المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya القسطلاني (w. 923 H).

Bagian 3 dari 49 2019 halaman

— Bagian 3 · ن عباس ولا أصل لها. انتهى. —

Bagian 3

ن عباس ولا أصل لها. انتهى. وعن شداد بن أوس أن رجلا من بنى عامر سأل رسول الله- ﷺ: ما حقيقة أمرك، قال: «بدو شأنى أنى دعوة أبى إبراهيم، وبشرى أخى عيسى،

وأنى كنت بكر أبى وأمى، وأنها حملت بى كأثقل ما تحمل النساء، وجعلت تشتكى إلى صواحبها ثقل ما تجد، ثم إن أمى رأت فى منامها أن الذى فى بطنها نور» «١» . الحديث. ففيه: أن أمه- ﵇ وجدت الثقل فى حمله، وفى سائر الأحاديث أنها لم تجد ثقلا؟! وجمع أبو نعيم الحافظ بينهما: بأن الثقل كان فى ابتداء علوقها به، والخفة عند استمرار الحمل به، فيكون على الحالين خارجا عن المعتاد المعروف، انتهى. وخرج أبو نعيم عن ابن عباس- رضى الله عنهما- قال: كان من دلالة حمل آمنة برسول الله- ﷺ أن كل دابة كانت لقريش نطقت تلك الليلة، وقالت: حمل برسول الله- ﷺ ورب الكعبة، وهو إمام الدنيا وسراج أهلها، لم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا، وفرت وحوش المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات، وكذلك أهل البحار يبشر بعضهم بعضا، وله فى كل شهر من كل شهور حمله نداء فى الأرض ونداء فى السماء: أن أبشروا فقد آن أن يظهر أبو القاسم- ﷺ ميمونا مباركا.. الحديث. وهو شديد الضعف. وعن غيره: لم يبق فى تلك الليلة دار إلا أشرقت ولا مكان إلا دخله النور، ولا دابة إلا نطقت. وعن أبى زكريا يحيى بن عائذ «٢» : بقى- ﷺ فى بطن أمه تسعة أشهر كملا، لا تشكو وجعا ولا مغصا ولا ريحا ولا ما يعرض لذوات الحمل من النساء، وكانت تقول: والله ما رأيت من حمل هو أخف منه ولا أعظم بركة منه.

أمه تسعة أشهر كملا، لا تشكو وجعا ولا مغصا ولا ريحا ولا ما يعرض لذوات الحمل من النساء، وكانت تقول: والله ما رأيت من حمل هو أخف منه ولا أعظم بركة منه.

ولما تم لها من حملها شهران توفى عبد الله، وقيل: توفى وهو فى المهد، قاله الدولابى «١» . وعن ابن أبى خيثمة: وهو ابن شهرين. وقيل: وهو ابن سبعة. وقيل: وهو ابن ثمانية وعشرين شهرا. والراجح المشهور: الأول. وكان عبد الله قد رجع ضعيفا مع قريش لما رجعوا من تجارتهم، ومروا بالمدينة يثرب، فتخلف عند أخواله بنى عدى بن النجار، فأقام عندهم مريضا شهرا، فلما قدم أصحابه مكة سألهم عبد المطلب عنه فقالوا: خلفناه مريضا، فبعث إليه أخاه الحارث فوجده قد توفى، ودفن فى دار التابعة، وقيل دفن بالأبواء. وقالت آمنة زوجته ترثيه: عفا جانب البطحاء من آل هاشم ... وجاور لحدا خارجا فى الغمائم دعته المنايا دعوة فأجابها ... وما تركت فى الناس مثل ابن هاشم عشية راحوا يحملون سريره ... تعاوره أصحابه فى التزاحم فإن تك غالته المنايا وريبها ... فقد كان معطاء كثير التراحم ويذكر عن ابن عباس، أنه لما توفى عبد الله قالت الملائكة إلهنا وسيدنا، بقى نبيك يتيما، فقال الله تعالى: أنا له حافظ ونصير. وقيل لجعفر الصادق «٢» : لم يتم النبى- ﷺ من أبويه؟ قال: لئلا يكون عليه حق لمخلوق. نقله عنه أبو حيان فى البحر.

ما، فقال الله تعالى: أنا له حافظ ونصير. وقيل لجعفر الصادق «٢» : لم يتم النبى- ﷺ من أبويه؟ قال: لئلا يكون عليه حق لمخلوق. نقله عنه أبو حيان فى البحر.

آيات ولادته ﷺ وروى أبو نعيم عن عمرو بن قتيبة قال: سمعت أبى- وكان من أوعية العلم- قال: لما حضرت ولادة آمنة قال الله تعالى لملائكته: افتحوا أبواب السماء كلها، وأبواب الجنان، وألبست الشمس يومئذ نورا عظيما، وكان قد أذن الله تعالى تلك السنة لنساء الدنيا أن يحملن ذكورا كرامة لمحمد- ﷺ.. الحديث وهو مطعون فيه. وذكر أبو سعيد عبد الملك النيسابورى فى كتابه الكبير كما نقله عنه صاحب كتاب السعادة والبشرى عن كعب فى حديثه الطويل، ورواه أبو نعيم من حديث ابن عباس قال: كانت آمنة تحدث وتقول: أتانى آتانى أت حين مربى من حملى ستة أشهر فى المنام وقال لى يا آمنة إنك حملت بخير العالمين فإذا ولدتيه فسميه محمدا واكتمى شأنك قالت ثم لما أخذنى ما يأخذ النساء ولم يعلم بى أحد لا ذكر ولا أنثى، وإنى لوحيدة فى المنزل وعبد المطلب فى طوافه، فسمعت وجبة عظيمة وأمرا عظيما هالنى، ثم رأيت كأن جناح طائر أبيض قد مسح على فؤادى فذهب عنى الرعب وكل وجع أجده، ثم التفت فإذا أنا بشربة بيضاء فتناولتها فأصابنى نور عال، ثم رأيت نسوة كالنخل طولا كأنهن من بنات عبد مناف، يحدقن بى فبينا أنا أتعجب وأنا أقول واغوثاه من أين علمن بى. قال فى غير هذه الرواية فقلن لى نحن آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران وهؤلاء من الحور العين واشتد بى الأمر وأنا أسمع الوجبة فى كل ساعة أعظم وأهول مما تقدم فبينا أنا كذلك إذا بديباج أبيض قد مد بين السماء والأرض، وإذا قائل يقول خذاه عن أعين الناس، قالت ورأيت رجالا قد وقفوا فى الهواء بأيديهم أباريق من فضة، ثم نظرت فإذا أنا بقطعة من الطير قد أقبلت حتى غطت حجرتى، مناقيرها من الزمرد وأجنحتها من الياقوت فكشف الله عن بصرى فرأيت مشارق الأرض ومغاربها، ورأيت ثلاثة

أعلام مضروبات، علما بالمشرق وعلما بالمغرب وعلما على ظهر الكعبة فأخذنى المخاض فوضعت محمدا- ﷺ فنظرت إليه فإذا هو ساجد قد رفع أصبعيه إلى السماء كالمتضرع المبتهل، ثم رأيت سحابة بيضاء قد أقبلت من السماء حتى غشيته فغيبته عنى، فسمعت مناديا ينادى طوفوا به مشارق الأرض ومغاربها وأدخلوه البحار ليعرفوه باسمه ونعته وصورته، ويعلمون أنه سمى فيها الماحى، لا يبقى شىء من الشرك إلا محى فى زمنه، ثم انجلت عنه فى أسرع وقت.. الحديث. وهو مما تكلم فيه. وروى الخطيب البغدادى بسنده كما ذكره صاحب السعادة والبشرى أيضا أن آمنة قالت لما وضعته- ﵇ رأيت سحابة عظيمة لها نور أسمع فيها صهيل الخيل وخفقان الأجنحة وكلام الرجال، حتى غشيته وغيب عنى فسمعت مناديا ينادى طوفوا بمحمد- ﷺ جميع الأرض وأعرضوه على كل روحانى من الجن والإنس والملائكة والطيور والوحوش وأعطوه خلق آدم، ومعرفة شيث، وشجاعة نوح، وخلة إبراهيم ولسان إسماعيل، ورضا إسحاق، وفصاحة صالح، وحكمة لوط، وبشرى يعقوب، وشدة موسى، وصبر أيوب، وطاعة يونس، وجهاد يوشع، وصوت داود وحب دانيال ووقار إلياس وعصمة يحيى وزهد عيسى، واغمسوه فى أخلاق النبيين قالت: ثم انجلت عنى فإذا به قد قبض على حريرة بيضاء خضراء مطوية طيّا شديدا ينبع من تلك الحريرة ماء وإذا قائل يقول بخ بخ قبض محمد- ﷺ على الدنيا كلها لم يبق خلق من أهلها إلا دخل طائعا فى قبضته، قالت ثم نظرت إليه فإذا به كالقمر ليلة البدر وريحه يسطع كالمسك الإذفر، وإذا بثلاثة نفر فى يد أحدهم إبريق من فضة، وفى يد الثانى طست من زمرد أخضر وفى يد الثالث حريرة بيضاء فنشرها فأخرج منها خاتما تحار أبصار الناظرين دونه فغسله من ذلك الإبريق سبع مرات ثم ختم بين كتفيه بالخاتم ولفه فى الحريرة ثم احتمله فأدخله بين أجنحته ساعة ثم رده إلى ورواه أبو نعيم عن ابن عباس وفيه نكارة.

من ذلك الإبريق سبع مرات ثم ختم بين كتفيه بالخاتم ولفه فى الحريرة ثم احتمله فأدخله بين أجنحته ساعة ثم رده إلى ورواه أبو نعيم عن ابن عباس وفيه نكارة.

وروى الحافظ أبو بكر بن عائذ فى كتابة المولد- كما نقله عنه الشيخ بدر الدين الزركشى فى شرح بردة المديح- عن ابن عباس: لما ولد- ﷺ قال فى أذنه رضوان خازن الجنان: أبشر يا محمد فما بقى لنبى علم إلا وقد أعطيته، فأنت أكثرهم علما، وأشجعهم قلبا. وروى محمد بن سعد من حديث جماعة منهم عطاء وابن عباس: أن آمنة بنت وهب قالت: لما فصل منى- تعنى النبى- ﷺ خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب، ثم وقع إلى الأرض معتمدا على يديه، ثم أخذ قبضة من التراب فقبضها ورفع رأسه إلى السماء «١» . وروى الطبرانى: أنه لما وقع إلى الأرض وقع مقبوضة أصابع يده مشيرا بالسبابة كالمسبح بها. وروى عن عثمان بن أبى العاصى عن أمه أم عثمان الثقفية- واسمها فاطمة بنت عبد الله- قالت: لما حضرت ولادة رسول الله- ﷺ رأيت البيت حين وقع قد امتلأ نورا، ورأيت النجوم تدنو حتى ظننت أنها ستقع على «٢» . رواه البيهقى. وأخرج أحمد والبزار والطبرانى والحاكم والبيهقى عن العرباض بن سارية. أن رسول الله- ﷺ قال: «إنى عبد الله وخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل فى طينته، وسأخبركم عن ذلك، إنى دعوة أبى إبراهيم، وبشارة عيسى، ورؤيا أمى التى رأت، وكذلك أمهات الأنبياء يرين، وإن أم رسول الله ﷺ رأت حين وضعته نورا أضاء له قصور الشام» «٣» قال الحافظ ابن حجر: صححه ابن حبان والحاكم. وأخرج أبو نعيم عن عطاء بن يسار عن أم سلمة عن آمنة: قالت: لقد رأيت ليلة وضعته نورا أضاءت له قصور الشام حتى رأيتها. وأخرج أيضا،

صححه ابن حبان والحاكم. وأخرج أبو نعيم عن عطاء بن يسار عن أم سلمة عن آمنة: قالت: لقد رأيت ليلة وضعته نورا أضاءت له قصور الشام حتى رأيتها. وأخرج أيضا،

عن بريدة عن مرضعته فى بنى سعد أن آمنة قالت: رأيت كأنه خرج من فرجى شهاب أضاءت له الأرض حتى رأيت قصور الشام. وعن همام بن يحيى عن إسحاق بن عبد الله أن أم رسول الله- ﷺ قالت: لما ولدته خرج من فرجى نور أضاء له قصور الشام، فولدته نظيفا ما به قذر «١» ، رواه ابن سعد وإلى هذا أشار العباس بن عبد المطلب فى شعره، حيث قال: وأنت لما ولدت أشرقت ال ... أرض وضاءت بنورك الأفق فنحن فى ذاك الضياء وفى النو ... ر وسبل الرشاد نخترق قال فى اللطائف: «وخروج هذا النور عند وضعه، وإشارة إلى ما يجىء به من النور الذى اهتدى به أهل الأرض، وزال به ظلمة الشرك. قال تعالى: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ «٢» الآية، وأما إضاءة قصور بصرى بالنور الذى خرج معه فهو إشارة إلى ما خص الشام من نور نبوته، فإنها دار ملكه- كما ذكر كعب: أن فى الكتب السالفة: محمد رسول الله ﷺ مولده بمكة ومهاجره بيثرب وملكه بالشام- فمن مكة بدت نبوة نبينا ﵊، وإلى الشام انتهى ملكه، ولهذا أسرى به- ﷺ إلى الشام، إلى بيت المقدس، كما هاجر قبله إبراهيم- ﵇ إلى الشام، وبها ينزل عيسى ابن مريم- ﵇، وهى أرض المحشر والمنشر. وخرج أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم فى صحيحيهما عن النبى- ﷺ أنه قال: «عليكم بالشام، فإنها خيرة الله من أرضه، يجتبى إليها خيرته من عباده» «٣» ، انتهى ملخصا.

وأخرج أبو نعيم عن عبد الرحمن بن عوف عن أمه الشفاء قالت: لما ولدت آمنة رسول الله- ﷺ وقع على يدى فاستهل، فسمعت قائلا يقول: رحمك الله، قالت الشفاء: وأضاء لى ما بين المشرق والمغرب، حتى نظرت إلى بعض قصور الروم، قالت: ثم ألبنته وأضجعته، فسمعت قائلا يقول: أى ذهبت به؟ قال: إلى المشرق، قالت: فلم يزل الحديث منى على بال حتى بعثه الله فكنت فى أول الناس إسلاما. ومن عجائب ولادته- ﵇ ما خرجه البيهقى وأبو نعيم عن حسان ابن ثابت قال: إنى لغلام ابن سبع سنين أو ثمان، أعقل ما رأيت وسمعت، إذا يهودى يصرخ ذات غداة: يا معشر يهود، فاجتمعوا إليه، وأنا أسمع، قالوا: ويلك مالك؟ قال: طلع نجم أحمد الذى ولد به هذه الليلة «١» . وعن عائشة قالت: كان يهودى قد سكن مكة، فلما كانت الليلة التى ولد فيها رسول الله- ﷺ قال: يا معشر قريش: هل ولد فيكم الليلة مولود، قالوا: لا نعلم، قال: انظروا، فإنه ولد فى هذه الليلة نبى هذه الأمة. بين كتفيه علامة. فانصرفوا فسألوا، فقيل لهم قد ولد لعبد الله بن عبد المطلب غلام، فذهب اليهودى معهم إلى أمه، فأخرجته لهم، فلما رأى اليهودى العلامة خر مغشيّا عليه، وقال: ذهبت النبوة من بنى إسرائيل، يا معشر قريش: أما والله ليسطون بكم سطوة يخرج خبرها من المشرق والمغرب «٢» . رواه يعقوب بن سفيان بإسناد حسن كما قاله فى فتح البارى. ومن عجائب ولادته أيضا: ما روى من ارتجاج إيوان كسرى وسقوط أربع عشرة شرفة من شرفاته، وغيض بحيرة طبرية، وخمود نار فارس. وكان لها ألف عام لم تخمد «٣» ، كما رواه البيهقى وأبو نعيم والخرائطى فى «الهواتف» وابن عساكر.

عشرة شرفة من شرفاته، وغيض بحيرة طبرية، وخمود نار فارس. وكان لها ألف عام لم تخمد «٣» ، كما رواه البيهقى وأبو نعيم والخرائطى فى «الهواتف» وابن عساكر.

وفى سقوط الأربع عشرة شرفة إشارة إلى أنه يملك منهم ملوك وملكات بعدد الشرفات، وقد ملك منهم فى أربع سنين عشرة، ذكره ابن ظفر وزاد ابن سيد الناس: وملك الباقون إلى خلافة عثمان- رضى الله عنه-. ومن ذلك أيضا: ما وقع من زيادة حراسة السماء بالشهب، وقطع رصد الشياطين، ومنعهم من استراق السمع. ولقد أحسن الشقراطيسى حيث قال: ضاءت لمولده الآفاق واتصلت ... بشرى الهواتف فى الإشراق والطفل وصرح كسرى تداعى من قواعده ... وانقض منكسر الأرجاء ذا ميل ونار فارس لم توقد وما خمدت ... مذ ألف عام ونهر القوم لم يسل خرت لمبعثه الأوثان وانبعثت ... ثواقب الشهب ترمى الجن بالشعل وولد- ﷺ معذورا أى مختونا مسرورا- أى مقطوع السرة- كما روى من حديث أبى هريرة عند ابن عساكر. وروى الطبرانى فى الأوسط وأبو نعيم والخطيب وابن عساكر من طرق، عن أنس: أن النبى- ﷺ قال: «من كرامتى على ربى أنى ولدت مختونا، ولم ير أحد سوأتى» «١» وصحّحه الضياء فى المختارة. وعن ابن عمر قال: ولد النبى- ﷺ مسرورا مختونا. رواه ابن عساكر. قال الحاكم فى المستدرك: تواترت الأخبار أنه- ﵇ ولد مختونا «٢» . انتهى. وتعقبه الحافظ الذهبى فقال: ما أعلم صحة ذلك؟! فكيف يكون متواترا؟ وأجيب: باحتمال أن يكون أراد بتواتر الأخبار اشتهارها وكثرتها فى السير، لا من طريق السند المصطلح عليه عند أئمة الحديث.

لم صحة ذلك؟! فكيف يكون متواترا؟ وأجيب: باحتمال أن يكون أراد بتواتر الأخبار اشتهارها وكثرتها فى السير، لا من طريق السند المصطلح عليه عند أئمة الحديث.

وقد حكى الحافظ زين الدين العراقى، أن الكمال بن العديم ضعف أحاديث كونه ولد مختونا، وقال: إنه لا يثبت فى هذا شىء من ذلك. وأقره عليه، وبه صرح ابن القيم ثم قال: ليس هذا من خصائصه ﷺ، فإن كثيرا من الناس ولد مختونا. وحكى الحافظ ابن حجر: أن العرب تزعم أن الغلام إذا ولد فى القمر فسخت قلفته- أى اتسعت- فيصير كالمختون «١» . وفى «الوشاح» لابن دريد: قال ابن الكلبى: بلغنى أن آدم خلق مختونا واثنى عشر نبيّا من بعده خلقوا مختونين آخرهم محمد- ﷺ: شيث وإدريس ونوح وسام ولوط ويوسف وموسى وسليمان وشعيب ويحيى وهود وصالح- صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-. وفى هذه العبارة تجوز، لأن الختان هو القطع، وهو غير ظاهر، لأن الله تعالى يوجد ذلك على هذه الهيئة من غير قطع، فيحمل الكلام باعتبار أنه على صفة المقطوع. وقد حصل من الاختلاف فى ختانه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ولد مختونا كما تقدم. الثانى: أنه ختنه جده عبد المطلب يوم سابعه، وصنع له مأدبة وسماه محمدا. رواه الوليد بن مسلم «٢» بسنده إلى ابن عباس وحكاه ابن عبد البر فى التمهيد «٣» . والثالث: أنه ختن عند حليمة، كما ذكره ابن القيم والدمياطى ومغلطاى وقالوا: إن جبريل- ﵇ ختنه حين طهر قلبه. وكذا أخرجه الطبرانى فى الأوسط وأبو نعيم من حديث أبى بكرة. قال الذهبى: وهذا منكر. واعلم أن الختان: هو قطع القلفة التى تغطى الحشفة من الرجل، وقطع بعض الجلدة التى فى أعلى الفرج من المرأة، ويسمى ختان الرجل:

إعذارا- بالعين المهملة والذال المعجمة والراء- وختان المرأة خفاضا- بالخاء المعجمة والفاء والضاد المعجمة أيضا-. واختلف العلماء: هل هو واجب؟.

  • فذهب أكثرهم إلى أنه سنّة وليس بواجب، وهو قول مالك وأبى حنيفة وبعض أصحاب الشافعى.
  • وذهب الشافعى إلى وجوبه، وهو مقتضى قول سحنون من المالكية.
  • وذهب بعض أصحاب الشافعى إلى أنه واجب فى حق الرجال، سنة فى حق النساء. واحتج من قال إنه سنة، بحديث أبى المليح بن أسامة عن أبيه: أن النبى ﷺ قال: «الختان سنة للرجال مكرمة للنساء» «١» رواه أحمد فى مسنده والبيهقى. وأجاب من أوجبه بأنه ليس المراد بالسنة هنا خلاف الواجب، بل المراد الطريقة، واحتجوا على وجوبه بقوله تعالى: أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً «٢» ، وثبت فى الصحيحين من حديث أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «اختتن إبراهيم النبى- ﷺ وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم» «٣» وبما روى أبو داود من قوله- ﷺ للرجل الذى أسلم: «ألق عنك شعر الكفر واختتن» «٤» .

واحتج القفال لوجوبه: بأن بقاء القلفة يحبس النجاسة، ويمنع صحة الصلاة، فيجب إزالتها. وقال الفخر الرازى: «الحكمة من الختان، أن الحشفة قوية الحس، فما دامت مستورة تقوى اللذة عند المباشرة، فإذا قطعت القلفة تصلبت الحشفة فضعفت اللذة، وهو اللائق بشريعتنا تقليلا للذة لا قطعا لها، كما تفعل المانوية، فذلك إفراط وإبقاء القلفة تفريط، فالعدل الختان» . انتهى. وإذا قلنا بوجوب الختان، فمحل الوجوب بعد البلوغ على الصحيح من مذهبنا، لما روى البخارى فى صحيحه عن ابن عباس أنه سئل: مثل من أنت حين قبض رسول الله- ﷺ قال: «وأنا يومئذ مختون وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك» «١» . وقال بعض أصحابنا: يجب على الوالى أن يختن الصبى قبل البلوغ، والله أعلم. وقد اختلف فى عام ولادته- ﷺ: فالأكثرون على أنه عام الفيل، وبه قال ابن عباس، ومن العلماء من حكى الاتفاق عليه، وقال: كل قول يخالفه وهم. والمشهور: أنه ولد بعد الفيل بخمسين يوما، وإليه ذهب السهيلى فى جماعة. وقيل: بعده بخمسة وخمسين يوما، وحكاه الدمياطى فى آخرين وقيل: بشهر، وقيل بأربعين يوما.

شهور: أنه ولد بعد الفيل بخمسين يوما، وإليه ذهب السهيلى فى جماعة. وقيل: بعده بخمسة وخمسين يوما، وحكاه الدمياطى فى آخرين وقيل: بشهر، وقيل بأربعين يوما. وقيل: بعد الفيل بعشر سنين وقيل: قبل الفيل بخمس عشرة سنة، وقيل: غير ذلك. والمشهور أنه بعد الفيل، لأن قصة الفيل كانت توطئة لنبوته، وتقدمة لظهوره وبعثته، وإلا فأصحاب الفيل- كما قاله ابن القيم- كانوا نصارى أهل كتاب، وكان دينهم خيرا من دين أهل مكة إذ ذاك، لأنهم كانوا عباد أوثان، فنصرهم الله تعالى على أهل الكتاب نصرا لا صنع للبشر فيه، إرهاصا وتقدمة للنبى الذى خرج من مكة، وتعظيما للبلد الحرام.

واختلف أيضا فى الشهر الذى ولد فيه. والمشهور: أنه ولد فى شهر ربيع الأول، وهو قول جمهور العلماء. ونقل ابن الجوزى الاتفاق عليه. وفيه نظر: فقد قيل فى صفر، وقيل فى ربيع الآخر. وقيل فى رجب، ولا يصح. وقيل: فى رمضان، وروى عن ابن عمر بإسناد لا يصح، وهو موافق لمن قال: إن أمه حملت به فى أيام التشريق. وأغرب من قال: ولد فى عاشوراء. وكذا اختلف أيضا فى أى يوم من الشهر: فقيل إنه غير معين، إنما ولد يوم الاثنين من ربيع الأول من غير تعيين، والجمهور على أنه يوم معين منه. فقيل: لليلتين خلتا منه. وقيل: لثمان خلت منه، قال الشيخ قطب الدين القسطلانى: وهو اختيار أكثر أهل الحديث، ونقل عن ابن عباس وجبير بن مطعم، وهو اختيار أكثر من له معرفة بهذا الشأن، واختاره الحميدى، وشيخه ابن حزم، وحكى القضاعى فى «عيون المعارف» إجماع أهل الزيج عليه، ورواه الزهرى عن محمد بن جبير بن مطعم، وكان عارفا بالنسب وأيام العرب، أخذ ذلك عن أبيه جبير. وقيل لعشر، وقيل لاثنى عشر، وعليه عمل أهل مكة فى زيارتهم موضع مولده فى هذا الوقت، وقيل لسبع عشرة وقيل لثمان عشرة، وقيل لثمان بقين منه. وقيل: إن هذين القولين غير صحيحين عمن حكيا عنه بالكلية. والمشهور: أنه ولد [يوم الاثنين] ثانى عشر شهر ربيع الأول، وهو قول ابن إسحاق وغيره.

ن بقين منه. وقيل: إن هذين القولين غير صحيحين عمن حكيا عنه بالكلية. والمشهور: أنه ولد [يوم الاثنين] ثانى عشر شهر ربيع الأول، وهو قول ابن إسحاق وغيره.

وإنما كان فى شهر ربيع على الصحيح ولم يكن فى المحرم، ولا فى رجب، ولا فى رمضان، ولا فى غيرها من الأشهر ذوات الشرف، لأنه ﵇ لا يتشرف بالزمان، وإنما الزمان يتشرف به كالأماكن، فلو ولد فى شهر من الشهور المذكورة، لتوهم أنه تشرف بها، فجعل الله تعالى مولده ﷺ فى غيرها ليظهر عنايته به وكرامته عليه. وإذا كان يوم الجمعة الذى خلق فيه آدم- ﵇ خص بساعة لا يصادفها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه، فما بالك بالساعة التى ولد فيها سيد المرسلين. ولم يجعل الله تعالى في يوم الاثنين- يوم مولده- ﷺ من التكليف بالعبادات ما جعل فى يوم الجمعة- المخلوق فيه آدم- من الجمعة والخطبة وغير ذلك، إكراما لنبيه- ﷺ بالتخفيف عن أمته، بسبب عناية وجوده قال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «١» ، ومن جملة ذلك: عدم التكليف. واختلف أيضا فى الوقت الذى ولد فيه. والمشهور أنه يوم الاثنين. فعن. أبى قتادة الأنصارى: أنه- ﷺ سئل عن صيام يوم الاثنين فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، وأنزلت على فيه النبوة» «٢» رواه مسلم، وهذا يدل على أنه- ﷺ ولد نهارا. وفى المسند، عن ابن عباس قال: ولد- ﷺ يوم الاثنين، واستنبىء يوم الاثنين، وخرج مهاجرا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين،. ورفع الحجر يوم الاثنين «٣» . انتهى. وكذا فتح مكة ونزول سورة المائدة يوم الاثنين.

وقد روى أنه ولد [يوم الاثنين] عند طلوع الفجر، فعن عبد الله بن عمرو بن العاصى قال: كان بمر الظهران راهب يسمى عيصى، من أهل الشام، وكان يقول: يوشك أن يولد فيكم يا أهل مكة مولود تدين له العرب ويملك العجم، هذا زمانه، فكان لا يولد بمكة مولود إلا يسأل عنه، فلما كان صبيحة اليوم الذى ولد فيه رسول الله- ﷺ خرج عبد المطلب حتى أتى عيصى فناداه، فأشرف عليه، فقال له عيصى: كن أباه، فقد ولد ذلك المولود الذى كنت أحدثكم عنه يوم الاثنين، ويبعث يوم الاثنين، ويموت يوم الاثنين. قال: ولد لى الليلة مع الصبح مولود، قال: فما سميته؟ قال: محمدا، قال: والله لقد كنت أشتهى أن يكون هذا المولود فيكم أهل هذا البيت، بثلاث خصال تعرّفه: فقد أتى عليهن منها: أنه طلع نجمه البارحة، وأنه ولد اليوم، وأن اسمه محمد. رواه أبو جعفر بن أبى شيبة، وخرجه أبو نعيم فى الدلائل بسند فيه ضعف. وقيل: كان مولده- ﷺ عند طلوع الغفر، وهو ثلاثة أنجم صغار ينزلها القمر، وهو مولد النبيين، ووافق ذلك من الشهور الشمسية نيسان «١» ، وهو برج الحمل، وكان لعشرين مضت منه. وقيل ولد ليلا فعن عائشة قالت: كان بمكة يهودى يتجر فيها، فلما كانت الليلة التى ولد فيها رسول الله- ﷺ قال: يا معشر قريش هل ولد فيكم الليلة مولود قالوا لا نعلم قال ولد الليلة نبى هذه الأمة الأخيرة بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنهن عرف فرس فخرجوا باليهودى حتى أدخلوه على أمه فقالوا: أخرجى لنا ابنك فأخرجته وكشفوا عن ظهره فرأى تلك الشامة فوقع اليهودى مغشيّا عليه فلما أفاق قالوا مالك ويلك قال: ذهبت والله النبوة من بنى إسرائيل» ، رواه الحاكم. قال الشيخ بدر الدين الزركشى: «والصحيح أن ولادته- ﷺ كانت

مغشيّا عليه فلما أفاق قالوا مالك ويلك قال: ذهبت والله النبوة من بنى إسرائيل» ، رواه الحاكم. قال الشيخ بدر الدين الزركشى: «والصحيح أن ولادته- ﷺ كانت

نهارا، قال: وأما ما روى من تدلى النجوم فضعفه ابن دحية لاقتضائه أن الولادة ليلا. قال: وهذا لا يصلح أن يكون تعليلا، فإن زمان النبوة صالح للخوارق، ويجوز أن تسقط النجوم نهارا» انتهى. فإن قلت: إذا قلنا بأنه- ﵊ ولد ليلا، فأيما أفضل: ليلة القدر أو ليلة مولده- ﷺ؟ أجيب: بأن ليلة مولده أفضل من ليلة القدر من وجوه ثلاثة: أحدها: أن ليلة المولد ليلة ظهوره- ﷺ، وليلة القدر معطاة له، وما شرف بظهور ذات المشرف من أجله أشرف مما شرف بسبب ما أعطيه، ولا نزاع فى ذلك، فكانت ليلة المولد- بهذا الاعتبار- أفضل. الثانى: أن ليلة القدر شرفت بنزول الملائكة فيها، وليلة المولد شرفت بظهوره- ﷺ فيها. ومن شرفت به ليلة المولد أفضل ممن شرفت بهم ليلة القدر، على الأصح المرتضى، فتكون ليلة المولد أفضل. الثالث: أن ليلة القدر وقع التفضل فيها على أمة محمد- ﷺ، وليلة المولد الشريف وقع التفضل فيها على سائر الموجودات، فهو الذى بعثه الله ﷿ رحمة للعالمين، فعمت به النعمة على جميع الخلائق، فكانت ليلة المولد أعم نفعا، فكانت أفضل. فيا شهرا ما أشرفه وأوفر حرمة لياليه، كأنها لآلىء فى العقود ويا وجها ما أشرفه من مولود، فسبحان من جعل مولده للقلوب ربيعا وحسنه بديعا. يقول لنا لسان الحال منه ... وقول الحق يعذب للسميع فوجهى والزمان وشهر وضعى ... ربيع فى ربيع فى ربيع واختلف أيضا فى مدة الحمل به، فقيل: تسعة أشهر، وقيل ثمانية وقيل سبعة وقيل ستة. وولد- ﵇ فى الدار التى كانت لمحمد بن يوسف أخى الحجاج ويقال بالشعب، ويقال بالردم ويقال بعسفان.

مل به، فقيل: تسعة أشهر، وقيل ثمانية وقيل سبعة وقيل ستة. وولد- ﵇ فى الدار التى كانت لمحمد بن يوسف أخى الحجاج ويقال بالشعب، ويقال بالردم ويقال بعسفان.

[ذكر رضاعه ﷺ] وأرضعته- ﷺ ثويبة، عتيقة أبى لهب، أعتقها حين بشرته بولادته ﵇. وقد رؤى أبو لهب بعد موته فى النوم فقيل له ما حالك؟ فقال: فى النار، إلا أنه خفف عنى كل ليلة اثنين، وأمص من بين أصبعى هاتين ماء، وأشار برأس أصبعيه وأن ذلك بإعتاقى لثويبة عندما بشرتنى بولادة النبى ﷺ وبإرضاعها له «١» . قال ابن الجزرى: فإذا كان هذا أبو لهب الكافر، الذى نزل القرآن بذمه جوزى فى النار بفرحه ليلة مولد النبى- ﷺ به، فما حال المسلم الموحد من أمته- ﵇ الذى يسر بمولده، ويبذل ما تصل إليه قدرته فى محبته ﷺ، لعمرى إنما يكون جزاؤه من الله الكريم أن يدخله بفضله العميم جنات النعيم. ولا زال أهل السلام يحتفلون بشهر مولده- ﵇، ويعملون الولائم، ويتصدقون فى لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون فى المبرات. ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم. ومما جرب من خواصه أنه أمان فى ذلك العام، وبشرى عاجلة بنيل

لسرور، ويزيدون فى المبرات. ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم. ومما جرب من خواصه أنه أمان فى ذلك العام، وبشرى عاجلة بنيل

البغية والمرام، فرحم الله امرآ اتخذ ليالى شهر مولده المبارك أعيادا، ليكون أشد علة على من فى قلبه مرض وأعيا داء «١» . ولقد أطنب ابن الحاج «٢» فى «المدخل» فى الإنكار على ما أحدثه الناس من البدع والأهواء والغناء بالآلات المحرمة عند عمل المولد الشريف، فالله يثيبه على قصده الجليل، ويسلك بنا سبيل السنة، فإنه حسبنا ونعم الوكيل. وقد ذكروا أنه لما ولد- ﷺ، قيل: من يكفل هذه الدرة اليتيمة، التى لا يوجد لمثلها قيمة؟ قالت الطيور: نحن نكفله ونغنم خدمته العظيمة، قالت الوحوش: نحن أولى بذلك ننال شرفه وتعظيمه، فنادى لسان القدرة: أن يا جميع المخلوقات: إن الله تعالى قد كتب فى سابق حكمته القديمة أن نبيه الكريم يكون رضيعا لحليمة الحليمة. قالت حليمة: فيما رواه ابن إسحاق وابن راهواه وأبو يعلى والطبرانى والبيهقى وأبو نعيم: قدمت مكة فى نسوة من بنى سعد بن بكر، نلتمس الرضعاء «٣» فى سنة شهباء «٤» ، فقدمت على أتان «٥» لى ومعى صبى لنا وشارف لنا «٦» ، والله ما تبض بقطرة، وما ننام ليلنا ذلك أجمع مع صبينا ذاك، لا يجد فى ثديى ما يغنيه، ولا فى شارفنا ما يغذيه. فقدمنا مكة، فو الله ما علمت منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله

  • ﷺ فتأباه، إذا قيل لها يتيم «١» ، فو الله ما بقى من صواحبى امرأة إلا أخذت رضيعا غيرى، فلما لم أجد غيره، قلت لزوجى: والله إنى لأكره أن أرجع من بين صواحبى ليس معى رضيع، لأنطلقن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، فذهبت فإذا به مدرج فى ثوب أبيض من اللبن، يفوح منه المسك، وتحته حريرة خضراء، راقدا على قفاه، يغط، فأشفقت أن أوقظه من نومه لحسنه وجماله، فدنوت منه رويدا فوضعت يدى على صدره فتبسم ضاحكا، وفتح عينيه لينظر إلىّ، فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماء وأنا أنظر، فقبلته بين عينيه، وأعطيته ثديى الأيمن، فأقبل عليه بما شاء من لبن، فحولته إلى الأيسر فأبى، وكانت تلك حاله بعد- قال أهل العلم: أعلمه الله تعالى أن له شريكا فألهمه العدل- قالت: فروى وروى أخوه. ثم أخذته، فما هو إلا أن جئت به رحلى، فأقبل عليه ثدياى بما شاء من لبن، فشرب حتى روى [وشرب أخوه حتى روى] ، فقام صاحبى- تعنى زوجها- إلى شارفنا «٢» تلك، فإذا إنها لحافل «٣» ، فحلب ما شرب وشربت حتى روينا، وبتنا بخير ليلة، فقال صاحبى: يا حليمة، والله إنى لأراك قد أخذت نسمة مباركة، ألم ترى ما بتنا به الليلة من الخير والبركة حين أخذناه، فلم يزل الله يزيدنا خيرا. قال فى رواية ذكرها ابن طغر بك فى «النطق المفهوم» : فلما نظر صاحبى إلى هذا قال لى: اسكتى واكتمى أمرك، فمن ليلة ولد هذا الغلام أصبحت الأحبار قواما على أقدامها، لا يهنؤها عيش النهار ولا نوم الليل. قالت حليمة: فودعت النساء بعضهن بعضا وودعت أنا أم النبى ﷺ، ثم ركبت أتانى وأخذت محمدا بين يدى، قالت: فنظرت إلى الأتان وقد سجدت نحو الكعبة ثلاث سجدات ورفعت رأسها إلى السماء ثم مشت حتى سبقت دواب الناس الذين كانوا معى، وصار الناس يتعجبون منى

يدى، قالت: فنظرت إلى الأتان وقد سجدت نحو الكعبة ثلاث سجدات ورفعت رأسها إلى السماء ثم مشت حتى سبقت دواب الناس الذين كانوا معى، وصار الناس يتعجبون منى

ويقلن النساء لى وهن ورائى: يا بنت أبى ذؤيب أهذه أتانك التى كنت عليها وأنت جائية معنا تخفضك طورا وترفعك أخرى؟ فأقول: تالله إنها هى فيتعجبن منها ويقلن إن لها لشأنا عظيما. قالت: فكنت أسمع أتانى تنطق وتقول والله إن لى لشأنا ثم شأنا بعثنى الله بعد موتى ورد لى سمنى بعد هزالى، ويحكن يا نساء بنى سعد إنكن لفى غفلة وهل تدرين من على ظهرى، على ظهرى خيار النبيين وسيد المرسلين وخير الأولين والآخرين وحبيب رب العالمين. قالت حليمة- فيما ذكره ابن إسحاق وغيره-: ثم قدمنا منازل بنى سعد، ولا أعلم أرضا من أرض الله أجدب- بالدال المهملة- منها، فكانت غنمى تروح على حين قدمنا به شباعا لبنا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها فى ضرع، حتى كان الحاضر من قومنا يقولون لرعاتهم: اسرحوا حيث يسرح راعى غنم بنت أبى ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن، وتروح أغنامى شباعا لبنا «١» . فلله درها من بركة كثرت بها مواشى حليمة ونمت وارتفع قدرها به وسمت ولم تزل حليمة تتعرف الخير والسعادة وتفوز منه بالحسنى وزيادة. لقد بلغت بالها شمى حليمة ... مقاما علا فى ذروة العز والمجد وزادت مواشيها وأخصب ربعها ... وقد عم هذا السعد كل بنى سعد قال ابن الطراح رأيت فى كتاب الترقيص لأبى عبد الله محمد بن المعلى الأزدى أن من شعر حليمة ما كانت ترقص به النبى- ﷺ: يا رب إذ أعطيته فأبقه ... وأعله إلى العلا وأرقه وأدحض أباطيل العدا بحقه وعند غيره كانت الشيماء أخته من الرضاعة تحضنه وترقصه وتقول: هذا أخ لم تلده أمى ... وليس من نسل أبى وعمى فديته من مخول معمى ... فأنمه اللهم فيما تنمى

وعند غيره كانت الشيماء أخته من الرضاعة تحضنه وترقصه وتقول: هذا أخ لم تلده أمى ... وليس من نسل أبى وعمى فديته من مخول معمى ... فأنمه اللهم فيما تنمى

وأخرج البيهقى والصابونى «١» فى المائتين والخطيب وابن عساكر فى تاريخهما وابن طغربك السياف فى النطق المفهوم عن العباس بن عبد المطلب قال قلت يا رسول الله دعانى للدخول فى دينك أمارة لنبوتك رأيتك فى المهد تناغى القمر وتشير إليه بأصبعك فحيث أشرت إليه مال قال: «إنى كنت أحدثه ويحدثنى ويلهينى عن البكاء وأسمع وجبته حين يسجد تحت العرش» «٢» قال البيهقى تفرد به أحمد بن إبراهيم الجيلى وهو مجهول وقال الصابونى: هذا حديث غريب الإسناد والمتن وهو فى المعجزات حسن. والمناغاة: المحادثة، وقد ناغت الأم صبيها: لاطفته وشاغلته بالمحادثة والملاعبة. وفى فتح البارى عن سيرة الواقدى «٣» : أنه- ﷺ تكلم فى أوائل ما ولد «٤» . وذكر ابن سبع فى الخصائص: أن مهده كان يتحرك بتحريك الملائكة. وأخرج البيهقى وابن عساكر عن ابن عباس قال كانت حليمة تحدث أنها أول ما فطمت رسول الله- ﷺ تكلم فقال: «الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا» ، فلما ترعرع كان يخرج فينظر إلى الصبيان يلعبون فبجتنبهم «٥» . الحديث. وقد روى ابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر، عن ابن عباس قال: كانت حليمة لا تدعه يذهب مكانا بعيدا، فغافلت عنه، فخرج مع أخته الشيماء فى

الظهيرة إلى البهم، فخرجت حليمة تطلبه، حتى تجده مع أخته فقالت: فى هذا الحر؟ قالت أخته: يا أمه ما وجد أخى حرّا، رأيت غمامة تظل عليه، إذا وقف وقفت وإذا سار سارت حتى انتهى إلى هذا الموضع الحديث. وكان- ﷺ يشب شبابا لا يشبه الغلمان. قالت حليمة: فلما فصلته قدمنا به على أمه، ونحن أحرص شىء على مكثه فينا، لما نرى من بركته، فكلمنا أمه وقلنا: لو تركتيه عندنا حتى يغلظ، فإنا نخشى عليه وباء مكة، ولم نزل بها حتى ردته معنا فرجعنا به. فو الله إنه لبعد مقدمنا بشهرين أو ثلاثة مع أخيه من الرضاعة، لفى بهم لنا خلف بيوتنا، جاء أخوه يشتد، فقال: ذاك أخى القرشى، قد جاء رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاه وشقا بطنه، فخرجت أنا وأبوه نشتد نحوه، فنجده قائما منتقعا لونه، فاعتنقه أبوه وقال: أى بنى، ما شأنك، فقال: جاءنى رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعانى فشقا بطنى، ثم استخرجا منه شيئا فطرحاه، ثم رداه كما كان. فرجعنا به معنا، فقال أبوه: يا حليمة لقد خشيت أن يكون ابنى قد أصيب، فانطلقى بنا نرده إلى أهله قبل أن يظهر به ما نتخوف، قالت حليمة فاحتملناه حتى قدمنا به مكة إلى أمه، فقالت: ما ردكما به فقد كنتما حريصين عليه؟ قلنا نخشى عليه الإتلاف والأحداث، فقالت: ما ذاك بكما، فأصدقانى شأنكما، فلم تدعنا حتى أخبرناها خبره، قالت: أخشيتما عليه الشيطان، كلا والله ما لشيطان عليه سبيل، وإنه لكائن لابنى هذا شأن عظيم فدعاه عنكما. وفى حديث شداد بن أوس عن رجل من بنى عامر، عند أبى يعلى وأبى نعيم وابن عساكر: أن رسول الله- ﷺ قال: «كنت مسترضعا فى بنى سعد بن بكر، فبينا أنا ذات يوم فى بطن واد، مع أتراب لى من الصبيان، إذا أنا برهط ثلاثة معهم طست من ذهب، ملىء ثلجا، فأخذونى من بين أصحابى، وانطلق الصبيان هرابا مسرعين إلى الحى، فعمد أحدهم فأضجعنى على الأرض إضجاعا لطيفا، ثم شق ما بين مفرق صدرى إلى منتهى عانتى وأنا

فأخذونى من بين أصحابى، وانطلق الصبيان هرابا مسرعين إلى الحى، فعمد أحدهم فأضجعنى على الأرض إضجاعا لطيفا، ثم شق ما بين مفرق صدرى إلى منتهى عانتى وأنا

أنظر إليه، لم أجد لذلك مسّا، ثم أخرج أحشاء بطنى ثم غسلها بذلك الثلج، فأنعم غسلها، ثم أعادها مكانها، ثم قال الثانى فقال لصاحبه تنح، ثم أدخل يده فى جوفى فأخرج قلبى وأنا أنظر إليه فصدعه ثم أخرج منه مضغة سوداء فرمى بها ثم قال بيده يمنة ويسرة كأنه يتناول شيئا فإذا بخاتم فى يده من نور يحار الناظر دونه فختم به قلبى فامتلأ وذلك نور النبوة والحكمة ثم أعاده مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم فى قلبى دهرا، ثم قال الثالث لصاحبه تنح، فأمرّ يده بين مفرق صدرى إلى منتهى عانتى فالتأم ذلك الشق بإذن الله تعالى، ثم أخذ بيدى فأنهضنى من مكانى إنهاضا لطيفا ثم قال للأول: زنه بعشرة من أمته فوزنونى بهم فرجحتهم ثم قال زنه بمائة من أمته فرجحتهم ثم قال زنه بألف فرجحتهم فقال: دعوه فلو وزنتموه بأمته كلها لرجحهم، ثم ضمونى إلى صدورهم وقبلوا رأسى وما بين عينى ثم قالوا: يا حبيب لم ترع إنك لو تدرى ما يراد بك من الخير لقرت عيناك» الحديث «١» . وفى رواية ابن عباس، عند البيهقى، قالت حليمة: إذا أنا بابنى ضمرة يعدو فزعا، وجبينه يرشح باكيا ينادى: يا أبت، يا أماه، ألحقا محمدا فما تلحقاه إلا ميتا. أتاه رجل فاختطفه من أوساطنا، وعلا به ذروة الجبل، حتى شق صدره إلى عانته، وفيه: أنه- ﵇ قال: «أتانى رهط ثلاثة، بيد أحدهم إبريق من فضة، وفى يد الثانى طست من زمردة خضراء» الحديث «٢» . فإن قلت: هل غسل قلبه الشريف فى الطست خاص به، أو فعل بغيره من الأنبياء- ﵈؟ أجيب: بأنه ورد فى خبر التابوت والسكينة: أنه كان فيه الطست الذى غسلت فيه قلوب الأنبياء، ذكره الطبرى، وعزاه العماد ابن كثير فى تفسيره لرواية السدى عن أبى مالك عن ابن عباس. فإن قلت: ما الحكمة فى ختم قلبه المقدس؟

ذى غسلت فيه قلوب الأنبياء، ذكره الطبرى، وعزاه العماد ابن كثير فى تفسيره لرواية السدى عن أبى مالك عن ابن عباس. فإن قلت: ما الحكمة فى ختم قلبه المقدس؟

أجيب: بأنه إشارة إلى ختم الرسالة به، وهذا مسلم، إن كان الختم خاصّا به، أما إذا ورد أنه ليس خاصّا به بل بكل نبى- وسيأتى إن شاء الله تعالى قريبا ما فى الخاتم الشريف من المباحث- فتكون الحكمة أنه علامة يمتاز بها عن غيره ممن ليس بنبى. والمراد بالوزن: فى قوله «زنه بعشرة إلخ» الوزن الاعتبارى، فيكون المراد الرجحان فى الفضل، وهو كذلك. وفائدة فعل الملكين، ذلك، ليعلم الرسول ذلك، حتى يخبر به غيره ويعتقده، إذ هو من الأمور الاعتقادية. وقد وقع شق صدره الشريف [واستخراج قلبه] مرة أخرى عند مجىء جبريل له بالوحى فى غار حراء. ومرة أخرى عند الإسراء به، وسيأتى كل فى موضعه- إن شاء الله تعالى-. وروى الشق أيضا، وهو ابن عشر أو نحوها، مع قصة له مع عبد المطلب، أبو نعيم فى الدلائل. وروى خامسة، ولا تثبت. والحكمة فى شق صدره الشريف فى حال صباه، واستخراج العلقة منه، تطهيره عن حالات الصبا حتى يتصف فى سن الصبا بأوصاف الرجولية، ولذلك نشأ- ﵇ على أكمل الأحوال من العصمة. وقد روى أنه ختم بخاتم النبوة بين كتفيه، وكان ينم مسكا، وأنه مثل زر الحجلة «١» ، ذكره البخارى. وفى مسلم: جمع عليه خيلان، كأنها الثاليل السود عند نغض كتفه «٢» ، ويروى: غضروف كتفه اليسرى.

وفى كتاب أبى نعيم: الأيمن. وفى مسلم أيضا: كبيضة الحمام «١» . وفى صحيح الحاكم: شعر مجتمع «٢» . وفى البيهقى: مثل السلعة. وفى الشمائل: بضعة ناشزة. وفى حديث عمرو بن أخطب: كشىء يختم به. وفى تاريخ ابن عساكر: مثل البندقة. وفى الترمذى ودلائل البيهقى: كالتفاحة «٣» . وفى الروض: كأثر المحجمة القابضة على اللحم. وفى تاريخ ابن أبى خيثمة: شامة خضراء محتفرة فى اللحم. وفيه أيضا: شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متراكمات كأنها عرف الفرس. وفى تاريخ القضاعى: ثلاث شعرات مجتمعات. وفى كتاب الترمذى الحكيم «٤» : كبيضة حمام، مكتوب فى باطنها: الله وحده لا شريك له، وفى ظاهرها: توجه حيث كنت فإنك المنصور.

وفى كتاب المولد لابن عائذ: كان نورا يتلألأ. وفى سيرة ابن أبى عاصم: عذرة كعذرة الحمام، قال أبو أيوب: يعنى قرطمة الحمامة. وفى تاريخ نيسابور: مثل البندقة من لحم مكتوب فيه باللحم: محمد رسول الله. وعن عائشة: كتينة صغيرة تضرب إلى الدهمة، وكان مما يلى الفقار قالت: فلمسته حين توفى فوجدته قد رفع. حكى هذا كله الحافظ مغلطاى لكن قال فى فتح البارى: ما ورد من أن الخاتم كان كأثر المحجم، أو كالشامة السوداء أو الخضراء، مكتوب عليها: محمد رسول الله، أو: سر فإنك المنصور. لم يثبت منها شىء «١» . قال: ولا يغتر بما وقع فى صحيح ابن حبان، فإنه غفل حيث صحح ذلك. وقال الهيثمى فى «موارد الظمان» بعد أن أورد الحديث ولفظه: مثل البندقة من اللحم مكتوب عليه: محمد رسول الله «٢» . اختلط على بعض الرواة خاتم النبوة بالخاتم الذى كان يختم به. وبخط الحافظ ابن حجر على الهامش: البعض المذكور هو إسحاق بن إبراهيم قاضى سمرقند وهو ضعيف. وقوله: زر الحجلة- بالزاى والراء- والحجلة- بالحاء المهملة والجيم- قال النووى: هى واحدة الحجال، وهى بيت كالقبة، لها أزرار كبار وعرى، هذا هو الصواب. وقال بعضهم: المراد بالحجلة: الطائر المعروف. وزرها: بيضها، وأشار إليه الترمذى وأنكره عليه العلماء. وقوله: جمع- بضم الجيم وإسكان الميم- أى كجمع الكف، وصورته: أن تجمع الأصابع وتضمها.

ائر المعروف. وزرها: بيضها، وأشار إليه الترمذى وأنكره عليه العلماء. وقوله: جمع- بضم الجيم وإسكان الميم- أى كجمع الكف، وصورته: أن تجمع الأصابع وتضمها.

وقوله: خيلان: - بكسر الخاء المعجمة وإسكان التحتية- جمع خال، وهو الشامة على الجسد. وقوله: نغض: - بالنون والغين والضاد، المعجمتين- قال النووى: النغض والنّغض والناغض: أعلى الكتف، وقيل هو العظم الرقيق الذى على طرفه، وقيل: ما يظهر منه عند التحرك، سمى ناغضا لتحركه. وقوله: بضعة ناشزة- بالمعجمة والزاى- أى قطعة لحم مرتفعة على جسده. وبيضة الحمامة: معروفة. انتهى. والثاليل: - بالمثلاثة- جمع ثؤلول: وهو حب يعلو ظاهر الجسد، واحدته كالحمصة فما دونها. وفى القاموس: وقرطمتا الحمام- أى بكسر القاف- نقطتان على أصل منقاره. وقال بعض العلماء: اختلف أقوال الرواة فى خاتم النبوة، وليس ذلك باختلاف، بل كل شبه بما سنح له، وكلها ألفاظ مؤداها واحد، وهو: قطعة لحم، ومن قال: شعر فلأن الشعر حوله متراكم عليه، كما فى الرواية الآخرى. وقال القرطبى: الأحاديث الثابتة دالة على أن خاتم النبوة كان شيئا بارزا أحمر عند كتفه الأيسر، إذا قلل، قدر ببيضة الحمامة، وإذا كبر: جمع اليد. وقال القاضى عياض: وهذه الروايات متقاربة متفرقة، متفقة على أنه شاخص فى جسده، قدر بيضة الحمامة، وزر الحجلة. وأما رواية جمع الكف فظاهرها المخالفة، فتتأول على وفق الروايات الكثيرة، ويكون معناه: على هيئة جمع الكف، لكنه أصغر منه فى قدر بيضة الحمامة. قال: وهذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين كتفيه. قال النووى: هذا الذى قال ضعيف، بل باطل، لأن شق الملكين إنما كان فى صدره وبطنه. انتهى.

در بيضة الحمامة. قال: وهذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين كتفيه. قال النووى: هذا الذى قال ضعيف، بل باطل، لأن شق الملكين إنما كان فى صدره وبطنه. انتهى.

ويشهد له قول أنس فى حديث عند مسلم- يأتى فى ذكر قلبه الشريف، من المقصد الثالث، إن شاء الله تعالى-: فلقد كنت أرى أثر المخيط فى صدره «١» . لكن أجيب: بأن فى حديث عتبة بن عبد السلمى «٢» - عند أحمد والطبرانى- أن الملكين لما شقا صدره قال أحدهما للآخر: خطه، فخاطه وختم عليه بخاتم النبوة، فلما ثبت أن خاتم النبوة بين كتفيه حمل القاضى عياض ذلك على أن الشق لما وقع فى صدره، ثم خيط حتى التأم كما كان، ووقع الختم بين كتفيه كان ذلك أثر الختم. وفهم النووى وغيره منه: أن قوله بين كتفيه متعلق بالشق وليس كذلك، بل هو متعلق بأثر الختم، وحينئذ فليس ما قاله القاضى عياض بباطل، انتهى «٣» . وقال السهيلى: والصحيح أنه- يعنى خاتم النبوة- كان عند نغض كتفه الأيسر. واختلف هل ولد به؟ أو وضع بعد ولادته؟ على قولين. وقد وقع التصريح بوقت وضع الخاتم، وكيف وضع، ومن وضعه، فى حديث أبى ذر عند البزار وغيره قال: قلت يا رسول الله: كيف علمت أنك نبى، وبم علمت أنك نبى حتى استيقنت؟ قال: «أتانى آتيان، وفى رواية ملكان، وأنا ببطحاء مكة، فوقع أحدهما بالأرض، وكان الآخر بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: هو هو، قال: فزنه برجل» الحديث «٤» . وفيه: ثم قال أحدهما لصاحبه: شق بطنه، فشق بطنى فأخرج

قلبى فأخرج منه مغمز الشيطان وعلق الدم فطرحهما، فقال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاء، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه، فخاط بطنى وجعل الخاتم بين كتفى كما هو الآن، ووليا عنى، وكأنى أرى الأمر معاينة «١» . وعند أبى نعيم فى الدلائل: أنه- ﷺ لما ولد، ذكرت أمه أن الملك غمسه فى الماء الذى أنبعه ثلاث غمسات، ثم أخرج سرقة من حرير أبيض، فإذا فيها خاتم فضرب على كتفه كالبيضة المكنونة، تضىء كالزهرة. وقيل: ولد به، فالله أعلم. وأخرج الحاكم فى المستدرك عن وهب بن منبه قال: لم يبعث الله نبيّا إلا وقد كان عليه شامات النبوة فى يده اليمنى، إلا أن يكون نبينا- ﷺ فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه» . وعلى هذا: فيكون وضع الخاتم بين كتفيه بإزاء قلبه مما اختص به عن سائر الأنبياء والله أعلم. ولما بلغ- ﷺ أربع سنين- وقيل خمسا، وقيل ستّا، وقيل سبعا، وقيل تسعا، وقيل اثنتى عشرة سنة وشهرا وعشرة أيام- ماتت أمه بالأبواء «٣» وقيل بشعب أبى ذئب بالحجون «٤» . وفى القاموس: ودار رائعة بمكة فيها مدفن آمنة أم النبى- ﷺ. وأخرج ابن سعد عن ابن عباس وعن الزهرى، وعن عاصم بن عمرو ابن قتادة دخل حديث بعضهم فى حديث بعض قالوا: لما بلغ رسول الله ﷺ ست سنين خرجت به أمه إلى أخواله بنى عدى بن النجار بالمدينة،

الزهرى، وعن عاصم بن عمرو ابن قتادة دخل حديث بعضهم فى حديث بعض قالوا: لما بلغ رسول الله ﷺ ست سنين خرجت به أمه إلى أخواله بنى عدى بن النجار بالمدينة،

تزورهم، ومعه أم أيمن، فنزلت به دار التابعة. فأقامت به عندهم شهرا، فكان ﷺ يذكر أمورا كانت فى مقامه ذلك، ونظرا إلى الدار فقال: هاهنا نزلت بى أمى، وأحسنت العوم فى بئر بنى عدى بن النجار، وكان قوم من اليهود يختلفون ينظرون إلى. قالت أم أيمن فسمعت أحدهم يقول: هو نبى هذه الأمة، وهذه دار هجرته، فوعيت ذلك كله من كلامهم، ثم رجعت به أمه إلى مكة، فلما كانت بالأبواء توفيت «١» . وروى أبو نعيم من طريق الزهرى عن أسماء بنت رهم عن أمها قالت: شهدت آمنة أم النبى- ﷺ فى علتها التى ماتت بها، ومحمد- ﵇ غلام يفع له خمس سنين عند رأسها، فنظرت إلى وجهه ثم قالت: بارك الله فيك من غلام ... يابن الذى من حومة الحمام نجا بعون الملك المنعام ... فودى غداة الضرب بالسهام بمائة من إبل سوام ... إن صح ما أبصرت فى المنام فأنت مبعوث إلى الأنام ... من عند ذى الجلال والإكرام تبعث فى الحل وفى الحرام ... تبعث فى التحقيق والإسلام دين أبيك البر إبراهام ... فالله أنهاك عن الأصنام ألاتواليها مع الأقوام ثم قالت: كل حى ميت، وكل جديد بال، وكل كبير يفنى وأنا ميتة وذكرى باق، وقد تركت خيرا، وولدت طهرا، ثم ماتت. فكنا نسمع نوح الجن عليها فحفظنا من ذلك هذه الأبيات: نبكى الفتاة البرة الأمينة ... ذات الجمال العفة الرزينة زوجة عبد الله والقرينة ... أم نبى الله ذى السكينة وصاحب المنبر بالمدينة ... صارت لدى حفرتها رهينة وقد روى أن آمنة آمنت به- ﷺ بعد موتها.

لعفة الرزينة زوجة عبد الله والقرينة ... أم نبى الله ذى السكينة وصاحب المنبر بالمدينة ... صارت لدى حفرتها رهينة وقد روى أن آمنة آمنت به- ﷺ بعد موتها.

فروى الطبرى بسنده عن عائشة أن النبى- ﷺ نزل الحجون كئيبا حزينا، فأقام به ما شاء الله ﷿، ثم رجع مسرورا، قال: «سألت ربى فأحيا لى أمى، فامنت بى ثم ردها» «١» . ورواه أبو حفص بن شاهين فى كتاب: «الناسخ والمنسوخ» له، بلفظ، قالت عائشة: حج بنا رسول الله- ﷺ حجة الوداع، فمر بى على عقبة الحجون، وهو باك حزين مغتم، فبكيت لبكائه، ثم إنه نزل فقال: «يا حميراء استمسكى» فاستندت إلى جنب البعير، فمكثت مليّا، ثم عاد إلى وهو فرح متبسم فقال: «ذهبت لقبر أمى فسألت ربى أن يحييها، فأحياها فامنت بى» «٢» . وكذا روى من حديث عائشة أيضا إحياء أبويه- ﷺ حتى آمنا به. أورده السهيلى، وكذا الخطيب فى السابق واللاحق. وقال السهيلى: إن فى إسناده مجاهيل. وقال ابن كثير: إنه حديث منكر جدّا، وسنده مجهول. وقال ابن دحية: هذا الحديث موضوع يرده القرآن والإجماع. انتهى. وقد جزم بعض العلماء: أن أبويه- ﷺ ناجيان، وليسا فى النار، متمسكا بهذا الحديث وغيره. وتعقبه عالم آخر: بأنه لم ير أحدا صرح بأن الإيمان بعد انقطاع العمل بالموت ينفع صاحبه، فإن ادعى أحد الخصوصية فعليه الدليل. انتهى. وقد سبقه لذلك، أبو الخطاب بن دحية، وعبارته: من مات كافرا لم ينفعه الإيمان بعد الرجعة، بل لو آمن عند المعاينة لم ينفعه ذلك، فكيف بعد الإعادة. انتهى. وتعقبه القرطبى فى «التذكرة» : بأن فضائله- ﷺ وخصائصه لم تزل

م ينفعه الإيمان بعد الرجعة، بل لو آمن عند المعاينة لم ينفعه ذلك، فكيف بعد الإعادة. انتهى. وتعقبه القرطبى فى «التذكرة» : بأن فضائله- ﷺ وخصائصه لم تزل

تتوالى وتتابع إلى حين مماته، فيكون هذا مما فضله الله به وأكرمه، قال: وليس إحياؤهما وإيمانهما بممتنع عقلا ولا شرعا، فقد ورد فى الكتاب العزيز إحياء قتيل بنى إسرائيل، وإخباره بقاتله، وكان عيسى- ﵇ يحيى الموتى، وكذلك نبينا- ﷺ أحيا الله على يده جماعة من الموتى، وإذا ثبت هذا فلا يمتنع إيمانهما بعد إحيائهما، ويكون ذلك زيادة فى كرامته وفضيلته. ثم قال: وقوله: من مات كافرا إلى آخر كلامه، مردود بما روى فى الخبر أن الله تعالى رد الشمس على نبيه- ﷺ بعد مغيبها. ذكره الطحاوى وقال: إنه حديث ثابت، فلو لم يكن رجوع الشمس نافعا، وأنه لا يتجدد به الوقت لما ردها عليه، فكذلك يكون إحياء أبوى النبى- ﷺ نافعا لإيمانهما وتصديقهما بالنبى- ﷺ انتهى «١» . وقد طعن بعضهم فى حديث رد الشمس. كما سيأتى- إن شاء الله- فى مقصد المعجزات. وقد تمسك القائل بنجاتهما أيضا بأنهما ماتا قبل البعثة، فى زمن الفترة، ولا تعذيب قبلها لقوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا «٢» قال: وقد أطبقت الأئمة الأشاعرة من أهل الكلام والأصول، والشافعية من الفقهاء على أن من مات ولم تبلغه الدعوة يموت ناجيا «٣» . قال: وقال الإمام فخر الدين الرازى فى كتابه «أسرار التنزيل» ما نصه: «قيل إن آزر لم يكن والد إبراهيم، بل كان عمه، واحتجوا عليه بوجوه، منها: أن آباء الأنبياء ما كانوا كفارا، ويدل عليه وجوه منها: قوله تعالى: الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ «٤» قيل معناه: أنه كان ينتقل نوره من ساجد إلى ساجد، ففيه دلالة على أن جميع آباء محمد كانوا مسلمين» .

ثم قال: ومما يدل على أن آباء محمد- ﷺ ما كانوا مشركين. قوله ﵇: «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» «١» وقال تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ «٢» فوجب ألايكون أحد من أجداده مشركا» . كذا قال. وهو متعقب:

  • بأنه لا دلالة فى قوله: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ «٣» . على ما ادعاه، فقد ذكر البيضاوى- فى تفسيره- وغيره، أن معنى الآية: وترددك فى تصفح أحوال المتهجدين، كما روى أنه لما نسخ فرض قيام الليل طاف- ﵇ تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون، حرصا على كثرة طاعاتهم، فوجدها كبيوت الزنابير لما سمع لها من دندنتهم بذكر الله تعالى.
  • وقد ورد النص بأن أبا إبراهيم- ﵊ مات على الكفر، كما صرح به البيضاوى وغيره، قال تعالى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ «٤» . وأما قوله إنه كان عمه فعدول عن الظاهر من غير دليل. انتهى. ونقل الإمام أبو حيان فى «البحر» عند تفسير قوله: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ «٥» . أن الرافضة هم القائلون أن آباء النبى- ﷺ كانوا مؤمنين، مستدلين بقوله تعالى: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ «٦» . وبقوله- ﵇: «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين» الحديث «٧» . انتهى.
  • وروى ابن جرير عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه:

فِي السَّاجِدِينَ «٦» . وبقوله- ﵇: «لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين» الحديث «٧» . انتهى.

  • وروى ابن جرير عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه:

أن النبى- ﷺ لما قدم مكة أتى رسم قبر، فجلس إليه فجعل يخاطب ثم قام مستعبرا فقلنا يا رسول الله إنا رأينا ما صنعت، قال: «إنى استأذنت ربى فى زيارة قبر أمى فأذن لى، واستأذننه فى الاستغفار لها فلم يأذن لى» . فما رؤى باكيا أكثر من يومئذ «١» .

  • وروى ابن أبى حاتم فى تفسيره عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله- ﷺ أومأ إلى المقابر فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلا، ثم بكى فبكينا لبكائه، ثم قام فقام إليه عمر بن الخطاب- رضى الله عنه-، فدعاه ثم دعانا، فقال: ما أبكاكم؟ قلنا: بكينا لبكائك، فقال: إن القبر الذى جلست عنده قبر آمنة، وإنى استأذنت ربى فى زيارتها فأذن لى، وإنى استأذنته فى الدعاء لها فلم يأذن لى، وأنزل الله على: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى «٢» فأخذنى ما يأخذ الولد للوالد «٣» . ورواه الطبرانى من حديث ابن عباس.
  • وفى مسلم: «استأذنت ربى أن أستغفر لأمى فلم يأذن لى، واستأذنته فى أن أزور قبرها فأذن لى فزوروا القبور، فإنها تذكر الآخرة» «٤» . قال القاضى عياض: بكاؤه- ﵇ على ما فاتها من إدراك أيامه والإيمان به.
  • وفى مسلم أيضا: «أن رجلا قال: يا رسول الله: أين أبى، قال: «فى النار» فلما قفا دعاه، قال: «إن أبى وأباك فى النار» «٥» . قال النووى: فيه أن من مات على الكفر فهو فى النار، ولا ينفعه قرابة المقربين.

ن أبى، قال: «فى النار» فلما قفا دعاه، قال: «إن أبى وأباك فى النار» «٥» . قال النووى: فيه أن من مات على الكفر فهو فى النار، ولا ينفعه قرابة المقربين.

وفيه: أن من مات فى الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو فى النار، وليس فى هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء. وقال الإمام فخر الدين: من مات مشركا فهو فى النار، وإن مات قبل البعثة، لأن المشركين كانوا قد غيروا الحنيفية دين إبراهيم، واستبدلوا بها الشرك وارتكبوه، وليس معهم حجة من الله به، ولم يزل معلوما من دين الرسل كلهم، من أولهم إلى آخرهم، قبح الشرك والوعيد عليه فى النار، وأخبار عقوبات الله لأهله متداولة بين الأمم قرنا بعد قرن، فلله الحجة البالغة على المشركين، فى كل وقت وحين، ولو لم يكن إلا ما فطر الله عباده عليه من توحيد ربوبيته، وأنه يستحيل فى كل فطرة وعقل أن يكون معه إله آخر، وإن كان سبحانه لا يعذب بمقتضى هذه الفطرة وحدها، فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد فى الأرض معلومة لأهلها، فالمشرك مستحق للعذاب فى النار لمخالفته دعوة الرسل، وهو مخلد فيها دائما كخلود أهل الجنة فى الجنة. انتهى. وقد تعقب العلامة أبو عبد الله الأبى من المالكية فيما وضعه على صحيح مسلم قول النووى الماضى وفيه «أن من مات فى الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فى النار، إلى آخره» بما معناه: تأمل ما فى كلامه من التنافى، فإن من بلغتهم الدعوة ليسوا بأهل فترة، لأن أهل الفترة هم: الأمم الكائنة بين أزمنة الرسل الذين لم يرسل إليهم الأول، ولا أدركوا الثانى، كالأعراب الذين لم يرسل إليهم عيسى ولا لحقوا النبى- ﷺ. والفترة بهذا التفسير تشمل ما بين كل رسولين، كالفترة بين نوح وهود، لكن الفقهاء إذا تكلموا فى الفترة فإنهم يعنون التى بين عيسى ونبينا- عليهما الصلاة والسلام-. وذكر البخارى عن سلمان أنها كانت ستمائة سنة.

ولما دلت القواطع على ألاتعذيب حتى تقوم الحجة أى قوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا «١» ، علمنا أنهم غير معذبين، فإن قلت قد صحت أحاديث بتعذيب أهل الفترة، كحديث «رأيت عمرو بن لحى يجر قصبه فى النار» «٢» و «رأيت صاحب المحجن فى النار، وهو الذى يسرق الحاج بمحجنه، فإذا بصر به، قال: إنما تعلق بمحجنى» «٣» . أجيب بأجوبة:

  • أحدها: أنها أخبار آحاد فلا تعارض القطع.
  • الثانى: قصر التعذيب على هؤلاء، والله أعلم بالسبب.
  • الثالث: قصر التعذيب المذكور فى هذه الأحاديث على من بدل وغير من أهل الفترة، بما لا يعذر به من الضلال كعبادة الأوثان وتغيير الشرائع. فإن أهل الفترة ثلاثة أقسام:
  • الأول: من أدرك التوحيد ببصيرته، ثم من هؤلاء من لم يدخل فى شريعة، كقس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل. ومنهم من دخل فى شريعة حق قائمة الرسم، كتبع «٤» وقومه من حمير وأهل نجران، وورقة بن نوفل، وعمه عثمان بن الحويرث.
  • القسم الثانى من أهل الفترة: وهم من بدل وغير، فأشرك ولم يوحد، وشرع لنفسه فحلل وحرم، وهم الأكثر، كعمرو بن لحى، أول من سن للعرب عبادة الأصنام وشرع الأحكام، فبحر البحيرة، وسيب السائبة،

ووصل الوصيلة وحمى الحام «١» ، وتبعته العرب فى ذلك وغيره مما يطول ذكره.

  • القسم الثالث من أهل الفترة: وهم من لم يشرك ولم يوحد، ولا دخل فى شريعة نبى، ولا ابتكر لنفسه شريعة، ولا اخترع دينا، بل بقى عمره على حين غفلة من هذا كله. وفى الجاهلية من كان على ذلك.

من لم يشرك ولم يوحد، ولا دخل فى شريعة نبى، ولا ابتكر لنفسه شريعة، ولا اخترع دينا، بل بقى عمره على حين غفلة من هذا كله. وفى الجاهلية من كان على ذلك.

وإذا انقسم أهل الفترة إلى الثلاثة أقسام، فيحمل من صح تعذيبه على أهل القسم الثانى لكفرهم بما تعدوا به من الخبائث، والله ﷾ قد سمى جميع هذا القسم كفارا ومشركين، فإنا نجد القرآن كلما حكى حال أحد سجل عليهم بالكفر والشرك، كقوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ ثم قال: وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا الآية «١» . والقسم الثالث هم أهل الفترة حقيقة، وهم غير معذبين. وأما أهل القسم الأول: كقس وزيد بن عمرو، فقد قال- ﵇ فى كل منهما «أنه يبعث أمة وحده» «٢» . وأما عثمان بن الحويرث، وتبّع وقومه وأهل نجران، فحكمهم حكم أهل الدين الذين دخلوا فيه، ما لم يلحق أحد منهم الإسلام الناسخ لكل دين. انتهى ملخصا وسيأتى ما قيل فى ورقة فى حديث المبعث- إن شاء الله تعالى-. فهذا ما تيسر فى مسألة والديه- ﷺ، وقد كان الأولى ترك ذلك، وإنما جرّنا إليه ما وقع من المباحثة فيه بين علماء العصر. ولقد أحسن الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقى حيث قال: حبا الله النبى مزيد فضل ... على فضل وكان به رؤوفا فأحيا أمه وكذا أباه ... لإيمان به فضلا لطيفا فسلم فالقديم «٣» بذا قدير ... وإن كان الحديث به ضعيفا «٤»

الله النبى مزيد فضل ... على فضل وكان به رؤوفا فأحيا أمه وكذا أباه ... لإيمان به فضلا لطيفا فسلم فالقديم «٣» بذا قدير ... وإن كان الحديث به ضعيفا «٤»

فالحذر الحذر، من ذكرهما بما فيه نقص، فإن ذلك قد يؤذى النبى ﷺ، فإن العرف جار بأنه إذا ذكر أبو الشخص بما ينقصه، أو وصف بوصف به، وذلك الوصف فيه نقص تأذى ولده بذكر ذلك له عند المخاطبة. وقد قال- ﵇: «لا تؤذوا الأحياء بسبّ الأموات» «١» رواه الطبرانى فى الصغير، ولا ريب أن أذاه- ﵇ كفر يقتل فاعله- إن لم يتب- عندنا. وستأتى مباحث ذلك- إن شاء الله تعالى- فى الخصائص من مقصد المعجزات. وقد أطنب بعض العلماء فى الاستدلال لإيمانهما، فالله تعالى يثيبه على قصده الجميل. قال الحافظ ابن حجر فى بعض كتبه: والظن باله- يعنى الذين ماتوا قبل البعثة- أنهم يطيعون عند الامتحان إكراما له- ﷺ لتقر عينه. وقال فى الأحكام: ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب الجنة فى جملة من يدخلها طائعا فينجو، إلا أبا طالب فإنه أدرك البعثة ولم يؤمن.

[ذكر حضانته ﷺ] وقد كانت أم أيمن، بركة، دايته وحاضنته بعد موت أمه، وكان ﵇ يقول لها: أنت أمى بعد أمى. ومات جده عبد المطلب كافله، وله ثمان سنين- وقيل ثمان سنين وشهر وعشرة أيام، وقيل تسع، وقيل عشر، وقيل ست، وقيل ثلاث وفيه نظر- وله عشر ومائة سنة، وقيل مائة وأربعون سنة. وكفله أبو طالب، واسمه عبد مناف، وكان عبد المطلب قد أوصاه بذلك لكونه شقيق عبد الله. وقد أخرج ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال: قدمت مكة وهم فى قحط، فقالت قريش: يا أبا طالب، أقحط الوادى وأجدب العيال، فهلم فاستسق، فخرج أبو طالب، ومعه غلام كأنه شمس دجن» ، تجلت عنه سحابة قتماء «٢» ، حوله أغيلمة فأخذه أبو طالب، فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ الغلام بأصبعه، وما فى السماء قزعة «٣» ، فأقبل السحاب من هاهنا وها هنا، وأغدق واغدودق، وانفجر الوادى، وأخصب النادى والبادى. وفى ذلك يقول أبو طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده فى نعمة وفواضل والثمال- بكسر المثلاثة-: الملجأ والغياث، وقيل: المطعم فى الشدة.

وعصمة للأرامل: أى يمنعهم من الضياع والحاجة. والأرامل: المساكين من رجال ونساء، ويقال لكل واحد من الفريقين على انفراده: أرامل، وهو بالنساء أخص، وأكثر استعمالا، والواحد أرمل وأرملة. وهذا البيت من أبيات فى قصيدة لأبى طالب، ذكرها ابن إسحاق بطولها، وهى أكثر من ثمانين بيتا. قالها لما تمالأت قريش على النبى ﷺ، ونفروا عنه من يريد الإسلام، وأولها: لما رأيت القوم لا ود عندهم ... وقد قطعوا كل العرى والوسائل وقد جاهرونا بالعداوة والأذى ... وقد طاوعوا أمر العدو المزايل أعبد مناف أنتم خير قومكم ... فلا تشركوا فى أمركم كل واغل فقد خفت إن لم يصلح الله أمركم ... تكونوا كما كانت أحاديث وائل أعوذ برب الناس من كل طاعن ... علينا بسوء أو ملح بباطل وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه ... وراق لبر فى حراء ونازل وبالبيت حق البيت فى بطن مكة ... وتالله إن الله ليس بغافل كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ... ولما نطاعن دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل ومعنى نناضل: نجادل ونخاصم وندافع. ونبزى: - بضم النون وسكون الموحدة آخره زاى- أى نقهر ونغلب عليه. قال ابن التين: إن فى شعر أبى طالب هذا دليلا على أنه كان يعرف نبوة النبى- ﷺ قبل أن يبعث، لما أخبره به بحيرى وغيره من شأنه. وتعقبه الحافظ أبو الفضل بن حجر: بأن ابن إسحاق ذكر أن إنشاء أبى طالب لهذا الشعر كان بعد البعثة، ومعرفة أبى طالب بنبوته- ﵇ جاءت فى كثير من الأخبار وتمسك بها الشيعة فى أنه كان مسلما.

بأن ابن إسحاق ذكر أن إنشاء أبى طالب لهذا الشعر كان بعد البعثة، ومعرفة أبى طالب بنبوته- ﵇ جاءت فى كثير من الأخبار وتمسك بها الشيعة فى أنه كان مسلما.

قال: ورأيت لعلى بن حمزة البصرى جزآ جمع فى شعر أبى طالب، وزعم أنه كان مسلما، وأنه مات على الإسلام، وأن الحشوية «١» تزعم أنه مات كافرا، واستدل لدعواه بما لا دلالة فيه. انتهى «٢» . ولما بلغ رسول الله- ﷺ اثنتى عشرة سنة خرج مع عمه أبى طالب إلى الشام، حتى بلغ بصرى، فرآه بحيرى الراهب، واسمه جرجيس، فعرفه بصفته فقال، وهو آخذ بيده: هذا سيد العالمين، هذا يبعثه رحمة للعالمين. فقيل له: وما علمك بذلك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم به من العقبة، لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدا، ولا يسجد إلا لنبى، وإنى أعرفه بخاتم النبوة، فى أسفل من غضروف كتفه، مثل التفاحة، وإنا نجده فى كتبنا، وسأل أبا طالب أن يرده خوفا عليه من اليهود. والحديث رواه ابن أبى شيبة، وفيه: أنه- ﷺ أقبل وعليه غمامة تظله. و «بحيرى» - بفتح الموحدة وكسر المهملة وسكون المثناة التحتية آخره راء مقصورة- قال الذهبى- فى تجريد الصحابة-: رأى رسول- ﷺ قبل البعثة وآمن به، وذكره ابن منده، وأبو نعيم فى الصحابة. وهذا ينبنى على تعريفهم الصحابى: بمن رآه- ﷺ، هل المراد حال النبوة، أو أعم من ذلك حتى يدخل من رآه قبل النبوة ومات قبلها على دين الحنيفية. وهو محل نظر، وسيأتى البحث فيه- إن شاء الله- فى المقصد السابع. وخرج الترمذى وحسنه، - والحاكم وصححه- أن فى هذه السفرة أقبل

مات قبلها على دين الحنيفية. وهو محل نظر، وسيأتى البحث فيه- إن شاء الله- فى المقصد السابع. وخرج الترمذى وحسنه، - والحاكم وصححه- أن فى هذه السفرة أقبل

سبعة من الروم يقصدون قتله- ﵇، فاستقبلهم بحيرى، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: إن هذا النبى خارج فى هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليها بأناس، فقال: أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا قال: فبايعوه وأقاموا معه، ورده أبو طالب. وبعث معه أبو بكر بلالا «١» . قال البيهقى: هذه القصة مشهورة عند أهل المغازى. انتهى. وضعف الذهبى الحديث لقوله فى آخره: «وبعث معه أبو بكر بلالا» فإن أبا بكر إذ ذاك لم يكن متأهلا، ولا اشترى بلالا. قال الحافظ ابن حجر فى الإصابة: الحديث رجاله ثقات، وليس فيه منكر سوى هذه اللفظة، فتحمل على أنها مدرجة فيه مقتطعة من حديث آخر وهما من أحد رواته. وفى حديث عند البيهقى وأبى نعيم: أن بحيرى رآه- وهو فى صومعته- فى الركب حين أقبلوا، وغمامة بيضاء تظله من بين القوم، ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبا منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة، وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله- ﷺ حتى استظل تحتها الحديث. وفيه: أن بحيرى قام فاحتضنه وأنه جعل يسأله عن أشياء حاله: من نومه وهيئته وأموره. ويخبره رسول الله- ﷺ فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته، ورأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التى عنده. وتقدم أن أخته الشيماء بنت حليمة رأته فى الظهيرة، وغمامة تظله، إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت، رواه أبو نعيم وابن عساكر. ولله در القائل: إن قال يوما ظللته غمامة ... هى فى الحقيقة تحت ظل القائل ونقل الشيخ بدر الدين الزركشى عن بعض أهل المعرفة: أنه- ﷺ

كان معتدل الحرارة والبرودة، فلا يحس بالحر ولا بالبرد، وأنه كان فى ظل غمامة من اعتداله. كذا نقل ﵀. وأخرج ابن منده، بسند ضعيف عن ابن عباس: أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه- صحب النبى- ﷺ وهو ابن ثمان عشرة، والنبى- ﷺ ابن عشرين سنة، وهم يريدون الشام فى تجارة، حتى نزل منزلا فيه سدرة، فقعد فى ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب يقال له بحيرى، يسأله عن شىء، فقال له: من الرجل الذى فى ظل الشجرة، فقال له: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال: هذا والله نبى، ما استظل تحتها بعد عيسى- ﵇ إلا محمد. ووقع فى قلب أبى بكر التصديق، فلما بعث النبى- ﷺ اتبعه. قال الحافظ أبو الفضل بن حجر فى الإصابة: إن صحت هذه القصة فهى سفرة أخرى بعد سفرة أبى طالب. انتهى. ثم خرج- ﷺ أيضا ومعه ميسرة غلام خديجة ابنة خويلد بن أسد، فى تجارة لها حتى بلغ سوق بصرى، وقيل سوق حباشة بتهامة، وله إذ ذاك خمس وعشرون سنة، لأربع عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة، فنزل تحت ظل شجرة، فقال نسطورا الراهب: ما نزل تحت ظل هذه الشجرة إلا نبى، وفى رواية بعد عيسى. وكان ميسرة يرى فى الهاجرة ملكين يظلانه من الشمس، ولما رجعوا إلى مكة فى ساعة الظهيرة، وخديجة فى علية لها، فرأت رسول الله- ﷺ وهو على بعيره وملكان يظلان عليه. رواه أبو نعيم. وتزوج- ﷺ خديجة بعد ذلك بشهرين وخمسة وعشرين يوما وقيل: كان سنه إحدى وعشرين سنة، وقيل ثلاثين- وكانت تدعى فى الجاهلية بالطاهرة، وكانت تحت أبى هالة بن زرارة التميمى فولدت له هندا وهالة، وهما ذكران، ثم تزوجها عتيق بن عابد المخزومى فولدت له هندا. وكان لها- حين تزويجها بالنبى- ﷺ من العمر أربعون سنة وبعض أخرى. وكانت عرضت نفسها عليه، فذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه منهم حمزة حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه.

ن تزويجها بالنبى- ﷺ من العمر أربعون سنة وبعض أخرى. وكانت عرضت نفسها عليه، فذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه منهم حمزة حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه.

فتزوجها- ﵇، وأصدقها عشرين بكرة «١» ، وحضر أبو طالب ورؤساء مضر، فخطب أبو طالب فقال: الحمد لله الذى جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضىء معد، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته، وسواس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجا، وحرما آمنا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن أخى هذا، محمد بن عبد الله، لا يوزن برجل إلا رجح به، فإن كان فى المال قل، فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، ومحمد ممن قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها من الصداق ما آجله وعاجله من مالى كذا، وهو- والله- بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل، فزوجها. والضئضىء: الأصل. وحضنة بيته: أى الكافلين له والقائمين بخدمته. وسواس حرمه: أى: متولى أمره. قال: ابن إسحاق: وزوجه إياها خويلد. وقد ذكر الدولابى وغيره: أن النبى- ﷺ أصدق خديجة اثنتى عشرة أوقية ذهبا ونشا. قالوا: وكل أوقية أربعون درهما. والنش: نصف أوقية. ولما بلغ خمسا وثلاثين سنة، خافت قريش أن تنهدم الكعبة من السيول، فأمروا باقوم- بموحدة فألف فقاف مضمومة فواو ساكنة فميم- النجار النبطى مولى سعيد بن العاصى، وصانع المنبر الشريف، بأن يا بنى الكعبة المعظمة. وحضر- ﷺ وكان ينقل معهم الحجارة، وكانوا يضعون أزرهم على عواتقهم، ويحملون الحجارة، ففعل ذلك- ﷺ فلبط به- بالموحدة، كعنى أى سقط من قيامه كما فى القاموس- ونودى: عورتك، فكان ذلك أول ما نودى. فقال له أبو طالب أو العباس: يابن أخى اجعل إزارك على رأسك، فقال: ما أصابنى إلا من التعرى.

Bagian 3 dari 49