المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya القسطلاني (w. 923 H).

Bagian 27 dari 49 2019 halaman

— Bagian 27 · السماء، وتراب الثرى والرمل والسهل، وعدد الحصى وا… —

Bagian 27

السماء، وتراب الثرى والرمل والسهل، وعدد الحصى والورق، وعدد كل خلق فى السماوات والأرض، ويخلق الله تعالى فى كل يوم ما يشاء، وما يعلم جنود ربك إلا هو.

وأن حملة العرش ثمانية يتجاوبون، لكل ملك منهم وجوه شتى وأعين شتى فى جسده، لا يشبه بعضها بعضا، رافعة أصواتهم بالتهليل، ينظرون إلى العرش لا يفترون، لو أن الملك منهم نشر جناحيه لطبق الدنيا بريشة من جناحه، لا يعلم عددهم إلا الله. وحملة العرش ثمانية يتجاوبون بصوت حسن رخيم، تقول أربعة منهم: سبحانك اللهم وبحمدك على حلمك بعد علمك، وتقول أربعة: سبحانك اللهم وبحمدك على عفوك بعد قدرتك «١» . وقد روى الطبرانى من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله- ﷺ لجبريل: «على أى شىء أنت؟» قال: على الريح والجنود، قال: «وعلى أى شىء ميكائيل؟» قال: على النبات والقطر، قال: «وعلى أى شىء ملك الموت؟» قال: على قبض الأرواح، الحديث، وفى إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى، وقد ضعف لسوء حفظه ولم يترك. وروى الترمذى من حديث أبى سعيد مرفوعا: «وزيراى من أهل السماء: جبريل وميكائيل» الحديث. وروى النقاش أن إسرافيل أول من سجد من الملائكة، وأنه جوزى بولاية اللوح المحفوظ. وفى كتاب «العظمة» لأبى الشيخ ابن حيّان من ذلك العجب العجاب، وعندى منه الجزء الثانى. وقد وقعت فى غير رواية البخارى هنا زيادات فمنها: ما وقع فى رواية أبى سعيد الخدرى عند البيهقى فى دلائله: ثم صعدت إلى السماء السابعة فإذا إبراهيم الخليل ساند ظهره إلى البيت المعمور، كأحسن الرجال، ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم على، وإذا بأمتى شطرين، شطر عليهم ثياب بيض كأنهم القراطيس، وشطر عليهم ثياب رمدة، قال: فدخلت البيت المعمور ودخل معى الذين عليهم الثياب البيض، وحجب الآخرون الذين عليهم الثياب الرمدة، فصليت أنا ومن معى فى البيت المعمور.

م ثياب رمدة، قال: فدخلت البيت المعمور ودخل معى الذين عليهم الثياب البيض، وحجب الآخرون الذين عليهم الثياب الرمدة، فصليت أنا ومن معى فى البيت المعمور.

وفى رواية الطبرانى: فإذا هو برجل أشمط جالس على باب الجنة على كرسى، وعنده قوم بيض الوجوه أمثال القراطيس، وقوم فى ألوانهم شىء، فدخلوا نهرا فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شىء، ثم دخلوا نهرا آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شىء، ثم دخلوا نهرا آخر فاغتسلوا فيه وخرجوا وقد خلصت ألوانهم وصارت مثل ألوان البيض الوجوه، فقال: من هذا ومن هؤلاء الذين فى ألوانهم شىء، وما هذه الأنهار التى دخلوا فيها وقد صفت ألوانهم؟ قال: هذا أبوك إبراهيم أول من شمط على الأرض، وأما هؤلاء البيض الوجوه فقوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم، وأما هؤلاء النفر الذين فى ألوانهم شىء فقوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، فتابوا فتاب الله عليهم، وأما الأنهار، فأولها رحمة، والثانية نعمة الله، والثالث وسقاهم ربهم شرابا طهورا. وفى رواية البخارى فى الصلاة (ثم عرج بى حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام) الحديث «١» . والمستوى: المصعد. وصريف الأقلام: - بفتح الصاد المهملة- تصويتها حالة الكتابة. والمراد: ما تكتبه الملائكة من أقضية الله تعالى. والقدر المكتوب قديم، وإنما الكتابة حادثة، وظاهر الأخبار أن اللوح المحفوظ فرغ من كتابته، وجف القلم بما فيه قبل خلق السماوات والأرض، وإنما هذه الكتابة فى صحف الملائكة كالفروع المنتسخة من الأصل، وفيها الإثبات والمحو على ما ذكر فى الآية. وذكر ابن القيم: أن الأقلام اثنا عشر قلما، وأنها متفاوتة فى الرتب: فأعلاها وأجلها قدرا، قلم القدر السابق، الذى كتب الله به مقادير الخلائق، كما فى سنن أبى داود، عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «إن أول ما خلق الله تعالى القلم، قال له: اكتب، قال:

رب، وما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شىء حتى تقوم الساعة» «١» فهذا أول قلم وأجلها، وقد قال غير واحد من أهل التفسير: إنه القلم الذى أقسم الله به. والقلم الثانى: قلم الوحى. والقلم الثالث: قلم التوقيع عن الله ورسوله. والرابع: قلم طب الأبدان الذى تحفظ به صحتها. والخامس: قلم التوقيع عن الملوك ونوابهم وبه تساس الممالك. والسادس: قلم الحساب، وهو الذى تضبط به الأموال، مستخرجها ومصرفها ومقاديرها، وهو قلم الأرزاق. والسابع: قلم الحكم الذى تثبت به الحقوق وتنفذ به القضايا. والثامن: قلم الشهادة التى تحفظ به الحقوق. والتاسع: قلم التعبير، وهو كاتب وحى المنام وتفسيره وتعبيره. والعاشر: قلم تواريخ العالم ووقائعه. والحادى عشر: قلم اللغة وتفاصيلها. والثانى عشر: القلم الجامع، وهو قلم الرد على المبطلين، ودفع شبه المحرفين «٢» . فهذه الأقلام التى بها انتظام مصالح العالم. قال: ويكفى فى جلالة القلم أنه لم تكتب كتب الله إلا به وأنه تعالى أقسم به فى كتابه. انتهى ملخصا من كتاب «أقسام القرآن» .

وقد وقع فى رواية أبى ذر عند مسلم وغيره من الزيادة أيضا: (ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك) الحديث «١» . والجنابذ: - بالجيم ثم النون المفتوحتين ثم ألف ثم موحدة ثم ذال معجمة- هى القباب. ويؤيده ما فى «التفسير» من البخارى من حديث قتادة عن أنس: (لما عرج به- ﷺ قال: أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ «٢» . وأما ما فى «كتاب الصلاة» من البخارى (وإذا فيها حبائل اللؤلؤ) «٣» - بالمهملة والموحدة وآخره لام- فقال القاضى عياض وغيره: هو تصحيف. وفى حديث الإمام أحمد من رواية حذيفة: (فتحت لهما أبواب السماء، قال: فرأيت الجنة والنار) «٤» . وفى حديث أبى سعيد: أنه عرضت عليه الجنة، وأن رمانها كأنه الدلاء، وإذا طيرها كأنه البخت، وأنه عرضت عليه النار، فإذا هى لو طرح فيها الحجارة والحديد لأكلتها. ووقع عند مسلم من طريق همام عن قتادة عن أنس: (بينا أنا أسير فى الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، وإذا طينه مسك أذفر، فقال جبريل: هذا الكوثر) .

قع عند مسلم من طريق همام عن قتادة عن أنس: (بينا أنا أسير فى الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، وإذا طينه مسك أذفر، فقال جبريل: هذا الكوثر) . وفى رواية أبى عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: أن إبراهيم- ﵇ قال للنبى- ﷺ يا بنى، إنك لاق ربك الليلة، وإن أمتك آخر الأمم وأضعفها، فإن استطعت أن تكون حاجتك فى أمتك فافعل. ووقع فى حديث أبى سعيد الخدرى، عند البيهقى: ثم صعد بى إلى السماء السابعة، قال: ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا كل ورقة منها تغطى هذه الأمة، وإذا فيها عين تجرى يقال لها: السلسبيل، فيشق منها نهران، أحدهما الكوثر، والآخر يقال له: الرحمة، فاغتسلت فيه فغفر لى ما تقدم من ذنبى وما تأخر، ثم رفعت إلى الجنة، فاستقبلتنى جارية، فقلت: لمن أنت يا جارية؟ قالت: لزيد بن حارثة. وفيه: فإذا رمانها أنه الدلاء عظاما، ثم

عرضت على النار، فإذا فيها غضب الله وزجره ونقمته، لو طرحت فيها الحجارة والحديد لأكلتها، ثم أغلقت دونى. وفى الطبرانى من حديث عائشة: لما كان ليلة أسرى بى إلى السماء، أدخلت الجنة، فوقفت على شجرة من أشجار الجنة لم أر فى الجنة أحسن منها، ولا أبيض منها، ولا أطيب منها ثمرة، فتناولت ثمرة من ثمارها فأكلتها فصارت نطفة فى صلبى، فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة. وهو حديث ضعيف «١» . وفيه التصريح بأن الإسراء كان قبل ولادة فاطمة، وهى ولدت قبل النبوة بسبع سنين وشىء، ولا ريب أن الإسراء كان بعد النبوة. وذكر أبو الحسن بن غالب، فيما تكلم فيه على أحاديث الحجب السبعين والسبعمائة والسبعين ألف حجاب وعزاها لأبى الربيع بن سبع فى شفاء الصدور من حديث ابن عباس: أن رسول الله- ﷺ قال بعد أن ذكر مبدأ حديث الإسراء، كما ورد فى الأمهات: أتانى جبريل وكان السفير بى إلى ربى، إلى أن انتهى إلى مقام ثم وقف عند ذلك، فقلت: يا جبريل، فى مثل هذا المقام يترك الخليل خليله؟ فقال:

ورد فى الأمهات: أتانى جبريل وكان السفير بى إلى ربى، إلى أن انتهى إلى مقام ثم وقف عند ذلك، فقلت: يا جبريل، فى مثل هذا المقام يترك الخليل خليله؟ فقال: إن تجاوزته احترقت بالنور، فقال النبى- ﷺ: يا جبريل، هل لك من حاجة؟ قال: يا محمد، سل الله أن أبسط جناحى على الصراط لأمتك حتى يجوزوا عليه، قال النبى- ﷺ: ثم زج بى فى النور زجا، فخرق بى إلى السبعين ألف حجاب، ليس فيها حجاب يشبه حجابا، وانقطع عنى حس كل إنسى وملك، فلحقنى عند ذلك استيحاش، فعند ذلك نادانى مناد بلغة أبى بكر: قف إن ربك يصلى، فبينا أنا أتفكر فى ذلك فأقول: هل سبقنى أبو بكر؟ فإذا النداء من العلى الأعلى، ادن يا خير البرية، ادن يا محمد ادن يا محمد، ليدن الحبيب، فأدنانى ربى حتى كنت كما قال تعالى: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى «٢» . قال: وسألنى ربى فلم أستطع أن

أجيبه، فوضع يده بين كتفى- بلا تكييف ولا تحديد- فوجدت بردها بين ثديى، فأورثنى علم الأولين والآخرين، وعلمنى علوما شتى، فعلم أخذ على كتمانه إذ علم أنه لا يقدر على حمله أحد غيرى، وعلم خيرنى فيه، وعلمنى القرآن فكان جبريل- ﵇ يذكرنى به، وعلم أمرنى بتبليغه إلى العام والخاص من أمتى. ولقد عاجلت جبريل- ﵇ فى آية نزل بها على، فعاتبنى ربى وأنزل على وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً «١» ، ثم قلت: اللهم إنه لما لحقنى استيحاش قبل قدومى عليك سمعت مناديا ينادى بلغة تشبه لغة أبى بكر فقال لى: قف إن ربك يصلى «٢» ، فعجبت من هاتين، هل سبقنى أبو بكر إلى المقام؟ وإن ربى لغنى عن أن يصلى، فقال تعالى: أنا الغنى عن أن أصلى لأحد، وإنما أقول: سبحانى سبحانى، سبقت رحمتى غضبى، اقرأ يا محمد: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً «٣» ، فصلاتى رحمة لك ولأمتك، وأما أمر صاحبك يا محمد، فإن أخاك موسى كان أنسه بالعصا، فلما أردنا كلامه قلنا: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ «٤» ، وشغل بذكر العصا عن عظيم الهيبة. وكذلك أنت يا محمد، لما كان أنسك بصاحبك أبى بكر وأنك خلقت أنت وهو من طينة واحدة، وهو أنيسك فى الدنيا والآخرة، خلقنا ملكا على صورته يناديك بلغته ليزول عنك الاستيحاش، فلا يلحقك من عظيم الهيبة ما يقطعك عن فهم ما يراد منك. ثم قال الله تعالى: وأين حاجة جبريل؟ فقلت: اللهم إنك أعلم، فقال: يا محمد، قد أجبته فيما سأل، ولكن فيمن أحبك وصحبك.

لهيبة ما يقطعك عن فهم ما يراد منك. ثم قال الله تعالى: وأين حاجة جبريل؟ فقلت: اللهم إنك أعلم، فقال: يا محمد، قد أجبته فيما سأل، ولكن فيمن أحبك وصحبك.

وفى رواية: فتقدمت وجبريل على أثرى، حتى انتهى بى إلى حجاب فراش الذهب فحرك الحجاب، فقيل من هذا؟ قال: أنا جبريل ومعى محمد- ﷺ فقال الملك: الله أكبر، فأخرج يده من تحت الحجاب فاحتملنى فوضعنى بين يديه فى أسرع من طرفة عين، وغلظ الحجاب مسيرة خمسمائة عام، فقال لى: تقدم يا محمد، فمضيت فانطلق بى الملك فى أسرع من طرفة عين إلى حجاب اللؤلؤ، فحرك الحجاب، فقال الملك من وراء الحجاب: من هذا؟ فقال أنا فلان صاحب حجاب الذهب، وهذا محمد- ﷺ رسول رب العزة معى، فقال: الله أكبر، فأخرج يده من تحت الحجاب فاحتملنى حتى وضعنى بين يديه، فلم أزل كذلك من حجاب إلى حجاب، حتى جاوزت سبعين حجابا، غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام، فقال لى: تقدم يا محمد، فمضيت فانطلق بى الملك، ثم دلى لى رفرف أخضر يغلب ضوؤه ضوء الشمس، فالتمع بصرى، ووضعت على ذلك الرفرف، ثم احتملت حتى وصلت إلى العرش، فأبصرت أمرا عظيما لا تناله الألسن، ثم دلى لى قطرة من العرش، فوقعت على لسانى، فما ذاق الذائقون شيئا قط أحلى منها، فأنبأنى الله بها نبأ الأولين والآخرين، ونور قلبى، وغشى نور عرشه بصرى فلم أر شيئا فجعلت أرى بقلبى ولا أرى بعينى، ورأيت من خلفى ومن بين كتفى، كما رأيت أمامى، الحديث. رواه والذى قبله فى كتاب «شفاء الصدور» كما ذكره ابن غالب والعهدة عليه فى ذلك. وتكثير الحجب لم يرد فى طريق صحيح، ولم يصح فى ذلك غير ما فى مسلم: (حجابه النور) «١» . والرفرف: البساط، وقيل إنه فى الأصل ما كان من الديباج وغيره رقيقا حسن الصنعة ثم اتسع فيه. واعلم أن ما ذكر فى هذا المحل الرفيع من الحجب فهو فى حق المخلوق، لا فى حق الخالق ﷿، والله ﷾ منزه عما

ن من الديباج وغيره رقيقا حسن الصنعة ثم اتسع فيه. واعلم أن ما ذكر فى هذا المحل الرفيع من الحجب فهو فى حق المخلوق، لا فى حق الخالق ﷿، والله ﷾ منزه عما

يحجب، إذ الحجب إنما تحيط بمقدر محسوس، فالخلق كلهم محجوبون عنه تعالى بمعانى الأسماء والصفات والأفعال، وسائر المخلوقات من معانى الأنوار والظلمات كل له مقام من الحجب معلوم، وحظ من الإدراك والمعرفة مقسوم، وأقرب الخلق إلى الله تعالى الملائكة الحافون والكروبيون، وهم محجوبون بنور المهابة والعظمة والكبرياء والجلال والقدس والقيومية، حجب الذات بالصفات. وهم فى الحجب عنه على طبقات مختلفات، كل على مقام معلوم ودرجات. وبالجملة، فالمخلوقات كلها ما كانت حجابا عن الخالق؟ فقوم حجبوا برؤية النعم عن المنعم، وبرؤية الأحوال عن المحول، وبرؤية الأسباب عن المسبب، وقوم حجبوا بالعلم عن المعلم وبالفهم عن المفهم، وبالعقل عن المعقل، وذلك كله من معنى حجاب النعم عن المنعم، والمواهب عن الواهب. وقوم حجبوا بالشهوات المباحة، وقوم بالشهوات المحرمات والمعاصى والسيئات، وقوم حجبوا بالمال والبنين وزينة الحياة الدنيا. اللهم لا تحجب قلوبنا عنك فى الدنيا ولا أبصارنا عنك فى الآخرة يا كريم. وقد ورد فى الصحيح عن أنس قال: (لما عرج بى جبريل إلى سدرة المنتهى. ودنا الجبار رب العزة ﷻ فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى) «١» الحديث. وهذا الدنو والتدلى المذكور فى هذا الحديث وغيره من أحاديث المعراج غير الدنو والتدلى المذكور فى قوله تعالى فى سورة النجم: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى «٢» . وإن اتفقا فى اللفظ. فإن الصحيح أن المراد فى الآية جبريل، لأنه الموصوف بما ذكر من أول السورة إلى قوله: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى «٣» . هكذا فسره النبى- ﷺ فى الحديث الصحيح.

قالت عائشة- رضى الله عنها-: سألت رسول الله- ﷺ عن هذه الآية فقال: «ذاك جبريل لم أره فى صورته التى خلق عليها إلا مرتين» «١» . ولفظ القرآن لا يدل على غير ذلك من وجوه. أحدها: أنه قال: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى «٢» . وهذا جبريل الذى وصفه بالقوة فى سورة التكوير. الثانى: أنه قال: ذُو مِرَّةٍ «٣» أى حسن الخلق وهو الكريم الذى فى سورة التكوير. الثالث: أنه قال: فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى «٤» وهو ناحية السماء العليا، وهذا استواء جبريل- ﵇، وأما استواء الرب ﷻ فعلى عرشه. الرابع: أنه قال: ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى «٥» فهذا دنو جبريل وقد نزل إلى الأرض حيث كان رسول الله- ﷺ بها. وأما الدنو والتدلى فى حديث المعراج فرسول الله- ﷺ كان فوق السماوات فهناك دنى الجبار ﷻ منه وتدلى. الخامس: أنه قال: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى «٦» والذى عند سدرة المنتهى قطعا هو جبريل، وبهذا فسره النبى- ﷺ فقال: ذاك جبريل. السادس: أن نفس الضمير فى قوله: وَلَقَدْ رَآهُ «٧» وقوله: دَنا

ُنْتَهى «٦» والذى عند سدرة المنتهى قطعا هو جبريل، وبهذا فسره النبى- ﷺ فقال: ذاك جبريل. السادس: أن نفس الضمير فى قوله: وَلَقَدْ رَآهُ «٧» وقوله: دَنا

فَتَدَلَّى «١» وقوله: فَاسْتَوى «٢» وقوله: وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى «٣» واحد، فلا يجوز أن يخالف بين المفسرين من غير دليل. السابع: أنه ﷾ أخبر أن هذا الذى دنا فتدلى كان بالأفق الأعلى، وهو أفق السماء، بل تحتها فدنا من الأرض فتدلى من رسول الله- ﷺ، ودنو الرب تبارك وتدليه- على ما فى حديث شريك- كان فوق العرش لا إلى الأرض. ثم نفى ﷾ عن نبيه- ﷺ بقوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى «٤» ما يعرض للرائى الذى لا أدب له بين يدى الملوك والعظماء من التفاته يمينا وشمالا، ومجاوزة بصره لما بين يديه، وأخبر عنه بكمال الأدب فى ذلك المقام وفى تلك الحضرة إذ لم يلتفت جانبا ولم يمد بصره إلى غير ما أرى من الآيات، وما هناك من العجائب، بل قام مقام العبد الذى أوجب أدبه إطراقه وإقباله على ما أريه دون التفاته إلى غيره ودون تطلعه إلى ما لم يره مع ما فى ذلك من ثبات الجأش وسكون القلب وطمأنينته، وهذا غاية الكمال. وقال فى «مدارج السالكين» : وفى هذه الآية أسرار عجيبة هى من غوامض الآداب اللائقة بأكمل البشر، - صلوات الله وسلامه عليه-، تواطأ هناك بصره وبصيرته وتوافقا وتصادقا، فما شاهده بصره فالبصيرة مواطئة له، وما شاهدته بصيرته فهو أيضا حق مشهود بالبصر، فتواطأ فى حقه، أى: ما كذب الفؤاد ما رآه ببصره، ولهذا قرأها هشام وأبو جعفر ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى «٥» بتشديد الذال، أى لم يكذب القلب البصر بل صدقة وواطأه بصحة الفؤاد والبصر، وكون المرئى المشاهد بالبصر والبصيرة حقّا. وقرأ الجمهور ما كَذَبَ الْفُؤادُ «٦» بالتخفيف، وهو متعد، و «ما رأى» مفعوله، أى: أى ما كذب قلبه ما رأت عيناه بل واطأه ووافقه.

د بالبصر والبصيرة حقّا. وقرأ الجمهور ما كَذَبَ الْفُؤادُ «٦» بالتخفيف، وهو متعد، و «ما رأى» مفعوله، أى: أى ما كذب قلبه ما رأت عيناه بل واطأه ووافقه.

فلمواطأة قلبه لقالبه، وظاهره لباطنه، وبصره لبصيرته، لم يكذب الفؤاد البصر، ولم يتجاوز البصر حده، ولم يمل عن المرئى فيزيغ، بل اعتدل البصر على المرئى لم يتجاوزه ولا مال عنه لما اعتدل القلب فى الإقبال على الله بكليته والإعراض عما سواه، فإنه أقبل على الله بكليته وأعرض عما سواه، بكليته. وللقلب زيغ وطغيان، كما أن للبصر زيغا وطغيانا وكلاهما منتف عن قلبه وبصره، فلم يزغ قلبه التفاتا عن الله إلى غيره ولم يطغ بمجاوزته مقامه الذى أقيم فيه، وهذا غاية الكمال والأدب مع الله تعالى الذى لا يلحقه فيه سواه، فإن عادة النفوس إذا أقيمت فى مقام عال رفيع أن تتطلع إلى ما هو أعلى منه وفوقه، ألا ترى إلى موسى- ﵇، لما أقيم مقام التكليم والمناجاة طلبت نفسه الرؤية، ونبينا- ﷺ لما أقيم فى ذلك المقام وفاه حقه، ولم يتلفت بصره ولا قلبه إلى غير ما أقيم فيه البتة، ولأجل هذا ما عاقه عائق، ولا وقف به مراد، حتى جاوز السماوات السبع فلم تعقه إرادة منه لشىء، ولم تقف به دون كمال العبودية همة، ولهذا كان مركوبه فى مسراه يسبق خطوه الطرف، فيضع قدمه عند منتهى طرفه، مشاكلا لحال راكبه وبعد شأوه الذى يسبق به العالم أجمع فى سيره، فكان قدم البراق لا يتخلف عن موضع نظره، كما كان قدمه- ﷺ لا يتخلف عن محل معرفته. فلم يزل- ﷺ فى خفارة كمال أدبه مع الله سبحانه، وتكميل مرتبة عبوديته له، حتى خرق حجب السماوات، وجاوز السبع الطباق، وجاوز سدرة المنتهى، ووصل إلى محل من القرب سبق به الأولين والآخرين، فانصبت له هناك أقسام القرب انصبابا، وانقشعت سحائب الحجب ظاهرا وباطنا حجابا حجابا، وأقيم مقاما غبطه فيه الأنبياء والمرسلون. فإذا كان فى المعاد أقيم مقاما من القرب تاما، يغبطه فيه الأولون والآخرون، واستقام هناك على صراط مستقيم من كمال أدبه مع الله تعالى، ما زاغ البصر وما طغى، فأقامه فى هذا العالم على أقوم صراط على الحق

والهدى، وأقسم بكلامه القديم على ذلك فى الذكر الحكيم فقال: يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ «١» فإذا كان يوم المعاد أقامه على الصراط، فيسأل السلامة لأتباعه وأهل سنته، حتى يجوزوا إلى جنات النعيم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. ثم إن ما ذكر هنا من القرب والدنو، المراد به تأكيد المحبة والقربة، ورفع المنزلة والرتبة، قال جعفر الصادق: لما قرب الحبيب من الحبيب غاية القرب، نالته غاية الهيبة، فلاطفه الحق تعالى بغاية اللطف، وذلك قوله ﷻ: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى «٢» أى كان ما كان وجرى ما جرى، وقال الحبيب للحبيب ما يقول الحبيب للحبيب: وألطف به إلطاف الحبيب بالحبيب، فخفى السر ولم يطلع عليه أحد، ما أوحى إلا الذى أوحى. وقال غيره فى قوله: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى «٣» أبهمه لعظمه، فإن الإبهام قد يقع للتعظيم، فهو مبهم لا يطلع عليه بل يتعبد بالإيمان به. وقيل: بل هو مفسر بالأخبار الواردة، قال سعيد بن جبير: أوحى الله تعالى إليه- ﷺ، ألم أجدك يتيما فاويتك، ألم أجدك ضالا فهديتك، ألم أجدك عائلا فأغنيتك، أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ «٤» . وقيل: أوحى الله إليه أن الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها يا محمد، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك. ذكره الثعلبى والقشيرى. وقيل: أوحى الله إليه: خصصتك بحوض الكوثر، فكل أهل الجنة أضيافك بالماء، ولهم الخمر واللبن والعسل. ذكره القشيرى. وذكر أيضا: أنه أوحى إليه ما أوحى إلى الرسل لقوله تعالى: ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ «٥» . وقيل: أوحى إليه الصلوات الخمس.

أيضا: أنه أوحى إليه ما أوحى إلى الرسل لقوله تعالى: ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ «٥» . وقيل: أوحى إليه الصلوات الخمس.

وفى رواية أبى سعيد الخدرى عند البيهقى: أن الله تعالى قال له- صلوات الله وسلامه عليه-: سل، فقال: إنك اتخذت إبراهيم خليلا وأعطيته ملكا عظيما، وكلمات موسى تكليما، وأعطيت داود ملكا عظيما، وألنت له الحديد، وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكا عظيما، وسخرت له الإنس والجن والشياطين، وسخرت له الرياح، وأعطيته ملكا لا ينبغى لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل، وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذنك، وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم، فلم يكن له عليهما سبيل. فقال له ربه تعالى: قد اتخذتك حبيبا، فهو مكتوب فى التوراة: حبيب الرحمن وأرسلتك إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا، وشرحت لك صدرك، ووضعت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك، فلا أذكر إلا ذكرت معى، وجعلت أمتك خير أمة أخرجت للناس، وجعلت أمتك أمة وسطا، وجعلت أمتك هم الأولون وهم الآخرون، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدى ورسولى، وجعلت من أمتك أقواما قلوبهم أناجيلهم، وجعلتك أول النبيين خلقا وآخرهم بعثا وأولهم يقضى له، وأعطيتك سبعا من المثانى لم أعطها نبيّا قبلك، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت عرشى لم أعطها نبيّا قبلك، وأعطيتك الكوثر وأعطيتك ثمانية أسهم: الإسلام والهجرة والجهاد والصلاة والصدقة وصوم رمضان والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وجعلتك فاتحا وخاتما. وفى إسناده أبو جعفر الرازى ضعفه بعضهم، وقال أبو زرعة: إنه متهم، وقال ابن كثير: الأظهر أنه سىء الحفظ. وذكر الفخر الرازى عن والده قال: سمعت أبا القاسم سليمان الأنصارى يقول: لما وصل محمد- ﷺ إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة فى المعارج، أوحى الله تعالى إليه: يا محمد بم شرفك؟ قال: يا رب، بنسبتى إليك بالعبودية. فأنزل الله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا «١» فسماه تعالى بهذا الاسم لتحققه- ﷺ بالاسم الأعظم واتصافه

ا رب، بنسبتى إليك بالعبودية. فأنزل الله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا «١» فسماه تعالى بهذا الاسم لتحققه- ﷺ بالاسم الأعظم واتصافه

بجميع صفاته، فلا يصلح هذا الاسم بالحقيقة إلا له- ﷺ وللأقطاب من بعده بتبعيته لا بالحقيقة، وإن أطلق على غيره مجازا، ويرحم الله الأديب برهان الدين القيراطى فلقد أجاد حيث قال: ودعتنى بالعبد يوما فقالوا ... قد دعته بأشرف الأسماء ولبعض أهل الإشارات: كأن الله تعالى قال له: يا محمد، قد أعطيتك نورا تنظر به جمالى، وسمعا تسمع به كلامى، يا محمد، إنى أعرفك بلسان الحال معنى عروجك إلى، يا محمد، أرسلتك إلى الناس شاهدا ومبشرا ونذيرا، والشاهد مطالب بحقيقة ما يشهد به، فأريك جنتى لتشاهد ما أعددت فيها لأوليائى، وأريك نارى لتشاهد ما أعددت فيها لأعدائى، ثم أشهدك جلالى، وأكشف لك جمالى لتعلم أنى منزه فى كمالى عن الشبيه والنظير، والوزير والمشير، فرآه- ﷺ بالنور الذى قواه من غير إدراك ولا إحاطة فردا صمدا، لا فى شىء، ولا من شىء، ولا قائما بشىء، ولا على شىء، ولا مفتقرا إلى شىء، ليس كمثله شىء «١» ، فلما كلمه شفاها، وشاهده كفاحا، فقيل له: يا محمد لا بد لهذه الخلوة من سر لا يذاع ورمز لا يشاع، فأوحى إلى عبده ما أوحى، فكان سرّا من سر، لم يقف عليه ملك مقرب ولا نبى مرسل، وأنشد لسان الحال: بين المحبين سر ليس يفشيه ... قول ولا قلم فى الكون يحكيه سر يمازجه أنس يقابله ... نور تحير فى بحر من التيه ولما انتهى إلى العرش تمسك العرش بأذياله، وناداه بلسان حاله: يا محمد، أنت فى صفاء وقتك من مقتك أشهدك جمال أحديته، وأطلعك على جلال صمديته، وأنا الظمان إليه اللهفان عليه المتحير فيه لا أدرى من أى وجه آتيه، جعلنى أعظم خلقه، فكنت أعظمهم منه هيبة، وأكثرهم فيه حيرة، وأشدهم منه خوفا. يا محمد، خلقنى فكنت أرعد لهيبة جلاله، فكتب على قائمتى، لا إله إلا الله فازددت لهيبة اسمه ارتعادا وارتعاشا، فكتب محمد

رسول الله، فسكن لذلك قلقى، وهدأ روعى، فكان اسمك لقاحا لقلبى، وطمأنينة لسرى، فهذه بركة كتابة اسمك على، فكيف إذا وقع جميل نظرك إلى، يا محمد أنت المرسل رحمة للعالمين، ولا بد لى من نصيب من هذه الرحمة، ونصيبى يا حبيبى أن تشهد لى بالبراءة مما نسبه أهل الزور إلى، وتقوله أهل الغرور على، زعموا: أنى أسع من لا مثيل له، وأحيط بمن لا كيفية له. يا محمد، من لا حدّ لذاته، ولا عدّ لصفاته كيف يكون مفتقرا إلى؟ أو محمولا على؟ إذا كان الرحمن اسمه، والاستواء صفته وصفته متصلة بذاته فكيف يتصل بى أو ينفصل عنى؟ يا محمد، وعزته، لست بالقريب منه وصلا، ولا بالبعيد عنه فصلا، ولا بالمطيق له حملا، أو جدنى رحمة منه وفضلا، ولو محقنى لكان حقّا منه، وعدلا، يا محمد، أنا محمول قدرته، ومعمول حكمته. فأجاب لسان حال سيدى، زاده الله فضلا وشرفا لديه، ووالى صلاته وسلامه عليه: أيها العرش إليك عنى، أنا مشغول عنك، فلا تكدر على صفوتى، ولا تشوش على خلوتى، فما أعاره- ﷺ منه طرفا، ولا أقرأه من مسطور ما أوحى إليه حرفا، ما زاغ البصر وما طغى. وقد ورد فى بعض أخبار الإسراء مما ذكره العلامة ابن مرزوق فى شرحه لبردة المديح: أنه- ﷺ لما كان من ربه تعالى قاب قوسين قال: اللهم إنك عذبت الأمم بعضهم بالحجارة وبعضهم بالخسف، وبعضهم بالمسخ، فما أنت فاعل بأمتى؟ قال: أنزل عليهم الرحمة وأبدل سيئاتهم حسنات، ومن دعانى منهم لبيته، ومن سألنى أعطيته، ومن توكل على كفيته، وفى الدنيا أستر على العصاة، وفى الآخرة أشفعك فيهم، ولولا أن الحبيب يحب معاتبة حبيبه لما حاسبت أمتك. ولما أراد- ﷺ الانصراف قال: يا رب، لكل قادم من سفره تحفة، فما تحفة أمتى؟ قال الله تعالى: أنا لهم ما عاشوا، وأنا لهم إذا ماتوا، وأنا لهم فى القبور، وأنا لهم فى النشور. واعلم أنه قد اختلف العلماء قديما وحديثا فى رؤيته- ﷺ لربه ليلة

ه تعالى: أنا لهم ما عاشوا، وأنا لهم إذا ماتوا، وأنا لهم فى القبور، وأنا لهم فى النشور. واعلم أنه قد اختلف العلماء قديما وحديثا فى رؤيته- ﷺ لربه ليلة

الإسراء. فروى البخارى من حديث مسروق قال: (قلت لعائشة: يا أمتاه، هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد قف شعرى مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدث لهن فقد كذب: من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ «١» وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ «٢» ومن حدثك أنه يعلم ما فى غد فقد كذب، ثم قرأت وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً «٣» ومن حدثك أنه كتم فقد كذب، ثم قرأت يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ «٤» الآية، [ولكن] رأى جبريل فى صورته مرتين) . وفى رواية مسلم (من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد أعظم الفرية) «٥» . وقولها: «قف شعرى» أى قام من الفزع، لما حصل عندها من هيبة الله، واعتقدته من تنزيهه واستحالة وقوع ذلك. قال النووى- تبعا لغيره-: لم تنف عائشة وقوع الرؤية بحديث مرفوع، ولو كان معها لذكرته، وإنما اعتمدت الاستنباط على ما ذكرته من ظاهر الآية، وقد خالفها غيرها من الصحابة، والصحابى إذا قال قولا وخالفه غيره منهم لم يكن ذلك القول حجة اتفاقا، انتهى. قال الحافظ أبو الفضل العسقلانى: جزمه بأن عائشة لم تنف الرؤية بحديث مرفوع، تبع فيه ابن خزيمة، وهو عجيب، فقد ثبت عنها فى صحيح مسلم- الذى شرحه الشيخ- فعنده من طريق داود بن أبى هند عن الشعبى عن مسروق، فى الطريق المذكورة، قال مسروق: وكنت متكئا فجلست، فقلت: ألم يقل الله: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى «٦» .

ن طريق داود بن أبى هند عن الشعبى عن مسروق، فى الطريق المذكورة، قال مسروق: وكنت متكئا فجلست، فقلت: ألم يقل الله: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى «٦» .

فقالت: أنا أول هذه الأمة سألت رسول الله- ﷺ عن هذا فقلت: يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ فقال: لا، إنما رأيت جبريل منهبطا. نعم، احتجاج عائشة- رضى الله عنها- بالآية، خالفها فيه ابن عباس. فأخرج الترمذى من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: (رأى محمد ربه، فقلت: أليس يقول الله: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ «١» قال: ويحك، ذاك إذا تجلى بنوره الذى هو نوره، وقد رأى ربه مرتين) «٢» . وقال القرطبى: «الأبصار» فى الآية جمع محلى بالألف واللام، فيقبل التخصيص، وقد ثبت دليل ذلك سمعا فى قوله تعالى: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ «٣» فيكون المراد: الكفار، بدليل قوله فى الآية الآخرى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ «٤» ، وإذا جازت فى الآخرة جازت فى الدنيا لتساوى الوقتين بالنسبة إلى المرئى، انتهى وهو استدلال جيد. وقال القاضى عياض: رؤية الله تعالى جائزة عقلا، وليس فى العقل ما يحيلها، والدليل على جوازها: سؤال موسى- ﵇ لها، ثم قال: وليس فى الشرع دليل قاطع على استحالتها ولا امتناعها، إذ كل موجود فرؤيته جائزة غير مستحيلة، ولا حجة لمن استدل على منعها بقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ «٥» لاختلاف التأويلات فى الآية «٦» ، انتهى. وقد روى ابن أبى حاتم بسنده عن إسماعيل بن علية فى تأويل هذه الآية قال: هذا فى الدنيا. وقال آخرون: لا تدركه الأبصار، أى جميعها،

وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له فى الدار الآخرة. وقال آخرون من المعتزلة، بمقتضى ما فهموا من هذه الآية: أنه لا يرى فى الدنيا ولا فى الآخرة، فخالفوا أهل السنة والجماعة فى ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله- ﷺ. أما الكتاب: فقوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ «١» وقوله: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ «٢» قال الإمام الشافعى- ﵀: فدل هذا على أن المؤمنين لا يحجبون عنه ﵎. وأما السنة: فقد تواترت الأخبار عن أبى سعيد، وأبى هريرة، وأنس وجرير، وصهيب، وبلال، وغير واحد من الصحابة عن النبى- ﷺ: أن المؤمنين يرون الله ﵎ فى الدار الآخرة فى العرصات، وفى روضات الجنات، جعلنا الله منهم. وقيل: المنفى فى الآية، إدراك العقول: قال الحافظ ابن كثير: وهو غريب جدّا، وخلاف ظاهر الآية. وقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفى الإدراك، فإن الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفى الأخص انتفاء الأعم. ثم اختلف هؤلاء فى الإدراك المنفى، ما هو؟ فقيل: معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلا هو، وإن رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك، وله المثل الأعلى. وقال آخرون: المراد بالإدراك الإحاطة، قالوا: ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية: كما لا يلزم من عدم الرؤية عدم العلم. وفى صحيح مسلم (لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) «٣» ولا يلزم من هذا عدم الثناء فكذلك هذا. وروى ابن أبى حاتم عن أبى سعيد الخدرى عن رسول الله- ﷺ فى

يح مسلم (لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) «٣» ولا يلزم من هذا عدم الثناء فكذلك هذا. وروى ابن أبى حاتم عن أبى سعيد الخدرى عن رسول الله- ﷺ فى

قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ «١» فقال: لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا، صفوا صفا واحدا ما أحاطوا بالله أبدا. قال ابن كثير: غريب، لا يعرف إلا من هذا الوجه ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة والله أعلم. ومما نسب لإمام الحرمين فى «لمع الأدلة» أنه قال: من أصحابنا من قال: إن الرب تعالى يرى ولا يدرك، لأن الإدراك يا بنى عن الإحاطة، ودرك الغاية، والرب ﷻ تقدس عن الغاية والنهاية، ثم قال: فإن عارضوا بقوله تعالى فى جواب موسى- ﵇: لَنْ تَرانِي «٢» وزعموا: أن «لن» تفيد النفى على التأبيد، قلنا: هذه الآية أوضح الأدلة على جواز الرؤية، فإنها لو كانت مستحيلة لكان معتقد جواز الرؤية ضالا وكافرا، وكيف يعتقد ما لا يجوز على الله تعالى من اصطفاه لرسالته واختاره لنبوته، وخصه بكرامته، وشرفه بتكليمه، وجعله أفضل أهل زمانه، وأيده ببرهانه، وكيف يجوز على الأنبياء الريب فى أمر يتعلق بعلم الغيب. فيجب حمل الآية على أن ما اعتقد موسى- ﵇ جوازه جائز، لكن ظن أن ما اعتقد جوازه ناجز، فرجع النفى فى الجواب إلى الإنجاز، وما سأل موسى- ﵇ ربه رؤيته فى المال، فصرف النفى إليه، والجواب يدل على قضية الخطاب، انتهى. وقال البيضاوى: فى هذه الآية دليل على أن رؤيته تعالى جائزة فى الجملة، لأن طلب المستحيل من الأنبياء محال، وخصوصا ما يقتضى الجهل بالله تعالى، ولذلك رده بقوله: لَنْ تَرانِي «٣» دون: لن أرى، انتهى. ونقل القاضى عياض عن أبى بكر الهذلى، فى الآية، أن المراد: ليس لبشر أن يطيق أن ينظر إلىّ فى الدنيا، وأنه من نظر إلىّ مات. قال: وقد رأيت لبعض السلف والمتأخرين ما معناه: أن رؤيته ﵎ فى الدنيا

الآية، أن المراد: ليس لبشر أن يطيق أن ينظر إلىّ فى الدنيا، وأنه من نظر إلىّ مات. قال: وقد رأيت لبعض السلف والمتأخرين ما معناه: أن رؤيته ﵎ فى الدنيا

ممتنعة لضعف تركيب أهل الدنيا وقواهم، وكونها متغيرة، غرضا للآفات والفناء، فلم تكن لهم قوة على الرؤية، فإذا كان فى الآخرة وركبوا تركيبا آخر، ورزقوا قوى ثابتة باقية، وأتم أنوار أبصارهم وقلوبهم، قووا بها على الرؤية. قال: وقد رأيت نحو هذا لمالك بن أنس- ﵀ قال: لم ير فى الدنيا لأنه باق، ولا يرى الباقى بالفانى. فإذا كان فى الآخرة رزقوا أبصارا باقية، رؤى الباقى بالباقى، وهذا كلام حسن مليح، وليس فيه دليل على الاستحالة إلا من حيث ضعف القوة، فإذا قوى الله تعالى من شاء من عباده وأقدره على حمل أعباء الرؤية لم تمتنع فى حقه، انتهى. والاستثناء فى قوله: «إلا من حيث ضعف القوة» ينبغى أن يكون منقطعا، على معنى: لكن من حيث ضعف القوة، وإلا فضعف القوة قصاراه أن يكون مانعا، أى امتنع من جهة ضعف القوة لا من جهة كونه مستحيلا، ويدل على هذا قوله: «فإذا قوى الله تعالى من شاء من عباده وأقدره على حمل أعباء الرؤية لم يمتنع فى حقه» . وقد وقع فى صحيح مسلم ما يؤيد هذه التفرقة فى حديث مرفوع فيه: (واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا) «١» . وأخرجه ابن خزيمة أيضا من حديث أبى أمامة، ومن حديث عبادة بن الصامت. فإن جازت الرؤية فى الدنيا عقلا فقد امتنعت شرعا، لكن من أثبتها للنبى- ﷺ له أن يقول: إن المتكلم لا يدخل فى عموم كلامه. وفى كلام ابن كثير: أن فى بعض كتب الله المتقدمة أن الله تعالى قال لموسى لما سأله الرؤية، يا موسى، إنه لن يرانى حى إلا مات. وقد جزم القشيرى- فى الرسالة- بأنها لا تجوز فى الدنيا على جهة الكرامة، وادعى حصول الإجماع عليه. وحكى القاضى عياض امتناعها فى الدنيا عن جماعة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين. وقال القشيرى أيضا: سمعت الإمام أبا بكر بن فورك يحكى عن أبى الحسن الأشعرى فى ذلك قولين فى كتاب الرؤية الكبير: انتهى.

وقد ذهبت عائشة وابن مسعود إلى أنه- ﷺ لم ير ربه ليلة الإسراء. واختلف عن أبى ذر. وذهب جماعة إلى إثباتها. وحكى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن: أنه حلف أن محمدا رأى ربه. وأخرج ابن خزيمة عن عروة ابن الزبير إثباتها، وبه قال سائر أصحاب ابن عباس. وجزم به كعب الأحبار والزهرى، وصاحبه معمر وآخرون وهو قول الأشعرى وغالب أتباعه. ثم اختلفوا: هل رآه بعينيه أو بقلبه؟ وجاءت عن ابن عباس أخبار مطلقة، وأخرى مقيدة، فيجب حمل مطلقها على مقيدها، فمن ذلك، ما أخرجه النسائى بإسناد صحيح، وصححه الحاكم أيضا من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد- ﷺ «١» . ومنها: ما أخرجه مسلم من طريق أبى العالية عن ابن عباس فى قوله تعالى: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى «٢» وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى «٣» قال: رآه بفؤاده مرتين «٤» وله: من طريق عطاء عن ابن عباس قال: رآه بقلبه. وأصرح من ذلك: ما أخرجه ابن مردويه من طريق عطاء عن ابن عباس قال: لم يره رسول الله- ﷺ بعينيه وإنما رآه بقلبه. وعلى هذا فيمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفى عائشة، بأن يحمل نفيها على رؤية البصر، وإثباته على رؤية القلب. لكن روى الطبرانى فى الأوسط بإسناد رجاله رجال الصحيح، خلا جهوّر بن منصور الكوفى، وجهور بن منصور قد ذكره ابن حبان فى الثقات، عن ابن عباس أنه كان يقول: إن محمدا- ﷺ رأى ربه مرتين، مرة ببصره ومرة بفؤاده.

ح، خلا جهوّر بن منصور الكوفى، وجهور بن منصور قد ذكره ابن حبان فى الثقات، عن ابن عباس أنه كان يقول: إن محمدا- ﷺ رأى ربه مرتين، مرة ببصره ومرة بفؤاده.

ثم المراد «برؤية الفؤاد» رؤية القلب، لا مجرد حصول العلم، لأنه- ﷺ كان عالما بالله على الدوام. بل مراد من أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التى حصلت له خلقت له فى قلبه كما تخلق الرؤية بالعين لغيره، والرؤية لا يشترط لها شىء مخصوص عقلا، ولو جرت العادة بخلقها فى العين. وروى ابن خزيمة بإسناد قوى عن أنس قال: (رأى محمد ربه) وفى مسلم من حديث أبى ذر أنه سأل النبى- ﷺ عن ذلك فقال: (نور أنى أراه) أى حجابه نور فكيف أراه، ومعناه: أن النور منعنى من الرؤية. وعند أحمد قال: (رأيت نورا) ومن المستحيل أن تكون ذات الله تعالى نورا، إذ النور من جملة الأعراض، والله تعالى يتعالى عن ذلك. وعند ابن خزيمة عنه، قال: (رآه بقلبه ولم يره بعينه) . وبهذا يتبين مراده فى حديث أبى ذر بذكر النور، أى أن النور حال بينه وبين رؤيته له ببصره. وجنح ابن خزيمة فى كتاب التوحيد إلى ترجيح الإثبات، وأطنب فى الاستدلال بما يطول ذكره، وحمل ما ورد عن ابن عباس على أن الرؤية وقعت مرتين: مرة بقلبه ومرة بعينه. ومما يعزى للأستاذ عبد العزيز المهدوى: أنه- ﷺ لما رجع من سفر الإسراء، أخبر العوالم من حيث فلكهم مراتبهم، وسقى كل واحد من كأسه، وعلى قدر عقله، فخاطب الكفار، وهم آخر العوالم بما رأى فى الطريق، وما كان فى المسجد الأقصى على العيان وبما يعرفون، لأنهم فى فلك الأجسام، حتى صدقوا بالإسراء، ثم ارتقى حتى حدث عن فلك السماء، وكذلك فى كل سماء، وأخبر عما شاهد ورأى فى كل فلك وما يليق أن يحدث به- أعنى الصحابة- كلا على قدر مرتبته بلا ضيق ولا مزاحم إلى السماء السابعة، ولما وصل مقام جبريل تحدث عن الأفق المبين، وعما فوق إلى الدنو وإلى التدلى إلى موضع الإيحاء عند حضرة إسقاط الصور والخلق، فأخبر بذلك أصحابه، فمنهم من قال: رأى جبريل بالأفق المبين، وبالأفق الأعلى، وصدق، ومنهم من قال برؤية الفؤاد والبصيرة وصدق،

ند حضرة إسقاط الصور والخلق، فأخبر بذلك أصحابه، فمنهم من قال: رأى جبريل بالأفق المبين، وبالأفق الأعلى، وصدق، ومنهم من قال برؤية الفؤاد والبصيرة وصدق،

وهى عائشة ومن معها، ومنهم من قال: بعينى رأسه رأى وصدق. فكل أخبر بما حدثه- ﷺ من مقامه وسقاه من كأسه وما يليق به، فإذا صح هذا المعراج عرفت الأمر، ومقامات الرؤية والقائلين بذلك وقولهم الجميع الحق انتهى. وممن أثبت الرؤية لنبينا- ﷺ الإمام أحمد. فروى الخلال فى «كتاب السنن» عن المروزى: قلت لأحمد: إنهم يقولون إن عائشة قالت: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، فبأى معنى يدفع قولها؟ قال: بقول النبى- ﷺ: «رأيت ربى» فقول النبى أكبر من قولها. وقد أنكر صاحب «الهدى» على من زعم أن أحمد قال: رأى ربه بعينى رأسه. قال: وإنما قال مرة: رأى محمد ربه، وقال مرة: بفؤاده. وحكى عن بعض المتأخرين: رأى بعينى رأسه. وهذا من تصرف الحاكى، فإن نصوصه موجودة انتهى. وقد رجح القرطبى فى «المفهم» قول الوقف فى هذه المسألة، وعزاه لجماعة من المحققين، وقواه: بأنه ليس فى الباب دليل قاطع، وغاية ما استدل به الطائفتان ظواهر متعارضة، قابلة للتأويل. قال: وليست المسألة من العمليات فيكتفى فيها بالأدلة الظنية، وإنما هى من المعتقدات فلا يكتفى فيها إلا بالدليل القطعى. والله أعلم. وأما قوله فى الحديث: «ثم فرضت على الصلاة خمسين صلاة فى كل يوم» . ففى رواية ثابت البنانى عن أنس عند مسلم (ففرض الله على خمسين صلاة فى كل يوم وليلة) «١» . ونحوه فى رواية مالك بن صعصعة عند البخارى أيضا. ويحتمل أن يقال: ذكر الفرض عليه يستلزم الفرض على الأمة، وبالعكس، إلا ما استثنى من خصائصه. وفى حديث ثابت عن أنس عند مسلم (فنزلت إلى موسى، فقال: ما

فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإنى قد بلوت بنى إسرائيل وخبرتهم. قال: فرجعت إلى ربى فقلت: يا رب، خفف عن أمتى، فحط عنى خمسا، فرجعت إلى موسى فقلت: حط عنى خمسا، فقال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. قال: فلم أزل أرجع بين ربى وبين موسى، حتى قال: يا محمد هن خمس صلوات فى اليوم والليلة، لكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة. ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة. قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقلت: لقد رجعت إلى ربى حتى استحييت منه) «١» . وفى رواية النسائى عن أنس: فقال لى: إنى يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة فقم بها أنت وأمتك، وذكر مراجعته مع موسى، وفيه: فإنه فرض على بنى إسرائيل صلاتان فما قاموا بهما. وقال فى آخره: فخمس بخمسين، فقم بها أنت وأمتك. قال: فعرفت أنها عزمة من الله فرجعت إلى موسى فقال: ارجع، فلم أرجع. فإن قلت: لم قال موسى- ﵇ لنبينا- ﷺ: إن أمتك لا يطيقون ذلك، ولم يقل: أنت وأمتك لا تطيقون ذلك؟ أجيب: بأن العجز مقصور على الأمة لا يتعداهم إلى النبى- ﷺ، فهو لما رزقه الله تعالى من الكمال يطيق ذلك وأكثر منه، وكيف لا وقد جعلت قرة عينه فى الصلاة. قال العارف ابن أبى جمرة: والحكمة فى تخصيص فرض الصلاة بليلة الإسراء أنه- ﷺ لما عرج به ورأى فى تلك الليلة تعبد الملائكة، وأن منهم القائم فلا يقعد، والراكع فلا يسجد، والساجد فلا يقعد، فجمع الله تعالى له ولأمته تلك العبادات كلها فى ركعة يصليها العبد بشرائطها من الطمأنينة والإخلاص.

لقائم فلا يقعد، والراكع فلا يسجد، والساجد فلا يقعد، فجمع الله تعالى له ولأمته تلك العبادات كلها فى ركعة يصليها العبد بشرائطها من الطمأنينة والإخلاص.

وقد وقع من موسى- ﵇ من العناية بهذه الأمة فى أمر الصلاة ما لم يقع لغيره، ووقعت الإشارة لذلك فى حديث أبى هريرة عند الطبرانى والبزار، قال- ﷺ: «كان موسى أشدهم على حين مررت، وخيرهم لى حين رجعت» . وفى حديث أبى سعيد: فأقبلت راجعا فمررت بموسى، ونعم الصاحب كان لكم، فسألنى كم فرض عليك ربك؟ الحديث. قال السهيلى: وأما اعتناء موسى- ﵇ بهذه الأمة، وإلحاحه على نبيها أن يشفع لها ويسأل التخفيف عنها، فكقوله- والله أعلم- حين قضى إليه الأمر بجانب الغربى، ورأى صفات أمة محمد- ﷺ فى الألواح، وجعل يقول: إنى أجد فى الألواح أمة صفتهم كذا، اللهم اجعلهم أمتى، فيقال له: تلك أمة أحمد، وهو حديث مشهور وقد تقدم ذكره فى خصائص هذه الأمة. قال: فكان إشفاقه عليهم واعتناؤه بأمرهم كما يعتنى بالقوم من هو منهم لقوله اللهم اجعلنى منهم انتهى. وقال القرطبى: الحكمة فى أمر موسى بمراجعة النبى- ﷺ فى أمر الصلوات يحتمل أن تكون لكون أمة موسى- ﵇ كلفت من الصلوات ما لم يكلف به غيرها من الأمم قبلها، فثقلت عليهم، فأشفق موسى على أمة محمد- ﷺ مثل ذلك، ويشير إليه قوله: إنى جربت الناس قبلك. انتهى. ووقع فى كلام بعض أهل الإشارات: لما تمكنت نار المحبة من قلب موسى أضاءت له أنوار نور الطور، فأسرع إليها ليقتبس فاحتبس، فلما نودى من النادى، اشتاق إلى المنادى، فكان يطوف فى بنى إسرائيل: من يحملنى رسالة إلى ربى، ومراده أن تطول المناجاة مع الحبيب، فلما مر علينا نبينا- ﷺ ليلة المعراج، ردده فى أمر الصلوات ليسعد برؤية حبيب الحبيب. وقال آخر: لما سأل موسى- ﵇ الرؤية، ولم تحصل له البغية، بقى الشوق يقلقه، والأمل يعلله، فلما تحقق أن سيدنا محمدا الحبيب منح الرؤية، وفتح له باب المزية، أكثر السؤال ليسعد برؤية من قد رأى. كما قيل:

ه البغية، بقى الشوق يقلقه، والأمل يعلله، فلما تحقق أن سيدنا محمدا الحبيب منح الرؤية، وفتح له باب المزية، أكثر السؤال ليسعد برؤية من قد رأى. كما قيل:

واستنشق الأرواح من نحو أرضكم ... لعلى أراكم أو أرى من يراكم وأنشد من لاقيت عنكم عساكم ... تجودون لى بالعطف منكم عساكم فأنتم حياتى إن حييت وإن أمت ... فيا حبذا إن مت عبد هواكم وقال آخر: وإنما السر فى موسى يردده ... ليجتلى حسن ليلى حين يشهده يبدو سناها على وجه الرسول فيا ... لله در رسول حين أشهده وقال آخر: لما جلس الحبيب فى مقام القرب، دارت عليه كؤوس الحب، ثم عاد، وهلال ما كذب الفؤاد ما رأى بين عينيه، وسرّ فأوحى إلى عبده ملء قلبه وأذنيه، فلما اجتاز بموسى- ﵇، قال لسان حاله لنبينا- ﷺ: يا واردا من أهيل الحى يخبرنى ... عن جيرتى شنف الأسماع بالخبر ناشدتك الله يا راوى حديثهم ... حدث فقد ناب سمعى اليوم عن بصر فأجاب لسان حال نبينا- ﷺ يقول: ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا ... سر أرق من النسيم إذا سرى وأباح طرفى نظرة أملتها ... فغدوت معروفا وكنت منكرا فكل قوم يلحظون مذهبهم، وقد علم كل أناس مشربهم، والله بفضله وإحسانه يوالى انسجام سحائب عفوه ورضوانه على العارف الربانى أبى عبد الرحمن السلمى، فلقد أجاد إذ أفاد بما أفرد من لطائف المعراج حسبما جمعه من كلام أهل الإشارات، بأقوم منهاج. وقد استدل العلماء بقوله فى الحديث (فهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر فتلك خمسون) : على عدم فرضية ما زاد على الصلوات الخمس، كالوتر. وعلى دخول النسخ قبل الفعل. قال ابن بطال وغيره: ألا ترى أنه ﷿ نسخ الخمسين بالخمس قبل أن تصلى؟ ثم تفضل عليهم بأن أكمل لهم الثواب.

وتعقبه ابن المنير فقال: هذا ذكره طوائف من الأصوليين والشراح وغيرهم، وهو مشكل على من أثبت النسخ قبل الفعل كالأشاعرة، أو منعه كالمعتزلة. لكونهم اتفقوا جميعا على أن النسخ لا يتصور قبل البلاغ. وحديث الإسراء وقع فيه النسخ قبل البلاغ، فهو مشكل عليهم جميعا. اه. فإن أراد قبل البلاغ لكل أحد فممنوع، وإن أراد قبل البلاغ إلى بعض الأمة فمسلّم، لكن قد يقال: ليس هو بالنسبة إليهم نسخا، لكن هو نسخ بالنسبة إلى النبى- ﷺ لأنه كلف بذلك قطعا، ثم نسخ بعد أن بلغه وقبل أن يفعله، فالمسألة صحيحة التصوير فى حقه- ﷺ. ولما رجع- ﷺ من سفر الإسراء، مر فى طريقه بعير لقريش تحمل طعاما، فيها جمل يحمل غرارتين: غرارة سوداء وغرارة بيضاء، فلما حاذى العير نفرت منه واستدارت وانصرع ذلك البعير. وفى رواية: مر بعير قد أضلوا بعيرا لهم قد جمعه فلان. قال- ﷺ: فسلمت عليهم فقال بعضهم: هذا صوت محمد. ثم أتى مكة قبل الصبح وأخبر قومه بما رأى، وقال لهم: إن من آية ما أقول لكم أنى مررت بعيركم فى مكان كذا وكذا، وقد أضلوا بعيرا لهم قد جمعه فلان، وأن مسيرهم ينزلون بمكان كذا وكذا، ويأتونكم يوم كذا وكذا يقدمهم جمل آدم عليه مسح أسود وغرارتان، فلما كان ذلك اليوم أشرف الناس ينظرون حتى إذا كان قريب من نصف النهار أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل الذى وصفه- ﷺ. وفى رواية البيهقى: سألوه آية، أخبرهم بقدوم العير يوم الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم لم يقدموا حتى كادت الشمس أن تغرب، فدعا الله تعالى فحبس الشمس حتى قدموا كما وصف. وعن عائشة: لما أسرى بالنبى- ﷺ إلى المسجد الأقصى أصبح يحدث الناس بذلك، فارتد ناس كانوا آمنوا، وسعى رجال من المشركين إلى أبى بكر فقالوا: هل لك إلى صاحبك، يزعم أنه أسرى به الليلة إلى بيت المقدس، قال: وقد قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن قال ذلك لقد صدق، قالوا: تصدقه أنه ذهب إلى بيت المقدس وجاء قبل

صاحبك، يزعم أنه أسرى به الليلة إلى بيت المقدس، قال: وقد قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن قال ذلك لقد صدق، قالوا: تصدقه أنه ذهب إلى بيت المقدس وجاء قبل

أن يصبح فقال: نعم، إنى لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه فى خبر السماء فى غدوة أو روحة، فلذلك سمى الصديق «١» . رواه الحاكم فى المستدرك، وابن إسحاق: وزاد: ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله- ﷺ فقال: يا نبى الله، أحدثت هؤلاء أنك جئت بيت المقدس فى هذه الليلة؟ قال: نعم، فقال: يا نبى الله صفه لى فإنى قد جئته، قال الحسن: فقال رسول الله- ﷺ: فرفع لى المسجد حتى نظرت إليه، فجعل رسول الله- ﷺ يصفه لأبى بكر، فيقول أبو بكر: صدقت، أشهد أنك رسول الله، كلما وصف له منه شيئا. وقول أبى بكر: صفه لى، لم يكن عن شك، فإنه صدقه من أول وهلة، ولكنه أراد إظهار صدقه لقومه، فإنهم كانوا يثقون بأبى بكر، فإذا طابق خبره- ﷺ ما كان يعلم أبو بكر وصدقه كان حجة ظاهرة عليهم. وفى رواية البخارى (فجلا الله لى بيت المقدس) أى كشف الحجب بينى وبينه حتى رأيته. وفى رواية مسلم: (فسألونى عن أشياء لم أثبتها، فكربت كربا شديدا لم أكرب مثله قط، فرفعه الله لى أنظر إليه، ما يسألونى عن شىء إلا أنبأتهم به) . فيحتمل أن يكون حمل إلى أن وضع بحيث يراه، ثم أعيد، ففى حديث ابن عباس عند أحمد والبزار: فجىء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع عند دار عقيل فنعته وأنا أنظر إليه. وهذا أبلغ فى المعجزة، ولا استحالة فيه، فقد أحضر عرش بلقيس فى طرفة عين. وأما ما وقع فى حديث أم هانئ عند ابن سعد: فخيل إلى بيت المقدس، وطفقت أخبرهم عن آياته، فإن ثبت احتمل أن يكون مثل قريبا منه، كما قيل فى حديث: (رأيت الجنة والنار) ويؤول قوله: جىء بالمسجد، أى جىء بمثاله.

بيت المقدس، وطفقت أخبرهم عن آياته، فإن ثبت احتمل أن يكون مثل قريبا منه، كما قيل فى حديث: (رأيت الجنة والنار) ويؤول قوله: جىء بالمسجد، أى جىء بمثاله.

وفى حديث أم هانئ المذكور: أنهم قالوا له: كم للمسجد من باب، قال: ولم أكن عددتها قال: فجعلت أنظر إليه وأعدها بابا بابا. وعند أبى يعلى: إن الذى سأله عن صفة بيت المقدس هو المطعم بن عدى، والد جبير بن مطعم. وأشار ابن أبى جمرة: إلى أن الحكمة فى الإسراء إلى بيت المقدس إظهار الحق للمعاند، لأنه لو عرج به من مكة إلى السماء لم يجد لمعاندة الأعداء سبيلا إلى البيان والإيضاح- حيث سألوه عن جزئيات من بيت المقدس كانوا رأوها، وعلموا أنه لم يكن رآها قبل ذلك، فلما أخبرهم بها حصل التحقيق أنه أسرى به إلى بيت المقدس. وإذا صح البعض لزم تصحيح الباقى، فكان ذلك سببا لقوة إيمان المؤمنين، وزيادة فى شقاء من عاند وجحد من الكافرين، والله ﷾ أعلم.

المقصد السادس فيما ورد فى آى التنزيل من تعظيم قدره ﷺ فيما ورد فى آى التنزيل من تعظيم قدره- ﷺ ورفعة ذكره، وشهادته تعالى بصدق نبوته، وثبوت بعثته، وقسمه تعالى على تحقيق رسالته، وعلو منصبه الجليل ومكانته، ووجوب طاعته، واتباع سنته، وأخذه تعالى له الميثاق على سائر النبيين فضلا ومنة ليؤمنن به إن أدركوه ولينصرنه، والتنويه به فى الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل بأنه صاحب الرسالة والتبجيل وغير ذلك. اعلم أطلعنى الله وإياك على أسرار التنزيل، ومنحنا بلطفه تبصرة تهديناا إلى سواء السبيل، أنه لا سبيل لنا أن نستوعب الآيات الدالة على ذلك، وما فيها من التصريح والإشارة إلى علو محله الرفيع ومرتبته، ووجوب المبالغة فى حفظ الأدب معه، وكذلك الآيات التى فيها ثناؤه تعالى عليه وإظهار عظيم شأنه لديه، وقسمه تعالى بحياته، ونداؤه ب «الرسول» وب «النبى» ولم يناده باسمه بخلاف غيره من الأنبياء، فناداهم بأسمائهم إلى غير ذلك مما يشير إلى أناقة قدره العلى عنده، وأنه لا مجد يساوى مجده. ومن تأمل القرآن العظيم وجده طافحا بتعظيم الله تعالى لنبيه- ﷺ. ويرحم الله ابن الخطيب الأندلسى حيث قال: مدحتك آيات الكتاب فما عسى ... يثنى على علياك نظم مديحى

ل القرآن العظيم وجده طافحا بتعظيم الله تعالى لنبيه- ﷺ. ويرحم الله ابن الخطيب الأندلسى حيث قال: مدحتك آيات الكتاب فما عسى ... يثنى على علياك نظم مديحى وإذا كتاب الله أثنى مفصحا ... كان القصور قصار كل فصيح وهذا المقصد- أكرمك الله- يشتمل على عشرة أنواع:

النوع الأول فى آيات تتضمن تعظيم قدره ورفعة ذكره وجليل رتبته وعلو درجته على الأنبياء وتشريف منزلته قال الله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ «١» . قال المفسرون: يعنى موسى- ﵇، كلمه بلا واسطة، وليس نصّا فى اختصاص موسى- ﵇ بالكلام، فقد ثبت أنه تعالى كلم نبينا- ﷺ أيضا كما مر. فإن قلت: إذا ثبت أنه- ﷺ كلمه ربه وقام به هذا الوصف، فلم لم يشتق له من الكلام اسم الكليم، كما اشتق لموسى؟ أجيب: بأن اعتبار المعنى قد يكون لتصحيح الاشتقاق كاسم الفاعل فيطرد، بمعنى أن كل من قام به ذلك الوصف يشتق له منه اسم وجوبا، وقد يكون للترجيح فقط، كالكليم والقارورة فلا يطرد، وحينئذ فلا يلزم فى كل من قام به ذلك الوصف أن يشتق له منه اسم، كما حققه القاضى عضد الدين، وهذا ملخصه وتحريره، كما قاله الموسى سعد الدين التفتازانى. انتهى. وقوله: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ «٢» يعنى محمدا- ﷺ رفعه الله تعالى من ثلاثة أوجه: بالذات فى المعراج. وبالسيادة على جميع البشر. وبالمعجزات لأنه- ﷺ أوتى من المعجزات ما لم يؤته نبى قبله. قال الزمخشرى: وفى هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذى لا يشتبه، والمتميز الذى لا

م يؤته نبى قبله. قال الزمخشرى: وفى هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذى لا يشتبه، والمتميز الذى لا

يلتبس، انتهى. وقد بينت هذه الآية وكذا قوله تعالى: وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ «١» . أن مراتب الرسل والأنبياء متفاوتة، خلافا للمعتزلة القائلين: بأنه لا فضل لبعضهم على بعض، وفى هاتين الآيتين رد عليهم. وقال قوم: آدم أفضل لحق الأبوة. وتوقف بعضهم فقال: السكوت أفضل. والمعتمد الذى عليه جماهير السلف والخلف: أن الرسل أفضل من الأنبياء، وكذلك الرسل بعضهم أفضل من بعض بشهادة هاتين الآيتين وغيرهما. قال بعض أهل العلم- فيما حكاه القاضى عياض-: والتفضيل المراد لهم هنا فى الدنيا، وذلك بثلاثة أحوال: أن تكون آياته ومعجزاته أظهر وأشهر، أو تكون أمته أزكى وأكثر، أو يكون فى ذاته أفضل وأظهر، وفضله فى ذاته راجع إلى ما خصه الله تعالى به من كرامته واختصاصه: من كلام أو خلة أو ما شاء الله من ألطافه وتحف ولايته واختصاصه، انتهى. فلا مرية أن آيات نبينا- ﷺ ومعجزاته أظهر وأبهر وأكثر وأبقى وأقوى، ومنصبه أعلى ودولته أعظم وأوفر وذاته أفضل وأظهر، وخصوصياته على جميع الأنبياء أشهر من أن تذكر، فدرجته أرفع من درجات جميع المرسلين، وذاته أزكى وأفضل من سائر المخلوقين. وتأمل حديث الشفاعة فى المحشر، وانتهائها إليه، وانفراده هناك بالسؤدد، كما قال- ﷺ: «أنا سيد ولد آدم، وأول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة» «٢» رواه ابن ماجه. وفى حديث أنس عند الترمذى: «أنا أكرم ولد آدم يومئذ على ربى ولا فخر» «٣» . لكن هذا لا يدل على كونه أفضل من آدم، بل من أولاده، فالاستدلال بذلك على مطلق أفضليته- ﷺ على الأنبياء كلهم ضعيف. واستدل الشيخ سعد

ى ربى ولا فخر» «٣» . لكن هذا لا يدل على كونه أفضل من آدم، بل من أولاده، فالاستدلال بذلك على مطلق أفضليته- ﷺ على الأنبياء كلهم ضعيف. واستدل الشيخ سعد

الدين التفتازانى لمطلق أفضليته- ﷺ بقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ «١» قال: لأنه لا شك أن خيرية الأمة بحسب كمالهم فى الدين، وذلك تابع لكمال نبيهم الذى يتبعونه. واستدل الفخر الرازى- فى المعالم- بأنه تعالى وصف الأنبياء بالأوصاف الحميدة، ثم قال لمحمد- ﷺ: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ «٢» ، فأمره أن يقتدى بأثرهم، فيكون إتيانه به واجبا، وإلا فيكون تاركا للأمر، وإذا أتى بجميع ما أتوا به من الخصال الحميدة فقد اجتمع فيه ما كان متفرقا فيهم، فيكون أفضل منهم، وبأن: دعوته- ﷺ فى التوحيد والعبادة وصلت إلى أكثر بلاد العالم بخلاف سائر الأنبياء، فظهر أن انتفاع أهل الدنيا بدعوته- ﷺ أكمل من انتفاع سائر الأمم بدعوة سائر الأنبياء فوجب أن يكون أفضل من سائر الأنبياء. انتهى. وقد روى الترمذى عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله- ﷺ: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدى لواء الحمد ولا فخر، وما من نبى آدم فمن سواه إلا تحت لوائى» «٣» . وفى حديث أبى هريرة مرفوعا- عند البخارى-: «أنا سيد الناس يوم القيامة» «٤» وهذا يدل على أنه أفضل من آدم- ﵇ ومن كل أولاده بل أفضل من الأنبياء، بل أفضل الخلق كلهم. وروى البيهقى فى فضائل الصحابة، أنه ظهر على بن أبى طالب من البعد، فقال- ﷺ: «هذا سيد العرب» فقالت عائشة: ألست بسيد العرب؟ فقال: «أنا سيد العالمين وهو سيد العرب» «٥» وهذا يدل على أنه أفضل

الأنبياء، بل أفضل خلق الله كلهم. وقد روى هذا الحديث- أيضا- الحاكم فى صحيحه عن ابن عباس، لكن بلفظ: «أنا سيد ولد آدم، وعلى سيد العرب» «١» . وقال: إنه صحيح ولم يخرجاه. وله شاهد من حديث عروة عن عائشة، وساقه من طريق أحمد بن عبيد عن ناصح قال: حدثنا الحسين عن علوان- وهما ضعيفان- عن هشام ابن عروة عن أبيه، عن عائشة بلفظ: «ادعوا لى سيد العرب» قالت: فقلت: يا رسول الله ألست سيد العرب؟ فقال: وذكره «٢» . وكذا أورده من حديث عمر بن موسى الوجيهى- وهو ضعيف أيضا- عن أبى الزبير عن جابر مرفوعا: «ادعوا لى سيد العرب» فقالت عائشة: ألست بسيد العرب وذكره. قال شيخنا: وكلها ضعيفة. بل جنح الذهبى إلى الحكم على ذلك بالوضع. انتهى. ولم يقل- ﷺ: أنا سيد الناس عجبا وافتخارا على من دونه، حاشاه الله من ذلك، وإنما قاله- ﷺ إظهارا لنعمة الله تعالى عليه، وإعلاما للأمة بقدر إمامهم ومتبوعهم عند الله تعالى، وعلو منزلته لديه، لتعرف نعمة الله عليه وعليهم. وكذا العبد إذ لاحظ ما هو فيه من فيض المدد، وشهده من عين المنة ومحض الجود، وشهد مع ذلك فقره إلى ربه فى كل لحظة، وعدم استغنائه عنه طرفة عين أنشأ له ذلك فى قلبه سحائب السرور، فإذا انبسطت هذه السحائب فى سماء قلبه وامتلأ أفقه بها أمطرت عليه وابل الطرب بما هو فيه من لذيذ السرور، فإن لم يصبه وابل فطل، وحينئذ يجرى على لسانه الافتخار من غير عجيب ولا فخر، بل فرح بفضل الله وبرحمته، كما قال تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا «٣» فالافتخار على ظاهره، والافتخار والانكسار فى باطنه، ولا ينافى أحدهما الآخر، وإلى هذا المعنى يشير قول العارف الربانى سيد على الوفائى فى قصيدته التى أولها:

فتخار على ظاهره، والافتخار والانكسار فى باطنه، ولا ينافى أحدهما الآخر، وإلى هذا المعنى يشير قول العارف الربانى سيد على الوفائى فى قصيدته التى أولها:

من أنت مولاه حاشا ... علاه أن يتلاشا والله يا روح قلبى ... لا مات من بك عاشا قوم لهم أنت ساق ... لا يرجعون عطاشا لا قص دهر جناحا ... له وفاؤك راشا بك النعيم مقيم ... لمن وهبت انتعاشا ومن بحولك يقوى ... لن يضعف الدهر جاشا عبد له بك عز ... فكيف لا يتحاشا حاشا وفاؤك يرمى ... من أنت مولاه حاشا فإن قلت: فما الجمع بين هاتين الآيتين، وبين قوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ «١» . والحديث الثابت فى الصحيحين، عن أبى هريرة قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال اليهودى فى قسمه: لا والذى اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده فلطم اليهودى وقال: أى خبيث، وعلى محمد؟ فجاء اليهودى إلى رسول الله- ﷺ واشتكى على المسلم فقال- ﷺ: «لا تفضلونى على الأنبياء» وفى رواية (لا تفضلوا بين الأنبياء) «٢» . وحديث أبى سعيد الخدرى عند البخارى ومسلم أنه- ﷺ قال: «لا تخيروا بين الأنبياء» «٣» . وحديث ابن عباس عند البخارى ومسلم مرفوعا (ما ينبغى

الأنبياء) «٢» . وحديث أبى سعيد الخدرى عند البخارى ومسلم أنه- ﷺ قال: «لا تخيروا بين الأنبياء» «٣» . وحديث ابن عباس عند البخارى ومسلم مرفوعا (ما ينبغى

لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى) «١» . وحديث أبى هريرة عند الشيخين، (من قال: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب) «٢» . أجاب العلماء: بأن قوله ﷿: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ «٣» يعنى: فى الإيمان بما أنزل إليهم والتصديق بهم، والإيمان بأنهم رسل الله وأنبياؤه، والتسوية بينهم فى هذا لا تمنع أن يكون بعضهم أفضل من بعض. وأجابوا عن الأحاديث بأجوبة: فقال بعضهم: أن نعتقد أن الله تعالى فضل بعضهم على بعض فى الجملة. ونكف عن الخوض فى تفصيل التفضيل بارائنا، قال ابن طغر بك: فإن أراد هذا القائل أن نكف عن الخوض فى تفصيل التفضيل بارائنا فصحيح، وإن أراد أنا لا نذكر فى ذلك ما فهمناه من كتاب الله وروى لنا من حديث رسول الله- ﷺ فسقيم. وقال آخر: تفضل من رفع درجته بخصائص الحظوة والزلفى، ولا نخوض فى تفضيل بعضهم على بعض فى سياسة المنذرين والصبر على الدين، والنهضة فى أداء الرسالة، والحرص على هدى الضلّال، فإن كلا منهم قد بذل فى ذلك وسعه الذى لا يكلفه الله تعالى أكثر منه. وقال آخر- مما حكاه القاضى عياض-: إن نهيه- ﷺ عن التفضيل كان قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، فنهى عن التفضيل إذ يحتاج إلى توقيف، وإن من فضل بلا علم فقد كذب. قال الحافظ عماد الدين بن كثير: وفى هذا نظر. انتهى. ولعل وجه النظر من جهة معرفة المتقدم تاريخا من ذلك. ثم رأيت فى تاريخ ابن كثير أن وجه النظر- من جهة- أن هذا من رواية أبى سعيد وأبى هريرة، وما هاجر أبو هريرة إلا عام خيبر متأخرا، فيبعد أنه لم

يعلمه بهذا إلا بعد هذا. وقال آخر: إنما قاله- ﷺ عن طريق التواضع ونفى التكبر والعجب. قال القاضى عياض: وهذا لا يسلم من الاعتراض. وقيل: لا يفضل بينهم تفضيلا يؤدى إلى تنقيص بعضهم أو الغض منه. وقيل: منع التفضيل فى حق النبوة والرسالة، فإن الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- فيها على حد واحد، لا يتفاضل. وإنما التفاضل فى زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والرتب، وأما النبوة فى نفسها فلا تتفاضل، وإنما التفاضل بأمور أخر زائدة عليها، ولذلك منهم رسل وأولو عزم، انتهى، وهذا قريب من القول الثانى. وقال ابن أبى جمرة فى حديث يونس: يريد بذلك نفى التكييف والتحديد على ما قاله ابن خطيب الرى، لأنه قد وجدت الفضيلة بينهما فى عالم الحس، لأن النبى- ﷺ أسرى به إلى فوق السبع الطباق، ويونس نزل به إلى قعر البحر، وقد قال- ﷺ: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة» وقال- ﷺ: «آدم ومن دونه تحت لوائى» وقد اختص- ﷺ بالشفاعة الكبرى التى لم تكن لغيره من الأنبياء- ﵈. فهذه الفضيلة وجدت بالضرورة، فلم يبق أن يكون قوله- ﷺ: «لا تفضلونى على يونس بن متى» إلا بالنسبة إلى القرب من الله ﷾ والبعد، فمحمد- صلوات الله وسلامه عليه- وإن أسرى به لفوق السبع الطباق واخترق الحجب، ويونس- ﵊ وإن نزل به لقعر البحر فهما بالنسبة إلى القرب والبعد من الله ﷾ على حد واحد. انتهى. وهو مروى عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس وعزى نحوه لإمام الحرمين. وقال ابن المنير: إن قلت إن لم يفضل على يونس باعتبار استواء الجهتين بالنسبة إلى وجود الحق تعالى، فقد فضله باعتبار تفاوت الجهتين فى تفضيل الحق فإنه تعالى فضل الملأ الأعلى على الحضيض الأدنى، فكيف لا يفضله- ﵊ على يونس، فإن لم يكن التفضيل بالمكان فهو بالمكانة بلا إشكال. ثم قال: قلت لم ينه عن مطلق التفضيل، وإنما نهى عن تفضيل

الحضيض الأدنى، فكيف لا يفضله- ﵊ على يونس، فإن لم يكن التفضيل بالمكان فهو بالمكانة بلا إشكال. ثم قال: قلت لم ينه عن مطلق التفضيل، وإنما نهى عن تفضيل

مقيد بالمكان يفهم منه القرب المكانى فعلى هذا يحمل جمعا بين القواعد، انتهى. واختلف هل البشر أفضل من الملائكة؟ فقال جمهور أهل السنة والجماعة: خواص بنى آدم، وهم الأنبياء، أفضل من خواص الملائكة وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وحملة العرش، والمقربون والكروبيون والروحانيون. وخواص الملائكة أفضل من عوام بنى آدم- قال التفتازانى: بالإجماع بل بالضرورة- وعوام بنى آدم أفضل من عوام الملائكة. فالمسجود له أفضل من الساجد، فإذا ثبت تفضيل الخواص على الخواص ثبت تفضيل العوام على العوام، فعوام الملائكة خدم عمال الخير، والمخدوم له فضل على الخادم، ولأن المؤمنين ركب فيهم الهوى والعقل، مع تسليط الشيطان عليهم بوسوسته، والملائكة ركب فيهم العقل دون الهوى لا سبيل للشيطان عليهم. فالإنسان- كما قاله فى شرح العقائد- يحصل الفضائل والكمالات العلمية والعملية مع وجود العوائق والموانع من الشهوة والغضب وسنوح الحاجات الضرورية الشاغلة عن اكتساب الكمالات، ولا شك أن العبادة والكمالات مع الشواغل والصوارف أشق وأدخل فى الإخلاص فتكون أفضل. والمراد بعوام بنى آدم- هنا- الصلحاء لا الفسقة، كما نبه عليه العلامة كمال الدين بن أبى شريف المقدسى، قال: ونص البيهقى عليه فى الشعب وعبارته: قد تكلم الناس قديما وحديثا فى الملائكة والبشر، فذهب ذاهبون إلى أن الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة، وأن الأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة. انتهى. وذهب المعتزلة والفلاسفة وبعض الأشاعرة إلى تفضيل الملائكة. وهو اختيار القاضى أبى بكر الباقلانى، وأبى عبد الله الحليمى، وتمسكوا بوجوه: الأول: أن الملائكة أرواح مجردة كاملة بالفعل مبرأة عن مبادئ الشرور والآفات كالشهوة والغضب، وعن ظلمات الهيولى والصورة، قوية على الأفعال العجيبة عالمة بالكوائن ماضيها وآتيها من غير غلط.

لة بالفعل مبرأة عن مبادئ الشرور والآفات كالشهوة والغضب، وعن ظلمات الهيولى والصورة، قوية على الأفعال العجيبة عالمة بالكوائن ماضيها وآتيها من غير غلط.

والجواب: أن مبنى ذلك على الأصول الفلسفية دون الأصول الإسلامية. الثانى: أن الأنبياء مع كونهم أفضل البشر يتعلمون ويستفيدون منهم بدليل قوله تعالى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى «١» وقوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ «٢» ولا شك أن المعلم أفضل من المتعلم. والجواب: أن التعليم من الله تعالى والملائكة إنما هم مبلغون. الثالث: أنه أطرد فى الكتاب والسنة تقديم ذكرهم على ذكر الأنبياء، وما ذلك إلا لتقدمهم فى الشرف والرتبة. والجواب: أن ذلك لتقدمهم فى الوجود، أو لأن وجودهم أخفى فالإيمان بهم أقوى وبالتقديم أولى. الرابع: قوله تعالى: نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ «٣» ، فإن أهل اللسان يفهمون من ذلك أفضلية الملائكة على عيسى، إذ القياس فى مثله الترقى من الأدنى إلى الأعلى، يقال: لا يستنكف من هذا الأمر الوزير ولا السلطان، ولا يقال: السلطان ولا الوزير. ثم لا قائل بالفصل بين عيسى- ﵇ وغيره من الأنبياء- ﵈. والجواب: أن النصارى استعظموا المسيح بحيث يترفع أن يكون عبدا من عباد الله، بل ينبغى أن يكون ابنا له، لأنه مجرد لا أب له، وكان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بخلاف سائر العباد من بنى آدم، فرد عليهم بأنه لا يستنكف من ذلك المسيح ولا من هو أعلى منه فى هذا المعنى وهم الملائكة الذين لا أب لهم ولا أم، ويقدرون بإذن الله على أفعال أقوى وأعجب من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله تعالى فالترقى

والعلو إنما هو فى أمر التجرد وإظهار الآثار القوية لا فى مطلق الشرف والكمال، فلا دلالة على أفضلية الملائكة، انتهى. ثم الملائكة بعضهم أفضل من بعض، وأفضلهم الروح الأمين جبريل، المزكى من رب العالمين، المقول فيه من ذى العزة إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ «١» فوصفه بسبع صفات، فهو أفضل الملائكة الثلاثة- الذين هم أفضل الملائكة على الإطلاق- وهم: ميكائيل وإسرافيل وعزرائيل. وكذلك الرسل أفضل من الأنبياء، وكذلك الرسل بعضهم أفضل من بعض، ومحمد- ﷺ أفضل الأنبياء والرسل، كما تقدم. وأول الأنبياء آدم وآخرهم نبينا محمد- ﷺ. فأما نبوة آدم فبالكتاب الدال على أنه قد أمر ونهى، مع القطع بأنه لم يكن فى زمنه نبى آخر، فهو بالوحى لا غير، وكذا السنة والإجماع، فإنكار نبوته على ما نقل عن البعض يكون كفرا. وقد اختلف فى عدد الأنبياء والمرسلين، والمشهور فى ذلك ما فى حديث أبى ذر عند ابن مردويه فى تفسيره، قال: قلت يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا» قلت: يا رسول الله، كم الرسل منهم؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير» ، قلت: يا رسول الله، من كان أولهم؟ قال: «آدم» ثم قال: «يا أبا ذر، أربعة سريانيون: آدم وشيت ونوح وخنوخ» - وهو إدريس وهو أول من خط بالقلم-، «وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر، وأول نبى من بنى إسرائيل موسى وآخرهم عيسى، وأول النبيين آدم وآخرهم نبيك» «٢» ، وقد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم بن حبان فى كتاب «الأنواع والتقاسيم» وقد وسمه بالصحيح. وخالفه ابن الجوزى فذكره فى الموضوعات واتهم به إبراهيم بن هشام. قال الحافظ ابن كثير: ولا شك أنه قد تكلم فيه غير واحد من أئمة الجرح

Bagian 27 dari 49