله فى فتح البارى «١» .

ومنها: أن معجزته- ﷺ مستمرة إلى يوم القيامة ، ومعجزات سائر الأنبياء انقرضت لوقتها، فلم يبق إلا خبرها، والقرآن العظيم لم تزل حجته قاهرة ومعارضته ممتنعة.

ومنها: أنه أكثر الأنبياء معجزة . قال القاضى عياض: أما كونها كثيرة فهذا القرآن وكله معجز، وأقل ما يقع الإعجاز فيه عند بعض أئمة المحققين بسورة إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ «٢» أو آية فى قدرها، وذهب بعضهم: إلى أن كل آية منه كيف كانت معجزة، وذهب آخرون إلى أن كل جملة منتظمة منه معجزة، وإن كانت من كلمة أو كلمتين. قال القاضى: والحق ما ذكرناه أولا، لقوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ «٣» فهو أقل ما تحداهم به، مع ما ينصر هذا القول من نظر وتحقيق

كلمتين. قال القاضى: والحق ما ذكرناه أولا، لقوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ «٣» فهو أقل ما تحداهم به، مع ما ينصر هذا القول من نظر وتحقيق

يطول بسطه. وإذا كان هذا، ففى القرآن من الكلمات نحو سبع وسبعين ألف كلمة ونيف على عدد بعضهم، وعدد كلمات إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ عشر كلمات، فيتجزأ القرآن على نسبة إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ أزيد من سبعة آلاف جزء، فكل واحد منها معجز فى نفسه، ثم إعجازه- كما تقدم- بوجهين. طريق بلاغته، وطريق نظمه، فصار فى كل جزء من هذا العدد معجزتان فتضاعف العدد من هذا الوجه، ثم فيه وجوه إعجاز أخر، من الإخبار بعلوم الغيب، فقد يكون فى السورة الواحدة من هذه التجزئة الإخبار عن أشياء من الغيب، كل خبر منها بنفسه معجز، فتضاعفت العدد كرة أخرى. ثم وجوه الإعجاز الآخر التى ذكرناها توجب التضعيف، هذا فى حق القرآن، فلا يكاد يأخذ العدد معجزاته، ولا يحوى الحصر براهينه، انتهى. ومن ذلك انشقاق القمر وتسليم الحجر، وحنين الجذع، ونبع الماء من بين أصابعه- ﷺ، ولم يثبت لواحد من الأنبياء مثل ذلك، كما ذكره ابن عبد السلام وغيره، وتقدم ما فيه من المباحث.

ومنها: أنه خاتم الأنبياء والمرسلين ، قال- ﷺ: «مثلى ومثل الأنبياء قبلى كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، فأنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيين» «١» . رواه البخارى ومسلم.

ومنها: أن شرعه مؤبد إلى يوم الدين ، وناسخ لجميع شرائع النبيين، وأنه أكثر الأنبياء تابعا كما قال- ﷺ: «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» «٢» . رواه الشيخان من حديث أبى هريرة.

ومنها: أنه لو أدركه الأنبياء لوجب عليهم اتباعه ، كما سيأتى تقريره- إن شاء الله تعالى-.

ومنها: أنه أرسل إلى الجن اتفاقا ، والدليل على ذلك قبل الإجماع: الكتاب والسنة، قال تعالى: لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً «١» ، وقد أجمع المفسرون على دخول الجن فى هذه الآية، وهو مدلول لفظها، فلا يخرج عنه إلا بدليل. وإن قيل إن الملائكة خارجون من ذلك فلا يضر، لأن العام المخصوص حجة عند جمهور العلماء والأصوليين، ولو بطل الاستدلال بالعمومات المخصوصة لبطل الاستدلال بأكثر الأدلة. وقال تعالى فى الأحقاف: أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ «٢» ، فأمر بعضهم بعضا بإجابته دليل على أنه داع لهم، وهو معنى بعثته إليهم، إلى غير ذلك من الآيات. وأما السنة، ففى صحيح مسلم من حديث أبى هريرة: أن رسول الله- ﷺ قال: «فضلت على الأنبياء بست» فذكر منها «وأرسلت إلى الخلق كافة» «٣» فإنه يشمل الإنس والجن، وحمله على الإنس خاصة تخصيص بغير دليل فلا يجوز. والكلام فيه كالكلام فى آية الفرقان [١] . فإن قلت: إن قوله: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً «٤» وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ «٥» ظاهر فى اختصاص رسالته- ﷺ بالإنس، واحتمال غير ذلك عدول عن الظاهر. فالجواب: إن هذا إنما يتمشى على مذهب الدقاق القائل بأن مفهوم اللقب حجة، و «الناس» من قبيل اللقب، فإن المسألة المترجمة فى الأصول «بمفهوم اللقب» لا تختص باللقب بل الأعلام كلها وأسماء الأجناس كلها كذلك ما لم تكن صفة. و «الناس» اسم جنس غير صفة فلا مفهوم له. فهذه

لمترجمة فى الأصول «بمفهوم اللقب» لا تختص باللقب بل الأعلام كلها وأسماء الأجناس كلها كذلك ما لم تكن صفة. و «الناس» اسم جنس غير صفة فلا مفهوم له. فهذه

الآية ليس فيها أصلا ما يفهم منه أنه ليس رسولا إلى غيرهم إلا على مذهب الدقاق، بل ولا يتم على مذهب التمسك بهذا المفهوم أيضا لأن الدقاق إنما يقول به حيث لم يظهر غرض آخر سواه فى تخصيص ذلك الاسم، وحيث ظهر غرض لا يقول بالمفهوم، بل يحمل التخصيص على ذلك الغرض، والغرض فى الآية التعميم فى جميع الناس، وعدم اختصاص الرسالة ببعضهم، فلا يلزم نفى الرسالة عن غيرهم، لا على مذهب الدقاق ولا على مذهب غيره. وإنما خاطب الناس لأنهم الذين تغلب رؤيتهم والخطاب معهم، فمقصود الآية خطاب الناس، والتعميم فيهم لا النفى عن غيرهم، وهذا إذا قلنا إن لفظ الناس لا يشمل الجن، فإن قلنا إنه يشملهم فواضح. والخلاف فيه مبنى على الخلاف فى اشتقاق «الناس» ، هل هو من النوس، وهو الحركة، أو من الأنس ضد الوحشة؟ فإذا قلنا بالأول أطلق على الفريقين، ولكن استعماله فى الإنس أغلب، فحيث أطلق فالمراد به ولد آدم، وإذا قلنا بالثانى فلا، لأنا لا نبصر الجن ولا نأنس بهم، فدخول الجن فى الآية إما ممتنع وإما قليل فلا يحمل عليه، وبهذا يتبين ضعف الاستدلال بها، لكنها لا تدل على خلافه. وأما قول الضحاك ومن تبعه: أن الرسل إلى الجن منهم، لقوله تعالى: مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ «١» فهو ظاهر الآية، لكن لم يقل الضحاك ولا أحد غيره باستمرار ذلك فى هذه الملة. وإنما محل الخلاف فى ذلك فى الملل المتقدمة خاصة، وأما فى هذه الملة فنبينا محمد، ﷺ هو المرسل إليهم وإلى غيرهم، ولم ينقل أحد عن الضحاك أن رسل الجن منهم مطلقا، ولا ينبغى أن ينسب إليه ما يخالف الإجماع، على أن الأكثرين قالوا: لم تكن الرسل إلا من الإنس، ولم يكن من الجن قط رسول، لكن لما جمعوا مع الجن فى الخطاب صح ذلك. ونظيره: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ «٢» وهما يخرجان من الملح دون العذب، وقيل الرسل من الجن

Bagian 23 dari 49