المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya القسطلاني (w. 923 H).

Bagian 5 dari 49 2019 halaman

— Bagian 5 · الطائف ودعاءه إياهم، وأنه لما انصرف عنهم بات بنخ… —

Bagian 5

الطائف ودعاءه إياهم، وأنه لما انصرف عنهم بات بنخلة، فقرأ تلك الليلة من القرآن، فاستمعه الجن من أهل نصيبين. قال: وهذا صحيح، لكن قوله إن الجن كان استماعهم تلك الليلة فيه نظر، فإن الجن كان استماعهم فى ابتداء الإيحاء، ويدل له حديث ابن عباس عند أحمد قال: كان الجن يستمعون الوحى فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشرا، فيكون ما سمعوه حقّا وما زادوه باطلا، وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك، فلما بعث رسول الله- ﷺ كان أحدهم لا يأتى مقعده إلا رمى بشهاب يحرق ما أصاب منه، فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هذا إلا من أمر قد حدث، فبعث جنوده فإذا النبى- ﷺ يصلى بين جبلى نخلة فأخبروه فقال: «هذا الحدث الذى حدث فى الأرض» «١» . ورواه النسائى وصححه الترمذى. قال: وخروجه- ﷺ إلى الطائف كان بعد موت عمه. وروى ابن أبى شيبة عن عبد الله بن مسعود قال: هبطوا على النبى- ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا، فأنزل الله ﷿: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ «٢» . فهذا مع رواية ابن عباس تقتضى أن رسول الله- ﷺ لم يشعر بحضورهم فى هذه المرة، وإنما استمعوا قراءته ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالا، قوما وفوجا بعد فوج. انتهى. وفى طريقه- ﵇ هذه، دعا بالدعاء المشهور: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتى، وقلة حيلتى، وهوانى على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت أرحم الراحمين، وأنت رب المستضعفين، إلى من

﵇ هذه، دعا بالدعاء المشهور: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتى، وقلة حيلتى، وهوانى على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت أرحم الراحمين، وأنت رب المستضعفين، إلى من

تكلنى إلى عدو بعيد يتجهمنى أم إلى صديق قريب ملكته أمرى، إن لم تكن غضبان على فلا أبالى، غير أن عافيتك أوسع لى، أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بى غضبك، أو يحل بى سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» «١» . أورده ابن إسحاق، ورواه الطبرانى فى كتاب الدعاء عن عبد الله بن جعفر قال: لما توفى أبو طالب، خرج النبى- ﷺ ماشيا إلى الطائف، فدعاهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، فأتى ظل شجرة فصلى ركعتين ثم قال: اللهم إليك أشكو. فذكره. وقوله: يتجهمنى- بتقديم الجيم على الهاء- أى يلقانى بالغلظة والوجه الكريه. ثم دخل- ﷺ مكة فى جوار المطعم بن عدى. ولما كان فى شهر ربيع الأول أسرى بروحه وجسده يقظة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به من المسجد الأقصى إلى فوق سبع سماوات، ورأى ربه بعينى رأسه «٢» ، وأوحى الله إليه ما أوحى، وفرض عليه الصلوات الخمس، ثم انصرف فى ليلته إلى مكة. فأخبر بذلك، فصدقه الصديق، وكل من آمن بالله. وكذبه الكفار واستوصفوه مسجد بيت المقدس، فمثله الله له، فجعل ينظر إليه ويصفه «٣» .

نصرف فى ليلته إلى مكة. فأخبر بذلك، فصدقه الصديق، وكل من آمن بالله. وكذبه الكفار واستوصفوه مسجد بيت المقدس، فمثله الله له، فجعل ينظر إليه ويصفه «٣» .

قال الزهرى: وكان ذلك بعد المبعث بخمس سنين. حكاه عنه القاضى عياض، ورجحه القرطبى والنووى. واحتج: بأنه لا خلاف أن خديجة صلت معه بعد فرض الصلاة، ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة إما بثلاث أو بخمس، ولا خلاف أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء. وتعقب: بأن موت خديجة بعد البعثة بعشر سنين على الصحيح فى رمضان، وذلك قبل أن تفرض الصلاة. ويؤيده إطلاق حديث عائشة أن خديجة ماتت قبل أن تفرض الصلوات الخمس. ويلزم منه أن يكون موتها قبل الإسراء وهو المعتمد، وأما التردد فى سنة وفاتها فيرده جزم عائشة بأنها ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين قاله الحافظ ابن حجر. وقيل: قبل الهجرة بسنة. قاله ابن حزم، وادعى فيه الإجماع. وقيل: قبل الهجرة بسنة وخمسة أشهر، قاله السدى وأخرجه من طريقه الطبرى والبيهقى، فعلى هذا كان فى شوال. وقيل: كان فى رجب. حكاه ابن عبد البر، وقبله ابن قتيبة، وبه جزم النووى فى الروضة. وقيل: كان قبل الهجرة بسنة وثلاثة أشهر، فعلى هذا يكون فى ذى الحجة، وبه جزم ابن فارس. وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين، ذكره ابن الأثير. وقال الحربى: إنه كان فى سابع عشرى ربيع الآخر، وكذا قال النووى فى فتاويه، لكن قال فى شرح مسلم: فى ربيع الأول. وقيل: كان ليلة السابع والعشرين من رجب، واختاره الحافظ عبد الغنى ابن سرور المقدسى. وأما اليوم الذى يسفر عن ليلتها، فقيل الجمعة، وقيل السبت وعن ابن دحية: يكون إن شاء الله يوم الاثنين، ليوافق المولد والمبعث والهجرة والوفاة، فإن هذه أطوار الانتقالات: وجودا ونبوة ومعراجا وهجرة ووفاة.

السبت وعن ابن دحية: يكون إن شاء الله يوم الاثنين، ليوافق المولد والمبعث والهجرة والوفاة، فإن هذه أطوار الانتقالات: وجودا ونبوة ومعراجا وهجرة ووفاة.

وسيأتى- إن شاء الله تعالى- فى قصة الإسراء والمعراج وما فيهما من المباحث والله الموفق والمعين. ولما أراد الله تعالى إظهار دينه وإعزاز نبيه، وإنجاز موعده له، خرج ﷺ فى الموسم الذى لقى فيه الأنصار- الأوس والخزرج-. فعرض نفسه- ﷺ على قبائل العرب كما كان يصنع فى كل موسم، فبينما هو عند العقبة، لقى رهطا من الخزرج، أراد الله بهم خيرا، فقال لهم: «من أنتم» قالوا: نفر من الخزرج، قال: «أفلا تجلسون أكلمكم» قالوا: بلى، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن «١» . وكان من صنع الله، أن اليهود كانوا معهم فى بلادهم، وكانوا أهل كتاب، وكان الأوس والخزرج أكثر منهم، فكانوا إذا كان بينهم شىء قالوا: إن نبيّا سيبعث الآن، قد أظل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه. فلما كلمهم النبى ﷺ عرفوا النعت، فقال بعضهم لبعض: لا تسبقنا اليهود إليه. فأجابوه إلى ما دعاهم إليه، وصدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، فأسلم منهم ستة نفر وكلهم من الخزرج وهم: أبو أمامة، أسعد بن زرارة. وعوف بن الحارث بن رفاعة، وهو ابن عفراء. ورافع بن مالك بن العجلان. وقطبة بن عامر بن حديدة. وعقبة بن عامر بن نابى. وجابر بن عبد الله بن رئاب، وليس بجابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام.

ومن أهل العلم بالسير، من يجعل فيهم عبادة بن الصامت ويسقط جابر ابن رئاب. فقال لهم النبى- ﷺ: «تمنعون ظهرى حتى أبلغ رسالة ربى» . فقالوا: يا رسول الله، إنما كانت بعاث عام الأول، يوم من أيامنا، اقتتلنا به، فإن تقدم ونحن كذلك لا يكون لنا عليك اجتماع، فدعنا حتى نرجع إلى عشائرنا، لعل الله أن يصلح ذات بيننا، وندعوهم إلى ما دعوتنا، فعسى الله أن يجمعهم عليك، فإن اجتمعت كلمتهم عليك واتبعوك فلا أحد أعز منك، وموعدك الموسم العام القابل. وانصرفوا إلى المدينة. ولم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر رسول الله- ﷺ. فلما كان العام المقبل لقيه اثنا عشر رجلا- وفى الإكليل: أحد عشر- وهى العقبة الثانية، فيهم خمسة من الستة المذكورين، وهم: أبو أمامة، وعوف بن عفراء، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر بن نابى، ولم يكن فيهم جابر بن عبد الله بن رئاب لم يحضرها. والسبعة تتمة الاثنى عشر هم: معاذ بن الحارث بن رفاعة، وهو ابن عفراء أخو عوف المذكور. وذكوان بن عبد قيس الزرقى، وقيل إنه رحل إلى رسول الله- ﷺ إلى مكة فسكنها معه، فهو مهاجرى أنصارى قتل يوم أحد. وعبادة بن الصامت بن قيس. وأبو عبد الرحمن، ويزيد بن ثعلبة البلوى. والعباس بن عبادة بن نضلة. وهؤلاء من الخزرج، ومن الأوس رجلان: أبو الهيثم بن التيهان، من بنى عبد الأشهل. وعويم بن ساعدة.

لرحمن، ويزيد بن ثعلبة البلوى. والعباس بن عبادة بن نضلة. وهؤلاء من الخزرج، ومن الأوس رجلان: أبو الهيثم بن التيهان، من بنى عبد الأشهل. وعويم بن ساعدة.

فأسلموا وبايعوا على بيعة النساء، أى وفق بيعتهم التى نزلت بعد ذلك عند فتح مكة وهى: ألانشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزنى، ولا نقتل أولادنا ولا نأتى ببهتان نفترينه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه فى معروف، والسمع والطاعة فى العسر واليسر، والمنشط والمكره وأثره علينا، وألاننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق حيث كنا لا نخاف فى الله لومة لائم. قال ﷺ: «فإن وفيتم فلكم الجنة، ومن غشى من ذلك شيئا كان أمره إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه» «١» ولم يفرض يومئذ القتال. ثم انصرفوا إلى المدينة فأظهر الله الإسلام. وكان أسعد بن زرارة يجمع بالمدينة بمن أسلم. وكتبت الأوس والخزرج إلى النبى- ﷺ: ابعث إلينا من يقرئنا القرآن، فبعث إليهم مصعب بن عمير. وروى الدار قطنى عن ابن عباس أن النبى- ﷺ كتب إلى مصعب بن عمير أن يجمع بهم.. الحديث، وكانوا أربعين رجلا. فأسلم على يد مصعب بن عمير خلق كثير من الأنصار، وأسلم فى جماعتهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وأسلم بإسلامهما جميع بنى عبد الأشهل فى يوم واحد، الرجال والنساء، ولم يبق منهم أحد إلا أسلم، حاشا الأصيرم، وهو عمرو بن ثابت بن وقش، فإنه تأخر بإسلامه إلى يوم أحد، فأسلم واستشهد ولم يسجد لله سجدة واحدة، وأخبر رسول الله- ﷺ أنه من أهل الجنة. ولم يكن فى بنى عبد الأشهل منافق ولا منافقة، بل كانوا كلهم حنفاء مخلصين- رضى الله عنهم-. ثم قدم على النبى- ﷺ فى العقبة الثالثة فى العام المقبل فى ذى الحجة، أوسط أيام التشريق منهم سبعون رجلا- وقال ابن سعد: يزيدون رجلا أو رجلين- وامرأتان.

ثم قدم على النبى- ﷺ فى العقبة الثالثة فى العام المقبل فى ذى الحجة، أوسط أيام التشريق منهم سبعون رجلا- وقال ابن سعد: يزيدون رجلا أو رجلين- وامرأتان.

وقال ابن إسحاق: ثلاث وسبعون وامرأتان. وقال الحاكم: خمسة وسبعون نفسا. فكان أول من ضرب على يده الشريفة- ﵇ البراء بن معرور. ويقال: أبو الهيثم، ويقال أسعد بن زرارة، على أنهم يمنعونه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، وعلى حرب الأحمر والأسود. وكانت أول آية نزلت فى الإذن بالقتال أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ «١» الآية، وفى الإكليل إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ «٢» الآية. ونقب عليهم اثنى عشر نقيبا. وفى حديث جابر عند أحمد بإسناد حسن وصححه الحاكم وابن حبان: مكث- ﷺ عشر سنين يتتبع الناس فى منازلهم فى المواسم بمنى وغيرها، يقول: من يؤوينى؟ من ينصرنى حتى أبلغ رسالة ربى وله الجنة؟ حتى بعثنا الله إليه من يثرب، فذكر الحديث. وفيه: وعلى أن تنصرونى إذا قدمت عليكم بيثرب، فتمنعونى مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة «٣» الحديث. وحضر العباس العقبة تلك الليلة متوثقا لرسول الله- ﷺ، ومؤكدا على أهل يثرب، وكان يومئذ على دين قومه. قال ابن إسحاق: ولما تمت بيعة هؤلاء لرسول الله- ﷺ ليلة العقبة، وكانت سرّا عن كفار قريش، أمر رسول الله- ﷺ من كان معه بالهجرة إلى المدينة. فخرجوا أرسالا، وأقام بمكة ينتظر أن يؤذن له فى الخروج، فكان أول من هاجر من مكة إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد، قبل بيعة العقبة بسنة،

إلى المدينة. فخرجوا أرسالا، وأقام بمكة ينتظر أن يؤذن له فى الخروج، فكان أول من هاجر من مكة إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد، قبل بيعة العقبة بسنة،

قدم من الحبشة لمكة، فاذاه أهلها، وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار فخرج إليهم. ثم عامر بن ربيعة وامرأته ليلى، ثم عبد الله بن جحش. ثم المسلمون أرسالا، ثم عمر بن الخطاب وأخوه زيد وعياش بن أبى ربيعة فى عشرين راكبا، فقدموا المدينة فنزلوا فى العوالى. ثم خرج عثمان بن عفان، حتى لم يبق معه- ﷺ إلا على بن أبى طالب وأبو بكر. كذا قاله ابن إسحاق، قال مغلطاى وفيه نظر لما يأتى بعده. وكان الصديق كثيرا ما يستأذن رسول الله- ﷺ فى الهجرة فيقول: لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبا، فيطمع أبو بكر أن يكون هو. ثم اجتمعت قريش ومعهم إبليس، فى صورة شيخ نجدى فى دار الندوة، دار قصى بن كلاب، وكانت قريش لا تقضى أمرا إلا فيها، يتشاورون فيما يصنعون فى أمره- ﵊، فاجتمع رأيهم على قتله وتفرقوا على ذلك. فإن قيل: لم تمثل الشيطان فى صورة نجدى؟ فالجواب: لأنهم قالوا- كما ذكره بعض أهل السير- لا يدخلن معكم فى المشاورة أحد من أهل تهامة، لأن هواهم مع محمد، فلذلك تمثل فى صورة نجدى. انتهى. ثم أتى جبريل النبى- ﷺ فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذى كنت تبيت عليه، فلما كان الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبوا عليه، فأمر- ﷺ عليّا فنام مكانه، وغطى ببرد أخضر، فكان أول من شرى نفسه فى الله ووقى بها رسول الله- ﷺ وفى ذلك يقول على: وقيت بنفسى خير من وطىء الثرى ... ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر رسول إله خاف أن يمكروا به ... فنجاه ذو الطول الإله من المكر

ثم خرج- ﷺ، وقد أخذ الله على أبصارهم، فلم يره أحد منهم، ونثر على رؤسهم كلهم ترابا كان فى يده، وهو يتلو قوله تعالى: يس إلى قوله تعالى: فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ «١» . ثم انصرف- ﵇ حيث أراد. فأتاهم آت ممن لم يكن معهم، فقال: ما تنتظرون هاهنا؟ قالوا: محمدا، قال: قد خيبكم الله، قد والله خرج محمد عليكم، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ فوضع كل رجل يده على رأسه، فإذا عليه تراب. وفى رواية أبى حاتم، مما صححه الحاكم من حديث ابن عباس: فما أصاب رجلا منهم حصاة إلا قتل يوم بدر كافرا. وفى هذه نزل قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ «٢» الآية. ثم أذن الله تعالى لنبيه- ﷺ فى الهجرة. قال ابن عباس: بقوله تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً «٣» «٤» . أخرجه الترمذى وصححه الحاكم. فإن قلت ما الحكمة فى هجرته- ﷺ إلى المدينة وإقامته بها إلى أن انتقل إلى ربه ﷿؟ أجيب: بأن حكمة الله تعالى قد اقتضت أنه- ﵇ تتشرف به الأشياء، لا أنه يتشرف بها، فلو بقى- ﵇ فى مكة إلى انتقاله إلى ربه لكان يتوهم أنه قد تشرف بمكة، إذ أن شرفها قد سبق بالخليل وإسماعيل،

ت أنه- ﵇ تتشرف به الأشياء، لا أنه يتشرف بها، فلو بقى- ﵇ فى مكة إلى انتقاله إلى ربه لكان يتوهم أنه قد تشرف بمكة، إذ أن شرفها قد سبق بالخليل وإسماعيل،

فأراد الله تعالى أن يظهر شرفه- ﵇ فأمره بالهجرة إلى المدينة، فلما هاجر إليها تشرفت به، حتى وقع الإجماع على أن أفضل البقاع الموضع الذى ضم أعضاءه الكريمة- صلوات الله وسلامه عليه-. وذكر الحاكم أن خروجه- ﵇ كان بعد بيعة العقبة بثلاثة أشهر أو قريبا منها. وجزم ابن إسحاق: بأنه خرج أول يوم من ربيع الأول. فعلى هذا يكون بعد البيعة بشهرين وبضعة عشر يوما، وكذا جزم الأموى- فى المغازى- عن ابن إسحاق فقال: كان مخرجه من مكة بعد العقبة بشهرين وليال. قال: وخرج لهلال ربيع الأول وقدم المدينة لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. قال فى فتح البارى: وعلى هذا خرج يوم الخميس. وقال الحاكم: تواترت الأخبار أن خروجه كان يوم الاثنين، ودخوله المدينة كان يوم الاثنين، إلا أن محمد بن موسى الخوارزمى قال: إنه خرج من مكة يوم الخميس. ويجمع بينهما: بأن خروجه من مكة كان يوم الخميس وخروجه من الغار كان ليلة الاثنين، لأنه أقام فيه ثلاث ليال: ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد، وخرج أثناء ليلة الاثنين. وكانت مدة مقامه بمكة من حين النبوة إلى ذلك الوقت بضع عشرة سنة، ويدل عليه قول صرمة: ثوى فى قريش بضع عشرة حجة ... يذكر لو يلقى صديقا مواتيا وقيل غير ذلك. وأمره جبريل أن يستصحب أبا بكر. وأخبر- ﵇ عليّا بمخرجه وأمره أن يتخلف بعده حتى يؤدى عنه الودائع التى كانت عنده للناس. قال ابن شهاب قال عروة قالت عائشة: فبينما نحن جلوس يوما فى بيت أبى بكر فى نحر الظهيرة قال قائل لأبى بكر: هذا رسول الله- ﷺ-

دائع التى كانت عنده للناس. قال ابن شهاب قال عروة قالت عائشة: فبينما نحن جلوس يوما فى بيت أبى بكر فى نحر الظهيرة قال قائل لأبى بكر: هذا رسول الله- ﷺ-

متقنعا فى ساعة لم يكن يأتينا فيها. قال أبو بكر: فداء له أبى وأمى، والله ما جاء به فى هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله- ﷺ فاستأذن فأذن له فدخل، فقال- ﷺ لأبى بكر: «أخرج من عندك» ، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبى وأمى يا رسول الله. قال السهيلى: وذلك أن عائشة قد كان أبوها أنكحها منه- ﷺ قبل ذلك. فقال- ﷺ: «إنه قد أذن لى فى الخروج» . فقال أبو بكر: الصحبة بأبى أنت وأمى يا رسول الله. قال- ﷺ: «نعم» . فقال أبو بكر: فخذ بأبى أنت وأمى يا رسول الله إحدى راحلتى هاتين. قال رسول الله- ﷺ: بل بالثمن «١» . فإن قلت: لم لم يقبلها إلا بالثمن، وقد أنفق عليه أبو بكر من ماله ما هو أكثر من هذا فقبل؟ أجيب: بأنه إنما فعل ذلك لتكون هجرته إلى الله بنفسه وماله رغبة منه ﵇ فى استكمال فضل الهجرة إلى الله، وأن يكون على أتم الأحوال. انتهى. قالت عائشة: فجهزناهما أحسن الجهاز، وصنعنا لهما سفرة من جراب فقطعت أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها فربطت بها على فم الجراب فبذلك سميت بذات النطاقين. قالت: ثم لحق رسول الله- ﷺ وأبو بكر بغار ثور- جبل بأسفل مكة-.

قطعت أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها فربطت بها على فم الجراب فبذلك سميت بذات النطاقين. قالت: ثم لحق رسول الله- ﷺ وأبو بكر بغار ثور- جبل بأسفل مكة-.

وكان من قوله- ﷺ حين خرج من مكة، لما وقف على الحزورة، ونظر إلى البيت فقال: «والله إنك لأحب أرض الله إلى، وإنك لأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجونى منك ما خرجت» «١» . وهذا من أصح ما يحتج به فى تفضيل مكة على المدينة. ولم يعلم بخروجه- ﵇ إلا على وآل أبى بكر. وروى أنهما خرجا من خوخة لأبى بكر فى ظهر بيته ليلا إلى الغار. ولما فقدت قريش رسول الله- ﷺ طلبوه بمكة، أعلاها وأسفلها، وبعثوا القافة أثره فى كل وجه، فوجد الذى ذهب قبل ثور أثره هنا لك، فلم يزل يتبعه حتى انقطع لما انتهى إلى ثور. وشق على قريش خروجه وجزعوا لذلك، وجعلوا مائة ناقة لمن رده. ولله در الشيخ شرف الدين البوصيرى حيث قال: ويح قوم جفوا نبيّا بأرض ... ألفته ضبابها والظباء وسلوه وحن جذع إليه ... وقلوه ووده الغرباء أخرجوه منها وآواه غار ... وحمته حمامة ورقاء وكفته بنسجها عنكبوت ... ما كفته الحمامة الحصداء يقال شجرة حصداء: أى كثيرة الورق، فكأنه استعاره للحمامة لكثرة ريشها. وفى حديث مروى فى الهجرة أنه- ﵇ ناداه ثبير: اهبط عنى، فإنى أخاف أن تقتل على ظهرى فأعذب، فناداه حراء: إلىّ يا رسول الله. وذكر قاسم بن ثابت فى الدلائل أن رسول الله- ﷺ لما دخل الغار

وأبو بكر معه، أنبت الله على بابه الراءة. قال قاسم: وهى شجرة معروفة، وهى أم غيلان. وعن أبى حنيفة «١» : تكون مثل قامة الإنسان لها خيطان وزهر أبيض تحشى به المخاد فيكون كالريش لخفته ولينه، لأنه كالقطن، فحجبت عن الغار أعين الكفار. وفى مسند البزار: أن الله ﷿ أمر العنكبوت فنسجت على وجه الغار وأرسل حمامتين وحشيتين فوقفتا على وجه الغار، وأن ذلك مما صد المشركين عنه، وأن حمام الحرم من نسل تينك الحمامتين «٢» . ثم أقبل فتيان قريش من كل بطن بعصيهم وهراويهم وسيوفهم، فجعل بعضهم ينظر فى الغار، فلم ير إلا حمامتين وحشيتين بفم الغار، فرجع إلى أصحابه فقالوا له: مالك؟ قال: رأيت حمامتين وحشيتين فعرفت أنه ليس فيه أحد. وقال آخر: ادخلوا الغار، فقال أمية بن خلف: ما أربكم إلى الغار، إن فيه لعنكبوتا أقدم من ميلاد محمد» . وقد روى أن الحمامتين باضتا فى أسفل النقب ونسج العنكبوت، فقالوا: لو دخلا لتكسر البيض وتفسخ نسج العنكبوت. وهذا أبلغ فى الإعجاز من مقاومة القوم بالجنود. فتأمل كيف أظلت الشجرة المطلوب وأضلت الطالب، وجاءت العنكبوت فسدت باب الطلب، وحاكت وجه المكان فحاكت ثوب نسجها، فحاكت سترا حتى عمى على القائف الطلب ولله در القائل: والعنكبوت أجادت حوك حلتها ... فما تخال خلال النسج من خلل

لطلب، وحاكت وجه المكان فحاكت ثوب نسجها، فحاكت سترا حتى عمى على القائف الطلب ولله در القائل: والعنكبوت أجادت حوك حلتها ... فما تخال خلال النسج من خلل

ولقد حصل للعنكبوت الشرف بذلك، وما أحسن قول ابن النقيب: ودود القز إن نسجت حريرا ... يجمل لبسه فى كل شى فإن العنكبوت أجل منها ... بما نسجت على رأس النبى وروى أنه- ﷺ قال: «اللهم أعم أبصارهم» «١» ، فعميت عن دخوله، وجعلوا يضربون يمينا وشمالا حول الغار. وهذا يشير إليه قول صاحب البردة: أقسمت بالقمر المنشق «٢» إن له ... من قلبه نسبة مبرورة القسم وما حوى الغار من خير ومن كرم ... وكل طرف من الكفار عنه عم فالصدق فى الغار والصديق لم ير ما ... وهم يقولون ما بالغار من أرم ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على ... خير البرية لم تنسج ولم تحم وقاية الله أغنت عن مضاعفة ... من الدروع وعن عال من الأطم أى عموا عما فى الغار مع خلق الله ذلك فيهم، لأنهم ظنوا أن الحمام لا يحوم حوله- ﷺ وأن العنكبوت لا تنسج عليه لما جرت العادة أن هذين الحيوانين متوحشان لا يألفان معمورا، فمهما أحسا بالإنسان فرا منه، وما علموا أن الله تعالى يسخر ما شاء من خلقه لمن شاء من عباده، وأن وقاية عبده بما شاء تغنى عبده عن التحصن بمضاعفة من الدروع، وعن التحصن بالعالى من الأطم، وهى الحصون، فلله در الأبوصيرى شاعرا، وما أحسن قوله فى قصيدته اللامية حيث قال: واغيرتا حين أضحى الغار وهو به ... كمثل قلبى معمور ومأهول كأنما المصطفى فيه وصاحبه ال ... صديق ليثان قد آواهما غيل وجلل الغار نسج العنكبوت على ... وهن فيا حبذا نسج وتجليل

ر وهو به ... كمثل قلبى معمور ومأهول كأنما المصطفى فيه وصاحبه ال ... صديق ليثان قد آواهما غيل وجلل الغار نسج العنكبوت على ... وهن فيا حبذا نسج وتجليل

عناية ضل كيد المشركين بها ... وما مكائدهم إلا الأضاليل إذ ينظرون وهم لا يبصرونهما ... كأن أبصارهم من زيغها حول وفى الصحيح عن أنس قال أبو بكر: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لرآنا، فقال له رسول الله- ﷺ: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما» «١» . وروى أن أبا بكر قال: نظرت إلى قدمى رسول الله- ﷺ فى الغار وقد تفترتا دما فاستبكيت وعلمت أنه- ﷺ لم يكن تعود الحفا والجفوة. وروى أيضا أن أبا بكر دخل الغار قبل رسول الله- ﷺ ليقيه بنفسه، وأنه رأى جحرا فيه، فألقمه عقبه لئلا يخرج منه ما يؤذى رسول الله- ﷺ فجعلت الحيات والأفاعى تضربنه وتلسعنه، فجعلت دموعه تتحدر. وفى رواية: فدخل رسول الله- ﷺ ووضع رأسه فى حجر أبى بكر فنام، فلدغ أبو بكر فى رجله من الجحر ولم يتحرك فسقطت دموعه على وجه رسول الله ﷺ، فقال: مالك يا أبا بكر؟ فقال لدغت فداك أبى وأمى، فتفل رسول الله- ﷺ فذهب ما يجده. رواه رزين. وروى أيضا: أن أبا بكر لما رأى القافة اشتد حزنه على رسول الله ﷺ وقال إن قتلت أنا فإنما أنا رجل واحد، وإن قتلت أنت هلكت الأمة، فعندها قال له رسول الله- ﷺ: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا «٢» . يعنى بالمعونة والنصر، فأنزل الله سكينته- وهى أمنة تسكن عندها القلوب- على أبى بكر لأنه كان منزعجا، وأيده- يعنى النبى- ﷺ بجنود لم تروها من الملائكة ليحرسوه فى الغار، أو ليصرفوا وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته «٣» . انظر، لما رأى الرسول حزن الصديق قد اشتد لكن لا على نفسه، قوى

د لم تروها من الملائكة ليحرسوه فى الغار، أو ليصرفوا وجوه الكفار وأبصارهم عن رؤيته «٣» . انظر، لما رأى الرسول حزن الصديق قد اشتد لكن لا على نفسه، قوى

قلبه ببشارة لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا «١» وكانت تحفة «ثانى اثنين» مدخرة له دون الجميع، فهو الثانى فى الإسلام والثانى فى بذل النفس والعمر وسبب الموت لما وقى الرسول- ﷺ بماله ونفسه وجوزى بمواراته معه فى رمسه، وقام مؤذن التشريف ينادى على منائر الأمصار «ثانى اثنين إذ هما فى الغار» ولقد أحسن حسان حيث قال: وثانى اثنين فى الغار المنيف وقد ... طاف العدو به إذ صاعد الجبلا وكان حب رسول الله قد علموا ... من الخلائق لم يعدل له بدلا وتأمل قول موسى- ﵇ لبنى إسرائيل: كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ «٢» . وقول نبينا- ﷺ للصديق: إِنَّ اللَّهَ مَعَنا «٣» فموسى خص بشهود المعية ولم يتعد منه إلى أتباعه، ونبينا تعدى منه إلى الصديق، ولم يقل «معى» لأنه أمد أبا بكر بنوره فشهد سر المعية، ومن ثم سرى سر السكينة على أبى بكر، وإلا لم يثبت تحت أعباء هذا التجلى والشهود، وأين معية الربوبية فى قصة موسى- ﵇ من معية الإلهية فى قصة نبينا ﷺ. قاله العارف شمس الدين بن اللبان. وأخرج أبو نعيم فى الحلية عن عطاء بن ميسرة، قال: نسجت العنكبوت مرتين، مرة على داود حين كان طالوت يطلبه، ومرة على النبى ﷺ فى الغار «٤» . وكذا نسجت على الغار الذى دخله عبد الله بن أنيس لما بعثه- ﷺ لقتل خالد بن نبيح الهذلى بعرنة، فقتله ثم حمل رأسه ودخل فى غار فنسجت عليه العنكبوت، وجاء الطلب فلم يجدوا شيئا فانصرفوا راجعين. وفى تاريخ ابن عساكر: أن العنكبوت نسجت أيضا على عورة زيد بن

على بن الحسين بن على بن أبى طالب لما صلب عريانا فى سنة إحدى وعشرين ومائة. وكان مكثه- ﷺ وأبو بكر فى الغار ثلاث ليال، وقيل بضعة عشر يوما. والأول هو المشهور. وكان يبيت عندهما عبد الله بن أبى بكر، وهو غلام شاب ثقف- أى ثابت المعرفة بما يحتاج إليه لقن- فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت معهم، فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه، حتى يأتيهما بخبر ذلك اليوم حين يختلط الظلام. ويرعى عليهما عامر بن فهيرة- مولى أبى بكر- منحة من غنم، فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان فى رسل، وهو لبن منحتهما، يفعل ذلك فى كل ليلة من تلك الليالى الثلاث. واستأجر رسول الله- ﷺ وأبو بكر، عبد الله بن الأريقط دليلا- وهو على دين كفار قريش، ولم يعرف له إسلام- فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال. فأتاهما براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهم على طريق السواحل، فمروا بقديد على أم معبد- عاتكة بنت خالد الخزاعية- وكانت برزة جلدة، تحتبى بفناء القبة، ثم تسقى وتطعم. وكان القوم مرملين مسنتين «١» ، فطلبوا لبنا ولحما يشترونه منها، فلم يجدوا عندها شيئا، فنظر رسول الله- ﷺ إلى شاة فى كسر الخيمة، خلفها الجهد عن الغنم، فسألها رسول الله- ﷺ «هل بها من لبن» فقالت: لهى أجهد من ذلك، فقال: «أتأذنين لى أن أحلبها» فقالت: نعم بأبى أنت وأمى إن رأيت بها حلبا فاحلبها، فدعا بالشاة فاعتقلها ومسح ضرعها، وسمى الله، فتفاجت ودرت، ودعا بإناء يربض الرهط- أى يشبع الجماعة حتى يربضوا-

بأبى أنت وأمى إن رأيت بها حلبا فاحلبها، فدعا بالشاة فاعتقلها ومسح ضرعها، وسمى الله، فتفاجت ودرت، ودعا بإناء يربض الرهط- أى يشبع الجماعة حتى يربضوا-

فحلب فيه ثجا وسقى القوم حتى رووا، ثم شرب آخرهم، ثم حلب فيه مرة أخرى علا بعد نهل، ثم غادره عندها وذهبوا. فقل ما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد- قال السهيلى: لا يعرف اسمه، وقال العسكرى: أكثم بن أبى الجون، ويقال: ابن الجون- يسوق أعنزا عجافا، يتساوكن هزالا، مخهن قليل. فلما رأى أبو معبد اللبن عجب وقال: ما هذا يا أم معبد؟ أنى لك هذا والشاء عازب حيال، ولا حلوب فى البيت؟ فقالت: لا والله، إلا أنه مربنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا. فقال: صفيه يا أم معبد. فقالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة. مليح الوجه حسن الخلق، لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، فى عينيه دعج، وفى أشفاره وطف، وفى صوته صحل، أحور أكحل، أزج أقرن، شديد سواد الشعر، فى عنقه سطع، وفى لحيته كثاثة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، وكأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، أجهر الناس وأجمله من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، ربعة لا تشنؤه من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند. فقال: هذا والله صاحب قريش، لو رأيته لا تبعته «١» . قالت أسماء بنت أبى بكر: ولما خفى علينا أمر رسول الله- ﷺ، أتانا نفر من قريش منهم أبو جهل بن هشام، فخرجت إليهم، فقال: أين أبوك؟ فقلت: والله لا أدرى أين أبى، قالت: فرفع أبو جهل يده- وكان فاحشا خبيثا- فلطم خدى لطمة خرج منها قرطى، قالت: ثم انصرفوا. ولما لم ندر أين توجه رسول الله- ﷺ، أتى رجل من الجن يسمعون صوته ولا يرونه، وهو ينشد هذه الأبيات:

بيثا- فلطم خدى لطمة خرج منها قرطى، قالت: ثم انصرفوا. ولما لم ندر أين توجه رسول الله- ﷺ، أتى رجل من الجن يسمعون صوته ولا يرونه، وهو ينشد هذه الأبيات:

جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتى أم معبد هما نزلا بالبر ثم ترحلا ... فأفلح من أمسى رفيق محمد فيا لقصى ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا تجارى وسؤدد ليهن بنى كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت ... له بصريح ضرة الشاة مزبد فغادرها رهنا لديها لحالب ... يرددها فى مصدر ثم مورد «١» فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه- ﷺ. وقوله: مرملين: أى نفدت أزوادهم. ومسنتين: أى مجدبين، ويروى: مشتين: دخلوا الشتاء. وكسر الخيمة: - بكسر الكاف وفتحها، وسكون السين- جانبها. وتفاجت: بتشديد الجيم- فتحت ما بين رجليها. ويربض الرهط: - بضم المثناة التحتية، وكسر الموحدة- أى يرويهم ويثقلهم حتى يناموا ويمتدوا على الأرض. من أربض فى المكان يربض: إذا لصق به وأقام. والثج: السيلان. وفى رواية: فحلب ثجا حتى علاه الثمال- بضم المثلاثة- الرغوة واحدة: ثمالة. والبهاء أى بهاء اللبن: وهو وبيص رغوته. وتساوكن هزالا: أى تمايلن، ويروى: تشاركن من المشاركة، أى تساوين فى الهزال. وغادره: بالغين المعجمة- أبقاه والشاء عازب، أى بعيدة المرعى. والأبلج: - بالجيم- المشرق الوجه المضيئة. والحيال: - بكسر الحاء المهملة- جمع حائل، وهى التى ليس بها حمل. والوضاءة: الحسن. والثجلة: - بفتح الثاء المثلاثة، وسكون الجيم- عظم البطن، ويروى بالنون والحاء: أى نحول ودقة. والصعلة: - بفتح الصاد- صغر الرأس، وهى أيضا

الدقة والنحول فى البدن. والوسيم: الحسن، وكذلك: القسيم. وفى عينيه دعج: أى سواد. والوطف: قال فى القاموس: محركة، كثرة شعر الحاجبين والعينين. وفى صوته صحل: - بالتحريك- وهو كالبحة- بضم الموحدة- أن لا يكون حاد الصوت. وأحور: قال فى القاموس: الحور- بالتحريك- أن يشتد بياض بياض العين، وسواد سوادها. والكحل: - بفتحتين- سواد فى أجفان العين خلقه، والرجل: أكحل وكحيل. والأزج: الدقيق طرف الحاجبين وفى القاموس: والزجج- محركة- دقة الحاجبين فى طول. والأقرن: المقرون الحاجبين. وفى عنقه سطع: - بفتحتين- أى ارتفاع وطول. وفى لحيته كثاثة: الكثاثة فى اللحية أن تكون غير دقيقة ولا طويلة، وفيها كثاثة، يقال: رجل كث اللحية- بالفتح- وقوم كث- بالضم-. وإذا تكلم سما وعلاه البهاء: أى ارتفع وعلا على جلسائه. وفصل- بالصاد المهملة- ولا نزر- بسكون المعجمة- ولا هذر- بفتحها-: أى بيّن ظاهر، يفصل بين الحق والباطل. ولا تشنؤه من طول: كذا جاء فى رواية، أى لا يبغض لفرط طوله، ويروى: ولا يشنى من طول: أبدل من الهمزة ياء، يقال: شنيته أشنؤه شنأ وشنانا، قاله ابن الأثير. ولا تقتحمه عين من قصر: أى لا تتجاوزه إلى غيره احتقارا، وكل شىء ازدريته فقد اقتحمته. ومحفود: أى مخدوم. والمحشود: الذى عنده حشد وهم الجماعة. ولا عابس: من عبوس الوجه. والمفتد: الذى يكثر اللوم وهو التفنيد. والضرة: لحمة الضرع. وغادرها: أى خلف الشاة عندها مرتهنة بأن تدر، انتهى. وأخرج ابن سعد وأبو نعيم من طريق الواقدى: حدثنى حزام بن هشام عن أبيه عن أم معبد قالت: بقيت الشاة التى لمس- ﵇ ضرعها عندنا حتى كان زمان الرمادة، زمان عمر بن الخطاب، وكنا نحلبها صبوحا وغبوقا وما فى الأرض قليل ولا كثير. ثم تعرض لهما بقديد سراقة بن مالك بن جعشم المدلجى، فبكى أبو بكر وقال: يا رسول الله أتينا، قال: «كلا» ودعا رسول الله- ﷺ،

ا وما فى الأرض قليل ولا كثير. ثم تعرض لهما بقديد سراقة بن مالك بن جعشم المدلجى، فبكى أبو بكر وقال: يا رسول الله أتينا، قال: «كلا» ودعا رسول الله- ﷺ،

بدعوات، فساخت قوائم فرسه، وطلب الأمان، فقال: أعلم أن قد دعوتما على، فادعوا لى ولكما أن أراد الناس عنكما ولا أضركما. قال: فوقفا لى، فركبت فرسى حتى جئتهما، قال: ووقع فى نفسى حين لقيت ما لقيت أن سيظهر أمر رسول الله- ﷺ، فأخبرتهما أخبار ما يريد بهما الناس، وعرضت عليهما الزاد والمتاع فلم يرزآنى «١» . واجتاز- ﷺ فى وجهه ذلك بعبد يرعى غنما، فكان من شأنه ما رويناه من طريق البيهقى بسنده عن قيس بن النعمان قال: لما انطلق النبى ﷺ وأبو بكر مستخفيين، مرا بعبد يرعى غنما، فاستسقياه اللبن فقال: ما عندى شاة تحلب، غير أن هاهنا عناقا حملت عام أول، فما بقى بها لبن، فقال: ادع بها، فاعتقلها- ﷺ ومسح ضرعها، ودعا حتى أنزلت، وجاء أبو بكر بمجن فحلب فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعى، ثم حلب فشرب، فقال الراعى: بالله من أنت، فو الله ما رأيت مثلك. فقال: أو تراك تكتم على حتى أخبرك؟ قال نعم، قال: فإنى رسول الله، فقال أنت الذى تزعم قريش أنك صابىء؟ قال: إنهم ليقولون ذلك، قال: فأشهد أنك نبى، وأن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبى، وأنا متبعك، قال: إنك لن تستطيع ذلك يومك، فإذا بلغك أنى قد ظهرت فائتنا. قال الحافظ مغلطاى- بعد ذكره لقصة أم معبد-: وفى الإكليل قصة أخرى شبيهة بقصة أم معبد. قال الحاكم: فلا أدرى أهى هى، أم غيرها. ولما سمع المسلمون بالمدينة خروج رسول الله- ﷺ من مكة، فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة ينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يوما بعد ما أطالوا انتظارهم، فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله- ﷺ وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودى نفسه فنادى بأعلى صوته يا بنى قيلة هذا

من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله- ﷺ وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودى نفسه فنادى بأعلى صوته يا بنى قيلة هذا

جدكم- أى حظكم ومطلوبكم- قد أقبل، فخرج إليه بنو قيلة- وهم الأوس والخزرج- سراعا بسلاحهم فتلقوه، فنزل بقباء على بنى عمرو بن عوف.. الحديث رواه البخارى «١» . وفيه: أن أبا بكر قام للناس، وجلس رسول الله- ﷺ صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله- ﷺ يحيى أبا بكر، حتى أصابت الشمس رسول الله- ﷺ فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله- ﷺ عند ذلك. وظاهر هذا أنه- ﵇ كانت الشمس تصيبه، وما تقدم من تظليل الغمام والملك له كان قبل بعثته، كما هو صريح فى موضعه. قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: وكان قدومه- ﵇ لهلال ربيع الأول، أى أول يوم منه. وفى رواية جرير بن حازم عن ابن إسحاق: قدمها لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، ونحوه عند أبى معشر، لكن قال: ليلة الاثنين. وعن ابن سعد: قدمها لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. وفى «شرف المصطفى» من طريق أبى بكر بن حزم: قدم لثلاث عشرة من ربيع الأول. وهذا يجمع بينه وبين الذى قبله بالحمل على الاختلاف فى رؤية الهلال. وقيل: كان حين اشتد الضحاء يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة منه وبه جزم النووى فى كتاب السير من الروضة. وقال ابن الكلبى: خرج من الغار يوم الاثنين أول يوم من ربيع الأول ودخل المدينة يوم الجمعة لثنتى عشرة منه، وقيل لليلتين منه.

وعند البيهقى: لثنتين وعشرين ليلة. وقال ابن حزم: خرجا من مكة وقد بقى من صفر ثلاث ليال. وأقام على بمكة بعد مخرج النبى- ﷺ ثلاثة أيام، ثم أدركه بقباء يوم الاثنين سابع- وقيل: ثامن- عشر ربيع، وكانت مدة مقامه مع النبى- ﷺ ليلة أو ليلتين. وأمر- ﷺ بالتاريخ فكتب من حين الهجرة. وقيل: إن عمر أول من أرخ وجعله من المحرم «١» . وأقام- ﷺ بقباء فى بنى عمرو بن عوف اثنتين وعشرين ليلة. وفى صحيح مسلم: أقام فيهم أربع عشرة ليلة «٢» . ويقال: إنه أقام يوم الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس. وأسس مسجد قباء الذى أسس على التقوى «٣» ، على الصحيح، وهو أول مسجد بنى فى الإسلام وأول مسجد صلى فيه- ﷺ بأصحابه جماعة ظاهرا، وأول مسجد بنى لجماعة المسلمين عامة، وإن كان تقدم بناء غيره من المساجد لكن لخصوص الذى بناه. ثم خرج- ﷺ من قباء يوم الجمعة حين ارتفع النهار، فأدركته الجمعة فى بنى سالم بن عوف فصلاها بمن كان معه من المسلمين، وهم مائة، فى بطن وادى رانوناء- براء مهملة ونونين ممدودا، كعاشوراء وتاسوعاء- واسم المسجد «الغبيب» - بضم الغين المعجمة، تصغير غب، كما ضبطه صاحب المغانم المطابة، والوادى: ذى صلب- ولذا سمى مسجد الجمعة، وهو مسجد

عاشوراء وتاسوعاء- واسم المسجد «الغبيب» - بضم الغين المعجمة، تصغير غب، كما ضبطه صاحب المغانم المطابة، والوادى: ذى صلب- ولذا سمى مسجد الجمعة، وهو مسجد

صغير مبنى بحجارة قدر نصف القامة، وهو على يمين السالك إلى مسجد قباء. وركب- ﷺ على راحلته بعد الجمعة متوجها إلى المدينة. وروى أنس بن مالك أنه- ﷺ أقبل إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف، والنبى- ﷺ شاب لا يعرف، قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرجل الذى بين يديك، قال: فيقول: هذا الرجل يهديناى السبيل، قال: فيحسب الحاسب أنه إنما يعنى الطريق، وإنما يعنى سبيل الخير «١» ، الحديث رواه البخارى. وقد روى ابن سعد أنه- ﷺ قال لأبى بكر: أله عنى الناس، فكان إذا سئل من أنت قال: باغى حاجة، فإذا قيل: من هذا معك؟ قال: هذا يهديناى السبيل. وفى حديث الطبرانى: من رواية أسماء: فكان أبو بكر رجلا معروفا فى الناس، فإذا لقيه لاق يقول لأبى بكر: من هذا معك؟ فيقول: هذا يهدينا [السبيل] يريد الهداية فى الدين، ويحسبه الآخر دليلا «٢» . وإنما كان أبو بكر معروفا لأهل المدينة لأنه كان يمر عليهم فى سفره للتجارة، وكان- ﷺ لم يشب، وكان- ﷺ أسن من أبى بكر. وفى حديث أنس: لم يكن فى الذين هاجروا أشمط غير أبى بكر «٣» . وكان- ﷺ كلما مرّ على دار من دور الأنصار يدعونه إلى المقام عندهم: يا رسول الله، هلم إلى القوة والمنعة، فيقول: «خلوا سبيلها- يعنى ناقته- فإنها مأمورة» «٤» .

ﷺ كلما مرّ على دار من دور الأنصار يدعونه إلى المقام عندهم: يا رسول الله، هلم إلى القوة والمنعة، فيقول: «خلوا سبيلها- يعنى ناقته- فإنها مأمورة» «٤» .

وقد أرخى زمامها، وما يحركها، وهى تنظر يمينا وشمالا، حتى إذا أتت دار مالك بن النجار، بركت على باب المسجد، وهو يومئذ مربد لسهل وسهيل ابنى رافع بن عمرو، وهما يتيمان فى حجر معاذ بن عفراء- ويقال أسعد بن زرارة وهو المرجح- ثم ثارت، وهو- ﷺ عليها حتى بركت على باب أبى أيوب الأنصارى، ثم ثارت منه وبركت فى مبركها الأول، وألقت جرانها بالأرض- يعنى باطن عنقها أو مقدمه من المذبح- وأزرمت- يعنى صوتت من غير أن تفتح فاها- ونزل عنها- ﷺ وقال: «هذا المنزل إن شاء الله» . واحتمل أبو أيوب رحله وأدخله فى بيته، ومعه زيد بن حارثة، وكانت دار بنى النجار أوسط دور الأنصار وأفضلها، وهم أخوال عبد المطلب، جده- ﵇. وفى حديث أبى أيوب الأنصارى، عند أبى يوسف يعقوب فى كتاب الذكر والدعاء له قال: نزل على رسول الله- ﷺ حين قدم المدينة فكنت فى العلو، فلما خلوت إلى أم أيوب قلت لها: رسول الله- ﷺ أحق بالعلو منا، تنزل عليه الملائكة وينزل عليه الوحى، فما بت تلك الليلة لا أنا ولا أم أيوب، فلما أصبحت، قلت: يا رسول الله، ما بت الليلة أنا ولا أم أيوب، قال: «لم يا أبا أيوب» قلت: كنت أحق بالعلو منا تنزل عليك الملائكة وينزل عليك الوحى، لا والذى بعثك بالحق لا أعلو سقيفة أنت تحتها أبدا. الحديث. ورواه الحاكم أيضا. وقد ذكر أن هذا البيت الذى لأبى أيوب، بناه له- ﵇ تبع الأول لما مر بالمدينة وترك فيها أربعمائة عالم، وكتب كتابا للنبى- ﷺ ودفعه إلى كبيرهم، وسأله أن يدفعه للنبى- ﷺ، فتداول الدار الملاك إلى أن صارت لأبى أيوب، وهو من ولد ذلك العالم. قال: وأهل المدينة الذين نصروه ﷺ من ولد أولئك العلماء. فعلى هذا: إنما نزل فى منزل نفسه، لا فى منزل غيره. كذا حكاه فى تحقيق النصرة. وفرح أهل المدينة بقدومه- ﷺ، وأشرقت المدينة بحلوله فيها، وسرى السرور إلى القلوب. قال أنس بن مالك: لما كان اليوم الذى دخل فيه رسول

الله- ﷺ المدينة أضاء منها كل شىء، وصعدت ذوات الخدور على الأجاجير عند قدومه يقلن: طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع وجب الشّكر علينا ... ما دعا لله داع «١» قلت: إنشاد هذا الشعر عند قدومه- ﷺ المدينة رواه البيهقى فى الدلائل «٢» ، وأبو الحسن بن المقرى فى كتاب الشمائل له عن ابن عائشة، وذكره الطبرى فى الرياض عن أبى الفضل بن الجمحى قال: سمعت ابن عائشة يقول- أراه عن أبيه- فذكره. وقال خرجه الحلوانى على شرط الشيخين. انتهى. وسميت ثنية الوداع لأنه- ﷺ ودعه بها بعض المقيمين بالمدينة فى بعض أسفاره. وقيل: لأنه- ﵇ شيع إليها بعض سراياه، فودعه عندها. وقيل: لأن المسافر من المدينة كان يشيع إليها ويودع عندها قديما. وصحح القاضى عياض هذا الأخير، واستدل بقول نساء الأنصار حين مقدمه- ﷺ: طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع فدل على أنه اسم قديم. وقال ابن بطال: إنما سميت ثنية الوداع لأنهم كانوا يشيعون الحاج والغزاة إليها، ويودعونهم عندها، وإليها كانوا يخرجون عند التلقى. انتهى. قال شيخ الإسلام الولى العراقى: وهذا كله مردود، ففى صحيح البخارى وسنن أبى داود والترمذى عن السائب بن يزيد قال: لما قدم رسول

يخرجون عند التلقى. انتهى. قال شيخ الإسلام الولى العراقى: وهذا كله مردود، ففى صحيح البخارى وسنن أبى داود والترمذى عن السائب بن يزيد قال: لما قدم رسول

الله- ﷺ من تبوك خرج الناس يتلقونه من ثنية الوداع «١» . قال: وهذا صريح فى أنها من جهة الشام، ولهذا لما نقل والدى- ﵀ فى شرح الترمذى كلام ابن بطال قال: إنه وهم، قال: وكلام ابن عائشة معضل لا تقوم به حجة. انتهى. وسبقه إلى ذلك ابن القيم فى الهدى النبوى فقال: هذا وهم من بعض الرواة، لأن ثنية الوداع إنما هى من ناحية الشام، لا يراها القادم من مكة ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام، وإنما وقع ذلك عند قدومه من تبوك. انتهى. لكن قال ابن العراقى أيضا: ويحتمل أن تكون الثنية التى من كل جهة يصل إليها المشيعون يسمونها ثنية الوداع. انتهى. وفى «شرف المصطفى» وأخرجه البيهقى عن أنس: لما بركت الناقة على باب أبى أيوب خرج جوار من بنى النجار بالدفوف يقلن: نحن جوار من بنى النجار ... يا حبذا محمد من جار فقال- ﷺ: «أتحببننى» ، قلن: نعم يا رسول الله. وفى رواية الطبرانى فى الصغير فقال- ﷺ: «الله يعلم قلبى يحبكم» «٢» . وقال الطبرى: وتفرق الغلمان والخدم فى الطرق ينادون جاء محمد، جاء رسول الله. ووعك أبو بكر وبلال، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول: كل امرىء مصبح فى أهله ... والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول: ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة ... بواد وحولى إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لى شامة وطفيل

بلال إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول: ألا ليت شعرى هل أبيتن ليلة ... بواد وحولى إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لى شامة وطفيل

اللهم العن شيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء ثم قال رسول الله- ﷺ: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا فى صاعنا ومدنا، وصححها لنا وانقل حماها إلى الجحفة» . قالت- يعنى عائشة-: وقدمنا المدينة وهى أوبأ أرض الله، فكان بطحان يجرى نجلا. تعنى: ماء آجنا «١» . وقال عمر: اللهم ارزقنى شهادة فى سبيلك واجعل موتى فى بلد رسولك «٢» . رواه البخارى. وقوله: يرفع عقيرته: أي صوته، لأن العقيرة الساق، كأن الذى قطعت رجله رفعها وصاح، ثم قيل لكل من صاح ذلك، حكاه الجوهرى. وشامة وطفيل: عينان بقرب مكة، والمراد بالوادى وادى مكة. وجليل: نبت ضعيف. وأقام- ﷺ عند أبى أيوب سبعة أشهر. وقيل: إلى صفر من السنة الثانية وقال الدولابى: شهرا. وكان يصلى حيث أدركته الصلاة، ولما أراد- ﷺ بناء المسجد الشريف، قال: «يا بنى النجار ثامنونى بحائطكم» قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله «٣» ، فأبى ذلك- ﷺ وابتاعها بعشرة دنانير أداها من مال أبى بكر رضى الله عنه-، وكان قد خرج من مكة بماله كله.

بحائطكم» قالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله «٣» ، فأبى ذلك- ﷺ وابتاعها بعشرة دنانير أداها من مال أبى بكر رضى الله عنه-، وكان قد خرج من مكة بماله كله.

قال أنس: وكان فى موضع المسجد نخل وخرب ومقابر مشركين، فأمر بالقبور فنبشت وبالخرب فسويت وبالنخل فقطعت، ثم أمر باتخاذ اللبن فاتخذ، وبنى المسجد وسقف بالجريد، وجعلت عمده خشب النخل، وعمل فيه المسلمون، وكان عمار بن ياسر ينقل لبنتين لبنتين، لبنة عنه ولبنة عن النبى ﷺ فقال له- ﵊: «للناس أجر ولك أجران، وآخر زادك من الدنيا شربة لبن، وتقتلك الفئة الباغية» «١» . وروينا أنه- ﷺ كان ينقل معهم اللبن ويقول وهو ينقل [اللبن] : هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهر اللهم إن الأجر أجر الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجرة قال ابن شهاب: ولم يبلغنا أنه- ﷺ تمثل ببيت شعر تام غير هذا. انتهى. وقد قيل: إن الممتنع عليه- ﷺ إنشاء الشعر لا إنشاده، ولا دليل على منع إنشاده متمثلا. وقوله: هذا الحمال: - بكسر الحاء المهملة، وتخفيف الميم- أى المحمول من اللبن أبر عند الله من حمال خيبر، أى: التى تحمل منها من التمر والزبيب ونحو ذلك. وفى رواية المستملى بالجيم. انتهى. وفى كتاب «تحقيق النصرة» قيل: ووضع- ﵇ رداءه فوضع الناس أرديتهم وهم يقولون: لئن قعدنا والنبى يعمل ... ذاك إذا للعمل المضلل وآخرون يقولون: لا يستوى من يعمر المساجدا ... يدأب فيها قائما وقاعدا ومن يرى عن التراب حائدا

وجعلت قبلة المسجد للقدس، وجعل له ثلاثة أبواب: باب فى مؤخره، وباب يقال له: باب الرحمة، والباب الذى يدخل منه. وجعل طوله مما يلى القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وفى الجانبين مثل ذلك أو دونه. وجعل أساسه قريبا من ثلاثة أذرع، وبنى بيوتا إلى جنبه باللبن وسقفها بجذوع النخل والجريد، فلما فرغ من البناء بنى لعائشة فى البيت الذى يليه شارعا إلى المسجد، وجعل سودة بنت زمعة فى البيت الآخر الذي يليه إلى الباب الذي يلى آل عثمان. ثم تحول- ﵇ من دار أبى أيوب إلى مساكنه التى بناها. وكان قد أرسل زيد بن حارثة وأبا رافع مولاه إلى مكة، فقدما بفاطمة وأم كلثوم وسودة بنت زمعة وأسامة بن زيد وأم أيمن، وخرج عبد الله بن أبى بكر معهم بعيال أبيه. وكان فى المسجد موضع مظلل، تأوى إليه المساكين، يسمى الصفة، وكان أهله يسمون: أهل الصفة، وكان- ﷺ يدعوهم بالليل فيفرقهم على أصحابه، وتتعشى طائفة منهم معه- ﵇. وفى البخارى من حديث أبى هريرة: لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة، ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار، وإما كساء، قد ربطوا فى أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساق، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته «١» . وهذا يشعر بأنهن كانوا أكثر من سبعين، وهؤلاء الذين رآهم أبو هريرة غير السبعين الذين بعثهم فى غزوة بئر معونة، وكانوا من أهل الصفة أيضا، لكنهم استشهدوا قبل إسلام أبى هريرة. وقد اعتنى بجمع أصحاب الصفة ابن الأعرابى والسلمى. والحاكم وأبو

بعثهم فى غزوة بئر معونة، وكانوا من أهل الصفة أيضا، لكنهم استشهدوا قبل إسلام أبى هريرة. وقد اعتنى بجمع أصحاب الصفة ابن الأعرابى والسلمى. والحاكم وأبو

نعيم، وعند كل منهم ما ليس عند الآخر، وفيما ذكروه اعتراض ومناقشة، قاله فى فتح البارى. وكان- ﷺ يخطب يوم الجمعة إلى جذع فى المسجد قائما، فقال: إن القيام قد شق علىّ، فصنع له المنبر. وكان عمله وحنين الجذع فى السنة الثامنة- بالميم- من الهجرة، وبه جزم ابن النجار وعورض: بما فى حديث الإفك فى الصحيحين، قالت عائشة: فثار الحيان- الأوس والخزرج- حتى كادوا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ على المنبر فنزل فخفضهم حتى سكتوا «١» . وجزم ابن سعد بأن عمل المنبر كان فى السنة السابعة. وعورض: بذكر العباس وتميم فيه، وكان قدوم العباس بعد الفتح فى آخر سنة ثمان، وقدوم سنة تسع. وعن بعض أهل السير: أنه- ﵇ كان يخطب على منبر من طين قبل أن يتخذ المنبر الذى من خشب. وعورض: بأن الأحاديث الصحيحة أنه كان يستند إلى الجذع إذا خطب. وستأتى قصة حنين الجذع- إن شاء الله تعالى- فى مقصد المعجزات. ولما كان بعد قدومه بخمسة أشهر، آخى- ﵇ بين المهاجرين والأنصار» وكانوا تسعين رجلا، من كل طائفة خمسة وأربعون، على الحق والمواساة والتوارث. وكانوا كذلك إلى أن نزل بعد بدر وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ «٣» الآية. وبنى بعائشة على رأس تسعة أشهر. وقيل ثمانية، وقيل ثمانية عشر شهرا فى شوال.

أن نزل بعد بدر وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ «٣» الآية. وبنى بعائشة على رأس تسعة أشهر. وقيل ثمانية، وقيل ثمانية عشر شهرا فى شوال.

[رؤيا الأذان] وكان الناس- كما فى السير وغيرها- إنما يجتمعون إلى الصلاة لتحين مواقيتها، من غير دعوة. وأخرج ابن سعد فى الطبقات، من مراسيل سعيد بن المسيب: أن بلالا كان ينادى للصلاة بقوله: الصلاة جامعة الحديث. وشاور رسول الله- ﷺ أصحابه فيما يجمعهم به للصلاة- وكان ذلك فيما قيل فى السنة الثانية- فقال بعضهم: ناقوس كناقوس النصارى، وقال آخرون: بوق كبوق اليهود «١» ، وقال بعضهم: بل نوقد نارا ونرفعها فإذا رآها الناس أقبلوا إلى الصلاة. فرأى عبد الله بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه فى منامه رجلا فعلمه الأذان والإقامة، فلما أصبح أتى النبى- ﷺ فأخبره بما رأى، وفى رواية معاذ بن جبل عند الإمام أحمد قال: يا رسول الله إنى رأيت فيما يرى النائم- ولو قلت إنى لم أكن نائما لصدقت- رأيت: شخصا عليه ثوبان أخضران فاستقبل القبلة فقال: الله أكبر، الله أكبر، مثنى مثنى، حتى فرغ من الأذان. الحديث، فقال- ﷺ: «إنها لرؤيا حق إن شاء الله تعالى، قم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتا منك» . قال: فقمت مع بلال فجعلت ألقيه ويؤذن. قال: فسمع بذلك عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- وهو فى بيته، فخرج يجر رداءه يقول: والذى بعثك بالحق يا رسول الله، لقد رأيت مثل ما رأى «٢» .

ألقيه ويؤذن. قال: فسمع بذلك عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- وهو فى بيته، فخرج يجر رداءه يقول: والذى بعثك بالحق يا رسول الله، لقد رأيت مثل ما رأى «٢» .

ووقع فى الأوسط للطبرانى: أن أبا بكر أيضا رأى الأذان. وفى الوسيط للغزالى: أنه رآه بضعة عشر رجلا. وعبارة الجيلى فى شرح التنبيه: أربعة عشر. وأنكره ابن الصلاح ثم النووى، وفى سيرة مغلطاى: أنه رآه سبعة من الأنصار. قال الحافظ أبو الفضل بن حجر- ﵀: ولا يثبت شىء من ذلك إلا لعبد الله بن زيد، وقصة عمر جاءت فى بعض الطرق: انتهى. قال السهيلى: فإن قلت: ما الحكمة التى خصت الأذان بأن يراه رجل من المسلمين فى نومه. ولم يكن عن وحى من الله لنبيه كسائر العبادات والأحكام الشرعية، وفى قوله- ﷺ له: «إنها لرؤيا حق» . ثم بنى حكم الأذان عليها، وهل كان ذلك عن وحى من الله له أم لا؟ وأجاب: بأنه- ﷺ قد أريه ليلة الإسراء. فروى البزار عن على قال: لما أراد الله تعالى أن يعلم رسوله الأذان جاء جبريل- ﵇ بدابة يقال لها البراق فركبها حتى أتى بها الحجاب الذى يلى عرش الرحمن، فبينما هو كذلك خرج ملك من الحجاب، فقال: يا جبريل من هذا؟ قال: والذى بعثك بالحق، إنى لأقرب الخلق مكانا، وإن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتى هذه. فقال الملك: الله أكبر، الله أكبر، فقيل له من وراء الحجاب: صدق عبدى، أنا أكبر، أنا أكبر.. وذكر بقية الأذان. قال السهيلى: وهذا أقوى من الوحى، فلما تأخر فرض الأذان إلى المدينة وأراد إعلام الناس بوقت الصلاة تلبث الوحى حتى رأى عبد الله الرؤيا فوافقت ما رأى- ﷺ فلذلك قال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله تعالى، وعلم حينئذ أن مراد الله بما رآه فى السماء أن يكون سنة فى الأرض وقوى ذلك عنده موافقة رؤيا عمر للأنصارى. انتهى.

وتعقب: بأن حديث البزار فى إسناده زياد بن المنذر أبو الجارود، وهو متروك «١» . وقال فى فتح البارى: وقد استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله ابن زيد، فإن رؤيا غير الأنبياء لا يا بنى عليها حكم شرعى: وأجيب: باحتمال مقارنة الوحى لذلك. ويؤيده ما رواه عبد الرزاق وأبو داود فى المراسيل، من طريق عبيد بن عمير الليثى- أحد كبار التابعين- أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر النبى- ﷺ فوجد الوحى قد ورد بذلك، فما راعه إلا أذان بلال، فقال له النبى- ﷺ: «سبقك بذلك الوحى» «٢» . وهذا أصح مما حكى الداودى عن ابن إسحاق: أن جبريل أتى النبى ﷺ بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد وعمر بثمانية أيام. وقد عرفت رؤيا عبد الله بن زيد برواية ابن إسحاق وغيره: وذلك أنه قال: «طاف بى- وأنا نائم- رجل يحمل ناقوسا فى يده، فقلت يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير لك من ذلك؟ فقلت [له] «٣» بلى، قال: تقول الله أكبر، الله أكبر وذكر بقية كلمات الأذان. قال: ثم استأخر عنى غير بعيد ثم قال [ثم تقول] إذا أقمت ... الصلاة فقل: الله أكبر، الله أكبر، إلى آخر كلمات الإقامة» «٤» . ورواه أبو داود بإسناد صحيح.

قال: ثم استأخر عنى غير بعيد ثم قال [ثم تقول] إذا أقمت ... الصلاة فقل: الله أكبر، الله أكبر، إلى آخر كلمات الإقامة» «٤» . ورواه أبو داود بإسناد صحيح.

ولم تعرف كيفية رؤيا عمر حين رأى النداء، وقد قال: رأيت مثل الذى رأى. وفى مسند الحارث: أول من أذن بالصلاة جبريل، أذن فى سماء الدنيا فسمعه عمر وبلال، فسبق عمر بلالا إلى رسول الله- ﷺ فأخبره بها، فقال- ﵇ لبلال «سبقك بها عمر» «١» وظاهره: أن عمر وبلالا سمعا ذلك فى اليقظة. وقد وردت أحاديث تدل على أن الأذان شرع بمكة قبل الهجرة. منها للطبرانى من طريق سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه قال: لما أسرى بالنبى- ﷺ أوحى الله إليه الأذان فنزل به وعلمه بلالا. وفى إسناده طلحة بن زيد وهو متروك. ومنها: للدار قطنى فى «الأفراد» من حديث أنس أن جبريل أمر النبى ﷺ بالأذان حين فرضت الصلاة. وإسناده ضعيف. ومنها: حديث البزار عن على، المتقدم. قال فى فتح البارى: والحق أنه لا يصح شىء من هذه الأحاديث وقد جزم ابن المنذر بأنه- ﷺ كان يصلى بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، إلى أن وقع التشاور فى ذلك «٢» . والله سبحانه أعلم. فإن قلت: هل أذن- ﷺ بنفسه قط؟ أجاب السهيلى: بأنه قد روى الترمذى من طريق يدور على عمر بن الرماح، قاضى بلخ يرفعه إلى أبى هريرة أنه- ﷺ أذن فى سفر وصلى وهم على رواحلهم «٣» . الحديث. قال: فنزع بعض الناس بهذا الحديث إلى أنه- ﷺ أذن بنفسه. انتهى.

رماح، قاضى بلخ يرفعه إلى أبى هريرة أنه- ﷺ أذن فى سفر وصلى وهم على رواحلهم «٣» . الحديث. قال: فنزع بعض الناس بهذا الحديث إلى أنه- ﷺ أذن بنفسه. انتهى.

وليس هذا الحديث من حديث أبى هريرة، إنما هو من حديث يعلى بن مرة. وكذا جزم النووى بأنه- ﵊ أذن مرة فى السفر، وعزاه للترمذى وقواه. ولكن روى الحديث الدار قطنى وقال فيه: أمر بالأذان، ولم يقل: أذن. قال السهيلى: والمفصل يقضى على المجمل المحتمل. وفى مسند أحمد من الوجه الذى أخرج منه الترمذى هذا الحديث: فأمر بلالا فأذن «١» ، قال فى فتح البارى فعرف أن فى رواية الترمذى اختصارا، وأن قوله أذن: أمر، كما يقال: أعطى الخليفة فلانا ألفا، وإنما باشر العطاء غيره، ونسب للخليفة لكونه أمر «٢» . انتهى. فإن قلت هل صلى النبى- ﷺ خلف أحد من أصحابه؟ قلت: نعم، ثبت فى صحيح مسلم وغيره أنه- ﷺ صلى خلف عبد الرحمن بن عوف، ولفظه: عن المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول الله ﷺ تبوك، فتبرز رسول الله- ﷺ قبل الغائط، فحمل معه إداوة قبل صلاة الفجر ... الحديث إلى أن قال: فأقبلت معه حتى نجد الناس قد قدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم، فأدرك رسول الله- ﷺ إحدى الركعتين، فصلى مع الناس الركعة الأخيرة، فلما سلم عبد الرحمن بن عوف قام رسول الله- ﷺ يتم صلاته، فأفزع ذلك المسلمين، فأكثروا التسبيح، فلما قضى النبى- ﷺ صلاته أقبل عليهم ثم قال، أحسنتم، أو قال: أصبتم يغبطهم أن صلوا لوقتها «٣» .

الله- ﷺ يتم صلاته، فأفزع ذلك المسلمين، فأكثروا التسبيح، فلما قضى النبى- ﷺ صلاته أقبل عليهم ثم قال، أحسنتم، أو قال: أصبتم يغبطهم أن صلوا لوقتها «٣» .

ورواه أبو داود فى السنن بنحوه ولفظه: ووجدنا عبد الرحمن وقد ركع بهم ركعة من صلاة الفجر، فقام رسول الله- ﷺ فصف مع المسلمين فصلى وراء عبد الرحمن بن عوف الركعة الثانية، ثم سلم عبد الرحمن، فقام رسول الله- ﷺ فى صلاته «١» الحديث. قال النووى: فيه جواز اقتداء الفاضل بالمفضول، وجواز اقتداء النبى ﷺ خلف بعض أمته. قال: وأما بقاء عبد الرحمن فى صلاته وتأخر أبى بكر- رضى الله عنه- ليتقدم النبى- ﷺ، فالفرق بينهما أن عبد الرحمن كان قد ركع ركعة، فترك النبى ﷺ التقدم لئلا يختل ترتيب صلاة القوم، بخلاف صلاة أبى بكر. نعم فى السيرة الهشامية: أن أبا بكر كان الإمام وأن رسول الله- ﷺ كان يأتم به. لكنه- كما قال السهيلى- حديث مرسل فى السيرة، والمعروف فى الصحاح أن أبا بكر كان يصلى بصلاة رسول الله- ﷺ، والناس يصلون بصلاة أبى بكر «٢» . لكن قد روى عن أنس من طريق متصل: أن أبا بكر كان الإمام يومئذ، واختلف فيه خبر عائشة- رضى الله عنها-. انتهى. وفى الترمذى مصححا من حديث جابر: أن آخر صلاة صلاها رسول الله- ﷺ فى ثوب واحد متوشحا به خلف أبى بكر «٣» . قال ابن الملقن: وقد نصر هذا القول غير واحد من الحفاظ: منهم الضياء، وابن ناصر، وقال: صح وثبت أنه- ﷺ صلى خلف أبى بكر

مقتديا به فى مرضه الذى مات فيه ثلاث مرات، ولا ينكر هذا إلا جاهل لا علم له بالرواية. وقيل: إنه كان مرتين، جمعا بين الأحاديث، وبه جزم ابن حبان. وروى الدار قطنى من طريق المغيرة بن شعبة أن رسول الله- ﷺ قال: «ما مات نبى حتى يؤمه رجل من أمته» «١» . ولما كان بعد شهر من مقدمه- ﵊ لاثنتى عشرة خلت من ربيع الآخر- قال الدولابى يوم الثلاثاء، وقال السهيلى بعد الهجرة بعام أو نحوه- زيد فى صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة فيها، وصلاة المغرب لأنها وتر النهار، وأقرت صلاة السفر. وفى البخارى عن عائشة (فرضت الصلاة ركعتين [ركعتين] ) ثم هاجر النبى- ﷺ[إلى المدينة] ففرضت أربعا. وتركت صلاة الفجر لطول القراءة فيها، وصلاة المغرب لأنها وتر النهار، وأقرت صلاة السفر) «٢» . وفى البخارى عن عائشة فرضت الصلاة ركعتين ثم هاجر النبى ففرضت أربعا، وتركت صلاة السفر على الفريضة الأولى «٣» . وقيل إنما فرضت أربعا، ثم خفف عن المسافر. ويدل له حديث: (إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة) «٤» .

وقيل: إنما فرضت فى الحضر أربعا، وفى السفر ركعتين، وهو قول ابن عباس، قال- رضى الله عنه-: (فرض الله الصلاة على لسان نبيكم- ﷺ فى الحضر أربعا، وفى السفر ركعتين) «١» رواه مسلم وغيره. وسيأتى مزيد لذلك إن شاء الله تعالى فى أول الصلاة من مقصد عباداته ﵊. قال ابن إسحاق وغيره: ونصبت أحبار يهود العداوة للنبى- ﷺ بغيا وحسدا، وسحره لبيد بن الأعصم، وهو من يهود بنى زريق، فكان يخيل إليه أنه يفعل الفعل وهو لا يفعله، وجعل سحره فى مشط ومشاطة، ودفنه فى بئر ذى أروان- وأكثر أهل الحديث يقول: ذروان- تحت راعوفة البئر «٢» ، كما ثبت فى الصحيح. وليس هذا بقادح فى النبوة، فإن الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- يبتلون فى أبدانهم بالجراحات والسموم والقتل وغير ذلك مما جوّزه العلماء عليهم.

فى الصحيح. وليس هذا بقادح فى النبوة، فإن الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- يبتلون فى أبدانهم بالجراحات والسموم والقتل وغير ذلك مما جوّزه العلماء عليهم. وانضاف إلى اليهود جماعة من الأوس والخزرج، منافقون، على دين آبائهم من الشرك والتكذيب بالبعث، إلا أنهم قهروا بظهور الإسلام، فأظهروه واتخذوه جنة من القتل، ونافقوا فى السر، منهم عبد الله بن أبى ابن سلول، وكان رأس المنافقين، وهو الذى قال: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ «٣» . كما سيأتى- إن شاء الله- فى غزوة بنى المصطلق.

مغازيه وسراياه وبعوثه «١» ﷺ وأذن الله تعالى لرسوله- ﷺ بالقتال. قال الزهرى: أول آية نزلت فى الإذن بالقتال أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ «٢» . أخرجه النسائى بإسناد صحيح «٣» . قال فى البحر: والمأذون فيه- أى فى الآية- محذوف، أى: فى القتال، لدلالة «يقاتلون» عليه، وعلل الإذن: بأنهم ظلموا، كانوا يأتون رسول الله ﷺ من بين مضروب ومشجوج، فيقول لهم: اصبروا، فإنى لم أومر بالقتال، حتى هاجر فأذن له بالقتال بعد ما نهى عنه فى نيف وسبعين آية. انتهى. وقال غيره: وإنما شرع الله تعالى الجهاد فى الوقت اللائق به، لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددا، فلو أمر المسلمون- وهم قليلون- بقتال الباغين لشق عليهم، فلما بغى المشركون، وأخرجوه- ﷺ من بين أظهرهم وهموا بقتله، واستقر- ﵊ بالمدينة واجتمع عليه أصحابه، وقاموا بنصره، وصارت المدينة لهم دار إسلام، ومعقلا يلجئون إليه، شرع الله تعالى جهاد الأعداء، فبعث- ﷺ البعوث والسرايا وغزا وقاتل هو وأصحابه حتى دخل الناس فى دين الله أفواجا أفواجا. وكان عدد مغازيه- ﷺ التى خرج فيها بنفسه، سبعا وعشرين. قاتل فى تسع منها بنفسه الشريفة- ﷺ: بدر، وأحد، والمريسيع، والخندق،

اس فى دين الله أفواجا أفواجا. وكان عدد مغازيه- ﷺ التى خرج فيها بنفسه، سبعا وعشرين. قاتل فى تسع منها بنفسه الشريفة- ﷺ: بدر، وأحد، والمريسيع، والخندق،

وقريظة، وخيبر، وفتح مكة، وحنين، والطائف. وهذا على قول من قال: فتحت مكة عنوة. وكانت سراياه التى بعث فيها سبعا وأربعين سرية. وقيل: إنه قاتل فى بنى النضير. وأفاد فى فتح البارى: أن السرية- بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد التحتانية- هى التى تخرج بالليل- والسارية: التى تخرج بالنهار. قال: وقيل سميت بذلك- يعنى السرية- لأنه يحفى ذهابها. وهذا يقتضى أنها أخذت من السر، ولا يصح، لاختلاف المادة. وهى قطعة من الجيش تخرج منه وتعود إليه، وهى من مائة إلى خمسمائة، فما زاد على خمسمائة يقال له منسر- بالنون ثم المهملة- فإن زاد على الثمانمائة سمى جيشا، [وما بينهما يسمى هبطة] «١» ، فإن زاد على أربعة آلاف سمى جحفلا، والخميس: الجيش العظيم، وما افترق من السرية يسمى بعثا، والكتيبة ما اجتمع ولم ينتشر، انتهى ملخصا. وكان أول بعوثه- ﷺ على رأس سبعة أشهر، فى رمضان، وقيل فى ربيع الأول سنة اثنتين. بعث عمه حمزة، وأمره على ثلاثين رجلا من المهاجرين. وقيل من الأنصار، وفيه نظر، لأنه لم يبعث أحدا من الأنصار حتى غزا بهم بدرا، لأنهم شرطوا له أن يمنعوه فى دارهم. فخرجوا يعترضون عيرا لقريش، فيها أبو جهل اللعين، فلقيه فى ثلاثمائة راكب فبلغوا سيف البحر من ناحية العيص، فلما تصافوا حجز بينهم مجدى بن عمرو الجهنى، وكان- ﵇ قد عقد له لواء أبيض. «واللواء هو العلم الذى يحمل فى الحرب، يعرف به موضع صاحب الجيش، وقد يحمله أمير الجيش، وقد يدفعه لمقدم المعسكر» . وقد صرح جماعة من أهل اللغة بترادف اللواء والراية، لكن روى

Bagian 5 dari 49