— Bagian 40 · لفظ «إن رسول الله- ﷺ كان يصلى من الضحى» «٢» الحد… —
Bagian 40
لفظ «إن رسول الله- ﷺ كان يصلى من الضحى» «٢» الحديث. وأما حديث أبى هريرة فرواه البزار فى مسنده بلفظ: «إن رسول الله- ﷺ كان لا يترك الضحى فى سفر ولا فى
غيره «١» . وإسناده ضعيف، فيه يوسف بن خالد السمتى ضعيف جدّا. وأما حديث بريدة الأسلمى فرواه ... » وأما حديث أبى الدرداء فرواه الطبرانى. وأما حديث ابن أبى أوفى، فرواه ابن عدى والحاكم بلفظ: قال رأيت رسول الله- ﷺ صلى الضحى ركعتين يوم بشر برأس أبى جهل «٢» . قال بعض العلماء النافين لرواية المثبتين: هذا الحديث إن كان صحيحا فهو صلاة شكر وقعت وقت الضحى، كشكره يوم فتح مكة. وأما حديث عتبان بن مالك، فرواه أحمد من رواية محمود بن الربيع عنه، أن النبى- ﷺ صلى فى بيته سبحة الضحى. وأما حديث عتبة بن عبد فرواه ... وأما حديث نعيم بن همار فرواه ... وأما حديث أبى أمامة فرواه ... وأما حديث عائشة فرواه مسلم وأحمد وابن ماجه، قالت: كان رسول الله- ﷺ يصلى الضحى أربعا، ويزيد ما شاء الله «٣» . وعن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة، هل كان رسول الله- ﷺ يصلى الضحى قالت: لا إلا أن يجئ من مغيبه «٤» .
وأما حديث أم هانئ، فرواه البخارى ومسلم، قالت: إن النبى- ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكة فاغتسل وصلى ثمانى ركعات، فلم أر صلاة قط أخف منها، غير أنه يتم الركوع والسجود. قالت فى رواية أخرى: وذلك ضحى «١» . ولمسلم: أن رسول الله- ﷺ صلى فى بيتها عام الفتح ثمانى ركعات فى ثوب واحد، وقد خالف بين طرفيه «٢» . وللنسائى: أنها ذهبت إلى النبى- ﷺ عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة تستره بثوب. فسلمت فقال: «من هذه؟» قلت: أنا أم هانئ، فلما فرغ من غسله قام فصلى ثمانى ركعات ملتحفا فى ثوب واحد «٣» . ولأبى داود: أن رسول الله- ﷺ يوم الفتح صلى سبحة الضحى ثمانى ركعات يسلم من كل ركعتين «٤» . وقد استدل بحديث البخارى ومسلم على استحباب تخفيف صلاة الضحى، وفيه نظر، لاحتمال أن يكون السبب فيه التفرغ لمهمات الفتح لكثرة شغله به، وقد ثبت من فعله- ﷺ أنه صلى الضحى فطول فيها، أخرجه ابن أبى شيبة من حديث حذيفة. وأما حديث أم سلمة فرواه الحاكم من طريق إسحاق بن بشر المحاربى، قالت: كان رسول الله- ﷺ يصلى صلاة الضحى ثنتى عشرة ركعة «٥» . قلت: وروى عن ابن جبير بن مطعم عن أبيه: أنه رأى النبى- ﷺ يصلى الضحى ست ركعات «٦» . رواه الحاكم أيضا. وعن أنس بن مالك قال: رأيت
ى ثنتى عشرة ركعة «٥» . قلت: وروى عن ابن جبير بن مطعم عن أبيه: أنه رأى النبى- ﷺ يصلى الضحى ست ركعات «٦» . رواه الحاكم أيضا. وعن أنس بن مالك قال: رأيت
رسول الله- ﷺ صلى فى السفر سبحة الضحى ثمانى ركعات «١» . رواه أحمد، وصححه ابن خزيمة والحاكم. وعن على: أن رسول الله- ﷺ كان يصلى من الضحى «٢» ، رواه النسائى فى سننه الكبرى وأحمد وأبو يعلى، وإسناده جيد. وعن ابن عمر أن رسول الله- ﷺ كان لا يصلى من الضحى إلا يومين، يوم يقدم مكة ويوم يقدم المدينة. وعن أبى بكرة عند ابن عدى فى الكامل من رواية عمرو بن عبيد عن الحسن عن أبى بكرة قال: كان رسول الله- ﷺ يصلى الضحى، فجاء الحسن وهو غلام فلما سجد ركب ظهره. الحديث، وعمرو بن عبيد متروك. وعن جابر بن عبد الله أن النبى- ﷺ صلى الضحى ست ركعات رواه الحاكم. قال الشيخ ولى الدين العراقى: وقد ورد فيها أحاديث كثيرة صحيحة مشهورة، حتى قال محمد بن جرير الطبرى: إنها بلغت حد التواتر. وقال ابن العربى: وهى كانت صلاة الأنبياء قبل محمد- صلوات الله وسلامه عليه وعليهم-، قال الله تعالى مخبرا عن داود: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ «٣» فأبقى الله تعالى من ذلك فى دين محمد «العصر» ونسخ صلاة الإشراق. واحتج القائلون بالنفى بحديث عائشة: إن كان رسول الله- ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم- وما سبح رسول الله- ﷺ سبحة الضحى فقط، وإنى لأسبحها «٤» ، رواه البخارى ومسلم ومالك وأبو داود. وبحديث مورق العجلى قال: قلت لابن عمر، أتصلى الضحى؟ قال: لا، قلت: فعمر؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر؟
إنى لأسبحها «٤» ، رواه البخارى ومسلم ومالك وأبو داود. وبحديث مورق العجلى قال: قلت لابن عمر، أتصلى الضحى؟ قال: لا، قلت: فعمر؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر؟
قال: لا، قلت: فالنبى- ﷺ قال: لا إخاله «١» . رواه البخارى. وقوله: «لا إخاله» أى لا أظنه، وهو بكسر الهمزة وتفتح أيضا، والخاء معجمة. وقول الشعبى: سمعت ابن عمر يقول: ما ابتدع المسلمون أفضل من صلاة الضحى. وروى عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا ابن عمر جالس عند حجرة عائشة، فإذا الناس فى المسجد يصلون صلاة الضحى، فسألناه عن صلاتهم فقال بدعة. وروى ابن أبى شيبة بإسناد صحيح عن الحكم بن الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى فقال بدعة ونعمت البدعة. وروى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن سالم عن أبيه قال: لقد قتل عثمان وما أحد يسبحها، وما أحدث الناس شيئا أحب إلى منها. وقد جمع العلماء بين هذه الأحاديث، بأنه- ﷺ كان لا يداوم على صلاة الضحى مخافة أن تفرض على أمته فيعجزوا عنها، وكان يفعلها كما صرحت به عائشة كما تقدم، وكما ذكرته أم هانئ وغيرها. وقول عائشة: «ما رأيته صلاها» لا يخالف قولها: «كان يصليها» لأنه- ﷺ كان لا يكون عندها فى وقت الضحى إلا فى النادر من الأوقات، لأنه قد يكون مسافرا، وقد يكون حاضرا، وفى الحضر قد يكون فى المسجد، وقد يكون فى بيت من بيوت زوجاته، أو غيره، وما رأته صلاها فى تلك الأوقات النادرة، فقالت: ما رأيته، وعلمت بغير رؤية أنه كان يصليها بإخباره- ﷺ أو بإخبار غيره، فروت ذلك. وقول ابن عمر: «لا إخاله» فتوقف، وكأن سبب توقفه أنه بلغه عن غيره أنه صلاها ولم يثق بذلك عمن ذكره. وأما قوله: «إنها بدعة» فمؤولة على أنه لم تبلغه الأحاديث المذكورة، أو أراد أنه- ﷺ لم يداوم عليها، أو أن إظهارها فى المساجد ونحوها بدعة، وإنما هى سنة نافلة فى البيوت والله أعلم.
وبالجملة: فليس فى أحاديث ابن عمر هذه ما يدفع مشروعية صلاة الضحى، لأن نفيه محمول على عدم رؤيته، لا على عدم الوقوع فى نفس الأمر، أو الذى نفاه صفة مخصوصة كما قدمناه. وقد روى ابن أبى شيبة عن ابن مسعود أنه رأى قوما يصلونها فأنكر عليهم وقال: إن كان ولا بد ففى بيوتكم. وذهب آخرون إلى استحباب فعلها غبا، فتصلى فى بعض الأيام دون بعض، وكان ابن عباس يصليها يوما ويدعها عشرة أيام. وذهب آخرون: إلى أنها تفعل لسبب من الأسباب، وأنه- ﷺ إنما صلاها يوم الفتح من أجل الفتح، وكان الأمراء يسمونها صلاة الفتح. متمسكين بما قاله القاضى عياض وغيره: أن حديث أم هانئ ليس بظاهر فى أنه- ﷺ قصد سنة الضحى، وإنما فيه أنها أخبرت عن وقت صلاته فقط، قال: وقد قيل إنها كانت قضاء عما شغل عنه تلك الليلة من حزبه فيها. وتعقبه النووى: بأن الصواب صحة الاستدلال به، لما رواه أبو داود من طريق كريب عن أم هانئ أنه- ﷺ صلى سبحة الضحى «١» . ولمسلم: فى كتاب الطهارة من طريق أبى مرة عن أم هانئ فى قصة اغتساله- ﷺ يوم الفتح، ثم صلى ثمانى ركعات سبحة الضحى «٢» . وروى ابن عبد البر فى «التمهيد» من طريق عكرمة بن خالد عن أم هانئ قالت: قدم رسول الله- ﷺ مكة فصلى ثمانى ركعات، فقلت: ما هذه الصلاة؟ قال: «هذه صلاة الضحى» «٣» . واستدل به على أن أكثر الضحى ثمان ركعات. واستبعده السبكى. ووجّه بأن الأصل فى العبادة التوقف، وهذا أكثر ما ورد من فعله- ﷺ. وقد ورد من فعله دون ذلك كحديث ابن أبى أوفى: أنه- ﷺ صلى الضحى ركعتين، أخرجه ابن عدى.
ووجّه بأن الأصل فى العبادة التوقف، وهذا أكثر ما ورد من فعله- ﷺ. وقد ورد من فعله دون ذلك كحديث ابن أبى أوفى: أنه- ﷺ صلى الضحى ركعتين، أخرجه ابن عدى.
وأما ما ورد من قوله- ﷺ مما فيه زيادة على ذلك كحديث أنس مرفوعا: «من صلى الضحى ثنتى عشرة ركعة بنى الله له قصرا فى الجنة» «١» . أخرجه الترمذى واستغربه وليس فى إسناده من أطلق عليه الضعف. ومن ثم قال الرويانى: أكثرها ثنتا عشرة ركعة. وقال النووى فى شرح المهذب: فيه حديث ضعيف، كأنه يشير إلى حديث أنس، لكن إذا ضم إليه حديث أبى الدرداء رفعه، وفيه «ومن صلى ثنتى عشرة ركعة بنى الله له بيتا فى الجنة» «٢» . رواه الطبرانى وحديث أبى ذر عند البزار، وفى إسناده ضعف أيضا، قوي وصلح للاحتجاج به. ونقل الترمذى عن أحمد: أن أصح شئ ورد فى الباب حديث أم هانئ، وهو كما قال، ولهذا قال النووى فى الروضة: أفضلها ثمان، وأكثرها ثنتا عشرة. ففرق بين الأكثر والأفضل. وأجاب القائلون بأنها لا تفعل إلا لسبب عن قول أبى هريرة المروى فى البخارى (أوصانى خليلى- ﷺ بثلاث، لا أدعهن حتى أموت صوم ثلاثة أيام من كل شهر وصلاة الضحى) «٣» الحديث، بأنه قد روى أن أبا هريرة كان يختار درس الحديث بالليل على الصلاة، فأمره بالضحى بدلا عن قيام الليل، ولهذا أمره أن لا ينام إلا على وتر، ولم يأمر بذلك أبا بكر ولا عمر ولا سائر الصحابة. انتهى. قال الحافظ ابن حجر: وهذه الوصية لأبى هريرة ورد مثلها لأبى الدرداء
مره أن لا ينام إلا على وتر، ولم يأمر بذلك أبا بكر ولا عمر ولا سائر الصحابة. انتهى. قال الحافظ ابن حجر: وهذه الوصية لأبى هريرة ورد مثلها لأبى الدرداء
فيما رواه مسلم، ولأبى ذر فيما رواه النسائى، قال: والحكمة فى الوصية على المحافظة على ذلك تمرين النفس على جنس الصلاة والصيام ليدخل فى الواجب منهما بانشراح، ولينجبر ما لعله يقع فيه من نقص. ومن فوائد صلاة الضحى أنها تجزئ عن الصدقة التى تصبح على مفاصل الإنسان فى كل يوم وهى الثلاثمائة وستون مفصلا، كما أخرجه مسلم من حديث أبى ذر، قال فيه: ويجزى عن وذلك ركعتا الضحى. وقد ذكر أصحابنا الشافعية أنها أفضل التطوع بعد الرواتب، لكن النووى فى شرح المهذب قدم عليها صلاة التراويح فجعلها فى الفضل بين الرواتب والضحى. وحكى الحافظ أبو الفضل العراقى فى شرح الترمذى: أنه اشتهر بين العوام أن من صلى الضحى ثم قطعها يعمى، فصار كثير من الناس يتركها أصلا لذلك، وليس لما قالوه أصل، بل الظاهر أنه مما ألقاه الشيطان على ألسنة العوام ليحرمهم الخير الكثير، لا سيما ما وقع فى حديث أبى ذر واقتصر فى الوصية للثلاثة المذكورين على الثلاثة المذكورة فى الحديث، لأن الصلاة والصيام أشرف العبادات البدنية، ولم يكن المذكورون من أصحاب الأموال فكان يجزيهم من الصدقة على السلامى، كما فى الحديث والله أعلم. وروى الحاكم من طريق أبى الخير عن عقبة بن عامر قال: أمرنا رسول الله- ﷺ أن نصلى الضحى بسور منها: وَالشَّمْسِ وَضُحاها «١» وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ «٢» «٣» ومناسبة ذلك ظاهرة جدّا والله أعلم. تنبيه: قال شيخ الإسلام والحفاظ أبو الفضل ابن حجر: قول عائشة فى الصحيح «ما رأيت رسول الله- ﷺ يسبح سبحة الضحى» يدل على ضعف ما روى عنه- ﷺ أن صلاة الضحى كانت واجبة عليه. وقد عدها جماعة من العلماء من خصائصه- ﷺ. ولم يثبت ذلك فى خبر صحيح.
وقول الماوردى فى «الحاوى» إنه- ﷺ واظب عليها بعد يوم الفتح إلى أن مات. يعكر عليه ما رواه مسلم من حديث أم هانئ: «أنه لم يصلها قبل ولا بعد» ولا يقال إن نفى أم هانئ لذلك يلزم منه العدم، لأنا نقول: يحتاج من أثبته إلى دليل، ولو وجد لم يكن حجة، لأن عائشة ذكرت أنه كان إذا عمل عملا أثبته، فلا تستلزم المواظبة على هذا الوجوب عليه، انتهى. وقال ابن العربى فى «عارضة الأحوذى» : أخبرنا أبو الحسن الأزدى أخبرنا طاهر، أخبرنا على، أخبرنا أبو العباس عبد الله بن عبد الرحمن العسكرى، حدثنا الحسين الختنى، حدثنا أبو غسان حدثنا قيس عن جابر عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله- ﷺ: «كتب على النحر ولم يكتب عليكم وأمرت بصلاة الضحى ولم تؤمروا بها» «١» . رواه الدار قطنى.
القسم الثانى فى صلاته ص النوافل وأحكامها وفيه بابان:
الباب الأول فى النوافل المقرونة بالأوقات وفيه فصلان:
الفصل الأول فى رواتب الصلوات الخمس والجمعة
الفرع الأول: فى أحاديث جامعة لرواتب مشتركة عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله- ﷺ كان يصلى قبل الظهر، ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين فى بيته، وبعد صلاة العشاء ركعتين، وكان لا يصلى بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلى فى بيته ركعتين «١» . قال: وأخبرتنى حفصة أن رسول الله- ﷺ كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح، وبدا له الصبح صلى ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة «٢» . رواه البخارى. فهذه عشر ركعات، لأن الركعتين بعد الجمعة لا يجتمعان مع الركعتين بعد الظهر، إلا لعارض، بأن يصلى الجمعة وسنتها التى
أن تقام الصلاة «٢» . رواه البخارى. فهذه عشر ركعات، لأن الركعتين بعد الجمعة لا يجتمعان مع الركعتين بعد الظهر، إلا لعارض، بأن يصلى الجمعة وسنتها التى
بعدها، ثم يتبين له فسادها فيصلى الظهر ويصلى بعدها سنتها كما نبه عليه الشيخ ولى الدين العراقى. واختلف فى دلالة «كان» على التكرار، وصحح ابن الحاجب أنها تقتضيه، قال: وهذا استفدناه من قولهم: كان حاتم يقرى الضيف، وصحح الإمام فخر الدين فى «المحصول» أنها لا تقتضيه، لا لغة ولا عرفا، وقال النووى فى شرح مسلم، إنه المختار الذى عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين. وذكر ابن دقيق العيد أنها تقتضيه عرفا. فعلى هذا: ففى الحديث دلالة على تكرار هذه النوافل من النبى- ﷺ وأنه كان دأبه وعادته. وعن عائشة: كان- ﷺ يصلى فى بيته قبل الظهر أربعا ثم يخرج فيصلى بالناس، ثم يدخل فيصلى ركعتين، وكان يصلى بالناس المغرب ثم يدخل فيصلى ركعتين، ثم يصلى بالناس العشاء ويدخل بيتى فيصلى ركعتين، الحديث، وفى آخره: وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين «١» . رواه مسلم، فهذه ثنتا عشرة ركعة. وعنها: كان- ﷺ لا يدع أربعا قبل الظهر، وركعتين قبل الغداة «٢» . وفى رواية: لم يكن يتركهما سرّا وعلانية، فى سفر ولا حضر ركعتان قبل الصبح وركعتان بعد العصر «٣» . رواه البخارى ومسلم.
الفرع الثانى: فى ركعتى الفجر قالت عائشة: لم يكن- ﷺ على شئ من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتى الفجر «٤» . رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى.
م.
الفرع الثانى: فى ركعتى الفجر قالت عائشة: لم يكن- ﷺ على شئ من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتى الفجر «٤» . رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى.
ولمسلم «لهما أحب إلىّ من الدنيا جميعا» «١» وكان يصليهما إذا سكت المؤذن بعد أن يستنير الفجر ويخففهما «٢» . رواه الشيخان وهذا لفظ النسائى. واختلف فى حكمة تخفيفهما فقيل: ليبادر إلى صلاة الصبح فى أول الوقت، وبه جزم القرطبى، وقيل: ليستفتح صلاة النهار بركعتين خفيفتين، كما كان يصنع فى صلاة الليل كما تقدم، ليدخل فى الفرض أو ما شابهه فى الفضل بنشاط واستعداد تام. وقد ذهب بعضهم إلى إطالة القراءة فيهما، وهو قول أكثر الحنفية، ونقل عن الشعبى، وأورد البيهقى فيه حديثا مرفوعا من مرسل سعيد بن جبير، وفى سنده راو لم يسم، وخص بعضهم ذلك بمن فاته شئ من قراءته فى صلاة الليل، فيستدركها فى ركعتى الفجر، وأخرجه ابن أبى شيبة بسند صحيح عن الحسن البصرى. كان كثيرا ما يقرأ فى الأولى منهما قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا «٣» الآية التى فى البقرة، وفى الآخرة قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إلى قوله: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ «٤» «٥» . رواه مسلم وأبو داود والنسائى من رواية ابن عباس. وفى رواية أبى داود، من حديث أبى هريرة قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا «٦» فى الركعة الأولى، وبهذه الآية رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ
بى هريرة قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا «٦» فى الركعة الأولى، وبهذه الآية رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ
فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ «١» أو إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ «٢» قال أبو داود: شك الراوى «٣» . وقال أبو هريرة: قرأ فى ركعتى الفجر قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ «٤» وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ «٥» «٦» رواه مسلم وأبو داود والترمذى. وقد روى ابن ماجه بإسناد قوى، عن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: كان رسول الله- ﷺ يصلى ركعتين قبل الفجر، وكان يقول: «نعم السورتان يقرأ بهما فى ركعتى الفجر قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ «٧» وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ «٨» «٩» » . ولابن أبى شيبة من طريق ابن سيرين عن عائشة: كان يقرأ فيهما بهما. وللترمذى والنسائى من حديث ابن عمر: رمقت النبى- ﷺ شهرا فكان يقرأ بهما «١٠» .
وقد استدل بعضهم بهذا على الجهر بالقراءة فى ركعتى الفجر، ولا حجة فيه، لاحتمال أن يكون ذلك عرف بقراءته بعض السورة، ويدل على ذلك فى رواية ابن سيرين المذكورة: «يسر فيهما القراءة» وصححه ابن عبد البر. واستدل بعضهم أيضا بهذه الأحاديث المذكورة، على أنه لا تتعين الفاتحة، لأنه لم يذكرها مع سورتى الإخلاص. وأجيب: بأنه ترك الفاتحة لوضوح الأمر فيها. انتهى. وكان- ﷺ إذا صلى ركعتى الفجر اضطجع على شقه الأيمن «١» . رواه البخارى ومسلم من حديث عائشة. لأنه- ﷺ كان يحب التيمن، وقد قيل: الحكمة فيه أن القلب من جهة اليسار فلو اضطجع عليه لاستغرق نوما، لكونه أبلغ فى الراحة، بخلاف اليمين فيكون القلب معلقا فلا يستغرق، وهذا إنما يصح بالنسبة إلى غيره- ﷺ كما لا يخفى. وأما ما روى أن ابن عمر رأى رجلا يصلى ركعتى الفجر ثم اضطجع فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: أردت أن أفصل بين صلاتى فقال له: وأى فصل أفضل من السلام، قال: فإنها سنة، قال: بل بدعة. رواه ابن الأثير فى جامعه عن رزين. وكذا ما روى من إنكار ابن مسعود، ومن قول إبراهيم النخعى: إنها ضجعة الشيطان، كما أخرجهما ابن أبى شيبة، فهو محمول على أنه لم يبلغهم الأمر بفعله.
رزين. وكذا ما روى من إنكار ابن مسعود، ومن قول إبراهيم النخعى: إنها ضجعة الشيطان، كما أخرجهما ابن أبى شيبة، فهو محمول على أنه لم يبلغهم الأمر بفعله.
وأرجح الأقوال مشروعيته للفصل، لكن لم يداوم- ﷺ عليها، ولذا احتج الأئمة على عدم الوجوب، وحملوا الأمر الوارد بذلك عند أبى داود وغيره على الاستحباب. وفائدة ذلك: الراحة والنشاط لصلاة الصبح، وعلى هذا فلا يستحب ذلك إلا للتهجد. وبه جزم ابن العربى. ويشهد لهذا ما رواه عبد الرزاق أن عائشة كانت تقول: إن النبى- ﷺ لم يضطجع لسنة، ولكنه كان يدأب ليلته فيستريح. وفيه راو لم يسم. وقيل: فائدتها الفصل بين ركعتى الفجر وصلاة الصبح، وعلى هذا فلا اختصاص. ومن ثم قال الشافعى: إن السنة تتأدى بكل ما يحصل به الفصل من مشى وكلام وغيره، حكاه البيهقى. وقال النووى: المختار أنه سنة لظاهر حديث أبى هريرة، وقد قال أبو هريرة راوى الحديث: إن الفصل بالمشى إلى المسجد لا يكفى. وأفرط ابن حزم فقال: يجب على كل أحد، وجعله شرطا لصحة صلاة الصبح، فرد عليه العلماء بعده، حتى طعن ابن تيمية فى صحة الحديث لتفرد عبد الواحد بن زياد به، وفى حفظه مقال، والحق: أنه تقوم به الحجة. وذهب بعض السلف إلى استحبابها فى البيت دون المسجد، وهو محكى عن ابن عمر. وقواه بعض شيوخنا، بأنه لم ينقل عن النبى- ﷺ أنه فعله فى المسجد، وصح عن ابن عمر أنه كان يحصب من يفعله فى المسجد، أخرجه ابن أبى شيبة. وقال- ﷺ: «من لم يصل ركعتى الفجر، فليصلهما بعد ما تطلع الشمس» «١» رواه الترمذى من رواية أبى هريرة.
ه كان يحصب من يفعله فى المسجد، أخرجه ابن أبى شيبة. وقال- ﷺ: «من لم يصل ركعتى الفجر، فليصلهما بعد ما تطلع الشمس» «١» رواه الترمذى من رواية أبى هريرة.
الفرع الثالث: فى راتبة الظهر عن ابن عمر: صليت مع رسول الله- ﷺ ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها «١» . رواه البخارى ومسلم والترمذى. وعن عائشة: كان- ﷺ لا يدع أربعا قبل الظهر، وركعتين قبل صلاة الغداة «٢» . رواه البخارى أيضا: فإما أن يقال: إنه- ﷺ كان إذا صلى فى بيته صلى أربعا، وإذا صلى فى المسجد صلى ركعتين، وهذا أظهر. وإما أن يقال: كان يفعل هذا وهذا، فحكى كل من عائشة وابن عمر ما شاهده، والحديثان صحيحان لا مطعن فى واحد منهما. وقال أبو جعفر الطبرى: الأربع كانت فى كثير من أحواله، والركعتان فى قليلها. انتهى. وقد يقال: إن الأربع التى قبل الظهر لم تكن سنة الظهر، بل هى صلاة مستقلة، كان يصليها بعد الزوال. وروى البزار من حديث ثوبان: إنه- ﷺ كان يستحب أن يصلى بعد نصف النهار، فقالت عائشة: يا رسول الله، أراك تستحب الصلاة هذه الساعة، قال: «تفتح فيها أبواب السماء، وينظر الله تعالى إلى خلقه بالرحمة، وهى صلاة كان يحافظ عليها آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى» . وعن عبد الله بن السائب: كان- ﷺ يصلى أربعا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، وقال: «إنها ساعة تفتح لها أبواب السماء، وأحب أن يصعد لى فيها عمل صالح» «٣» . رواه الترمذى. وروى الترمذى أيضا حديث
أربعا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، وقال: «إنها ساعة تفتح لها أبواب السماء، وأحب أن يصعد لى فيها عمل صالح» «٣» . رواه الترمذى. وروى الترمذى أيضا حديث
«أربع قبل الظهر وبعد الزوال تحسب بمثلهن فى السحر وما من شئ إلا وهو يسبح الله تعالى تلك الساعة» ثم قرأ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ «١» «٢» . فهذه- والله أعلم- هى الأربع التى أرادت عائشة أنه كان لا يدعهن. وأما سنة الظهر فالركعتان التى قال ابن عمر. ويوضح هذا أن سائر الصلوات سنتها ركعتان، وعلى هذا فتكون هذه الأربع وردا مستقلا، سببه انتصاف النهار وزوال الشمس. وسر هذا- والله أعلم- أن انتصاف النهار مقابل لانتصاف الليل، وأبواب السماء تفتح بعد زوال الشمس، ويحصل النزول الإلهى بعد انتصاف الليل، فهما وقت قرب رحمة، هذا فيه تفتح أبواب السماء، وهذا ينزل فيه الرب ﵎ عن حركة الأجسام.
الفرع الرابع فى سنة العصر عن على: كان- ﷺ يصلى قبل العصر ركعتين «٣» . رواه أبو داود. وعن على أيضا: كان- ﷺ يصلى قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين «٤» . رواه الترمذى. وروى مرفوعا أيضا حديث «رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا» «٥» .
وقالت عائشة: ما كان- ﷺ يأتينى فى يومى بعد العصر إلا صلى ركعتين «١» ، وفى رواية: ما ترك ركعتين بعد العصر عندى قط «٢» . رواه البخارى ومسلم. ولمسلم: أن أبا سلمة سألها عن السجدتين اللتين كان يصليهما بعد العصر فقالت: كان يصليهما قبل العصر، ثم إنه شغل عنهما ونسيهما فصلاهما بعد العصر، ثم أثبتهما، وكان إذا صلى صلاة أثبتها، تعنى داوم عليها «٣» . ولأبى داود، قالت: كان يصلى بعد العصر ركعتين وينهى عنهما، ويواصل وينهى عن الوصال «٤» . وقال ابن عباس: إنما صلى- ﷺ ركعتين بعد العصر، لأنه اشتغل بقسمة مال أتاه عن الركعتين اللتين بعد الظهر فقضاهما بعد العصر، ثم لم يعد لهما «٥» . رواه الترمذى. وقالت أم سلمة: سمعته- ﷺ ينهى عنهما، ثم رأيته يصليهما حين صلى العصر، ثم سألته عنهما فقال: «إنه أتانى من عبد القيس بالإسلام فشغلونى عن الركعتين بعد الظهر، فهما هاتان» ، الحديث. وفيه: أن ابن عباس قال: كنت أضرب مع عمر بن الخطاب الناس عنهما «٦» .
قال ابن القيم: قضاء السنن الرواتب فى اوقات النهى عام له ولأمته، وأما المداومة على تلك الركعتين فى وقت النهى فخاص به، قال: وقد عد هذا من خصائصه. انتهى. والدليل عليه رواية عائشة: كان يصلى ركعتين بعد العصر وينهى عنهما ويواصل وينهى عن الوصال. لكن قال البيهقى: الذى اختص به- ﷺ المداومة على ذلك، لا أصل القضاء. وأما رواية ابن عباس عند الترمذى: أنه إنما صلاهما بعد العصر لأنه اشتغل بقسمة مال أتاه. فهو من رواية جرير عن عطاء، وقد سمع منه بعد اختلاطه، وإن صح فهو شاهد لحديث أم سلمة، لكن ظاهر قوله: «ثم لم يعد» معارض لحديث عائشة المذكور فى الباب، فيحمل النفى على نفى علم الراوى، فإنه لم يطلع على ذلك، والمثبت مقدم على النافى. وكذا ما رواه النسائى من طريق أبى سلمة، عن أم سلمة: أن رسول الله- ﷺ صلى فى بيتها بعد العصر ركعتين مرة واحدة «١» ، الحديث، وفى رواية له عنها: لم أره يصليهما قبل ولا بعد. فيجمع بين الحديثين بأنه- ﷺ لم يكن يصليهما إلا فى بيته، فلذلك لم يره ابن عباس ولا أم سلمة. ويشير إلى ذلك قول عائشة فى رواية: «وكان لا يصليهما فى المسجد مخافة أن يثقل على أمته» «٢» .
كن يصليهما إلا فى بيته، فلذلك لم يره ابن عباس ولا أم سلمة. ويشير إلى ذلك قول عائشة فى رواية: «وكان لا يصليهما فى المسجد مخافة أن يثقل على أمته» «٢» . ومراد عائشة بقولها: «ما كان فى يومى بعد العصر إلا صلى ركعتين» من الوقت الذى شغل عن الركعتين بعد الظهر فصلاهما. ولم ترد أنه كان يصلى بعد العصر من أول ما فرضت الصلوات مثلا إلى آخر عمره، والله أعلم.
الفرع الخامس فى راتبة المغرب عن ابن مسعود قال: ما أحصى ما سمعت رسول الله- ﷺ يقرأ فى
الركعتين بعد المغرب، وفى الركعتين قبل صلاة الفجر ب قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ «١» وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ «٢» «٣» رواه الترمذى. وعن ابن عباس: كان- ﷺ يطيل القراءة فى الركعتين بعد المغرب حتى يتفرق أهل المسجد «٤» ، رواه أبو داود. وكان أصحابه- ﵇ يصلون ركعتين قبل المغرب قبل أن يخرج إليهم- ﷺ «٥» . رواه البخارى ومسلم وأبو داود من حديث أنس. وفى رواية أبى داود، قال أنس: رآنا- ﷺ فلم يأمرنا ولم ينهنا «٦» . وقال عقبة: كنا نفعله على عهده، ﷺ. رواه البخارى ومسلم. وظاهره: أن الركعتين بعد الغروب وقبل صلاة المغرب كان أمرا قرر أصحابه عليه، وعملوا به، وهذا يدل على الاستحباب، وأما كونه- ﷺ لم يصلهما فلا ينفى الاستحباب، بل يدل على أنهما ليسا من الرواتب، وإلى استحبابهما ذهب أحمد وإسحاق وأصحاب الحديث. وعن ابن عمر: ما رأيت أحدا يصليهما على عهده- ﷺ. وعن الخلفاء الأربعة وجماعة من الصحابة أنهم كانوا لا يصلونهما. فادعى بعض المالكية نسخهما، وتعقب:
حديث. وعن ابن عمر: ما رأيت أحدا يصليهما على عهده- ﷺ. وعن الخلفاء الأربعة وجماعة من الصحابة أنهم كانوا لا يصلونهما. فادعى بعض المالكية نسخهما، وتعقب:
بأن دعوى النسخ لا دليل عليها، ورواية المثبت- وهو أنس- تقدم على رواية النافى- وهو ابن عمر. وعن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: حق على كل مؤمن إذا أذن المؤذن أن يركع ركعتين. وعن مالك قول آخر باستحبابها، وهو عند الشافعية وجه رجحه النووى ومن تبعه، وقال فى شرح مسلم: قول من قال: «إن فعلهما يؤدى إلى تأخير المغرب عن أول وقتها» خيال فاسد منابذ للسنة، ومع ذلك فزمنهما يسير، لا تتأخر به الصلاة عن أول وقتها. ومجموع الأدلة يرشد إلى استحباب تخفيفهما. وقال- ﷺ: «صلوا قبل المغرب ركعتين لمن شاء» «١» . خشية أن يتخذها الناس سنة. رواه أبو داود. قال المحب الطبرى: لم يرد نفى استحبابهما، لأنه لا يمكن أن يأمر بما لا يستحب، بل هذا الحديث من أقوى الأدلة على استحبابهما. ومعنى قوله: «سنة» أى شريعة وطريقة لازمة. وكأن المراد انحطاط مرتبتهما عن رواتب الفرائض، ولهذا لم يعدهما أكثر الشافعية فى الرواتب، واستدركهما بعضهم. وتعقب: بأنه لم يثبت أنه- ﷺ واظب عليهما. وقال- ﷺ فى الصلاة بعد المغرب: «هذه صلاة البيوت» «٢» ، رواه أبو داود والنسائى من حديث كعب بن عجرة. وعنه- ﷺ: «من صلى بعد المغرب ركعتين قبل أن يتكلم رفعت صلاته فى عليين» . رواه رزين.
الفرع السادس فى راتبة العشاء قالت عائشة: ما صلى رسول الله- ﷺ العشاء قط فدخل بيتى إلا صلى أربع ركعات، أو ست ركعات «١» . رواه أبو داود. وفى مسلم قالت عائشة: ثم يصلى بالناس العشاء فيدخل بيتى فيصلى ركعتين «٢» . وكذا فى حديث ابن عمر عند الشيخين. وتقدما أول هذا القسم، والله أعلم.
الفرع السابع فى راتبة الجمعة عن عبد الله بن عمر أن رسول الله- ﷺ كان يصلى قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين فى بيته، وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلى بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلى ركعتين «٣» . رواه البخارى ولم يذكر شيئا فى الصلاة قبل صلاة الجمعة. قال ابن المنير- كما حكاه فى فتح البارى-: كأنه يقول الأصل استواء الظهر والجمعة حتى يدل دليل على خلافه، لأن الجمعة بدل الظهر. وقال ابن بطال: إنما أعاد ابن عمر ذكر الجمعة بعد ذكر الظهر من أجل أنه كان- ﷺ يصلى سنة الجمعة فى بيته بخلاف الظهر، قال: والحكمة فيه أن الجمعة لما كانت بدل الظهر واقتصر فيها على ركعتين ترك التنفل بعدها فى المسجد خشية أن يظن أنها التى حذفت. انتهى.
بيته بخلاف الظهر، قال: والحكمة فيه أن الجمعة لما كانت بدل الظهر واقتصر فيها على ركعتين ترك التنفل بعدها فى المسجد خشية أن يظن أنها التى حذفت. انتهى.
وعلى هذا فينبغى أن لا يتنفل قبلها ركعتين متصلتين بها فى المسجد لهذا المعنى. وقد روى أبو داود وابن حبان من طريق أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلى بعدها ركعتين فى بيته، ويحدث أن النبى- ﷺ كان يفعل ذلك، وقد احتج به النووى فى «الخلاصة» على إثبات سنة الجمعة التى قبلها. وتعقب: بأن قوله: «كان يفعل ذلك» عائد على قوله: «ويصلى بعد الجمعة ركعتين فى بيته» ، ويدل عليه رواية الليث عن نافع عن عبد الله: أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فسجد سجدتين فى بيته ثم قال: كان رسول الله- ﷺ يفعل ذلك. رواه مسلم. وأما قوله: «كان يطيل الصلاة قبل الجمعة» فإن كان المراد بعد دخول الوقت فلا يصح أن يكون مرفوعا، لأنه- ﷺ كان يخرج إذا زالت الشمس فيشتغل بالخطبة ثم بصلاة الجمعة، وإن كان المراد قبل دخول الوقت فذلك مطلق نافلة لا صلاة راتبة، فلا حجة فيه لسنة الجمعة التى قبلها، بل هو تنفل مطلق. وقد أنكر جماعة كون الجمعة لها سنة قبلها، وبالغوا فى الإنكار منهم: الإمام شهاب الدين أبو شامة، لأنه لم يكن يؤذن للجمعة إلا بين يديه- ﷺ وهو على المنبر، فلم يكن يصليها، وكذلك الصحابة لأنه إذا خرج الإمام انقطعت الصلاة. قال ابن العراقى: ولم أر فى كلام الفقهاء من الحنفية والمالكية استحباب سنة الجمعة التى قبلها. انتهى. وقد ورد فى سنة الجمعة التى قبلها أحاديث أخرى ضعيفة، منها عن أبى هريرة، رواه البزار، ولفظه: كان يصلى قبل الجمعة أربعا وبعدها أربعا. وأقوى ما يتمسك به فى مشروعية الركعتين قبل الجمعة عموم ما صححه ابن حبان من حديث عبد الله بن الزبير مرفوعا: «ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان» «١» . قاله فى فتح البارى.
عية الركعتين قبل الجمعة عموم ما صححه ابن حبان من حديث عبد الله بن الزبير مرفوعا: «ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان» «١» . قاله فى فتح البارى.
وعن عطاء قال: كان ابن عمر إذا صلى الجمعة بمكة تقدم فصلى ركعتين ثم يتقدم فيصلى أربعا، وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته فيصلى ركعتين ولم يصل فى المسجد، فقيل له: فقال: كان رسول الله- ﷺ يفعله «١» . رواه أبو داود. وفى رواية الترمذى: قال: رأيت ابن عمر صلى بعد الجمعة ركعتين ثم صلى بعد ذلك أربعا «٢» . وعن ابن عمر أيضا قال: كان رسول الله- ﷺ يصلى بعد الجمعة ركعتين «٣» . رواه النسائى، وفى رواية أنه كان يصلى بعد الجمعة ركعتين فى بيته «٤» . وفى أخرى: أن ابن عمر كان يصلى بعد الجمعة ركعتين يطيل فيهما ويقول: كان رسول الله- ﷺ يفعله «٥» . وتقدم حديث دخول سليك الغطفانى يوم الجمعة، وهو- ﷺ يخطب، وقوله- ﷺ له: «صليت؟» قال: لا، قال: «قم فاركع ركعتين» . مع ما فيه من المباحث فى صلاة الجمعة.
الفصل الثانى فى صلاته ص العيدين وفيه فروع:
الفرع الأول فى عدد الركعات عن ابن عباس: أن رسول الله- ﷺ خرج يوم عيد فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما، ثم أتى النساء وبلال معه، فأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تتصدق بخرصها «١» وسخابها «٢» «٣» . وفى رواية: خرج يوم أضحى أو فطر «٤» . وفى أخرى: أن النبى- ﷺ صلى يوم الفطر ركعتين «٥» . الحديث رواه البخارى ومسلم وأبو داود والترمذى والنسائى.
الفرع الثانى فى عدد التكبير عن عائشة أن رسول الله- ﷺ كان يكبر فى الفطر والأضحى، فى الأولى سبع تكبيرات، وفى الثانية: خمس تكبيرات «٦» . زاد فى رواية: سوى تكبير الإحرام والركوع «٧» . وعن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبى- ﷺ كبر فى
العيدين، فى الأولى سبعا قبل القراءة، وفى الآخرى خمسا قبل القراءة «١» . رواه الترمذى وابن ماجه والدارمى.
الفرع الثالث فى الوقت والمكان عن أبى سعيد الخدرى قال: كان النبى- ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شئ يبدأ به الصلاة «٢» . الحديث رواه البخارى ومسلم. وفى هذا دليل لمن قال باستحباب الخروج لصلاة العيد إلى المصلى، وأنه أفضل من صلاتها فى المسجد، لمواظبته- ﷺ على ذلك، مع فضل مسجده، وعلى هذا عمل الناس فى الأمصار. وأما أهل مكة فلا يصلونها إلا فى المسجد من الزمن الأول. ولأصحابنا الشافعية وجهان: أحدهما: الصحراء أفضل لهذا الحديث، والثانى: وهو الأصح عند أكثرهم، المسجد أفضل إلا أن يضيق، قالوا: وإنما صلى أهل مكة فى المسجد لسعته، وإنما خرج النبى- ﷺ لضيق المسجد، فدل على أن المسجد أفضل إذا اتسع، والمراد بالمصلى المذكور، الذى على باب المدينة الشرقى. قال ابن القيم: ولم يصل العيد بمسجده إلا مرة واحدة، أصابهم مطر فصلى بهم العيد فى المسجد، إن ثبت الحديث، وهو فى سنن أبى داود وابن ماجه. انتهى. ولفظ أبى داود: عن أبى هريرة قال: أصابنا مطر فى يوم فطر فصلى بنا رسول الله- ﷺ فى المسجد. زاد رزين: ولم يخرج بنا إلى المصلى «٣» .
الفرع الرابع فى الأذان والإقامة عن جابر بن سمرة قال: صليت مع رسول الله- ﷺ العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة «١» . رواه مسلم وأبو داود والترمذى. وعن ابن عباس أن رسول الله- ﷺ صلى العيد بلا أذان ولا إقامة «٢» . رواه أبو داود.
الفرع الخامس فى قراءته ص فى صلاة العيدين عن أبى واقد الليثى قال: كان رسول الله- ﷺ يقرأ فى الأضحى والفطر ب ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ «٣» واقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ «٤» «٥» . رواه مسلم ومالك وأبو داود والترمذى. وعن النعمان بن بشير قال: كان النبى- ﷺ يقرأ فى العيدين وفى الجمعة ب سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى «٦» وهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ «٧» . وربما اجتمعا فى يوم واحد فقرأ بهما «٨» . رواه مسلم ومالك وأبو داود والترمذى والنسائى.
رَبِّكَ الْأَعْلَى «٦» وهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ «٧» . وربما اجتمعا فى يوم واحد فقرأ بهما «٨» . رواه مسلم ومالك وأبو داود والترمذى والنسائى.
الفرع السادس فى خطبته ص وتقديمه صلاة العيدين عليها عن ابن عمر: كان رسول الله- ﷺ وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة «١» . رواه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى. وعن جابر: أنه- ﷺ خرج يوم الفطر، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة «٢» . وفى رواية: قام فبدأ بالصلاة ثم خطب الناس فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن، وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه تلقى فيه النساء الصدقة «٣» . وفى أخرى، قال: شهدت مع رسول الله- ﷺ العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، بلا أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: «تصدقن، فإن أكثر كن حطب جهنم» ، فقامت امرأة من وسط النساء سفعاء الخدين، فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: «لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير» . قال: فجعلن يتصدقن من حليهن ويلقين فى ثوب بلال من أقراطهن وخواتيمهن «٤» . رواه البخارى ومسلم. وفى رواية أبى سعيد الخدري عند البخارى: فأول شئ يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه، أو يأمر بشئ أمر به، ثم ينصرف. قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان،
صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه، أو يأمر بشئ أمر به، ثم ينصرف. قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان،
وهو أمير المدينة فى أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه، فقلت له: غيرتم والله. الحديث «١» . ولابن خزيمة: خطب- ﷺ يوم عيد على رجليه «٢» . وهذا يشعر بأنه لم يكن فى المصلى فى زمانه- ﷺ منبر، ويدل على ذلك قول أبى سعيد: «فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان» ومقتضاه أن أول من اتخذه مروان. ووقع فى المدونة للإمام مالك: أن أول من خطب الناس فى المصلى على منبر عثمان بن عفان، كلمهم على منبر من طين بناه كثير بن الصلت، لكنه معضل، وما فى الصحيحين أصح، فقد رواه مسلم من طريق داود بن قيس نحو رواية البخارى. ويحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك مرة ثم تركه حتى أعاده مروان ولم يطلع على ذلك أبو سعيد. قاله شيخ الإسلام ابن حجر- رحمه الله تعالى-.
الفرع السابع فى أكله ص يوم الفطر قبل خروجه إلى الصلاة عن أنس: كان رسول الله- ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات «٣» . رواه البخارى وقال: مرجأ بن رجاء حدثنى عبيد الله حدثنى أنس عن النبى- ﷺ: ويأكلهن وترا «٤» . ورواه الحاكم من رواية عتبة بن حميد
عنه بلفظ: ما خرج يوم فطر حتى يأكل تمرات، ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أقل من ذلك أو أكثر وترا «١» . قال المهلب: الحكمة فى الأكل قبل الصلاة، أن لا يظن ظان لزوم الصوم حتى يصلى العيد، فكأنه أراد سد هذه الذريعة. وقال غيره: لما وقع وجوب الفطر عقب وجوب الصوم استحب تعجيل الفطر مبادرة إلى امتثال أمر الله تعالى، ويشعر بذلك اقتصاره على القليل من ذلك، ولو كان لغير الامتثال لأكل قدر الشبع، أشار إلى ذلك ابن أبى جمرة. وقيل: لأن الشيطان الذى يحبس فى رمضان لا يطلق إلا بعد صلاة العيد فاستحب تعجيل الفطر بدارا إلى السلامة من وسوسته. والحكمة فى استحباب التمر لما فى الحلو من تقوية البصر الذى يضعفه الصوم، ولأن الحلو مما يوافق الإيمان ويعبر به فى المنام، ويرق القلب، ومن ثم استحب بعض التابعين أن يفطر على الحلو مطلقا كالعسل. رواه ابن أبى شيبة عن معاوية بن قرة وابن سيرين وغيرهما. وفى الترمذى والحاكم من حديث بريدة قال: كان رسول الله- ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلى «٢» ، ونحوه عند البزار عن جابر بن سمرة. وروى الطبرانى والدار قطنى من حديث ابن عباس قال: من السنة أن لا يخرج يوم الفطر حتى يخرج الصدقة ويطعم شيئا قبل أن يخرج «٣» . وفى كل من الأسانيد الثلاثة مقال. وقد أخذ أكثر الفقهاء بما دلت عليه، قال ابن المنير: وقع أكله- ﷺ
م الفطر حتى يخرج الصدقة ويطعم شيئا قبل أن يخرج «٣» . وفى كل من الأسانيد الثلاثة مقال. وقد أخذ أكثر الفقهاء بما دلت عليه، قال ابن المنير: وقع أكله- ﷺ
فى كل من العيدين فى الوقت المشروع لإخراج صدقتهما الخاصة بهما، فإخراج صدقة الفطر قبل الغدو إلى المصلى، وإخراج صدقة الأضحية بعد ذبحها، فاجتمعا من جهة، وافترقا من أخرى. وقال الشافعى فى الأم: بلغنا عن الزهرى قال: ما ركب رسول الله- ﷺ فى عيد ولا جنازة قط «١» . وفى الترمذى عن على قال: من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيا «٢» ، وفى ابن ماجه عن سعد القرظى أنه- ﷺ كان يخرج إلى العيد ماشيا «٣» ، وفيه عن أبى رافع نحوه، وأسانيد الثلاثة ضعاف. وعن أبى هريرة قال: كان رسول الله- ﷺ إذا خرج يوم العيد فى طريق رجع فى غيره «٤» . رواه الترمذى. وقد اختلف فى معنى ذلك على أقوال كثيرة، قال الحافظ ابن حجر: اجتمع لى منها أكثر من عشرين، وقد لخصتها وبينت الواهى منها. فمن ذلك: أنه فعل ذلك ليشهد له الطريقان، وقيل: سكانهما من الجن والإنس، وقيل: ليسوى بينهما فى مزية الفضل بمروره وفى التبرك، أو ليشم رائحة المسك من الطريق التى يمر بها لأنه كان معروفا بذلك. وقيل: لأن طريقه إلى المصلى كانت على اليمين، فلو رجع منها لرجع على جهة الشمال فرجع من غيرها. وهذا يحتاج إلى دليل. وقيل: لإظهار شعائر الإسلام فيهما، وقيل: لإظهار ذكر الله، وقيل:
كانت على اليمين، فلو رجع منها لرجع على جهة الشمال فرجع من غيرها. وهذا يحتاج إلى دليل. وقيل: لإظهار شعائر الإسلام فيهما، وقيل: لإظهار ذكر الله، وقيل:
ليغيظ المنافقين أو اليهود، وقيل حذرا من كيد الطائفتين أو إحداهما، وقيل ليعمهم بالسرور به أو التبرك بمروره والانتفاع به فى قضاء حوائجهم فى الاستفتاء أو التعليم والاقتداء، والاسترشاد والسلام عليهم أو غير ذلك، وقيل ليزور أقاربه الأحياء والأموات، وقيل: ليصل رحمه، وقيل ليتفاءل بتغير الحال إلى المغفرة والرضا، وقيل: كان يتصدق فى ذهابه فإذا رجع لم يبق معه شئ فيرجع فى طريق آخر لئلا يرد من يسأله. وهذا ضعيف جدّا مع احتياجه إلى دليل. وقيل: فعل ذلك لتخفيف الزحام، وهذا رجحه الشيخ أبو حامد، وقيل كان طريقه التى يتوجه منها أبعد من التى يرجع فيها، فأراد تكثير الأجر بتكثير الخطا فى الذهاب، وأما فى الرجوع فيسرع إلى منزله، وهذا اختيار الرافعى. وتعقب بأنه يحتاج إلى دليل وبأن أجر الخطا فى الرجوع أيضا، كما ثبت فى حديث أبى بن كعب عند الترمذى وغيره، وقيل: لأن الملائكة تقف فى الطرقات فأراد أن يشهد له فريقان منهم. وقال ابن أبى جمرة: هو فى معنى قول يعقوب لبنيه: لا تدخلوا من باب واحد، فأشار إلى أنه فعل حذر إصابة العين. انتهى. وكان- ﷺ يخرج الأبكار والعواتق وذوات الخدور والحيض فى العيدين، فأما الحيض فيعتزلن المصلى ويشهدن دعوة المسلمين. قالت إحداهن: يا رسول الله إحدانا لم يكن لها جلباب، قال: «فلتعرها أختها من جلابيبها» «١» . رواه البخارى ومسلم والترمذى واللفظ له. ولا دلالة فيه على وجوب صلاة العيد، لأن من جملة من أمر بذلك من ليس بمكلف، فظهر أن القصد منه إظهار شعائر الإسلام بالمبالغة فى الاجتماع، ولتعم الجميع البركة.
الة فيه على وجوب صلاة العيد، لأن من جملة من أمر بذلك من ليس بمكلف، فظهر أن القصد منه إظهار شعائر الإسلام بالمبالغة فى الاجتماع، ولتعم الجميع البركة.
وفيه: استحباب خروج النساء إلى شهود العيد، سواء كن شواب أم لا، أو ذوات هيئات أم لا، لكن نص الشافعى فى الأم يقتضى استثناء ذوات الهيئات. قال: وأحب شهود العجائز غير ذوات الهيئات الصلاة. وأما شهودهن الأعياد فأشد استحبابا. وادعى بعضهم النسخ فيه، وقال الطحاوى: وأمره- ﷺ بخروج الحيض وذوات الخدور إلى العيد يحتمل أن يكون فى أول الإسلام، والمسلمون قليل، فأريد التكثير بحضورهن إرهابا للعدو. وأما اليوم فلا يحتاج إلى ذلك. وتعقب: بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقد صرح فى حديث أم عطية بعلة الحكم، وهى شهودهن الخير ودعوة المسلمين، ورجاء بركة ذلك اليوم وطهرته، وقد أفتت به أم عطية بعد النبى- ﷺ بمدة، ولم يثبت عن أحد من الصحابة مخالفتها فى ذلك. وأما قول عائشة: «لو رأى النبى- ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن المساجد» «١» فلا يعارض ذلك لندوره، إن سلمنا أن فيه دلالة على أنها أفتت بخلافه، مع أن الدلالة منه بأن عائشة أفتت بالمنع ليست صريحة. وفى قول الطحاوى: «إرهابا للعدو» نظر، لأن الاستنصار بالنساء والتكثير بهن فى الحرب دال على الضعف. والأولى: أن يخص ذلك بمن يؤمن عليها وبها الفتنة، فلا يترتب على حضورها محظور، ولا تزاحم الرجال فى الطرق ولا فى المجامع، قاله فى فتح البارى. وكان- ﷺ يخرج العنزة يوم الفطر والأضحى يكرزها فيصلى إليها «٢» . رواه النسائى وغيره.
وإذا علمت هذا فاعلم أن للمؤمنين فى هذه الدار ثلاثة أعياد، عيد يتكرر كل أسبوع، وعيدان يأتيان فى كل عام مرة من غير تكرار فى السنة. فأما العيد المتكرر فهو يوم الجمعة، وهو عيد الأسبوع، وهو مترتب على إكمال الصلوات المكتوبات من الله تعالى فشرع لهم فيه عيدا. وأما العيدان اللذان لا يتكرران فى كل عام، وإنما يأتى كل واحد منهما فى العام مرة واحدة. فأحدهما: عيد الفطر من صوم رمضان، وهو مرتب على إكمال صيام رمضان، وهو الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه، فإذا أكمل المسلمون صيام شهر رمضان المفروض عليهم استوجبوا من الله المغفرة والعتق من النار، فإن صيامه يوجب مغفرة ما تقدم من الذنب، وآخره عتق من النار يعتق الله فيه من النار من استحقها بذنوبه، فشرع الله تعالى لهم عقب صيامهم عيدا يجتمعون فيه على شكر الله تعالى وذكره وتكبيره على ما هداهم له، وشرع لهم فى ذلك العيد الصلاة والصدقة، وهو يوم الجوائز يستوفى فيه الصائمون أجر صيامهم ويرجعون بالمغفرة. والعيد الثانى عيد النحر: وهو أكبر العيدين وأفضلهما، وهو مرتب على إكمال الحج وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومبانيه، فإذا أكمل المسلمون حجهم غفر لهم، وإنما يكمل الحج بيوم عرفة، فإن الوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم، ويوم عرفة هو يوم العتق من النار، فيعتق الله فيه من النار من وقف بعرفة ومن لم يقف بها من أهل الأمصار من المسلمين، فلذلك صار اليوم الذى يليه عيدا لجميع المسلمين فى جميع أمصارهم، من شهد الموسم منهم ومن لم يشهد، لاشتراكهم فى العتق والمغفرة يوم عرفة، وشرع للجميع التقرب إليه تعالى بالنسك بإراقة دماء ضحاياهم، فيكون ذلك اليوم شكرا منهم لهذه النعمة، والصلاة والنحر الذى يجتمع فى عيد النحر أفضل من الصلاة والصدقة فى عيد الفطر، ولهذا أمر رسول الله- ﷺ أن يجعل شكره لربه على إعطائه الكوثر أن يصلى لربه وينحر. وقد ضحى- ﷺ بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر.
فى عيد الفطر، ولهذا أمر رسول الله- ﷺ أن يجعل شكره لربه على إعطائه الكوثر أن يصلى لربه وينحر. وقد ضحى- ﷺ بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر.
رواه البخارى من حديث أنس، قال: ورأيته واضعا قدميه على صفاحهما، يقول: «بسم الله والله أكبر» «١» . وعن عائشة: أنه- ﷺ أمر بكبش يطأ فى سواد «٢» ، ويبرك فى سواد «٣» ، فأتى به ليضحى به، قال: «يا عائشة، هلمى المدية» ، ثم قال: «اشحذيها بحجر» ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه، قال: «بسم الله اللهم تقبل عن محمد وآل محمد ومن أمة محمد» ثم ضحى به «٤» . رواه مسلم. وعن جابر: ذبح النبى- ﷺ يوم النحر كبشين أقرنين أملحين موجوءين «٥» ، فلما وجههما قال: «إنى وجهت وجهى للذى فطر السماوات والأرض، على ملة إبراهيم حنيفا، وما أنا من المشركين، إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين، اللهم منك ولك عن محمد وأمته، بسم الله والله أكبر» ثم ذبح «٦» . رواه البخارى وأبو داود وابن ماجه والدارمى. وفى رواية لأحمد والترمذى: ذبح بيده وقال: «بسم الله والله أكبر، اللهم إن هذا عنى وعمن لم يضح من أمتى» «٧» . فهذه أعياد المسلمين فى
الدنيا، وكلها عند إكمال طاعات مولاهم الملك الوهاب، وحيازتهم لما وعدهم من جزيل الأجر والثواب، فليس العيد لمن لبس الجديد، إنما العيد لمن طاعاته تزيد، وليس العيد لمن تجمل باللباس والمركوب، وإنما العيد لمن غفرت له الذنوب، فى ليلة العيد تفرق خلع العتق والمغفرة على العبيد، فمن ناله منها شئ فهو له عيد، وإلا فهو مطرود بعيد. وأما أعياد المؤمنين فى الجنة، فهى أيام زيارتهم ربهم ﷿، فيزورونه ويكرمهم غاية الإكرام، ويتجلى لهم فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا هو أحب إليهم من ذلك وهو الزيارة، فليس للمحب عيد سوى قرب محبوبه. إن يوما جامعا شملى بهم ... ذاك عيدى ليس لى عيد سواه
الباب الثانى فى النوافل المقرونة بالأسباب وفيه أربعة فصول:
يارة، فليس للمحب عيد سوى قرب محبوبه. إن يوما جامعا شملى بهم ... ذاك عيدى ليس لى عيد سواه
الباب الثانى فى النوافل المقرونة بالأسباب وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول فى صلاته ص الكسوف الكسوف لغة التغير إلى السواد، يقال: كسفت الشمس: إذا اسودت وذهب شعاعها. عن قبيصة بن المخارق قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله- ﷺ فخرج فزعا يجر ثوبه وأنا معه يومئذ بالمدينة، فصلى ركعتين فأطال فيهما القيام، ثم انصرف وانجلت، ثم قال: «إنما هذه الآية يخوف الله بها عباده، فإذا رأيتموها فصلوا» «١» . رواه أبو داود والنسائى.
وفى قوله: ﷺ «يخوف الله بها عباده» رد على من يزعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادى لا يتأخر ولا يتقدم، إذ لو كان كما يقولون لم يكن فى ذلك تخويف. وقد رد عليهم ابن العربى وغيره، بما فى حديث أبى موسى عند البخارى، حيث قال فيه: «فقام فزعا يخشى أن تكون الساعة» قالوا: فلو كان الكسوف بالحساب لم يقع الفزع، ولو كان بالحساب لم يكن للأمر بالعتق والصدقة والصلاة معنى، يعنى كما فى حديث أسماء عند البخارى «لقد أمر النبى- ﷺ بالعتاقة فى كسوف الشمس» «١» وكما عنده أيضا من حديث عائشة مرفوعا: «فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا» «٢» فإن ظاهر الأحاديث أن ذلك يفيد التخويف، وأن كلما ذكر من أنواع الطاعات يرجى أن يندفع به ما يخشى من أثر ذلك الكسوف. ومما نقض به ابن العربى وغيره أنهم يزعمون: أن الشمس لا تنكسف على الحقيقة وإنما يحول القمر بينها وبين أهل الأرض عند اجتماعهما فى العقدتين. فقال: «هم يزعمون أن الشمس أضعاف القمر فى الجرم فكيف يحجب الصغير الكبير إذا قابله؟ أم كيف يظلم الكثير بالقليل لا سيما وهو من جنسه؟ وكيف تحجب الأرض نور الشمس. وقد وقع فى حديث النعمان بن بشير وغيره للكسوف سبب آخر غير ما يزعم أهل الهيئة، وهو ما أخرجه أحمد والنسائى وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة والحاكم، بلفظ: «إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، وإن الله إذا تجلى بشئ من خلقه خشع له» «٣» .
وقد استشكل الغزالى هذه الزيادة، وقال: أنها لم تثبت، فيجب تكذيب ناقلها، قال: ولو صحت لكان تأويلها أهون من مكابرة أمور قطعية لا تصادم أصلا من أصول الشريعة. وقال ابن بزبزة: وهذا عجب منه، كيف يسلم دعوى الفلاسفة ويزعم أنها لا تصادم الشريعة، مع أنها مبنية على أن العالم كرى الشكل، وظاهر الشرع يعطى خلاف ذلك والثابت من قواعد الشرع أن الكسوف أثر الإرادة القديمة وفعل الفاعل المختار، فيخلق فى هذين الجرمين النور متى شاء والظلمة متى شاء من غير توقيف على سبب أو ربط باقتران، والحديث الذى رده الغزالى قد أثبته غير واحد من أهل العلم، وهو ثابت من حيث المعنى أيضا، لأن النورية والإضاءة من عالم الجمال الحسى، فإذا تجلت صفة الجلال انطمست الأنوار لهيبته، ويؤيده قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا «١» ، انتهى. ويؤيد هذا الحديث ما رويناه عن طاوس أنه نظر إلى الشمس وقد انكسفت فبكى حتى كاد أن يموت، وقال: هى أخوف لله منا. وقال ابن دقيق العيد: ربما يعتقد بعضهم أن الذى يذكره أهل الحساب ينافى قوله: «يخوف الله به عباده» ، وليس بشئ، لأن لله تعالى أفعالا على حسب العادة، وأفعالا خارجة عن ذلك، وقدرته حاكمة على كل سبب، يقتطع ما يشاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض، وإذا ثبت ذلك فالعلماء بالله لقوة اعتقادهم فى عموم قدرته على خرق العادة وأنه يفعل ما يشاء إذا وقع شئ غريب، حدث عندهم الخوف لقوة ذلك الاعتقاد، وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب تجرى عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقها. وحاصله: أن الذى يذكره أهل الحساب إن كان حقّا فى نفس الأمر لا ينافى كون ذلك مخوفّا لعباد الله تعالى. قاله فى فتح البارى. وعن ابن عباس قال: انخسفت الشمس على عهد رسول الله- ﷺ
هل الحساب إن كان حقّا فى نفس الأمر لا ينافى كون ذلك مخوفّا لعباد الله تعالى. قاله فى فتح البارى. وعن ابن عباس قال: انخسفت الشمس على عهد رسول الله- ﷺ
فقام قياما طويلا، نحوا من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم رفع فقام قياما طويلا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، ثم سجد، ثم قام قياما طويلا وهو دون قيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد ثم انصرف وقد انجلت الشمس، فقال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله» ، فقالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا فى مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت؟ قال: «إنى رأيت الجنة فتناولت منها عنقودا، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء» ، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: «بكفرهن» ، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: «يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط» «١» . رواه البخارى ومسلم. وقوله: «ورأيت الجنة والنار» قال القاضى عياض: يحتمل أنه رآهما رؤية عين، كشف الله له عنهما، وأزال الحجاب بينه وبينهما، كما فرج له عن المسجد الأقصى حين وصفه، ويكون قوله- ﷺ: «فى عرض هذا الحائط» - كما فى رواية-: فى جهته وناحيته، ويحتمل أن تكون رؤية علم وعرض وحى باطلاعه وتعريفه من أمورهما مفصلا ما لم يعرفه قبل ذلك اليوم. قال القاضى: والأول أولى وأشبه بألفاظ الحديث، لما فيه من الأمور الدالة على رؤية العين، كتناوله العنقود، وتأخره مخافة أن يصيبه لفح النار. انتهى. واستشكل قوله: «ولو أصبته» مع قوله: «تناولت» . وأجيب: بحمل «التناول» على تكلف الأخذ، لا حقيقة الأخذ، وقيل: المراد تناولته لنفسى ولو أخذته لكم، حكاه الكرمانى، قال الحافظ ابن حجر: وليس بجيد، وقيل: المراد بقوله تناولت: وضعت يدى عليه، بحيث كنت قادرا على
وقيل: المراد تناولته لنفسى ولو أخذته لكم، حكاه الكرمانى، قال الحافظ ابن حجر: وليس بجيد، وقيل: المراد بقوله تناولت: وضعت يدى عليه، بحيث كنت قادرا على
تحويله، لكن لم يقدر لى قطفه، ولو أصبته، أى لو تمكنت من قطفه، ويدل عليه من قوله فى حديث عقبة بن عامر عند ابن خزيمة «أهوى بيده ليتناول شيئا» وفى حديث أسماء عند البخارى «حتى لو اجترأت عليه» وكأنه لم يؤذن له فى ذلك فلم يجترئ عليه. قال ابن بطال: لم يأخذ العنقود لأنه من طعام الجنة، وهو لا يفنى والدنيا فانية لا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يفنى. انتهى. وفى حديث أسماء بنت أبى بكر، عند البخارى ومسلم ومالك والنسائى قال: ما من شئ كنت لم أره إلا رأيته فى مقامى هذا حتى الجنة والنار، ولقد أوحى إلىّ أنكم تفتنون فى قبوركم، مثل أو قريبا- لا أدرى أى ذلك قالت أسماء- من فتنة المسيح الدجال. يؤتى أحدكم فى قبره فيقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن- لا أدرى أى ذلك قالت أسماء- فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا واتبعنا، هو محمد ثلاثا، فيقال: نم صالحا، قد علمنا إن كنت لموقنا، وأما المنافق أو المرتاب- لا أدرى أى ذلك قالت أسماء- فيقول: لا أدرى، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته. وفى رواية: فرأى امرأة تخدشها هرة، ربطتها حتى ماتت جوعا وعطشا. وفى رواية: فرأى عمرو بن مالك يجر قصبه فى النار، وكان أول من غير دين إبراهيم، ورأى فيها سارق الحاج يعذب «١» . قوله: «قصبه» بضم القاف وسكون الصاد، أى أمعاءه. وفى رواية عائشة: ثم قال: «يا أمة محمد، والله ما من أحد أغير من الله أن يزنى عبده أو تزنى أمته، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، ألا هل بلغت» «٢» . أى لو تعلمون من عظم انتقام الله من أهل الجرائم وشدة عقابه وأهوال
القيامة ما أعلم، وما بعدها. كما علمت وترون النار كما رأيت فى مقامى هذا وفى غيره لبكيتم كثيرا، ولقلّ ضحككم لتفكركم فيما علمتوه. وفى حديث عائشة عند البخارى. فخرج إلى المسجد، فصف الناس وراءه، فكبرنا فاقترأ رسول الله- ﷺ قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعا طويلا، ثم قال: «سمع الله لمن حمده» فقام ولم يسجد، وقرأ قراءة طويلة، وهى أدنى من القراءة الأولى، وزاد فى رواية: «ربنا ولك الحمد» «١» . واستدل به على استحباب الذكر المشروع فى الاعتدال فى أول القيام الثانى من الركعة الأولى. واستشكله بعض متأخرى الشافعية من جهة كونه قيام قراءة لا قيام اعتدال، بدليل اتفاق العلماء ممن قال بزيادة الركوع فى كل ركعة على قراءة الفاتحة فيه، وإن كان محمد بن مسلمة المالكى خالف فيه. والجواب: إن صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة، فلا مدخل للقياس فيها، بل كل ما ثبت أنه- ﷺ فعله فيها كان مشروعا، لأنها أصل برأسها. وبهذا المعنى رد الجمهور على من قاسها على صلاة النافلة، حتى منع من زيادة الركوع فيها، فصلاة الكسوف أشبه شئ بصلاة العيد ونحوها، مما يجمع فيه من مطلق النوافل، فامتازت صلاة الجنازة بترك الركوع والسجود، وصلاة العيد بزيادة التكبيرات، وصلاة الخوف بزيادة الأفعال الكثيرة واستدبار القبلة، فكذلك اختصت صلاة الكسوف بزيادة الركوع، فالآخذ به جامع بين العملين بالنص والقياس بخلاف من لم يعمل به. وقد تبين أن لصلاة الكسوف هيئة تخصها من التطويل الزائد على العادة فى القيام وغيره، ومن زيادة ركوع فى كل ركعة، وقد وردت زيادة فى ذلك من طرق أخر، فعند مسلم من وجه آخر عن عائشة، وآخر عن جابر أن فى كل ركعة ثلاث ركوعات «٢» ، وعنده من وجه آخر عن ابن عباس: أن فى كل ركعة أربع ركوعات، ولأبى داود من حديث أبى بن كعب، والبزار من
ئشة، وآخر عن جابر أن فى كل ركعة ثلاث ركوعات «٢» ، وعنده من وجه آخر عن ابن عباس: أن فى كل ركعة أربع ركوعات، ولأبى داود من حديث أبى بن كعب، والبزار من
حديث على: أن فى كل ركعة خمس ركوعات ولا يخلو إسناد منها من علة «١» . ونقل ابن القيم فى «الهدى» عن الشافعى وأحمد والبخارى: أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعين فى كل ركعة غلطا من بعض الرواة، فإن أكثر طرق الحديث يمكن رد بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم مات إبراهيم- ﵇ وإذا اتحدت القصة تعين الأخذ بالراجح. وقال ابن خزيمة وابن المنذر والخطابى وغيرهم من الشافعية: يجوز العمل بجميع ما ثبت من ذلك. وهو من الاختلاف المباح، وقواه النووى فى شرح مسلم. وأبدى بعضهم أن حكمة الزيادة فى الركوع والنقص كان بحسب سرعة الانجلاء وبطئه، فحين وقع الانجلاء فى أول ركوع اقتصر على مثل النافلة، وحين أبطأ زاد ركوعا، وحين زاد فى الإبطاء زاد ثالثا، وهكذا إلى غاية ما ورد فى ذلك. وتعقبه النووى وغيره: بأن إبطاء الانجلاء وعدمه لا يعلم فى أول الحال، ولا فى الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع فى الركعتين سواء، وهذا يدل على أنه مقصود فى نفسه، منوى من أول الحال. انتهى ملخصا من فتح البارى. وعند الإمام أحمد: أنه لما سلم حمد الله وأثنى عليه، وشهد أن لا إله إلا الله، وشهد أنه عبد الله ورسوله، ثم قال: «يا أيها الناس، أنشدكم بالله إن كنتم تعلمون أنى قصرت عن شئ من تبليغ رسالات ربى لما أخبرتمونى ذلك» فقام رجل فقال: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك ونصحت لأمتك وقضيت الذى عليك، ثم قال: «وايم الله لقد رأيت منذ قمت أصلى ما أنتم لاقون من أمر دنياكم وآخرتكم، وإنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا، آخرهم الأعور الدجال، من تبعه لم ينفعه صالح من عمله» «٢» .
أصلى ما أنتم لاقون من أمر دنياكم وآخرتكم، وإنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا، آخرهم الأعور الدجال، من تبعه لم ينفعه صالح من عمله» «٢» .
وفى البخارى: وقالت عائشة وأسماء: خطب النبى- ﷺ. وقد اختلف فى الخطبة فيه، فاستحبها الشافعى وإسحاق وأكثر أهل الحديث. وقال ابن قدامة لم يبلغنا عن أحمد ذلك. وقال صاحب الهداية من الحنفية ليس فى الكسوف خطبة لأنه لم ينقل. وتعقب بأن الأحاديث ثبتت فيه، وهى ذات كثرة. والمشهور عند المالكية أنه لا خطبة لها، مع أن مالكا روى الحديث وفيه ذكر الخطبة، وأجاب بعضهم: بأنه- ﷺ لم يقصد بها الخطبة بخصوصها، وإنما أراد أن يبين لهم الرد على من يعتقد أن الكسوف لموت بعض الناس. وتعقب: بما فى الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة، وحكاية شرائطها من الحمد والثناء والموعظة وغير ذلك مما تضمنته الأحاديث، فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف، والأصل مشروعية الاتباع، والخصائص لا تثبت إلا بدليل، انتهى. وعن المغيرة بن شعبة عند البخارى: كسفت الشمس على عهد رسول الله- ﷺ يوم مات إبراهيم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله- ﷺ: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا الله» «١» . وإبراهيم هو ابن النبى- ﷺ، وقد ذكر جمهور أهل السير أنه مات
فى السنة العاشرة من الهجرة، فقيل فى ربيع الأول، وقيل فى رمضان، وقيل فى ذى الحجة، والأكثر على أنها وقعت فى عاشر الشهر، وقيل فى رابعه وقيل فى رابع عشره، ولا يصح شئ منها على قول ذى الحجة، لأن النبى- ﷺ كان إذ ذاك بمكة فى الحج، وقد ثبت أنه شهد وفاته، وكانت بالمدينة بلا خلاف. نعم قيل إنه مات سنة تسع، فإن ثبت فيصح، وجزم النووى بأنها كانت سنة الحديبية فلعل ذلك كان فى آخر ذى القعدة حين رجع منها. وفى هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب فى الأرض. قال الخطابى: كانوا فى الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير فى الأرض، من موت أو ضرر، فأعلم النبى- ﷺ أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخران لله، ليس لهما سلطان فى غيرهما، ولا قدرة للدفع عن أنفسهما. وعن عبد الله بن عمرو قال: لما كسفت الشمس على عهد رسول الله- ﷺ نودى: أن الصلاة جامعة «١» . رواه البخارى: وقوله: «أن» بفتح الهمزة وتخفيف النون، وهى المفسرة. وفى رواية له ولمسلم، من حديث عائشة: بعث النبى- ﷺ مناديا فنادى: الصلاة جامعة «٢» . قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث حجة لمن استحب ذلك. وقد أجمعوا على أنه لا يؤذن له ولا يقام. وروى ابن حبان أنه- ﷺ صلى فى كسوف الشمس والقمر ركعتين مثل صلاتكم «٣» ، وأخرجه الدار قطنى أيضا. وفيه: رد
ذلك. وقد أجمعوا على أنه لا يؤذن له ولا يقام. وروى ابن حبان أنه- ﷺ صلى فى كسوف الشمس والقمر ركعتين مثل صلاتكم «٣» ، وأخرجه الدار قطنى أيضا. وفيه: رد
على من أطلق- كابن رشيد- أنه- ﷺ لم يصل فى كسوف القمر، ومنهم من أول قوله: «صلى» أى أمر بالصلاة، جمعا بين الروايتين. وقال ابن القيم فى «الهدى» : لم ينقل أنه- ﷺ صلى فى كسوف القمر فى جماعة، لكن حكى ابن حبان فى السيرة له: أن القمر خسف فى السنة الخامسة، فصلى النبى- ﷺ بأصحابه صلاة الكسوف، فكانت أول صلاة كسوف فى الإسلام، وهذا إن ثبت انتفى التأويل المذكور. وقد جزم به مغلطاى فى سيرته المختصرة، وتبعه الحافظ زين الدين العراقى فى نظمها. وفى البخارى من حديث عائشة: جهر النبى- ﷺ فى صلاة الخسوف بقراءته. فإذا فرغ من قراءته كبر فركع، فإذا فرغ من الركعة قال: «سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد» ثم يعاود القراءة فى صلاة الكسوف، أربع ركعات وأربع سجدات «١» . واستدل به على الجهر فيها بالنهار، وحمله جماعة ممن لم ير ذلك على كسوف القمر. قال الحافظ ابن حجر: وليس بجيد، لأن الإسماعيلى روى هذا الحديث من وجه آخر عن الوليد بلفظ كسفت الشمس فى عهد رسول الله- ﷺ، وفى مسند أبى داود الطيالسى أنه- ﷺ جهر بالقراءة فى صلاة الكسوف «٢» . وقد ورد فيها عن على مرفوعا وموقوفا. أخرجه ابن خزيمة وغيره. وقال به صاحبا أبى حنيفة وأحمد وإسحاق وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهما من محدثى الشافعية وابن العربى من المالكية. وقال الطبرى: يخير بين الجهر والإسرار. وقال الأئمة الثلاثة: يسر فى الشمس ويجهر فى القمر.
واحتج الشافعى بقول ابن عباس: «قرأ نحوا من سورة البقرة» «١» لأنه لو جهر لم يحتج إلى التقدير. وقد روى الشافعى تعليقا عن ابن عباس أنه صلى بجنب النبى- ﷺ فى الكسوف فلم يسمع منه حرفا «٢» ، ووصله البيهقى من ثلاثة طرق أسانيدها واهية. وعلى تقدير صحتها فمثبت الجهر معه قدر زائد فالأخذ به أولى. قال ابن العربى: الجهر عندى أولى، لأنها صلاة جماعة ينادى لها ويخطب فأشبهت العيد والاستسقاء. انتهى ملخصا والله أعلم.
لجهر معه قدر زائد فالأخذ به أولى. قال ابن العربى: الجهر عندى أولى، لأنها صلاة جماعة ينادى لها ويخطب فأشبهت العيد والاستسقاء. انتهى ملخصا والله أعلم.
الفصل الثانى فى صلاته ص صلاة الاستسقاء اعلم أن الاستسقاء طلب السقيا من الله تعالى عند الحاجة إليها، كما تقول: استعطى: أى طلب العطاء. ولم يخالف أحد من العلماء فى سنية الصلاة فى الاستسقاء إلا أبو حنيفة محتجا بأحاديث الاستسقاء التى ليس فيها صلاة. واحتج الجمهور بالأحاديث الثابتة فى الصحيحين وغيرهما: أنه- ﷺ صلى الاستسقاء ركعتين «٣» . وأما الأحاديث التى ليس فيها الصلاة، فبعضها محمول على نسيان الراوى، وبعضها كان فى الخطبة للجمعة، وتعقبه صلاة الجمعة فاكتفى بها، ولو لم تصل أصلا كان بيانا لجواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة، ولا خلاف فى جوازه، وتكون الأحاديث المثبتة للصلاة مقدمة لأن فيها زيادة علم، ولا معارضة بينهما، والاستسقاء أنواع: الأول: الاستسقاء بصلاة ركعتين وخطبتين، ويتأهب قبله بصدقة وصيام
وتوبة، وإقبال على الخير ومجانبة الشر ونحو ذلك من طاعة الله تعالى. قال ابن عباس: خرج رسول الله- ﷺ متبذلا متواضعا متخشعا متضرعا حتى أتى المصلى، فرقى المنبر، فلم يخطب خطبتكم هذه ولكن لم يزل فى الدعاء والتضرع والتكبير، ثم صلى ركعتين كما صلى فى العيد «١» . رواه الترمذى وغيره. وفى حديث عبد الله بن زيد المازنى، قال: خرج رسول الله- ﷺ إلى هذا المصلى ليستسقى، ثم استقبل القبلة وقلب رداءه، ثم صلى «٢» . رواه البخارى ومسلم. وفى رواية: خرج بالناس إلى المصلى ليستسقى فصلى بهم ركعتين جهر فيهما بالقراءة واستقبل يدعو، ورفع يديه وحول رداءه حين استقبل القبلة «٣» . وفى رواية؛ قال: وحول رداءه وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن ثم دعا الله «٤» .



