— Bagian 41 · قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف فى شئ من طرق حديث عب… —
Bagian 41
قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف فى شئ من طرق حديث عبد الله بن زيد على سبب ذلك ولا على صفته- ﷺ حال الذهاب إلى المصلى، ولا على وقت ذهابه، وقد وقع ذلك فى حديث عائشة عند أبى داود وابن حبان قالت: شكا الناس إلى رسول الله- ﷺ قحط المطر، فأمر بمنبر فوضع له فى المصلى، ووعد الناس يوما يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر فكبر وحمد الله، ثم قال: «إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ «١» ، الذى لا إله إلا هو، يفعل ما يريد، اللهم أنت الله الذى لا إله إلا أنت الغنى ونحن الفقراء، اللهم أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين» ، ثم رفع يديه حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب- أو حول- رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس، ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابا، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه، فقال: «أشهد أن الله على كل شئ قدير، وأنى عبد الله ورسوله» «٢» . وقد حكى ابن المنذر الاختلاف فى وقتها، والراجح أنه لا وقت لها معين، وإن كان أكثر أحكامها كالعيد، لكنها تخالفه بأنها لا تختص بيوم معين، وهل تصنع بالليل؟ استنبط بعضهم من كونه- ﷺ جهر بالقراءة فيها بالنهار، أنها نهارية كالعيد، وإلا فلو كانت تصلى بالليل لأسر فيها بالنهار وجهر بالليل كمطلق النوافل. ونقل ابن قدامة الإجماع على أنها لا تصلى فى وقت الكراهة. وأفاد ابن حبان أن خروجه- ﷺ إلى المصلى للاستسقاء كان فى شهر رمضان سنة
ر بالليل كمطلق النوافل. ونقل ابن قدامة الإجماع على أنها لا تصلى فى وقت الكراهة. وأفاد ابن حبان أن خروجه- ﷺ إلى المصلى للاستسقاء كان فى شهر رمضان سنة
ست من الهجرة. وذكر الواقدى: أن طول ردائه- ﷺ كان ستة أذرع فى ثلاثة أذرع، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين فى ذراعين وشبر، كان يلبسهما فى الجمعة والعيدين. وقد روى أبو داود عن عباد: استسقى رسول الله- ﷺ وعليه خميصة سوداء فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه «١» . وقد استحب الشافعى فى الجديد فعل ما همّ به- ﷺ من تنكيس الرداء مع التحويل الموصوف. وزعم القرطبى تبعا لغيره أن الشافعى اختار فى الجديد تنكيس الرداء لا تحويله، والذى فى الأم ما ذكرته. والجمهور على استحباب التحويل فقط. ولا ريب أن الذى استحبه الشافعى أحوط. وعن أبى حنيفة وبعض المالكية: لا يستحب شئ من ذلك. واستحب الجمهور أن يحول الناس بتحويل الإمام، ويشهد له ما رواه أحمد من طريق أخرى عن عباد فى هذا الحديث بلفظ: «وحول الناس معه» «٢» . وقال الليث وأبو يوسف: يحول الإمام وحده. واستثنى ابن الماجشون النساء فقال: لا يستحب فى حقهن. واختلف فى حكمة هذا التحويل فجزم المهلب بأنه للتفاؤل بتحويل الحال عما هى عليه. وتعقبه ابن العربى بأن من شرط الفأل أن لا يقصد إليه، قال: وإنما التحويل أمارة بينه وبين ربه، قيل له حول رداءك ليتحول حالك. وتعقب بأن الذى جزم به يحتاج إلى نقل، والذى رده ورد فيه حديث رجاله ثقات، أخرجه الدار قطنى والحاكم من طريق جعفر بن محمد بن على عن أبيه عن جابر. ورجح الدار قطنى إرساله. وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظن.
حديث رجاله ثقات، أخرجه الدار قطنى والحاكم من طريق جعفر بن محمد بن على عن أبيه عن جابر. ورجح الدار قطنى إرساله. وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظن.
واستدل بقوله فى حديث عائشة: «ثم صلى ركعتين» بعد قوله: «فقعد على المنبر» على أن الخطبة فى الاستسقاء قبل الصلاة، وهى مقتضى حديث ابن عباس، لكن وقع عند أحمد فى حديث عبد الله بن زيد التصريح بأنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وكذا فى حديث أبى هريرة عند ابن ماجه، حيث قال: فصلى بنا ركعتين بغير أذان ولا إقامة «١» ، والمرجح عند الشافعية والمالكية الثانى. ولم يقع فى شئ من طرق حديث عبد الله بن زيد صفة الصلاة المذكورة ولا ما يقرأ فيها، وقد أخرج الدار قطنى من حديث ابن عباس أنه يكبر فيهما سبعا وخمسا كالعيد، وأنه يقرأ فيهما ب سَبِّحِ «٢» وهَلْ أَتاكَ «٣» «٤» . وفى إسناده مقال. لكن أصله فى السنن بلفظ: ثم صلى ركعتين كما يصلى فى العيدين. فأخذ بظاهره الشافعى فقال يكبر فيهما. الثانى: استسقاؤه- ﷺ فى خطبة الجمعة. عن أنس: أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله- ﷺ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله- ﷺ قائما، ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، قال: فرفع رسول الله- ﷺ يديه ثم قال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا» ، قال أنس: ولا والله ما نرى فى السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين «سلع» من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت. قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتا، قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب فى الجمعة المقبلة، ورسول الله- ﷺ قائم يخطب، فاستقبله قائما، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع
الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله- ﷺ يديه ثم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر» ، قال: فانقطعت وخرجنا نمشى فى الشمس. قال شريك: فسألت أنس بن مالك: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدرى «١» . رواه مسلم. وفى رواية قال: فما يشير بيده إلى ناحية إلا تفرجت، حتى رأيت المدينة مثل الجوبة، وسال وادى قناة شهرا. ولم يجئ أحدا من ناحية إلا أخبر بجود «٢» . وقوله: «يغيثنا» بفتح أوله، يقال: غاث الله البلاد يغيثها، إذا أرسل عليها المطر. وقوله: «من باب كان نحو دار القضاء» هى دار عمر بن الخطاب وسميت بذلك لأنها بيعت فى قضاء دينه. وقوله: «هلكت الأموال» ، وفى رواية كريمة وأبى ذر عند الكشميهنى: هلكت المواشى، وهى المراد بالأموال هنا: وفى رواية البخارى: هلك الكراع- بضم الكاف- وهو يطلق على الخيل وغيرها، وفى البخارى أيضا: هلكت الماشية، هلك العيال، هلك الناس، وهو من ذكر العام بعد الخاص. والمراد بهلاكهم: عدم وجود ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر. وانقطعت السبل: لأن الإبل ضعفت لقلة القوت عن السفر، أو لكونها لا تجد فى طريقها من الكلأ ما يقيم أودها. و «الآكام» بكسر الهمزة، وقد تفتح وتمد: جمع «أكمة» - بفتحات-: التراب المجتمع، وقيل: الجبل الصغير، وقيل؛ ما ارتفع من الأرض. و «الظراب» بكسر المعجمة، جمع «ظرب» - بكسر الراء-: الجبل المنبسط العالى. وقوله: «مثل الجوبة» بفتح الجيم، وسكون الواو، وفتح الموحدة، هى الحفرة المستديرة الواسعة، والمراد بها هنا: الفرجة فى السحاب. و «الجود» : المطر الغزير. وقوله: «قناة شهرا» : أى جرى فيه المطر من الماء شهرا. وفى هذا دليل على عظم معجزته- ﷺ، وهو أن سخرت السحاب
الفرجة فى السحاب. و «الجود» : المطر الغزير. وقوله: «قناة شهرا» : أى جرى فيه المطر من الماء شهرا. وفى هذا دليل على عظم معجزته- ﷺ، وهو أن سخرت السحاب
له كلما أشار إليها امتثلت أمره بالإشارة دون كلام، لأن كلامه- ﷺ مناجاة للحق تعالى، وأما السحاب فبالإشارة، فلولا الأمر لها بالطاعة له- ﷺ لما كان ذلك، لأنها أيضا- كما جاء- مأمورة حيث تسير، وقدر ما تقيم، وأين تقيم. ورحم الله الشقراطيسى فلقد أحسن حيث قال: دعوت للخلق عام المحل مبتهلا ... أفديك بالخلق من داع ومبتهل صعّدت كفيك إذ كفّ الغمام فما ... صوبت إلا بصوب الواكف الهطل أراق بالأرض ثجا صوب ريقه ... فحل بالروض نسجا رائق الحلل زهر من النور حلت روض أرضهم ... زهرا من النّور صافى النبت مكتمل من كل غصن نضير مورق خضر ... وكل نور نضيد مونق خضل تحية أحيت الأحياء من مضر ... بعد المضرة تروى السبل بالسبل دامت على الأرض سبعا غير مقلعة ... لولا دعاؤك بالإقلاع لم تزل وقوله فى الحديث «سبتا» : أى من السبت إلى السبت. وقوله: «ثم دخل رجل» الظاهر أنه غير الأول، لأن النكرة إذا تكررت دلت على التعدد، وفى رواية ابن إسحاق: فقام الرجل أو غيره، وفى رواية لمسلم: فتقشعت عن المدينة فجعلت تمطر حواليها وما تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة وإنها لفى مثل الإكليل- وهو بكسر الهمزة وسكون الكاف: كل شئ دار من جوانبه، واشتهر لما يوضع على الرأس فيحيط به، وهو من ملابس الملوك كالتاج-. وفى رواية له أيضا: فألف الله بين السحاب ومكثت حتى رأيت الرجل الشديد تهمه نفسه أن يأتى أهله، وفى رواية له أيضا: فرأيت السحاب يتمزق كأنه الملاء حين تطوى. والملاء: بضم الميم والقصر وقد تمد، جمع ملاءة وهى ثوب معروف. واستدل بهذا الحديث على جواز الاستسقاء بغير صلاة مخصوصة، وعلى أن الاستسقاء ليس فيه صلاة. فأما الأول فقال به الشافعى، وأما الثانى
ملاءة وهى ثوب معروف. واستدل بهذا الحديث على جواز الاستسقاء بغير صلاة مخصوصة، وعلى أن الاستسقاء ليس فيه صلاة. فأما الأول فقال به الشافعى، وأما الثانى
فقال به أبو حنيفة، وتعقب: بأن الذى وقع فى هذه القصة مجرد دعاء، لا ينافى مشروعية الصلاة لها، وقد ثبت فى واقعة أخرى كما تقدم، والله أعلم. الثالث: استسقاؤه- ﷺ على منبر المدينة. روى البيهقى فى الدلائل من طريق يزيد بن عبيد السلمى قال: لما قفل رسول الله- ﷺ من غزوة تبوك أتاه وفد من بنى فزارة، بضعة عشر رجلا، وفيهم خارجة بن حصن، والحر بن قيس، وهو أصغرهم، فنزلوا فى دار رملة بنت الحارث من الأنصار، وقدموا على إبل عجاف مسنتون، فأتوا مقرين بالإسلام، فسألهم رسول الله- ﷺ عن بلادهم فقالوا: يا رسول الله أسنتت بلادنا، وأجدب جنابنا، وغرث عيالنا وهلكت مواشينا، فادع ربك أن يغيثنا، وتشفع لنا إلى ربك، ويشفع ربك إليك، فقال- ﷺ: «سبحان الله!! ويلك، أنا شفعت إلى ربى، فمن ذا الذى يشفع ربنا إليه، لا إله إلا هو العلى العظيم، وسع كرسيه السموات والأرض، وهو يئط من عظمته وجلاله كما يئط من عظمته وجلاله كما يئط الرحل الجديد» فقال النبى- ﷺ: «إن الله ليضحك من شفقكم وقرب غياثكم» ، فقال أعرابى: أو يضحك ربنا يا رسول الله؟ قال: «نعم» ، فقال الأعرابى: لن نعدم يا رسول الله من رب يضحك خيرا. فضحك- ﷺ من قوله، فقام- ﷺ فصعد المنبر وتكلم بكلمات ورفع يديه، وكان رسول الله- ﷺ لا يرفع يديه فى شئ من الدعاء إلا فى الاستسقاء، فرفع يديه حتى رؤى بياض إبطيه، وكان مما حفظ من دعاءه: «اللهم اسق بلدك وبهيمتك، وانشر رحمتك، وأحى بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مربعا طبقا واسعا، عاجلا غير آجل نافعا غير ضار، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء» . فقام أبو لبابة بن عبد المنذر فقال: يا رسول الله إن التمر فى المربد، فقال- ﷺ: «اللهم اسقنا» ، فقال أبو لبابة: إن التمر فى المرابد، ثلاث
مرات، فقال- ﷺ: «اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره» . قال: فلا والله ما فى السماء من قزعة ولا سحاب، وما بين المسجد وسلع من بناء ولا دار، فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، وهم ينظرون، ثم أمطرت، فو الله ما رأوا الشمس سبتا، وقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره لئلا يخرج التمر منه. فقال الرجل: يا رسول الله- يعنى الذى سأله أن يستسقى له-: هلكت الأموال، وانقطعت السبل. فصعد- ﷺ المنبر فدعا ورفع يديه مدّا، حتى رؤى بياض إبطيه ثم قال: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر» فانجابت السحابة عن المدينة كانجياب الثوب «١» . و «الأطيط» صوت الأقتاب، يعنى: أن الكرسى ليعجز عن حمله وعظمته، إذ كان معلوما أن أطيط الرحل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه، وعجزه عن احتماله. وهذا مثل لعظمته تعالى وجلاله، ولم يكن أطيط وإنما هو كلام تقريب، أريد به تقرير عظمة الله تعالى. وقوله: «طبقا» بفتح الطاء والموحدة، أى مالئا للأرض مغطيا لها، يقال: غيث طبق أى عام واسع. و «المربد» : موضع يجفف فيه التمر. و «ثعلبه» ثقبه الذى يسيل منه ماء المطر. وعن أنس بن مالك قال: جاء أعرابى إلى رسول الله- ﷺ فقال: يا رسول الله أتيناك وما لنا صبى يغط، ولا بعير يئط- أى ما لنا بعير أصلا لأن البعير لا بد أن يئط- وأنشد: أتيناك والعذراء يدمى لبانها ... وقد شغلت أم الصبى عن الطفل وألقى بكفيه الفتى لاستكانة ... من الجوع ضعفا ما يمر ولا يحلى
البعير لا بد أن يئط- وأنشد: أتيناك والعذراء يدمى لبانها ... وقد شغلت أم الصبى عن الطفل وألقى بكفيه الفتى لاستكانة ... من الجوع ضعفا ما يمر ولا يحلى
ولا شئ مما يأكل الناس عندنا ... سوى الحنظل العامى والعلهز الغسل وليس لنا إلا إليك فرارنا ... وأين فرار الناس إلا إلى الرسل فقام- ﷺ يجر رداءه، حتى صعد المنبر، فرفع يديه إلى السماء ثم قال: «اللهم اسقنا غيثا مغيثا مربعا غدقا طبقا نافعا غير ضار، عاجلا غير رائث، تملأ به الضرع وتنبت به الزرع، وتحيى به الأرض بعد موتها» قال: فما رد- ﷺ يديه إلى نحره حتى ألقت السماء بأبراقها، وجاء أهل البطانة يضجون: الغرق الغرق، فقال- ﷺ: «حوالينا ولا علينا» فانجاب السحاب عن المدينة حتى أحدق بها كالإكليل. وضحك- ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: «لله در أبى طالب، لو كان حيّا لقرت عيناه. من ينشدنا قوله؟» فقال على: يا رسول الله كأنك تريد قوله: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل تطيف به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده فى نعمة وفواضل كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ... ولما نطاعن حوله ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل فقال: «أجل» رواه البيهقى. وقوله: «يدمى لبانها» أى يدمى صدرها لامتهانها نفسها فى الخدمة حيث لا تجد ما تعطيه من يخدمها من الجدب وشدة الزمان، وأصل اللبان من الفرس موضع اللبب ثم استعير للناس. وقوله: «ما يمر وما يحلى» أى ما ينطق بخير ولا بشر من الجوع والضعف. وقوله: «سوى الحنظل العامى» نسبة إلى العام، لأنه يتخذ فى عام الجدب، كما قالوا للجدب: السنة. «والعلهز» بالكسر، طعام كانوا يتخذونه من الدم ووبر البعير فى سنى المجاعة. قاله الجوهرى. و «الغسل» الرذل، قال السهيلى: فإن قلت: كيف قال أبو طالب «وأبيض يستسقى الغمام بوجهه» ولم يره قط يستسقى، وإنما كان ذلك منه بعد الهجرة؟
. قاله الجوهرى. و «الغسل» الرذل، قال السهيلى: فإن قلت: كيف قال أبو طالب «وأبيض يستسقى الغمام بوجهه» ولم يره قط يستسقى، وإنما كان ذلك منه بعد الهجرة؟
وأجاب بما حاصله: أن أبو طالب أشار إلى ما وقع فى زمن عبد المطلب، حيث استسقى لقريش والنبى- ﷺ معه وهو غلام. انتهى. وقال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون أبو طالب مدحه بذلك لما رأى من مخايل ذلك فيه، وإن لم يشاهد ذلك فيه. انتهى. قلت: وقد أخرج ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال: قدمت مكة، وهم فى قحط، فقالت قريش: يا أبا طالب، أقحط الوادى وأجدب العيال وأنت فيهم أما تستسقى؟ فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجن تجلت عنه سحابة قتماء، وحوله أغيلمة، فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ الغلام بأصبعه وما فى السماء قزعة، فأقبل السحاب من ها هنا وها هنا، وأغدق واغدودق وانفجر له الوادى وأخصب النادى والبادى، وفى ذلك يقول أبو طالب «وأبيض يستسقى الغمام بوجهه» انتهى. الرابع: استسقاؤه- ﷺ بالدعاء من غير صلاة. عن ابن مسعود أن قريشا أبطؤوا عن الإسلام، فدعا عليهم رسول الله- ﷺ فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام، فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد، جئت تأمر بصلة الرحم، وإن قومك هلكوا، فادع الله، فقرأ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ «١» ، ثم عادوا إلى كفرهم، فذلك قوله تعالى: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى «٢» ، يوم بدر. زاد أسباط عن منصور: فدعا رسول الله- ﷺ فسقوا الغيث، فأطبقت عليهم سبعا، وشكا الناس كثرة المطر فقال: «اللهم حوالينا ولا علينا» فانحدرت السحابة عن رأسه، فسقوا الناس حولهم «٣» . رواه البخارى. وأفاد الدمياطى أن ابتداء الدعاء على قريش كان عقب طرحهم على ظهره سلا الجزور، وكان ذلك بمكة قبل الهجرة، وقد دعا النبى- ﷺ
بذلك بالمدينة فى القنوت كما فى حديث أبى هريرة عند البخارى، ولا يلزم من ذلك اتحاد هذه القصص، إذ لا مانع أن يدعو عليهم مرارا. والظاهر أن مجئ أبى سفيان كان قبل الهجرة لقول ابن مسعود: «ثم عادوا، فذلك قوله: يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى «١» يوم بدر» ولم ينقل أن أبا سفيان قدم المدينة قبل بدر. وعلى هذا فيحتمل أن يكون أبو طالب كان حاضرا ذلك، فلذلك قال: «وأبيض يستسقى الغمام بوجهه» لكن ورد ما يدل على أن القصة وقعت بالمدينة، فإن لم يحمل على التعدد وإلا فهو مشكل. وفى الدلائل للبيهقى عن كعب بن مرة أو مرة بن كعب قال: دعا رسول الله- ﷺ على مضر، فأتاه أبو سفيان فقال: ادع الله لقومك قد هلكوا. وقد رواه أحمد وابن ماجه عن كعب بن مرة، ولم يشك، وأبهم أبا سفيان فقال: جاءه رجل فقال: استسق الله لمضر، قال: يا رسول الله استنصرت الله فنصرك ودعوت الله فأجابك، فرفع يديه فقال: «اللهم اسقنا غيثا مغيثا» الحديث فظهر أن هذا الرجل المبهم المقول له: «إنك لجرئ» هو أبو سفيان. لكن يظهر أن فاعل «قال يا رسول الله استنصرت الله إلخ» هو كعب بن مرة راوى هذا الحديث، فما أخرجه أحمد والحاكم عن كعب بن مرة المذكور قال: «دعا رسول الله على مضر، فأتيته فقلت: يا رسول الله إن الله قد نصرك وأعطاك واستجاب لك، وإن قومك قد هلكوا» . وعلى هذا: فكأن أبا سفيان وكعبا حضرا جميعا، فكلمه أبو سفيان بشئ، فدل ذلك على اتحاد قصتهما، وقد ثبت فى هذه ما ثبت فى تلك من قوله «إنك لجرئ» ومن قوله: «اللهم حوالينا ولا علينا» . وسياق كعب بن مرة يشعر بأن ذلك وقع بالمدينة لقوله «استنصرت الله فنصرك» . ولا يلزم من هذا اتحاد هذه القصة مع قصة أنس السابقة، فهى واقعة أخرى، لأن فى رواية أنس «فلم ينزل عن المنبر حتى مطروا» وفى هذه «فما كان إلا جمعة أو نحوها حتى مطروا» ، والسائل فى هذه القصة غير السائل فى تلك، فهما قصتان، وقع فى كل منهما طلب الدعاء بالاستسقاء، ثم
مطروا» وفى هذه «فما كان إلا جمعة أو نحوها حتى مطروا» ، والسائل فى هذه القصة غير السائل فى تلك، فهما قصتان، وقع فى كل منهما طلب الدعاء بالاستسقاء، ثم
طلب الدعاء بالاستصحاء. وإن ثبت أن كعب بن مرة أسلم قبل الهجرة حمل قوله: «استنصرت الله فنصرك» على النصر بإجابة دعائه عليهم، وزال الإشكال المتقدم والله أعلم. انتهى ملخصا من فتح البارى. الخامس: استسقاؤه- ﷺ عند أحجار الزيت، قريبا من الزوراء، وهى خارج باب المسجد الذى يدعى باب السلام نحو قذفة بحجر، ينعطف على يمين الخارج من المسجد. عن عمير، مولى أبى اللحم، أنه رأى النبى- ﷺ يستسقى رافعا يديه قبل وجهه، لا يجاوزهما رأسه «١» ، رواه أبو داود والترمذى. السادس: استسقاؤه- ﷺ فى بعض غزواته، لما سبقه المشركون إلى الماء، فأصاب المسلمين العطش، فشكوا إلى رسول الله- ﷺ، وقال بعض المنافقين: لو كان نبيّا لاستسقى لقومه كما استسقى موسى لقومه، فبلغ ذلك النبى- ﷺ فقال: «أو قد قالوها، عسى ربكم أن يسقيكم» ، ثم بسط يديه ودعا، فما رد يديه من دعائه حتى أظلم السحاب وأمطروا إلى أن سال الوادى، فشرب الناس وارتووا.
الفصل الثالث عن سالم بن عبد الله عن أبيه مرفوعا: أنه كان إذا استسقى قال: اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد والبهائم والخلق من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدرّ لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعرى، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا، فأرسل السماء علينا مدرارا. رواه الشافعى.
اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعرى، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا، فأرسل السماء علينا مدرارا. رواه الشافعى.
الفصل الرابع روى أبو الجوزاء قال: قحط أهل المدينة قحطا شديدا، فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبى- ﷺ فاجعلوا منه كوى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، ففعلوا فمطروا حتى نبت العشب، وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمى عام الفتق. وروى ابن أبى شيبة بإسناد صحيح من رواية أبى صالح السمان، عن مالك الدار قال: أصاب الناس قحط فى زمن عمر بن الخطاب، فجاء رجل إلى قبر النبى- ﷺ فقال: يا رسول الله، استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتى الرجل فى المنام فقيل له: أئت عمر. وفى رواية عبد الرزاق: أن عمرا استسقى بالمصلى، فقال للعباس: قم فاستسق. وذكر الزبير بن بكار أن عمر بن الخطاب استسقى بالعباس عام الرمادة، بفتح الراء وتخفيف الميم- وسمى به لما حصل من شدة الجدب، فأغبرت الأرض جدّا لعدم المطر. وذكر ابن عساكر فى كتاب الاستسقاء أن العباس لما استسقى ذلك اليوم قال: اللهم إن عندك سحابا وعندك ماء، فانشر السحاب ثم أنزل منه الماء ثم أنزله علينا، واشدد به الأصل وأطل به الفرع وأدرّ به الضرع. اللهم تشفعنا إليك بمن لا منطق له من بهائمنا وأنعامنا، اللهم اسقنا سقيا وادعة بالغة طبقا، اللهم لا نرغب إلا إليك وحدك، لا شريك لك، اللهم نشكو إليك سغب كل ساغب، وعدم كل عادم، وجوع كل جائع، وعرى كل عار، وخوف كل خائف. وفى رواية الزبير بن بكار: أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم أنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه بى القوم إليك لمكانى من نبيك. وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا
الغيث. فأرخت السماء مثل الحبال، حتى أخصبت الأرض وعاش الناس. وعنده أيضا: قحط الناس فقال عمر أن رسول الله- ﷺ كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد فاقتدوا يا أيها الناس برسول الله- ﷺ فى عمه العباس، فاتخذوه وسيلة إلى الله. وفيه فما برحوا حتى سقوا، وفى ذلك يقول العباس بن عتبة بن أبى لهب: بعمى سقى الله الحجاز وأهله ... عشية يستسقى بشيبته عمر توجه بالعباس فى الجدب راغبا ... إليه فما إن رام حتى أتى المطر ومنا رسول الله فينا تراثه ... فهل فوق هذه للمفاخر مفتخر
القسم الثالث فى ذكر صلاته ص فى السفر وفيه فصول:
الفصل الأول فى قصره ص الصلاة فيه وأحكامه وفيه فرعان:
الفرع الأول فى كم كان ص يقصر الصلاة تقدم هل القصر رخصة أو عزيمة، وما استدل به لكل من القولين، فى أوائل هذا المقصد. وعن أنس بن مالك قال: صليت الظهر مع رسول الله- ﷺ بالمدينة أربعا، وخرج يريد مكة فصلى بذى الحليفة العصر ركعتين «١» . رواه البخارى ومسلم. وهذا الحديث مما احتج به أهل الظاهر فى جواز القصر فى طويل السفر وقصيره، فإن بين المدينة وذى الحليفة ستة أميال، ويقال سبعة. وقال الجمهور: لا يجوز القصر إلا فى سفر يبلغ مرحلتين، وقال أبو حنيفة وطائفة: شرطه ثلاث مراحل، واعتمدوا فى ذلك آثارا عن الصحابة. وأما هذا الحديث فلا دلالة فيه لأهل الظاهر، لأن المراد أنه- ﷺ حين سافر إلى مكة فى حجة الوداع صلى الظهر بالمدينة أربعا ثم سافر، فأدركته العصر
الصحابة. وأما هذا الحديث فلا دلالة فيه لأهل الظاهر، لأن المراد أنه- ﷺ حين سافر إلى مكة فى حجة الوداع صلى الظهر بالمدينة أربعا ثم سافر، فأدركته العصر
وهو مسافر بذى الحليفة، فصلاها ركعتين. وليس المراد أن ذا الحليفة غاية سفره، فلا دلالة فيه قطعا. والأحاديث المطلقة مع ظاهر القرآن متعاضدان على جواز القصر من حين يخرج من البلد، فإنه حينئذ يسمى مسافرا. وطويل السفر ثمانية وأربعون ميلا هاشمية، وهى ستة عشر فرسخا، وهى أربعة برد. والميل من الأرض منتهى مد البصر، لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه. وبذلك جزم ابن الجوزى. وقيل: حده أن تنظر إلى الشخص فى أرض مصطحبة فلا تدرى أهو رجل أو امرأة. أو هو ذاهب أو آت؟ قال النووى: الميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون أصبعا معترضة، وقد حرره غيره بذراع الحديد المستعمل الآن بمصر والحجاز فى هذه الأعصار فوجده ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثمن. فعلى هذا فالميل بذراع الحديد خمسة آلاف ذراع ومائتان وخمسون ذراعا، وهذه فائدة جليلة قل من تنبه لها. روى البيهقى عن عطاء أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين، أى يقصران فى أربعة برد فما فوقها. وذكره البخارى فى صحيحه تعليقا بصيغة الجزم. ورواه بعضهم عن صحيح ابن خزيمة مرفوعا من رواية ابن عباس. وقد كان فرض الصلاة ركعتين، فلما هاجر- ﷺ فرضت أربعا «١» . رواه البخارى من حديث عائشة لكن يعارضه حديث ابن عباس: فرضت الصلاة فى الحضر أربعا وفى السفر ركعتين «٢» . رواه مسلم. وجمع بينهما بما يطول ذكره. ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف منها فى السفر عند نزول قوله تعالى: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ «٣» ، ويؤيده ما ذكره ابن
الأثير فى شرح المسند أن قصر الصلاة كان فى السنة الرابعة من الهجرة، وقيل كان قصر الصلاة فى ربيع الآخر من السنة الثانية. ذكره الدولابى، وقيل بعد الهجرة بأربعين يوما.
لمسند أن قصر الصلاة كان فى السنة الرابعة من الهجرة، وقيل كان قصر الصلاة فى ربيع الآخر من السنة الثانية. ذكره الدولابى، وقيل بعد الهجرة بأربعين يوما.
الفرع الثانى فى القصر مع الإقامة عن أنس قال: خرجنا مع النبى- ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلى ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة. قيل له: أقمتم بمكة شيئا؟ قال: أقمنا بها عشرا «١» . رواه البخارى، ومسلم مختصرا قال: أقمنا مع النبى- ﷺ عشرة يقصر الصلاة «٢» . وعن ابن عباس: أقام النبى- ﷺ تسع عشرة يقصر الصلاة. فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا «٣» . رواه البخارى. وفى رواية أبى داود: أنه- ﷺ أقام سبعة عشر بمكة يقصر الصلاة «٤» . قال ابن عباس: فلو أقام أكثر أتم. والرواية الأولى بتقديم التاء على السين، والثانية بتقديم السين على الموحدة. ولأبى داود، من حديث عمران بن حصين: غزوت مع رسول الله- ﷺ الفتح، فأقام بمكة ثمانى عشرة ليلة لا يصلى إلا ركعتين «٥» . وله من طريق ابن إسحاق عن الزهرى عن عبيد الله عن ابن عباس: أقام- ﷺ بمكة عام الفتح خمسة عشر يوما يقصر الصلاة «٦» .
عشرة ليلة لا يصلى إلا ركعتين «٥» . وله من طريق ابن إسحاق عن الزهرى عن عبيد الله عن ابن عباس: أقام- ﷺ بمكة عام الفتح خمسة عشر يوما يقصر الصلاة «٦» .
وجمع البيهقى بين هذا الاختلاف: بأن من قال: «تسعة عشر» عد يومى الدخول والخروج، ومن قال: «سبعة عشر» حذفهما، وأما رواية «خمس عشرة» فضعفها النووى فى «الخلاصة» وليس بجيد، لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائى من رواية عراك بن مالك عن عبيد الله كذلك، فإذا ثبت أنها صحيحة فلتحمل على أن الراوى ظن أن رواية الأصل سبع عشرة، فحذف منها يومى الدخول والخروج، فذكر أنها خمس عشرة، واقتضى ذلك أن رواية «تسع عشرة» أرجح الروايات. وأخذ الشافعى بحديث عمران بن حصين، لكن محله عنده فيمن لم يزمع الإقامة، فإنه إذا مضت عليه المدة المذكورة وجب الإتمام، فإن أزمع الإقامة فى أول الحال على أربعة أيام أتم، على خلاف بين أصحابه فى دخول يومى الدخول والخروج فيها، أو: لا. ولا معارضة بين حديث ابن عباس وحديث أنس، لأن حديث ابن عباس كان فى فتح مكة، وحديث أنس كان فى حجة الوداع. وفى حديث ابن عباس: قدم- ﷺ وأصحابه- يعنى مكة- لصبح رابعة، ولا شك أنه خرج من مكة صبح الرابع عشر فتكون مدة الإقامة بمكة ونواحيها عشرة أيام بلياليها، كما قال أنس، وتكون مدة إقامته بمكة أربعة أيام سواء، لأنه قدم فى اليوم الرابع وخرج منها فى اليوم الثامن، فصلى الظهر فى منى، ومن ثم قال الشافعى: إن المسافر إذا أقام ببلدة قصر أربعة أيام، فالمدة التى فى حديث ابن عباس يسوغ الاستدلال بها على من لم ينو الإقامة بل كان مترددا، متى تهيأ له فراغ حاجته يرحل. والمدة التى فى حديث أنس يستدل بها على من نوى الإقامة، لأنه- ﷺ فى أيام الحج كان جازما بالإقامة تلك المدة، ووجه الدلالة من حديث ابن عباس: لما كان الأصل فى المقيم الإتمام فلما لم يجئ عنه- ﷺ أنه أقام فى حال السفر أكثر من تلك المدة جعلها غاية للقصر. والله أعلم.
الفصل الثانى فى الجمع وفيه فرعان أيضا:
الفرع الأول فى جمعه ﷺ عن أنس قال: كان رسول الله- ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، فإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب «١» . وفى رواية: أنه كان إذا أراد أن يجمع بين صلاتين فى السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر «٢» . وفى أخرى: كان إذا عجل عليه السير يؤخر الظهر إلى أول وقت العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء «٣» ، رواه البخارى ومسلم وأبو داود. وفى رواية البخارى: كان يجمع بين هاتين الصلاتين فى السفر «٤» ، يعنى: المغرب والعشاء. وفى حديث ابن عباس: كان- ﷺ يجمع بين صلاتى الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء «٥» ، رواه البخارى.
ولمسلم: جمع بين الصلاة فى سفرة سافرها فى غزوة تبوك، فجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء «١» . وله ولمالك وأبى داود والنسائى: أنهم خرجوا معه- ﷺ فى غزوة تبوك، فكان- ﷺ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فأخروا الظهر يوما، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ودخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا «٢» . وفى رواية أبى داود والترمذى من حديث معاذ بن جبل: كان فى غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، فإن رحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر، وفى المغرب مثل ذلك: إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء، ثم يجمع بينهما «٣» .
الفرع الثانى فى جمعه ص بجمع «٤» مزدلفة وبعرفة عن ابن عمر: أنه- ﷺ صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جمعا «٥» . رواه البخارى ومسلم ومالك وأبو داود. وزاد البخارى: كل واحدة منهما
ص بجمع «٤» مزدلفة وبعرفة عن ابن عمر: أنه- ﷺ صلى المغرب والعشاء بالمزدلفة جمعا «٥» . رواه البخارى ومسلم ومالك وأبو داود. وزاد البخارى: كل واحدة منهما
بإقامة ولم يسبح بينهما «١» . ولمسلم: جمع بين المغرب والعشاء بجمع، وصلى المغرب ثلاث ركعات، وصلى العشاء ركعتين «٢» . وفى حديث أبى أيوب الأنصارى، عند البخارى ومسلم: جمع فى حجة الوداع بين المغرب والعشاء فى المزدلفة «٣» . وفى رواية ابن عباس، عند النسائى: صلى المغرب والعشاء بإقامة واحدة «٤» . وفى رواية جعفر بن محمد عن أبيه عند أبى داود: صلى الظهر والعصر بأذان واحد بعرفة، ولم يسبح بينهما وإقامتين، وصلى المغرب والعشاء بجمع بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما «٥» .
الفصل الثالث فى ذكر صلاته ص النوافل فى السفر عن ابن عمر قال: سافرت مع النبى- ﷺ وأبى بكر وعمر وعثمان فكانوا يصلون الظهر والعصر ركعتين ركعتين، ولا يصلى قبلهما ولا بعدهما، وقال ابن عمر: لو كنت مصليا قبلهما أو بعدهما لأتممتهما «٦» . رواه الترمذى. وفى رواية: صحبت النبى- ﷺ فلم أره يسبح فى السفر «٧» ، أى
قبلهما ولا بعدهما، وقال ابن عمر: لو كنت مصليا قبلهما أو بعدهما لأتممتهما «٦» . رواه الترمذى. وفى رواية: صحبت النبى- ﷺ فلم أره يسبح فى السفر «٧» ، أى
تنفل للرواتب التى قبل الفرائض وبعدها. وهو مستفاد من قوله فى الرواية الآخرى، فكان لا يزيد فى السفر على ركعتين «١» . قال ابن دقيق العيد: وهذا اللفظ يحتمل أن يريد: لا يزيد على عدد ركعات الفرض، فيكون كناية عن نفى الإتمام، والمراد به الإخبار عن المداومة على القصر، ويحتمل أن يريد: لا يزيد نفلا، ويمكن أن يريد ما هو أعم من ذلك. وفى رواية مسلم: صحبت ابن عمر فى طريق مكة، فصلى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه، حتى جاء رجل فجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة فرأى ناسا قياما، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون، قال: لو كنت مسبحا لأتممت «٢» . قال النووى: أجابوا عن قول ابن عمر هذا بأن الفريضة محتمة، فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها، وأما النافلة فهى إلى خيرة المصلى، فطريق الرفق به أن تكون مشروعة، ويخير فيها. انتهى. وتعقب: بأن مراد ابن عمر بقول: «لو كنت مسبحا لأتممت» يعنى أنه لو كان مخيرا بين الإتمام وصلاة الراتبة لكان الإتمام أحب إليه لكنه فهم من القصر التخفيف، فلذلك كان لا يصلى الراتبة ولا يتم. وفى البخارى، من حديث ابن عمر: كان- ﷺ يوتر على راحلته «٣» ، وبوب عليه «باب الوتر فى السفر» ، وأشار به إلى الرد على من قال: «لا يسن الوتر فى السفر» ، وهو منقول عن الضحاك، وأما قول ابن عمر: «لو كنت مسبحا فى السفر لأتممت» كما أخرجه مسلم، فإنما أراد به راتبة المكتوبة، لا النافلة المقصودة كالوتر، وذلك بيّن من سياق الحديث المذكور عند الترمذى من وجه آخر بلفظ «لو كنت مصليا قبلهما أو بعدهما
إنما أراد به راتبة المكتوبة، لا النافلة المقصودة كالوتر، وذلك بيّن من سياق الحديث المذكور عند الترمذى من وجه آخر بلفظ «لو كنت مصليا قبلهما أو بعدهما
لأتممت» «١» وأما حديث عائشة عند البخارى: أنه- ﷺ كان لا يدع أربعا قبل الظهر وركعتين بعدها فليس بصريح فى فعله ذلك فى السفر، ولعلها أخبرت عن أكثر أحواله وهو الإقامة، والرجال أعلم بسفره من النساء. وأجاب النووى- تبعا لغيره- بما لفظه: لعل النبى- ﷺ كان يصلى الرواتب فى رحله فلا يراه ابن عمر، أو لعله تركها فى بعض الأوقات لبيان الجواز. انتهى. وفى رواية الترمذى من حديث ابن عمر قال: صليت مع رسول الله- ﷺ الظهر فى السفر ركعتين، وبعدها ركعتين «٢» . وفى رواية: صليت معه فى الحضر والسفر، فصليت معه فى الحضر الظهر أربعا وبعدها ركعتين. وصليت معه فى السفر الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، والعصر ركعتين ولم يصل بعدها شيئا والمغرب فى الحضر والسفر سواء ثلاث ركعات لا تنقص فى حضر ولا سفر، وهى وتر النهار وبعدها ركعتين «٣» . وفى حديث أبى قتادة عند مسلم فى قصة النوم عن صلاة الصبح: أنه- ﷺ صلى ركعتين قبل الصبح، ثم صلى الصبح كما كان يصلى «٤» . وقول صاحب «الهدى» إنه لم يحفظ عنه- ﷺ أنه صلى سنة صلاة قبلها ولا بعدها فى السفر إلا ما كان من سنة الفجر. يرد على إطلاقه ما قدمناه فى رواية الترمذى من حديث ابن عمر. وما رواه أبو داود والترمذى من حديث البراء بن عازب قال: سافرت مع النبى- ﷺ ثمانية عشر سفرا فلم أره ترك ركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر «٥» ، وكأنه لم يثبت عند ذلك، لكن
الترمذى استغربه، ونقل عن البخارى أنه رآه حسنا، وقد حمله بعض العلماء على سنة الزوال لا على الراتبة قبل الظهر.
الفصل الرابع فى صلاته ص التطوع فى السفر على الدابة عن ابن عمر: كان رسول الله- ﷺ يصلى سبحته حيثما توجهت به ناقته «١» . وفى رواية: يصلى وهو مقبل من مكة إلى المدينة حيث كان وجهه وفيه نزلت: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ «٢» «٣» . وفى رواية: رأيته- ﷺ يصلى على حمار وهو متوجه إلى خيبر. وفى رواية: كان يوتر على البعير «٤» ، رواه مسلم. وقد أخذ بهذه الأحاديث فقهاء الأمصار، فى جواز التنفل على الراحلة فى السفر حيث توجهت، إلا أن أحمد وأبا ثور كانا يستحبان أن يستقبلا القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة. والحجة لذلك ما فى حديث أنس عند أبى داود أنه- ﷺ كان إذا أراد أن يتطوع فى السفر استقبل بناقته القبلة ثم صلى حيث توجهت ركابه «٥» . وذهب الجمهور إلى جواز التنفل على الدابة سواء كان السفر طويلا أو قصيرا، إلا مالكا فخصه بالسفر الطويل، وحجته أن هذه الأحاديث إنما وردت فى أسفاره- ﷺ، ولم ينقل عنه- ﷺ أنه سافر سفرا قصيرا فصنع ذلك. وحجة الجمهور مطلق الأخبار فى ذلك. وقوله: «يصلى على حمار» ، قال النووى: قال الدار قطنى وغيره: هذا
غلط من عمرو بن يحيى المازنى، وإنما المعروف فى صلاته- ﷺ على راحلة أو بعير. والصواب أن الصلاة على الحمار من فعل أنس كما ذكره مسلم. ثم قال: وفى تغليط راويه نظر لأنه ثقة نقل شيئا محتملا، فلعله كان الحمار مرة والبعير مرة أو مرات، لكن قد يقال إنه شاذ مخالف لرواية الجمهور، والشاذ مردود. انتهى. وعن يعلى بن مرة عن أبيه عن جده، أنهم كانوا مع النبى- ﷺ فى مسيرة فانتهوا إلى مضيق فحضرت الصلاة فمطروا، السماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم، فأذن رسول الله- ﷺ وهو على راحلته، فصلى بهم يومئ إيماء، فجعل السجود أخفض من الركوع «١» . رواه الترمذى.
ة فمطروا، السماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم، فأذن رسول الله- ﷺ وهو على راحلته، فصلى بهم يومئ إيماء، فجعل السجود أخفض من الركوع «١» . رواه الترمذى.
القسم الرابع فى ذكر صلاته ص صلاة الخوف عن جابر قال: أقبلنا مع رسول الله- ﷺ حتى إذا كنا بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبى- ﷺ، فجاء رجل من المشركين وسيف رسول الله- ﷺ معلق بالشجرة، فاخترطه فقال: تخافنى؟ فقال: لا، فقال: من يمنعك منى؟ قال: الله، فتهدده أصحاب النبى- ﷺ، فغمد السيف وعلقه، فأقيمت الصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الآخرى ركعتين، فكان للنبى- ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتان «١» . رواه البخارى ومسلم. ولمسلم: فصففنا صفين خلف رسول الله- ﷺ، والعدو بيننا وبين القبلة فكبر النبى- ﷺ وكبرنا جميعا، ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذى يليه، وقام الصف المؤخر فى نحر العدو، فلما قضى النبى- ﷺ السجود وقام الصف الذى يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبى- ﷺ وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذى يليه- الذى كان مؤخرا فى الركعة الأولى- فقام الصف المؤخر فى نحر العدو، فلما قضى النبى- ﷺ السجود والصف الذى يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود، فسجدوا ثم سلم النبى- ﷺ وسلمنا جميعا «٢» .
لأولى- فقام الصف المؤخر فى نحر العدو، فلما قضى النبى- ﷺ السجود والصف الذى يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود، فسجدوا ثم سلم النبى- ﷺ وسلمنا جميعا «٢» .
ولمسلم والبخارى أيضا من حديث يزيد بن رومان عن صالح بن خوات عمن صلى معه- ﷺ يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: أن طائفة صفت معه، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالتى معه ركعة ثم ثبت قائما، وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الآخرى فصلى بهم الركعة التى بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم «١» . قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت فى صلاة الخوف. وما ذهب إليه مالك من ترجيح هذه الكيفية وافقه الشافعى وأحمد على ترجيحها لسلامتها من كثرة المخالفة، ولكونها أحوط لأمر الحرب. وعن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، قال: غزوت مع رسول الله- ﷺ قبل نجد، فوازينا العدو، فصاففنا لهم، فقام رسول الله- ﷺ يصلى بنا، فقامت طائفة معه، وأقبلت طائفة على العدو، وركع رسول الله- ﷺ ومن معه، وسجد سجدتين، ثم انصرفوا مكان الطائفة التى لم تصل، فجاؤا فركع رسول الله- ﷺ بهم ركعة وسجد سجدتين ثم سلم، فقام كل واحد منهم يركع لنفسه ركعة ويسجد سجدتين «٢» . وفى حديث جابر: أنه- ﷺ كان يصلى بالناس صلاة الظهر فى الخوف ببطن نخل، فصلى بطائفة ركعتين ثم سلم ثم جاءت طائفة أخرى فصلى بهم ركعتين ثم سلم، رواه البغوى فى شرح السنة. وعنه: أنه- ﷺ نزل بين ضجنان وعسفان، فقال المشركون: لهؤلاء صلاة هى أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم وأمهاتهم، وهى العصر، فأجمعوا أمركم فتميلوا عليهم ميلة واحدة، وإن جبريل أتى النبى- ﷺ فأمره أن يقسم أصحابه شطرين، فيصلى بهم، وتقوم طائفة أخرى وراءهم وليأخذوا
حذرهم وأسلحتهم، فتكون لهم ركعة ولرسول الله- ﷺ ركعتان «١» . رواه الترمذى والنسائى. قال ابن حزم: وقد صح فيها- يعنى صلاة الخوف- أربعة عشر وجها. وبينها فى جزء مفرد. وقال ابن العربى فى «القبس» : جاء فيها روايات كثيرة، أصحها ست عشرة رواية مختلفة، ولم يبينها. وقال النووى نحوه فى شرح مسلم ولم يبينها أيضا. وقد بينها الحافظ زين الدين العراقى فى شرح الترمذى وزاد وجها آخر، فصارت سبعة عشر وجها، لكن يمكن أن تتداخل. وقال صاحب «الهدى» : أصولها ست صفات، وبلغها بعضهم أكثر، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة فى قصة جعلوا ذلك وجها من فعله- ﷺ، وإنما هو من اختلاف الرواة. انتهى. وهذا هو المعتمد، وإليه أشار الحافظ العراقى بقوله: يمكن تداخلها. وقد حكى ابن القصار المالكى: أن النبى- ﷺ صلاها عشر مرات، وقال ابن العربى: أربعا وعشرين، وقال الخطابى: صلاها- ﷺ فى أيام مختلفة بأشكال متباينة، يتحرى فيها ما هو الأحوط للصلاة، والأبلغ للحراسة، فهى على اختلاف صورها متفقة المعنى. انتهى. وفى كتب الفقه تفاصيل لها كثيرة، وفروع يطول ذكرها. حكاها فى فتح البارى.
القسم الخامس فى ذكر صلاته ص على الجنازة وفيه فروع أربعة:
الفرع الأول فى عدد التكبيرات عن أبى هريرة أنه- ﷺ نعى النجاشى فى اليوم الذى مات فيه. وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر عليه أربع تكبيرات «١» . رواه البخارى ومسلم. وعند الترمذى من حديث أبى هريرة أنه- ﷺ كبر على جنازة فرفع يديه مع أول تكبيرة، ووضع اليمنى على اليسرى «٢» .
الفرع الثانى فى القراءة والدعاء نقل ابن المنذر عن ابن مسعود، والحسن بن على، وابن الزبير، والمسور ابن مخرمة، مشروعية قراءة الفاتحة فى صلاة الجنازة. وبه قال الشافعى وأحمد وإسحاق. ونقل عن أبى هريرة وابن عمر: ليس فيها قراءة، وهو قول ابن مالك والكوفيين. وروى عبد الرزاق والنسائى بإسناد صحيح عن أبى
ة. وبه قال الشافعى وأحمد وإسحاق. ونقل عن أبى هريرة وابن عمر: ليس فيها قراءة، وهو قول ابن مالك والكوفيين. وروى عبد الرزاق والنسائى بإسناد صحيح عن أبى
أمامة بن سهل بن حنيف قال: السنة فى الصلاة على الجنازة أن يكبر ثم يقرأ بأم القرآن، ثم يصلى على النبى- ﷺ، ثم يخلص الدعاء للميت ولا يقرأ إلا فى الأولى «١» . وفى البخارى عن سعد عن طلحة قال: صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ فاتحة الكتاب وقال: لتعلموا أنها سنة «٢» ، وليس فيه بيان محل قراءة الفاتحة، وقد وقع التصريح بذلك فى حديث جابر عند الشافعى بلفظ: وقرأ بأم الكتاب بعد التكبيرة الأولى «٣» ، كما ذكره الحافظ زين الدين العراقى فى شرح الترمذى. وعن ابن عباس قال: صلى رسول الله- ﷺ على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب «٤» . رواه الترمذى وقال: لا يصح هذا. والصحيح عن ابن عباس قوله: «من السنة» وهذا مصير منه إلى الفرق بين الصيغتين. ولعله أراد الفرق بالنسبة إلى الصراحة والاحتمال. وعن عوف بن مالك: صلى رسول الله- ﷺ على جنازة فحفظنا من دعائه: «اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار» «٥» . قال عوف: حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت لدعاء رسول الله- ﷺ. رواه مسلم.
أهله، وزوجا خيرا من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار» «٥» . قال عوف: حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت لدعاء رسول الله- ﷺ. رواه مسلم.
وعن واثلة بن الأسقع قال: صلى بنا رسول الله- ﷺ على رجل من المسلمين فسمعته يقول: «اللهم إن فلان بن فلان فى ذمتك، وحبل جوارك، فقه من فتنة القبر وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحق، اللهم اغفر له وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم» «١» . رواه الترمذى. وعن أبى هريرة قال: كان رسول الله- ﷺ إذا صلى على الجنازة قال: «اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده» «٢» . رواه أحمد وأبو داود والترمذى. وعنه: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «اللهم أنت ربها وأنت خالقها، هديتها إلى الإسلام، قبضت روحها وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئناك شفعاء فاغفر لها» «٣» . رواه أبو داود.
الفرع الثالث فى صلاته ص على القبر عن أبى هريرة أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، ففقدها رسول الله- ﷺ، فسأل عنها فقالوا: ماتت، قال: «أفلا آذنتمونى؟» قال: فكأنهم
الث فى صلاته ص على القبر عن أبى هريرة أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، ففقدها رسول الله- ﷺ، فسأل عنها فقالوا: ماتت، قال: «أفلا آذنتمونى؟» قال: فكأنهم
صغروا أمرها، فقال: «دلونى على قبرها» ، فدلوه فصلى عليها «١» . رواه البخارى ومسلم. زاد ابن حبان فقال فى رواية حماد بن سلمة عن ثابت: «إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها بصلاتى عليهم» «٢» . وأشار إلى أن بعض المخالفين احتج بهذه الزيادة، على أن ذلك من خصائصه- ﷺ. ثم ساق من طريق خارجة بن زيد بن ثابت عن عمه يزيد بن ثابت نحو هذه القصة، وفيها: ثم أتى القبر فصففنا خلفه وكبر عليه أربعا «٣» . قال ابن حبان: فى ترك إنكاره- ﷺ على من صلى معه على القبر بيان جواز ذلك لغيره، وأنه ليس من خصائصه، وتعقب بأن الذى يقع بالتبعية لا ينهض دليلا للأصالة. وعن عقبة بن عامر: أنه- ﷺ خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف «٤» ، وفى رواية: صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات «٥» . رواه أبو داود والنسائى. ورواه الشيخان أيضا بلفظ: خرج يوما فصلى على أهل أحد كصلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال فرط لكم «٦» . الحديث. وفيه: الصلاة على الشهداء فى حرب الكفار. وقد اختلف العلماء فى
هذه المسألة: فذهب مالك والشافعى وأحمد وإسحاق والجمهور: إلى أن لا يصلى عليهم. وذهب أبو حنيفة إلى الصلاة عليهم كغيرهم، وبه قال المزنى، وهى رواية عن أحمد اختارها الخلال. وحجة الجمهور: أنه- ﷺ لم يصل على قتلى أحد- كما رواه البخارى فى صحيحه عن جابر- وأما هذه الصلاة فالمراد بها الدعاء، وليس المراد بها صلاة الجنازة المعهودة. قال النووى: أى دعا لهم بدعاء صلاة الميت، وأن هذه الصلاة مخصوصة بشهداء أحد، فإنه لم يصل عليهم قبل دفنهم كما هو المعهود من صلاة الجنازة، وإنما صلى عليهم فى القبور بعد ثمان سنين، والحنفية يمنعون الصلاة على القبر مطلقا، ولو كانت الصلاة عليهم واجبة لما تركها فى الأول. ثم إن الشافعية اختلفوا فى معنى قولهم: لا يصلى على الشهيد، فقال أكثرهم: معناه: تحريم الصلاة عليه، وهو الصحيح عندهم. وقال آخرون: معناه: لا تجب الصلاة عليه. لكن تجوز. وذكر ابن قدامة: أن كلام أحمد فى الرواية التى قال فيها يصلى عليهم: يشير إلى أنها مستحبة غير واجبة. قال ابن القاسم صاحب مالك: إنه لا يصلى على الشهيد فيما إذا كان المسلمون هم الذين غزوا الكفار، فإن كان الكفار هم الذين غزوا المسلمين فيصلى عليهم.
الفرع الرابع فى صلاته ص على الغائب عن جابر أنه- ﷺ قال: «قد توفى اليوم رجل صالح من الحبش، فهلم فصلوا عليه» ، قال: فصففنا فصلى النبى- ﷺ ونحن وراءه «١» . رواه
لرابع فى صلاته ص على الغائب عن جابر أنه- ﷺ قال: «قد توفى اليوم رجل صالح من الحبش، فهلم فصلوا عليه» ، قال: فصففنا فصلى النبى- ﷺ ونحن وراءه «١» . رواه
البخارى ومسلم. وعن أبى هريرة أنه- ﷺ نعى النجاشى فى اليوم الذى مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات «١» . رواه الشيخان أيضا. وعند البخارى من طريق ابن عيينة عن ابن جريج: «فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة» «٢» . وبهذا الحديث استدل من منع الصلاة على الميت فى المسجد، وهو قول الحنفية والمالكية، لكن قال أبو يوسف: إن أعد مسجد للصلاة على الموتى لم يكن فى الصلاة فيه عليهم بأس. قال النووى: ولا حجة فيه، لأن الممتنع عند الحنفية إدخال الميت المسجد، لا مجرد الصلاة عليه، حتى لو كان الميت خارج المسجد جازت الصلاة عليه لمن هو داخله. وقال ابن بزبزة وغيره: استدل به بعض المالكية، وهو باطل، لأنه ليس فيه صيغة نهى، ولا احتمال أن يكون خرج بهم إلى المصلى لأمر غير المعنى المذكور، وقد ثبت أنه- ﷺ صلى على سهيل بن بيضاء فى المسجد، فكيف يترك هذا التصريح لأمر محتمل، بل الظاهر أنه إنما خرج بالمسلمين إلى المصلى لقصد تكثير الجمع الذين يصلون عليه، ولإشاعة كونه مات على الإسلام، فقد كان بعض الناس لم يدركونه أسلم، فقد روى ابن أبى حاتم فى التفسير، والدار قطنى فى الأفراد، والبزار، كلاهما عن أنس أن النبى- ﷺ لما صلى على النجاشى قال بعض أصحابه: صلى على علج من الحبشة؟ فنزلت وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ «٣» ، الآية، وله شاهد من حديث أبى سعيد عند الطبرانى فى معجمه الكبير، وزاد فيه: إن الذى طعن بذلك كان منافقا. وقد قال البخارى: «باب الصلاة على الجنازة بالمصلى والمسجد» وروى حديثا عن ابن عمر أن اليهود جاؤا إلى النبى- ﷺ برجل منهم وامرأة زنيا
ن بذلك كان منافقا. وقد قال البخارى: «باب الصلاة على الجنازة بالمصلى والمسجد» وروى حديثا عن ابن عمر أن اليهود جاؤا إلى النبى- ﷺ برجل منهم وامرأة زنيا
فأمر بهما فرجما قريبا من موضع الجنائز عند المسجد «١» . وحكى ابن بطال عن ابن حبيب أن مصلى الجنائز بالمدينة كان لاصقا بالمسجد النبوى من ناحية المشرق، انتهى. فإن ثبت ما قال وإلا فيحتمل أن يكون المراد بالمسجد هنا المصلى المتخذ للعيدين والاستسقاء، لأنه لم يكن عند المسجد النبوى مكان مهيأ للرجم. ودل حديث ابن عمر المذكور على أنه كان للجنائز مكان معد للصلاة عليها، فقد يستفاد منه أن ما وقع من الصلاة على بعض الجنائز فى المسجد كان لأمر عارض، أو لبيان الجواز، واستدل به على مشروعية الصلاة على الجنائز فى المسجد، ويقويه حديث عائشة «ما صلى- ﷺ على سهيل بن بيضاء إلا فى المسجد» «٢» أخرجه مسلم، وبه قال الجمهور. وحمل المانعون الصلاة على سهيل: بأنه كان خارج المسجد، والمصلون داخله، وذلك جائز اتفاقا. وفيه نظر: لأن عائشة استدلت بذلك لما أنكروا عليها أمرها بالمرور بجنازة سعد على حجرتها لتصلى عليه. وقد سلم لها الصحابة ذلك، فيدل على أنها حفظت ما نسوه. وقد روى ابن أبى شيبة وغيره أن عمر صلى على أبى بكر فى المسجد، وأن صهيبا صلى على عمر فى المسجد، زاد فى رواية: ووضعت الجنازة فى المسجد تجاه المنبر، وهذا يقتضى الإجماع على جواز ذلك. وقد استدل أيضا بحديث قصة النجاشى على مشروعية الصلاة على الميت الغائب عن البلد، وبذلك قال الشافعى وأحمد وجمهور السلف، حتى قال ابن حزم: لم يأت عن أحد من الصحابة منعه. وعن الحنفية والمالكية لا يشرع ذلك. وعن بعض
أهل العلم: إنما يجوز ذلك فى اليوم الذى يموت فيه الميت أو ما قرب، لا ما إذا ما طالت المدة، حكاه ابن عبد البر. وقال ابن حبان: إنما يجوز ذلك لمن فى جهة القبلة، فلو كان بلد الميت مستدبر القبلة مثلا لم يجز. قال المحب الطبرى: لم أر ذلك لغيره. وقد اعتذر من لم يقل بالصلاة على الغائب عن قصة النجاشى بأمور: منها: أنه كان بأرض لم يصل عليه بها أحد، فتعينت الصلاة عليه لذلك؛ ومن ثم قال الخطابى: لا يصلى على الغائب إلا إذا وقع موته بأرض ليس بها من يصلى عليه، واستحسنه الرويانى من الشافعية. ومنها: قول بعضهم: إنه كشف له- ﷺ عنه حتى رآه، وعبر عنه القاضى عياض فى «الشفاء» بقوله: ورفع له النجاشى حتى صلى عليه، فتكون صلاته كصلاة الإمام على ميت رآه ولم يره المأمومون، ولا خلاف فى جوازها. قال ابن دقيق العيد: وهذا يحتاج إلى نقل ولا يثبت بالاحتمال. وتعقبه بعض الحنفية: بأن الاحتمال كاف فى مثل هذا، وكأن مستند هذا القائل ما ذكره الواحدى فى أسباب النزول بغير إسناد عن ابن عباس: كشف للنبى- ﷺ عن سرير النجاشى حتى رآه وصلى عليه. ولابن حبان من حديث عمران بن حصين: فقام وصفوا خلفه وهم لا يظنون إلا أن الجنازة بين يديه. ومن الاعتذارات أيضا: أن ذلك خاص بالنجاشى، لأنه لم يثبت أنه- ﷺ صلى على ميت غائب غيره. قاله المهلب، وكأنه لم يثبت عنده قصة معاوية بن معاوية الليثى. واستند من قال بتخصيص النجاشى بذلك إلى ما تقدم من إشاعة أنه مات مسلما أو استئلاف قلوب الملوك الذين أسلموا فى حياته. قال النووى: لو فتح هذا الباب لانسد كثير من ظواهر الشرع، مع أنه لو كان شئ مما ذكروه لتوفرت الدواعى على نقله. وقال ابن العربى: قال المالكية: ليس ذلك إلا لمحمد- ﷺ، قلنا: وما عمل به محمد- ﷺ-
ر من ظواهر الشرع، مع أنه لو كان شئ مما ذكروه لتوفرت الدواعى على نقله. وقال ابن العربى: قال المالكية: ليس ذلك إلا لمحمد- ﷺ، قلنا: وما عمل به محمد- ﷺ-
تعمل به أمته، يعنى لأن الأصل عدم الخصوصية، قالوا طويت له الأرض، وأحضرت الجنازة بين يديه، قلنا: إن ربنا لقادر، وإن نبينا لأهل لذلك، ولكن لا تقولوا إلا ما رويتم ولا تخترعوا حديثا من عند أنفسكم، ولا تحدثوا إلا بالثابتات ودعوا الضعاف فإنها سبيل إلى إتلاف ما ليس له تلاف. وقال الكرمانى: قولهم «رفع الحجاب عنه» ممنوع، ولئن سلمنا فكان غائبا عن الصحابة الذين صلوا مع النبى- ﷺ، انتهى ملخصا من فتح البارى.
النوع الثالث فى ذكر سيرته ص فى الزكاة وهى فى اللغة: النماء والتطهير. والمال ينمى بها من حيث لا يرى، وهى مطهرة لمؤديها من الذنوب، وقيل: ينمى أجرها عند الله تعالى. وسميت فى الشرع زكاة لوجود المعنى اللغوى فيها. وقيل: لأنها تزكى صاحبها وتشهد بصحة إيمانه، وهى قيد النعمة، وسميت الصدقة صدقة لأنها دليل لتصديق صاحبها وصحة إيمانه بظاهره وباطنه. وقد فهم من شرعه- ﷺ أن الزكاة وجبت للمواساة، وأن المواساة لا تكون إلا فى مال له بال، وهو النصاب. ثم جعلها- ﷺ فى الأموال النامية، وهى أربعة أصناف: الأول: الذهب والفضة اللذان بهما قوام العالم. والثانى: الزروع والثمار. والثالث: بهيمة الأنعام: الإبل والبقر والغنم. والرابع: أموال التجارة على اختلاف أنواعها. وحدد- ﷺ نصاب كل صنف بما يحتمل المواساة: فنصاب الفضة خمس أواق، وهى مائتا درهم بنص الحديث والإجماع، وأما الذهب فعشرون مثقالا، وأما الزروع والثمار فخمسة أوسق، وأما الغنم فأربعون شاة، والبقر ثلاثون بقرة، والإبل خمس.
هى مائتا درهم بنص الحديث والإجماع، وأما الذهب فعشرون مثقالا، وأما الزروع والثمار فخمسة أوسق، وأما الغنم فأربعون شاة، والبقر ثلاثون بقرة، والإبل خمس.
ورتب- ﷺ مقدار الواجب بحسب المؤنة والتعب فى المال. فأعلاها وأقلها تعبا الركاز، وفيه الخمس لعدم التعب فيه، ولم يعتبر له حولا بل أوجب فيه الخمس متى ظفر به. ويليه الزروع والثمار، فإن سقى بماء السماء ونحوه ففيه العشر، وإلا فنصفه. ويليه الذهب والفضة والتجارة، وفيها ربع العشر، لأنه يحتاج إلى العمل فيه جميع السنة. ويليه الماشية، فإنه يدخلها الأوقاص بخلاف الأنوع السابقة. ولما كان نصاب الإبل لا يحتمل المواساة من جنسه أوجب فيها شاة، فإذا صارت الخمس خمسا وعشرين احتمل نصابها واحدا، فكان هو الواجب. ثم إنه قد سنّ هذا الواجب فى الزيادة والنقصان بحسب كثرة الإبل وقلتها. وفى كتابه- ﷺ الذى كتبه فى الصدقة ولم يخرجه إلى عماله حتى قبض: فى خمس من الإبل شاة، وفى عشر شاتان، وفى خمسة عشر ثلاث شياه، وفى عشرين أربع شياه، وفى خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت واحدة ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، فإن زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى تسعين فإذا زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا كانت الإبل أكثر من ذلك ففى كل خمسين حقة، وفى كل أربعين ابنة لبون، وفى الغنم فى كل أربعين شاة شاة، إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة فشاتان إلى المائتين، فإذا زادت على المائتين ففيها ثلاث شياه، إلى ثلاثمائة، فإن كانت الغنم أكثر من ذلك ففى كل مائة شاة شاة، ثم ليس فيها شئ حتى تبلغ المائة «١» . رواه أبو داود والترمذى من حديث سالم بن عبد الله بن عمر. وفرض- ﷺ زكاة الفطر صاعا من تمر، أو صاعا من شعير على
العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة «١» ، رواه البخارى ومسلم من حديث ابن عمر. وفى رواية أبى داود من حديث ابن عباس، فرض- ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين «٢» . وقال- ﷺ: «إن الله لم يرض بحكم نبى ولا غيره فى الصدقات حتى حكم فيها، فجزأها ثمانية أجزاء» «٣» . رواه أبو داود من حديث زياد بن الحارث الصدائى. وهذه الثمانية الأجزاء يجمعها صنفان من الناس: أحدهما: من يأخذ لحاجته، فيأخذ بحسب شدة الحاجة وضعفها، وكثرتها وقلتها، وهم الفقراء والمساكين وفى الرقاب وابن السبيل. والثانى: من يأخذ لمنفعته، وهم العاملون عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمون لإصلاح ذات البين، والغزاة فى سبيل الله، فإن لم يكن الآخذ محتاجا، ولا فيه منفعة للمسلمين فلا سهم له فى الزكاة. واعلم أن الأنبياء لا تجب عليهم الزكاة، لأنهم لا ملك لهم مع الله حتى تجب عليهم الزكاة فيه، وإنما تجب عليك زكاة ما أنت له مالك، إنما كانوا يشهدون ما فى أيديهم من ودائع الله لهم يبذلونه فى أوان بذله، ويمنعونه فى غير محله، ولأن الزكاة إنما هى طهرة لما عساه أن يكون ممن وجبت عليه لقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها «٤» ، والأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- مبرؤون من الدنس، لوجوب العصمة
لقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها «٤» ، والأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- مبرؤون من الدنس، لوجوب العصمة
لهم، ولهذا لم يوجب أبو حنيفة على الصبيان زكاة لعدم دنس المخالفة، والمخالفة لا تكون إلا بعد جريان التكليف، وذلك بعد البلوغ. وإذا كان أهل المعرفة بالله المشاهدون لأحديته لا يشهدون لهم مع الله ملكا كما هو مشهور من حكاياتهم، فما ظنك بالأنبياء والرسل، وأهل التوحيد والمعرفة إنما غرفوا من بحارهم واقتبسوا من أنوارهم. انتهى ملخصا من كتاب «التنوير» للعارف الكبير أبى الفضل بن عطاء الله الشاذلى، أذاقنا الله حلاوة مشربه. تنبيه: ما حكى إن الإمام الشافعى وأحمد بن حنبل كانا جالسين، إذ أقبل شيبان الراعى، فقال أحمد بن حنبل للشافعى: أريد أن أسأل هذا المشار إليه فى هذا الزمن، فقال الشافعى: لا تفعل، فقال: لا بد من ذلك، فقال: يا شيبان ما تقول فيمن نسى أربع سجدات من أربع ركعات؟ فقال: يا أحمد، هذا قلب غافل عن الله، يجب أن يؤدب حتى لا يعود إلى مثل ذلك. قال: فخر أحمد مغشيّا عليه، ثم أفاق فقال: ما تقول فيمن له أربعون شاة، ما زكاتها؟ فقال: على مذهبنا أو على مذهبكم؟ فقال: أو هما مذهبان؟ فقال: نعم، أما على مذهبكم ففى الأربعين شاة شاة، وأما على مذهبنا فالعبد لا يملك مع سيده شيئا. فقد نقل شيخنا فى «المقاصد» عن ابن تيمية أن ذلك باطل باتفاق أهل المعرفة، لأن الشافعى وأحمد لم يدركا شيبان الراعى والله أعلم. انتهى. وقد كان- ﷺ إذا أتاه قوم بصدقة قال: «اللهم صل على آل فلان» ، فأتاه أبو أوفى بصدقة فقال: «اللهم صل على آل أبى أوفى» «١» . رواه البخارى ومسلم. واختلف فى أول وقت فرض الزكاة. فذهب الأكثرون إلى أنه وقع بعد الهجرة، فقيل: كان فى السنة الثانية قبل فرض رمضان أشار إليه النووى فى باب السير من الروضة. وجزم ابن الأثير فى التاريخ بأن ذلك كان فى التاسعة، وفيه نظر: لما
، فقيل: كان فى السنة الثانية قبل فرض رمضان أشار إليه النووى فى باب السير من الروضة. وجزم ابن الأثير فى التاريخ بأن ذلك كان فى التاسعة، وفيه نظر: لما
فى حديث ضمام بن ثعلبة، وحديث وفد عبد القيس، ومخاطبة أبى سفيان مع هرقل وكان فى أول السابعة، وقال فيها: يأمرنا بالزكاة. وقوى بعضهم ما ذهب إليه ابن الأثير بما وقع فى قصة ثعلبة بن حاطب المطولة ففيها: لما أنزلت آية الصدقة بعث النبى- ﷺ عاملا: فقال: ما هذه إلا الجزية أو أخت الجزية، والجزية إنما وجبت فى التاسعة، فتكون الزكاة فى التاسعة. لكنه حديث ضعيف لا يحتج بمثله. وادعى ابن خزيمة فى صحيحه أن فرضها كان قبل الهجرة، واحتج بما أخرجه من حديث أم سلمة فى قصة هجرتهم إلى الحبشة، وفيها: أن جعفر بن أبى طالب قال للنجاشى فى جملة ما أخبره به عن الرجل: الذى يأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. انتهى. وفى الاستدلال بذلك نظر، لأن الصلوات الخمس لم تكن فرضت بعد، ولا صيام رمضان، فيحتمل أن تكون مراجعة جعفر لم تكن فى أول ما قدم على النجاشى، وإنما أخبره بذلك بعد مدة قد وقع فيها ما ذكر من فريضة الصلاة والصيام، وبلغ ذلك جعفرا فقال: يأمرنا، يعنى أمته، وهو بعيد جدّا. وأولى ما حمل عليه حديث أم سلمة هذا- إن سلم من قدح فى إسناده- أن المراد بقول جعفر «يأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام» أى فى الجملة، ولا يلزم من ذلك أن يكون المراد بالصلاة الصلوات الخمس ولا بالصيام صيام شهر رمضان، ولا بالزكاة هذه الزكاة المخصوصة ذات النصاب والحول. ومما يدل على أن فرض الزكاة كان قبل التاسعة حديث أنس فى قصة ضمام بن ثعلبة. وقوله: «أنشدك الله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟» «١» وكان قدوم ضمام سنة خمس، وإنما الذى وقع فى التاسعة بعث العمال لأخذ الصدقات، وذلك يستدعى تقدم فريضة الزكاة قبل ذلك. ومما يدل على أن فرض الزكاة وقع بعد الهجرة اتفاقهم على أن صيام
رمضان إنما فرض بعد الهجرة، لأن الآية الدالة على فرضيته مدنية بلا خوف. وثبت عند أحمد وابن خزيمة والنسائى وابن ماجه والحاكم من حديث قيس بن سعد بن عبادة قال: أمرنا رسول الله- ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، ثم نزلت فريضة الزكاة، فلم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله «١» . إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح، إلا أبا عمار، الراوى عن قيس بن سعد، وقد وثقه أحمد وابن معين. وهو دال على أن فرض صدقة الفطر كان قبل فرض الزكاة، فيقتضى وقوعه بعد فرض رمضان. قاله الحافظ أبو الفضل بن حجر- ﵀. وكان- ﷺ يقبل الهدية ويثيب عليها «٢» . رواه البخارى من حديث عائشة. وإذا أتى بطعام سأل عنه أهدية أم صدقة، فإن قيل صدقة قال لأصحابه: كلوا ولم يأكل، وإن قيل هدية ضرب بيده فأكل معهم «٣» . رواه البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة. وقال- ﷺ لعائشة: «هل عندكم شئ» فقالت: لا، إلا شئ بعثت به إلينا نسيبة من الشاة التى بعثت بها إليها من الصدقة، قال: «إنها بلغت محلها» «٤» . رواه البخارى ومسلم. وقوله: «محلها» بكسر الحاء، أى زال عنها حكم الصدقة وصارت حلّا لنا. وأتى بلحم قد تصدق به على بريرة فقال: «هو عليها صدقة، ولنا هدية» «٥» . رواه
البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى. وفى حديث عائشة عند البخارى ومسلم: دخل- ﷺ وعلى النار برمة تفور، فدعا بالغداء، فأتى بخبز وأدم من أدم البيت، فقال: «ألم أر برمة على النار تفور؟» قالوا: بلى يا رسول الله، لكنه لحم تصدق به على بريرة، وأهدت إلينا منه، وأنت لا تأكل الصدقة، فقال: «هو صدقة عليها، وهدية لنا» «١» .
ة على النار تفور؟» قالوا: بلى يا رسول الله، لكنه لحم تصدق به على بريرة، وأهدت إلينا منه، وأنت لا تأكل الصدقة، فقال: «هو صدقة عليها، وهدية لنا» «١» .
النوع الرابع فى ذكر صيامه ﷺ اعلم أن المقصود من الصيام إمساك النفس عن خسيس عاداتها، وحبسها عن شهواتها، وفطامها عن مألوفاتها، فهو لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من بين سائر أعمال العاملين، كما قال الله تعالى فى الحديث الإلهى الذى رواه مسلم: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فهو لى وأنا أجزى به» «٢» . فأضافه تعالى إليه إضافة تشريف وتكريم، كما قال تعالى: ناقَةُ اللَّهِ «٣» مع أن العالم كله له سبحانه. وقيل: لأنه لم يعبد غيره به، فلم يعظم الكفار فى عصر من الأعصار معبودا لهم بالصيام، وإن كانوا يعظمونه بصورة الصلاة والسجود وغيرها. قال فى شرح تقريب الأسانيد: واعترض بما يقع من عباد النجوم وأصحاب الهياكل والاستخدامات فإنهم يتعبدون لها بالصيام. وأجيب: بأنهم لا يعتقدون أنها فعالة بأنفسها. وقيل: لأن الصوم بعيد عن الرياء لخفائه، بخلاف الصلاة والحج والغزو
والاستخدامات فإنهم يتعبدون لها بالصيام. وأجيب: بأنهم لا يعتقدون أنها فعالة بأنفسها. وقيل: لأن الصوم بعيد عن الرياء لخفائه، بخلاف الصلاة والحج والغزو
وغير ذلك من العبادات الظاهرات، قال فى فتح البارى: معنى النفى فى قولهم «لا رياء فى الصوم» أنه لا يدخله الرياء بفعله، وإن كان قد يدخله الرياء بالقول، كمن يصوم ثم يخبر بأنه صائم، فقد يدخله الرياء من هذه الحيثية، فدخول الرياء فى الصوم إنما يقع من جهة الإخبار، بخلاف بقية الأعمال، فإن الرياء يدخلها بمجرد فعلها. انتهى. وعن شداد بن أوس مرفوعا: «من صام يرائى فقد أشرك» «١» . رواه البيهقى. وقيل: لأنه ليس للصائم ونفسه فيه حظ. وقيل: لأن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الرب تعالى، فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه، قال القرطبى معناه: أن أعمال العباد مناسبة لأحوالهم، إلا الصيام فإنه مناسب لصفة من صفات الحق، كأنه تعالى يقول: إن الصائم يتقرب إلىّ بأمر هو متعلق بصفة من صفاتى. أو لكون ذلك من صفات الملائكة، أو لأنه تعالى هو المنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، بخلافه غيره من العبادات، فقد أظهر سبحانه بعض مخلوقاته على مقدار ثوابها، ولذا قال فى بقية الحديث: «وأنا أجزى به» وقد علم بأن الكريم إذا أخبر بأنه يتولى بنفسه الجزاء اقتضى ذلك سعة العطاء، وإنما جوزى الصائم هذا الجزاء لأنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده. والمراد بالشهوة فى الحديث شهوة الجماع لعطفها على الطعام والشراب، ويحتمل أن يكون من العام بعد الخاص، لكن وقع فى رواية عند ابن خزيمة «يدع لذته من أجلى، ويدع زوجته من أجلى، وأصرح منه ما روى «من الطعام والشراب والجماع من أجلى» . وللصيام تأثير عجيب فى حفظ الأعضاء الظاهرة، وقوى الجوارح الباطنة، وحميتها عن التخليط الجالب للمواد الفاسدة، واستفراغ المواد الرديئة المانعة له من صحتها، فهو من أكبر العون على التقوى، كما أشار إليه تعالى بقوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ «٢»
وقال- ﷺ كما فى البخارى-: «الصوم جنة» «١» ، هى بضم الجيم، الوقاية والستر، أى: ستر من النار. وبه جزم ابن عبد البر، وفى النهاية: أى يقى صاحبه مما يؤذيه من الشهوات، وقال القاضى عياض: من الآثام. وقد اتفقوا على أن المراد بالصيام هنا صيام من سلم صيامه من المعاصى قولا وفعلا. وقد اختلف: هل الصوم أفضل أم الصلاة؟ فقيل الصوم أفضل الأعمال البدنية، لحديث النسائى عن أبى أمامة قال: أتيت النبى- ﷺ فقلت: يا رسول الله، مرنى بأمر آخذه عنك قال: «عليك بالصوم فإنه لا عدل له» «٢» ، والمشهور تفضيل الصلاة، وهو مذهب الشافعى وغيره، لقوله- ﷺ: «واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة» «٣» رواه أبو داود وغيره. ثم إن الكلام فى صيامه- ﷺ على قسمين:
القسم الأول فى صيامه ص شهر رمضان وفيه فصول:
الفصل الأول فيما كان يخص به رمضان من العبادات وتضاعف جوده ص فيه اعلم أن «رمضان» مشتق من الرمض، وهو شدة الحر، لأن العرب لما أرادوا أن يضعوا أسماء الشهور وافق أن الشهر المذكور شديد الحر فسموه بذلك، كما سمى الربيعان لموافقتهما زمن الربيع. أو لأنه يرمض الذنوب أى يحرقها، وهو ضعيف لأن التسمية به ثابتة قبل الشرع. ورمضان أفضل الشهور، كما حكاه الأسنوى عن قواعد الشيخ عز الدين بن عبد السلام. قال النووى: وقولهم إنه من أسماء الله تعالى ليس بصحيح، وإن كان قد جاء فيه أثر ضعيف، وأسماء الله تعالى توقيفية لا تثبت إلا بدليل صحيح. انتهى. وقد اختلف السلف: هل فرض صيام قبل صيام رمضان أم لا؟ فالجمهور- وهو المشهور عند الشافعية- أنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان، وفى وجه- وهو قول الحنفية- أول ما فرض يوم عاشوراء، فلما نزل رمضان نسخ. وسيأتى أدلة الفريقين فى الكلام على صوم عاشوراء- إن شاء الله تعالى-. وقد كان فرض رمضان فى السنة الثانية من الهجرة- كما تقدم- فتوفى سيدنا رسول الله- ﷺ وقد صام تسع رمضانات.



