— Bagian 43 · صلاة فيه. وفيه قول قديم للشافعى. وذهب أبو حنيفة … —
Bagian 43
صلاة فيه. وفيه قول قديم للشافعى. وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التى تقام فيها الصلوات. وخصه أبو يوسف بالواجب منه، وأما النفل ففى كل مسجد. وقال الجمهور: بعمومه فى كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة، فاستحبه له الشافعى فى الجامع. وشرطه مالك، لأن الاعتكاف عنده ينقطع بالجمعة، ويجب بالشروع عند مالك. وخصه طائفة من السلف، كالزهرى بالجامع مطلقا، وأومأ إليه الشافعى فى القديم. وخصه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة، وعطاء بمسجدى مكة والمدينة، وابن المسيب بمسجد المدينة. واتفقوا على أنه لا حد لأكثره، واختلفوا فى أقله، فمن شرط فيه الصيام قال: أقله يوم، ومنهم من قال: يصح مع شرط الصيام فى دون اليوم. حكاه ابن قدامة. وعن مالك: يشترط عشرة أيام، وعنه: يوم أو يومان. ومن لم يشترط الصوم قالوا: أقله ما ينطلق عليه اسم لبث، ولا يشترط القعود. واتفقوا على فساده بالجماع. وقد كان سيدنا رسول الله- ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان «٢» . رواه البخارى ومسلم من حديث عائشة. وعن أبى هريرة
- رضى الله عنه-: كان رسول الله- ﷺ يعتكف كل عام عشرا، فاعتكف عشرين فى العام الذى قبض فيه «١» . رواه البخارى. وعن أبى سعيد الخدرى أنه- ﷺ اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط فى قبة تركية، ثم أطلع رأسه فقال: إنى اعتكفت العشر الأول ألتمس هذه الليلة- يعنى ليلة القدر- ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم أتيت فقيل لى إنها فى العشر الأواخر فقد رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها، وقد رأيتنى أسجد فى ماء وطين من صبيحتها فالتمسوها فى العشر الأواخر والتمسوها فى كل وتر منه، قال: فمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف المسجد، فبصرت عيناى رسول الله- ﷺ وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين «٢» . رواه الشيخان.
طرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف المسجد، فبصرت عيناى رسول الله- ﷺ وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين «٢» . رواه الشيخان. وفى حديث عبادة بن الصامت: أنه- ﷺ خرج يخبر بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرا لكم، فالتمسوها فى التاسعة والسابعة والخامسة «٣» ، رواه البخارى. ولمسلم من حديث عبد الله بن أنيس: أنه- ﷺ قال: أريت ليلة القدر ثم أنسيتها، وأرانى فى صبيحتها أسجد فى ماء وطين، قال: فمطرت ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا وأثر الماء والطين فى جبهته وأنفه «٤» . وفى سنن أبى داود عن ابن مسعود مرفوعا: «اطلبوها ليلة سبع عشرة» «٥» . وأخرج الطبرانى مرفوعا من حديث أبى
هريرة: «التمسوا ليلة القدر فى ليلة سبع عشرة، أو تسع عشرة، أو إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسع وعشرين» . وقد اختلف العلماء فى ليلة القدر اختلافا كثيرا، وأفردها بعضهم بالتأليف، وقد جمع الحافظ أبو الفضل بن حجر من كلام العلماء فى ذلك أكثر من أربعين قولا، كساعة الجمعة. ومذهب الشافعى: انحصارها فى العشر الأخير، كما نص عليه الشافعى، فيما حكاه عنه الإسنوى. وعن المحاملى فى «التجريد» : إنها تلتمس فى جميع الشهر، وتبعه عليه الشيخ أبو إسحاق فى «التنبيه» فقال: وتطلب ليلة القدر فى جميع شهر رمضان. ثم الغزالى فى كتبه. وتردد صاحب «التقريب» فى جواز كونها فى النصف الأخير، كذا نقله عنه الإمام وضعفه. وحكاه ابن الملقن فى شرح العمدة. وفى المفهم للقرطبى حكاية قول إنها ليلة النصف من شعبان. ودليل الأول: حديث أبى سعيد الذى قدمناه، قال النووى: وميل الشافعى إلى أنها ليلة الحادى والعشرين أو الثالث والعشرين، أما الحادى والعشرون فلقوله- ﷺ فى حديث أبى سعيد: «فقد رأيت هذه الليلة، وقد رأيتنى أسجد فى ماء وطين من صبيحتها» «١» ، فبصرت عيناى رسول الله- ﷺ وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين، وأما الثالث والعشرون فلحديث عبد الله بن أنيس المتقدم أيضا. وجزم جماعة من الشافعية: بأنها ليلة الحادى والعشرين، ولكن قال السبكى: إنه ليس مجزوما به عندهم لاتفاقهم على عدم حنث من علق يوم العشرين عتق عبده بليلة القدر أنه لا يعتق تلك الليلة، بل بانقضاء الشهر على الصحيح بناء على أنها فى العشر الأخير. وعن ابن خزيمة- من أصحابنا- أنها تنتقل فى كل سنة إلى ليلة من ليالى العشر الأخير.
ك الليلة، بل بانقضاء الشهر على الصحيح بناء على أنها فى العشر الأخير. وعن ابن خزيمة- من أصحابنا- أنها تنتقل فى كل سنة إلى ليلة من ليالى العشر الأخير.
وحاصله: قولان، ووجه، واختار النووى فى الفتاوى وشرح المهذب رأى ابن خزيمة. وجزم ابن حبيب من المالكية، ونقله الجمهور، وحكاه صاحب «العدة» من الشافعية ورجحه: أن ليلة القدر خاصة بهذه الأمة، ولم تكن فى الأمم قبلهم. وهو معترض: بحديث أبى ذر عند النسائى، حيث قال فيه: قلت: يا رسول الله أتكون مع الأنبياء فإذا ماتوا رفعت؟ قلت: بل هى باقية. وعمدتهم قول مالك فى «الموطأ» بلغنى أن رسول الله- ﷺ تقاصر أعمار أمته عن أعمار الأمم الماضية فأعطاه الله تعالى ليلة القدر. وهذا محتمل للتأويل، فلا يدفع الصريح من حديث أبى ذر كما قاله الحافظان ابن كثير فى تفسيره وابن حجر فى فتح البارى. قال: وقد ظهر لليلة القدر علامات؛ منها: ما فى صحيح مسلم عن أبى بن كعب أن الشمس تطلع فى صبيحتها لا شعاع لها، ولابن خزيمة من حديث ابن عباس مرفوعا: «ليلة القدر لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة» «١» ، ولأحمد من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا أنها صافية، كأن فيها قمرا ساطعا، ساكنة صاحية، لا حر فيها ولا برد ولا يحل لكوكب يرمى به فيها، وإن من أماراتها أن الشمس فى صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، لا يحل للشيطان أن يخرج معها حينئذ «٢» . وروى البيهقى فى «فضائل الأوقات» أن المياه المالحة تعذب فى تلك الليلة «٣» . وقد كان- ﷺ يجتهد فى العشر الأخير من رمضان ما لا يجتهد فى غيره «٤» . رواه مسلم من حديث عائشة. وفى البخارى عنها: كان رسول
لحة تعذب فى تلك الليلة «٣» . وقد كان- ﷺ يجتهد فى العشر الأخير من رمضان ما لا يجتهد فى غيره «٤» . رواه مسلم من حديث عائشة. وفى البخارى عنها: كان رسول
الله- ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله «١» . وجزم عبد الرزاق بأن «شد مئزره» هو اعتزاله النساء، وحكاه عن الثورى. وقال الخطابى: يحتمل أن يراد به الجد فى العبادة، كما يقال: شددت لهذا الأمر مئزرى، أى: تشمرت له، ويحتمل أن يراد به التشمير والاعتزال معا، ويحتمل أن يراد به الحقيقة والمجاز، فيكون المراد: شد مئزره حقيقة فلم يحله واعتزل النساء وتشمر للعبادة. وقوله: «وأحيا ليله» أى: سهره فأحياه بالطاعة، وأحيا نفسه بسهره فيه، لأن النوم أخو الموت، وأضافه إلى الليل اتساعا، لأن النائم إذا حيى باليقظة حيى ليله بحياته، وهو نحو قوله: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا» «٢» ، أى: لا تناموا فتكونوا كالأموات فتكون بيوتكم كالقبور. فقد كان- ﷺ يخص العشر الأخير بأعمال لا يعملها فى بقية الشهر. فمنها: إحياء الليل، فيحتمل أن المراد إحياء الليل كله، ويشهد له حديث عائشة من وجه ضعيف «وأحيا الليل كله» وفى المسند عنها أيضا، قالت: كان- ﷺ يخلط العشرين بصلاة ونوم، فإذا كان العشر شمر وشد المئزر «٣» ، وفى حديث ضعيف عن أنس عند أبى نعيم: كان- ﷺ إذا دخل شهر رمضان قام ونام فإذا كان أربعا وعشرين لم يذق غمضا ويحتمل أن تريد بإحياء الليل غالبه، وقد قال الشافعى فى القديم: من شهد العشاء والصبح فى جماعة ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها. وروى فى حديث مرفوع عن أبى هريرة: «من صلى العشاء الآخرة فى جماعة فى رمضان فقد أدرك ليلة القدر» «٤» . رواه أبو الشيخ.
ومنها: أنه كان يوقظ أهله للصلاة فى ليالى العشر دون غيره من الليالى. ومنها: تأخير الفطور إلى السحور، ففى حديث أنس وعائشة أنه- ﷺ كان فى ليالى العشر يجعل عشاءه سحورا، ولفظ حديث عائشة: كان- ﷺ إذا كان رمضان قام ونام فإذا دخل العشر شد المئزر، واجتنب النساء، واغتسل بين الأذانين، وجعل العشاء سحورا، أخرجه ابن أبى عاصم. ولفظ حديث أنس: كان إذا دخل العشر الأخير من رمضان طوى فراشه واعتزل النساء وجعل عشاءه سحورا «١» . وإسناد الأول مقارب، والثانى فيه حفص بن غياث، وقال فيه ابن عدى: إنه من أنكر ما لقيت له. لكن يشهد له حديث الوصال المخرج فى الصحيح كما قدمته. ومنها: اغتساله- ﷺ بين العشاءين: المغرب والعشاء، روى من حديث على، وفى إسناده ضعف.
النوع السادس فى ذكر حجه وعمره ﷺ اعلم أن الحج حلول بحضرة المعبود، ووقوف بساحة الجود، ومشاهدة لذلك المشهد العلى الرحمانى، وإلمام بمعهد العهد الربانى، ولا يخفى أن نفس الكون بتلك الأماكن شرف وعلو، وأن التردد فى تلك المواطن فخار وسمو، فإن المحال المحترمة لم تزل تفرع على الحال فيها من سجال وصفها بفيض غامر، وحسبك فى هذا ما يحكى فى أبيات عن مجنون بنى عامر: رأى المجنون فى البيداء كلبا ... فجر عليه للإحسان ذيلا فلاموه على ما كان منه ... وقالوا لم منحت الكلب نيلا فقال دعوا الملام فإن عينى ... رأته مرة فى حى ليلا
جنون فى البيداء كلبا ... فجر عليه للإحسان ذيلا فلاموه على ما كان منه ... وقالوا لم منحت الكلب نيلا فقال دعوا الملام فإن عينى ... رأته مرة فى حى ليلا
فينبغى للعبد أن يهتم بأمر الحج ويبادر إليه، وينهض فاتر عزمه إنهاضا يحثه عليه، ولا يتوانى فى غسل أدران سيئات العمر بصابون المغفرة، ولا يتكاسل عن البدار، فيعرضه للفوات بركوب عمياء المخاطرة. وروى ابن عباس أنه- ﷺ قال: «من أراد الحج فليتعجل» «١» . رواه أبو داود. وفى حديث على بن أبى طالب، عنه- ﷺ: «من ملك راحلة وزادا يبلغه إلى بيت الله الحرام، فلا عليه أن يموت يهوديّا أو نصرانيّا» «٢» . الحديث رواه الترمذى. وخطب- ﷺ فقال: «أيها الناس: قد فرض الله عليكم الحج فحجوا» «٣» . رواه مسلم والنسائى من حديث أبى هريرة. وفى رواية النسائى، من حديث ابن عباس مرفوعا: «إن الله كتب عليكم الحج» ، فقال الأقرع بن حابس التميمى: كل عام يا رسول الله؟ فقال: «لو قلت نعم لوجبت» «٤» الحديث. فوجوب الحج معلوم من الدين بالضرورة، وقد أجمعوا على أنه لا يتكرر إلا لعارض كالنذر. واختلفوا: هل هو على الفور، أو على التراخى؟ فقال الشافعى وأبو يوسف وطائفة: هو على التراخى، إلى أن ينتهى إلى حال يظن فواته لو أخره عنها. وقال مالك وأبو حنيفة وآخرون: هو على الفور. واختلفوا أيضا فى وقت ابتداء فرضه، فقيل: قبل الهجرة، وهو شاذ، وقيل: بعدها، ثم اختلف فى سنته. فالجمهور على أنه سنة ست، لأنه نزل فيها قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ «٥» ، وهذا ينبنى على أن المراد بالإتمام ابتداء الفرض. ويؤيده
ور على أنه سنة ست، لأنه نزل فيها قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ «٥» ، وهذا ينبنى على أن المراد بالإتمام ابتداء الفرض. ويؤيده
قراءة علقمة ومسروق وإبراهيم النخعى بلفظ «وأقيموا» رواه الطبرى بأسانيد صحيحة عنهم. وقيل: المراد بالإتمام الإكمال بعد الشروع، وهذا يقتضى تقدم فرضه قبل ذلك. وقد وقع فى قصة ضمام ذكر الأمر بالحج وكان قدومه على ما ذكر الواقدى سنة خمس، وهذا يدل- إن ثبت- على تقدمه على سنة خمس، أو وقوعه فيها. وقالت طائفة: إنه تأخر نزول فرضه إلى التاسعة والعاشرة. واحتجوا: بأن صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود، وفيه قدم وفد نجران على رسول الله- ﷺ وصالحهم على أداء الجزية، والجزية نزلت عام تبوك سنة تسع وفيها نزل صدر سورة آل عمران، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى التوحيد. ويدل عليه أن أهل مكة وجدوا فى أنفسهم بما فاتهم من التجارة مع المشركين لما أنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ «١» الآية، فأعاضهم الله من ذلك بالجزية، ونزول هذه الآيات والمنادات بها إنما كان سنة تسع، وبعث الصديق يؤذن بذلك فى مكة فى موسم الحج، وأردفه بعلى. وفى الترمذى من حديث جابر، أن النبى- ﷺ حج ثلاث حجج، حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعد ما هاجر معها عمرة، فساق ثلاث وستين بدنة، ثم جاء على من اليمن ببقيتها، فيها جمل فى أنفه برة من فضة فنحرها «٢» ، الحديث. وعن ابن عباس: حج- ﷺ قبل أن يهاجر ثلاث حجج «٣» . أخرجه الحاكم وابن ماجه. وهو مبنى على عدد وفود الأنصار إلى العقبة بمنى بعد الحج، وهذا لا يقتضى نفى الحج قبل ذلك. وقد أخرج الحاكم بسند صحيح إلى الثورى، أن النبى- ﷺ حج قبل أن يهاجر حججا «٤» .
وفود الأنصار إلى العقبة بمنى بعد الحج، وهذا لا يقتضى نفى الحج قبل ذلك. وقد أخرج الحاكم بسند صحيح إلى الثورى، أن النبى- ﷺ حج قبل أن يهاجر حججا «٤» .
وقال ابن الجوزى: حج حججا لا يعلم عددها، وقال ابن الأثير: كان- ﷺ يحج كل سنة قبل أن يهاجر. وقال جابر فى حديثه الطويل- كما فى رواية مسلم-: مكث- ﷺ تسع سنين لم يحج ثم أذن فى العاشرة؛ أن رسول الله- ﷺ حاج. فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله- ﷺ، ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبى بكر، فأرسلت إلى رسول الله- ﷺ: كيف أصنع؟ قال: «اغتسلى واستثفرى بثوب وأحرمى» ، فصلى رسول الله- ﷺ فى المسجد، ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء، نظرت مدّ بصرى بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله- ﷺ بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل من شئ عملنا به «١» . وفى رواية عند النسائى: قال جابر: خرج رسول الله- ﷺ لخمس بقين من ذى القعدة وخرجنا معه، حتى إذا أتى ذا الحليفة الحديث «٢» . وكان خروجه- ﷺ من المدينة بين الظهر والعصر، فنزل بذى الحليفة، فصلى بها العصر ركعتين، ثم بات بها، وصلى بها المغرب والعشاء والصبح والظهر. وكان نساؤه كلهن معه، فطاف عليهن تلك الليلة ثم اغتسل غسلا ثانيا لإحرامه، غير غسل الجماع الأول. وفى الترمذى، عن خارجة بن زيد عن أبيه: تجرد رسول الله- ﷺ لإهلاله واغتسل «٣» . وفى الصحيحين: أن عائشة طيبته بذريرة «٤» ، وفى رواية
قالت: كأنى أنظر إلى وبيص الطيب فى مفارقه- ﷺ وهو محرم «١» ، وفى رواية قالت: طيبته عند إحرامه، ثم طاف فى نسائه، ثم أصبح محرما «٢» ، زاد فى رواية: ينضح طيبا «٣» . وفى رواية: طيبته طيبا لا يشبه طيبكم «٤» ، تعنى ليس له بقاء. وهذا يدل على استحباب الطيب عند إرادة الإحرام، وأنه لا بأس باستدامته بعد الإحرام، ولا يضر بقاء لونه ورائحته، وإنما يحرم فى الإحرام ابتداؤه، وهذا مذهب الشافعى وأبى حنيفة وأبى يوسف وأحمد بن حنبل، وحكاه الخطابى عن أكثر الصحابة، وحكاه النووى عن جمهور العلماء من السلف والخلف. وذهب مالك: إلى منع التطيب قبل الإحرام بما تبقى رائحته بعده، لكنه قال: إن فعل فقد أساء ولا فدية عليه. وعن عائشة قالت: كان- ﷺ إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمى وأشنان «٥» ، رواه الدار قطنى. وفى حديث أنس عند أبى داود والترمذى: أنه- ﷺ صلى الظهر ثم ركب راحلته، فلما علا على جبل البيداء أهل «٦» . وفى رواية ابن عمر، عند البخارى ومسلم وغيرهما: ما أهل إلا من عند المسجد «٧» ، يعنى مسجد ذى الحليفة.
وفى رواية: ما أهل إلا من عند الشجرة حين قام به بعيره «١» . وفى رواية: حين وضع رجله فى الغرز، واستوت به راحلته قائما، أهل من عند مسجد ذى الحليفة. وفى رواية جابر- عند أبى داود والترمذى- أنه- ﷺ لما أراد الحج أذن فى الناس فاجتمعوا له، فلما أتى البيداء أحرم «٢» .
قائما، أهل من عند مسجد ذى الحليفة. وفى رواية جابر- عند أبى داود والترمذى- أنه- ﷺ لما أراد الحج أذن فى الناس فاجتمعوا له، فلما أتى البيداء أحرم «٢» . وفى حديث ابن جبير- عند أبى داود- قال: قلت لابن عباس: عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله- ﷺ فى إهلال رسول الله- ﷺ حين أوجب!؟ فقال: إنى لأعلم الناس بذلك، إنها إنما كانت من رسول الله- ﷺ حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا. خرج- ﷺ حاجّا فلما صلى فى مسجده بذى الحليفة ركعتيه أوجبه فى مجلسه فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام فحفظته عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل، وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون إليه أرسالا، فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا إنما أهل رسول الله- ﷺ حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول الله- ﷺ، فلما علا على شرف البيداء أهل، وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا إنما أهل حين علا على شرف البيداء، وايم الله لقد أوجب فى مصلاه، وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا على شرف البيداء. قال سعيد بن جبير: فمن أخذ بقول عبد الله بن عباس أهل فى مصلاه إذا فرغ من ركعتيه «٣» ، وهو مذهب أبى حنيفة، والصحيح من مذهب الشافعى أن الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته. قال ابن القيم: ولم ينقل عنه- ﷺ أنه صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر، انتهى.
ى حنيفة، والصحيح من مذهب الشافعى أن الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته. قال ابن القيم: ولم ينقل عنه- ﷺ أنه صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر، انتهى.
قلت: ثبت فى الصحيحين عن ابن عمر أنه- ﷺ كان يركع بذى الحليفة ركعتين، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذى الحليفة أهل «١» . قال النووى: فيه استحباب صلاة ركعتين عند إرادة الإحرام، ويصليهما قبل الإحرام، ويكونان نافلة، هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إلا ما حكاه القاضى وغيره عن الحسن البصرى أنه يستحب كونهما بعد صلاة فرض، قل: لأنه روى أن هاتين الركعتين كانتا صلاة الصبح، والصواب ما قاله الجمهور وهو ظاهر الحديث. وقد اختلفت روايات الصحابة فى حجه- ﷺ حجة الوداع، هل كان مفردا أو قارنا أو متمتعا؟ وروى كل منها فى البخارى ومسلم وغيرهما. واختلف الناس فى ذلك على ستة أقوال: أحدها: أنه حج مفردا لم يعتمر معه. الثانى: حج متمتعا تمتعا حل منه ثم أحرم بعده بالحج، كما قاله القاضى أبو يعلى وغيره. الثالث: أنه حج متمتعا تمتعا لم يحل فيه لأجل سوق الهدى ولم يكن قارئا. الرابع: أنه حج قارنا قرانا طاف له طوافين وسعى له سعيين. الخامس: أنه حج مفردا، اعتمر بعده من التنعيم. السادس: أنه- ﷺ حج قارنا بالحج والعمرة ولم يحل حتى حل منهما جميعا، وطاف لهما طوافا واحدا وسعيا واحدا وساق الهدى. واختلفوا أيضا فى إحرامه على ستة أقوال: أحدها: أنه لبى بالعمرة وحدها، واستمر عليها. الثانى: أنه لبى بالحج وحده واستمر عليه. الثالث: أنه لبى بالحج مفردا ثم أدخل عليه العمرة.
على ستة أقوال: أحدها: أنه لبى بالعمرة وحدها، واستمر عليها. الثانى: أنه لبى بالحج وحده واستمر عليه. الثالث: أنه لبى بالحج مفردا ثم أدخل عليه العمرة.
الرابع: أنه لبى بالعمرة وحدها ثم أدخل عليها الحج. الخامس: أنه أحرم إحراما مطلقا لم يعين فيه نسكا، ثم عينه بعد إحرامه. السادس: لبى بالحج والعمرة معا. وقد أطنب أبو جعفر الطحاوى الحنفى فى الكلام على ذلك، فإنه تكلم عليه فى زيادة على ألف ورقة كما ذكره عنه جماعة من العلماء، وبينه ابن حزم فى حجة الوداع بيانا شافيا، ومهده المحب الطبرى تمهيدا بالغا، وأشار إليه القاضى عياض والنووى فى شرحيهما لمسلم، ونقحه الحافظ ابن حجر مستوفيا لكثير من مباحثه استيفاء كافيا. والذى ذهب إليه الشافعى فى جماعة: أنه- ﷺ حج حجّا مفردا لم يعتمر معه، واحتج بما فى الصحيحين أن عائشة قالت: «خرجنا مع رسول الله- ﷺ عام حجة الوداع، فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهلّ بحج وعمرة، ومنا أهلّ بالحج وحده، وأهلّ رسول الله- ﷺ بالحج» . فهذا التقسيم والتنويع صريح فى إهلاله بالحج وحده. ولمسلم عنها: أنه- ﷺ أهل بالحج وحده «١» . ولمسلم أيضا عن ابن عباس: أهل رسول الله- ﷺ بالحج «٢» . ولابن ماجه عن جابر: أن رسول الله- ﷺ أفرد الحج «٣» . وعن ابن عمر: أنه- ﷺ أفرد الحج. رواه البخارى. قالوا: وهؤلاء لهم قرب فى حجة الوداع على غيرهم: فأما جابر، فهو
أحسن الصحابة سياقا لرواية حديث حجة الوداع، فإنه ذكرها من حين خروجه- ﷺ من المدينة إلى آخرها، فهو أضبط لها من غيره. وأما ابن عمر، فصح عنه أنه كان آخذا بخطام ناقته- ﷺ فى حجة الوداع، وأنكر على من رجح قول أنس على قوله وقال: كان أنس يدخل على النساء وهن مكشفات الرؤوس وإنى كنت تحت ناقته- ﷺ يمسنى لعابها، أسمعه يلبى بالحج، وأما عائشة فقربها من رسول الله- ﷺ معروف، وكذا اطلاعها على باطن أمره وظاهره، وفعله فى خلواته وعلانيته، مع كثرة فهمها وعظم فطنتها. وأما ابن عباس فمحله من العلم والفقه فى الدين والفهم الثاقب معروف، مع كثرة بحثه وتحفظه أحوال رسول الله- ﷺ التى لم يحفظها غيره وأخذه إياها من كبار الصحابة. واحتجوا أيضا: بأن الخلفاء الراشدين واظبوا على «الإفراد» مع أنهم الأئمة الأعلام، وقادة الإسلام، والمقتدى بهم، فكيف يظن بهم المواظبة على ترك الأفضل. وبأنه لم ينقل عن أحد منهم كراهة الإفراد، وقد نقل عنهم كراهة التمتع والجمع بينهما، حتى فعله على- رضى الله عنه- لبيان الجواز. وبأن الإفراد لا يجب فيه دم بالإجماع بخلاف التمتع والقران. وذهب النووى إلى أن الصواب أنه- ﷺ كان قارنا، ويؤيده أنه- ﷺ لم يعتمر فى تلك السنة بعد الحج، قال: ولا شك أن القران أفضل من الإفراد والذى لا يعتمر فى سنته عندنا، ولم يقل أحد إن الحج وحده أفضل من القران. انتهى. وقد صرح القاضى حسين والمتولى بترجيح الإفراد ولو لم يعتمر فى تلك السنة. قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: وتترجح رواية من روى القران بأمور. منها: أن معه زيادة علم على من روى الإفراد والتمتع. وبأن من روى الإفراد والتمتع اختلف عليه فى ذلك. وأشهر من روى عنه الإفراد عائشة، وقد ثبت عنها أنه اعتمر مع حجته. وابن عمر، وقد ثبت عنه أنه- ﷺ بدأ بالعمرة ثم أهل بالحج. وجابر، وقد روى عنه أنه اعتمر مع حجته أيضا.
عنه الإفراد عائشة، وقد ثبت عنها أنه اعتمر مع حجته. وابن عمر، وقد ثبت عنه أنه- ﷺ بدأ بالعمرة ثم أهل بالحج. وجابر، وقد روى عنه أنه اعتمر مع حجته أيضا.
وبأن القران رواه عنه- ﷺ جماعة من الصحابة لم يختلف عليهم فيه. وبأنه لم يقع فى شئ من الروايات النقل عنه من لفظه أنه قال: أفردت، ولا تمتعت، بل صح عنه أنه قال: «لولا أن معى الهدى لأحللت» «١» . وأيضا: فإن من روى القران لا يحتمل حديثه التأويل إلا بتعسف، بخلاف من روى الإفراد فإنه محمول على أول الحال وينتفى التعارض، ويؤيده: أن من جاء عنه الإفراد جاء عنه صورة القران، ومن روى عنه التمتع فإنه محمول على سفر واحد للنسكين، ويؤيده: أن من جاء عنه التمتع لما وصفه، وصفه بصورة القران، لأنهم اتفقوا على أنه لم يحل من عمرته حتى أتم عمل جميع الحج، وهذه إحدى صور القران. وأيضا: فإن رواية القران جاءت عن بضعة عشر صحابيّا. انتهى. وعدهم ابن القيم سبعة عشر: عائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عباس، وعمر ابن الخطاب، وعلى بن أبى طالب، وعثمان بن عفان بإقراره لعلى، وعمران ابن الحصين، والبراء بن عازب، وحفصة أم المؤمنين، وأبو قتادة، وابن أبى أوفى، وأبو طلحة، والهرماس بن زياد، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وسعد ابن أبى وقاص، وجابر، وابن عمر، قال: فهؤلاء سبعة عشر صحابيّا، منهم من روى فعله، ومنهم من روى لفظ إحرامه، ومنهم من روى خبره عن نفسه، ومنهم من روى أمره به. فإن قيل: كيف تجعلون منهم ابن عمر وجابرا، وعائشة، وابن عباس؟ وعائشة تقول: أهلّ رسول الله- ﷺ بالحج، وفى لفظ: أفرد الحج، والأول فى الصحيحين، والثانى فى مسلم. وهذا ابن عمر يقول: لبى بالحج وحده، ذكره البخارى، وهذا ابن عباس يقول: أهلّ بالحج، رواه مسلم. وهذا جابر يقول: أفرد الحج، رواه ابن ماجه. قيل: إن كانت الأحاديث عن هؤلاء تعارضت وتساقطت، فإن أحاديث
خارى، وهذا ابن عباس يقول: أهلّ بالحج، رواه مسلم. وهذا جابر يقول: أفرد الحج، رواه ابن ماجه. قيل: إن كانت الأحاديث عن هؤلاء تعارضت وتساقطت، فإن أحاديث
الباقين لم تتعارض، فهب أن أحاديث من ذكرتم لا حجة فيها على القران ولا على الإفراد، فما الموجب للعدول عن أحاديث الباقين مع صراحتها وصحتها، فكيف وأحاديثهم يصدق بعضها بعضا، ولا تعارض بينها. انتهى. وهذا يقتضى رفع الشك عنها والمصير إلى أنه- ﷺ كان قارنا، ومقتضى ذلك أن يكون القران أفضل من الإفراد والتمتع، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين، وبه قال الثورى «١» وأبو حنيفة وإسحاق بن راهواه واختاره من الشافعية المزنى وابن المنذر، وأبو إسحاق المروزى، ومن المتأخرين الشيخ تقى الدين السبكى، وبحث مع النووى فى اختياره أنه- ﷺ كان قارنا، وأن الإفراد مع ذلك أفضل، مستندا إلى أنه- ﷺ اختار الإفراد أولا ثم أدخل عليه العمرة لبيان جواز الاعتمار فى أشهر الحج لكونهم كانوا يعتقدونه من أفجر الفجور، وتعقب: بأن البيان قد سبق منه- ﷺ فى عمره الثلاث، فإنه أحرم بكل منها فى ذى القعدة، وهى عمرة الحديبية التى صد عن البيت فيها، وعمرة القضية، وعمرة الجعرانة، ولو كان أراد باعتماره مع حجته بيان الجواز فقط- مع أن الأفضل خلافه- لاكتفى فى ذلك بأمره أصحابه أن يفسخوا حجهم إلى العمرة. انتهى. ومذهب الشافعى ومالك وكثيرين أن أفضلها: الإفراد، ثم التمتع، ثم القران، فإن قلت: إذا كان الراجح أنه- ﷺ كان قارنا، فلم رجح الشافعية والمالكية الإفراد على القران؟ فقد أجاب عن ذلك النووى فى شرح المهذب: بأن ترجيح الإفراد لأنه- ﷺ اختاره أولا، فأهلّ بالحج وحده، وإنما أدخل عليه العمرة لمصلحة بيان جواز الاعتمار فى أشهر الحج، وكانت العرب تعتقده من أفجر الفجور كما ذكرته. وقد ذهب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم: إلى أن التمتع أفضل، وهو مذهب أحمد، لكونه- ﷺ تمناه، فقال: «لولا أنى سقت
الهدى لأحللت» «١» ، ولا يتمنى إلا الأفضل. وأجيب: بأنه إنما تمناه تطييبا لقلوب أصحابه لحزنهم على فوات موافقته، وإلا فالأفضل ما اختاره الله تعالى له، واستمر عليه- ﷺ. وأما القائلون، إنه- ﷺ لبى بالعمرة واستمر عليها، فحجتهم حديث ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر قال: تمتع رسول الله- ﷺ فى حجة الوداع بالعمرة إلى الحج «٢» . وقال ابن شهاب عن عروة: إن عائشة أخبرته عن النبى- ﷺ فى تمتعه بالعمرة إلى الحج، فتمتع الناس معه بمثل الذى أخبرنى سالم عن ابن عمر. وقال ابن عباس: قال رسول الله- ﷺ: «هذه عمرة استمتعنا بها» «٣» . وقال سعد بن أبى وقاص فى المتعة: صنعها رسول الله- ﷺ وصنعناها معه «٤» . وأجيب: بأن التمتع عندهم يتناول القران، ويدل له ما فى الصحيحين عن سعيد بن المسيب: اجتمع على وعثمان بعسفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة، فقال على: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله- ﷺ تنهى عنه؟ فقال عثمان: دعنا منك، فقال: إنى لا أستطيع أن أدعك. فلما رأى على ذلك أهلّ بهما جميعا «٥» . فهذا يبين أن من جمع بينهما كانت متمتعا عندهم، وأن هذا هو الذى فعله رسول الله- ﷺ. ووافقه عثمان على أنه- ﷺ فعله، لكن النزاع بينهما: هل ذلك الأفضل فى حقنا أم لا؟ فقد اتفق على وعثمان على أنه
عندهم، وأن هذا هو الذى فعله رسول الله- ﷺ. ووافقه عثمان على أنه- ﷺ فعله، لكن النزاع بينهما: هل ذلك الأفضل فى حقنا أم لا؟ فقد اتفق على وعثمان على أنه
- ﷺ تمتع وأن المراد بالتمتع عندهم القران. وأيضا: فإنه- ﷺ قد تمتع تمتع قران باعتبار ترفهه بترك أحد السفرين. انتهى. وفى فتح البارى عن أحمد: أن من ساق الهدى فالقران له أفضل ليوافق فعل النبى- ﷺ، ومن لم يسق الهدى فالتمتع له أفضل ليوافق ما تمناه وأمر به أصحابه. انتهى. وأما من قال: إنه- ﷺ حج مفردا ثم اعتمر عقبه من التنعيم أو غيره فهو غلط، لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا الأئمة الأربعة، ولا أحد من أهل الحديث. قاله ابن تيمية. وأما من قال: إنه حج متمتعا، حل فيه من إحرامه، ثم أحرم يوم التروية بالحج مع سوق الهدى فحجته حديث معاوية أنه قصر عن رأس رسول الله- ﷺ بمشقص على المروة «١» ، وحديثه فى الصحيحين، ولا يمكن أن يكون هذا فى غير حجة الوداع، لأن معاوية أسلم بعد الفتح، والنبى- ﷺ لم يكن زمن الفتح محرما، ولا يمكن أن يكون فى عمرة الجعرانة لوجهين: أحدهما: أنه فى بعض ألفاظ الحديث الصحيح «وذلك فى حجته» «٢» ، الثانى: أن فى رواية النسائى بإسناد صحيح: «وذلك فى أيام العشر» «٣» وهذا إنما كان فى حجته، وهذا مما أنكره الناس على معاوية وغلطوه فيه، وأصابه فيه ما أصاب ابن عمر فى قوله: ٧ نه اعتمر فى رجب كما سيأتى. وسائر الأحاديث الصحيحة كلها تدل على أنه- ﷺ لم يحل من إحرامه إلى يوم النحر، وبذلك أخبر عن نفسه بقوله: «لولا أن معى الهدى لأحللت» «٤» وقوله: «إنى سقت الهدى وقرنت فلا أحل عن حتى
ا تدل على أنه- ﷺ لم يحل من إحرامه إلى يوم النحر، وبذلك أخبر عن نفسه بقوله: «لولا أن معى الهدى لأحللت» «٤» وقوله: «إنى سقت الهدى وقرنت فلا أحل عن حتى
أنحر» «١» . وهذا خبر عنه لا يدخله الوهم ولا الغلاط، بخلاف خبر غيره عنه. قاله فى زاد المعاد. وأما اختلاف الروايات عنه- ﷺ فى إهلاله، هل هو بالحج أو بالعمرة أو القران، والجمع بينها، فكل تأول بما يناسب مذهبه الذى قدمته. قال البغوى: والذى ذكره الشافعى فى كتاب «اختلاف الأحاديث» كلاما موجزه: «أن أصحاب رسول الله- ﷺ كان منهم المفرد والقارن والمتمتع، فكل كان يأخذ عنه أمر نسكه، ويصدر عن تعليمه، فأضيف الكل إليه على معنى أنه أمر بها وأذن فيها، ويجوز فى لغة العرب إضافة الفعل إلى الآمر به، كما يجوز إضافته إلى الفاعل له، كما يقال: بنى فلان دارا، ويريد أنه أمر ببنائها، وكما روى أنه- ﷺ رجم ماعزا، وإنما أمر برجمه، ثم احتج بأنه- ﷺ كان أفرد الحج. انتهى، وقال الخطابى نحوه. وقال النووى: كان- ﷺ أولا مفردا، ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك، وأدخلها على الحج فصار قارنا، فمن روى الإفراد فهو الأصل، يعنى حمله على ما أهل به فى أول الحال، ومن روى القران أراد ما استقر عليه أمره، ومن روى التمتع أراد به التمتع اللغوى والارتفاق، فقد ارتفق بالقران كارتفاق التمتع وزيادة، وهو الاقتصار على فعل واحد. وقال غيره: أراد بالتمتع ما أمر به غيره. قالوا: وبهذا الجمع تنتظم الأحاديث كلها ويزول عنها الاضطراب والتناقض. وقالت طائفة: إنما أحرم- ﷺ قارنا ابتداء يعنى بالحج والعمرة معا واحتجوا بأحاديث صحيحة تزيد على العشرين، منها حديث أنس فى صحيح مسلم سمعت رسول الله- ﷺ أهل بهما: «لبيك عمرة وحجّا» «٢» . ورواه عن أنس ستة عشر نفسا من الثقات، كلهم متفقون عن أنس أن لفظ النبى- ﷺ كان إهلالا بحج وعمرة معا.
معت رسول الله- ﷺ أهل بهما: «لبيك عمرة وحجّا» «٢» . ورواه عن أنس ستة عشر نفسا من الثقات، كلهم متفقون عن أنس أن لفظ النبى- ﷺ كان إهلالا بحج وعمرة معا.
وأما من قال: إنه- ﷺ أهل بالعمرة وأدخل عليها الحج، فحجته ما فى البخارى من حديث ابن عمر قال: تمتع رسول الله- ﷺ فى حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه الهدى من ذى الحليفة، وبدأ- ﷺ فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج. وقد تقدم فى الأحاديث الكثيرة الصريحة أنه- ﷺ بدأ بالإهلال بالحج ثم أدخل عليه العمرة، وهذا عكسه. والمشكل فى هذا الحديث قوله: «بدأ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج» . وأجيب عنه: بأن المراد به صورة الإهلال، أى لما أدخل العمرة على الحج لبى بهما فقال: «لبيك بعمرة وحج معا» «١» ولبعضهم: بدأ رسول الله- ﷺ فأهل بالعمرة «٢» ، أى أمرهم بها أولا، أى بتقديمها على الحج. ومذهب الشافعى: أنه لو أدخل الحج على العمرة قبل الطواف صح، وصار قارنا، فلو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة ففيه قولان للشافعى، أصحهما لا يصح إحرامه بالعمرة، لأن الحج أقوى منها لاختصاصه بالوقوف والرمى. والضعيف لا يدخل على القوى. انتهى. وعن ابن عباس قال: صلى- ﷺ الظهر بذى الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها فى صفحة سنامها الأيمن وسلت الدم وقلدها نعلين «٣» ، رواه مسلم وأبو داود. وفى رواية الترمذى: قلد نعلين، وأشعر الهدى فى الشق الأيمن، بذى الحليفة، وأماط عنه الدم «٤» . وفى رواية لأبى داود بمعناه، وقال: ثم
سلت الدم بيده «١» ، وفى أخرى بأصبعه «٢» . وعند النسائى: أشعر بدنه من الجانب الأيمن وسلت الدم عنها وقلدها نعلين «٣» . وفى أخرى: أمر ببدنة فأشعر فى سنامها من الشق الأيمن ثم سلت عنها الدم وقلدها نعلين «٤» . وكان حجه- ﷺ على رحل رث يساوى أربعة دراهم «٥» . رواه الترمذى فى الشمائل وابن ماجه من حديث أنس، والطبرانى فى الأوسط من حديث ابن عباس. وعن أسماء بنت أبى بكر قالت: خرجنا مع رسول الله- ﷺ حجاجا حتى إذا كنا بالعرج نزل رسول الله- ﷺ ونزلنا، فجلست عائشة إلى جنب رسول الله- ﷺ، وجلست إلى جنب أبى بكر، وكانت زمالة رسول الله- ﷺ وزمالة أبى بكر واحدة، مع غلام لأبى بكر، فجلس أبو بكر ينتظر أن يطلع عليه، فطلع عليه وليس معه بعيره، فقال له أبو بكر: أين بعيرك؟ فقال: أضللته البارحة. قال أبو بكر: بعير واحد تضله؟ وطفق يضربه ورسول الله- ﷺ يبتسم ويقول: «انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع» ، وما يزيد على ذلك ويبتسم «٦» . رواه أبو داود. وخرج معه- ﷺ أصحابه لا يعرفون إلا الحج- كما قالت عائشة- فبين لهم- ﷺ وجوه الإحرام وجوز لهم الاعتمار فى أشهر الحج فقال:
ذلك ويبتسم «٦» . رواه أبو داود. وخرج معه- ﷺ أصحابه لا يعرفون إلا الحج- كما قالت عائشة- فبين لهم- ﷺ وجوه الإحرام وجوز لهم الاعتمار فى أشهر الحج فقال:
«من أحب أن يهل بعمرة فليهل، ومن أحب أن يهل بحج فليهل» «١» . رواه البخارى. ولأحمد: «من شاء فليهل بعمرة» . ولما بلغ- ﷺ الأبواء أو ودان، أهدى له الصعب بن جثامة حمارا وحشيا فرده عليه، فلما رأى ما فى وجهه قال: «٧ نا لم نرده عليك إلا أنا حرم» «٢» . رواه البخارى ومسلم. وله فى رواية: حمار وحش «٣» . وفى أخرى: من لحم حمار وحش «٤» ، وفى رواية: عجز حمار وحش يقطر دما «٥» ، وفى رواية: شق حمار وحش «٦» ، وفى رواية عضو من لحم صيد «٧» . ورواه أبو داود وابن حبان من طريق عطاء عن ابن عباس أنه قال: يا زيد بن أرقم، هل علمت أن رسول الله- ﷺ.. فذكره. واتفقت الروايات كلها عن أنه رده عليه، إلا ما رواه ابن وهب والبيهقى من طريقه بإسناد حسن من طريق عمرو بن أمية: أن الصعب أهدى للنبى- ﷺ عجز حمار وحش، وهو بالجحفة، فأكل منه وأكل القوم، قال البيهقى: إن كان هذا محفوظا فلعله رد الحى وقبل اللحم. قال فى فتح البارى: وفى هذا الجمع نظر، فإن كانت الطرق محفوظة فلعله رد حيّا لكونه صيد لأجله، ورد اللحم تارة لذلك، وقبله تارة أخرى حيث علم أنه لم يصده لأجله. وقد قال الشافعى فى «الأم» : إن كان الصعب
الطرق محفوظة فلعله رد حيّا لكونه صيد لأجله، ورد اللحم تارة لذلك، وقبله تارة أخرى حيث علم أنه لم يصده لأجله. وقد قال الشافعى فى «الأم» : إن كان الصعب
أهدى حمارا حيّا فليس للمحرم أن يذبح حمار وحش حى، وإن كان أهدى له لحما فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له فرده عليه. ونقل الترمذى عن الشافعى: أنه رده لظنه أنه صيد من أجله فتركه على وجه التنزه، ويحتمل أن يحمل القبول المذكور فى حديث عمرو بن أمية على وقت آخر، وهو حال رجوعه- ﷺ من مكة، ويؤيده: أنه جازم فيه بوقوع ذلك فى الجحفة، وفى غيرها من الروايات: بالأبواء أو بودان. وقال القرطبى: يحتمل أن يكون الصعب أحضر الحمار مذبوحا ثم قطع منه عضوا بحضرته- ﷺ فقدمه له، فمن قال: أهدى حمارا أراد بتمامه مذبوحا لا حيّا، ومن قال: لحم حمار أراد ما قدمه للنبى- ﷺ، قال: ويحتمل أن يكون من قال حمارا، أطلق وأراد بعضه مجازا، قال: ويحتمل أنه أهداه له حيّا، فلما رده عليه ذكاه وأتاه بعضو منه ظانا أنه إنما رده عليه لمعنى يختص بجملته، فأعلمه بامتناعه أن حكم الجزء حكم الكل. قال: والجمع مهما أمكن أولى من توهيم بعض الرواة. قال النووى: قال الشافعى وآخرون: ويحرم تملك الصيد بالبيع والهبة ونحوها، وفى ملكه بالإرث خلاف، وأما لحم الصيد فإن صاده أو صيد له فهو حرام، سواء صيد له بإذنه أو بغير إذنه، وإن صاده حلال لنفسه ولم يقصد المحرم، ثم أهدى من لحمه للمحرم أو باعه لم يحرم عليه، هذا مذهبنا، وبه قال مالك وأحمد وداود، وقال أبو حنيفة: لا يحرم عليه ما صيد له بغير إعانة منه، وقالت طائفة: لا يحل له لحم الصيد أصلا، سواء صاده، أو صاده غيره له، قصده أو لم يقصده، فيحرم مطلقا. حكاه القاضى عياض عن على وابن عمر وابن عباس لقوله تعالى: وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً «١» ، قالوا: والمراد بالصيد المصيد، ولظاهر حديث الصعب بن جثامة، فإنه- ﷺ رد وعلل رده بأنه محرم، ولم يقل: بأنك صدته لنا. واحتج الشافعى وموافقوه: بحديث أبى قتادة المذكور فى صحيح
د المصيد، ولظاهر حديث الصعب بن جثامة، فإنه- ﷺ رد وعلل رده بأنه محرم، ولم يقل: بأنك صدته لنا. واحتج الشافعى وموافقوه: بحديث أبى قتادة المذكور فى صحيح
مسلم، فإنه- ﷺ قال فى الصيد الذى صاده أبو قتادة وهو حلال، قال للمحرمين: «هو حلال فكلوه» «١» . وفى الرواية الآخرى قال: «فهل معكم منه شئ؟» قالوا: معنا رجله فأخذها رسول الله- ﷺ فأكلها «٢» . ولما مرّ- ﷺ بوادى عسفان قال: «يا أبا بكر، أى واد هذا؟» قال: وادى عسفان قال: «لقد مرّ به هود وصالح على بكرين أحمرين خطامهما الليف، وأرزهما العباء وأرديتهما النمار يلبون بالحج يحجون البيت العتيق» «٣» . رواه أحمد. وفى رواية مسلم من حديث ابن عباس، لما مر بوادى الأزرق قال: «كأنى أنظر إلى موسى هابطا من الثنية واضعا أصبعيه فى أذنيه مارا بهذا الوادى، وله جؤار إلى الله بالتلبية» «٤» . ووادى الأزرق خلف أمج- بفتح الهمزة والميم والجيم- قرية ذات مزارع، بينه وبين مكة ميل واحد، ولم يعين فى رواية البخارى الوادى، ولفظه: أما موسى كأنى أنظر إليه إذ انحدر من الوادى يلبى. قال المهلب: هذا وهم من بعض رواته، لأنه لم يأت فى أثر ولا خبر أن موسى حى، وأنه سيحج، وإنما أتى ذلك عن عيسى فاشتبه على الراوى، ويدل عليه قوله فى الحديث الآخر: «ليهلن ابن مريم بفج الروحاء» «٥» انتهى. وهو تغليط للثقات بمجرد التوهم، وقد ذكر البخارى الحديث فى اللباس من صحيحه بزيادة ذكر إبراهيم فيه أفيقال: إن الراوى الآخر قد غلط فزاده؟ وفى رواية مسلم المتقدمة ذكر يونس، أفيقال: إن الراوى الآخر قد غلط فزاد يونس؟
وتعقب أيضا: بأن توهيم المهلب للراوى وهم منه، وإلا فأى فرق بين موسى وعيسى؟ لأنه لم يثبت أن عيسى منذ رفع نزل إلى الأرض، وإنما ثبت أنه سينزل. وأجيب: بأن المهلب أراد أن عيسى لما ثبت أنه سينزل كان كالمحقق، فقال: «كأنى أنظر إليه» ولهذا استدل المهلب بحديث أبى هريرة الذى فيه «ليهلن ابن مريم بالحج» . وقد اختلف فى معنى قوله: «كأنى أنظر إليه» . فقيل: إن ذلك رؤيا منام تقدمت له فأخبر عنها لما حج عندما تذكر ذلك، ورؤيا الأنبياء وحى. وقيل: هو على الحقيقة، لأن الأنبياء أحياء عند ربهم يرزقون، فلا مانع أن يحجوا فى هذه الحالة، كما فى صحيح مسلم عن أنس: أنه رأى موسى- ﵇ قائما فى قبره يصلى. قال القرطبى: حببت إليهم العبادة، فهم يتعبدون بما يجدونه من دواعى أنفسهم لا بما يلزمون به، كما يلهم أهل الجنة الذكر. ويؤيده أن عمل الآخرة ذكر ودعاء لقوله تعالى: دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ «١» الآية لكن تمام هذا التوجيه أن يقال: المنظور إليه هى أرواحهم، فلعلها مثلت له- ﷺ فى الدنيا كما مثلت له ليلة الإسراء، وأما أجسادهم فهى فى القبور. قال ابن المنير وغيره: يجعل الله لروحه مثالا، ويرى فى اليقظة كما يرى فى النوم. وقيل: كأنه مثلت أحوالهم التى كانت فى الحياة الدنيا، كيف تعبدوا، وكيف حجوا، وكيف لبوا، ولهذا قال: «كأنى» ... وقيل: كأنه أخبر بالوحى عن ذلك، فلشدة قطعه به قال: «كأنى أنظر إليه» . انتهى. وقد ذكرت فى مقصد الإسراء من ذلك ما يكفى والله الموفق. ولما نزل- ﷺ بسرف خرج إلى أصحابه فقال من لم يكن معه هدى فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه الهدى فلا. وحاضت عائشة فدخل عليها- ﷺ وهى تبكى، فقال: «ما يبكيك يا هنتاه» ، قالت: سمعت قولك لأصحابك فمنعت العمرة، قال: «وما شأنك؟» قالت: لا
ن كان معه الهدى فلا. وحاضت عائشة فدخل عليها- ﷺ وهى تبكى، فقال: «ما يبكيك يا هنتاه» ، قالت: سمعت قولك لأصحابك فمنعت العمرة، قال: «وما شأنك؟» قالت: لا
أصلى، قال: «فلا يضرك، إنما أنت امرأة من بنات آدم، كتب الله عليك ما كتب عليهن، فكونى فى حجك، فعسى الله أن يرزقكها» «١» ، رواه البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى. وفى رواية قال: خرجنا مع رسول الله- ﷺ لا نذكر إلا الحج، حتى جئنا سرف، فطمثت، فدخل علىّ رسول الله- ﷺ وأنا أبكى، فقال: «ما يبكيك» فقلت: والله لوددت أنى لم أكن خرجت العام، فقال: «ما لك، لعلك نفست؟» قلت: نعم، قال: «هذا شئ كتبه الله على بنات آدم، افعلى ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفى بالبيت حتى تطهرى» «٢» . الحديث. وقد اختلف فيما أحرمت به عائشة، كما اختلف: هل كانت متمتعة أم مفردة؟ وإذا كانت متمتعة فقيل إنها كانت أولا أحرمت بالحج وهو ظاهر هذا الحديث. وفى حجة الوداع من المغازى عند البخارى، من طريق هشام بن عروة عن أبيه قالت: وكنت فيمن أهل بعمرة. وزاد أحمد من وجه آخر عن الزهرى: ولم أسق هديا، وفى رواية الأسود عنها قالت: خرجنا مع رسول الله- ﷺ نلبى لا نذكر حجّا ولا عمرة. ويحتمل فى الجمع أن يقال: أهلت عائشة بالحج مفردة، كما صنع غيرها من الصحابة، ثم أمر النبى- ﷺ أن يفسخوا الحج إلى العمرة، ففعلت عائشة ما صنعوا، فصارت متمتعة، ثم لما دخلت مكة وهى حائض ولم تقدر على الطواف لأجل الحيض أمرها أن تحرم بالحج. وقال القاضى عياض: واختلف فى الكلام على حديث عائشة، فقال:
فصارت متمتعة، ثم لما دخلت مكة وهى حائض ولم تقدر على الطواف لأجل الحيض أمرها أن تحرم بالحج. وقال القاضى عياض: واختلف فى الكلام على حديث عائشة، فقال:
ما لك: ليس العمل على حديث عروة عن عائشة عندنا قديما ولا حديثا. قال ابن عبد البر: يريد ليس العمل عليه فى رفض العمرة وجعلها حجّا، بخلاف جعل الحج عمرة، فإنه وقع للصحابة. واختلف فى جوازه من بعدهم، لكن أجاب جماعة من العلماء عن ذلك باحتمال أن يكون معنى قوله: «ارفضى عمرتك» «١» . أى اتركى التحلل منها وأدخلى عليها الحج، فتصير قارنة، ويؤيده قوله فى رواية لمسلم «وامسكى عن العمرة» «٢» أى عن أعمالها. وإنما قالت عائشة: «وأرجع بحج» لاعتقادها أن إفراد العمرة بالعمل أفضل، كما وقع لغيرها من أمهات المؤمنين. واستبعد هذا التأويل لقولها فى رواية عطاء عنها «وأرجع أنا بحجة ليس معها عمرة» «٣» أخرجه أحمد. وهذا يقوى قول الكوفيين: إن عائشة تركت العمرة وحجت مفردة، وتمسكوا فى ذلك بقوله لها «دعى عمرتك» «٤» ، وفى رواية «اقضى عمرتك» «٥» ونحو ذلك. واستدلوا به على أن للمرأة إذا أهلت بالعمرة متمتعة فحاضت قبل أن تطوف أن تترك العمرة وتهل بالحج مفردا كما صنعت عائشة. لكن فى رواية عطاء عنها ضعف، والرافع للإشكال فى ذلك: ما رواه مسلم من حديث جابر أن عائشة أهلت بعمرة، حتى إذا كان بسرف حاضت فقال لها النبى- ﷺ: «أهلى بالحج» حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وسعت، فقال: «قد حللت من حجتك وعمرتك» ، قالت: يا رسول الله إنى أجد نفسى أنى لم أطف بالبيت حين حججت، قال: «فأعمرها من التنعيم» «٦» .
ولمسلم من طريق طاوس عنها: فقال لها النبى- ﷺ: «طوافك يسعك لحجك وعمرتك» فهذا صريح فى أنها كانت قارنة، لقوله: «قد حللت من حجك وعمرتك، وإنما أعمرها من التنعيم» «١» تطييبا لقلبها لكونها لم تطف بالبيت لما دخلت معتمرة، وقد وقع فى رواية مسلم: وكان- ﷺ رجلا سهلا إذا هويت الشئ تابعها عليه «٢» . ثم قال- ﷺ لأصحابه: «من كان معه هدى فليهلل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا» «٣» . وإنما قال لهم هذا القول بعد إحرامهم بالحج، وفى منتهى سفرهم ودنوهم من مكة بسرف، كما جاء فى رواية عائشة، أو بعد طوافه بالبيت كما جاء فى رواية جابر، ويحتمل تكرار الأمر بذلك فى الموضعين. وأن العزيمة كانت آخرا حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة. وفى رواية قالت عائشة: فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج، حتى قدمنا مكة فقال- ﷺ: «من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه، ومن أهل بحج فليتم حجه» «٤» . وهذا الحديث ظاهر فى الدلالة لأبى حنيفة وأحمد وموافقيهما، فى أن المعتمر المتمتع إذا كان معه الهدى لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر. ومذهب مالك والشافعى وموافقيهما أنه إذا طاف وسعى وحلق حل من عمرته وحل له كل شئ فى الحال، سواء أكان ساق هديا أم لا. واحتجوا بالقياس على من لم يسق الهدى، وبأنه تحلل من نسكه فوجب أن يحل له كل شئ، كما لو تحلل المحرم بالحج.
له كل شئ فى الحال، سواء أكان ساق هديا أم لا. واحتجوا بالقياس على من لم يسق الهدى، وبأنه تحلل من نسكه فوجب أن يحل له كل شئ، كما لو تحلل المحرم بالحج.
وأجابوا عن هذه الرواية بأنها مختصرة من الرواية التى ذكرها مسلم عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله- ﷺ عام حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله- ﷺ: «من كان معه هدى فليهلل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا» «١» فهذه الرواية مفسرة للمحذوف من الرواية التى احتج بها أبو حنيفة وتقديرها: ومن أحرم بعمرة فليهل بالحج ولا يحل حتى ينحر هديه، ولا بد من هذا التأويل، لأن القصة واحدة، والراوى واحد، فتعين الجمع بين الروايتين على ما ذكر والله أعلم. ولما بلغ سيدنا رسول الله- ﷺ ذا طوى- بضم الطاء وبفتحها، وقيدها الأصيلى بالكسر- عند آبار الزاهر، بات بها بى الثنيتين، فلما أصبح صلى الغداة ثم اغتسل «٢» رواه البخارى. وللنسائى: كان- ﷺ ينزل بذى طوى، يبيت به حتى يصلى صلاة الصبح حين يقدم إلى مكة. ومصلى رسول الله- ﷺ ذلك، على أكمة خشنة غليظة، ليس فى المسجد الذى بنى ثمّ، ولكن من أسفل ذلك على أكمة خشنة غليظة. وفى الصحيحين: أنه- ﷺ دخلها من أعلاها «٣» . وفى حديث ابن عمر فى الصحيح: كان- ﷺ يدخل من الثنية العليا يعنى أعلى مكة من كداء «٤» - بفتح الكاف والمد، قال أبو عبيد: لا يصرف- وهذه الثنية هى التى ينزل منها إلى المعلاة- مقبرة مكة- وهى التى يقال لها: الحجون- بفتح الحاء المهملة وضم الجيم-. ولم يقع أنه- ﷺ دخل مكة ليلا إلا فى عمرة الجعرانة، فإنه- ﷺ
نزل منها إلى المعلاة- مقبرة مكة- وهى التى يقال لها: الحجون- بفتح الحاء المهملة وضم الجيم-. ولم يقع أنه- ﷺ دخل مكة ليلا إلا فى عمرة الجعرانة، فإنه- ﷺ
أحرم من الجعرانة، ودخل مكة ليلا، فقضى أمر العمرة ثم رجع ليلا فأصبح بالجعرانة كبائت «١» كما رواه أصحاب السنن الثلاثة، من حديث محرش الكعبى. وعن عطاء قال: إن شئتم فادخلوا ليلا، إنكم لستم كرسول الله- ﷺ، إنه كان إماما، فأحب أن يدخلها نهارا ليراه الناس. رواه النسائى. ثم دخل- ﷺ مكة لأربع خلون من ذى الحجة. ودخل المسجد الحرام ضحى من باب بنى عبد مناف، وهو باب بنى شيبة، والمعنى فيه أن باب الكعبة فى جهة ذلك الباب، والبيوت تؤتى من أبوابها، وأيضا: فلأن جهة باب الكعبة أشرف الجهات الأربع، كما قال ابن عبد السلام فى «القواعد» . وكان- ﷺ إذا رأى البيت قال: «اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما ومهابة وبرّا» «٢» . رواه الثورى عن أبى سعيد الشامى عن مكحول. وروى الطبرانى عن حذيفة بن أسيد: كان- ﷺ إذا نظر إلى البيت قال: «اللهم زد بيتك هذا تشريفا وتعظيما وتكريما وبرّا ومهابة، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه واعتمره تعظيما وتشريفا وبرّا ومهابة» «٣» . ولم يركع- ﷺ تحية المسجد، إنما بدأ بالطواف لأنه تحية البيت كما صرح به كثير من أصحابنا، وليس بتحية المسجد. ثم استلم- ﷺ الحجر الأسود، وفى رواية جابر عند البخارى: «استلم الركن» ، والاستلام افتعال من السلام، أى التحية، قاله الأزهرى، وقيل من السلام- بالكسر- أى الحجارة، والمعنى: أنه يومئ بعصاه إلى الركن حتى تصيبه، وكانت محنية الرأس، وهى المراد بقوله فى الحديث ب «المحجن» .
الأزهرى، وقيل من السلام- بالكسر- أى الحجارة، والمعنى: أنه يومئ بعصاه إلى الركن حتى تصيبه، وكانت محنية الرأس، وهى المراد بقوله فى الحديث ب «المحجن» .
واعلم أن للبيت أربعة أركان: الأول له فضيلتان: كون الحجر الأسود فيه، وكونه على قواعد إبراهيم، وللثانى: الثانية فقط، وليس للآخرين شئ منها، فلذلك يقبل الأول، ويستلم الثانى فقط، ولا يقبل الآخران ولا يستلمان. وروى الشافعى عن ابن عمر قال: استقبل رسول الله- ﷺ الحجر، فاستلمه ثم وضع شفتيه عليه طويلا. وكان إذا استلم الركن قال: «بسم الله والله أكبر» ، وكلما أتى الحجر قال: «الله أكبر» ، رواه الطبرانى. وهل كان- ﷺ طائفا على بعيره أم على قدميه؟ ففى مسلم عن عائشة: طاف- ﷺ فى حجة الوداع على بعيره. وفيه عن أبى الطفيل: رأيته- ﷺ يطوف بالبيت على بعيره «١» . وقد اختلف فى علة ذلك: فروى أبو داود من حديث ابن عباس: أنه- ﷺ قدم مكة وهو يشتكى، فطاف على راحلته «٢» ، وفى حديث جابر عند مسلم: أنه- ﷺ طاف راكبا ليراه الناس ويسألوه «٣» . فيحتمل أنه فعل ذلك للأمرين. قال ابن بطال: فيه جواز دخول الدواب التى يؤكل لحمها المسجد إذا احتيج إلى ذلك، لأن بولها لا ينجسه بخلاف غيرها من الدواب. وتعقب: بأنه ليس فى الحديث دلالة على عدم الجواز مع الحاجة، بل ذلك دائر مع التلويث وعدمه، فحيث يخشى التلوث يمتنع الدخول، وقد قيل: إن ناقته- ﷺ كانت منوقة، أى مدربة معلمة، فيأمن معها ما يحذر من التلويث. قال بعضهم: وهذا كان- والله أعلم- فى طواف الإفاضة، لا فى طواف القدوم، فإن جابرا حكى عنه الرمل فى الثلاثة الأول، وذلك لا يكون
إلا مع المشى، ولم يقل أحد رملت به راحلته، وإنما قالوا: رمل، أى بنفسه. وقال الشافعى: أما سعيه الذى طاف لمقدمه فعلى قدميه. انتهى. ولما استلم- ﷺ الحجر مضى على يمينه، فرمل ثلاثا ومشى أربعا. وكان ابتداء الرمل فى عمرة القضية، لما قدم- ﷺ وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حمى يثرب، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم غدا قوم قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شدة، فجلسوا مما يلى الحجر، وأمرهم النبى- ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا بين الركنين ليرى المشركين جلدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا «١» . رواه الشيخان وغيرهما من حديث ابن عباس. ولما كان فى حجة الوداع رمل- ﷺ وأصحابه، فكان سنة مستقلة. قال الطبرى: قد ثبت أنه- ﷺ رمل ولا مشرك يومئذ بمكة، يعنى فى حجة الوداع، فعلم أنه من مناسك الحج، إلا أن تاركه ليس تاركا لعمل، بل لهيئة مخصوصة، فكان كرفع الصوت بالتلبية، فمن لبى خافضا صوته لم يكن تاركا للتلبية بل لصفتها، فلا شئ عليه. انتهى. فلو ترك الرمل فى الثلاث لم يقضه فى الأربع، لأن هيئتها السكينة فلا تغير، والله أعلم. ولما فرغ- ﷺ من طوافه أتى المقام، فقرأ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى «٢» فصلى ركعتين بينه وبين البيت، قرأ فيهما ب قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ «٣» وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ «٤» ثم رجع إلى الركن الذى فيه الحجر فاستلمه. ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ «٥» ، أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى
رج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ «٥» ، أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى
رأى البيت واستقبل القبلة، فوحد الله وكبره، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» ، ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه فى بطن الوادى رمل، حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة» «١» . وفى حديث أبى الطفيل عند مسلم وأبى داود، قال: قلت لابن عباس، أخبرنى عن الطواف بين الصفا والمروة راكبا، أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة، قال: صدقوا وكذبوا، قلت: وما قولك صدقوا وكذبوا؟ قال: إن رسول الله- ﷺ كثر عليه الناس، يقولون: هذا محمد، هذا محمد، حتى خرج العواتق من البيوت. قال: وكان رسول الله- ﷺ لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثر عليه ركب، والمشى والسعى أفضل. هذا لفظ رواية مسلم. وفى أوله ذكر الرمل فى طواف البيت «٢» . وعند أبى داود أن قريشا قالت زمن الحديبية: دعوا محمدا وأصحابه حتى يموتوا موت النغف، فلما صالحوه على أن يجيؤوا العام المقبل، فيقيموا ثلاثة أيام، فقدم- ﷺ فقال لأصحابه: «أرملوا البيت» ، وفيه: طاف- ﷺ بين الصفا والمروة على بعير، لأن الناس كانوا لا يدفعون ولا يصرفون عنه، فطاف على بعير ليسمعوا كلامه، وليروا مكانه، ولا تناله أيديهم «٣» . وكان- ﷺ إذا وصل إلى المروة رقى عليها، واستقبل البيت وكبر الله وحده، وفعل كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخر طوافه على المروة قال: «لو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدى وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل وليجعلها عمرة» ، فقام سراقة بن جعشم فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا، أم لأبد؟ فشبك- ﷺ أصابعه واحدة فى
ى وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل وليجعلها عمرة» ، فقام سراقة بن جعشم فقال: يا رسول الله، ألعامنا هذا، أم لأبد؟ فشبك- ﷺ أصابعه واحدة فى
الآخرى وقال: «دخلت العمرة فى الحج هكذا- مرتين-، لا بل لأبد أبد» «١» . وهذا معنى فسخ الحج إلى العمرة. قال النووى: وقد اختلف فى هذا الفسخ، هل هو خاص للصحابة تلك السنة خاصة، أم باق لهم ولغيرهم إلى يوم القيامة؟ فقال أحمد وطائفة من أهل الظاهر: ليس خاصّا، بل هو باق إلى يوم القيامة فيجوز لكل من أحرم بالحج وليس معه هدى أن يقلب إحرامه ويتحلل بأعمالها. وقال مالك والشافعى وأبو حنيفة وجماهير العلماء من السلف والخلف: هو مختص بهم فى تلك السنة، لا يجوز بعدها، وإنما أمروا به تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة فى أشهر الحج. ومما يستدل به للجماهير، حديث أبى ذر فى مسلم: كانت المتعة فى الحج لأصحاب محمد- ﷺ خاصة. يعنى فسخ الحج إلى العمرة «٢» . وفى النسائى عن الحارث بن بلال عن أبيه قال: قلت يا رسول الله، أرأيت فسخ الحج إلى العمرة لنا خاصة، أم للناس عامة؟ فقال رسول الله- ﷺ: «بل لنا خاصة» «٣» . قال: وأما الذى فى حديث سراقة: «ألعامنا هذا أم لأبد؟» فقال: «لا، بل لأبد أبد» «٤» فمعناه: جواز الاعتمار فى أشهر الحج، والقران كما سبق تفسيره. فالحاصل من مجموع طرق الأحاديث: أن العمرة فى أشهر الحج جائزة إلى يوم القيامة، وكذلك القران، وأن فسخ الحج إلى العمرة مختص بتلك السنة، والله أعلم، انتهى.
وفى رواية النسائى أيضا: لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة «١» ، يعنى متعة النساء ومتعة الحج، يعنى فسخ إلى العمرة، ومتعة النساء: هى نكاح المرأة إلى أجل، كان ذلك مباحا، ثم نسخ يوم خيبر، ثم أبيح يوم فتح مكة ثم نسخ فى أيام الفتح، واستمر تحريمه إلى يوم القيامة. وقد كان فيه خلاف فى العصر الأول، ثم ارتفع وأجمعوا على تحريمه. وكان- ﷺ مدة مقامه بمنزله الذى نزل فيه بالمسلمين بظاهر مكة، يقصر الصلاة فيه، وكانت مدة إقامته بمكة قبل الخروج إلى منى أربعة أيام ملفقة، لأنه قدم فى الرابع، وخرج فى الثامن، فصلى بها إحدى وعشرين صلاة، من أول ظهر الرابع إلى آخر ظهر الثامن، ومن يوم دخوله- ﷺ مكة وخروجه يوم النفر الثانى من منى إلى الأبطح عشرة أيام سواء. وقدم على من اليمن على رسول الله- ﷺ فقال له: «بما أهللت؟» فقال: بما أهل به رسول الله- ﷺ، فقال: «لولا أن معى الهدى لأحللت» «٢» . رواه الشيخان من حديث أنس. وفى حديث البراء عند الترمذى والنسائى: دخل علىّ على فاطمة- رضى الله عنهما- فوجدها قد نضحت البيت بنضوح فغضب. فقالت: ما لك؟ فإن رسول الله- ﷺ قد أمر أصحابه فأحلوا، قال: قلت لها إنى أهللت بإهلال رسول الله- ﷺ قال: فأتيته فقال لى رسول الله- ﷺ: «كيف صنعت؟» قال: وقال لى: انحر من البدن سبعا وستين، أو ستّا وستين، وأمسك لنفسك ثلاثا وثلاثين أو أربعا وثلاثين، وأمسك من كل بدنة منها قطعة. وفى رواية جابر عند مسلم: فوجد فاطمة ممن حل، ولبست ثوبا صبيغا واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: أبى أمرنى بهذا، فقال: صدقت صدقت، ما قلت حين فرضت الحج؟ قال: قلت اللهم إنى أهل بما أهل به رسولك، قال: فإن معى الهدى فلا تحل. قال: فكان جماعة الهدى الذى
ى أمرنى بهذا، فقال: صدقت صدقت، ما قلت حين فرضت الحج؟ قال: قلت اللهم إنى أهل بما أهل به رسولك، قال: فإن معى الهدى فلا تحل. قال: فكان جماعة الهدى الذى
قدم به على من اليمن والذى أتى به النبى- ﷺ مائة. قال: فحل الناس كلهم كلهم وقصروا إلا النبى- ﷺ ومن كان معه هدى. فلما كان يوم التروية، وكان يوم الخميس ضحى، ركب- ﷺ وتوجه بالمسلمين إلى منى، وقد أحرم بالحج من كان أحل منهم، وصلى- ﷺ بمنى: الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة، فسار على طريق ضب، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة كما كانت قريش تصنع فى الجاهلية، وكان «الحمس» وهم قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة ويقولون نحن قطين الله، أى جيران بيته فلا نخرج من حرمه، وكان الناس كلهم يبلغون عرفات، وذلك قوله تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ «١» . وعن جبير بن مطعم قال: أضللت حمارا لى فى الجاهلية، فوجدته بعرفة، فرأيت رسول الله- ﷺ واقفا بعرفات مع الناس، فلما أسلمت عرفت أن الله وفقه لذلك. وفى رواية: كان رسول الله- ﷺ فى الجاهلية يقف مع الناس بعرفة على جمل له، ثم يصبح مع قومه بالمزدلفة فيقف معهم ويدفع إذا دفعوا، الحديث. ولما بلغ- ﷺ عرفة وجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر ب «القصواء» فرحلت له، فركب فأتى بطن الوادى فخطب الناس وقال: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، فى شهركم هذا، فى بلدكم هذا، ألا إن كل شئ من أمر الجاهلية تحت قدمىّ موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا فى بنى سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا، ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله فى النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن
لمطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله فى النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن
فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما إن لا تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عنى، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بأصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس ويقول: «اللهم اشهد» ثلاث مرات. ثم أذن بلال، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا «١» . وهذا الجمع مختص بالمسافرين عند الجمهور، وعن مالك والأوزاعى، وهو وجه للشافعية: أن الجمع بعرفة وجمع للنسك، فيجوز لكل أحد. قال الأسنوى: فلا يجوز إلا للمسافر بلا خلاف. قال الشافعى والأصحاب: إذا خرج الحاج يوم التروية، ونووا الذهاب، إلى أوطانهم عند فراغ مناسكهم كان لهم القصر من حين خروجهم. ولما فرغ- ﷺ من صلاته ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، وكان أكثر دعائه- ﷺ يوم عرفة فى الموقف: «اللهم لك الحمد كالذى نقول وخيرا مما نقول، اللهم لك صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى، وإليك مابى، ولك رب تراثى، اللهم إنى أعوذبك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشتات الأمر، اللهم إنى أسألك من خير ما تجئ به الرياح وأعوذبك من شر ما تجىء به الريح» «٢» . رواه الترمذى من حديث على. وفى رواية ذكرها رزين: كان أكثر دعائه- ﷺ يوم عرفة بعد قوله؛ لا إله إلا الله وحده لا شريك له: «اللهم لك الحمد كالذى نقول: اللهم لك صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى، وإليك مابى، وعليك يا رب ثوابى، اللهم
إنى أعوذ بك من عذاب القبر ومن وسوسة الصدر، ومن شتات الأمر، ومن شر كل ذى شر» . وفى الترمذى: «أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلى: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير» «١» . وكان من دعائه فى عرفة أيضا- كما فى الطبرانى الصغير- من حديث ابن عباس: «اللهم إنك تسمع كلامى، وترى مكانى، وتعلم سرى وعلانيتى، لا يخفى عليك شئ من أمرى، أنا البائس الفقير المستغيث المستجير الوجل المشفق المقر المعترف بذنوبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عبرته وذل جسده، ورغم أنفه لك، اللهم لا تجعلنى بدعائك رب شقيّا، وكن بى رؤفا رحيما، يا خير المسئولين ويا خير المعطين» «٢» . وأتاه- ﷺ ناس من أهل نجد- وهو بعرفة- فسألوه كيف الحج؟ فأمر مناديا ينادى: الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج، أيام منى ثلاثة، فمن تعجل فى يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه «٣» ، رواه الترمذى. وفى رواية جابر عند أبى داود، قال- ﷺ بعرفة: «وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف» «٤» . وهناك أنزلت عليه الْيَوْمَ
، ومن تأخر فلا إثم عليه «٣» ، رواه الترمذى. وفى رواية جابر عند أبى داود، قال- ﷺ بعرفة: «وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف» «٤» . وهناك أنزلت عليه الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ «١» الآية «٢» ، كما فى الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب- رضى الله عنه-. وهناك سقط رجل من المسلمين عن راحلته- وهو محرم- فمات، فأمر رسول الله- ﷺ أن يكفن فى ثوبيه ولا يمس بطيب، وأن يغسل بماء وسدر، ولا يغطى رأسه ولا وجهه، وأخبر أن الله يبعثه يوم القيامة يلبى «٣» . رواه البخارى ومسلم. أى يبعث على هيئته التى مات عليها. واستدل بذلك على بقاء إحرامه، خلافا للمالكية والحنفية، قال النووى: يتأول هذا الحديث على أن النهى عن تغطية وجهه ليس لكون المحرم لا يجوز له تغطية وجهه، بل هو صيانة للرأس، فإنهم لو غطوا وجهه لم يؤمن أن يغطوا رأسه. انتهى. قال الحافظ ابن حجر: وكان وقوع المحرم المذكور عند الصخرات من عرفة، والله أعلم. ولما غربت الشمس بحيث ذهبت الصفرة قليلا، حين غاب القرص، أفاض- ﷺ من عرفة وأردف أسامة خلفه، وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده: أيها الناس السكينة السكينة، وكلما أتى حبلا من الحبال أرخى لها قليلا حتى تصعد وأفاض من طريق المأزمين. وفى رواية ابن عباس أنه- ﷺ سمع وراءه زجرا شديدا، وضربا للإبل وراءه فأشار بسوطه وقال: «أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع» «٤» ، يعنى بالإسراع. وفى رواية أبى داود: أفاض من عرفة، وعليه السكينة، ورديفه أسامة،
ار بسوطه وقال: «أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بالإيضاع» «٤» ، يعنى بالإسراع. وفى رواية أبى داود: أفاض من عرفة، وعليه السكينة، ورديفه أسامة،
فقال: «أيها الناس، عليكم بالسكينة فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل» ، فما رأيتها رافعة يديها عادية حتى أتى جمعا «١» . وفى رواية أسامة بن زيد عند الشيخين: كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص «٢» ، قال هشام: والنص فوق العنق. وأخرج الطبرانى فى المعجم عن سالم بن عبد الله عن أبيه: أن رسول الله- ﷺ أفاض من عرفات وهو يقول: إليك تعدو قلقا وضنيها ... مخالف دين النصارى دينها قال فى النهاية: والحديث مشهور بابن عمر من قوله. والقلق: الانزعاج: والوضين: بالضاد المعجمة، حزام الرحل. ولما كان- ﷺ فى أثناء الطريق نزل فبال وتوضأ وضوآ خفيفا، فقال له أسامة: الصلاة يا رسول الله؟ قال: «الصلاة أمامك» «٣» . فركب حتى أتى مزدلفة، وهى المسماة ب «جمع» بفتح الجيم وسكون الميم، وسميت جمعا لأن آدم اجتمع فيها مع حواء فازدلف إليها، أى دنى منها، وعن قتادة: إنما سميت جمعا لأنه يجمع فيها بين صلاتين، وقيل: لأن الناس يجتمعون فيها ويزدلفون إلى الله تعالى، أى يتقربون إليه بالوقوف فيها. انتهى. فصلى رسول الله- ﷺ بها المغرب والعشاء، كل واحدة منهما بإقامة، ولا صلى إثر كل واحدة منهما «٤» . وفى رواية: فأقام المغرب، ثم



