— Bagian 4 · ن قيامه كما فى القاموس- ونودى: عورتك، فكان ذلك أ… —
Bagian 4
ن قيامه كما فى القاموس- ونودى: عورتك، فكان ذلك أول ما نودى. فقال له أبو طالب أو العباس: يابن أخى اجعل إزارك على رأسك، فقال: ما أصابنى إلا من التعرى.
[دقائق حقائق بعثته ﷺ] ولما بلغ رسول الله- ﷺ أربعين سنة وقيل: وأربعين يوما، وقيل: وعشرة أيام وقيل: وشهرين، يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من رمضان وقيل: لسبع، وقيل: لأربع وعشرين ليلة-. وقال ابن عبد البر: يوم الاثنين لثمان من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من الفيل. وقيل: فى أول ربيع: بعثه الله رحمة للعالمين، ورسولا إلى كافة الثقلين أجمعين. ويشهد لبعثه يوم الاثنين ما رواه مسلم عن أبى قتادة أنه- ﷺ سئل عن صوم الاثنين فقال: «فيه ولدت وفيه أنزل على» «١» . وقال ابن القيم فى «الهدى النبوى» : واحتج القائلون بأنه كان فى رمضان بقوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ «٢» قالوا: أول ما أكرمه الله بنبوته أنزل عليه القرآن. وقال الآخرون: إنما نزل القرآن جملة واحدة فى ليلة القدر إلى بيت العزة، ثم نزل نجوما بحسب الوقائع فى ثلاث وعشرين سنة. وقيل: كان ابتداء المبعث فى رجب. وروى البخارى فى «التعبير» من حديث عائشة: «أول ما بدىء به رسول الله- ﷺ من الوحى الرؤيا الصادقة فى النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح «٣» وكان يأتى حراء «٤» فيتحنث «٥» فيه- وهو
التعبد- الليالى ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها، حتى فجأه الحق وهو فى غار حراء. فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ، «فقلت ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى حتى بلغ منى الجهد «١» ، ثم أرسلنى «٢» » ، فقال: اقرأ، «فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثانية حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلنى» ، فقال: اقرأ، «فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذنى فغطنى الثالثة حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى» فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ حتى- بلغ- ما لَمْ يَعْلَمْ «٣» «٤» . فرجع بها رسول الله- ﷺ يرجف فؤاده «٥» ، حتى دخل على خديجة، فقال: «زملونى زملونى» «٦» فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال: «يا خديجة، ما لى؟» وأخبرها الخبر، ثم قال: «قد خشيت على نفسى» . فقالت له: كلا أبشر، فو الله لا يخزيك «٧» الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل «٨» ، وتقرى الضيف «٩» ، وتعين على نوائب الحق «١٠» .
ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصى، وهو ابن عم خديجة أخى أبيها- وكان امرأ تنصر «١» فى الجاهلية «٢» ، وكان يكتب الكتاب العبرانى، فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب- وكان شيخا كبيرا قد عمى، فقالت له خديجة: أى ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: ماذا ترى؟ فأخبره النبى- ﷺ ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس «٣» الذى أنزل على موسى، يا ليتنى فيها جذعا «٤» ، ليتنى أكون حيّا حين يخرجك قومك. فقال رسول الله- ﷺ: أو مخرجى هم؟ فقال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودى، وإن يدركنى يومك أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب «٥» ورقة أن توفى، وفتر الوحى فترة حتى حزن النبى ﷺ فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كى يتردى من رؤس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكى يلقى نفسه منه، تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقّا، فيسكن لذلك جأشه «٦» ، وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحى غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك» «٧» .
- وقد تكلم العلماء فى معنى قوله- ﷺ لخديجة: «قد خشيت
إذا طالت عليه فترة الوحى غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك» «٧» .
- وقد تكلم العلماء فى معنى قوله- ﷺ لخديجة: «قد خشيت
على نفسى» فذهب الإسماعيلى «١» إلى أن هذه الخشية كانت منه قبل أن يحصل له العلم الضرورى بأن الذى جاءه ملك من عند الله. وكان أشق شىء عليه أن يقال عليه مجنون. وقيل: إن خشيته كانت من قومه أن يقتلوه، ولا غرو، فإنه بشر يخشى من القتل والأذية، كما يخشى البشر.
- وقوله: «ما أنا بقارئ» أى: أنا أمى فلا أقرأ الكتب.
- وقال القاضى عياض: إنما بيتدئ- ﷺ بالرؤيا، لئلا يفجأه الملك ويأتيه صريح النبوة بغتة فلا تحتملها قوى البشر، فبدىء بأوائل خصال النبوة وتباشير الكرامة. انتهى. فإن قلت: فلم كرر قوله «ما أنا بقارئ» ثلاثا؟ أجاب أبو شامة «٢» كما فى فتح البارى: بأن يحمل قوله أولا «ما أنا بقارئ» على الامتناع، وثانيا: على الإخبار بالنفى المحض، وثالثا: على الاستفهام.
- والحكمة من الغط ثلاثا، شغله عن الالتفات لشىء آخر، وإظهارا للشدة والجد فى الأمر، تنبيها على ثقل القول الذى سيلقى عليه. وقيل: إبعادا لظن التخيل والوسوسة، لأنهما ليسا من صفات الجسم، فلما وقع ذلك بجسمه علم أنه من أمر الله.
- فإن قلت: من أين عرف- ﷺ أن جبريل ملك من عند الله، وليس من الجن؟ فالجواب من وجهين:
أنهما ليسا من صفات الجسم، فلما وقع ذلك بجسمه علم أنه من أمر الله.
- فإن قلت: من أين عرف- ﷺ أن جبريل ملك من عند الله، وليس من الجن؟ فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن الله تعالى أظهر على يدى جبريل- ﵇ معجزات عرفه بها. كما أظهر الله تعالى على يد محمد- ﷺ معجزات عرفناه بها. وثانيهما: أن الله تعالى خلق فى محمد- ﷺ علما ضروريّا بأن جبريل من عند الله ملك لا جنى ولا شيطان، كما أن الله تعالى خلق فى جبريل علما ضروريّا بأن المتكلم معه هو الله تعالى، وأن المرسل له ربه تعالى لا غير.
- وقول ورقة: يا ليتنى فيها جذعا. الضمير للنبوة، أى: ليتنى كنت شابّا عند ظهورها حتى أبالغ فى نصرتها وحمايتها. وأصل الجذع: من أسنان الدواب، وهو ما كان منها شابّا فتيّا. وأخرج البيهقى من طريق العلاء بن جارية الثقفى عن بعض أهل العلم أن رسول الله- ﷺ حين أراد الله كرامته وابتداءه بالنبوة كان لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه وسمع منه، فيلتفت رسول الله- ﷺ خلفه وعن يمينه وعن شماله فلا يرى إلا الشجر وما حوله من الحجارة. وهى تحييه بتحية النبوة: السلام عليك يا رسول الله الحديث «١» . وعن جابر: أن رسول الله- ﷺ قال: «جاورت بحراء شهرا، فلما قضيت جوارى هبطت، فنوديت فنظرت عن يمينى فلم أر شيئا ونظرت عن شمالى فلم أر شيئا، ونظرت خلفى فلم أر شيئا، فرفعت رأسى فرأيت شيئا فلم أثبت له، فأتيت خديجة فقلت: دثرونى دثرونى» وصبوا على ماء باردا فنزلت: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ «٣» الآية، وذلك قبل أن تفرض الصلاة» «٤» رواه البخارى ومسلم والترمذى. ولم يكن جواره- ﷺ لطلب النبوة، لأنها أجل من أن تنال بالطلب
أو الاكتساب، وإنما هى موهبة من الله، وخصوصية يخص بها من يشاء من عباده، والله أعلم حيث يجعل رسالته. ولم تكن الرجفة المذكورة خوفا من جبريل- ﵇، فإنه- ﷺ أجل من ذلك، وأثبت جنانا، وإنما رجف غبطة بحاله وإقباله على الله ﷿، فخشى أن يشغل بغير الله عن الله. وقيل: خاف من ثقل أعباء النبوة. وفى رواية البيهقى فى الدلائل: أن خديجة قالت لأبى بكر: يا عتيق اذهب به إلى ورقة بن نوفل، فأخذه أبو بكر، فقص عليه ما رأى، فقال ﷺ: «إذا خلوت وحدى سمعت نداء: يا محمد، يا محمد، فأنطلق هاربا» .. فقال: لا تفعل إذا قال، فاثبت حتى تسمع، ثم ائتنى فأخبرنى، فلما خلا ناداه يا محمد فثبت فقال: قل بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. إلى آخرها. ثم قال: قل لا إله إلا الله «١» . الحديث. واحتج به من قال بأولية نزول الفاتحة. والصحيح أن أول ما نزل عليه- ﷺ من القرآن «اقرأ» كما صح ذلك عن عائشة، وروى ذلك عن أبى موسى الأشعرى وعبيد بن عمير. قال النووى: وهو الصواب الذى عليه الجماهير من السلف والخلف. وأما ما روى عن جابر وغيره: أن أول ما نزل يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ «٢» . فقال النووى: ضعيف، بل باطل، وإنما نزلت بعد فترة الوحى. وأما حديث البيهقى أنه الفاتحة- كقول بعض المفسرين- فقال البيهقى: هذا منقطع، فإن كان محفوظا فيحتمل أن يكون خبرا عن نزولها بعد ما نزلت عليه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ «٣» ويا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ «٤» . وقال النووى- بعد ذكر هذا القول- بطلانه أظهر من أن يذكر. انتهى.
نزولها بعد ما نزلت عليه اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ «٣» ويا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ «٤» . وقال النووى- بعد ذكر هذا القول- بطلانه أظهر من أن يذكر. انتهى.
وقد روى أن جبريل- ﵇ أول ما نزل بالقرآن على النبى- ﷺ أمره بالاستعاذه، كما رواه الإمام أبو جعفر بن جرير عن ابن عباس قال: «أول ما نزل جبريل على محمد- ﷺ قال: يا محمد، استعذ، قال: أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قال: قل بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قال: اقرأ باسم ربك الذى خلق. قال عبد الله: وهى أول سورة أنزلها الله على محمد- ﷺ» «١» . قال الحافظ عماد الدين بن كثير، بعد أن ذكره: وهذا الأثر غريب، وإنما ذكرناه ليعرف، فإن فى إسناده ضعفا وانقطاعا، والله أعلم «٢» . وقد أورد ابن أبى جمرة سؤالا، وهو أنه: لم اختص- ﷺ بغار حراء، فكان يخلو فيه ويتحنث دون غيره من المواضع. وأجاب: بأن هذا الغار له فضل زائد على غيره: من جهة أنه منزو ومجموع لتحنثه وهو يبصر بيت ربه، والنظر إلى البيت عبادة، فكان له فيه اجتماع ثلاث عبادات: الخلوة والتحنث والنظر إلى البيت. وغيره ليس فيه هذه الثلاث. ولله در المرجانى حيث قال فى فضائل حراء وما اختص به: تأمل حراء فى جمال محياه ... فكم من أناس من حلا حسنه تاهوا فمما حوى من جا لعلياه زائرا ... يفرج عنه الهم فى حال مرقاه به خلوة الهادى الشفيع محمد ... وفيه له غار له كان يرقاه وقبلته للقدس كانت بغاره ... وفيه أتاه الوحى فى حال مبداه وفيه تجلى الروح بالموقف الذى ... به الله فى وقت البداءة سواه وتحت تخوم الأرض فى السبع أصله ... ومن بعد هذا اهتز بالسفل أعلاه ولما تجلى الله قدس ذكره ... لطور تشظى فهو إحدى شظاياه ومنها ثبير ثم ثور بمكة ... كذا قد أتى فى نقل تاريخ مبداه وفى طيبة أيضا ثلاث فعدها ... فعيرا وورقانا وأحدا رويناه
ذكره ... لطور تشظى فهو إحدى شظاياه ومنها ثبير ثم ثور بمكة ... كذا قد أتى فى نقل تاريخ مبداه وفى طيبة أيضا ثلاث فعدها ... فعيرا وورقانا وأحدا رويناه
ويقبل فى ساعة الظهر من دعا ... به ينادى من دعانا أجبناه وفى أحد الأقوال فى عقبة حرا ... أتى ثم قابيل لهابيل غشاه ومما حوى سرّا حوته صخوره ... من التبر إكسيرا يقام سمعناه سمعت به تسبيحها غير مرة ... وأسمعته جمعا فقالوا سمعناه به مركز النور الإلهى مثبتا ... فلله ما أحلى مقاما بأعلاه وروى أبو نعيم أن جبريل وميكائيل شقا صدره وغسلاه ثم قال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ «١» . الآيات، الحديث، وفيه: فقال ورقة: أبشر، فأنا أشهد أنك الذى بشر به ابن مريم، وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبى مرسل «٢» . وكذا روى شق صدره الشريف هنا أيضا الطيالسى والحارث فى مسنديهما. والحكمة فيه: ليتلقى النبى- ﷺ ما يوحى إليه بقلب قوى، فى أكمل الأحوال من التطهير. قال ابن القيم وغيره: وكمل الله تعالى له- ﵇ من الوحى مراتب عديدة:
-
أحدها: الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
-
الثانية: ما كان يلقيه الملك فى روعه وقلبه من غير أن يراه، كما قال- ﷺ: «إن روح القدس نفث فى روعى، لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا فى الطلب» «٣» الحديث رواه ابن أبى الدنيا فى القناعة، وصححه الحاكم. والروع- بضم الراء- أى نفسى، وروح القدس: جبريل- ﵇.
-
الثالثة: كان يتمثل له الملك رجلا، فيخاطبه حتى يعى عنه ما يقول له، فقد كان يأتيه فى صورة دحية الكلبى «١» . رواه النسائى بسند صحيح من حديث ابن عمر. قلت: وكان دحية جميلا وسيما، إذا قدم لتجارة خرجت الظعن لتراه. فإن قلت: إذا لقى جبريل النبى- ﷺ فى صورة دحية، فأين تكون روحه؟ فإن كانت فى الجسد الذى له ستمائة جناح، فالذى أتى لا روح جبريل ولا جسده، وإن كانت فى هذا الذى هو فى صورة دحية فهل يموت الجسد العظيم أم يبقى خاليا من الروح المنتقلة عنه إلى الجسد المشبه بجسد دحية. أجيب- كما ذكره العينى «٢» - بأنه لا يبعد ألايكون انتقالها موجب موته، فيبقى الجسد حيّا، لا ينقص من معارفه شىء ويكون انتقال روحه إلى الجسد الثانى كانتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طير خضر، وموت الأجساد بمفارقة الأرواح ليس بواجب عقلا، بل بعادة أجراها الله تعالى فى بنى آدم، فلا تلزم فى غيرهم. انتهى.
-
الرابعة: كأن يأتيه فى مثل صلصلة الجرس، وكان أشده عليه، حتى إن جبينه ليتفصد عرقا فى اليوم الشديد البرد، حتى إن راحلته لتبرك به فى
الأرض، ولقد جاءه الوحى مرة كذلك وفخذه على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت ترضها «١» . قلت: وروى الطبرانى عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب الوحى لرسول الله- ﷺ، وكان إذا نزل عليه أخذته برحاء شديدة، وعرق عرقا شديدا مثل الجمان، ثم سرى عنه. وكنت أكتب وهو يملى على، فما أفرغ حتى تكاد رجلى تكسر من ثقل الوحى، حتى أقول: لا أمشى على رجلى أبدا «٢» . ولما نزلت عليه سورة المائدة، كادت أن تنكسر عضد ناقته من ثقل السورة «٣» ، ورواه أحمد والبيهقى فى الشعب.
- الخامسة: أن يرى الملك فى صورته التى خلق عليها له ستمائة جناح، فيوحى إليه ما شاء الله أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين كما فى سورة النجم.
- السادسة: ما أوحاه الله إليه، وهو فوق السماوات من فرض الصلوات وغيرها.
- السابعة: كلام الله له منه إليه بلا واسطة ملك، كما كلم الله موسى. قال: وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة وهى تكليم الله له كفاحا من غير حجاب. انتهى. قال شيخ الإسلام الولى ابن العراقى: وكان ابن القيم أخذ ذلك من
م الله موسى. قال: وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة وهى تكليم الله له كفاحا من غير حجاب. انتهى. قال شيخ الإسلام الولى ابن العراقى: وكان ابن القيم أخذ ذلك من
روض السهيلى لكنه لم يذكر نزول إسرافيل إليه بكلمات من الوحى قبل جبريل. فقد ثبت فى الطرق الصحاح عن عامر الشعبى أن رسول الله- ﷺ وكل به إسرافيل فكان يتراءى له ثلاث سنين ويأتيه بالكلمة من الوحى، والشىء، ثم وكل به جبريل فجاء بالقرآن «١» . وأما قوله- أعنى ابن القيم-: السادسة، ما أوحاه الله إليه فوق السماوات، يعنى ليلة المعراج، السابعة كلام الله بلا واسطة. فإن أراد ما أوحاه إليه جبريل فهو داخل فيما تقدم، لأنه إما أن يكون جبريل فى تلك الحالة على صورته الأصلية، أو على صورة الآدمى، وكلاهما قد تقدم ذكره، وإن أراد وحى الله بلا واسطة- وهو الظاهر- فهى الصورة التى بعدها. وأما قوله: وقد زاد بعضهم مرتبة ثامنة: وهى تكليم الله له كفاحا من غير حجاب، فهذا على مذهب من يقول إنه- ﷺ رأى ربه تعالى، وهى مسألة خلاف يأتى الكلام عليها إن شاء الله تعالى. ويحتمل أن ابن القيم- رحمه الله تعالى- أراد بالمرتبة السادسة وحى جبريل، وغاير بينه وبين ما قبله باعتبار محل الإيحاء، أى كونه فوق السماوات، بخلاف ما تقدم، فإنه كان فى الأرض، ولا يقال، يلزم عليه أن تتعدد أقسام الوحى باعتبار البقعة التى جاء فيها جبريل إلى النبى- ﷺ وهو غير ممكن، لأنا نقول: الوحى الحاصل فى السماء باعتبار ما فى تلك المشاهد من الغيب نوع غير نوع الأرض على اختلاف بقاعها. انتهى. قلت: ويزاد أيضا:
- كلامه تعالى له فى المنام، كما فى حديث الزهرى «أتانى ربى فى أحسن صورة فقال: يا محمد أتدرى فيم يختصم الملأ الأعلى..» «٢» الحديث.
ى. قلت: ويزاد أيضا:
-
كلامه تعالى له فى المنام، كما فى حديث الزهرى «أتانى ربى فى أحسن صورة فقال: يا محمد أتدرى فيم يختصم الملأ الأعلى..» «٢» الحديث.
-
ثم مرتبة أخرى، وهى العلم الذى يلقيه الله تعالى فى قلبه، وعلى لسانه عند الاجتهاد فى الأحكام، لأنه اتفق على أنه- ﷺ إذا اجتهد أصاب قطعا، وكان معصوما من الخطأ، وهذا خرق للعادة فى حقه دون سائر الأمة، وهو يفارق النفث فى الروع من حيث حصوله بالاجتهاد، والنفث بدونه.
-
ومرتبة أخرى: وهى مجىء جبريل فى صورة رجل غير دحية، لأن دحية كان معروفا عندهم، ذكره ابن المنير، وإن كانت داخلة فى المرتبة الثالثة التى ذكرها ابن القيم. وذكر الحليمى أن الوحى كان يأتيه على ستة وأربعين نوعا، فذكرها، وغالبها- كما قال فى فتح البارى- من صفات حامل الوحى، ومجموعها يدخل فيما ذكر والله أعلم. وذكر ابن المنير أن الحال كان يختلف فى الوحى باختلاف مقتضاه، فإن نزل بوعد وبشارة نزل الملك بصورة الآدمى، وخاطبه من غير كدّ، وإن نزل بوعيد ونذارة كان حينئذ كصلصلة الجرس. انتهى. وقد ذكر ابن عادل، فى تفسيره: أن جبريل- ﵇ نزل على النبى ﷺ أربعة وعشرين ألف مرة، ونزل على آدم اثنتى عشرة مرة، وعلى إدريس أربع مرات وعلى نوح خمسين مرة، وعلى إبراهيم اثنتين وأربعين مرة، وعلى موسى أربعمائة مرة، وعلى عيسى عشر مرات. كذا قال- ﵀. وقد روى: أن جبريل تبدى له- ﷺ فى أحسن صورة وأطيب رائحة فقال: يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول لك: أنت رسولى إلى الجن والإنس، فادعهم إلى قول لا إله إلا الله ثم ضرب برجله الأرض فنبعت عين ماء فتوضأ منها جبريل ثم أمره أن يتوضأ وقام جبريل يصلى وأمره أن يصلى معه فعلمه الوضوء والصلاة ثم عرج إلى السماء ورجع رسول الله- ﷺ لا يمر بحجر ولا مدر ولا شجر إلا وهو يقول السلام عليك يا رسول الله، حتى أتى خديجة فأخبرها فغشى عليها من الفرح ثم أمرها فتوضأت وصلى بها
كما صلى به جبريل فكان ذلك أول فرضها ركعتين ثم إن الله أقرها فى السفر كذلك وأتمها فى الحضر «١» . وقال مقاتل: كانت الصلاة أول فرضها ركعتين بالغداة وركعتين بالعشى، لقوله تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ «٢» . قال فى فتح البارى: كان- ﷺ قبل الإسراء يصلى قطعا، وكذلك أصحابه، ولكن اختلف: هل افترض قبل الخمس شىء من الصلاة أم لا؟ فقيل: إن الفرض كان صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، والحجة فيه قوله تعالى: وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها «٣» . انتهى «٤» . قال النووى: أول ما وجب الإنذار والدعاء إلى التوحيد، ثم فرض الله من قيام الليل ما ذكره فى أول سورة المزمل، ثم نسخه بما فى آخرها، ثم نسخه بإيجاب الصلوات الخمس ليلة الإسراء بمكة، وأما ما ذكره فى هذه الرواية من أن جبريل علمه الوضوء وأمره به فيدل على أن فرضية الوضوء كانت قبل الإسراء. ثم فتر الوحى فترة شق عليه وأحزنه. وفترة الوحى: عبارة عن تأخره مدة من الزمان، وكان ذلك ليذهب عنه ما كان يجده- ﵇ من الروع، وليحصل له التشوق إلى العود. وكانت مدة فترة الوحى ثلاث سنين، كما جزم به ابن إسحاق. وفى تاريخ الإمام أحمد، ويعقوب بن سفيان عن الشعبى: أنزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشىء ولم ينزل عليه القرآن على لسانه، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل، فنزل عليه القرآن على لسانه عشرين سنة، وكذا رواه ابن سعد والبيهقى.
الكلمة والشىء ولم ينزل عليه القرآن على لسانه، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل، فنزل عليه القرآن على لسانه عشرين سنة، وكذا رواه ابن سعد والبيهقى.
فقد تبين أن نبوته- ﷺ كانت متقدمة على إرساله، كما قال أبو عمر وغيره، وكما حكاه أبو أمامة بن النقاش. فكان فى نزول سورة «اقرأ» نبوته، وفى نزول سورة المدثر إرساله بالنذارة والبشارة والتشريع، وهذا قطعا متأخر عن الأول، لأنه لما كانت سورة «اقرأ» متضمنة لذكر أطوار الآدمى: من الخلق والتعليم والإفهام، ناسب أن تكون أول سورة أنزلت، وهذا هو الترتيب الطبيعى، وهو أن يذكر ﷾ ما أسداه إلى نبيه- ﵇ من العلم والفهم والحكمة والنبوة، ويمن عليه بذلك فى معرض تعريف عباده بما أسداه إليهم من نعمة البيان الفهمى والنطقى والخطى، ثم يأمره ﷾ بأن يقوم فينذر عباده. وكان أول من آمن بالله وصدق صديقة النساء خديجة، فقامت بأعباء الصديقية. قال لها- ﷺ: خشيت على نفسى، فقالت: أبشر فو الله لا يخزيك الله أبدا، ثم استدلت بما فيه من الصفات والأخلاق والشيم على أن من كان كذلك لا يخزى أبدا. وكان أول ذكر آمن من بعدها صديق الأمة، وأسبقها إلى الإسلام أبو بكر، فازره فى الله. وعن ابن عباس أنه أول الناس إسلاما، واستشهد له بقول حسان بن ثابت: إذا تذكرت شجوى من أخى ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأعدلها ... بعد النبى وأوفاها بما حملا والثانى التالى المحمود مشهده ... وأول الناس قدما صدق الرسلا رواه أبو عمر. وممن وافق ابن عباس وحسانا على أن الصديق أول الناس إسلاما، أسماء بنت أبى بكر، والنخعى وابن الماجشون ومحمد بن المنكدر والأخنس. وقيل: إن على بن أبى طالب أسلم بعد خديجة، وكان فى حجر النبى
صديق أول الناس إسلاما، أسماء بنت أبى بكر، والنخعى وابن الماجشون ومحمد بن المنكدر والأخنس. وقيل: إن على بن أبى طالب أسلم بعد خديجة، وكان فى حجر النبى
- ﷺ. فعلى هذا يكون أول من أسلم من الرجال أبو بكر، ويكون على أول صبى أسلم، لأنه كان صبيّا لم يدرك، ولذا قال: سبقتكم إلى الإسلام طرا ... صغيرا ما بلغت أوان حلمى وكان سن على إذ ذاك عشر سنين، فيما حكاه الطبرى. وقال ابن عبد البر: وممن ذهب إلى أن عليّا أول من أسلم من الرجال: سلمان وأبو ذر والمقداد وخباب وجابر وأبو سعيد الخدرى، وزيد بن الأرقم، وهو قول ابن شهاب وقتادة وغيرهم. قال: واتفقوا على أن خديجة أول من أسلم مطلقا. وقيل: أول رجل أسلم، ورقة بن نوفل. ومن يمنع، يدعى أنه أدرك نبوته- ﵇ لا رسالته. لكن جاء فى السير، وهو فى رواية أبى نعيم المتقدمة أنه قال: أبشر، فأنا أشهد أنك الذى بشر به ابن مريم وأنك على مثل ناموس موسى، وأنك نبى مرسل، وأنك ستؤمر بالجهاد، وإن أدرك ذلك لأجاهدن معك. فهذا صريح بتصديقه برسالة محمد- ﷺ. قال البلقينى: بل يكون بذلك أول من أسلم من الرجال. وبه قال العراقى فى نكته على ابن الصلاح وذكره ابن منده فى الصحابة. وحكى العراقى: كون على أول من أسلم عن أكثر العلماء، وحكى ابن عبد البر الاتفاق عليه. وادعى الثعلبى اتفاق العلماء على أن أول من أسلم خديجة، وأن اختلافهم إنما هو فى أول من أسلم بعدها. قال ابن الصلاح: والأورع أن يقال: أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر. ومن الصبيان أو الأحداث على. ومن النساء خديجة. ومن الموالى زيد. ومن العبيد بلال. والله أعلم، انتهى.
وقال الطبرى: الأولى التوفيق بين الروايات كلها وتصديقها فيقال: أول من أسلم مطلقا خديجة. وأول من أسلم على بن أبى طالب، وهو صبى لم يبلغ، وكان مستخفيا بإسلامه وأول رجل عربى بالغ أسلم وأظهر إسلامه أبو بكر بن أبى قحافة. وأول من أسلم من الموالى زيد. قال: وهذا متفق عليه لا خلاف فيه، وعليه يحمل قول من قال: أول من أسلم من الرجال أبو بكر، أى الرجال البالغين الأحرار، ويؤيد هذا ما روى عن الحسن أن على بن أبى طالب قال: إن أبا بكر سبقنى إلى أربع لم أوتهن: سبقنى إلى إفشاء الإسلام، وقدم الهجرة، ومصاحبته فى الغار، وإقام الصلاة، وأنا يومئذ بالشعب يظهر إسلامه وأخفيه. الحديث، خرجه صاحب فضائل أبى بكر وخيثمة بمعناه. وأما ما روى: من صحبة الصديق للنبى- ﷺ وهو ابن ثمانى عشرة سنة، وهم يريدون الشام فى تجارة، وحديث بحيرى، وأنه وقع فى قلب أبى بكر اليقين، وقول ميمون بن مهران: والله لقد آمن أبو بكر بالنبى- ﷺ زمن بحيرى، فالمراد بهذا الإيمان اليقين بصدقه، وهو ما وقر فى قلبه، وإلا فالنبى- ﷺ تزوج خديجة وسافر إلى الشام قبل المبعث. ثم أسلم بعد زيد بن حارثة، وعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص، وطلحة بن عبيد الله، بدعاء أبى بكر الصديق، فجاء بهم إلى رسول الله- ﷺ حين استجابوا له، فأسلموا وصلوا. ثم أسلم أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بعد تسعة أنفس. والأرقم بن أبى الأرقم المخزومى، وعثمان بن مظعون الجمحى. وأخواه: قدامة وعبد الله، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وامرأته فاطمة بنت الخطاب.
وقال ابن سعد: أول امرأة أسلمت بعد خديجة أم الفضل زوج العباس، وأسماء بنت أبى بكر، وعائشة أختها. كذا قاله ابن إسحاق وغيره. وهو وهم، لأن عائشة لم تكن ولدت بعد فكيف أسلمت. وكان مولدها سنة أربع من النبوة، قاله مغلطاى وغيره. ودخل الناس فى الإسلام أرسالا من الرجال والنساء.
ه. وهو وهم، لأن عائشة لم تكن ولدت بعد فكيف أسلمت. وكان مولدها سنة أربع من النبوة، قاله مغلطاى وغيره. ودخل الناس فى الإسلام أرسالا من الرجال والنساء.
[فصل فى ترتيب الدعوة النبوية] ثم إن الله تعالى أمر رسوله- ﷺ بأن يصدع بما جاء به، أى يواجه المشركين به. وقال مجاهد: هو الجهر بالقرآن فى الصلاة. وقال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود: ما زال النبى- ﷺ مستخفيا حتى نزلت فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ «١» . فجهر هو وأصحابه. وقال البيضاوى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ «٢» من صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارا أو فرق به بين الحق والباطل. وأصله: الإبانة والتمييز. و «ما» مصدرية أو موصولة، و «الراجع» محذوف، أى بما تؤمر به من الشرائع انتهى. قالوا: وكان ذلك بعد ثلاث سنين من النبوة، وهى المدة التى أخفى فيها رسول الله- ﷺ أمره إلى الله تعالى بإظهاره. فبادى قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله تعالى. ولم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه، حتى ذكر آلهتهم وعابها، وكان ذلك سنة أربع كما قاله العتقى. فأجمعوا على خلافه وعداوته إلا من عصم الله منهم بالإسلام. وحدب عليه «٣» عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه.
هتهم وعابها، وكان ذلك سنة أربع كما قاله العتقى. فأجمعوا على خلافه وعداوته إلا من عصم الله منهم بالإسلام. وحدب عليه «٣» عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه.
فاشتد الأمر، وتضارب القوم، وأظهر بعضهم لبعض العداوة، وتذامرت قريش على من أسلم منهم يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم. ومنع رسول الله بعمه أبى طالب وبنى هاشم- غير أبى لهب- وبنى المطلب. وقال مقاتل: كان رسول الله- ﷺ عند أبى طالب يدعوه إلى الإسلام، فاجتمعت قريش إلى أبى طالب يريدون بالنبى- ﷺ سوآ، فقال أبو طالب: حين تروح الإبل فإن حنت ناقة إلى غير فصيلها دفعته إليكم. وقال: والله لن يصلوا إليك يجمعهم ... حتى أوسد فى التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وأبشر وقر بذاك منك عيونا ودعوتنى وزعمت أنك ناصحى ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا وعرضت دينا لا محالة إنه ... من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذارى سبة ... لوجدتنى سمحا بذاك مبينا وقد كفى الله تعالى نبيه- ﷺ المستهزئين. كما قال تعالى: وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ «١» أى لا تلتفت إلى ما يقولون: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ «٢» . يعنى بقمعهم وإهلاكهم. وقد قيل: إنهم كانوا خمسة من أشراف قريش: الوليد بن المغيرة. والعاصى بن وائل. والحارث بن قيس. والأسود بن عبد يغوث. والأسود بن المطلب.
بقمعهم وإهلاكهم. وقد قيل: إنهم كانوا خمسة من أشراف قريش: الوليد بن المغيرة. والعاصى بن وائل. والحارث بن قيس. والأسود بن عبد يغوث. والأسود بن المطلب.
وكانوا يبالغون فى إذائه- ﷺ والاستهزاء به. فقال جبريل لرسول الله ﷺ: أمرت أن أكفيكهم. فأومأ إلى ساق الوليد، فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم فلم ينعطف تعظيما لأخذه، فأصاب عرقا فى عقبه فمات، وأومأ إلى أخمص العاصى فدخلت فيها شوكة فانتفخت رجله حتى صارت كالرحى فمات، وأشار إلى أنف الحارث فامتخط قيحا فمات، وإلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد فى أصل شجرة فجعل ينطح برأسه الشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات، وإلى عينى الأسود بن عبد المطلب فعمى. وكان- ﷺ يطوف على الناس فى منازلهم يقول: «يا أيها الناس، إن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا» ، وأبو لهب وراءه يقول: يا أيها الناس: إن هذا يأمركم أن تتركوا دين آبائكم «١» . ورماه الوليد بن المغيرة بالسحر، وتبعه قومه على ذلك. وآذته قريش ورموه بالشعر والكهانة والجنون. ومنهم من كان يحثو التراب على رأسه، ويجعل الدم على بابه. ووطىء عقبه بن أبى معيط على رقبته الشريفة وهو ساجد عند الكعبة حتى كادت عيناه تبرزان. وخنقوه خنقا شديدا، فقام أبو بكر دونه، فجذبوا رأسه ولحيته- ﷺ حتى سقط أكثر شعره، فقام أبو بكر دونه وهو يقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله. وقال ابن عمرو- كما فى البخارى-: بينا رسول الله- ﷺ بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبى معيط فأخذ بمنكب رسول الله- ﷺ فلف ثوبه فى عنقه فخنقه خنقا شديدا، فجاء أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله- ﷺ. وفى رواية ثم قال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ «٢» «٣» .
وقد ذكر العلماء، أن أبا بكر- رضى الله عنه- أفضل من مؤمن آل فرعون، لأن ذاك اقتصر حيث انتصر على اللسان، وأما أبو بكر فأتبع اللسان يدا، ونصر بالقول والفعل محمدا- ﷺ. وأخرج مسلم من حديث أبى هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر «١» محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا نعم، فقال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه بالتراب، فأتى رسول الله- ﷺ وهو يصلى ليطأ على رقبته، فما فجأهم منه إلا وهو ينكص» على عقبيه، ويتقى بيديه، فقيل له: ما لك؟ قال: إن بينى وبينه خندقا من نار، وهولا وأجنحة، فقال رسول الله- ﷺ: لو دنا منى لاختطفته الملائكة عضوا عضوا، وأنزل الله إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى «٣» إلى آخر السورة «٤» . ولما نزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ «٥» جاءت امرأة أبى لهب، فقال أبو بكر: يا رسول الله، لو تنحيت عنها فإنها امرأة بذية، قال: «سيحال بينى وبينها» فقالت: يا أبا بكر، هجانا صاحبك، قال: والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله، فاندفعت راجعة، فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما رأتك، قال: «كان بينى وبينها ملك سترنى بجناحه حتى ذهبت» . رواه ابن أبى شيبة وأبو نعيم. وفى رواية البيهقى فقال- ﷺ: «قل لها: ترين عندى أحدا؟ فإنها لن ترانى» . وفى رواية أيضا: «كان- ﷺ يصلى عند الكعبة، وجمع من قريش فى مجالسهم، إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائى، أيكم يقوم إلى جزور آل فلان، فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها، فيجىء به ثم يمهله حتى
مع من قريش فى مجالسهم، إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائى، أيكم يقوم إلى جزور آل فلان، فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها، فيجىء به ثم يمهله حتى
إذا سجد وضعه بين كتفيه، فانبعث أشقاهم، فلما سجد- ﷺ وضعه بين كتفيه، وثبت النبى- ﷺ ساجدا، فضحكوا حتى مال بعضهم على بعض من الضحك، فانطلق منطلق إلى فاطمة وهى جويرية، فأقبلت تسعى، وثبت النبى- ﷺ ساجدا حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبهم، فلما قضى رسول الله- ﷺ الصلاة قال: «اللهم عليك بقريش ثم سمى فقال: اللهم عليك بعمرو بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية ابن خلف، وعقبة بن أبى معيط، وعمارة بن الوليد» . قال عبد الله: فو الله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب، قليب بدر، ثم قال رسول الله- ﷺ: «وأتبع أصحاب القليب لعنة» «١» . واستدل بهذا الحديث: على أن من عرض له فى صلاته ما يمنع انعقادها ابتداء لا تبطل صلاته، فلو كانت نجاسة فأزالها فى الحال، ولا أثر لها صحت صلاته اتفاقا. واستدل به أيضا: على طهارة فرث ما يؤكل لحمه، وعلى أن إزالة النجاسة ليست بفرض، وهو ضعيف. وأجاب النووى: بأنه- ﵇ لم يعلم ما وضع على ظهره، فاستمر فى سجوده، استصحابا لأصل الطهارة. وتعقب: بأنه مشكل على قولنا بوجوب الإعادة فى مثل هذه الصورة. وأجيب عنه: بأن الإعادة إنما تجب فى الفريضة، فإن ثبت أنها فريضة فالوقت موسع فلعله أعاد. وتعقب: بأنه لو أعاد لنقل، ولم ينقل، وبأن الله لا يقره على صلاة فاسدة.
ه: بأن الإعادة إنما تجب فى الفريضة، فإن ثبت أنها فريضة فالوقت موسع فلعله أعاد. وتعقب: بأنه لو أعاد لنقل، ولم ينقل، وبأن الله لا يقره على صلاة فاسدة.
وقد استشكل بعضهم عد عمارة بن الوليد فى المذكورين، لأنه لم يقتل فى بدر، بل ذكر أصحاب المغازى: أنه مات بأرض الحبشة، وله قصة مع النجاشى، إذ تعرض لامرأته فأمر النجاشى ساحرا فنفخ فى إحليل عمارة من سحره فتوحش، وصار مع البهائم إلى أن مات فى خلافة عمر. وأجيب: بأن كلام ابن مسعود- أنه رآهم صرعى فى القليب- محمول على الأكثر، ويدل عليه: أن عقبة بن أبى معيط لم يطرح فى القليب، وإنما قتل صبرا بعد أن رحلوا عن بدر بمرحلة. وأمية بن خلف لم يطرح فى القليب، كما سيأتى إن شاء الله تعالى. وقوله: ثم قال رسول الله- ﷺ: «وأتبع أصحاب القليب لعنة» يحتمل أن يكون من تمام الدعاء الماضى، فيكون فيه علم عظيم من أعلام النبوة ويحتمل أن يكون قاله- ﷺ بعد أن ألقوا فى القليب. ثم أسلم حمزة بن عبد المطلب، وكان أعز فتى فى قريش، وأشده شكيمة، وكان إسلامه- فيما قاله العتقى- سنة ست، فعزّ به رسول الله ﷺ، وكفت عنه قريش قليلا، وقال حمزة حين أسلم: حمدت الله حين هدى فؤادى ... إلى الإسلام والدين الحنيف لدين جاء من رب عزيز ... خبير بالعباد بهم لطيف إذا تليت رسائله علينا ... تحدر دمع ذى اللب الحصيف رسائل جاء أحمد من هداها ... بايات مبينة الحروف وأحمد مصطفى فينا مطاع ... فلا تغشوه بالقول العنيف فلا والله نسلمه لقوم ... ولما نقض فيهم بالسيوف وعند مغلطاى: وسألوه- يعنى: النبى- ﷺ إن كنت تطلب الشرف فينا فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذى يأتيك رئيا قد غلب عليك بذلنا أموالنا فى طلب الطب لك حتى نبرئك منه فيك. فقال لهم- ﵇: «ما بى ما تقولون، لكن الله بعثنى رسولا، وأنزل
على كتابا، وأمرنى أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربى، ونصحت لكم، فإن تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه على أصبر لأمر الله، حتى يحكم الله بينى وبينكم» «١» . والرئى- بفتح الراء، وقد تكسر، ثم همزة، فياء مشددة- جنى يرى فيحب، أو المكسورة للمحبوب منها، قاله فى القاموس. ثم إن النضر بن الحارث، وعقبة بن أبى معيط ذهبا إلى أحبار اليهود، فسألاهم عنه- ﷺ فقالوا لهما: سلاه عن ثلاثة، فإن أخبركما بهن فهو نبى مرسل، وإن لم يفعل فهو متقول. سلاه عن فتية ذهبوا فى الدهر الأول، وعن رجل طواف، وعن الروح ما هو؟ فقال لهم- ﵇: «أخبركم غدا» ، ولم يقل إن شاء الله تعالى، فلبث الوحى أياما، ثم نزل قوله تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ «٢» وأنزل الله تعالى ذكر الفتية الذين ذهبوا، وهم أصحاب الكهف، وذكر الرجل الطواف. وهو ذو القرنين. وقال فيما سألوه عن الروح وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي «٣» الآية. وفى البخارى من حديث عبد الله بن مسعود قال: «بينا أنا مع النبى ﷺ فى حرث، وهو متكىء على عسيب، إذ مر اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، قالوا: ما رابكم إليه، وقال بعضهم: لا يستقبلكم بشىء تكرهونه، فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك النبى- ﷺ فلم يرد عليهم شيئا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامى فلما نزل الوحى قال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي «٤» «٥» .
- ﷺ فلم يرد عليهم شيئا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامى فلما نزل الوحى قال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي «٤» «٥» .
قال الحافظ ابن كثير: وهذا يقتضى- فيما يظهر من بادىء الرأى- أن هذه الآية مدنية، وأنها إنما نزلت حين سألت اليهود عن ذلك بالمدينة، مع أن السورة [الإسراء] كلها مكية. وقد يجاب عن هذا: بأنه قد تكون نزلت عليه مرة ثانية بالمدينة، كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك. ومما يدل على نزولها بمكة ما رواه الإمام أحمد من حديث ابن عباس قال: قالت قريش لليهود أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فسألوه فنزلت الحديث «١» . انتهى. وهذا الحديث رواه الترمذى أيضا بإسناد رجاله رجال مسلم. فيحمل على تعدد النزول كما أشار إليه ابن كثير، ويحمل سكوته فى المرة الثانية على توقع مزيد بيان فى ذلك. وقد اختلف فى المراد بالروح المسئول عنه فى هذا الخبر: فقيل: روح الإنسان. وقيل: جبريل. وقيل: عيسى. وقيل: ملك يقوم وحده صفّا يوم القيامة. وقيل: غير ذلك. وقال القرطبى: الراجح أنهم سألوه عن روح الإنسان لأن اليهود لا تعترف بأن عيسى روح الله، ولا تجهل أن جبريل ملك، وأن الملائكة أرواح. وقال الإمام فخر الدين: المختار أنهم سألوه عن الروح الذى هو سبب الحياة، وأن الجواب وقع على أحسن الوجوه وبيانه: أن السؤال عن الروح يحتمل عن ماهيته، وهل هى متحيزة أم لا؟ وهل هى حالة فى متحيز أم لا؟
لروح الذى هو سبب الحياة، وأن الجواب وقع على أحسن الوجوه وبيانه: أن السؤال عن الروح يحتمل عن ماهيته، وهل هى متحيزة أم لا؟ وهل هى حالة فى متحيز أم لا؟
وهل هى قديمة أو حادثة، وهل تبقى بعد انفصالها من الجسد أو تفنى، وما حقيقة تعذيبها وتنعيمها، وغير ذلك من متعلقاتها. قال: وليس فى السؤال ما يخصص أحد هذه المعانى، إلا أن الأظهر أنهم سألوه عن الماهية. وهل الروح قديمة أو حادثة؟ والجواب يدل على أنها شىء موجود مغاير للطبائع والأخلاط وتركيبها، فهى جوهر بسيط مجرد لا يحدث إلا بمحدث، وهو قوله تعالى: «كن» ، فكأنه قال: هى موجودة محدثة بأمر الله وتكوينه ولها تأثير فى إفادة الحياة للجسد، ولا يلزم من عدم العلم بكيفيتها المخصوصة نفيه. قال: ويحتمل أن يكون المراد بالأمر فى قوله تعالى: مِنْ أَمْرِ رَبِّي «١» الفعل، كقوله تعالى: وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ «٢» . أى فعله. فيكون الجواب: أنها حادثة. ثم قال: وقد سكت السلف عن البحث فى هذه الأشياء والتعمق فيها. انتهى. وقال فى فتح البارى: وقد تنطع قوم فتباينت أقوالهم: فقيل: هى النفس الداخل الخارج. وقيل: جسم لطيف، يحل فى جميع البدن. وقيل: هى الدم. وقيل: إن الأقوال فيها بلغت المائة. ونقل ابن منده عن بعض المتكلمين: أن لكل نبى خمسة أرواح، ولكل مؤمن ثلاثة، ولكل حى واحدة. وقال ابن العربى: اختلفوا فى الروح والنفس، فقيل متغايران، وهو الحق، وقيل هما شىء واحد، وقد يعبر بالروح عن النفس وبالعكس «٣» .
ن ثلاثة، ولكل حى واحدة. وقال ابن العربى: اختلفوا فى الروح والنفس، فقيل متغايران، وهو الحق، وقيل هما شىء واحد، وقد يعبر بالروح عن النفس وبالعكس «٣» .
وقال ابن بطال: معرفة حقيقة الروح مما استأثر الله بعلمه بدليل هذا الخبر. قال: والحكمة فى إبهامه: اختبار الخلق، ليعرفهم عجزهم عن علم ما لا يدركونه حتى يضطرهم إلى رد العلم إليه. وقال القرطبى: الحكمة فى ذلك إظهار عجز المرء، لأنه إذا لم يعلم حقيقة نفسه مع القطع بوجوده، كان عجزه عن إدراك حقيقة الحق من باب أولى. وقال بعضهم: ليس فى الآية دلالة على أن الله لم يطلع نبيه- ﷺ على حقيقة الروح بل يحتمل أن يكون أطلعه الله ولم يأمره أن يطلعهم. وقد قالوا فى علم الساعة نحو هذا والله أعلم. انتهى. ولما كثر المسلمون، وظهر الإيمان، أقبل كفار قريش على من آمن يعذبونهم ويؤذونهم ليردوهم عن دينهم. حتى إنه مر عدو الله، أبو جهل، بسمية أم عمار بن ياسر، وهى تعذب فطعنها بحربة فى فرجها فقتلها. وكان أبو بكر الصديق- رضى الله عنه- إذا مر بأحد من العبيد يعذب اشتراه منهم وأعتقه، منهم بلال وعامر بن فهيرة. وعن أبى ذر: كان أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله- ﷺ، وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد. فأما رسول الله- ﷺ فمنعه الله بعمه أبى طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم فى الشمس، وإن بلالا هانت عليه نفسه فى الله ﷿، وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به فى شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد «١» . رواه أحمد فى مسنده.
وعن مجاهد مثله، وزاد فى قصة بلال: وجعلوا فى عنقه حبلا ودفعوه إلى الصبيان يلعبون به حتى أثر الحبل فى عنقه. فانظر كيف فعل ببلال ما فعل من الإكراه على الكفر، وهو يقول أحد أحد، فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، وهذا كما وقع له أيضا عند موته، كانت امرأته تقول: واحزناه وهو يقول: واطرباه. غدا ألقى الأحبة محمدا وصحبه، فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء. ولله در أبى محمد الشقراطسى حيث قال: لاقى بلال بلاء من أمية قد ... أحله الصبر فيه أكرم النزل إذ أجهدوه بضنك الأسر وهو على ... شدائد الأزل ثبت الأزر لم يزل ألقوه بطحا برمضاء البطاح وقد ... عالوا عليه صخور جمة الثقل فوحد الله إخلاصا وقد ظهرت ... بظهره كندوب الطل فى الطلل إن قدّ ظهر ولى الله من دبر ... قد قدّ قلب عدو الله من قبل يعنى إن كان ظهر ولى الله بلال قد ظهر فيه التعذيب بقده، فقد جوزى عدو الله أمية وقد قلبه ببدر، لأنه قتل يومئذ، وكان عبد الرحمن بن عوف قد أسره يومئذ وأراد استبقاءه لأخوة كانت بينهما فى الجاهلية، فرآه بلال معه فصاح بأعلى صوته يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا فنهشوه بأسيافهم حتى قتلوه. وأخرج البيهقى عن عروة أن أبا بكر أعتق ممن كان يعذب فى الله سبعة منهم، الزنيرة، فذهب بصرها، وكانت ممن تعذب فى الله، فتأبى إلا الإسلام، فقال المشركون: ما أصاب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت: كلا والله ما هو كذلك فرد الله عليها بصرها. والزنيرة: بكسر الزاى وتشديد النون المكسورة. كسكينة: كذا فى القاموس.
ا أصاب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت: كلا والله ما هو كذلك فرد الله عليها بصرها. والزنيرة: بكسر الزاى وتشديد النون المكسورة. كسكينة: كذا فى القاموس.
[هجرته ﷺ] ثم أذن رسول الله- ﷺ لأصحابه فى الهجرة إلى الحبشة، وذلك فى رجب سنة خمس من النبوة. فهاجر إليها ناس ذوو عدد، منهم من هاجر بأهله، ومنهم من هاجر بنفسه، وكانوا أحد عشر رجلا- وقيل اثنى عشر رجلا- وأربع نسوة- وقيل: وخمس نسوة، وقيل وامرأتين-. وأميرهم عثمان بن مظعون، وأنكر ذلك الزهرى وقال: لم يكن لهم أمير. وخرجوا مشاة إلى البحر، فاستأجروا سفينة بنصف دينار. وكان أول من خرج عثمان بن عفان مع امرأته رقية بنت رسول الله- ﷺ، وأخرج يعقوب بن سفيان بسند موصول إلى أنس قال: أبطأ على رسول الله- ﷺ خبرهما، فقدمت امرأة فقالت: قد رأيتهما وقد حمل عثمان امرأته على حمار، فقال: إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط. فلما رأت قريش استقرارهم فى الحبشة وأمنهم أرسلوا عمرو بن العاصى، وعبد الله بن أبى ربيعة بهدايا وتحف من بلادهم إلى النجاشى واسمه أصحمة- وكان معهما عمارة بن الوليد، ليردهم إلى قومهم، فأبى ذلك وردهما خائبين بهديتهما. وأسلم عمر بن الخطاب بعد حمزة بثلاثة أيام فيما قاله أبو نعيم بدعوته ﷺ: «اللهم أعز الإسلام بأبى جهل أو بعمر بن الخطاب» «١» وكان المسلمون إذ ذاك بضعة وأربعين رجلا، وإحدى عشرة امرأة.
ثلاثة أيام فيما قاله أبو نعيم بدعوته ﷺ: «اللهم أعز الإسلام بأبى جهل أو بعمر بن الخطاب» «١» وكان المسلمون إذ ذاك بضعة وأربعين رجلا، وإحدى عشرة امرأة.
وكان سبب إسلامه- فيما ذكره أسامة بن زيد عن أبيه عن جده عن عمر- أنه قال: بلغنى إسلام أختى فدخلت عليها، فقلت يا عدوة نفسها، قد بلغنى عنك أنك صبوت «١» ، ثم ضربتها، فسال الدم فلما رأت الدم بكت وقالت: يابن الخطاب ما كنت فاعلا فافعل فقد أسلمت. قال: فدخلت وأنا مغضب فإذا كتاب فى ناحية البيت، فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم فلما مررت بالرحمن الرحيم ذعرت ورميت بالصحيفة من يدى، قال: ثم رجعت إليها فإذا فيها سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ حتى بلغت آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ «٢» فقلت: أشهد ألاإله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. فخرج القوم يتبادرون بالتكبير استبشارا بما سمعوا منى، فجئت إلى رسول الله- ﷺ فى بيت فى أسفل الصفا، فدخلت وأخذ رجلان بعضدى حتى دنوت من النبى- ﷺ فقال: «أرسلوه» فأرسلونى فجلست بين يديه، فأخذ بمجمع ثيابى فجذبنى إليه ثم قال: «أسلم يابن الخطاب، اللهم اهد قلبه» فقلت: أشهد ألاإله إلا الله وأنك رسول الله، فكبر المسلمون تكبيرة سمعت بطرق مكة «٣» . وكان الرجل إذا أسلم استخفى ثم خرجت إلى رجل لم يكن يكتم السر، فقلت له إنى صبوت، قال فرفع صوته بأعلاه: ألا إن ابن الخطاب قد صبأ، فما زال الناس يضربونى وأضربهم، فقال خالى: ما هذا؟ قالوا: ابن الخطاب، فقام على الحجر وأشار بكمه فقال: ألا إنى قد أجرت ابن اختى، فانكشف الناس عنى، قال: فما زلت أضرب وأضرب حتى أعز الله الإسلام.
ما هذا؟ قالوا: ابن الخطاب، فقام على الحجر وأشار بكمه فقال: ألا إنى قد أجرت ابن اختى، فانكشف الناس عنى، قال: فما زلت أضرب وأضرب حتى أعز الله الإسلام.
قال ابن عباس: لما أسلم عمر قال جبريل للنبى- ﷺ: يا محمد، لقد استبشر أهل السماء بإسلام عمر «١» . رواه ابن ماجه. ولما رأت قريش عزة النبى- ﷺ بمن معه، وإسلام عمر، وعزة أصحابه بالحبشة، وفشو الإسلام فى القبائل، أجمعوا على أن يقتلوا النبى ﷺ، فبلغ أبا طالب، فجمع بنى هاشم وبنى المطلب فأدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم ومنعوه ممن أراد قتله، فأجابوه حتى كفارهم، فعلوا ذلك حمية على عادة الجاهلية. فلما رأت قريش ذلك اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بنى هاشم وبنى المطلب: ألاينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوا منهم شيئا، ولا يبتاعوا منهم، ولا يقبلوا منهم صلحا أبدا حتى يسلموا رسول الله- ﷺ للقتل. وكتبوه فى صحيفة بخط منصور بن عكرمة- وقيل بغيض بن عامر- فشلت يده، وعلقوا الصحيفة فى جوف الكعبة، هلال المحرم سنة سبع من النبوة. فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبى طالب فدخلوا معه فى شعبه، إلا أبا لهب فكان مع قريش. فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا، وقال ابن سعد: سنتين حتى جهدوا وكان لا يصل إليهم شىء إلا سرّا. وقدم نفر من مهاجرة الحبشة، حين قرأ- ﷺ وَالنَّجْمِ إِذا هَوى حتى بلغ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى «٢» ألقى الشيطان فى أمنيته أى فى تلاوته: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، فلما
ختم السورة «سجد- ﷺ وسجد معه المشركون» «١» لتوهمهم أنه ذكر آلهتهم بخير، وفشا ذلك فى الناس، وأظهره الشيطان حتى بلغ أرض الحبشة، ومن بها من المسلمين، عثمان بن مظعون وأصحابه. وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، وصلوا معه- ﷺ، وقد أمن المسلمون بمكة، فأقبلوا سراعا من الحبشة. والغرانيق فى الأصل: الذكور من طير الماء واحدها: غرنوق وغرنيق، سمى به لبياضه. وقيل: هو الكركى. والغرنوق أيضا: الشاب الأبيض الناعم. وكانوا يزعمون أن الأصنام تقربهم من الله، وتشفع لهم، فشبهت بالطيور التى تعلوا فى السماء وترتفع. ولما تبين للمشركين عدم ذلك، رجعوا إلى أشد ما كانوا عليه. وقد تكلم القاضى عياض- ﵀ فى «الشفاء» على هذه القصة وتوهين أصلها بما يشفى ويكفى، لكن تعقب فى بعضه كما سيأتى- إن شاء الله تعالى-. وقال الإمام فخر الدين الرازى- مما لخصته من تفسيره- هذه القصة باطلة موضوعة، لا يجوز القول بها. قال الله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى «٢» . وقال الله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى «٣» . وقال البيهقى: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم فى أن رواة هذه القصة مطعونون.
وحى «٢» . وقال الله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى «٣» . وقال البيهقى: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم فى أن رواة هذه القصة مطعونون.
وأيضا: فقد روى البخارى فى صحيحه أنه- ﷺ قرأ سورة النجم وسجد، وسجد المسلمون والمشركون والإنس والجن، وليس فيه حديث الغرانيق، بل روى هذا الحديث من طرق كثيرة، وليس فيها ألبتة حديث الغرانيق. ولا شك أن من جوز على الرسول تعظيم الأوثان فقد كفر، لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان فى نفى الأوثان، ولو جوزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه، وجوزنا فى كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك. ويبطل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ «١» . فإنه لا فرق فى الفعل بين النقصان فى الوحى وبين الزيادة فيه. فبهذه الوجوه، عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة. وقد قيل: إن هذه القصة من وضع الزنادقة لا أصل لها. انتهى. وليس كذلك. بل لها أصل. فقد خرجها: ابن أبى حاتم، والطبرى، وابن المنذر، من طرق عن شعبة، عن ابن بشر، عن سعيد بن جبير. وكذا ابن مردويه، والبزار، وابن إسحاق فى السيرة، وموسى بن عقبة فى المغازى، وأبو معشر فى السيرة. كما نبه عليه الحافظ عماد الدين بن كثير وغيره، لكن قال: إن طرقها كلها مرسلة وأنه لم يرها مسندة من وجه صحيح «٢» . وهذا متعقب بما سيأتى: وكذا نبه على ثبوت أصلها شيخ الإسلام الحافظ أبو الفضل العسقلانى فقال: أخرج ابن أبى حاتم والطبرى وابن المنذر من طرق عن شعبة عن أبى
ذا متعقب بما سيأتى: وكذا نبه على ثبوت أصلها شيخ الإسلام الحافظ أبو الفضل العسقلانى فقال: أخرج ابن أبى حاتم والطبرى وابن المنذر من طرق عن شعبة عن أبى
بشر عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله- ﷺ، بمكة والنجم، فلما بلغ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى «١» ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا، فنزلت هذه الآية وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ «٢» الآية. وأخرجه البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة فقال: فى إسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، فيما أحسب، ثم ساق الحديث. وقال البزار: لا يروى متصلا إلا بهذا الإسناد. وتفرد بوصله أمية بن خالد وهو ثقة مشهور «٣» . قال، وإنما يروى هذا من طريق الكلبى عن أبى صالح عن ابن عباس. انتهى، والكلبى متروك لا يعتمد عليه. وكذا أخرجه النحاس بسند آخر فيه الواقدى. وذكرها ابن إسحاق فى السيرة مطولا، وأسندها عن محمد بن كعب، وكذلك عن موسى بن عقبة فى المغازى عن ابن شهاب الزهرى. وكذا أبو معشر فى السيرة له عن محمد بن كعب القرظى ومحمد بن قيس وأورده من طريق الطبرى. وأورده ابن أبى حاتم من طريق أسباط عن السدى. ورواه ابن مردويه من طريق عباد بن صهيب عن يحيى بن كثير عن الكلبى عن أبى صالح، وعن أبى بكر الهذلى، وأيوب عن عكرمة، وعن سليمان التيمى عمن حدثه، ثلاثتهم عن ابن عباس. وأوردها الطبرى أيضا من طريق العوفى عن ابن عباس. ومعناهم كلهم فى ذلك واحد.
ر الهذلى، وأيوب عن عكرمة، وعن سليمان التيمى عمن حدثه، ثلاثتهم عن ابن عباس. وأوردها الطبرى أيضا من طريق العوفى عن ابن عباس. ومعناهم كلهم فى ذلك واحد.
وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف وإما منقطع. لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا. مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيح. أحدهما: ما أخرجه الطبرى من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب: حدثنى أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فذكر نحوه. والثانى: ما أخرجه أيضا من طريق المعتمر بن سليمان، وحماد بن سلمة كلاهما عن داود بن أبى هند، عن أبى العالية. قال الحافظ ابن حجر: وقد تجرأ ابن العربى- كعادته- فقال: ذكر الطبرى فى ذلك روايات كثيرة لا أصل لها. وهو إطلاق مردود عليه. وكذا قول القاضى عياض: «هذا الحديث لم يخرجه أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل، مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته وانقطاع إسناده» . وكذا قوله: «ومن حملت عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر الطرق عنهم فى ذلك ضعيفة واهية» . قال: «وقد بين البزار أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره، إلا طريق أبى بشر عن سعيد بن جبير، مع الشك الذى وقع فى وصله وأما الكلبى فلا تجوز الرواية عنه لقوة ضعفه» . «ثم رده من طريق النظر: بأن ذلك لو وقع لارتد كثير ممن أسلم. قال: ولم ينقل ذلك» . انتهى. وجميع ذلك لا يتمشى مع القواعد: فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دل ذلك على أن لها أصلا. وقد ذكرنا أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهى مراسيل
يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض. وإذا تقرر ذلك: تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر، وهو قوله: ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى. فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره، لأنه يستحيل عليه- ﷺ أن يزيد فى القرآن عمدا ما ليس فيه، وكذا سهوا إذا كان مغايرا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته. وقد سلك العلماء فى ذلك مسالك: فقيل: جرى ذلك على لسانه حين أصابته سنة، وهو لا يشعر، فلما علم بذلك أحكم الله آياته، وهذا أخرجه الطبرى عن قتادة. ورده القاضى: عياض: بأنه لا يصح، لكونه لا يجوز على النبى ﷺ ذلك، ولا ولاية للشيطان عليه فى النوم. وقيل: إن الشيطان ألجأه إلى أن قال ذلك بغير اختياره. ورده ابن العربى بقوله تعالى، حكاية عن الشيطان: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ «١» الآية، قال: فلو كان للشيطان قوة على ذلك لما بقى لأحد قوة على طاعة. وقيل: إن المشركين كانوا إذا ذكروا آلهتهم وصفوها بذلك، فعلق بحفظه ﷺ فجرى ذلك على لسانه لما ذكرهم سهوا. وقد رد ذلك القاضى عياض فأجاد. وقيل: لعله قال ذلك توبيخا للكفار. قال القاضى عياض: وهذا جائز إذا كانت قرينة تدل على المراد، ولا سيما وقد كان الكلام فى ذلك الوقت جائزا فى الصلاة. وإلى هذا نحا الباقلانى.
بيخا للكفار. قال القاضى عياض: وهذا جائز إذا كانت قرينة تدل على المراد، ولا سيما وقد كان الكلام فى ذلك الوقت جائزا فى الصلاة. وإلى هذا نحا الباقلانى.
وقيل: إنه لما وصل إلى قوله: وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى «١» . خشى المشركون أن يأتى بعدها بشىء يذم آلهتهم به فبادروا إلى ذلك الكلام، فخلطوه فى تلاوة النبى- ﷺ على عادتهم فى قوله: (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه) ونسب ذلك إلى الشيطان لكونه الحامل لهم على ذلك. أو المراد بالشيطان شيطان الإنس. وقيل المراد بالغرانيق العلى، الملائكة، وكان الكفار يقولون: الملائكة بنات الله، ويعبدونها، فنسق ذكر الكل ليرد عليهم بقوله: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى «٢» فلما سمعه المشركون حملوه على الجميع، وقالوا: إنه عظم آلهتنا ورضوا بذلك، فنسخ الله تينك الكلمتين وأحكم آياته. وقيل: كان النبى- ﷺ يرتل القرآن، فارتصده الشيطان فى سكتة من السكتات ونطق بتلك الكلمات محاكيا نغمة النبى- ﷺ بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله، وأشاعها. قال: وهذا أحسن الوجوه، ويؤيد ما ورد عن ابن عباس فى تفسير «تمنى» ب «تلا» . وكذا استحسن ابن العربى هذا التأويل وقال: معنى قوله: فى أمنيته، أى فى تلاوته، فأخبر الله تعالى فى هذه الآية أن سنة الله فى رسله، إذا قالوا قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه، فهذا نص فى أن الشيطان زاد فى قول النبى- ﷺ، لا أن النبى- ﷺ قاله. وقد سبق إلى ذلك الطبرى، مع جلالة قدره وسعة علمه وشدة ساعده فى النظر، فصوب هذا المعنى. انتهى» . ثم هاجر المسلمون الثانية إلى أرض الحبشة. وعدتهم ثلاثة وثمانون رجلا إن كان عمار بن ياسر فيهم، وثمانى عشرة امرأة.
فى النظر، فصوب هذا المعنى. انتهى» . ثم هاجر المسلمون الثانية إلى أرض الحبشة. وعدتهم ثلاثة وثمانون رجلا إن كان عمار بن ياسر فيهم، وثمانى عشرة امرأة.
وكان معهم عبيد الله بن جحش مع امرأته أم حبيبة بنت أبى سفيان، فتنصر هناك ثم توفى على دين النصرانية. وتزوج رسول الله- ﷺ أم حبيبة بنت أبى سفيان سنة سبع من الهجرة إلى المدينة، وهى بالحبشة كما سيأتى إن شاء الله تعالى فى المقصد الثانى عند ذكر أزواجه- ﷺ. وخرج أبو بكر الصديق- رضى الله عنه- مهاجرا إلى الحبشة حتى بلغ برك الغماد «١» ورجع فى جوار سيد القارة، مالك بن الدغنة- بفتح الدال المهملة وكسر الغين المعجمة، وتخفيف النون. وبضم الدال والغين وتشديد النون- يعبد ربه فى داره، وابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلى فيه ويقرأ القرآن فيتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، ويعجبون منه. وكان أبو بكر رجلا بكّاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن. فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فقالوا لابن الدغنة: إنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربّه فى داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك. فقال أبو بكر لابن الدغنة: فإنى أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله «٢» . الحديث رواه البخارى. ثم قام رجال فى نقض الصحيفة، فأطلع الله نبيه- ﷺ على أن الأرضة «٣» أكلت جميع ما فيها من القطيعة والظلم، فلم تدع إلا اسم الله تعالى فقط، فلما أنزلت لتمزق وجدت كما قال- ﷺ وذلك فى السنة العاشرة.
يه- ﷺ على أن الأرضة «٣» أكلت جميع ما فيها من القطيعة والظلم، فلم تدع إلا اسم الله تعالى فقط، فلما أنزلت لتمزق وجدت كما قال- ﷺ وذلك فى السنة العاشرة.
ولما أتت عليه- ﷺ تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوما، مات عمه أبو طالب، وله سبع وثمانون سنة. وقيل فى النصف من شوال من السنة العاشرة. وقال ابن الجزار: قبل هجرته- ﵊ بثلاث سنين. وروى أنه- ﷺ كان يقول له عند موته: يا عم قل لا إله إلا الله. كلمة أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة. فلما رأى أبو طالب حرص الرسول- ﷺ قال له: والله يابن أخى، لولا مخافة قريش أنى إنما قلتها جزعا من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك بها. فلما تقارب من أبى طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه، فأصغى إليه بأذنه فقال: يابن أخى، والله لقد قال أخى الكلمة التى أمرته بها فقال ﷺ: لم أسمعه. كذا رواية ابن إسحاق أنه أسلم عند الموت. ورواه البيهقى فى الدلائل من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثنا العباس عن عبد الله بن معبد بن عباس عن بعض أهله عن ابن عباس فذكره «١» ، وقال البيهقى: إنه منقطع. وأجيب عنه: بأن شهادة العباس لأبى طالب لو أداها بعد ما أسلم كانت مقبولة ولم ترد بقوله- ﷺ لم أسمع، لأن الشاهد العدل إذا قال سمعت وقال من هو أعدل منه: لم أسمع أخذ بقول من أثبت السماع. ولكن العباس شهد بذلك قبل أن يسلم. مع أن الصحيح من الحديث قد أثبت لأبى طالب الوفاة على الكفر والشرك، كما روينا فى صحيح البخارى من حديث سعيد بن المسيب. حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. قال رسول الله- ﷺ: «والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» فأنزل الله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا
أُولِي قُرْبى «١» . وأنزل الله فى أبى طالب، فقال لرسول الله- ﷺ: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ «٢» . وأجيب أيضا بأن أبا طالب لو قال كلمة التوحيد، ما نهى الله تعالى نبيه ﷺ عن الاستغفار له. وفى الصحيح عن العباس أنه قال لرسول الله- ﷺ: إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك، فهل ينفعه ذلك؟ قال: نعم، وجدته فى غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح «٣» . وفى رواية الصحيح أيضا أنه- ﷺ قال: لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة فيجعل فى ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلى منه دماغه «٤» . وفى رواية يونس عن ابن إسحاق زيادة فقال: يغلى منه دماغه حتى يسيل على قدميه. قال السهيلى: من باب النظر فى حكمة الله، ومشاكلة الجزاء للعمل، أن أبا طالب كان مع رسول الله- ﷺ بجملته متحزبا له، إلا أنه كان متثبتا بقدميه على ملة عبد المطلب، حتى قال عند الموت: أنا على ملة عبد المطلب، فسلط العذاب على قدميه خاصة لتثبيته إياهما على ملة آبائه. ثبتنا الله على الصراط المستقيم. وفى شرح التنقيح للقرافى: الكفار أربعة أقسام، فذكر منها من آمن بظاهره وباطنه وكفر بعدم الإذعان للفروع، كما حكى عن أبى طالب أنه كان
ى الصراط المستقيم. وفى شرح التنقيح للقرافى: الكفار أربعة أقسام، فذكر منها من آمن بظاهره وباطنه وكفر بعدم الإذعان للفروع، كما حكى عن أبى طالب أنه كان
يقول: إنى لأعلم أن ما يقوله ابن أخى لحق، ولولا أنى أخاف أن تعيرنى نساء قريش لاتبعته. وفى شعره يقول: لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... يقينا ولا يعزى لقول الأباطل فإن هذا تصريح باللسان واعتقاد بالجنان غير أنه لم يذعن. انتهى. وحكى عن هشام بن السائب الكلبى، أو أبيه أنه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جمع إليه وجوه قريش، فأوصاهم فقال: يا معشر قريش، أنتم صفوة الله من خلقه. إلى أن قال: وإنى أوصيكم بمحمد خيرا، فإنه الأمين فى قريش، والصديق فى العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيكم به، وقد جاء بأمر قبله الجنان وأنكره اللسان مخافة الشنان «١» ، وايم الله كأنى أنظر إلى صعاليك العرب، وأهل الوبر والأطراف، والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته، وصدقوا كلمته، وعظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا، ودورها خرابا، وضعفاؤها أربابا، وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها، وأصغت له فؤادها، وأعطته قيادها، يا معشر قريش، كونوا له ولاة، ولحزبه حماة، والله لا يسلك أحد سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد، ولو كان لنفسى مدة ولأجلى تأخير لكففت عنه الهزاهز، ولدفعت عنه الدواهى. ثم هلك. ثم بعد ذلك بثلاثة أيام- وقيل: بخمسة- فى رمضان بعد البعثة بعشر سنين، على الصحيح، ماتت خديجة- رضى الله عنها-. وكان- ﷺ يسمى ذلك العام عام الحزن، فيما ذكر صاعد وكانت مدة إقامتها معه- ﷺ خمسا وعشرين سنة على الصحيح. ثم بعد أيام من موت خديجة تزوج- ﵇ سودة بنت زمعة. ثم خرج- ﵇ إلى الطائف بعد موت خديجة بثلاثة أشهر، فى ليال
ة إقامتها معه- ﷺ خمسا وعشرين سنة على الصحيح. ثم بعد أيام من موت خديجة تزوج- ﵇ سودة بنت زمعة. ثم خرج- ﵇ إلى الطائف بعد موت خديجة بثلاثة أشهر، فى ليال
بقين من شوال، سنة عشر من النبوة. لما ناله من قريش بعد موت أبى طالب. وكان معه زيد بن حارثة. فأقام به شهرا، يدعو ثقيف إلى الله تعالى فلم يجيبوه وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه. قال موسى بن عقبة: ورجموا عراقيبه «١» بالحجارة حتى اختضبت نعلاه بالدماء، زاد غيره: وكان إذا أزلفته الحجارة قعد إلى الأرض، فيأخذون بعضديه فيقيمونه، فإذا مشى رجموه وهم يضحكون، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه، حتى لقد شج فى رأسه شجاجا. وفى البخارى ومسلم من حديث عائشة أنها قالت للنبى- ﷺ، هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد، قال: «لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسى على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبنى إلى ما أردت، فانطلقت- وأنا مهموم على وجهى، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسى، فإذا أنا بسحابة قد أظلتنى، فنظرت فإذا فيها جبريل- ﵇، فنادانى» . فقال: إن الله قد سمع قول قومك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت، فنادانى ملك الجبال، فسلم علىّ ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثنى ربك إليك لتأمرنى بأمرك، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين «٢» قال- ﷺ: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا» «٣» . وعبد ياليل- بالتحتانية وبعدها ألف ثم لام مكسورة ثم تحتانية ساكنة ثم
ال- ﷺ: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا» «٣» . وعبد ياليل- بالتحتانية وبعدها ألف ثم لام مكسورة ثم تحتانية ساكنة ثم
لام- ابن عبد كلال- بضم الكاف وتخفيف اللام آخره لام- وكان ابن عبد ياليل من أكابر أهل الطائف من ثقيف. وقرن الثعالب: هو ميقات أهل نجد، ويقال له: قرن المنازل. وأفاد ابن سعد: أن مدة إقامته- ﷺ بالطائف كانت عشرة أيام. ولما انصرف- ﷺ عن أهل الطائف، مر فى طريقه بعتبة وشيبة ابنى ربيعة وهما فى حائط لهما، فلما رأيا ما لقى تحركت له رحمهما، فبعثا له مع عداس النصرانى- غلامهما- قطف عنب، فلما وضع- ﷺ يده فى القطف قال: بسم الله، ثم أكل، فنظر عداس إلى وجهه ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، فقال له رسول الله- ﷺ: «من أى البلاد أنت. وما دينك؟» قال نصرانى من نينوى. فقال- ﷺ: «من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟» قال: وما يدريك؟ قال: «ذاك أخى، وهو نبى مثلى» . فأكب عداس على يديه ورأسه ورجليه يقبلها وأسلم. ولما نزل نخلة- وهو موضع على ليلة من مكة- صرف الله إليه سبعة من جن نصيبين- مدينة بالشام- وكان- ﷺ قد قام فى جوف الليل يصلى فاستمعوا له وهو يقرأ سورة الجن. وفى الصحيح أن الذى آذنه- ﷺ بالجن ليلة الجن شجرة، وأنهم سألوه الزاد فقال كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع فى يد أحدكم أوفر ما كان لحما، وكل بعر علف لدوابكم «١» . وفى هذا رد على من زعم أن الجن لا تأكل ولا تشرب. وذكر صاحب الروض من أسماء السبعة الذين أتوه- ﷺ، عن ابن دريد: منشى وناشى وشاصر وماضر والأحقب. لم يزد تسمية على هؤلاء. قال الحافظ ابن كثير: وقد ذكر ابن إسحاق خروجه- ﵇ إلى أهل



