المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya القسطلاني (w. 923 H).

Bagian 26 dari 49 2019 halaman

— Bagian 26 · وفى حديث أم هانئ- عند الطبرانى- أنه بات فى بيتها… —

Bagian 26

وفى حديث أم هانئ- عند الطبرانى- أنه بات فى بيتها، قالت: ففقدته من الليل، فقال: «إن جبريل أتانى» «١» . والجمع بين هذه الأقوال- كما فى فتح البارى «٢» - أنه بات فى بيت أم هانئ، وبيتها عند شعب أبى طالب، ففرج سقف بيته، وأضاف البيت إليه لكونه كان يسكنه، فنزل منه الملك فأخرجه من البيت إلى المسجد، فكان به مضطجعا وبه أثر النعاس، ثم أخذه الملك فأخرجه من المسجد، فأركبه البراق. قال: وقد وقع فى مرسل الحسن عند ابن إسحاق أن جبريل أتاه فأخرجه إلى المسجد فأركبه البراق، وهو يؤيد هذا الجمع. فإن قيل: لم فرج سقف بيته- ﷺ ونزل منه الملك، ولم لم يدخل عليه من الباب، مع قوله تعالى: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها «٣» . أجيب: بأن الحكمة من ذلك أن الملك انصب من السماء انصبابة واحدة، ولم يعرج على شىء سواه، مبالغة فى المفاجأة، وتنبيها له على أن الطالب وقع على غير ميعاد، كرامة له- ﷺ. وهذا بخلاف موسى- ﵊، فكانت كرامته بالمناجاة عن ميعاد واستعداد بخلاف نبينا- ﷺ فإنه حمل عنه ألم الانتظار، كما حمل عنه ألم الاعتذار. ويؤخذ من هذا: أن مقام نبينا- ﷺ بالنسبة إلى مقام موسى- ﵇ مقام المراد بالنسبة إلى مقام المريد. ويحتمل أن يكون توطئة وتمهيدا لكونه فرج عن صدره، فأراه الملك بإفراجه عن السقف ثم التأم السقف على الفور كيفية ما يصنع به، وقرب له الأمر فى نفسه بالمثال المشاهد فى بيته، لطفا فى حقه- ﷺ وتثبيتا لصبره، والله أعلم.

  • وقوله: (مضطجعا) زاد فى بدء الخلق (بين النائم واليقظان) وهو

قرب له الأمر فى نفسه بالمثال المشاهد فى بيته، لطفا فى حقه- ﷺ وتثبيتا لصبره، والله أعلم.

  • وقوله: (مضطجعا) زاد فى بدء الخلق (بين النائم واليقظان) وهو

محمول على ابتداء الحال، ثم لما خرج به إلى باب المسجد فأركبه البراق، استمر فى يقظته.

  • وأما ما وقع فى رواية شريك عنده أيضا (فلما استيقظت) فإن قلنا بالتعدد فلا إشكال، وإلا حمل على أن المراد استيقظت: أفقت، يعنى أنه أفاق مما كان فيه من شغل البال بمشاهدة الملكوت ورجع إلى العالم الدنيوى، فالمراد: الإفاقة البشرية من الغمرة الملكية.
  • وقوله: (إذ أتانى آت) هو جبريل- ﵇، وفى رواية شريك (أنه جاءه ثلاثة نفر، قبل أن يوحى إليه، وهو نائم فى المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ قال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم وكانت تلك الليلة- أى كانت القصة الواقعة تلك الليلة ما ذكر هنا- فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم فلم يكلموه حتى احتملوه ... ) «١» . وقد أنكر الخطابى قوله: (قبل أن يوحى إليه) وكذا القاضى عياض والنووى، وعبارة النووى: وقع فى رواية شريك- يعنى هذه- أوهام أنكرها العلماء، أحدها قوله: (قبل أن يوحى إليه) وهو غلط فلم يوافق عليه. وأجمع العلماء على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون قبل الوحى. انتهى. فقد صرح هؤلاء بأن شريكا تفرد بذلك. لكن قال الحافظ ابن حجر: فى دعوى التفرد نظر، فقد وافقه كثير بن خنيس- بالمعجمة ونون مصغرا- عن أنس، كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموى فى كتاب المغازى له من طريقه. قال: ولم يقع التعيين بين المجيئين، فيحمل على أن المجىء الثانى كان بعد الوحى، وحينئذ وقع الإسراء والمعراج. وإذا كان بين المجيئين مدة فلا فرق بين أن تكون تلك المدة ليلة واحدة أو ليالى أو عدد سنين وبهذا يرتفع الإشكال من رواية شريك، ويحصل به الوفاق أن الإسراء كان فى اليقظة بعد البعثة وقبل الهجرة وسقط

ون تلك المدة ليلة واحدة أو ليالى أو عدد سنين وبهذا يرتفع الإشكال من رواية شريك، ويحصل به الوفاق أن الإسراء كان فى اليقظة بعد البعثة وقبل الهجرة وسقط

تشنيع الخطابى وغيره بأن شريكا خالف الإجماع فى دعواه أن المعراج كان قبل البعثة، وأقوى ما يستدل به على أن المعراج كان بعد البعثة، قوله فى هذا الحديث نفسه: أن جبريل قال لبواب السماء إذ قال له: أبعث؟ قال: نعم، فإنه ظاهر فى أن المعراج كان بعد البعثة.

  • ووقع فى رواية ميمون بن سياه- عند الطبرانى-: فأتاه جبريل وميكائيل، فقالا: أيهم؟ وكانت قريش تنام حول الكعبة، فقال: أمرنا بسيدهم، ثم ذهبا، ثم جاؤوه وهم ثلاثة. وفى رواية مسلم: سمعت قائلا يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين، فأتيت فانطلق بى. والمراد بالرجلين: حمزة وجعفر وكان النبى- ﷺ نائما بينهما.
  • وقوله: «فقد» بالقاف والدال المهملة الثقيلة. «من ثغره» بضم المثلاثة وسكون الغين المعجمة، وهو الموضع المنخفض الذى بين الترقوتين. «إلى شعرته» بكسر الشين المعجمة، أى شعر العانة الشريفة. وفى رواية مسلم: إلى أسفل بطنه. وفى رواية البخارى: إلى مراق البطن. وفى رواية شريك- عنده-: فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته- بفتح اللام وتشديد الموحدة- وهو موضع القلادة من الصدر. وقد أنكر القاضى عياض فى «الشفاء» وقوع شق صدره الشريف ليلة الإسراء، وقال: إنما كان وهو صبى قبل الوحى فى بنى سعد. ولا إنكار فى ذلك- كما قاله الحافظ أبو الفضل العسقلانى- ﵀ فقد تواترت الروايات به، وثبت شق الصدر أيضا عند البعثة، كما أخرجه أبو نعيم فى الدلائل، ولكل منها حكمة: فالأول: وقع فيه من الزيادة كما عند مسلم من حديث أنس: فأخرج علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك «١» . وكان هذا فى زمن الطفولية، فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان. ولعل هذا الشق كان سببا فى

إسلام قرينه المروى عند البزار من حديث ابن عباس «١» . ويحتمل أن يكون إشارة إلى حظ الشيطان المباين كالعفريت الذى أراد أن يقطع عليه صلاته وأمكنه الله منه. وأما شق الصدر عند المبعث، فلزيادة الكرامة، وليتلقى ما يوحى إليه بقلب قوى على أكمل الأحوال من التطهير. وأما شقه عند إرادة العروج إلى السماء، فللتهيؤ للترقى إلى الملأ الأعلى، والثبوت فى المقام الأسنى، والتقوى لاستجلاء الأسماء الحسنى، ولهذا لما لم يتفق لموسى- ﵊ مثل هذا التهيؤ لم تتفق له الرؤية، وكيف يثبت الرجل لما لا يثبت له الجبل؟! ويحتمل أن تكون الحكمة فى هذا الغسل، لتقع المبالغة فى الإسباغ بحصول المرة الثالثة، كما تقرر فى شرعه- ﷺ. ثم إن جميع ما ورد من شق الصدر، واستخراج القلب، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة، مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته، لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شىء من ذلك. قال العارف ابن أبى جمرة: فيه دليل على أن قدره الله ﷿ لا يعجزها ممكن، ولا تتوقف لعدم شىء ولا لوجوده، وليست مربوطة بالعادة إلا حيث شاءته القدرة، لأنه ما يعهد ويعرف أن البشر مهما شق بطنه كله وانجرح القلب مات ولم يعش، وهذا النبى- ﷺ قد شق بطنه المكرمة، حتى أخرج القلب فغسل، وقد شق بطنه كذلك أيضا وهو صغير وشق قلبه وأخرجت منه نزغة الشيطان. ومعلوم أن القلب هما وصل له الجرح مات صاحبه، وهذا النبى- ﷺ شق بطنه فى هاتين المرتين، ولم يتألم بذلك، ولم يمت لما أن أراد الله تعالى أن لا يؤثر ما أجرى به العادة، أن يؤثر موت صاحبها، فأبطل تلك العادة. وقد رمى إبراهيم- ﵊ فى النار فلم تحرقه، وكانت عليه بردا وسلاما. انتهى.

الله تعالى أن لا يؤثر ما أجرى به العادة، أن يؤثر موت صاحبها، فأبطل تلك العادة. وقد رمى إبراهيم- ﵊ فى النار فلم تحرقه، وكانت عليه بردا وسلاما. انتهى.

وقد حصل من شق صدره الكريم إكرامه- ﷺ بتحقيق ما أوتى من الصبر، فهو من جنس ما أكرم به إسماعيل الذبيح بتحقيق صبره على مقدمات الذبح شدّا وكتفا وتلّا للجبين، وإهواء بالمدية إلى المنحر فقال: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ «١» ، ووفى بما وعد الله، فأكرمه الله بالثناء على صبره إلى الأبد. ولا مرية أن الذى حصل من صبر نبينا- ﷺ على شق الصدر أشق وأجل، لأن تلك مقدمات وهذه نتيجة، وتلك معاريض وهذه حقيقة، والمنحر مقتل وما أصابه من إسماعيل إلا صورة القتل لا فعله، وشق صدر نبينا- ﷺ واستخراج قلبه ثم شقه ثم كذا ثم كذا مقاتل عديدة وقعت كلها، ولكن انخرقت العادة ببقاء الحياة، فهذا الابتلاء أعظم من ابتلاء الذبيح بما ذكر. فإن قلت: إنما يتحقق الصبر لو كان هناك مشقة، فلعل العادة لما انخرقت فى إبقاء الحياة انخرقت فى رفع المشاق وحمل الآلام. أجيب: بأنه ورد فى حديث شق صدره: فأقبل وهو منتقع اللون أو ممتقع اللون، بالميم بدل النون، وهو يدل على أن الصبر على مشقة المعاجلة المذكورة محقق. قال القاضى عياض: وأصل «انتقع» صار كلون النقع، والنقع الغبار، وهو شبيه بلون الأموات، وهذا يدل على غاية المشقة. وأما قول ابن الجوزى: فشقه وما شق عليه، فيحمل على أنه صبر صبر من لا يشق عليه. انتهى. وكذلك الابتلاء أيضا من حيث السن، فإن ذلك وقع لنبينا- ﷺ بعيد ما فطم، وأيضا: فإنه كان منفردا عن أمه ويتيما من أبيه، واختطف من بين الأطفال، وفعل به ما فعل من الأفعال تسهيلا لما يلقاه فى المال، وتعظيما لما يناله على الصبر من الثواب والثناء، ولهذا لما شج وجرح وكسرت رباعيته

من بين الأطفال، وفعل به ما فعل من الأفعال تسهيلا لما يلقاه فى المال، وتعظيما لما يناله على الصبر من الثواب والثناء، ولهذا لما شج وجرح وكسرت رباعيته

قال: «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» «١» ، زاده الله شرفا. وقوله: «ثم أتيت بطست من ذهب» إنما أتى بالطست لأنه أشهر آلات الغسل عرفا. فإن قلت: إن استعمال الذهب حرام فى شرعه- ﷺ فكيف استعمل الطست الذهب هنا؟ أجاب العارف ابن أبى جمرة: بأن تحريم الذهب إنما هو لأجل الاستمتاع به فى هذه الدار، وأما فى الآخرة فهو للمؤمنين خالصا، لقوله- ﷺ: «هو لهم فى الدنيا وهو لنا فى الآخرة» «٢» قال: ثم إن الاستمتاع بهذا الطست لم يحصل منه- ﷺ وإنما كان غيره هو السائق له والمتناول لما كان فيه حتى وضعه فى القلب المبارك. فسوقان الطست المبارك من هناك، وكونه كان من ذهب دال على ترفيع المقام فانتفى التعارض بدليل ما قررناه. انتهى. وتعقبه الحافظ ابن حجر: بأنه لا يكفى أن يقال: إن المستعمل له ممن لم يحرم عليه ذلك من الملائكة، لأنه لو كان قد حرم عليه استعماله لنزه أن يستعمله غيره فى أمر يتعلق ببدنه المكرم. ويمكن أن يقال: إن تحريم استعماله مخصوص بأحوال الدنيا، وما وقع فى تلك الليلة كان الغالب أنه من أحوال الغيب، فيلحق بأحوال الآخرة، أو لعل ذلك قبل أن يحرم استعمال الذهب فى هذه الشريعة. ويظهر هاهنا مناسبات: منها أنه من أوانى الجنة، ومنها أنه لا تأكله النار ولا التراب، وأنه لا يلحقه الصدأ، ومنها أنه أثقل الجواهر فناسب قلبه- ﷺ لأنه من أوانى أحوال الجنة، ولا تأكله النار ولا التراب، وإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، ولا يلحقه الصدأ، وأنه أثقل من كل قلب عدل به، وفيه مناسبة أخرى وهى ثقل الوحى فيه. انتهى.

قلت: قوله: «ولعل ذلك قبل أن يحرم استعمال الذهب فى هذه الشريعة» . قد جزم هو فى أول الصلاة من كتابه فتح البارى: بأن تحريم الذهب إنما وقع بالمدينة. وقال السهيلى وابن دحية: إن نظر إلى لفظ الذهب ناسب من جهة إذهاب الرجس عنه ولكونه عند الذهاب إلى ربه، وإن نظر إلى معناه، فلوضاءته ونقائه وصفائه. انتهى. والمراد بقوله: (ملئ حكمة وإيمانا) أن الطست جعل فيها شىء يحصل به كمال الإيمان والحكمة فسمى حكمة وإيمانا مجازا. ويحتمل أن يكون على حقيقته، وتجسد المعانى جائز، كما أن سورة البقرة تجىء يوم القيامة كأنها ظلة، والموت فى صورة كبش، وكذلك وزن الأعمال وغير ذلك. وقال البيضاوى: لعل ذلك من باب التمثيل، إذ تمثيل المعانى قد وقع كثيرا، كما مثلت له- ﷺ الجنة والنار فى عرض الحائط، وفائدته كشف المعنوى بالمحسوس. وقال العارف ابن أبى جمرة: فيه دليل على أن الإيمان والحكمة جواهر محسوسات لا معانى، لأنه- ﷺ قال عن الطست: إنه أتى به مملوآ إيمانا وحكمة، ولا يقع الخطاب إلا على ما يفهم ويعرف، والمعانى ليس لها أجسام حتى تملأ، وإنما يمتلئ الإناء بالأجسام والجواهر، وهذا نص من الشارع- ﷺ بضد ما ذهب إليه المتكلمون فى قولهم: إن الإيمان والحكمة أعراض. والجمع بين الحديث وما ذهبوا إليه، هو أن حقيقة أعيان المخلوقات التى ليس للحواس فيها إدراك، ولا من النبوة إخبار عن حقيقتها غير محققة، وإنما هى غلبة ظن، لأن للعقل- بالإجماع من أهل العقل المؤيدين بالتوفيق- حدّا يقف عنده، ولا يتسلط فيما عدا ذلك، ولا يقدر أن يصل إليه، فهذا وما أشبهه منها، لأنهم تكلموا على ما ظهر لهم من الأعراض الصادرة عن هذه الجواهر التى ذكرها الشارع- ﷺ فى الحديث، ولم يكن للعقل قدرة أن يصل إلى هذه الحقيقة التى أخبر بها- ﷺ. فيكون الجمع بينهما أن يقال: ما قاله المتكلمون حق لأنه الصادر عن الجواهر وهو الذى يدرك بالعقل. والحقيقة ما ذكره- ﷺ فى الحديث.

حقيقة التى أخبر بها- ﷺ. فيكون الجمع بينهما أن يقال: ما قاله المتكلمون حق لأنه الصادر عن الجواهر وهو الذى يدرك بالعقل. والحقيقة ما ذكره- ﷺ فى الحديث.

ولهذا نظائر كثيرة بين المتكلمين وآثار النبوة، ويقع الجمع بينهما على الأسلوب الذى قررناه وما أشبهه. ثم مثل بمجىء الموت فى هيئة كبش أملح، ثم بالأذكار والتلاوة، ثم قال: لأن ما ظهر منها هنا معان، وتوجد يوم القيامة جواهر محسوسات لأنها توزن، ولا يوزن فى الميزان إلا الجواهر. قال: وفى ذلك دليل لأهل الصوفية وأصحاب المعاملات والتحقيق القائلين بأنهم يرون قلوبهم وقلوب إخوانهم، وإيمانهم وإيمان إخوانهم بأعين بصائرهم جواهر محسوسات، فمنهم من يعاين إيمانه مثل المصباح، ومنهم من يعاينه مثل الشمعة، ومنهم من يعاينه مثل المشعل وهو أقواها. ويقولون: بأنه لا يكون المحقق محققا حتى يعاين قلبه بعين بصيرته، كما يعاين كفه بعين بصره فيعرف الزيادة فيه من النقصان «١» . فإن قيل: ما الحكمة فى شق صدره الشريف ثم ملئ إيمانا وحكمة، ولم لم يوجد الله تعالى ذلك فيه من غير أن يفعل فيه ما فعل؟ أجاب العارف ابن أبى جمرة: بأنه- ﷺ لما أعطى كثرة الإيمان والحكمة وقوى التصديق إذ ذاك، أعطى برؤية شق البطن والقلب عدم الخوف من جميع العادات الجارية بالهلاك، فحصلت له- ﷺ قوة الإيمان من ثلاثة أوجه: بقوة التصديق، والمشاهدة، وعدم الخوف من العادات المهلكات فكمل له- ﷺ بذلك ما أريد منه من قوة الإيمان بالله ﷿، وعدم الخوف مما سواه. ولأجل ما أعطيه مما أشرنا إليه كان- ﷺ فى العالمين أشجعهم وأثبتهم وأعلاهم حالا ومقالا. ففى العلوى: كان- كما أخبر- ﷺ أن جبريل لما وصل معه إلى مقامه قال: ها أنت وربك، وهذا مقامى لا أتعداه، فزج فيه- أى فى النور- زجة ولم يتوان ولم يتلفت، فكان هناك فى الحضرة كما أخبر عنه ربه ﷿ بقوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى «٢» . وأما حاله- ﷺ فى هذا

، فزج فيه- أى فى النور- زجة ولم يتوان ولم يتلفت، فكان هناك فى الحضرة كما أخبر عنه ربه ﷿ بقوله: ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى «٢» . وأما حاله- ﷺ فى هذا

العالم: فكان إذا حمى الوطيس فى الحرب ركض بغلته فى نحر العدو، وهم شاكون فى سلاحهم، ويقول: أنا ابن عبد المطلب، أنا النبى لا كذب «١» . ثم إن العناية بتطهير قلبه المقدس، وإفراغ الإيمان والحكمة، فيه إشارة إلى مذهب أهل السنة فى أن محل العقل ونحوه من أسباب الإدراكات كالنظر والفكر إنما هو القلب لا الدماغ، خلافا للمعتزلة والفلاسفة. وأما الحكمة فى غسل قلبه المقدس بماء زمزم، فقيل لأن ماء زمزم يقوى القلب ويسكن الروع. قال الحافظ الزين العراقى: ولذلك غسل به قلبه- ﷺ ليلة الإسراء ليقوى على رؤية الملكوت. واستدل شيخ الإسلام البلقينى، بغسل قلبه الشريف به على أنه أفضل من ماء الكوثر، قال: لأنه لم يكن يغسل قلبه المكرم إلا بأفضل المياه، وإليه يومئ قول العارف ابن أبى جمرة فى كتابه «بهجة النفوس» . وأما قوله- ﷺ: «فغسل صدرى» فالظاهر أن المراد به القلب، كما فى الرواية الآخرى، وقد يحتمل أن تحمل كل رواية على ظاهرها، ويقع الجمع بأن يقال: أخبر- ﷺ مرة بغسل صدره الشريف ولم يتعرض لذكر قلبه، وأخبر مرة بغسل قلبه ولم يتعرض لذكر صدره، فيكون الغسل قد حصل فيهما معا مبالغة فى تنظيف المحل المقدس. ولا شك أن المحل الشريف كان طاهرا مطهرا وقابلا لجميع ما يلقى إليه من الخير، وقد غسل أولا وهو- ﷺ طفل، وأخرجت من قلبه نزعة الشيطان، وإنما كان ذلك إعظاما وتأهبا لما يلقى هناك، وقد جرت الحكمة بذلك فى غير ما موضع مثل الوضوء للصلاة لمن كان متنظفا، لأن الوضوء فى حقه إنما هو إعظام وتأهب للوقوف بين يدى الله تعالى ومناجاته، فلذلك غسل جوفه الشريف هنا، وقد قال تعالى: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ «٢» فكان الغسل له

  • ﷺ من تعظيم شعائر الله، وإشارة لأمته بالفعل بتعظيم شعائر الله، كما نص لهم عليه بالقول. وأما قوله: «ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض، يضع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه فانطلق بى جبريل حتى أتى السماء الدنيا» وفى رواية عنده فى الصلاة «ثم أخذ بيدى فعرج بى إلى السماء» . فظاهره: أنه استمر على البراق حتى عرج إلى السماء. قال العارف ابن أبى جمرة: أفاد ذلك أنهم كانوا يمشون فى الهواء، وقد جرت العادة بأن البشر لا يمشى فى الهواء، سيما وقد كان راكبا على دابة من ذوات الأربع، لكن لما أن شاءت القدرة ذلك كان، فكما بسط الله تعالى لهم الأرض يمشون عليها، كذلك يمشون فى الهواء، كل ذلك بيد قدرته، لا ترتبط قدرته تعالى بعادة جارية. وقد سئل- ﷺ حين أخبر عن الأشقياء الذين يمشون على وجوههم يوم القيامة فقال- ﷺ: «الذى أمشاهم فى الدنيا على أقدامهم قادر أن يمشيهم يوم القيامة على وجوههم» «١» . انتهى. وقد استدل بعضهم بهذا الحديث على أن المعراج كان فى ليلة غير ليلة الإسراء إلى بيت المقدس، لكون الإسراء إليهم لم يذكر هنا. فأما المعراج ففى غير هذه الرواية من الأخبار أنه لم يكن على البراق، بل رقى فى المعراج وهو السلم، كما وقع التصريح به فى حديث عند ابن إسحاق والبيهقى فى الدلائل كما سيأتى- إن شاء الله تعالى-. ويمكن أن يقال: ما وقع هنا اختصار من الراوى، والإتيان ب «ثم» المقتضية للتراخى لا ينافى وقوع الإسراء بين الأمرين المذكورين، وهما: الانطلاق والعروج. وحاصله: أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكره الآخر، وثابت البنانى قد حفظ الحديث. ففى روايته عند مسلم: أنه أتى بيت المقدس فصلى فيه ثم عرج إلى السماء كما سيأتى- إن شاء الله تعالى-. وقد قيل: إن الحكمة فى الإسراء به راكبا، مع القدرة على طى الأرض له، إشارة إلى

تى بيت المقدس فصلى فيه ثم عرج إلى السماء كما سيأتى- إن شاء الله تعالى-. وقد قيل: إن الحكمة فى الإسراء به راكبا، مع القدرة على طى الأرض له، إشارة إلى

أن ذلك وقع تأنيسا له بالعادة، فى مقام خرق العادة، لأن العادة جرت أن الملك إذا استدعى من يختص به بعث إليه بمركوب سنى يحمله عليه فى وفادته إليه. وفى كلام بعض أهل الإشارات: لما كان- ﷺ ثمرة شجرة الكون ودرة صدفة الوجود، وسرّ معنى كلمة «كن» ولم يكن بد من عرض هذه الثمرة بين يدى مثمرها رفعها إلى حضرة قربه، والطواف بها على ندمان حضرته، أرسل إليه أعز خدام الملك عليه، فلما ورد عليه قادما، وافاه على فراشه نائما، فقال له قم يا نائم، فقد هيئت لك الغنائم. قال: يا جبريل إلى أين؟ قال: يا محمد ارفع «الأين» من البين، إنما أنا رسول القدم أرسلت إليك لأكون من جملة الخدم، يا محمد أنت مراد الإرادة، الكل مراد لأجلك، وأنت مراد لأجله، أنت صفوة كأس المحبة، أنت درة هذه الصدفة، أنت شمس المعارف، أنت بدر اللطائف، ما مهدت الدار إلا لأجلك، ما حمى ذلك الحمى إلا لوصلك، وما روّق كأس المحبة إلا لشربك. فقال- ﷺ: يا جبريل فالكريم يدعونى إليه، فما الذى يفعل بى؟ قال: ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: يا جبريل هذا لى، فما لعيالى وأطفالى؟ قال: ولسوف يعطيك ربك فترضى، قال: يا جبريل الآن طاب قلبى ها أنا ذاهب إلى ربى، ثم قال جبريل: يا محمد إنما جىء بى إليك الليلة لأكون خادم دولتك، وحاجب حاشيتك، وحامل غاشيتك، وجىء بالمركوب إليك لإظهار كرامتك، لأن من عادة الملوك إذا استزاروا حبيبا أو استودعوا قريبا وأرادوا ظهور إكرامه واحترامه أرسلوا أخص خدامهم وأعز نوابهم لنقل أقدامهم، فجئناك على رسم عادة الملوك وآداب السلوك، ومن اعتقد أنه وصل إليه بالخطا فقد وقع بالخطأ، ومن ظن أنه محجوب بالغطا فقد حرم العطا. انتهى «١» . والحكمة فى كون البراق دابة دون البغل وفوق الحمار أبيض، ولم يكن على شكل الفرس، إشارة إلى أن الركوب كان فى سلم وأمن لا فى حرب

د حرم العطا. انتهى «١» . والحكمة فى كون البراق دابة دون البغل وفوق الحمار أبيض، ولم يكن على شكل الفرس، إشارة إلى أن الركوب كان فى سلم وأمن لا فى حرب

وخوف، أو لإظهار المعجزة بوقوع الإسراع الشديد بدابة لا توصف بذلك فى العادة. وذكره بقوله: أبيض، باعتبار كونه مركوبا، أو عطفا على لفظ البراق. واختلف فى تسميته بذلك، فقيل: من البريق، وقال القاضى عياض: لكونه ذا لونين، يقال: شاة برقاء، إذا كان فى خلال صوفها الأبيض طاقات سود، وقيل: من البرق، لأنه وصف بسرعة السير، ويحتمل أن لا يكون مشتقا. ووصفه بأنه يضع خطوه عند أقصى طرفه- بسكون الراء وبالفاء- أى يضع رجله عند منتهى ما يرى بصره. وقال ابن المنير: يقطع ما انتهى إليه بصره فى خطوة واحدة، قال: فعلى هذا يكون قطع من الأرض إلى السماء فى خطوة واحدة، لأن بصر الذى فى الأرض يقع على السماء، فبلغ أعلى السماوات فى سبع خطوات. انتهى. وفى حديث ابن مسعود عند أبى يعلى والبزار- كما أفاده فى الفتح-: إذا أتى على جبل ارتفعت رجلاه وإذا هبط ارتفعت يداه. وفى رواية لابن سعد عن الواقدى بأسانيده: له جناحان. قال الحافظ ابن حجر: ولم أرها لغيره. وعند الثعلبى- بسند ضعيف- عن ابن عباس، فى صفة البراق: له خد كخد الإنسان وعرف كعرف الفرس، وقوائم كالإبل، وأظلاف وذنب كالبقر، وكان صدره ياقوتة حمراء. وفى رواية أبى سعد فى «شرف المصطفى» فكان الذى أمسك بركابه جبريل وبزمام البراق ميكائيل. وفى رواية معمر عن قتادة عن أنس: أن رسول الله- ﷺ أتى بالبراق ليلة أسرى به مسرجا ملجما، فاستصعب عليه، فقال له جبريل: ما حملك على هذا، ما ركبك خلق قط أكرم على الله منه، قال: فارفض عرقا «١» . أخرجه الترمذى وقال: حسن غريب وصححه ابن حبان.

وذكر ابن إسحاق عن قتادة: أنه لما شمس «١» وضع جبريل- ﵇ يده على معرفته وقال: أما تستحى وذكر نحوه، لكنه مرسل لأنه لم يذكر أنسا. وفى رواية وثيمة عند ابن إسحاق: نعست حتى لصقت بالأرض فاستويت عليها. وفى رواية للنسائى وابن مردويه من طريق يزيد بن أبى مالك عن أنس نحوه موصولا، وزاد: وكانت تسخر للأنبياء قبله، ونحوه من حديث أبى سعيد عند ابن إسحاق. وفيه دلالة على أن البراق كان معدّا لركوب الأنبياء، خلافا لمن نفى ذلك، كابن دحية، وأوّل قول جبريل: «فما ركبك أكرم على الله منه» أى: ما ركبك أحد قط، فكيف يركبك أكرم منه؟ فيكون مثل قول امرىء القيس: على لاحب لا يهتدى لمناره فيفهم أن له منارا لا يهتدى له، وليس المراد: إلا أنه لا منار له البتة فكيف يهتدى به، فتأمله: وقد جزم السهيلى بأن البراق إنما استصعب عليه لبعد عهد ركوب الأنبياء قبله. وقال النووى: قال صاحب مختصر العين، وتبعه صاحب التحرير: كان الأنبياء يركبون البراق. قال: وهذا يحتاج إلى نقل صحيح، انتهى وقد تقدم النقل بذلك. قال فى الفتح: ويؤيده ظاهر قوله: (فربطته بالحلقة التى كانت تربط بها الأنبياء) انتهى. فليتأمل فإنه ليس فيه فربطته بالحلقة التى كانت تربطه بها الأنبياء، وإنما قال: تربط بها الأنبياء وسكت عن ذكر المربوط ما هو؟ فيحتمل- كما قال ابن المنير- أن يكون غير البراق، ويحتمل أن يكون ارتباط الأنبياء أنفسهم بتلك الحلقة، أى تمسكهم بها، ويكون من جنس العروة الوثقى، انتهى. ولكن وقع التصريح بذلك فى حديث أبى سعيد عند البيهقى ولفظه: «فأوثقت دابتى بالحلقة التى كانت الأنبياء تربطها فيها» وقد وقع عند ابن إسحاق من رواية وثيمة فى ذكر الإسراء: فاستصعب البراق وكانت بعيدة العهد بركوبهم، لم تكن ركبت فى الفترة.

لتى كانت الأنبياء تربطها فيها» وقد وقع عند ابن إسحاق من رواية وثيمة فى ذكر الإسراء: فاستصعب البراق وكانت بعيدة العهد بركوبهم، لم تكن ركبت فى الفترة.

وفى مغازى ابن عائذ، من طريق الزهرى عن سعيد بن المسيب قال: البراق هى الدابة التى كان يزور إبراهيم عليها إسماعيل. وعلى هذا فلا يكون ركوب البراق من خصائصه- ﷺ. نعم قيل: ركوبه مسرجا ملجما لم يرد لغيره من الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام-. فإن قلت: ما وجه استصعاب البراق عليه؟ أجيب: بأنه تنبيه على أنه لم يذلل قبل ذلك، إن قلنا إنه لم يركبه أحد قبله، أو لبعد العهد بركوبه إن قلنا إنه ركب قبله. ويحتمل أن يكون استصعابه تيها وزهوا بركوبه- ﷺ، وأراد جبريل «أبمحمد تستصعب» استنطاقه بلسان الحال أنه لم يقصد الصعوبة وإنما تاه زهوا لمكان الرسول- ﷺ منه، ولهذا قال: فارفض عرقا، فكأنه أجاب بلسان الحال متبرئا من الاستصعاب، وعرق من خجل العتاب، ومثل هذا رجفة الجبل به حتى قال: «اثبت فإنما عليك نبى وصديق وشهيدان» «١» فإنها هزة الطرب لا هزة الغضب. وكذلك البراق لما قال له جبريل: اسكن فما ركبك أحد أكرم على الله منه استقر وخجل من ظاهر الاستصعاب وتوجه الخطاب فعرق حتى غرق. ووقع فى حديث حذيفة عند الإمام أحمد قال: أتى رسول الله- ﷺ بالبراق فلم يزل على ظهره هو وجبريل حتى انتهيا إلى بيت المقدس. وهذا لم يسنده حذيفة عن النبى- ﷺ، فيحتمل أنه قاله عن اجتهاد، ويحتمل أن يكون قوله: «هو وجبريل» متعلقا بمرافقته فى السير، لا فى الركوب. وقال ابن دحية معناه: وجبريل قائد أو سائق أو دليل، قال: وإنما جزمنا بذلك لأن قصة المعراج كانت كرامة للنبى- ﷺ، فلا مدخل لغيره فيها. وقد تعقب الحافظ ابن حجر التأويل المذكور: بأن فى صحيح ابن حبان من حديث ابن مسعود: أن جبريل حمله على البراق رديفا له، وفى رواية الحارث فى مسنده: أتى بالبراق فركبه خلف جبريل فسار بهما. فهذا صريح فى ركوبه معه، والله أعلم، انتهى.

عود: أن جبريل حمله على البراق رديفا له، وفى رواية الحارث فى مسنده: أتى بالبراق فركبه خلف جبريل فسار بهما. فهذا صريح فى ركوبه معه، والله أعلم، انتهى.

وقد وقع فى غير هذه الرواية بيان ما رآه فى ليلة الإسراء، فمن ذلك: ما وقع فى حديث شداد بن أوس- عند البزار والطبرانى، وصححه البيهقى فى الدلائل- أنه أول ما أسرى به مرّ بأرض ذات نخل، فقال له جبريل: انزل فصل، فصلى، فقال: صليت بيثرب، ثم مر بأرض بيضاء فقال: انزل فصل، فصلى، فقال: صليت بمدين، ثم مر ببيت لحم فقال: انزل فصل، فنزل فصلى، فقال صليت حيث ولد عيسى «١» . وفى حديث أنس عند البيهقى فى الدلائل «٢» : لما جاء جبريل بالبراق إليه- ﷺ فكأنها أصرت أذنيها، فقال لها جبريل: مه يا براق، فو الله ما ركبك مثله، فسار رسول الله- ﷺ فإذا هو بعجوز على جنب الطريق، فقال: «ما هذا يا جبريل؟» قال: سر يا محمد، فسار ما شاء الله أن يسير، فإذا هو بشيخ يدعوه متنحيا عن الطريق يقول: هلم يا محمد، فقال له جبريل: سر، وأنه مرّ بجماعة فسلموا عليه فقالوا: السلام عليك يا أول، السلام عليك يا آخر، السلام عليك يا حاشر، فقال له جبريل: اردد ﵈، فرد، الحديث. وفى آخره فقال له جبريل: أما العجوز التى رأيت على جانب الطريق فلم يبق من الدنيا إلا ما بقى من عمر تلك العجوز، والذى دعاك إبليس، والعجوز الدنيا، أما لو أجبتهما لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة، وأما الذين سلموا عليك فإبراهيم وموسى وعيسى- عليهم الصلاة والسلام-، قال الحافظ عماد الدين ابن كثير: فى ألفاظه نكارة وغرابة. وفى حديث: أنه مر بموسى- ﵇، وهو يصلى فى قبره «٣» . قال أنس: ذكر كلمة فقال: أشهد أنك رسول الله. ولا مانع أن الأنبياء- ﵈ يصلون فى قبورهم لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، فهم يتعبدون بما يجدون من دواعى أنفسهم، لا بما يلزمون به، كما يلهم أهل الجنة الذكر. وستأتى الإشارة إليه فى حجة الوداع- إن شاء الله تعالى-.

وفى حديث أبى هريرة عند الطبرانى والبزار: أنه- ﷺ مرّ على قوم يزرعون ويحصدون فى كل يوم، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال لجبريل- ﵇: ما هذا؟ فقال: هؤلاء المجاهدون فى سبيل الله تضاعف لهم الحسنة إلى سبعمائة ضعف، وما أنفقوا من شىء فهو يخلفه، وهو خير الرازقين، ثم مرّ على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت، ولا يفتر عنهم من ذلك شىء، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة، ثم أتى على قوم على أقبالهم رقاع، وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الأنعام، يأكلون الضريع والزقوم ورضف جهنم، فقال: ما هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدون زكاة أموالهم، وما ظلمهم الله وما ربك بظلام للعبيد. ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج فى قدر، ولحم آخر نىء فى قدر خبيث، فجعلوا يأكلون النىء الخبيث، ويدعون النضيج، فقال: ما هؤلاء يا جبريل؟ قال جبريل: هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيب، فيأتى امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالا طيبا فتأتى رجلا خبيثا فتبيت عنده حتى تصبح. ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها، وهو يزيد عليها، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل من أمتك تكون عليه أمانات الناس لا يقدر على أدائها، وهو يريد أن يحمل عليها. ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، كلما قرضت عادت كما كانت، لا يفتر عنهم من ذلك شىء، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء الفتنة، قال: ثم أتى على جحر صغير يخرج منه ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها، ثم أتى على واد فوجد فيه ريحا طيبة باردة، وريح مسك، وسمع صوتا، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا صوت الجنة، تقول: رب آتنى بما وعدتنى. فقد كثرت غرفى وإستبرقى وحريرى وسندسى وعبقريى ولؤلؤى ومرجانى وفضى وذهبى، وأكوابى وصحافى وأباريقى، ومراكبى، وعسلى ومائى ولبنى وخمرى، فائتنى بما وعدتنى، فقال: لك كل مسلم

برقى وحريرى وسندسى وعبقريى ولؤلؤى ومرجانى وفضى وذهبى، وأكوابى وصحافى وأباريقى، ومراكبى، وعسلى ومائى ولبنى وخمرى، فائتنى بما وعدتنى، فقال: لك كل مسلم

ومسلمة ومؤمن ومؤمنة، ومن آمن بى وبرسلى وعمل صالحا، ولم يشرك بى شيئا، ولم يتخذ من دونى أندادا، ومن خشينى فهو آمن، ومن سألنى أعطيته، ومن أقرضنى أجزيته، ومن توكل على كفيته، إننى أنا الله، لا إله إلا أنا، لا أخلف الميعاد، قد أفلح المؤمنون، وتبارك الله أحسن الخالقين، قالت: رضيت، ثم أتى على واد فسمع صوتا منكرا، ووجد ريحا منتنة فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا صوت جهنم، تقول: رب آتنى ما وعدتنى، فقد كثرت سلاسلى وأغلالى وسعيرى وحميمى وفساقى وعذابى، وقد بعد قعرى واشتد حرى، فائتنى بما وعدتنى، قال: لك كل مشرك ومشركة وكافر وكافرة، وكل جبار عنيد لا يؤمن بيوم الحساب، قالت: رضيت. قال: فسار حتى أتى بيت المقدس. وفى رواية أبى سعيد عند البيهقى: دعانى داع عن يمينى: انظرنى أسألك، فلم أجبه، ثم دعانى آخر عن يسارى كذلك فلم أجبه، وفيه: إذا امرأة حاسرة عن ذراعيها وعليها من كل زينة خلقها الله تعالى فقالت: يا محمد انظرنى أسألك، فلم ألتفت إليها، وفيه أن جبريل قال له: أما الداعى الأول فهو داعى اليهود، ولو أجبته لتهودت أمتك. وأما الثانى فداعى النصارى، ولو أجبته لتنصرت أمتك، وأما المرأة فالدنيا. وفيه: أنه صعد إلى السماء الدنيا ورأى فيها آدم، وأنه رأى أخونه عليها لحم طيب ليس عليها أحد. وأخرى عليها لحم منتن عليها ناس يأكلون، قال جبريل: هؤلاء الذين يتركون الحلال ويأكلون الحرام، وفيه: أنه مرّ بقوم بطونهم أمثال البيوت كلما نهض أحدهم خرّ، وأن جبريل قال له: هم أكلة الربا، وأنه مرّ بقوم مشافرهم كالإبل، يلتقمون حجرا، فيخرج من أسافلهم، وأن جبريل قال: إن هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما، وأنه مرّ بنساء تعلقن بثديهن وأنهن الزوانى، وأنه مرّ بقوم يقطع من جنوبهم اللحم فيطعمون وأنهم الغمازون «١» اللمازون «٢» .

ن يأكلون أموال اليتامى ظلما، وأنه مرّ بنساء تعلقن بثديهن وأنهن الزوانى، وأنه مرّ بقوم يقطع من جنوبهم اللحم فيطعمون وأنهم الغمازون «١» اللمازون «٢» .

وفى حديث أبى هريرة- عند البزار والحاكم- أنه- ﷺ صلى ببيت المقدس مع الملائكة، وأنه أتى هناك بأرواح الأنبياء فأثنوا على الله. وفيه قول إبراهيم: لقد فضلكم محمد. وفى رواية عبد الرحمن بن هشام عن أنس: ثم بعث له آدم فمن دونه فأمهم تلك الليلة. وفى حديث أم هانئ عند أبى يعلى: ونشر لى رهط من الأنبياء، منهم إبراهيم وموسى وعيسى. وفى رواية أبى سلمة ثم حانت الصلاة فأممتهم «١» . أخرجه مسلم. وفى حديث أبى أمامة عند الطبرانى فى الأوسط: ثم أقيمت الصلاة فتدافعوا حتى قدموا محمدا- ﷺ.

  • وفى رواية ثابت البنانى عن أنس عند مسلم قال: فربطته، يعنى البراق، بالحلقة- وهى بإسكان اللام على الأشهر- التى تربط به الأنبياء- بضمير المذكر، إعادة على معنى الحلقة وهو الشىء، والمراد حلقة باب مسجد بيت المقدس، قاله صاحب التحرير- قال- ﷺ: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت، فجاءنى جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة «٢» . أى اخترت اللبن الذى عليه بنيت الخلقة، وبه نبت اللحم ونشز العظم، أو اخترته لأنه الحلال الدائم فى دين الإسلام بخلاف الخمر فحرام فيما يستقر عليه الأمر. وقال النووى: المراد بالفطرة هنا، الإسلام والاستقامة، قال: ومعناه- والله أعلم-: اخترت علامة الإسلام والاستقامة، قال: وجعل اللبن علامة لكونه سهلا طيبا طاهرا سائغا للشاربين، سليم العاقبة، أما الخمر فإنها أم الخبائث، وجالبة لأنواع الشر فى الحال والمال، انتهى. وقال القرطبى: يحتمل أن يكون سبب تسمية اللبن فطرة لكونه أول شىء يدخل جوف المولود، ويشق أمعاءه، والسر فى ميل النبى- ﷺ إليه دون غيره لكونه مألوفا له أولا،

انتهى. وإذا كانت الخمر مباحة- لأنها إنما حرمت بالمدينة والإسراء كان بمكة- فما وجه تعيينه- ﷺ لأحد المباحين، وما وجه عد ذلك صوابا، وعد الآخر خطأ، وهما سواء فى الإباحة؟ فيحتمل أن يكون توقاها تورعا وتعريضا بأنها ستحرم، وأنه لما وافق الصواب فى علم الله تعالى قال له جبريل، أصبت الفطرة، أو أصبت أصاب الله بك، كما روى. وإذا قلنا: بأنها كانت من خمر الجنة فيكون سبب تجنبها صورتها ومضاهاة الخمر المحرمة، أى فى علم الله تعالى، وذلك أبلغ فى الورع. ويستفاد منه: أن من اتخذ من ماء الرمان أو غيره، ولو ماء قراحا، وضاهى به الخمر فى الصورة وهيأه بالهيئة التى يتعاطاها أهل الشهوات من الاجتماعات والآلات فقد أتى منكرا، وإن كان لا يحد عليها. قاله ابن المنير. وينظر فيما يعمله كثير من فقراء اليمن وغيرهم بمكة المشرفة وجدة وغيرهما من ماء قشر البن ويسمونه بالقهوة، وهى اسم من أسماء الخمر. وفى حديث ابن عباس- عند أحمد-: فلما أتى المسجد الأقصى قام يصلى، فلما انصرف جىء بقدحين فى أحدهما لبن، وفى الآخر عسل، فأخذ اللبن. وفى رواية البزار: بثلاثة أوانى، وأن الثالث كان خمرا، وأن ذلك وقع ببيت المقدس، وأن الأول كان ماء، ولم يذكر العسل. وفى حديث شداد بن أوس: فصليت من المسجد حيث شاء الله، وأخذنى من العطش أشد ما أخذنى، فأتيت بإناءين أحدهما لبن والآخر عسل، ثم هدانى الله تعالى فأخذت اللبن. فقال شيخ بين يدى- يعنى لجبريل-: أخذ صاحبك الفطرة. وقد كان إتيانه بالأوانى مرتين، مرة عند فراغه من الصلاة، ومرة عند وصوله إلى سدرة المنتهى ورؤية الأنهار الأربعة. وممن صرح بأنه كان مرتين الحافظ عماد الدين بن كثير، وعلى هذا فيكون تكرار جبريل- ﵇ للتصويب حيث اختار اللبن تأكيدا للتحذير مما سواه. وقد أنكر حذيفة ربط البراق بالحلقة، فروى أحمد والترمذى من حديث

ن كثير، وعلى هذا فيكون تكرار جبريل- ﵇ للتصويب حيث اختار اللبن تأكيدا للتحذير مما سواه. وقد أنكر حذيفة ربط البراق بالحلقة، فروى أحمد والترمذى من حديث

حذيفة قال: يحدثون أنه ربطه، أخاف أن يفر منه، وقد سخره له عالم الغيب والشهادة؟ وكذا أنكر حذيفة أيضا صلاته- ﷺ ببيت المقدس «١» . وتعقبه البيهقى وابن كثير: بأن المثبت مقدم على النافى، يعنى من أثبت ربط البراق والصلاة فى بيت المقدس معه زيادة علم على من نفى، فهو أولى بالقبول. ووقع ذلك فى رواية بريدة عند البزار: لما كان ليلة أسرى به، فأتى جبريل الصخرة التى ببيت المقدس فوضع أصبعه فيها فخرقها، فشد بها البراق، ونحوه للترمذى. وفى حديث أبى سعيد عند البيهقى: حتى أتيت بيت المقدس، فأوثقت دابتى بالحلقة التى كانت الأنبياء تربطها فيه، فدخلت أنا وجبريل بيت المقدس، فصلى كل واحد منا ركعتين. وفى رواية ابن مسعود نحوه، وزاد: ثم دخلت المسجد فعرفت النبيين ما بين قائم وراكع وساجد، ثم أذن فأقيمت الصلاة فقمنا صفوفا ننتظر من يؤمنا، فأخذ بيدى جبريل فقدمنى فصليت بهم. وفى حديث ابن مسعود أيضا- عند مسلم-: وحانت الصلاة فأممتهم «٢» . وفى حديث ابن عباس، عند أحمد: فلما أتى- ﷺ الأقصى قام يصلى، فإذا النبيون أجمعون يصلون معه «٣» . وفى حديث أبى سعيد: ثم سار حتى أتى بيت المقدس فنزل، فربط فرسه إلى صخرة، ثم دخل فصلى مع الملائكة، فلما قضيت الصلاة قالوا: يا جبريل من هذا معك؟ قال: هذا محمد رسول الله خاتم النبيين، قالوا: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ وخليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة. ثم لقوا أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم. فقال إبراهيم- ﵊: الحمد لله الذى اتخذنى خليلا، وأعطانى ملكا عظيما، وجعلنى أمة قانتا يؤتم بى، وأنقذنى من النار، وجعلها على بردا وسلاما.

ثنوا على ربهم. فقال إبراهيم- ﵊: الحمد لله الذى اتخذنى خليلا، وأعطانى ملكا عظيما، وجعلنى أمة قانتا يؤتم بى، وأنقذنى من النار، وجعلها على بردا وسلاما.

ثم إن موسى- ﵊ أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذى كلمنى تكليما، واصطفانى، وأنزل على التوراة، وجعل هلاك فرعون ونجاة بنى إسرائيل على يدى، وجعل من أمتى قوما يهدون بالحق وبه يعدلون. ثم إن داود- ﵊ أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذى جعل لى ملكا عظيما، وعلمنى الزبور، وألان لى الحديد، وسخر لى الجبار يسبحان معى والطير وآتانى الحكمة وفصل الخطاب. ثم إن سليمان- ﵇ أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذى سخر لى الرياح، وسخر لى الشياطين، يعملون ما شئت من محاريب وتماثيل، وعلمنى منطق الطير وآتانى من كل شىء فضلا، وسخر لى جنود الشياطين والإنس والجن والطير، وآتانى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى، وجعل لى ملكا طيبا ليس على فيه حساب. ثم إن عيسى- ﵇ أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذى جعلنى كلمته، وجعلنى بمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، وعلمنى الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وجعلنى أخلق أى أسوى من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وجعلنى أبرئ الأكمه والأبرص، وأحيى الموتى بإذن الله، ورفعنى وطهرنى وأعاذنى وأمى من الشيطان الرجيم. فلم يكن للشيطان علينا سبيل. قال: وإن محمدا- ﷺ أثنى على ربه فقال: كلكم أثنى على ربه وأنا أثنى على ربى: الحمد لله الذى أرسلنى رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيرا ونذيرا، وأنزل علىّ الفرقان، فيه تبيان كل شىء، وجعل أمتى خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتى أمة وسطا، وجعل أمتى هم الأولون وهم الآخرون، وشرح لى صدرى، ووضع عنى وزرى، ورفع لى ذكرى، وجعلنى قائما وخاتما.

فقال إبراهيم: بهذا فضلكم محمد. ثم ذكر أنه عرج به إلى السماء الدنيا، ومن سماء إلى سماء. ذكره القاضى عياض فى «الشفاء» «١» مختصرا من حديث أبى هريرة من غير عزو. ورواه البيهقى من حديث أبى سعيد الخدرى، وهذا لفظه. وفى رواية ابن أبى حاتم فى تفسيره، عن أنس: فلما بلغ بيت المقدس، فبلغ المكان الذى يقال له: باب محمد، أتى إلى الحجر الذى به، فغمز جبريل بأصبعه فنقبه، ثم ربطها، ثم صعدا، فلما استويا فى سرحة المسجد قال جبريل: يا محمد، هل سألت ربك أن يريك الحور العين؟ قال: نعم، قال: فانطلق إلى أولئك النسوة فسلم عليهن، قال: فسلمت عليهن فرددن على السلام، فقلت لمن أنتن؟ فقلن: خيرات حسان، نساء قوم أبرار، نقوا فلم يدرنوا، وأقاموا فلم يظعنوا، وخلدوا فلم يموتوا، قال: ثم انصرفت فلم ألبث إلا يسيرا، حتى اجتمع ناس كثير، ثم أذن مؤذن وأقيمت الصلاة، قال فقمنا صفوفا ننتظر من يؤمنا، فأخذ بيدى جبريل- ﵇ فقدمنى فصليت بهم، فلما انصرفت قال لى جبريل: أتدرى من صلى خلفك؟ قلت: لا، قال: صلى خلفك كل نبى بعثه الله. قال القاضى عياض: يحتمل أن يكون- ﷺ صلى بالأنبياء جميعا فى بيت المقدس، ثم صعد منهم من ذكر أنه- ﷺ رآهم فى السماوات، ويحتمل أن يكون صلى بهم بعد أن هبط من السماء، فهبطوا أيضا، والأظهر أن صلاته بهم فى بيت المقدس كان قبل العروج. انتهى. وقال ابن كثير: صلى بهم ببيت المقدس قبل العروج وبعده، فإن فى الحديث ما يدل على ذلك، ولا مانع منه، انتهى. وقد اختلف فى هذه الصلاة، هل هى فرض أو نفل؟ وإذا قلنا إنها فرض، فأى صلاة هى؟ قال بعضهم: الأقرب أنها الصبح، ويحتمل أن تكون

ى ذلك، ولا مانع منه، انتهى. وقد اختلف فى هذه الصلاة، هل هى فرض أو نفل؟ وإذا قلنا إنها فرض، فأى صلاة هى؟ قال بعضهم: الأقرب أنها الصبح، ويحتمل أن تكون

العشاء، وإنما يتأتى على قول من قال: إنه صلى بهم قبل عروجه إلى السماء، وأما على قول من قال: إنه صلى بهم بعد العروج فتكون الصبح. قال ابن كثير: ومن الناس من يزعم أنه أمهم فى السماء، والذى تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس، والظاهر أنه بعد رجوعه إليه، لأنه لما مرّ بهم فى منازلهم جعل يسأل جبريل عنهم واحدا واحدا، وهو يخبره بهم، ثم قال: وهذا هو اللائق، لأنه أولا كان مطلوبا إلى الجناب العلوى، ليفرض الله عليه وعلى أمته ما يشاء، ثم لما فرغ مما أريد به اجتمع هو وإخوانه من النبيين، ثم أظهر شرفه عليهم بتقديمه فى الإمامة. وفى رواية ابن إسحاق: أنه- ﷺ قال: لما فرغت مما كان فى بيت المقدس، أتى بالمعراج ولم أر قط شيئا أحسن منه، وهو الذى يمد إليه الميت عينيه إذا احتضر، فأصعدنى صاحبى فيه حتى انتهى إلى باب من أبواب السماء. وفى رواية كعب: فوضعت له مرقاة من فضة ومرقاة من ذهب حتى عرج هو وجبريل. وفى «شرف المصطفى» أنه أتى بالمعراج من جنة الفردوس، وأنه منضد عن يمينه ملائكة، وعن يساره ملائكة. وفى رواية أبى سعيد- عند البيهقى- ثم أتيت بالمعراج الذى تعرج عليه أرواح بنى آدم، فلم ير الخلائق أحسن من المعراج، أما رأيت الميت حين يشق بصره طامحا إلى السماء، فإن ذلك عجبه بالمعراج. وقد تقدم فى حديث البخارى بالسابق، فانطلق بى جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح، قيل من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه قال: نعم. ولم يقل جبريل- ﵇: أنا، حيث قيل له: من هذا؟ إنما سمى نفسه فقال: جبريل، لأن لفظ «أنا» فيه إشعار بالعظمة. وفى الكلام السائر: أول من قال «أنا» إبليس، فشقى، وأيضا فقوله «أنا» مبهمة لافتقار الضمير إلى العود، فهى غير كافية فى البيان. وعلى هذا فينبغى للمستأذن إذا قيل له من أنت؟ أن لا يقول: «أنا» ، بل يقول: فلان.

فقوله «أنا» مبهمة لافتقار الضمير إلى العود، فهى غير كافية فى البيان. وعلى هذا فينبغى للمستأذن إذا قيل له من أنت؟ أن لا يقول: «أنا» ، بل يقول: فلان.

وفى رواية للبخارى ومسلم: فعرج، وهو بفتح العين بمعنى صعد. وفى حديث أبى سعيد عند البيهقى: حتى انتهى إلى باب من أبواب السماء يقال له: باب الحفظة، وعليه ملك يقال له إسماعيل تحت يده اثنا عشر ألف ملك. وفى رواية شريك- عند البخارى أيضا- ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابا من أبوابها، فناداه أهل السماء الدنيا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبا وأهلا، فيستبشر به أهل السماء «١» ، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به فى الأرض حتى يعلمهم، أى على لسان من شاء كجبريل. ووقع فى هذه الرواية أنه رأى فى سماء الدنيا النيل والفرات عنصرهما. وظاهره يخالف حديث مالك بن صعصعة فإن فيه بعد ذكر سدرة المنتهى: فإذا فى أصلها أربعة أنهار. ويجمع بينهما: بأن أصل نبعهما من تحت سدرة المنتهى ومقرهما فى السماء الدنيا، ومنها ينزلان إلى الأرض. ووقع فى هذه الرواية أيضا: ثم مضى به فى سماء الدنيا فإذا هو بنهر آخر، عليه قصور من لؤلؤ وزبرجد، وأنه الكوثر. وهو مما استشكل من رواية شريك، فإن الكوثر من الجنة، والجنة فوق السماء بالسابعة. ويحتمل أن يكون تقديره: ثم مضى فى السماء الدنيا إلى السابعة فإذا هو بنهر. ثم إن فى قوله فى الحديث «افتح» دلالة على أنه صادف أبواب السماء مغلقة، والحكمة فى ذلك- والله أعلم- التنويه بقدره- ﷺ، وتحقيق أن السماوات لم تفتح أبوابها إلا من أجله، ولو وجدها مفتوحة لم يتحرر أنها فتحت لأجله، فلما فتحت له تحقق- ﷺ أن المحل مصون، وأن فتحه له كرامة وتبجيل. وأما قوله فى الحديث: «أرسل إليه؟» وفى رواية «بعث إليه؟» فيحتمل أن يكون استفهم عن الإرسال إليه للعروج إلى السماء، وهو الأظهر لقوله: «إليه» لأن أصل بعثته قد اشتهر فى الملكوت الأعلى.

وقيل: سألوه تعجبا من نعمة الله عليه بذلك، واستبشارا به، وقد علموا أن بشرا لا يترقى هذا الترقى إلا بإذن من الله تعالى، وأن جبريل لا يصعد إلا بمن أرسل إليه. وقد قيل: إن الله تعالى أراد إطلاع نبيه على أنه معروف عند الملأ الأعلى، لأنهم قالوا: أبعث إليه؟ أو: أرسل إليه؟ فدل على أنهم كانوا يعرفون أن ذلك سيقع له، وإلا لكانوا يقولون: ومن محمد مثلا؟ ولذلك أجابوا بقولهم: مرحبا به ولنعم المجىء جاء، وكلامهم بهذه الصيغة أول دليل على ما ذكرناه من معرفتهم بجلالته وتحقيق رسالته، ولأن هذا أجل ما يكون من حسن الخطاب والترفيع، على المعروف من عادة العرب. وأما قوله: «من معك؟» فيشعر بأنهم أحسوا به- ﷺ، وإلا لكان السؤال بلفظ: أمعك أحد؟ وهذا الإحساس إما بمشاهدة لكون السماء شفافة، وإما بأمر معنوى كزيادة أنوار ونحوها. قاله الحافظ ابن حجر. ولعله أخذه من كلام العارف ابن أبى جمرة، حيث قال فى «بهجته» : الثانى أن يكون سؤالهم له لما رأوا حين رأوا إقباله عليهم من زيادة الأنوار وغيرها من الماثر الحسان زيادة على ما يعهدونه منه. قال: وهذا هو الأظهر، كأنهم قالوا: من الشخص الذى من أجله هذه الزيادة معك؟ فأخبرهم بما أرادوا وهو تعيين الشخص باسمه حتى عرفوه، انتهى. وقد قال بعض العلماء: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى «١» أنه رأى صورة ذاته المباركة فى الملكوت فإذا هو عروس المملكة. وأما قولهم له: «مرحبا به ولنعم المجىء جاء» فيحتمل أن يكونوا قالوه لما عاينوه من بركاته- ﷺ التى سبقته للسماء مبشرة بقدومه. وفيه تقديم وتأخير، والتقدير: جاء فنعم المجىء مجيئه، وإنما لم يقل الخازن: مرحبا بك، بصيغة الخطاب، بل قال بصيغة الغيبة لأنه حياه قبل أن يفتح الباب، وقبل أن يصدر من النبى- ﷺ خطاب، ويحتمل أن يكون حياه بصيغة الغيبة تعظيما له، لأن «هاء» الغيبة ربما كانت أفخم من كاف الخطاب. وأما قوله فى الحديث: (فإذا رجل قاعد عن يمينه أسودة وعن يساره

تمل أن يكون حياه بصيغة الغيبة تعظيما له، لأن «هاء» الغيبة ربما كانت أفخم من كاف الخطاب. وأما قوله فى الحديث: (فإذا رجل قاعد عن يمينه أسودة وعن يساره

أسودة، إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحبا بالنبى الصالح والابن الصالح، قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه. فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التى عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى) «١» . فالأسودة: بوزن أزمنة، هى الأشخاص. والنسم: - بالنون والسين المهملة المفتوحتين- جمع نسمة، وهى الروح. وقد قال القاضى عياض: جاء أن أرواح الكفار فى سجين، وأن أرواح المؤمنين منعمة فى الجنة، يعنى: فكيف تكون مجتمعة فى سماء الدنيا؟ وأجاب: بأنه يحتمل أنها تعرض على آدم أوقاتا، فوافق عرضها مرور النبى- ﷺ، ويدل على كونهم فى النار إنما هو فى أوقات دون أوقات، قوله تعالى: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا «٢» . واعترض: بأن أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء، كما هو نص القرآن «٣» . والجواب: ما أبداه هو احتمال أن الجنة كانت فى جهة يمين آدم، والنار فى جهة شماله: وكان يكشف له عنهما، ولا يلزم من رؤية آدم لها- وهو فى السماء- أن تفتح لهم أبواب السماء ولا تلجها. وفى حديث أبى هريرة عند البزار: فإذا عن يمينه باب تخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب تخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر عن يمينه استبشر، وإذا نظر عن شماله حزن. وهذا- لو صح- لكان المصير إليه أولى من جميع ما تقدم «٤» ، ولكن سنده ضعيف. قاله الحافظ ابن حجر.

خبيثة، إذا نظر عن يمينه استبشر، وإذا نظر عن شماله حزن. وهذا- لو صح- لكان المصير إليه أولى من جميع ما تقدم «٤» ، ولكن سنده ضعيف. قاله الحافظ ابن حجر.

وأما قوله فى الحديث: (ثم صعد بى، حتى أتى السماء الثانية، فقيل من هذا؟ قال: جبريل، ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم فقيل: مرحبا به، فنعم المجىء جاء، ففتح فلما خلصنا إذا يحيى وعيسى، وهما ابنا الخالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت عليهما فردا، ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبى الصالح. إلى قوله: ثم صعد بى إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبا به، فنعم المجىء جاء، فلما خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه، قال: فسلمت عليه فرد السلام وقال مرحبا بالابن الصالح) «١» . فهذه الرواية موافقة لرواية ثابت عن أنس عند مسلم: أن فى السماء الأولى؛ آدم، وفى الثانية يحيى وعيسى، وفى الثالثة يوسف، وفى الرابعة إدريس، وفى الخامسة هارون وفى السادسة موسى وفى السابعة إبراهيم «٢» . وخالف فى ذلك ابن شهاب الزهرى فى روايته عن أنس عن أبى ذر- كما فى أول الصلاة من البخارى أيضا- أنه لم يثبت كيف منازلهم. وقال فيه: وإبراهيم فى السماء السادسة. وفى رواية شريك عن أنس أن إدريس فى الثانية وهارون فى الرابعة، وآخر فى الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم فى السادسة وموسى فى السابعة، بتفضيل كلام الله «٣» . وسياقه يدل على أنه لم يضبط منازلهم كما صرح به الزهرى. ورواية من ضبط أولى، ولا سيما فى اتفاق قتادة وثابت، وقد وافقهما يزيد بن أبى مالك عن أنس، إلا أنه خالف فى إدريس وهارون، فقال: هارون فى الرابعة، وإدريس فى الخامسة «٤» . ووافقهم أبو سعيد إلا أن فى

روايته: يوسف فى الثانية، وعيسى ويحيى فى الثالثة. والمشهور فى الروايات: أن الذى فى السابعة هو إبراهيم، وأكد ذلك فى حديث مالك بن صعصعة «١» : بأنه كان مسندا ظهره إلى البيت المعمور. فمع التعدد: لا إشكال. ومع الاتحاد فقد جمع: بأن موسى كان حالة العروج فى السادسة وإبراهيم فى السابعة على ظاهر حديث مالك بن صعصعة. وعند الهبوط: كان موسى فى السابعة، لأنه لم يذكر فى القصة أن إبراهيم كلمه فى شىء مما يتعلق بما فرض على أمته من الصلاة، كما كلمه موسى- ﵇، والسماء السابعة هى أول شىء انتهى إليه حالة الهبوط، فناسب أن يكون موسى بها، لأنه هو الذى خاطبه فى ذلك، كما ثبت فى جمع الروايات. ويحتمل أن يكون لقى موسى فى السادسة فأصعد معه إلى السابعة تفضيلا له على غيره من أجل كلام الله تعالى، وظهرت فائدة ذلك فى كلامه مع نبينا فيما يتعلق بأمر أمته فى الصلاة. قاله فى فتح البارى. وقال: إن النووى أشار إلى شىء من ذلك. وفى رواية شريك عن أنس فى قصة موسى: (لم أظن أن أحدا يرفع على) «٢» . قال ابن بطال: فهم موسى- ﵇ من اختصاصه بكلام الله تعالى له فى الدنيا دون غيره من البشر: لقوله تعالى: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي «٣» أن المراد بالناس هنا: البشر كلهم، وأنه استحق بذلك أن لا يرفع عليه أحد، فلما فضل الله تعالى محمدا- ﷺ بما أعطاه من المقام المحمود وغيره، ارتفع على موسى وغيره بذلك. وفى حديث أبى سعيد قال موسى: يزعم بنو إسرائيل أنى أكرم على الله، وهذا أكرم على الله منى. زاد الأموى فى روايته: ولو كان هذا وحده هان، ولكن معه أمته، وهم أفضل الأمم عند الله.

وسى: يزعم بنو إسرائيل أنى أكرم على الله، وهذا أكرم على الله منى. زاد الأموى فى روايته: ولو كان هذا وحده هان، ولكن معه أمته، وهم أفضل الأمم عند الله.

وفى حديث مالك بن صعصعة: (فلما جاوزته- يعنى موسى- بكى، فنودى: ما يبكيك؟ قال: رب، هذا غلام بعثته بعدى يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل من أمتى) «١» . ولم يكن بكاء موسى حسدا، معاذ الله، فإن الحسد فى ذلك العالم منزوع من آحاد المؤمنين، فكيف بمن اصطفاه الله تعالى، بل كان آسفا على ما فاته من الأجر الذى يترتب عليه رفع الدرجات له بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم، المستلزمة لتنقيص أجره، لأن لكل نبى بمثل أجر كل من اتبعه، ولهذا كان من اتبعه فى العدد دون من اتبع نبينا- ﷺ، مع طول مدتهم بالنسبة لمدة هذه الأمة. وقال العارف ابن أبى جمرة: قد جعل الله تعالى فى قلوب أنبيائه- عليهم الصلاة والسلام- الرأفة والرحمة لأمتهم، وركبهم على ذلك، وقد بكى نبينا- ﷺ فقيل له: ما يبكيك؟ قال: «هذه رحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» «٢» ، والأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- قد أخذوا من رحمة الله أوفر نصيب، فكانت الرحمة فى قلوبهم لعباد الله أكثر من غيرهم، فلأجل ما كان لموسى- ﵇ من الرحمة واللطف بكى إذ ذاك رحمة منه لأمته، لأن هذا وقت إفضال وجود وكرم، فرجا لعل أن يكون وقت القبول والإفضال فيرحم الله أمته ببركة هذه الساعة. فإن قال قائل: كيف يكون هذا، وأمته لا تخلو عن قسمين: قسم مات على الإيمان، وقسم مات على الكفر، فالذى مات على الإيمان لابد له من دخول الجنة، والذى مات على الكفر لا يدخل الجنة أبدا، فبكاؤه لأجل ما ذكر لا يسوغ، لأن الحكم فيهم قد مرّ ونفذ. قيل: إن الله تعالى قدر قدره على قسمين، فقدر قدرا وقدر أن ينفذ

على الكفر لا يدخل الجنة أبدا، فبكاؤه لأجل ما ذكر لا يسوغ، لأن الحكم فيهم قد مرّ ونفذ. قيل: إن الله تعالى قدر قدره على قسمين، فقدر قدرا وقدر أن ينفذ

على كل الأحوال، وقدر قدرا وقد أن لا ينفذ، ويكون رفعه بسبب دعاء أو صدقة أو غير ذلك، فلأجل ما ركب فى موسى- ﵇ من اللطف والرحمة بالأمة طمع لعل أن يكون ما اتفق لأمته من القدر الذى قدره الله تعالى وقدر ارتفاعه بسبب الدعاء والتضرع إليه، وهذا وقت يرجى فيه التعطف والإحسان من الله تعالى، لأنه وقت أسرى فيه بالحبيب الكريم، ليخلع عليه خلع القرب والفضل الجسيم، فطمع الكليم لعل أن يلحق لأمته من هذا الخير العظيم نصيبا. وقد قال نبينا- ﷺ: «إن لله نفحات فتعرضوا لنفحات الله» «١» . وهذه نفحة من النفحات فتعرض لها موسى، فكان أمرا قد قدر، والأسباب لا تؤثر إلا بما سبقت القدرة بأنها فيه تؤثر، وما كان قضاء نافذا لا تؤثر فيه ولا ترده الأسباب، حتم قد لزم. وفى بكائه- ﵇ وجه آخر، وهو البشارة لنبينا- ﷺ وإدخال السرور عليه، وذلك قول موسى- ﵇ الذى هو أكثر الأنبياء أتباعا-: إن الذين يدخلون الجنة من أمة محمد- ﷺ أكثر مما يدخلها من أمتى. وأما قول موسى- ﵇: (لأن غلاما) ولم يقل غير ذلك من الصيغ، فإشارة إلى صغر سنة بالنسبة إليه. وفى القاموس: الغلام: الطار الشارب، والكهل ضده. وقال الخطابى: العرب تسمى الرجل المستجمع السن غلاما، ما دامت فيه بقية من القوة. قال فى فتح البارى: ويظهر لى أن موسى- ﵇ أشار إلى ما أنعم الله به على نبينا من استمرار القوة فى الكهولة إلى أن دخل فى أول سن الشيخوخة، ولم يدخل على بدنه هرم، ولا اعتراه فى قوته نقص، حتى إن الناس فى قدومه المدينة لما رأوه مردفا أبا بكر، أطلقوا عليه اسم الشاب وعلى أبى بكر اسم الشيخ، مع كونه فى العمر أسن من أبى بكر والله أعلم، وقد ذكر ذلك فى الهجرة من المقصد الأول.

وقد وقع فى حديث أبى هريرة عند الطبرانى فى ذكر إبراهيم: فإذا هو برجل أشمط جالس عند باب الجنة على كرسى «١» . وفى رواية مسلم من حديث ثابت عن أنس: ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فإذا أنا بإبراهيم- ﵇ مسندا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، وفيه: فإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أعطى شطر الحسن «٢» . وفى حديث أبى سعيد عند البيهقى، وأبى هريرة عند الطبرانى: فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله: قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب. وهذا ظاهره أن يوسف- ﵇ كان أحسن من جميع الناس، لكن روى الترمذى من حديث أنس: «ما بعث الله نبيّا إلا حسن الوجه حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجها وأحسنهم صوتا» «٣» . فعلى هذا يحمل حديث المعراج على أن المراد غير النبى- ﷺ. ويؤيده قول من قال: إن المتكلم لا يدخل فى عموم خطابه. وحمل ابن المنير حديث الباب على أن المراد: أن يوسف أعطى شطر الحسن الذى أوتيه نبينا- ﷺ. وأما قوله فى الحديث عن إدريس: ثم قال: (مرحبا بالأخ الصالح والنبى الصالح) فيحمل على أخوة النبوة والإسلام، لأنها تجمع الوالد والولد، وقال ابن المنير: وفى طريق شاذة: مرحبا بالابن الصالح، وهذه هى القياس، لأنه جده الأعلى. وقيل: أن إدريس الذى لقيه ليس هو الجد المشهور، ولكنه إلياس، فإن كان كذلك ارتفع الإشكال. فإن قلت: لم كان هؤلاء الأنبياء- ﵈ فى السماوات دون غيرهم من الأنبياء؟ وما وجه اختصاص كل واحد منهم بسماء تخصه؟ ولم كان فى السماء الثانية بخصوصها اثنان.

إن قلت: لم كان هؤلاء الأنبياء- ﵈ فى السماوات دون غيرهم من الأنبياء؟ وما وجه اختصاص كل واحد منهم بسماء تخصه؟ ولم كان فى السماء الثانية بخصوصها اثنان.

أجيب: عن الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء، بأنهم أمروا بملاقات نبينا- ﷺ، فمنهم من أدركه فى أول وهلة، ومنهم من تأخر فلحقه، ومنهم من فاته. وقيل: إشارة إلى ما سيقع له- ﷺ مع قومه، من نظير ما وقع لكل منهم: فأما آدم- ﵇ فوقع التنبيه بما وقع له من الخروج من الجنة إلى الأرض، بما سيقع لنبينا- ﷺ من الهجرة إلى المدينة، والجامع بينهما ما حصل لكل منهما من المشقة، وكراهة فراق ما ألفه من الوطن، ثم كان عاقبة كل منهما أن يرجع إلى وطنه الذى خرج منه. وبعيسى ويحيى- ﵉ على ما وقع له أول الهجرة من عداوة اليهود وتماديهم على البغى عليه، وإرادتهم السوء به. وبيوسف، بما وقع له من إخوته على ما وقع لنبينا- ﷺ من قريش، من نصبهم الحرب له، وإرادتهم إهلاكه، وكانت العاقبة له، وقد أشار- ﷺ إلى ذلك يوم الفتح بقوله لقريش: «أقول لكم كما قال يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء» «١» ، أى العتقاء. وبإدريس على رفيع منزلته عند الله تعالى. وبهارون على أن قومه رجعوا إلى محبته بعد أن آذوه. وبموسى على ما وقع له من معالجة قومه، وقد أشار إلى ذلك- ﷺ، بقوله: «لقد أوذى موسى بأكثر من هذا فصبر» «٢» . وبإبراهيم فى استناده إلى البيت المعمور بما ختم له- ﷺ فى آخر عمره من إقامة مناسك الحج، وتعظيم البيت الحرام. وأجاب العارف ابن أبى

ر من هذا فصبر» «٢» . وبإبراهيم فى استناده إلى البيت المعمور بما ختم له- ﷺ فى آخر عمره من إقامة مناسك الحج، وتعظيم البيت الحرام. وأجاب العارف ابن أبى

جمرة عن وجه اختصاص كل واحد منهم بسماء: بأن الحكمة فى كون آدم فى السماء الدنيا لأنه أول الأنبياء وأول الآباء، وهو الأصل، ولأجل تأنيس النبوة بالأبوة. وأما عيسى فإنما كان فى السماء الثانية لأنه أقرب الأنبياء إلى النبى- ﷺ، ولا انمحت شريعة عيسى- ﵇ إلا بشريعة محمد- ﷺ، ولأنه ينزل فى آخر الزمان لأمة محمد- ﷺ على شريعته ويحكم بها، ولهذا قال- ﷺ: «أنا أولى الناس بعيسى» «١» فكان فى الثانية لأجل هذا المعنى. وإنما كان يحيى- ﵇ معه هناك لأنه ابن خالته، وهما كالشىء الواحد، فلأجل التزام أحدهما بالآخر كانا هناك معا. وإنما كان يوسف- ﵇ فى السماء الثالثة لأن على حسنه تدخل أمة محمد- ﷺ الجنة، فأرى له هناك لكى يكون ذلك بشارة له- ﷺ فيسر بذلك. وإنما كان إدريس- ﵇ فى السماء الرابعة لأنه هناك توفى ولم تكن له تربة فى الأرض على ما ذكر «٢» . وإنما كان هارون- ﵇ فى السماء الخامسة لأنه ملازم لموسى- ﵇ لأجل أنه أخوه وخليفته فى قومه، فكان هناك لأجل هذا المعنى. وإنما لم يكن مع موسى فى السماء السادسة لأن لموسى مزيه وحرمة وهى كونه كليما، واختص بأشياء لم تكن لهارون فلأجل هذا المعنى لم يكن معه فى السادسة. وإنما كان موسى- ﵇ فى السماء السادسة لأجل ما اختص به من الفضائل، ولأنه الكليم، وهو أكثر الأنبياء أتباعا بعد نبينا- ﷺ. وإنما كان إبراهيم- ﵇ فى السماء السابعة لأنه الخليل والأب الأخير فناسب أن يتجدد للنبى- ﷺ بلقياه أنس، لتوجهه بعده إلى عالم آخر،

وهو اختراق الحجب، وأيضا لأنه الخليل، ولا أحد أفضل من الخليل إلا الحبيب، والحبيب ها هو قد علا ذلك المقام فكان الخليل فوق الكل لأجل خلته وفضله، وارتفع الحبيب فوق الكل لأجل ما اختص به بما زاد به عليهم، قال الله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ «١» فحصل لهم الكمال والدرجة الرفيعة وهى درجة الرسالة والنبوة، ورفعوا بعضهم فوق بعض بمقتضى الحكمة ترفيعا للمرفوع دون تنقيص بالمنزول. انتهى فليتأمل. وقد اختلف فى رؤية نبينا- ﷺ لهؤلاء الأنبياء- ﵈، فحمله بعضهم على رؤية أرواحهم إلا عيسى، لما ثبت من رفع جسده. وقد قيل فى إدريس أيضا ذلك. وأما الذين صلوا معه فى بيت المقدس، فيحتمل، الأرواح خاصة، ويحتمل: الأجساد بأرواحها. وقيل: يحتمل أن يكون- ﷺ عاين كل واحد منهم فى قبره فى الأرض على الصورة التى أخبر بها من الموضع الذى ذكر أنه عاينه فيه، فيكون الله ﷿ قد أعطاه من القوة فى البصر والبصيرة ما أدرك به ذلك، ويشهد له رؤيته- ﷺ الجنة والنار فى عرض الحائط وهو محتمل لأن يكون- ﷺ رآهما فى ذلك الموضع أو مثل له صورتهما فى عرض الحائط، والقدرة الصالحة لكليهما. وقيل: يحتمل أن يكون الله ﷾ لما أراد بإسراء نبينا- ﷺ، رفعهم من قبورهم لتلك المواضع إكراما لنبيه- ﷺ وتعظيما له حتى يحصل له من قبلهم ما أشرنا إليه من الأنس والبشارة، وغير ذلك مما لم نشر إليه ولا نعلمه نحن. وكل هذه الوجوه محتمل، ولا ترجيح لأحدها على الآخر إذ القدرة صالحة لكل ذلك. انتهى. وأما قوله فى الحديث: (ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل

نحن. وكل هذه الوجوه محتمل، ولا ترجيح لأحدها على الآخر إذ القدرة صالحة لكل ذلك. انتهى. وأما قوله فى الحديث: (ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل

قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار، نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: وما هذا يا جبريل، قال: أما الباطنان فنهران فى الجنة، وأما الظاهران: فالنيل والفرات «٢» . وفى رواية عند البخارى أيضا: (فإذا فى أصلها- أى سدرة المنتهى- أربعة أنهار) «١» . وعند مسلم: (يخرج من أصلها) «٢» وعنده أيضا من حديث أبى هريرة: (أربعة أنهار من الجنة: النيل والفرات وسيحان وجيحان) «٣» فيحتمل: أن تكون سدرة المنتهى مغروسة فى الجنة، والأنهار تخرج من أصلها، فيصح أنها من الجنة. ووقع فى حديث شريك، كما عند البخارى فى التوحيد: أنه رأى فى السماء الدنيا نهرين يطردان، فقال له جبريل: هما النيل والفرات عنصرهما. والجمع بينهما: أنه رأى هذين النهرين عند سدرة المنتهى مع نهرى الجنة، ورآهما فى السماء الدنيا دون نهرى الجنة، وأراد ب «العنصر» عنصر انتشارهما بسماء الدنيا، كذا قاله ابن دحية. ووقع فى حديث شريك أيضا: (ومضى به إلى السماء، وإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذى خبأ لك ربك) «٤» . وروى ابن أبى حاتم عن أنس أنه- ﷺ بعد أن رأى إبراهيم قال: ثم انطلق بى على ظهر السماء السابعة، حتى انتهى إلى نهر عليه جام الياقوت واللؤلؤ والزبرجد، وعليه طير خضر، أنعم طير رأيت، قال جبريل: هذا الكوثر الذى أعطاك ربك، فإذا فيه آنية الذهب والفضة يجرى على رضراض من الياقوت والزمرد، ماؤه أشد بياضا من اللبن، قال: فأخذت من آنيته فاغترفت من ذلك الماء فشربت، فإذا هو أحلى من العسل وأشد رائحة من المسك. وفى حديث أبى سعيد عند البيهقى: فإذا فيها عين تجرى يقال لها السلسبيل، فينشق منها نهران: أحدهما الكوثر، والآخر يقال له نهر الرحمة، وسيأتى مزيد لما ذكر هنا من الكوثر فى المقصد الأخير- إن شاء الله تعالى-.

ال لها السلسبيل، فينشق منها نهران: أحدهما الكوثر، والآخر يقال له نهر الرحمة، وسيأتى مزيد لما ذكر هنا من الكوثر فى المقصد الأخير- إن شاء الله تعالى-.

وقد وقع فى حديث ثابت عن أنس عند مسلم: (ثم ذهب بى إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها كاذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشى تغيرت. فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها) «١» . وقد جاء فى حديث ابن مسعود عند مسلم أيضا بيان سبب تسميتها ب «سدرة المنتهى» ، ولفظه: (لما أسرى برسول الله- ﷺ قال: انتهى بى إلى سدرة المنتهى، وهى فى السماء السادسة، وإليها ينتهى ما يعرج من الأرض، فيقبض منها وإليها منتهى ما يهبط من فوقها فيقبض منها) «٢» . وهو معنى قول ابن أبى جمرة: لأن إليها تنتهى الأعمال، ومن هناك ينزل الأمر والنهى وتتلقى الأحكام، وعندها تقف الحفظة وغيرهم لا يتعدونها، فكانت منتهى، لأن إليها ينتهى ما يصعد من السفلى، وما ينزل من العالم العلوى من أمر العلى. وقال النووى: لأن علم الملائكة ينتهى إليها. ولم يجاوزها أحد إلا رسول الله- ﷺ. ولا يعارض قوله فى حديث ابن مسعود هذا، أنها فى السادسة، ما دل عليه بقية الأخبار أنه وصل إليها بعد أن دخل فى السماء السابعة، لأنه يحمل على أن أصلها فى السماء السادسة، وأغصانها وفروعها فى السابعة، وليس فى السادسة منها إلا أصل ساقها، قاله فى فتح البارى. وجاء فى حديث أبى ذر عند البخارى فى الصلاة: (فغشيها ألوان لا أدرى ما هى) «٣» . وفى حديث ابن مسعود المذكور عند مسلم، (قال الله تعالى: إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى «٤» قال: فراش من ذهب) «٥» . وفى حديث يزيد بن أبى مالك عن أنس (جراد من ذهب) . قال البيضاوى: وذكر الفراش وقع على سبيل التمثيل، لأن من شأن الشجر أن يسقط عليها الجراد وشبهه، وجعلها من الذهب حقيقة، والقدرة صالحة لذلك.

وفى حديث أبى سعيد وابن عباس (فغشيها الملائكة) . وفى حديث على (وعلى كل ورقة منها ملك) . وفى رواية ثابت عن أنس عند مسلم (فلما غشيها من أمر الله ما غشى تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها) «١» . وفى رواية حميد عن أنس عند ابن مردويه: نحوه لكن قال: تحولت ياقوتا، ونحو ذلك. قال ابن دحية: واختيرت السدرة دون غيرها لأن فيها ثلاثة أوصاف: ظل مديد وطعم لذيذ، ورائحة زكية، فكانت بمنزلة الإيمان الذى يجمع القول والعمل والنية، فالظل بمنزلة العمل، والطعم بمنزلة النية، والرائحة بمنزلة القول. وقال العارف ابن أبى جمرة: وهل الشجرة مغروسة فى شىء أم لا؟ يحتمل الوجهين معا، لأن القدرة صالحة لكليهما. فكما جعل الله فى هذه الدار الأرض مقرا للشجر، كذلك يجعل الهواء لتلك مقرا، وكما رجع- ﷺ يمشى فى الهواء كما كان يمشى فى الأرض، ولأن بالقدرة استقرت الأرض مع أنها على الماء، فلا مانع من أن تكون الشجرة فى الهواء، ويحتمل أن تكون مغروسة بأرض، وأن تكون من تراب الجنة، والله قادر على ما يشاء. وأما قوله- ﷺ فى الحديث: (ثم أتيت بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال: «هى الفطرة التى أتت عليها» . فيدل على أنه عرض عليه الآنية مرتين، مرة ببيت المقدس، ومرة عند وصوله سدرة المنتهى ورؤية الأنهار الأربعة. وأما الاختلاف فى عدد الآنية وما فيها، فيحمل على أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكره الآخر، ومجموعها أربعة أوان، فيها أربعة أشياء من الأنهار الأربعة التى رآها تخرج من أصل سدرة المنتهى.

ما فيها، فيحمل على أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكره الآخر، ومجموعها أربعة أوان، فيها أربعة أشياء من الأنهار الأربعة التى رآها تخرج من أصل سدرة المنتهى.

ووقع فى حديث أبى هريرة عند الطبرى: سدرة المنتهى يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، ومن لبن لم يتغير طعمه، ومن خمر لذة للشاربين، ومن عسل مصفى. فلعله عرض عليه من كل نهر إناء وجاء عن كعب: أن نهر العسل نهر النيل، ونهر اللبن نهر جيحان، ونهر الخمر نهر الفرات، ونهر الماء نهر سيحان. ولنهر النيل فضائل ولطائف أفردها بالتأليف غير واحد من الأئمة. ووقع فى بعض الطرق: أنه- ﷺ صلى بالأنبياء فى السماوات. وأما قوله- ﷺ فى الحديث: (ثم رفع إلى البيت المعمور) . فمعناه أنه أرى له، وقد يحتمل أن يكون المراد الرفع والرؤية معا، لأنه قد يكون بينه وبين البيت المعمور عوالم حتى لا يقدر على إدراكه، فرفع إليه وأمد فى بصره وبصيرته حتى رآه. وروى الطبرى من حديث ابن أبى عروبة عن قتادة قال: ذكر لنا أن النبى- ﷺ قال: البيت المعمور مسجد فى السماء بحذاء الكعبة لو خرّ لخرّ عليها، يدخله سبعون ألف ملك كل يوم، إذا خرجوا منه لم يعودوا. وفى هذا دليل عظيم على قدرة الله تعالى، وأنه لا يعجزه شىء ممكن، لأن هذا البيت المعمور يصلى فيه كل يوم هذا العدد العظيم منذ خلق الله تعالى الخلق إلى الأبد، ثم طائفة هذا اليوم لا ترجع إليه أبدا. ومع أنه قد روى أنه ليس فى السماوات ولا فى الأرض موضع شبر إلا وملك واضع جبهته هناك ساجدا، ثم البحار ما من قطرة إلا وبها ملك موكل، فإذا كانت السماوات والأرض والبحار هكذا، فهؤلاء الملائكة الذين يدخلون أين يذهبون؟ هذا من عظيم القدرة التى لا يشبهها شىء. وفى هذا دليل على أن الملائكة أكثر المخلوقات، لأنه إذا كان سبعون ألف ملك كل يوم تصلى فى البيت المعمور على ما تقدم، ثم لا يعودون، مع أن الملائكة فى السماوات والأرض والبحار. وفى حديث أبى هريرة عند ابن مردويه وابن أبى حاتم: أن فى السماء

فى البيت المعمور على ما تقدم، ثم لا يعودون، مع أن الملائكة فى السماوات والأرض والبحار. وفى حديث أبى هريرة عند ابن مردويه وابن أبى حاتم: أن فى السماء

نهرا يقال له: الحيوان، يدخل جبريل كل يوم فينغمس فيه، ثم يخرج فينتفض، فيخرج منه سبعون ألف قطرة، يخلق الله من كل قطرة ملكا، فهم الذين يصلون فيه، أى فى البيت المعمور، ثم لا يعودون إليه. وإسناد ضعيف. وذكر الإمام فخر الدين الرازى عند تفسير قوله تعالى: وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ «١» أنه روى عن عطاء ومقاتل والضحاك عن ابن عباس أنه قال: إن عن يمين العرش نهرا من نور مثل السماوات السبع والأرضين السبع والبحار السبعة، يدخل فيه جبريل- ﵇ كل سحر ويغتسل فيه، فيزداد نورا إلى نوره وجمالا إلى جماله، ثم ينتفض فيخلق الله من كل نقطة تقع من ريشه كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون ألفا ثم لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة. وقد روى أن ثم ملائكة يسبحون الله تعالى، فيخلق الله بكل تسبيحة ملكا. هذا ما عدا الملائكة التى للتعبد، وما عدا الملائكة الموكلين بالنبات والأرزاق، والحفظة، والملك الموكل بتصوير ابن آدم، والملائكة الذين ينزلون فى السحاب، والملائكة الذين يكتبون الناس يوم الجمعة، وخزنة الجنة، والملائكة الذين يتعاقبون، والذين يؤمنون على قراءة المصلى، والذين يقولون: ربنا ولك الحمد، والذين يدعون لمنتظر الصلاة، والذين يلعنون من هجرت فراش زوجها. وروى أن فى السماء الدنيا- وهى من ماء ودخان- ملائكة خلقوا من ماء وريح عليهم ملك يقال له الرعد، وهو ملك موكل بالسحاب والمطر، يقولون: سبحان ذى الملك والملكوت. وأن فى الثانية ملائكة على ألوان شتى، رافعين أصواتهم يقولون: سبحان ذى العزة والجبروت، وأن فيها ملكا نصف جسده من نار ونصف

جسده من ثلج، فلا النار تذيب الثلج، ولا الثلج يطفئ النار، وهو يقول: يا من ألف بين الثلج والنار ألف بين قلوب عبادك المؤمنين. وأن فى الثالثة- وهى من حديد- ملائكة ذوى أجنحة شتى ووجوه شتى وأصوات شتى، رافعى أصواتهم بالتسبيح يقولون: سبحانك أنت الحى الذى لا يموت، وهم صفوف قيام كأنهم بنيان مرصوص، لا يعرف أحدهم لون صاحبه من خشية الله. وأن فى السماء الرابعة- وهى من نحاس- ملائكة يضعفون على ملائكة الثالثة، وكذلك كل سماء أكثر عددا من التى تليها، وأن ملائكة السماء الرابعة قيام وركوع وسجود على ألوان شتى من العبادة، يبعث الله الملك منهم إلى أمر من أموره، فينطلق الملك ثم ينصرف فلا يعرف صاحبه الذى إلى جنبه من شدة العبادة وهم يقولون: سبوح قدوس، ربنا الرحمن الذى لا إله إلا هو. وأن فى الخامسة- وهى من فضة- ملائكة يزيدون على ملائكة الأربع سماوات، وهم سجود وركوع لم يرفعوا أبصارهم إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة قالوا: ربنا، لم نعبدك حق عبادتك. وأن فى السماء السادسة- وهى من ذهب- جند الله الأعظم الكروبيون، لا يحصر عددهم إلا الله تعالى، وعليهم ملك له سبعون ألف ملك جنده، وكل ملك منهم جنوده سبعون ألف ملك، وهم الذين يبعثهم الله فى أموره إلى أهل الدنيا، رافعوا أصواتهم بالتسبيح والتهليل. وأن فى السابعة- وهى ياقوتة حمراء- من الملائكة ما يزيدون على ما تقدم، وعليهم ملك مقدم على سبعمائة ألف ملك، منهم جنود مثل قطر السماء، وتراب الثرى والرمل والسهل، وعدد الحصى والورق، وعدد كل خلق فى السماوات والأرض، ويخلق الله تعالى فى كل يوم ما يشاء، وما يعلم جنود ربك إلا هو.

Bagian 26 dari 49