— Bagian 24 · لكن لما جمعوا مع الجن فى الخطاب صح ذلك. ونظيره: … —
Bagian 24
لكن لما جمعوا مع الجن فى الخطاب صح ذلك. ونظيره: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ «٢» وهما يخرجان من الملح دون العذب، وقيل الرسل من الجن
رسل الرسل من بنى آدم إليهم لا رسل الله، لقوله تعالى: وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ «١» ، قاله بعض العلماء.
ومنها: أنه أرسل الملائكة فى أحد القولين، ورجحه السبكى. قال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً «٢» ولا نزاع أن المراد بالعبد هاهنا محمد- ﷺ، والعالم هو ما سوى الله تعالى، فيتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة، وبطل بذلك قول من قال: إنه كان رسولا إلى البعض دون البعض، لأن لفظ «العالمين» يتناول جميع المخلوقات، فتدل الآية على أنه رسول إلى جميع الخلق. ولو قيل لمدعى «خروج الملائكة من هذا العموم» أقم الدليل عليه ربما عجز عنه، فإنه يحتمل أن يكون من الملائكة من أنذره- ﷺ إما ليلة الإسراء وإما غيرها. لكن لا يلزم من الإنذار والرسالة إليهم فى شىء خاص أن يكون بالشريعة كلها. وإذا قلنا إن الملائكة هم مؤمنو الجن السماوية، فإذا ركب هذا مع القول بعموم الرسالة للجن الذى قام الإجماع عليه، لزم عموم الرسالة لهم، لكن القول بأن الملائكة من الجن قول شاذ. والجمهور: على أن «العالمين» فى آية الفرقان عام مخصوص بالجن والإنس كما فسر بهما حديث «وأرسلت إلى الخلق كافة» المروى فى مسلم. وصرح الحليمى والبيهقى- فى الباب الرابع من شعب الإيمان- بأنه- ﷺ لم يرسل إلى الملائكة، وفى الباب الخامس عشر بانفكاكهم من شرعه. وفى تفسير الإمام فخر الدين الرازى، والبرهان للنسفى: حكاية الإجماع فى تفسير آية الفرقان على أنه لم يكن رسولا إليهم، كما حكاه العلامة الجلال المحلى والله أعلم.
وعبارة النسفى: ثم إنهم قالوا هذه الآية تدل على أحكام: أولها: أن قوله: لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً «١» يتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة. لكنا أجمعنا على أنه- ﷺ لم يكن رسولا إلى الملائكة، بل يكون رسولا إلى الجن والإنس جميعا. وهو عبارة الإمام فخر الدين أيضا. وقد تعقب الجلال المحلى العلامة كمال الدين بن أبى شريف فقال: اعلم أن البيهقى نقل ذلك عن الحليمى، فإنه قال: هذا معنى كلام الحليمى، وفى قوله هذا إشعار التبرى من عهدته، وبتقدير أن لا إشعار فيه فلم يصرح بأنه مرضى عنده. وأما الحليمى فإنه وإن كان من أهل السنة فقد وافق المعتزلة فى تفضيل الملائكة على الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام-، وما نقله عنه موافق لقوله بأفضلية الملائكة، فلعله بناه عليه. وأما ما ذكره من حكاية الرازى والنسفى الإجماع على أنه- ﷺ لم يكن مرسلا إليهم، فقد وقع فى نسخ من تفسير الرازى «لكنا بيّنا» بدل «أجمعنا» ، على أن قوله: «أجمعنا» ليس صريحا فى إجماع الأمة، لأن مثل هذه العبارة تستعمل لإجماع الخصمين المتناظرين، بل لو صرح به لمنع، فقد قال الإمام السبكى فى قوله: لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً قال المفسرون كلهم فى تفسيرها للجن والإنس، وقال بعضهم وللملائكة، انتهى. وبالجملة: فالاعتماد على تفسير الرازى والنسفى فى حكاية إجماع انفردا بحكايته أمر لا ينتهض حجة على طريقة علماء النقل، لأن مدارك نقل الإجماع من كلام الأئمة وحفاظ الأمة كابن المنذر وابن عبد البر، ومن فوقهما فى الاطلاع كالأئمة أصحاب المذاهب المتبوعة ومن يلحق بهم فى سعة دائرة الاطلاع والحفظ والإتقان لها من الشهرة عند علماء النقل ما يغنى عن بسط الكلام فيها. واللائق بهذه المسألة التوقف عن الخوض فيها على وجه يتضمن دعوى القطع فى شىء من الجانبين، انتهى.
من الشهرة عند علماء النقل ما يغنى عن بسط الكلام فيها. واللائق بهذه المسألة التوقف عن الخوض فيها على وجه يتضمن دعوى القطع فى شىء من الجانبين، انتهى.
ومنها: أنه أرسل رحمة للعالمين ، كما قال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «١» قال السمرقندى: يعنى للجن والإنس، وقيل لجميع الخلق، رحمة للمؤمن بالهداية ورحمة للمنافق بالأمان من القتل. وقال ابن عباس: رحمة للبر والفاجر، لأن كل نبى إذا كذب أهلك الله من كذبه، ومحمد- ﷺ أخر من كذبه إلى الموت أو القيامة. وأما من صدقه فله الرحمة فى الدنيا والآخرة، فذاته- ﷺ كما روى- رحمة تعم المؤمن والكافر كما قال تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ «٢» وقال- ﷺ: «إنما أنا رحمة مهداة» «٣» رواه الدارمى والبيهقى من حديث أبى هريرة، وسيأتى فى المقصد السادس مزيد لذلك- إن شاء الله تعالى-. والله الموفق.
-
ومنها: أن الله تعالى خاطب جميع الأنبياء بأسمائهم فى القرآن ، فقال: يا آدم، يا نوح، يا إبراهيم، يا داود، يا زكريا، يا يحيى، يا عيسى، ولم يخاطب هو فيه إلا ب «يا أيها الرسول» «يا أيها النبى» «يا أيها المزمل» «يا أيها المدثر» .
-
ومنها: أنه حرم على الأمة نداءه باسمه ، قال تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً «٤» أى لا تجعلوا نداءه وتسميته كنداء بعضكم بعضا باسمه، ورفع الصوت به، والنداء وراء الحجرات، ولكن قولوا: يا رسول الله، يا نبى الله، مع التوقير والتواضع وخفض الصوت، وقيل: لا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضا فى جواز الإعراض والمساهلة فى الإجابة.
-
ومنها: أنه يحرم الجهر له بالقول ، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ
سوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضا فى جواز الإعراض والمساهلة فى الإجابة.
- ومنها: أنه يحرم الجهر له بالقول ، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ «١» . قال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ «٢» كان أبو بكر لا يكلم النبى- ﷺ إلا كأخى السرار «٣» وروى أنه- ﷺ ما كان يسمع كلام عمر حتى يستفهمه مما يخفض صوته «٤» . وكان ثابت بن قيس فى أذنه وقر، وكان جهوريّا، فلما نزلت تخلف عن رسول الله- ﷺ، فتفقده ودعاه، فقال: يا رسول الله لقد أنزلت عليك هذه الآية، وإنى رجل جهير الصوت فأخاف أن يكون عملى قد حبط، فقال- ﷺ: «لست هناك، إنك تعيش بخير وتموت بخير، وإنك من أهل الجنة» «٥» . قال أنس: فكنا ننظر إلى رجل من أهل الجنة يمشى بين أيدينا، فلما كان يوم اليمامة فى حرب مسيلمة رأى ثابت من المسلمين بعض الانكشاف وانهزمت طائفة منهم، فقاتل حتى قتل.
- ومنها: أنه يحرم نداؤه من وراء الحجرات قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ «٦» ، إذ العقل يقتضى حسن الأدب ومراعاة الحشمة وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ «٧»
أى لكان الصبر خيرا لهم من الاستعجال لما فيه من حفظ الأدب وتعظيم الرسول- ﷺ الموجبين للثناء والثواب.
-
ومنها: أنه حبيب الله، وجمع له بين المحبة والخلة ، وسيأتى تحقيق ذلك وما فيه من المباحث فى آخر المقصد السابع، - إن شاء الله تعالى-.
-
ومنها: أنه تعالى أقسم على رسالته وبحياته وببلده وعصره ، كما سيأتى فى المقصد السادس، - إن شاء الله تعالى-.
-
ومنها: أنه كلم بجميع أصناف الوحى ، كما نقل عن ابن عبد السلام وسبق تحقيقه في المبعث من المقصد الأول.
-
ومنها: أن إسرافيل هبط عليه، ولم يهبط على نبى قبله ، أخرجه الطبرانى من حديث ابن عمر: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «لقد هبط علىّ ملك من السماء ما هبط على نبى قبلى، ولا يهبط على أحد بعدى، وهو إسرافيل، فقال: أنا رسول ربك إليك أمرنى أن أخبرك إن شئت نبيّا عبدا، وإن شئت نبيّا ملكا، فنظرت إلى جبريل فأومأ إلى أن تواضع، فلو أنى قلت نبيّا ملكا، لسارت الجبال معى ذهبا» «١» .
-
ومنها: أنه سيد ولد آدم ، رواه مسلم من حديث أبى هريرة بلفظ: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة» «٢» وعند الترمذى من حديث أبى سعيد الخدرى «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدى لواء الحمد ولا فخر» «٣» . وإنما قال ذلك إخبارا عما أكرمه الله تعالى به من الفضل والسؤدد، وتحدثا بنعمة الله عنده، وإعلاما لأمته ليكون إيمانهم به على حسبه وموجبه، ولهذا أتبعه بقوله: «ولا فخر» أى إن هذه الفضيلة التى نلتها كرامة من الله، لم أنلها من قبل نفسى، ولا بلغتها بقوتى، فليس لى أن أفتخر بها.
حسبه وموجبه، ولهذا أتبعه بقوله: «ولا فخر» أى إن هذه الفضيلة التى نلتها كرامة من الله، لم أنلها من قبل نفسى، ولا بلغتها بقوتى، فليس لى أن أفتخر بها.
-
ومنها: أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، قال الله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «١» . قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: من خصائصه- ﷺ أنه أخبره الله تعالى بالمغفرة ولم ينقل أنه أخبر أحدا من الأنبياء بمثل ذلك، ويدل له قولهم فى الموقف: «نفسى نفسى» . وقال ابن كثير فى تفسير هذه الآية- يعنى آية الفتح- لم يشاركه فيها غيره. وقد أخرج أبو يعلى والطبرانى والبيهقى عن ابن عباس قال: إن الله فضل محمدا- ﷺ على أهل السماء وعلى الأنبياء، قالوا: فما فضله على أهل السماء، قال: إن الله تعالى قال لأهل السماء: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ «٢» وقال لمحمد- ﷺ: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ فقد كتب له براءة، قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال: إن الله تعالى قال: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ «٣» وقال لمحمد: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ «٤» ، فأرسله إلى الإنس والجن.
-
ومنها: أنه أكرم الخلق على الله ، فهو أفضل من كل المرسلين، وجميع الملائكة المقربين، وسيأتى الجواب عن قوله- ﷺ فى حديث ابن عباس، عند مسلم: «ما ينبغى لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى» «٥» ونحو ذلك فى المقصد السادس- إن شاء الله تعالى-.
-
ومنها: إسلام قرينه . رواه مسلم من حديث ابن مسعود، والبزار من حديث ابن عباس.
-
ومنها: أنه لا يجوز عليه الخطأ ، كما ذكره ابن أبى هريرة والماوردى: وقال قوم: ولا النسيان، حكاه النووى فى شرح مسلم.
-
ومنها: أن الميت يسأل عنه- ص فى قبره ، فعن عائشة أن رسول الله- ﷺ قال: «وأما فتنة القبر فبى يفتنون وعنى يسألون، فإذا كان الرجل أجلس، فيقال له ما هذا الرجل الذى كان فيكم؟ فيقول: محمد رسول الله» «١» . الحديث رواه أحمد والبيهقى.
فتنة القبر فبى يفتنون وعنى يسألون، فإذا كان الرجل أجلس، فيقال له ما هذا الرجل الذى كان فيكم؟ فيقول: محمد رسول الله» «١» . الحديث رواه أحمد والبيهقى.
-
ومنها: أنه حرم نكاح أزواجه من بعده ، قال الله تعالى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ «٢» أى هن فى الحرمة كالأمهات، حرم نكاحهن عليهم بعده تكرمة له وخصوصية، ولأنهن أزواج له فى الآخرة، وهذا فى غير المخيرات، فمن اختارت منهن الدنيا ففى حلها للأزواج طريقان: أحدهما طرد الخلاف، والثانى: القطع بالحل واختاره الإمام «٣» والغزالى. وأزواجه اللاتى توفى عنهن محرمات على غيره أبدا، وفى جواز النظر إليهن وجهان: أشهرهما المنع، ويثبت لهن حكم الأمومة فى احترامهن وطاعتهن وتحريم نكاحهن، لا فى جواز الخلوة بهن والنفقة عليهن والميراث. ولا يتعدى ذلك إلى غيرهن فلا يقال بناتهن أخوات للمؤمنين على الأصح. وقيل: إنما حرمن لأنه- ﷺ حى فى قبره، ولذا حكى الماوردى أنه لا يجب عليهن عدة الوفاة. وفى التى فارقها فى الحياة- كالمستعيذة- والتى رأى بكشحها بياضا- أوجه: أحدها، يحرمن أيضا، وهو الذى نص عليه الشافعى وصححه فى الروضة، لعموم الآية، وليس المراد بمن بعده بعدية الموت بل بعدية النكاح. وقيل: لا. والثالث: وصححه إمام الحرمين والرافعى فى الصغير: تحريم المدخول بها فقط، لما روى أن الأشعث بن قيس نكح المستعيذة فى زمن عمر، فهم عمر برجمه فأخبر أنها لم تكن مدخولا بها فكف. وفى أمة فارقها بعد وطئها أوجه ثالثها: تحرم إن فارقها بالموت- كمارية- ولا تحرم إن باعها فى الحياة. انتهى.
-
ومنها: ما عده ابن عبد السلام أنه يجوز أن يقسم على الله به وليس ذلك لغيره، قال ابن عبد السلام: وهذا ينبغى أن يكون مقصورا على النبى- ﷺ، لأنه سيد ولد آدم، وأن لا يقسم على الله بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء لأنهم ليسوا فى درجته، وأن يكون هذا مما خص به لعلو درجته ومرتبته «١» ، انتهى.
-
ومنها: أنه يحرم رؤية أشخاص أزواجه فى الأزر ، وكذا يحرم كشف وجوههن وأكفهن لشهادة أو غيرها، كما صرحه به القاضى عياض، وعبارته: فرض الحجاب مما اختصصن به، فهو فرض عليهن بلا خلاف فى الوجه والكفين، فلا يجوز كشف ذلك فى شهادة ولا غيرها، ولا إظهار شخوصهن وإن كن مستقرات، إلا ما دعت إليه ضرورة من براز، ثم استدل بما فى الموطأ، أن حفصة لما توفى عمر- رضى الله عنه- سترها النساء عن أن يرى شخصها، وأن زينب بنت جحش جعلت لها القبة فوق نعشها لتستر شخصها. انتهى. قال الحافظ ابن حجر: وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك عليهن، فقد كن بعد النبى- ﷺ يحججن ويطفن، وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص. انتهى. وأما حكم نظر غير أزواجه ففى الروضة وأصلها عن الأكثرين: جواز النظر إلى وجه حرة كبيرة أجنبية وكفيها إذا لم يخف فتنة، مع الكراهة، وقوة كلام الشيخين: الرافعى والنووى تقتضى رجحانه، وصوبه فى «المهمات»
لتصريح الرافعى فى الشرح بأن الأكثرين عليه، لكن نقل ابن العراقى أن شيخه البلقينى قال: الترجيح بقوة المدرك، والفتوى على ما فى المنهاج، وقد جزم به فى «التدريب» ، وقوة كلام الشرح الصغير تقتضى رجحانه، وعلله باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات. ونقلا فى «الروضة» و «أصلها» هذا الاتفاق وأقراه. وعورض: بنقل القاضى عياض عن العلماء مطلقا: أنه لا يجب على المرأة ستر وجهها فى الطريق، وإنما هو سنة، وعلى الرجال غض البصر، وحكاه عنه النووى فى شرح مسلم وأقره. قاله الشيخ نجم الدين ابن قاضى عجلون فى تصحيح المنهاج والله أعلم. وكان النكاح فى حقه- ﷺ عبادة مطلقا، كما قاله السبكى، وهو فى حق غيره ليس بعبادة عندنا، بل من المباحات، والعبادة عارضة له.
فى تصحيح المنهاج والله أعلم. وكان النكاح فى حقه- ﷺ عبادة مطلقا، كما قاله السبكى، وهو فى حق غيره ليس بعبادة عندنا، بل من المباحات، والعبادة عارضة له.
-
ومنها: أن أولاد بناته ينسبون إليه ، قال- ﷺ فى الحسن: «إن ابنى هذا سيد» «١» رواه أبو يعلى.
-
ومنها: أن كل نسب وسبب منقطع يوم القيامة إلا سببه ونسبه . قال- ﷺ: «كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببى ونسبى» «٢» . والنسب بالولادة والسبب بالزواج. قيل: إن أمته ينتفعون بالنسبة إليه يوم القيامة بخلاف أمة غيره.
-
ومنها: أنه لا يتزوج على بناته . فعن المسور بن مخرمة أنه سمع رسول الله- ﷺ على المنبر يقول: «إن بنى هاشم بن المغيرة استأذنونى فى أن ينكحوا ابنتهم على بن أبى طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم ثم لا آذن لهم، إلا أن يحب ابن أبى طالب أن طلق ابنتى وينكح ابنتهم، فإنما ابنتى بضعة
منى يريا بنى ما رابها، ويؤذينى ما آذاها» «١» أخرجه الشيخان، وصححه الترمذى. وعنه (أن على بن أبى طالب خطب بنت أبى جهل، وعنده فاطمة بنت النبى- ﷺ، فلما سمعت بذلك فاطمة أتت النبى- ﷺ فقالت: إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك، وهذا على ناكح ابنة أبى جهل. قال المسور: فقال النبى- ﷺ فسمعته حين تشهد قال: «أما بعد فإنى أنكحت أبا العاصى بن الربيع، فحدثنى فصدقنى، وإن فاطمة بنت محمد بضعة منى، وإنما أكره أن يفتنوها، وإنه والله لا تجتمع بنت رسول الله- ﷺ وبنت عدو الله عند رجل واحد أبدا» . قال: فترك على الخطبة) «٢» : أخرجه الشيخان. واسم بنت أبى جهل هذه: جويرية، أسلمت وبايعت، وتزوجها عتاب ابن أسيد، ثم أبان بن سعيد بن العاصى. قال أبو داود: حرم الله تعالى على على أن ينكح على فاطمة فى حياتها، بقوله ﷿: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «٣» .
. قال أبو داود: حرم الله تعالى على على أن ينكح على فاطمة فى حياتها، بقوله ﷿: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «٣» . وذكر الشيخ أبو على السنجى، فى شرح التلخيص: أنه يحرم التزوج على بنات النبى- ﷺ، ويحتمل أن يكون ذلك خاصّا بفاطمة- رضى الله عنها-، وقد علل- ﷺ بأن ذلك يؤذيه، وإذايته- ﷺ حرام بالاتفاق، وفى هذا تحريم أذى من يتأذى النبى- ﷺ بتأذيه، لأن إيذاء النبى- ﷺ حرام اتفاقا، قليله وكثيره. وقد جزم- ﷺ بأنه يؤذيه ما آذى فاطمة، فكل من وقع منه فى حق فاطمة شىء فتأذت به فهو يؤذى النبى- ﷺ بشهادة هذا الخبر الصحيح.
وقد استشكل اختصاص فاطمة بذلك، مع أن الغيرة على النبى- ﷺ أقرب إلى خشية الافتتان فى الدين، ومع ذلك فكان- ﷺ يستكثر من الزوجات، وتوجد منهن الغيرة، ومع ذلك ما راعى- ﷺ ذلك فى حقهن، كما راعاه فى حق فاطمة؟ وأجيب: بأن فاطمة كانت إذ ذاك فاقدة من تركن إليه ممن يؤنسها ويزيل وحشتها من أم أو أخت، بخلاف أمهات المؤمنين، فإن كل واحدة منهن كانت ترجع إلى من يحصل لها معه ذلك، وزيادة عليه وهو زوجهن- ﷺ لما كان عنده من الملاطفة وتطييب القلوب وجبر الخواطر، بحيث إن كل واحدة منهن ترضى منه لحسن خلقه وجميل خلقه جميع ما يصدر منه، بحيث لو وجد ما يخشى وجوده من الغيرة لزال عن قرب.
ومنها «١» : أنه لا يجتهد فى محراب صلى إليه يمنة ولا يسرة، وأفتى شيخ الإسلام أبو زرعة ابن العراقى فى شخص امتنع من الصلاة إلى محراب النبى- ﷺ وقال: أنا أجتهد وأصلى، بأنه إن فعل ذلك مع الاعتراف بأنه على ما كان فى زمن النبى- ﷺ فهو ردة، وإن ذكر تأويلا بأن قال: ليس هو الآن على ما كان عليه فى زمنه- ﷺ بل غير عما كان عليه، فهذا سبب اجتهادى، لم يحكم بردته، وإن لم يكن هذا التأويل صحيحا.
، وإن ذكر تأويلا بأن قال: ليس هو الآن على ما كان عليه فى زمنه- ﷺ بل غير عما كان عليه، فهذا سبب اجتهادى، لم يحكم بردته، وإن لم يكن هذا التأويل صحيحا.
ومنها: أن من رآه فى المنام فقد رآه حقّا فإن الشيطان لا يتمثل به. وفى رواية مسلم «من رآنى فى المنام فسيرانى فى اليقظة أو لكأنما رآنى فى اليقظة، لا يتمثل الشيطان بى» «٢» . قال الحافظ ابن حجر: ووقع عند الإسماعيلى: «فقد رآنى فى اليقظة» بدل قوله «فسيرانى» ومثله عند ابن ماجه وصححه الترمذى من حديث ابن مسعود «٣» . وفى رواية أبى قتادة- عند مسلم أيضا-
«من رآنى فقد رأى الحق» «١» . وله أيضا من حديث جابر «من رآنى فى المنام فقد رآنى، فإنه لا ينبغى للشيطان أن يتمثل فى صورتى» «٢» وفى رواية «من رآنى فى المنام فقد رآنى فإنه لا ينبغى للشيطان أن يتشبه بى» . وفى حديث أبى سعيد عند البخارى «فإن الشيطان لا يتكوننى» «٣» أى لا يتكون كونى، فحذف المضاف ووصل المضاف إليه بالفعل. وفى حديث أبى قتادة عند البخارى «لا يتراءى بى» «٤» بالراء، بوزن يتعاطى، ومعناه: لا يستطيع أن يتمثل بى، يعنى أن الله تعالى وإن أمكنه من التصور فى أى صورة أراد فإنه لم يمكنه من التصور فى صورة النبى- ﷺ. وقد ذهب إلى هذا جماعة، فقالوا فى الحديث: إن محل ذلك إذا رآه الرائى على صورته التى كان عليها، ومنهم من ضيق الذرع فى ذلك حتى قال: لابد أن يراه على صورته التى قبض عليها، حتى يعتبر عدد الشعرات البيض التى لم تبلغ عشرين شعرة. وعن حماد بن زيد قال: كان محمد- يعنى ابن سيرين- إذا قص عليه رجل أنه رأى النبى- ﷺ قال: صف الذى رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تره، وسنده صحيح. وقد أخرج الحاكم من طريق عاصم بن كليب: حدثنى أبى قال: قلت لابن عباس، رأيت النبى- ﷺ فى المنام، قال: صفه لى، قال: فذكرت الحسن بن على فشبهته به، قال: قد رأيته، وسنده جيد. لكن يعارضه: ما أخرجه ابن أبى عاصم من وجه آخر عن أبى هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ: «من رآنى فى المنام فقد رآنى، فإنى أرى فى كل
ل: قد رأيته، وسنده جيد. لكن يعارضه: ما أخرجه ابن أبى عاصم من وجه آخر عن أبى هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ: «من رآنى فى المنام فقد رآنى، فإنى أرى فى كل
صورة» «١» وفى سنده ابن التوأمة وهو ضعيف لاختلاطه، وهو من رواية من سمع منه بعد الاختلاط. قال القاضى أبو بكر بن العربى: رؤيته- ﷺ بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة، ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال، فإن الصواب أن الأنبياء لا تغيرهم الأرض، ويكون إدراك الذات الكريمة حقيقة، وإدراك الصفات إدراك المثال. قال: وقد شذ بعض القدرية فقال: الرؤيا لا حقيقة لها أصلا. قال وقوله: «فسيرانى» معناه فسيرى تفسير ما رأى، لأنه حق وغيب، وأما قوله «فكأنما رآنى» فهو تشبيه ومعناه: أنه لو رآنى فى اليقظة لطابق ما رآه فى المنام، فيكون الأول حقّا وحقيقة، والثانى حقّا وتمثيلا. قال: وهذا كله إذا رآه على صورته المعروفة، فإن رآه على خلاف صفته فهى أمثال. فإن رآه مقبلا عليه مثلا فهو خير للرائى، وعلى العكس فبالعكس. وقال القاضى عياض: يحتمل أن يكون المراد بقوله «فقد رآنى» أو «فقد رأى الحق» أن من رآه على صورته المعروفة فى حياته كانت رؤياه حقّا، ومن رآه على غير صورته كانت رؤيا تأويل، انتهى. وتعقبه النووى فقال: هذا ضعيف، بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كانت على صفته المعروفة أو غيرها، انتهى. وتعقبه شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر فقال: لم يظهر لى من كلام القاضى عياض ما ينافى ذلك، بل ظاهر قوله أنه يراه حقيقة فى الحالين، لكن فى الأولى تكون الرؤيا مما لا يحتاج إلى تعبير، والثانية: مما يحتاج إلى التعبير. وقال بعضهم؛ معناه، أن من رآه [رآه] «٢» على صورته التى كان عليها. ويلزم من قول من قال: «إنه لا تكون رؤيته إلا على صورته المعلومة» أن من
إلى التعبير. وقال بعضهم؛ معناه، أن من رآه [رآه] «٢» على صورته التى كان عليها. ويلزم من قول من قال: «إنه لا تكون رؤيته إلا على صورته المعلومة» أن من
رآه على غير صفته أن تكون رؤياه من أضغاث الأحلام. ومن المعلوم أنه يرى فى النوم على حالة بخلاف حالته فى الدنيا من الأحوال اللائقة به، ولو تمكن الشيطان من التمثيل بشىء مما كان عليه أو ينسب إليه لعارض عموم قوله: «فإن الشيطان لا يتمثل بى» فالأولى أن ننزه رؤياه، وكذا رؤيا شىء منه، أو مما ينسب إليه عن ذلك، فإنه أبلغ فى الحرمة، وأليق بالعصمة، كما عصم من الشيطان فى يقظته، فالصحيح فى تأويل هذا الحديث: أن مقصوده أن رؤيته فى كل حالة ليست باطلة ولا أضغاثا، بل هى حق فى نفسها، ولو رؤى على غير صورته، فتصور تلك الصورة ليس من الشيطان، بل هو من قبل الله، وهذا قول القاضى أبى بكر الطيب وغيره. ويؤيده قوله: «فقد رأى الحق» أشار إليه القرطبى. وقال ابن بطال: قوله: «فسيرانى فى اليقظة» يريد تصديق تلك الرؤيا فى اليقظة وصحتها وخروجها على الحق، وليس المراد أنه يراه فى الآخرة، لأنه سيراه يوم القيامة فى اليقظة جميع أمته، من رآه فى النوم ومن لم يره. وقال المازرى: إن كان المحفوظ «فكأنما رآنى فى اليقظة» فمعناه ظاهر، وإن كان المحفوظ «فسيرانى فى اليقظة» احتمل أن يكون أراد أهل عصره ممن لم يهاجر إليه، فإنه إذ رآه فى المنام جعل ذلك علامة على أنه يراه بعد ذلك فى اليقظة، وأوحى الله بذلك إليه- ﷺ. وقيل معناه: سيرى تأويل تلك الرؤيا فى اليقظة وصحتها. وأجاب القاضى عياض: باحتمال أن تكون رؤياه له فى النوم على الصفة التى عرف بها، ووصف عليها، موجبة لتكرمته فى الآخرة، وأن يراه رؤية خاصة من القرب منه، أو الشفاعة له، بعلو الدرجة ونحو ذلك من الخصوصيات. قال: ولا يبعد أن يعاقب الله بعض المذنبين فى القيامة بمنع رؤية نبيه- ﷺ مدة. وحمله ابن أبى جمرة على محمل آخر، فذكر عن ابن عباس أو غيره، أنه رأى النبى- ﷺ فى النوم، فبقى بعد اليقظة متفكرا فى هذا الحديث،
فدخل على بعض أمهات المؤمنين- لعلها خالته ميمونة- فأخرجت له المرآة التى كانت للنبى- ﷺ فنظر فيها صورة النبى- ﷺ ولم ير صورة نفسه. وقال الغزالى: ليس معنى قوله: «فقد رآنى» أنه رأى جسمى وبدنى وإنما المراد أنه رأى مثالا صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذى فى نفسى إليه، وكذلك قوله: «فسيرانى فى اليقظة» ليس المراد أنه يرى جسمى وبدنى. قال: والآلة تارة تكون حقيقية وتارة تكون خيالية، والنفس غير المثال المتخيل، فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى- ﷺ ولا شخصه بل هو مثال له على التحقيق. قال: ومثل ذلك من يرى الله تعالى فى المنام، فإن ذاته تعالى منزهة عن الشكل والصورة، ولكن تنتهى تعريفاته تعالى إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره، ويكون ذلك المثال آلة حقّا فى كونه واسطة فى التعريف، فيقول الرائى: رأيت الله ﷿ فى المنام، لا يعنى أنى رأيت ذات الله تعالى، كما يقول فى حق غيره. وقال الغزالى أيضا فى بعض فتاويه: من رأى الرسول- يعنى فى المنام- لم ير حقيقة شخصه المودع روضة المدينة، وإنما رأى مثاله لا شخصه، ثم قال: وذلك المثال مثال روحه المقدسة عن الصورة والشكل. وقال الطيبى: المعنى من رآنى فى المنام بأى صفة كنت فليبشر وليعلم أنه قد رآنى الرؤيا الحق، أى رؤية الحق لا الباطل، وكذا قوله: «فقد رآنى» فالشرط والجزاء إذا اتحدا دل على الغاية فى الكمال، أى فقد رآنى رؤيا ليس بعدها شىء. والحاصل من الأجوبة: أنه على التشبيه والتمثيل ويدل عليه قوله «فكأنما رآنى فى اليقظة» . ثانيها: معناه، سيرى فى اليقظة تأويلها بطريق الحقيقة. ثالثها: أنه خاص بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه.
مثيل ويدل عليه قوله «فكأنما رآنى فى اليقظة» . ثانيها: معناه، سيرى فى اليقظة تأويلها بطريق الحقيقة. ثالثها: أنه خاص بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه.
رابعها: المراد أنه فى المرآة التى كانت له إن أمكنه ذلك، قال شيخ مشايخنا الحافظ ابن حجر: وهذا من أبعد المحامل. خامسها: أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية، لا مطلق من رآه حينئذ ممن لم يره فى المنام. والصواب كما قدمناه فى رؤيته- ﷺ التعميم، على أى حالة رآه الرائى بشرط أن يكون على صورته الحقيقية فى وقت ما، سواء كان فى شبابه أو رجوليته أو كهوليته، أو آخر عمره، وقد يكون لما خالف ذلك تعبير يتعلق بالرائى، كما قال بعض علماء التعبير: إن من رآه شيخا فهو غاية سلم، ومن رآه شابّا فهو غاية حرب. وقال أبو سعيد أحمد بن محمد بن نصر: من رأى نبيّا على حاله وهيئته فذلك دليل على صلاح الرائى وكمال جاهه وظفره بمن عاداه، ومن رآه متغير الحال عابسا مثلا فذلك دال على سوء حال الرائى. وقال العارف ابن أبى جمرة: من رآه فى صورة حسنة فذاك حسن فى دين الرائى، وإن كان فى جارحة من جوارحه شين أو نقص فذلك خلل فى الرائى من جهة الدين. قال: وهذا هو الحق. وقد جرب ذلك فوجد على هذا الأسلوب، وبه تحصل الفائدة الكبرى فى رؤياه حتى يتبين للرائى هل عنده خلل أو لا؟ لأنه- ﷺ نورانى مثل المرآة الصقيلة، ما كان فى الناظر إليها من حسن أو غيره تصور فيها، وفى ذاتها على أحسن حال لا نقص فيها، كذلك يقال فى كلامه- ﷺ فى النوم: أنه يعرض على سنته، فما وافقها فهو حق، وما خالفها فالخلل فى سمع الرائى، فرؤيا الذات الكريمة حق، والخلل إنما هو فى سمع الرائى له أو بصره، قال: وهذا غير ما سمعته فى ذلك، انتهى. وقال بعضهم: ليست رؤيته- ﷺ رؤيا عين، إنما يرى بالبصائر، وذلك لا يستدعى حصر المرئى بل يرى من المشرق إلى المغرب ومن الأرض إلى العرش، كما ترى الصورة فى المرآة المحاذية لها، وليست الصورة منتقلة إلى جرم المرآة، وعين الناظر مقابلة جميع الكائنات كالمرآة.
إلى المغرب ومن الأرض إلى العرش، كما ترى الصورة فى المرآة المحاذية لها، وليست الصورة منتقلة إلى جرم المرآة، وعين الناظر مقابلة جميع الكائنات كالمرآة.
واختلاف رؤيته- ﷺ بأن يراه بعضهم شيخا وآخر شابّا، وآخر ضاحكا وآخر باكيا، يرجع إلى حال الرائين، كاختلاف الصورة الواحدة فى مرائى مختلفة الأشكال والمقادير، ففى الكبيرة يرى وجهه كبيرا، وفى الصغيرة صغيرا، وفى المعوجة معوجّا، وفى الطويلة طويلا، إلى غير ذلك، فالاختلاف راجع إلى اختلاف أشكال المرائى، لا إلى وجه الرائى. كذلك الراؤون له- ﷺ أحوالهم بالنسبة إليه مختلفة، فمن رآه متبسما إليه دل على أن الرائى متمسك بسنته، والله أعلم. وقد أجاب الشيخ بدر الدين الزركشى عن سؤال رؤية جماعة له- ﷺ فى آن واحد من أقطار متباعدة، مع أن رؤيته- ﷺ حق: بأنه- ﷺ سراج، ونور الشمس فى هذا العالم، مثال نوره فى العوالم كلها، وكما أن الشمس يراها كل من فى المشرق والمغرب فى ساعة واحدة وبصفات مختلفة فكذلك النبى- ﷺ، ولله در القائل: كالبدر من أى النواحى جئته ... يهدى إلى عينيك نورا ثاقبا وأما رؤيته- ﷺ فى اليقظة بعد موته- ﷺ فقال شيخنا: لم يصل إلينا ذلك عن أحد من الصحابة، ولا عن من بعدهم. وقد اشتد حزن فاطمة عليه- ﷺ حتى ماتت كمدا بعده بستة أشهر- على الصحيح- وبيتها مجاور لضريحه الشريف، ولم ينقل عنها رؤيته فى المدة التى تأخرت عنه. وإنما حكى بعض الصالحين حكايات عن أنفسهم، كما هو فى «توثيق عرى الإيمان» للبارزى و «بهجة النفوس» لأبى محمد عبد الله بن جمرة، و «روض الرياحين» للعفيف اليافعى، وغيره من تصانيفه، والشيخ صفى الدين ابن أبى المنصور فى رسالته. وعبارة ابن أبى جمرة: قد ذكر عن السلف والخلف إلى هلم جرّا عن جماعة كانوا يصدقون بهذا الحديث يعنى «من رآنى فى المنام فسيرانى فى اليقظة» أنهم رأوه- ﷺ فى النوم فرأوه بعد ذلك فى اليقظة، وسألوه عن
أشياء كانوا منها متشوشين فأخبرهم بتفريجها، ونص لهم على الوجوه التى منها يكون فرجها، فجاء الأمر كذلك بلا زيادة ولا نقص. ثم قال: والمنكر لهذا لا يخلو إما أن يكون ممن يصدق بكرامات الأولياء، أو لا، فإن كان الثانى فقد سقط البحث معه، فإنه مكذب ما أثبتته السنة بالدلائل الواضحة، وإن كان الأول فهذه منها، لأن الأولياء يكشف لهم بخرق العادة فى أشياء فى العالمين العلوى والسفلى عديدة مع التصديق بذلك «١» . وقال الشيخ ابن أبى المنصور فى رسالته، ويقال: إن الشيخ أبا العباس القسطلانى دخل مرة على النبى- ﷺ فقال النبى- ﷺ: «أخذ الله بيدك يا أحمد» . وعن الشيخ أبى السعود قال: وكنت أزور شيخنا أبا العباس وغيره من صلحاء مصر فلما انقطعت واشتغلت وفتح على، لم يكن لى شيخ إلا النبى- ﷺ، وأنه كان يصافحه عقب كل صلاة. وقال الشيخ أبو العباس الحراز: دخلت على النبى- ﷺ مرة فوجدته يكتب مناشير الأولياء بالولاية، قال: وكتب لأخى محمد معهم منشورا، فقلت: يا رسول الله، ما تكتب لى كأخى؟ قال: «أتريد أن تكون فمهارا» وهذه لغة أندلسية، تعنى طريقا، وفهم عنه أن له مقاما غير هذا. وقال حجة الإسلام الغزالى فى كتابه «المنقذ من الضلال» : وهم- يعنى
«أتريد أن تكون فمهارا» وهذه لغة أندلسية، تعنى طريقا، وفهم عنه أن له مقاما غير هذا. وقال حجة الإسلام الغزالى فى كتابه «المنقذ من الضلال» : وهم- يعنى
أرباب القلوب- فى يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتا ويقتبسون منهم فوائد. انتهى. ورأيت فى كتاب المنح الإلهية فى مناقب السادة الوفائية عن سيدى على ابن سيدى محمد وفا أنه قال فى بعض مشاهده: كنت وأنا ابن خمس سنين أقرأ القرآن على رجل يقال له الشيخ يعقوب، فأتيته يوما فرأيت إنسانا يقرأ عليه سورة الضُّحى «١» وصحبته رفيق له وهو يلوى شدقيه بالإمالة، ورفيقه يضحك إعجابا، فرأيت النبى- ﷺ يقظة لا مناما وعليه قميص أبيض قطن، ثم رأيت القميص على فقال لى: اقرأ فقرأت عليه سورة وَالضُّحى وأَ لَمْ نَشْرَحْ ثم غاب عنى، فلما بلغت إحدى وعشرين أحرمت بصلاة الصبح بالقرافة فرأيت النبى- ﷺ قبالة وجهى فعانقنى فقال لى: وأما بنعمة ربك فحدث، فأوتيت لسانه من ذلك الوقت. انتهى. وأما ما حكاه الشيخ تاج الدين بن عطاء الله فى «لطائف المنن» عن الشيخ أبى العباس المرسى، أنه كان مع الشيخ أبى الحسن الشاذلى بالقيروان فى ليلة الجمعة سابع عشرى رمضان، فذهب معه إلى الجامع.. الحكاية، إلى أن قال: ورأيت رسول الله- ﷺ وهو يقول: «يا على طهر ثيابك من الدنس تحط بمدد الله فى كل نفس إلخ» ، فيحتمل أن يكون مناما. وكذلك قول الشيخ قطب الدين القسطلانى: كنت أقرأ على أبى عبد الله محمد بن عمر بن يوسف القرطبى بالمدينة النبوية، فجئته يوما فى وقت خلوة، وأنا يومئذ حديث السن فخرج إلى وقال لى: من أدبك بهذا الأدب؟ وعاب على، قال: فذهبت وأنا منكسر الخاطر، فدخلت المسجد وقعدت عند قبر النبى- ﷺ، فبينا أنا جالس على تلك الحال، فإذا بالشيخ قد جاءنى وقال: قم، فقد جاء فيك شفيع لا يرد. ونحوه: ما حكاه السهروردى فى «عوارف المعارف» عن الشيخ
النبى- ﷺ، فبينا أنا جالس على تلك الحال، فإذا بالشيخ قد جاءنى وقال: قم، فقد جاء فيك شفيع لا يرد. ونحوه: ما حكاه السهروردى فى «عوارف المعارف» عن الشيخ
عبد القادر الكيلانى أنه قال: ما تزوجت حتى قال لى رسول الله- ﷺ: «تزوج» «١» . وحكى عن السيد نور الدين الإيجى، والد السيد عفيف الدين، أنه فى بعض زياراته للنبى- ﷺ سمع جواب سلامه من داخل القبر الشريف: عليك السلام يا ولدى. وقال البدر حسن بن الأهدل فى مسألة الرؤية له: إن وقوعها للأولياء قد تواترت بأجناسها الأخبار، وصار العلم بذلك قويّا، انتفى عنه الشك، ومن تواترت عليه أخبارهم لم يبق له شبهة فيه، ولكن يقع لهم ذلك فى بعض غيبة حسّ وغموض طرف، لورود حالة لا تكاد تضبطها العبارة. ومراتبهم فى الرؤية متفاوتة، وكثيرا ما يغلط فيها رواتها، فقل ما تجد رواية متصلة صحيحة عمن يوثق به. وأما من لا يوثق به فقد يكذب، وقد يرى مناما، أو فى غيبة حس، فيظنه يقظة، وقد يرى خيالا ونورا فيظنه الرسول، وقد يلبس عليه الشيطان فيجب التحرز فى هذا الباب.
وبالجملة: فالقول برؤيته- ﷺ بعد موته بعين الرأس فى اليقظة يدرك فساده بأوائل العقول، لاستلزامه خروجه- ﷺ من قبره، ومشيه فى الأسواق ومخاطبته للناس ومخاطبتهم له، وخلو قبره عن جسده المقدس، فلا يبقى منه فيه شىء، وبحيث يزار مجرد القبر، ويسلم على غائب. أشار إلى ذلك القرطبى فى الرد القائل: بأن الرائى له فى المنام راء حقيقة، ثم يراه كذلك فى اليقظة. قال: وهذه جهالات لا يقول بشىء منها من له أدنى مسكة من المعقول، وملتزم شىء من ذلك مختل مخبول. وقال: القاضى أبو بكر بن العربى: وشذ بعض الصالحين فزعم أنها تقع بعينى الرأس حقيقة. وقال فى
فتح البارى- بعد أن ذكر كلام ابن أبى جمرة-: وهذا مشكل جدّا، ولو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة، ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة. وللشيخ مسلم شيخ الطائفة المسلمية شعر: فمن يدعى فى هذه الدار أنه ... يرى المصطفى حقّا فقد فاه مشتطا ولكن بين النوم واليقظة التى ... يباشر هذا الأمر مرتبة وسطا وقد جعل القاضى أبو بكر بن العربى القول بأن الرؤية فى المنام بعينى الرأس غلو وحماقة، ثم حكى ما نسب لبعض المتكلمين، وهو القول بأنها مدركة بعينين فى القلب، وأنه ضرب من المجاز انتهى. فلا يمتنع من الخواص، أرباب القلوب القائمين بالمراقبة والتوجه على قدم الخوف، بحيث لا يسكنون بشىء مما يقع لهم من الكرامات، فضلا عن التحدث بها لغير ضرورة، مع السعى فى التخلص من الكدورات، والإعراض عن الدنيا وأهلها جملة، وكون الواحد منهم يود أنه يخرج من أهله وماله، وأنه يرى النبى- ﷺ، كالشيخ عبد القادر الكيلانى: أن يتمثل صورته- ﷺ فى خاطره، ويتصور فى عالم سره أنه يكلمه، بشرط استقرار ذلك وعدم اضطرابه، فإن تزلزل أو اضطراب كان لمة من الشيطان، وليس ذلك خادشا فى علو مناصبهم لعدم عصمة غير الأنبياء. فقد قال العلامة التاج ابن السبكى فى جمع الجوامع- تبعا لغيره-: وإن الإلهام ليس بحجة لعدم ثقة من ليس معصوما بخواطره، وحينئذ فمن قال- ممن حكينا عنه أو غيرهم- بأن المرئى هو المثال، لا يمتنع حمله على هذا، بل حمل كل من أطلق عليه هو اللائق. وقريب منه قوله- ﷺ: «إنى رأيت الجنة والنار» «١» مع مزيد استبعاده هناك أن يكون المراد بالرؤية رؤية العلم.
ه على هذا، بل حمل كل من أطلق عليه هو اللائق. وقريب منه قوله- ﷺ: «إنى رأيت الجنة والنار» «١» مع مزيد استبعاده هناك أن يكون المراد بالرؤية رؤية العلم.
ويحكى عن الشيخ أبى العباس المرسى أنه قال: لو حجب عنى رسول الله- ﷺ طرفة عين ما عددت نفسى من المسلمين. وعلى هذا فيكون معنى «فسيرانى فى اليقظة» أى يتصور مشاهدتى وتنزل نفسه حاضرا معى بحيث لا يخرج عن آدابه وسنته- ﷺ بل يسلك منهاجه ويمشى على شريعته وطريقته. ومنه قوله- ﷺ فى الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه» «١» ويحمل العموم فى «من رآنى» على الموفقين، وإليه يشير قول بعض المعتمدين: أى من رآنى رؤية معظم لحرمتى ومشتاق لمشاهدتى وصل إلى رؤية محبوبه وظفر بكل مطلوبه. وقريب منه قول شارح المصابيح: أو يراه فى الدنيا حالة الذوق والانسلاخ عن العوائق الجسمانية، كما نقل ذلك عن بعض الصالحين أنه رآه فى حالة الذوق والشوق، وقد قال الأهدل عقب الحكاية عن الشيخ أبى العباس المرسى: وهذا فيه تجوز يقع مثله فى كلام الشيوخ، وذلك أن المراد أنه لم يحجب حجاب غفلة ونسيان لدوام المراقبة واستحضارها فى الأعمال والأقوال، ولم يرد أنه لم يحجب عن الروح الشخصية طرفة عين، فذلك مستحيل، والله أعلم. انتهى. ومما اختص به- ﷺ أن التسمى باسمه ميمون ونافع فى الدنيا والآخرة. روينا عن أنس بن مالك أن رسول الله- ﷺ قال: «يوقف عبدان بين يدى الله تعالى فيؤمر بهما إلى الجنة فيقولان: ربنا بما استأهلنا الجنة ولم نعمل عملا تجازينا به الجنة؟ فيقول الله تعالى: ادخلا الجنة، فإنى آليت على نفسى أن لا يدخل النار من اسمه أحمد ولا محمد» «٢» .
ا بما استأهلنا الجنة ولم نعمل عملا تجازينا به الجنة؟ فيقول الله تعالى: ادخلا الجنة، فإنى آليت على نفسى أن لا يدخل النار من اسمه أحمد ولا محمد» «٢» .
وروى أبو نعيم عن نبيط بن شريط قال: قال رسول الله- ﷺ قال الله تعالى: «وعزتى وجلالى، لا عذبت أحدا تسمى باسمك فى النار» «١» . وعن على بن أبى طالب قال: ما من مائدة وضعت فحضر عليها من اسمه أحمد أو محمد إلا قدس الله ذلك المنزل كل يوم مرتين، رواه أبو منصور الديلمى. وليس لأحد أن يتكنى بكنيته «أبى القاسم» سواء كان اسمه محمد أم لا، ومنهم: من كره الجمع بين الاسم والكنية، وجوز الإفراد، ويشبه أن يكون هو الأصح. قال النووى فى هذه المسألة مذاهب: الشافعى منع مطلقا، وجوزه مالك، والثالث: يجوز لمن ليس اسمه محمدا، ومن جوز مطلقا خص النهى بحياته، وهو الأقرب. انتهى. ومنها أنه يستحب الغسل لقراءة حديثه والتطيب، ولا ترفع عنده الأصوات، بل تخفض، كما فى حياته إذا تكلم، فإن كلامه المأثور بعد موته فى الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه الشريف، وأن يقرأ على مكان مرتفع. روينا عن مطرف قال: كان الناس إذا أتوا مالكا- ﵀ خرجت إليهم الجارية فتقول: يقول لكم الشيخ: تريدون الحديث أو المسائل، فإن قالوا المسائل خرج إليهم فى الوقت، وإن قالوا الحديث، دخل مغتسله فاغتسل وتطيب ولبس ثيابا جددا وتعمم ولبس ساجه، - والساج: الطيلسان- وتلقى له منصة فيخرج ويجلس عليها، وعليه الخشوع، ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ من حديث رسول الله- ﷺ، ولم يكن يجلس على تلك المنصة إلا إذا حدث. قال ابن أبى أويس: فقيل له فى ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله- ﷺ ولا أحدث به إلا على طهارة متمكنا. ويقال: إنه أخذ ذلك عن سعيد بن المسيب. وقد كره قتادة ومالك وجماعة التحديث على
غير طهارة، حتى كان الأعمش إذا كان على غيرها تيمم. ولا شك أن حرمته- ﷺ وتعظيمه وتوقيره بعد مماته وعند ذكره، وذكر حديثه وسماع اسمه وسيرته كما كان فى حياته والله أعلم.
ومنها: أنه يكره لقارئ حديثه أن يقوم لأحد ، قال ابن الحاج فى «المدخل» : لأنه قلة أدب مع النبى- ﷺ وقلة احترام وعدم مبالاة أن يقطع حديثه لأجل غيره، فكيف لبدعة، وقد كان السلف لا يقطعون حديثه ولا يتحركون وإن أصابهم الضر فى أبدانهم ويتحملون المشقة التى تنزل بهم إذ ذاك احتراما لحديث نبيهم- ﷺ. وحسبك ما وقع لمالك- ﵀ فى لسع العقرب سبع عشرة مرة، وهو لم يتحرك، وتحمله للسعها توقيرا لجناب حديثه- ﷺ أن يكون يقرأ وهو يتحرك لضر أصابه، مع أنه معذور فيما وقع، فكيف بالحركة والقيام إذ ذاك لا لضرورة بل للبدعة، لا سيما إذا انضاف إلى ذلك ما لا ينبغى من الكلام المعتاد. انتهى ملخصا.
ومنها أن قراء حديثه لا تزال وجوههم نضرة ، وأن قراء حديثه اختصوا بالتلقيب بالحفاظ، وأمراء المؤمنين من بين سائر العلماء.
ومنها: أنه تثبت الصحبة لمن اجتمع به- ﷺ لحظة ، بخلاف التابعى مع الصحابى، فلا تثبت إلا بطول الاجتماع معه على الصحيح عند أهل الأصول، والفرق عظم منصب النبوة ونورها، فبمجرد ما يقع بصره على الأعرابى الجلف ينطق بالحكمة.
ومنها: أن أصحابه كلهم عدول ، لظواهر الكتاب والسنة، فلا يبحث عن عدالة أحد منهم، كما يبحث عن سائر الرواة. قال الله تعالى خطابا للموجودين حينئذ وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً «١» أى عدولا، وقال- ﷺ: «لا تسبوا أصحابى، فو الذى نفسى بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد
تعالى خطابا للموجودين حينئذ وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً «١» أى عدولا، وقال- ﷺ: «لا تسبوا أصحابى، فو الذى نفسى بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد
ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه» «١» ، وقال- ﷺ: «خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» «٢» فى آيات كثيرة وأحاديث تقتضى القول بتعديلهم. ولذلك: أجمع من يعتد به على ذلك، سواء فى التعديل من لابس الفتنة منهم وغيره، لوجوب حسن الظن بهم، حملا للملابس على الاجتهاد، ونظرا إلى ما تمهد لهم من الماثر، من امتثال أوامره- ﷺ، وفتحهم الأقاليم، وتبليغهم عنه الكتاب والسنة، وهدايتهم الناس، ومواظبتهم على الصلوات والزكوات وأنواع القربات، مع الشجاعة والبراعة والكرم والأخلاق الحميدة التى لم تكن فى أمة من الأمم المتقدمة، ولا تكون لأحد بعدهم مثلهم فى ذلك. كل ذلك بحلول نظره- ﷺ. وأفضلهم عند أهل السنة إجماعا: أبو بكر ثم عمر، وأما بعدهما: فالجمهور على أنه عثمان ثم على. وسيأتى مزيد لذلك- إن شاء الله تعالى- فى المقصد السابع.
ومنها أن المصلى يخاطبه بقوله: السلام عليك أيها النبى ، ولا يخاطب غيره.
ومنها أنه كان يجب على من دعاه وهو فى الصلاة أن يجيبه ، ويشهد له حديث أبى سعيد بن المعلى: كنت أصلى فى المسجد، فدعانى رسول الله- ﷺ: فلم أجبه.. الحديث، وفيه: ألم يقل الله تعالى: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ «٣» «٤» ، فإجابته فرض، يعصى المرء بتركها.
وهل تبطل صلاته أم لا؟ صرح جماعة من أصحابنا الشافعية وغيرهم: أنها لا تبطل، وفيه بحث لاحتمال أن تكون إجابته واجبة مطلقا، سواء كان المخاطب مصليا أو غير مصل. أما كونه يخرج بالإجابة من الصلاة أو لا يخرج فليس فى الحديث ما يستلزمه، فيحتمل أن تجب الإجابة ولو خرج المجيب من الصلاة، وإلى ذلك جنح بعض الشافعية، والله أعلم.
يخرج بالإجابة من الصلاة أو لا يخرج فليس فى الحديث ما يستلزمه، فيحتمل أن تجب الإجابة ولو خرج المجيب من الصلاة، وإلى ذلك جنح بعض الشافعية، والله أعلم.
ومنها: أن الكذب عليه ليس كالكذب على غيره ، ومن كذب عليه لم تقبل روايته أبدا وإن تاب، فيما ذكره جماعة من المحدثين. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن رجل عن سعيد بن جبير أن رجلا كذب على النبى- ﷺ، فبعث عليّا والزبير وقال: «اذهبا فإن أدركتماه فاقتلاه» «١» . ولهذا حكى إمام الحرمين عن أبيه أن من تعمد الكذب على رسول الله- ﷺ يكفر. لكن لم يوافقه أحد من الأئمة على ذلك. والحق أنه فاحشة عظيمة وموبقة كبيرة ولكن لا يكفر بها إلا إن استحله. وقال النووى: لم أر له فى أصل المسألة دليلا، ويجوز أن يوجه بأن ذلك جعل تغليظا وزجرا بليغا عن الكذب عليه- ﷺ لعظم مفسدته فإنه يصير شرعا مستمرا إلى يوم القيامة بخلاف الكذب على غيره والشهادة، فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة. ثم قال: وهذا الذى ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف، مخالف للقواعد الشرعية. والمختار القطع بصحة توبته وقبول روايته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة. قال: فهذا هو الجارى على قواعد الشرع، وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافرا فأسلم، قال: وأجمعوا على قبول شهادته، ولا فرق بين الشهادة والرواية فى هذا. قال شيخنا: ويمكن أن يقال: فيما إذا كان كذبه فى وضع حديث وحمل
عنه ودوّن أن الإثم غير منفك عنه بل هو لاحق له أبدا، فإن من سن سنة سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، والتوبة حينئذ متعذرة ظاهرا وإن وجد مجرد اسمها.
ومنها أنه معصوم من الذنوب كبيرها وصغيرها ، عمدها وسهوها وكذلك الأنبياء.
ومنها أنه لا يجوز عليه الجنون لأنه نقص، ولا الإغماء الطويل الزمن، فيما ذكره الشيخ أبو حامد فى تعليقه، وجزم به البلقينى فى حواشى الروضة، وكذلك الأنبياء. ونبه السبكى على أن إغماءهم يخالف إغماء غيرهم، وإنما هو غلبة الأوجاع للحواس الظاهرة دون القلب، لأنه قد ورد أنه إنما تنام أعينهم دون قلوبهم، فإذا حفظت قلوبهم وعصمت من النوم الذى هو أخف من الإغماء، فمن الإغماء بطريق الأولى. قال السبكى: ولا يجوز عليهم العمى، لأنه نقص، ولم يعم نبى قط. وأما ما ذكر عن شعيب أنه كان ضريرا فلم يثبت، وأما يعقوب فحصلت له غشاوة وزالت، انتهى. قال الرازى: فى قوله تعالى وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ «١» لما قال: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ «٢» غلبه البكاء، وعند غلبة البكاء يكثر الماء فى العين، فتصير العين كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء، وقوله: وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ «٣» كأنه من غلبة البكاء، والدليل على صحة هذا القول: أن تأثير الحزن فى غلبة البكاء لا فى حصول العمى، فلما حملنا الابيضاض على غلبة البكاء كان هذا التعليل حسنا، ولو حملناه على العمى لم يحسن هذا التعليل، فكان ما ذكرناه أولى. ثم قال: واختلفوا، فقال بعضهم: إنه كان قد عمى بالكلية، فالله تعالى جعله بصيرا فى هذا الوقت، وقال آخرون: بل كان قد ضعف بصره من كثرة البكاء والأحزان بحيث صار يدرك إدراكا ضعيفا، فلما ألقوا القميص على
لكلية، فالله تعالى جعله بصيرا فى هذا الوقت، وقال آخرون: بل كان قد ضعف بصره من كثرة البكاء والأحزان بحيث صار يدرك إدراكا ضعيفا، فلما ألقوا القميص على
وجهه وبشر بحياة يوسف عظم فرحه وانشرح صدره وزالت أحزانه، فعند ذلك قوى بصره وزال النقصان عنه. انتهى. ومنها أن من سبه- ﷺ أو انتقصه قتل. واختلف هل يتحتم قتله فى الحال، أو يوقف على استتابته؟ وهل الاستتابة واجبة أم لا؟ فمذهب المالكية: يقتل حدّا لا ردة: ولا تقبل توبته ولا عذره إن ادعى سهوا أو غلطا، وعبارة شيخهم العلامة خليل فى مختصره: «وإن سبب نبيّا أو ملكا، [أو] عرض أو لعنه، أو عابه أو قذفه، أو استخف بحقه، أو غيّر صفته، أو ألحق به نقصا وإن فى [بدنه] أو خصلته أو غص من مرتبته أو وفور علمه أو زهده أو أضاف له ما لا يجوز عليه، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو قيل له: بحق رسول الله، فلعن وقال أردت العقرب قتل- ولم يستتب- حدّا، إلا أن يسلم الكافر، وإن ظهر أنه لم يرد ذمه لجهل أو سكر أو تهور» . وهذا ذكره القاضى عياض فى الشفاء وغيره، واستدلوا له بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب: فقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً «١» ، واللعنة من الله هى إبعاد الملعون عن رحمته وإحلاله فى وبيل عقوبته، قال القاضى عياض: وإنما يستوجب اللعن من هو كافر، وحكم الكافر القتل. والأذى: هو الشر الخفيف، فإن زاد كان ضررا، كذا قاله الخطابى وغيره. وإطلاق الأذى فى حقه تعالى إنما هو على سبيل المجاز لتعذر الحقيقة فيه. ويشهد لذلك الحديث الإلهى (يا عبادى إنكم لن تبلغوا ضرى فتضرونى) «٢» وهذا بخلاف جانب الرسول- ﷺ.
ى حقه تعالى إنما هو على سبيل المجاز لتعذر الحقيقة فيه. ويشهد لذلك الحديث الإلهى (يا عبادى إنكم لن تبلغوا ضرى فتضرونى) «٢» وهذا بخلاف جانب الرسول- ﷺ.
فالأذى فى حقه تعالى وحق رسوله كفر بشهادة هذه الآية، لأن العذاب المهين إنما يكون للكفار، وكذلك العذاب الأليم. وقال تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ «١» قال القاضى عياض: قال أهل التفسير: كفرتم بقولكم فى رسول الله- ﷺ. وأما السنة فروى أبو داود والترمذى: أن رسول الله- ﷺ قال: «من لنا بابن الأشرف» وفى أخرى: «من لكعب بن الأشرف» أى من ينتدب لقتله «فقد استعلن بعداوتنا وهجائنا» وفى رواية: «فإنه يؤذى الله ورسوله» «٢» . قال القاضى عياض: ووجه إليه من قتله غيلة دون دعوة، بخلاف غيره من المشركين، وعلل بأذاه له فدل على أن قتله إياه لغير الإشراك بل للأذى. وفى حديث مصعب بن سعد عند أبى داود: لما كان يوم الفتح أمّن- ﷺ الناس، إلا أربعة نفر فذكرهم ثم قال: «وأما ابن سرح» فاختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله- ﷺ الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على رسول الله- ﷺ فقال: يا نبى الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا، كل ذلك وهو يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: «ما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين كففت يدى عن بيعته فيقتله» فقالوا: ما ندرى يا رسول الله ما فى نفسك، ألا أو مأت إلينا؟ قال: «إنه لا ينبغى لنبى أن تكون له خائنة الأعين» «٣» .
وفيه: أنه أمر بقتل عبد الله بن خطل، لأن ابن خطل كان يقول الشعر يهجو به النبى- ﷺ ويأمر جاريتيه أن تغنيا به، وكذلك قتل جاريتيه «١» . قالوا: فقد ثبت أنه أمر بقتل من آذاه، ومن تنقّصه، والحق له- ﷺ وهو مخير فيه، فاختار القتل لعدم الاطلاع على العفو، وليس لأمته بعده أن يسقطوا حقه- ﷺ، فإنه لم يرد عنه الإذن فى ذلك. وأما الإجماع: فقال القاضى عياض: أجمعت الأمة على قتل منتقصه من المسلمين وسابه، فقال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبى- ﷺ يقتل، وممن قال ذلك: مالك بن أنس والليث وأحمد وإسحاق، وهو مذهب الشافعى، وقال الخطابى: لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف فى وجوب قتله إذا كان مسلما. وقال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبى- ﷺ المنتقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك فى كفره وعذابه كفر. انتهى. ومذهب الشافعية: أن ذلك ردة، تخرج من الإسلام إلى الكفر، فهو مرتد كافر قطعا لا نزاع فى ذلك عند الجمهور من أئمتنا، والمرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. وفى الاستتابة قولان: أصحهما وجوبها، لأنه كان محترما بالإسلام، وإنما عرضت له شبهة، فينبغى إزالتها، وقيل: تستحب لأنه غير مضمون الدم، فإن قلنا بالأول فتجب فى الحال ولم يؤجل كغيره. وفى الصحيح حديث «من بدل دينه فاقتلوه» «٢» وفى قول: يمهل ثلاثة أيام، فإن لم يتب وأصر- رجلا كان أو امرأة- قتل، وإن أسلم صح إسلامه وترك لقوله تعالى: فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ «٣» الآية.
فى قول: يمهل ثلاثة أيام، فإن لم يتب وأصر- رجلا كان أو امرأة- قتل، وإن أسلم صح إسلامه وترك لقوله تعالى: فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ «٣» الآية.
وعن ابن عباس قال: أيما مسلم سب الله أو سب أحدا من الأنبياء فقد كذب رسول الله- ﷺ وهى ردة يستتاب منها، فإن تاب وإلا قتل، وأيما معاهد سب الله أو سب أحدا من أنبيائه فقد نقض العهد فاقتلوه. «وأجيب» عما تقدم من أدلة المالكية. فأما قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ «١» الآية فليس فيه إلا كفر مؤذيه- ﷺ، وأما كونه يقتل بعد التوبة والإسلام فلا دلالة فيه أصلا، وأما ابن خطل فإنما قتل ولم يستتب للكفر والزيادة فيه بالأذى مع ما اجتمع فيه من موجبات القتل، ولأنه اتخذ الأذى ديدنا، فلا يقاس عليه من فرط منه فرطة- وقلنا بكفره بها- وتاب ورجع إلى الإسلام، فالفرق واضح. وكذلك قتل جاريتيه لأنهما جعلتا ذلك ديدنا مع ما قام بهما من صفة الكفر. وقد روى البزار عن ابن عباس أن عقبة بن أبى معيط نادى: يا معشر قريش ما لى أقتل من بينكم صبرا. فقال له النبى- ﷺ: «بكفرك وافترائك على رسول الله» «٢» فذكر له سببين فى تحتم قتله، وهذا فى غاية الظهور. وأما قول الخطابى وغيره: «لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف فى وجوب قتله إذا كان مسلما» فمحمول على التقييد بعدم التوبة. وأما سياق القاضى عياض لقصة الرجل الذى كذب على رسول الله- ﷺ، وأنه بعث عليّا والزبير ليقتلاه، فليس يفيد غرضا فى هذا المقام، لأن الظاهر أن هذا كذب، فيه إفساد وفتنة بين المؤمنين، لا سيما إن كافرا، فيكون من محاربى الله ورسوله، مع السعى فى الأرض بالفساد، فيكون متحتم القتل، وإلا فليس مطلق الكذب عليه مما يوجب القتل. وكذا سياقه حديث ابن عباس: هجت امرأة من خطمة النبى- ﷺ، فقال: «من لى بها» فقال رجل من قومها: أنا يا رسول الله فنهض فقتلها
ق الكذب عليه مما يوجب القتل. وكذا سياقه حديث ابن عباس: هجت امرأة من خطمة النبى- ﷺ، فقال: «من لى بها» فقال رجل من قومها: أنا يا رسول الله فنهض فقتلها
فأخبر النبى- ﷺ بذلك فقال: «لا ينتطح فيها عنزان» «١» أى لا يجرى فيها خلف ولا نزاع، فإن فى هذه الحكاية ونظائرها نظرا واضحا لقيام الكفر بالمحكى عنهم والزيادة منهم، وقد أخبر- ﷺ أنه لا عصمة لأحد من الناس بعد دعواهم إلى الإسلام إلا بالإسلام، فكل منهم مهدر الدم إلا من عصم الله منهم بالإسلام. وإنما النافع له فى مقام الاستدلال ذكر من طرأ عليه من المسلمين وصمة الارتداد بالسب على القول بكونه ردة، فرجع إلى الإسلام وتاب. هذا هو محل النزاع وموضع الاستدلال لكل من المتنازعين. وأما ذكر كافر أصلى بلغته دعوة النبى- ﷺ وامتنع من إجابته وحاربه بيده ولسانه فلا نزاع فى إهدار دمه قطعا، لا سيما وقد نقل عن هذه المرأة الكافرة أنها كانت تعيب الإسلام، وتؤذى النبى- ﷺ وتحرض عليه، فاجتمع فيها موجبات القتل إجماعا. فقد تبين مما ساقه القاضى عياض أن أمره- ﷺ بقتل سابه إنما نقل عن الكفرة، ولم ينقل أنه- ﷺ قتل مسلما بسببه، وإنما كان ذلك فى أهل الكفر والعناد، فلو نقل فلا يتعين كونه حدّا، لاحتمال أن يكون قتله كفرا، وقد قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ «٢» فأعلمنا أن ما وراء الشرك فى حيز إمكان المغفرة، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً «٣» «٤» . فإن قلت: هذا بالنظر إلى ظلم النفس وحقوق الله تعالى لا بالنظر إلى حقوق العباد، لأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة، وحقوق العباد مبنية على المشاحة. وهذا فى حق النبى- ﷺ وليس لنا أن نسقطه لأنه لم يرد إذنه فى ذلك بخلافه هو- ﷺ فإن له ذلك.
فالجواب: لابد لنا من نص على ذلك منه- ﷺ، كأن يقول مثلا: من سبنى فاقتلوه، ولا تقبلوا له توبة ولا رجوعا عن سبه، فإن نقل اتبعناه، ثم إنه من جهة النظر ينبغى إلحاق حقوق رسول الله- ﷺ بحقوق الله، فكما أن حقوقه تعالى مبناها على المسامحة، كذلك حقوقه- ﷺ، فإنه متخلق بأخلاق الله تعالى. ومما عد من خصائصه أنه إذا قصده ظالم وجب على من حضره أن يبذل نفسه دونه حكاه النووى فى زيادة الروضة عن جماعة من الأصحاب.
- ومن خصائصه- ﷺ أنه كان- ﷺ يخص من شاء بما شاء من الأحكام . كجعله شهادة خزيمة بشهادة رجلين. روى أبو داود عن عمارة بن خزيمة ابن ثابت عن عمه وكان من أصحاب رسول الله- ﷺ أن النبى- ﷺ ابتاع من أعرابى فرسا، فاستتبعه ليقبضه ثمن الفرس، فأسرع النبى- ﷺ المشى، وأبطأ الأعرابى، فطفق رجال يعترضون الأعرابى يساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن رسول الله- ﷺ قد ابتاعه، حتى زادوا على ثمنه.. الحديث فطفق الأعرابى يقول هلم شهيدا يشهد أنى قد بعتك، فمن جاء من المسلمين يقول ويلك، إن النبى- ﷺ لم يكن ليقول إلا الحق، حتى جاء خزيمة بن ثابت فاستمع المراجعة فقال: أنا أشهد، أنك قد بايعته ... الحديث. وفيه، قال: فجعل النبى- ﷺ شهادة خزيمة برجلين «١» . وفى البخارى من حديث زيد بن ثابت قال: فوجدتها مع خزيمة الذى جعل رسول الله- ﷺ شهادته بشهادتين «٢» .
وفيه، قال: فجعل النبى- ﷺ شهادة خزيمة برجلين «١» . وفى البخارى من حديث زيد بن ثابت قال: فوجدتها مع خزيمة الذى جعل رسول الله- ﷺ شهادته بشهادتين «٢» .
وعند الحارث بن أبى أسامة فى مسنده من حديث النعمان بن بشير أن رسول الله- ﷺ اشترى من أعرابى فرسا، فجحده الأعرابى، فجاء خزيمة فقال: يا أعرابى أنا أشهد عليك أنك بعته، فقال الأعرابى إذ شهد خزيمة فأعطنى الثمن، فقال رسول الله- ﷺ: «يا خزيمة إنا لم نشهدك، كيف تشهد؟» قال: أنا أصدقك على خبر السماء، ألا أصدقك على خبر ذا الأعرابى؟! فجعل رسول الله- ﷺ يقول: «شهادته بشهادة رجلين» فلم يكن فى الإسلام من تعدل شهادته شهادة رجلين غير خزيمة. قال الخطابى: هذا الحديث حمله كثير من الناس على غير محمله، وتذرع به قوم من أهل البدع إلى استحلال الشهادة لمن عرف عندهم بالصدق على كل شىء ادعاه، وإنما وجه الحديث أنه- ﷺ حكم على الأعرابى بعلمه، وجرت شهادة خزيمة مجرى التوكيد لقوله، والاستظهار على خصمه، فصار فى التقدير بشهادة اثنين فى غيرها من القضايا، انتهى. ومن ذلك ترخيصه فى النياحة لأم عطية، روى مسلم عنها «قالت: لما نزلت هذه الآية يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً ... وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ «١» قالت: كان منه النياحة، فقلت: يا رسول الله إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدونى فى الجاهلية، فلا بد لى من أن أسعدهم، فقال: «إلا آل فلان» «٢» قال النووى: هذا محمول على الترخيص لأم عطية فى آل فلان خاصة، وللشارع أن يخص من العموم ما شاء. ومن ذلك: ترك الإحداد لأسماء بنت عميس، أخرج ابن سعد عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر بن أبى طالب، قال لى رسول الله- ﷺ: «تسلبى ثلاثا ثم اصنعى ما شئت» «٣» .
رك الإحداد لأسماء بنت عميس، أخرج ابن سعد عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر بن أبى طالب، قال لى رسول الله- ﷺ: «تسلبى ثلاثا ثم اصنعى ما شئت» «٣» .
ومن ذلك: الأضحية بالعناق «١» لأبى بردة بن نيار، رواه الشيخان من حديث البراء بن عازب قال: خطبنا رسول الله- ﷺ يوم النحر فقال: «من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب السنة، ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم» ، فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله، لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب فتعجلت وأكلت وأطعمت أهلى وجيرانى، فقال رسول الله- ﷺ: «تلك شاة لحم» ، قال: فإن عندى عناقا جذعة هى خير من شاتى لحم فهل تجزى عنى؟ قال: «نعم ولن تجزى عن أحد بعدك» «٢» . و «نيار» بكسر النون وتخفيف المثناة التحتية وآخره راء. وقوله «تجزى» بفتح أوله غير مهموز، أى تقضى. و «الجذع» بالجيم والذال المعجمة. وفى هذا الحديث تخصيص أبى بردة بإجزاء الجذع من المعز فى الأضحية. ولكن وقع فى عدة أحاديث التصريح بنظير ذلك لغير أبى بردة، ففى حديث عقبة ابن عامر «٣» - عند البيهقى-: ولا رخصة فيها لأحد بعدك. قال البيهقى: إن كانت هذه الزيادة محفوظة كان هذا رخصة لعقبة كما رخص لأبى بردة. قال الحافظ ابن حجر: وفى هذا الجمع نظر، لأن فى كل منهما صيغة عموم، فأيهما تقدم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثانى، ويحتمل أن تكون خصوصية الأول نسخت بثبوت الخصوصية للثانى، ولا مانع من ذلك، لأنه لم يقع فى السياق استمرار المنع لغيره صريحا. وفى كلام بعضهم: أن الذين ثبتت لهم الرخصة اربعة أو خمسة، واستشكل الجمع وليس بمشكل، فإن الأحاديث التى وردت فى ذلك ليس فيها
التصريح بالنفى إلا فى قضية أبى بردة فى الصحيح، وفى قصة عقبة بن عامر عند البيهقى، وأما ما عدا ذلك: فأخرج أبو داود وصححه ابن حبان من حديث زيد بن خالد أن النبى- ﷺ أعطاه عتودا جذعا، فقال: «ضح به» ، فقلت إنه جذع أفأضحى به؟ قال: «ضح به» «١» وفى الأوسط للطبرانى من حديث ابن عباس أنه- ﷺ أعطى سعد بن أبى وقاص جذعا من المعز فأمره أن يضحى به. وأخرجه الحاكم من حديث عائشة «٢» ، وفى سنده ضعف. فلا منافاة بين ذلك وحديثى أبى بردة وعقبة، لاحتمال أن يكون ذلك فى ابتداء الأمر، ثم تقرر الشرع بأن الجذع من المعز لا يجزى، واختص أبو بردة، وعقبة بالرخصة فى ذلك. وإن تعذر الجمع بين حديث أبى بردة وحديث عقبة، فحديث أبى بردة أصح مخرجا. وإن كان حديث عقبة عند البيهقى من مخرج الصحيح والله أعلم. ومن ذلك: إنكاح ذلك الرجل بما معه من القرآن «٣» ، فيما ذكره جماعة، وورد به حديث مرسل أخرجه سعيد بن منصور عن أبى النعمان الأزدى، قال: زوج رسول الله- ﷺ امرأة على سورة من القرآن وقال: «لا يكون لأحد بعدك مهرا» «٤» .
-
ومنها أنه كان يوعك كما يوعك رجلان «٥» لمضاعفة الأجر.
-
ومنها أن جبريل أرسل إليه ثلاثا فى مرضه يسأله عن حاله، ذكره البيهقى وغيره.
-
ومنها: أنه صلى عليه الناس أفواجا أفواجا بغير إمام ، وبغير دعاء الجنازة المعروف ذكره البيهقى وابن سعد وغيرهما، وترك بلا دفن ثلاثة أيام كما سيأتى، وفرش له فى لحده- ﷺ قطيفة «١» ، والأمران مكروهان فى حقنا، وأظلمت الأرض بعد موته كما سيأتى.
-
ومنها: أنه لا يبلى جسده ، وكذلك الأنبياء «٢» ، رواه أبو داود وابن ماجه.
ﷺ قطيفة «١» ، والأمران مكروهان فى حقنا، وأظلمت الأرض بعد موته كما سيأتى.
-
ومنها: أنه لا يبلى جسده ، وكذلك الأنبياء «٢» ، رواه أبو داود وابن ماجه.
-
ومنها: أنه لا يورث «٣» ، فقيل لبقائه على ملكه، وقيل لمصيره صدقة، وبه قطع الرويانى، ثم حكى وجهين فى أنه هل يصير وقفا على ورثته؟ وأنه إذا صار وقفا هل هو الواقف؟ وجهان: قال النووى فى زيادات الروضة: الصواب الجزم بزوال ملكه، وأن ما تركه صدقة على المسلمين، لا يختص به الورثة. انتهى. وقال فى الشرح الصغير: المشهور أنه صدقة. وذكر الرافعى فى قسم الفىء أن الخمس كان له- ﷺ ينفق منه على نفسه ومصالحه، ولم يكن يملكه ولا ينتقل إلى ورثته. وقال فى باب الخصائص: إنه ملكه، ويجمع بينهما: بأن لجهة الإنفاق مادتين: مملوكة وغير مملوكة، والخلاف جار فى إحداهما. انتهى والله أعلم.
وعلى هذا، فيباح له أن يوصى بجميع ماله للفقراء، ويمضى ذلك بعد موته بخلاف غيره فإنه لا يمضى مما أوصى به إلا الثلث بعد موته. وكذلك الأنبياء لا يورثون، لما رواه النسائى من حديث الزبير مرفوعا: «إنا معاشر الأنبياء لا نورث» «١» وعلى هذا فيجاب عن قوله تعالى: وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ «٢» . وقوله: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي «٣» . بأن المراد إرث النبوة والعلم.
- ومنها: أنه حى فى قبره ، ويصلى فيه بأذان وإقامة وكذلك الأنبياء، ولهذا قيل: لا عدة على أزواجه. وقد حكى ابن زبالة «٤» ، وابن النجار أن الأذان ترك فى أيام الحرة «٥» ثلاثة أيام وخرج الناس، وسعيد بن المسيب فى المسجد، قال سعيد: فاستوحشت فدنوت إلى القبر فلما حضرت الظهر سمعت الأذان فى القبر فصليت الظهر، ثم مضى ذلك الأذان والإقامة فى القبر لكل صلاة حتى مضت الثلاث ليال، ورجع الناس وعاد المؤذنون فسمعت أذانهم كما سمعت الأذان فى قبر النبى- ﷺ، انتهى. وقد ثبت أن الأنبياء يحجون ويلبون. فإن قلت: كيف يصلون ويحجون ويلبون وهم أموات فى الدار الآخرة، وليست دار عمل؟ فالجواب: أنهم كالشهداء، بل أفضل منهم، والشهداء أحياء عند ربهم
جون ويلبون. فإن قلت: كيف يصلون ويحجون ويلبون وهم أموات فى الدار الآخرة، وليست دار عمل؟ فالجواب: أنهم كالشهداء، بل أفضل منهم، والشهداء أحياء عند ربهم
يرزقون، فلا يبعد أن يحجوا ويصلوا، أو نقول: إن البرزخ ينسحب عليه حكم الدنيا فى استكثارهم من الأعمال وزيادة الأجور، وأن المنقطع فى الآخرة إنما هو التكليف، وقد تحصل الأعمال من غير تكليف على سبيل التلذذ بها، ولهذا ورد أنهم يسبحون ويقرؤن القرآن، ومن هذا سجود النبى- ﷺ وقت الشفاعة. وقد قال صاحب «التلخيص» : إن ماله- ﷺ بعد موته قائم على نفقته وملكه، وعده من خصائصه. ونقل إمام الحرمين عنه أن ما خلفه بقى على ما كان فى حياته، فكان ينفق منه أبو بكر على أهله وخدمه، وكان يرى أنه باق على ملك النبى- ﷺ. فإن الأنبياء أحياء، وهذا يقتضى إثبات الحياة فى أحكام الدنيا، وذلك زائد على حياة الشهيد. والذى صرح به النووى: زوال ملكه- ﷺ وأن ما تركه صدقة على جميع المسلمين لا يختص به ورثته. فإن قلت: القرآن ناطق بموته- ﷺ، قال الله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «١» وقال- ﷺ: «إنى امرؤ مقبوض» «٢» وقال الصديق: فإن محمدا قد مات، وأجمع المسلمون على إطلاق ذلك. فأجاب الشيخ تقى الدين السبكى، بأن ذلك الموت غير مستمر، وأنه- ﷺ أحيى بعد الموت، ويكون انتقال الملك ونحوه مشروطا بالموت المستمر، وإلا فالحياة الثانية حياة أخروية، ولا شك أنها أعلى وأكمل من حياة الشهداء، وهى ثابتة للروح بلا إشكال، وقد ثبت أن أجساد الأنبياء لا تبلى، وعود الروح إلى الجسد ثابت فى الصحيح لسائر الموتى فضلا عن الشهداء، فضلا عن الأنبياء، وإنما النظر فى استمرارها فى البدن، وفى أن البدن يصير حيّا كحالته فى الدنيا، أو حيّا بدونها، وهى حيث شاء الله تعالى، فإن ملازمة الروح للحياة أمر عادى لا عقلى، فهذا مما يجوزه العقل، فإن صح به سمع اتبع، وقد ذكره جماعة من العلماء.
ويشهد له: صلاة موسى فى قبره «١» ، فإن الصلاة تستدعى جسدا حيّا، وكذلك الصفات المذكورة فى الأنبياء ليلة الإسراء، كلها صفات الأجسام، ولا يلزم من كونها حياة حقيقة أن تكون الأبدان معها كما كانت فى الدنيا من الاحتياج إلى الطعام والشراب وغير ذلك من صفات الأجسام التى نشاهدها بل يكون لها حكم آخر، فليس فى العقل ما يمنع إثبات الحياة الحقيقية لهم. وما الإدراكات كالعلم والسماع فلا شك أن ذلك ثابت لهم بل ولسائر الموتى، حكاه الشيخ زين الدين المراغى، وقال: إنه مما يعز وجوده وفى مثله فليتنافس المتنافسون.
-
ومنها: أنه وكل بقبره ملك يبلغه صلاة المصلين عليه . رواه أحمد والنسائى والحاكم وصححه بلفظ «إن لله ملائكة سياحين فى الأرض يبلغونى عن أمتى السلام» «٢» وعند الأصبهانى عن عمارة، «إن لله ملكا أعطاه الله سمع العباد كلهم، فما من أحد يصلى على إلا أبلغنيها» «٣» . وتعرض أعمال أمته عليه، ويستغفر لهم، روى ابن المبارك عن سعيد بن المسيب «٤» «ليس من يوم إلا وتعرض على النبى- ﷺ أعمال أمته غدوة وعشيّا فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم» .
-
ومنها: أن منبره- ﷺ على حوضه «٥» كما فى الحديث وفى
رواية: «ومنبرى على ترعة من ترع الجنة» وأصل الترعة الروضة على المكان المرتفع خاصة، فإذا كان فى المطمئن فهى روضة. ولم يختلف أحد من العلماء أنه على ظاهره وأنه حق محسوس موجود، فإن القدرة صالحة لا عجز فيها، وكل ما أخبر به الصادق- ﷺ من أمور الغيب فالإيمان به واجب.
. ولم يختلف أحد من العلماء أنه على ظاهره وأنه حق محسوس موجود، فإن القدرة صالحة لا عجز فيها، وكل ما أخبر به الصادق- ﷺ من أمور الغيب فالإيمان به واجب.
- ومنها أن ما بين منبره وقبره روضة من رياض الجنة ، رواه البخارى بلفظ «ما بين بيتى ومنبرى» وهذا يحتمل الحقيقة والمجاز. أما الحقيقة: فبأن يكون ما أخبر عنه- ﷺ بأنه من الجنة مقتطعا منها، كما أن الحجر الأسود منها «١» ، وكذلك النيل والفرات من الجنة «٢» ، وكذلك الثمار الهندية من الورق التى هبط بها آدم- ﵇ من الجنة، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يكون فى هذه الدار من مياه الجنة، ومن ترابها، ومن حجرها، ومن فواكهها، حكمة حكيم جليل. وأما المجاز: فبأن يكون من إطلاق اسم المسبب على السبب، فإن ملازمة ذلك المكان للصلاة والعبادة سبب فى نيل الجنة، قاله ابن أبى جمرة، وهو معنى قول بعضهم: لكون العبادة فيه تؤول إلى دخول العابد روضة الجنة. وهذا فيه نظر: إذ لا اختصاص لذلك بتلك البقعة على غيرها. وفى كتاب «بهجة النفوس» لابن أبى جمرة أيضا حكاية قول: أن تلك البقعة تنقل بعينها فتكون من الجنة، يعنى روضة من رياضها. قال: والأظهر الجمع بين الوجهين مما يعنى احتمال كونها تنقل إلى الجنة، وكون العمل فيها يوجب لصاحبه روضة فى الجنة، ويأتى مزيد لذلك- إن شاء الله تعالى- فى فضل الزيارة من المقصد الأخير- إن شاء الله تعالى-.



