المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya القسطلاني (w. 923 H).

Bagian 44 dari 49 2019 halaman

— Bagian 44 · إليه بالوقوف فيها. انتهى. —

Bagian 44

إليه بالوقوف فيها. انتهى. فصلى رسول الله- ﷺ بها المغرب والعشاء، كل واحدة منهما بإقامة، ولا صلى إثر كل واحدة منهما «٤» . وفى رواية: فأقام المغرب، ثم

أناخ الناس فى منازلهم ولم يجلوا حتى أقام العشاء الآخرة فصلى ثم حلوا «١» . وترك- ﷺ قيام الليل تلك الليلة، ونام حتى أصبح، لما تقدم له من الأعمال بعرفة من الوقوف من الزوال إلى بعد الغروب، واجتهاده- ﷺ فى الدعاء، وسيره بعد الغروب إلى المزدلفة، واقتصر فيها على صلاة المغرب والعشاء قصرا، ورقد بقية ليلته مع كونه- ﷺ كان يقوم الليل حتى تورمت قدماه، ولكنه أراح نفسه الشريفة لما تقدم فى عرفة، ولما هو بصدده يوم النحر من كونه ينحر بيده المباركة ثلاثا وستين بدنة، وذهب إلى مكة لطواف الإفاضة، ورجع إلى منى، كما نبه عليه فى شرح تقريب الأسانيد. وعن عباس بن مرداس أن رسول الله- ﷺ دعا لأمته عشية عرفة بالمغفرة، فأجيب: إنى قد غفرت لهم ما خلا الظالم، فإنى آخذ للمظلوم منه، قال: «أى رب إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة وغفرت للظالم» ، فلم يجب عشيته، فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب إلى ما سأل، قال: فضحك- ﷺ، أو قال: تبسم، فقال أبو بكر وعمر- رضى الله عنهما-: بأبى أنت وأمى، إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها، فما الذى أضحكك، أضحك الله سنك، قال: «إن عدو الله إبليس لما علم أن الله قد استجاب دعائى وغفر لأمتى أخذ التراب فجعل يحثو على رأسه ويدعو بالويل والثبور فأضحكنى ما رأيت من جزعه» «٢» ، رواه ابن ماجه. ورواه أبو داود من الوجه الذى رواه ابن ماجه ولم يضعفه. وقد جاء فى بعض الروايات عن غير العباس ما يبين أن المراد من «الأمة» من وقف بعرفة. وقال القرطبى: إنه محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب وعجز عن وفائها. وقد رواه البيهقى بنحو رواية ابن ماجه ثم قال: وله شواهد كثيرة، فإن صح بشواهده ففيه الحجة، وإن لم يصح فقد قال الله

تعالى: وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ «١» وظلم بعضهم بعضا دون الشرك. انتهى. وقال الترمذى فى الحديث الصحيح: «من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» «٢» . وهو مخصوص بالمعاصى المتعلقة بحقوق الله تعالى خاصة دون العباد، ولا تسقط الحقوق أنفسها، فمن كان عليه صلاة أو كفارة ونحوها من حقوق الله تعالى لا تسقط عنه، لأنها حقوق لا ذنوب، إنما الذنب تأخيرها، فنفس التأخير يسقط بالحج لا هى نفسها، فلو أخرها بعده تجدد إثم آخر، فالحج المبرور يسقط إثم المخالفة لا الحقوق. وقال ابن تيمية: من اعتقد أن الحج يسقط ما وجب عليه من الحقوق كالصلاة يستتاب وإلا قتل، ولا يسقط حق الآدمى بالحج إجماعا. انتهى والله أعلم. واستأذنت سودة رسول الله- ﷺ ليلة جمع، وكانت ثقيلة ثبطة فأذن لها، فقالت عائشة: فليتنى كنت استأذنت رسول الله- ﷺ كما استأذنته سودة، وفى رواية: فاستأذنته أن تدفع قبل حطمة الناس، وكانت امرأة بطيئة، فأذن لها أن تدفع قبل حطمة الناس، قالت عائشة: فلأن أكون استأذنت رسول الله- ﷺ كما استأذنت سودة أحب إلىّ من مفروح به «٣» . رواه البخارى: وفى رواية أبى داود والنسائى: أرسل- ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت. فكان ذلك اليوم اليوم الذى يكون رسول الله- ﷺ، تعنى عندها «٤» .

ة أبى داود والنسائى: أرسل- ﷺ بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت. فكان ذلك اليوم اليوم الذى يكون رسول الله- ﷺ، تعنى عندها «٤» .

وعند مسلم: بعث أم حبيبة من جمع بليل «١» . وفى رواية البخارى ومسلم والنسائى عن ابن عباس قال: أرسلنى- ﷺ مع ضعفة أهله فصلينا الصبح بمنى ورمينا الجمرة «٢» . وفى الموطأ والصحيحين والنسائى عن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلى ساعة ثم قالت: يا بنى هل غاب القمر؟ قلت: لا، ثم صلت ساعة ثم قالت: هل غاب القمر؟ فقلت: نعم، قالت: فارتحلوا، إن رسول الله- ﷺ قد أذن للظعن- بالضم-: النساء فى الهوادج «٣» . وقد اختلف السلف فى ترك المبيت بالمزدلفة؛ فقال علقمة والنخعى والشعبى: من تركه فاته الحج، وقال عطاء والزهرى وقتادة والشافعى والكوفيون وإسحاق: عليه دم، ومن بات بها لم يجز له الدفع قبل النصف. وقال مالك: إن مر بها فلم ينزل فعليه دم، وإن نزل فلا دم عليه متى دفع. انتهى. ولما طلع الفجر صلى النبى- ﷺ الفجر حين تبين الصبح بأذان وإقامة. وفى سنن البيهقى والنسائى بإسناد صحيح على شرط مسلم أنه- ﷺ قال للفضل بن العباس غداة يوم النحر: «التقط لى حصى» ، فالتقط له حصيات مثل حصى الخذف «٤» - وهو بالمعجمتين- ولم يكسرها كما يفعل من لا علم عنده. وفى رواية للنسائى قال- ﷺ لابن عباس، غداة النحر، وهو

ى حصى» ، فالتقط له حصيات مثل حصى الخذف «٤» - وهو بالمعجمتين- ولم يكسرها كما يفعل من لا علم عنده. وفى رواية للنسائى قال- ﷺ لابن عباس، غداة النحر، وهو

  • ﷺ على راحلته: «هات القط لى» ، فلقط حصيات مثل حصى الخذف، فلما وضعهن فى يده قال: «بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلوّ فى الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلوّ فى الدين» «١» . قال العلماء: فى هذا الحديث دليل على استحباب أخذ الحصيات بالنهار، وهو رأى البغوى، قال: ويكون ذلك بعد صلاة الصبح، نص عليه الشافعى فى «الأم» و «الإملاء» لكن الجمهور كما قال الرافعى: على استحباب الأخذ بالليل لفراغهم فيه، وهل يستحب أن يلتقط جميع ما يرمى به فى الحج، وبه جزم فى «التنبيه» وأقره عليه النووى فى تصحيحه. لكن الأكثرون كما قال الرافعى، على استحباب الأخذ ليوم النحر خاصة، ونص عليه الشافعى أيضا فى شرح «المهذب» . والاحتياط أن يزيد فربما سقط منها شئ. انتهى. ثم ركب النبى- ﷺ القصواء، حتى أتى المشعر الحرام، فرقى عليه فاستقبل القبلة، فحمد الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس «٢» . وفى رواية غير جابر: وكان المشركون لا ينفرون حتى تطلع الشمس، وإن رسول الله- ﷺ كره ذلك، فنفر قبل طلوع الشمس. وفى حديث على عند الطبرى: لما أصبح- ﷺ بالمزدلفة غدا فوقف على قزح وأردف الفضل ثم قال: «هذا الموقف وكل المزدلفة موقف» ، حتى إذا أسفر دفع. وفى رواية جابر: وأردف- ﷺ الفضل بن العباس، قال: وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما، فلما دفع- ﷺ مرت ظعن يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله- ﷺ يده على وجه الفضل، فحول

ﷺ الفضل بن العباس، قال: وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما، فلما دفع- ﷺ مرت ظعن يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله- ﷺ يده على وجه الفضل، فحول

الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله- ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل، فصرف وجهه من الشق الآخر ينظر «١» . وفى رواية: كان الفضل رديف رسول الله- ﷺ فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله- ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده فى الحج أدركت أبى شيخا كبيرا، لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: «نعم» . وذلك فى حجة الوداع، رواه الشيخان وغيرهما. وقد روى أيضا من حديث عبد الله بن عباس، لكن رجح البخارى رواية الفضل لأنه كان رديف النبى- ﷺ حينئذ، وكان عبد الله بن عباس تقدم إلى منى مع الضعفة، فكأن الفضل حدث أباه بما شاهد فى تلك الحالة، ويحتمل أن يكون سؤال الخثعمية وقع بعد رمى جمرة العقبة، فحضره عبد الله بن عباس، فنقله تارة عن أخيه لكونه صاحب القصة، وتارة عما شاهده، ويؤيده ما فى الترمذى: أن السؤال المذكور وقع عند المنحر، بعد الفراغ من الرمى، وأن العباس كان شاهدا. وفيه: أنه- ﷺ لوى عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول الله، لويت عنق ابن عمك، قال: «رأيت شابّا وشابة فلم آمن عليهما من الشيطان» . وظاهر هذا أن العباس كان حاضرا لذلك، فلا مانع أن يكون ابنه عبد الله أيضا كان معه. وفى هذا الحديث دلالة على جواز النيابة فى الحج عمن لا يستطيع من الأحياء، خلافا لمالك فى ذلك، ولمن قال: لا يحج عن أحد مطلقا كابن عمر، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أنه لا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه فى الحج الواجب، وأما النفل فيجوز عند أبى حنيفة خلافا للشافعى. وعن أحمد روايتان انتهى. وفى رواية ابن عباس: أن أسامة قال: كنت ردف النبى- ﷺ من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما قال: لم

يزل النبى- ﷺ يلبى حتى رمى جمرة العقبة «١» . رواه الشيخان وغيرهما. وفى رواية جابر: فلما أتى- ﷺ بطن محسر حرك ناقته وأسرع السير قليلا «٢» . قال الإسنوى: سببه أن النصارى كانت تقف فيه، كما قاله الرافعى، أو العرب، كما قاله فى الوسيط، فأمر بمخالفتهم. قال: وظهر لى فيه معنى آخر، وهو أنه مكان نزل فيه العذاب على أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت، فاستحب فيه الإسراع لما ثبت فى الصحيح: أمره المار على ديار ثمود ونحوهم بذلك «٣» . وقال غيره: وهذه كانت عادته- ﷺ فى المواضع التى نزل فيها بأس الله بأعدائه، وسمى وادى محسر لأن الفيل حسر فيه، أى أعيى وانقطع عن الذهاب. انتهى. ثم سلك- ﷺ الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التى عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة. رمى من بطن الوادى، وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، واستقبل الجمرة، وكان رميه- ﷺ يوم النحر ضحى، كما قاله «٤» جابر فى رواية مسلم والترمذى وأبى داود والنسائى. وفى رواية أم الحصين، عند أبى داود: رأيت أسامة وبلالا أحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله- ﷺ والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة «٥» . وفى رواية النسائى: ثم خطب فحمد الله وأثنى عليه، وذكر قولا كثيرا. وعن أم جندب: رأيته- ﷺ يرمى الجمرة من بطن الوادى، وهو راكب، يكبر مع كل حصاة، ورجل من خلفه يستره، فسألت عن الرجل

حمد الله وأثنى عليه، وذكر قولا كثيرا. وعن أم جندب: رأيته- ﷺ يرمى الجمرة من بطن الوادى، وهو راكب، يكبر مع كل حصاة، ورجل من خلفه يستره، فسألت عن الرجل

فقالوا: الفضل بن العباس. وازدحم الناس فقال النبى- ﷺ: «يا أيها الناس، لا يقتل بعضكم بعضا، وإذا رميتم الجمرة فارموا بمثل حصى الخذف» «١» . وفى هذا دليل على جواز استظلال المحرم بالمحمل ونحوه، وقد مر أنه- ﷺ ضربت له قبة من شعر بنمرة. وفى رواية جابر عند مسلم وأبى داود قال: رأيته- ﷺ يرمى على راحلته يوم النحر، وهو يقول: «خذوا عنى مناسككم لا أدرى لعلى لا أحج بعد حجتى هذه» «٢» . وفى رواية قدامة عند الترمذى رأيته يرمى الجمار على ناقة له صهباء، ليس ضرب ولا طرد ولا إليك إليك «٣» انتهى. ثم انصرف- ﷺ إلى المنحر، فنحر ثلاثا وستين بدنة، ثم أعطى عليّا فنحر ما غبر، وأشركه فى هديه ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت فى قدر فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها «٤» . وفى رواية جابر عند مسلم: نحر- ﷺ عن نسائه بقرة، وقالت عائشة: نحر- ﷺ عن آل محمد فى حجة الوداع بقرة واحدة «٥» . رواه أبو داود. ثم أتى رسول الله- ﷺ منزله بمنى، ثم قال للحلاق: «خذ» ، وأشار بيده إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس «٦» . وفى رواية: أنه قال للحلاق: «ها» ، وأشار بيده إلى الجانب الأيمن، فقسم شعره بين من يليه، ثم أشار إلى الحلاق إلى الجانب الأيسر فحلقه وأعطاه أم سليم «٧» . وفى

اية: أنه قال للحلاق: «ها» ، وأشار بيده إلى الجانب الأيمن، فقسم شعره بين من يليه، ثم أشار إلى الحلاق إلى الجانب الأيسر فحلقه وأعطاه أم سليم «٧» . وفى

أخرى: فبدأ بالشق الأيمن فوزعه الشعرة والشعرتين بين الناس، ثم قال بالأيسر، فصنع مثل ذلك، ثم قال: ها هنا أبو طلحة؟ فدفعه إليه «١» . وفى أخرى: رمى جمرة العقبة ثم انصرف إلى البدن فنحرها والحجام جالس، وقال بيده على رأسه، فحلق الشق الأيمن فقسمه بين من يليه، ثم قال: احلق الشق الآخر، فقال: أين أبو طلحة؟ فأعطاه إياه «٢» . رواه الشيخان. وعند الإمام أحمد: أنه استدعى الحلاق فقال له وهو قائم على رأسه بالموسى، ونظر فى وجهه وقال: يا معمر، أمكنك رسول الله- ﷺ من شحمة أذنه وفى يدك الموسى، قال: فقلت له، أما والله يا رسول الله، إن ذلك لمن نعم الله علىّ ومنّه، قال: «أجل» «٣» . وقال البخارى: وزعموا أن الذى حلق للنبى- ﷺ معمر بن عبد الله بن نضلة بن عوف. انتهى. وهو عند ابن خزيمة فى صحيحه، وعند الإمام أحمد: وقلم- ﷺ أظفاره وقسمها بين الناس. وعنده أيضا: من حديث محمد بن زياد، أن أباه حدثه، أنه شهد النبى- ﷺ عند المنحر ورجل من قريش وهو يقسم أضاحى، فلم يصبه شئ ولا صاحبه، فحلق رسول الله- ﷺ رأسه فى ثوبه فأعطاه شعره، فقسم منه على رجال وقلم أظفاره فأعطاه صاحبه، وكان يخضب بالحناء والكتم. وعن أبى هريرة: أن رسول الله- ﷺ قال: «اللهم اغفر للمحلقين» ، قالوا يا رسول الله، وللمقصرين، قال: «اللهم اغفر للمحلقين» ، قالوا يا رسول الله، وللمقصرين، قال: «اللهم اغفر للمحلقين» ، قالوا يا رسول الله، وللمقصرين، قال: «وللمقصرين» «٤» رواه الشيخان. وليس فيه تعيين: هل قاله- ﷺ فى الحديبية أو فى حجة الوداع؟

: «اللهم اغفر للمحلقين» ، قالوا يا رسول الله، وللمقصرين، قال: «وللمقصرين» «٤» رواه الشيخان. وليس فيه تعيين: هل قاله- ﷺ فى الحديبية أو فى حجة الوداع؟

قالوا: ولم يقع فى شئ من طرقه التصريح بسماعه لذلك من النبى- ﷺ، ولو وقع لقطعنا بأنه كان فى حجة الوداع لأنه شهدها ولم يشهد الحديبية. وقد وقع تعيين الحديبية من حديث جابر عند أبى قرة فى «السنن» ومن طريقه الطبرانى فى الأوسط، ومن حديث المسور بن مخرمة عند ابن إسحاق فى المغازى. وورد تعيين حجة الوداع من حديث أبى مريم السلولى عند أحمد وابن أبى شيبة، ومن حديث أم الحصين عند مسلم ومن حديث قارب بن الأسود الثقفى عند أحمد وابن أبى شيبة، ومن حديث أم عمارة عند الحارث. والأحاديث التى فيها تعيين حجة الوداع أكثر عددا، وأصح إسنادا، ولهذا قال النوى عقب أحاديث ابن عمر وأبى هريرة وأم الحصين: هذه أحاديث تدل على أن هذه الواقعة كانت فى حجة الوداع. قال: وهو الصحيح المشهور، وقيل: كانت فى الحديبية، وجزم إمام الحرمين فى النهاية أن ذلك كان فى الحديبية، ثم قال النووى: ولا يبعد أن يكون وقع ذلك فى الموضعين. انتهى. وكذا قال ابن دقيق العيد: إنه الأقرب. قال فى فتح البارى: بل هو المتعين لتظاهر الروايات بذلك فى الموضعين، إلا أن السبب فى الموضعين مختلف، فالذى فى الحديبية كان بسبب توقف من توقف من الصحابة عن الإحلال، لما دخل عليهم من الحزن، لكونهم منعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم فى أنفسهم على ذلك، فخالفهم النبى- ﷺ وصالح قريشا على أن يرجع من العام المقبل، فلما أمرهم بالإحلال توقفوا، فأشارت أم سلمة أن يحل هو- ﷺ قبلهم ففعل، فتبعوه فحلق بعضهم وقص بعضهم، فكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر، ممن اقتصر على التقصير، وقد وقع التصريح بهذا السبب فى حديث ابن عباس، فإن فى آخره عند ابن ماجه وغيره أنهم قالوا: يا رسول الله، ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالترحم؟ قال: «لأنهم لم يشكوا» . وأما السبب فى تكرير الدعاء للمحلقين فى حجة الوداع، فقال ابن

الأثير فى «النهاية» : كان أكثر من حج معه- ﷺ لم يسق الهدى، فلما أمرهم أن يفسخوا الحج إلى العمرة ثم يتحللوا منها، ويحلقوا رؤسهم، شق عليهم، ثم لما لم يكن لهم بد من الطاعة كان التقصير فى أنفسهم أخف من الحلق، ففعله أكثرهم، فرجح- ﷺ فعل من حلق لكونه أبين فى امتثال الأمر. انتهى. قال الحافظ ابن حجر: وفيما قاله نظر، وإن تابعه عليه غير واحد، لأن المتمتع يستحب فى حقه أن يقصر فى العمرة ويحلق فى الحج إذا كان ما بين النسكين متقاربا، وقد كان ذلك فى حقهم كذلك، والأولى ما قاله الخطابى وغيره: إن عادة العرب أنها كانت تحب توفير الشعور والتزين بها، وكان الحلق فيهم قليلا، وربما كانوا يرونه من الشهرة ومن فعل الأعاجم، فلذلك كرهوا الحلق واقتصروا على التقصير. انتهى. وفى رواية عبد الله بن عمرو بن العاص: وقف رسول الله- ﷺ فى حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاء رجل فقال: يا رسول الله، لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر؟ فقال: «اذبح ولا حرج» ، ثم جاء رجل آخر فقال: يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمى؟ فقال: «ارم ولا حرج» . قال: فما سئل عن شئ قدم أو أخر إلا قال: افعل ولا حرج «١» . رواه مسلم. وفى رواية: حلقت قبل أن أرمى «٢» ، وفى رواية: وقف- ﷺ على راحلته فطفق الناس يسألونه فيقول القائل منهم: يا رسول الله إنى لم أكن أشعر أن الرمى قبل النحر، فنحرت قبل أن أرمى، فقال- ﷺ: «فارم ولا حرج» ، قال: فما سمعته يسأل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض وأشباهها إلا قال- ﷺ: «افعلوا ذلك ولا حرج» «٣» .

«فارم ولا حرج» ، قال: فما سمعته يسأل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض وأشباهها إلا قال- ﷺ: «افعلوا ذلك ولا حرج» «٣» .

وفى رواية: أنه- ﷺ بينا هو قائم يخطب يوم النحر، فقام إليه رجل فقال: ما كنت أحسب أن كذا وكذا، قبل كذا وكذا، وفى رواية: حلقت قبل أن أنحر، نحرت قبل أن أرمى وأشباه ذلك. وفى رواية: حلقت قبل أن أذبح، ذبحت قبل أن أرمى. ومن المعروف أن الترتيب أولى، وذلك أن وظائف يوم النحر بالاتفاق أربعة أشياء: رمى جمرة العقبة، ثم نحر الهدى أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة مع السعى بعده، وقد تقدم أنه- ﷺ رمى جمرة العقبة ثم نحر ثم حلق. وقد أجمع العلماء على مطلوبية هذا الترتيب، وأجمعوا أيضا على جواز تقديم بعضها على بعض، إلا أنهم اختلفوا فى وجوب الدم فى بعض المواضع. ومذهب الشافعى وجمهور السلف والعلماء وفقهاء الحديث: الجواز وعدم وجوب الدم لقوله- ﷺ للسائل: «لا حرج» ، وهو ظاهر فى رفع الإثم والفدية معا، لأن اسم الضيق يشملهما. وقال الطحاوى: ظاهر الحديث يدل على التوسعة فى تقديم بعض هذه الأشياء على بعض، إلا أنه يحتمل أن يكون قوله «لا حرج» أى لا إثم فى ذلك الفعل، وهو كذلك لمن كان ناسيا أو جاهلا، وأما من تعمد المخالفة فتجب عليه الفدية. وتعقب: بأن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل، ولو كان واجبا لبينه- ﷺ حينئذ لأنه وقت الحاجة فلا يجوز تأخير عنه. وتمسك الإمام أحمد بقوله فى الحديث «لم أشعر» وبما فى رواية يونس عند مسلم، وصالح عند أحمد فما سمعته يومئذ يسأل عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعضها إلا قال: «افعل ولا حرج» بأنه إذا كان ناسيا أو جاهلا فلا شئ عليه وإن كان عالما فلا. قال ابن دقيق العيد: ما قاله أحمد قوى من جهة أن الدليل دل على وجوب اتباع الرسول فى الحج لقوله «خذوا عنى مناسككم» وهذه الأحاديث

ليه وإن كان عالما فلا. قال ابن دقيق العيد: ما قاله أحمد قوى من جهة أن الدليل دل على وجوب اتباع الرسول فى الحج لقوله «خذوا عنى مناسككم» وهذه الأحاديث

المرخصة فى تقديم ما وقع عنه تأخيره قد قرنت بقول السائل «لم أشعر» فيختص الحكم بهذه الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل وجوب الاتباع فى الحج. انتهى. وعن أبى بكرة قال: خطبنا رسول الله- ﷺ يوم النحر قال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذى بين جمادى وشعبان» . وقال: «أى شهر هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس ذا الحجة؟» قلنا: بلى، قال: «أى بلد هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس البلد الحرام؟» قلنا: بلى، قال: «فأى يوم هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس يوم النحر؟» قلنا: بلى، قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا فى بلدكم هذا فى شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعن بعدى كفارا ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت؟» قالوا: نعم، قال: «اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع» «١» . رواه الشيخان. وفى رواية للبخارى: «فودع الناس» . ووقع فى طريق ضعيفة عند البيهقى من حديث ابن عمر سبب ذلك، ولفظه: أنزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ «٢» على رسول الله- ﷺ فى وسط أيام التشريق، وعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فرحلت له فركب ووقف بالعقبة واجتمع إليه الناس فقال: يا أيها الناس فذكر الحديث. وفيه دلالة على مشروعية الخطبة يوم النحر بمنى، وبه أخذ الشافعى ومن تبعه.

وخالف فى ذلك المالكية والحنفية، فقالوا: خطب الحج ثلاثة: سابع ذى الحجة، ويوم عرفة، وثانى يوم النحر بمنى. ووافقهم الشافعى إلا أنه قال: بدل ثانى النحر ثالثه، لأنه أول النفر، وزاد خطبة رابعة وهى يوم النحر، قال: وبالناس حاجة إليها ليعلموا أعمال ذلك اليوم من الرمى والذبح والحلق والطواف. وتعقبه الطحاوى: بأن الخطبة المذكورة ليست من متعلقات الحج، لأنه لم يذكر فيها شيئا من أمور الحج، وإنما ذكر فيها وصايا عامة، ولم ينقل أحد أنه علمهم فيها شيئا من الذى يتعلق بيوم النحر، فعلمنا أنها لم تقصد لأجل الحج. وقال ابن بطال: إنما فعل ذلك من أجل تبليغ ما ذكره لكثرة الجمع الذى اجتمع من أقاصى الدنيا، فظن الذى رآه أنه خطب. قال: وأما ما ذكره الشافعى: أن بالناس حاجة إلى تعليمهم أسباب التحلل المذكورة فليس بمتعين، لأن الإمام يمكنه أن يعلمهم إياها يوم عرفة: انتهى. وأجيب: بأنه- ﷺ نبه فى الخطبة المذكورة على تعظيم يوم النحر، وعلى تعظيم ذى الحجة، وعلى تعظيم البلد الحرام، وقد جزم الصحابة المذكورون بتسميتها خطبة، فلا يلتفت لتأويل غيرهم، وما ذكره من إمكان تعليم ما ذكر يوم عرفة، يعكر عليه فى كونه يرى مشروعية الخطبة ثانى يوم النحر، وكان يمكن أن يعلموا ذلك يوم عرفة، بل يمكن أن يعلموا يوم التروية جميع ما يؤتى به من أعمال الحج، لكن لما كان فى كل يوم أعمال ليست فى غيره شرع تجديد التعليم بحسب تجديد الأسباب. وأما قول الطحاوى: «إنه لم ينقل أنه علمهم شيئا من أسباب التحلل» فلا ينفى وقوع ذلك أو شئ منه فى نفس الأمر، بل قد ثبت من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه شهد النبى- ﷺ يخطب يوم النحر، وذكر فيه السؤال عن تقدم بعض المناسك على بعض، فكيف ساغ للطحاوى هذا النفى المطلق. انتهى. وقد روى أبو داود والنسائى عن عبد الرحمن بن معاذ التيمى قال:

، وذكر فيه السؤال عن تقدم بعض المناسك على بعض، فكيف ساغ للطحاوى هذا النفى المطلق. انتهى. وقد روى أبو داود والنسائى عن عبد الرحمن بن معاذ التيمى قال:

خطبنا رسول الله- ﷺ ونحن بمنى، ففتحت أسماعنا حتى كنا نسمع ما يقول ونحن فى منازلنا، فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ الجمار، فوضع أصبعيه السبابتين ثم قال: «بحصى الخذف» ، ثم أمر المهاجرين فنزلوا فى مقدم المسجد وأمر الأنصار أن ينزلوا من وراء المسجد، قال: ثم نزل الناس بعد ذلك «١» . وفى رواية عن عبد الرحمن بن معاذ عن رجل من أصحاب رسول الله- ﷺ قال: خطب النبى- ﷺ الناس بمنى ونزلهم منازلهم فقال: «لينزلن المهاجرون هاهنا» ، وأشار إلى ميمنة القبلة، «والأنصار هاهنا» ، وأشار إلى ميسرة القبلة، ثم قال: «لينزل الناس حولهم» «٢» . وعن ابن أبى نجيح عن أبيه عن رجلين من بنى بكر قالا: رأينا رسول الله- ﷺ يخطب بين أوسط أيام التشريق، ونحن عند راحلته، وهى خطبة رسول الله- ﷺ التى خطب بمنى، رواه أبو داود. وعن رافع بن عمرو المزنى قال: رأيت رسول الله- ﷺ يخطب الناس بمنى، حين ارتفع الضحاء على بغلة شهباء، وعلى يعبر عنه، والناس بين قائم وقاعد. رواه أبو داود أيضا. وعن ربيعة بن عبد الرحمن بن حصن قال: حدثتنى جدتى سراء بنت نبهان، وكانت ربة بيت فى الجاهلية، قالت خطبنا النبى- ﷺ يوم الرؤس فقال: «أى يوم هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «أليس أوسط أيام التشريق» «٣» . وفى رواية: أنه خطب أوسط أيام التشريق. رواه أبو داود أيضا. ثم ركب- ﷺ قبل الظهر فأفاض إلى البيت فطاف طواف الإفاضة،

قال: «أليس أوسط أيام التشريق» «٣» . وفى رواية: أنه خطب أوسط أيام التشريق. رواه أبو داود أيضا. ثم ركب- ﷺ قبل الظهر فأفاض إلى البيت فطاف طواف الإفاضة،

وهو طواف الزيارة والركن والصدر «١» . وفى البخارى: ويذكر عن أبى حسان عن ابن عباس، أن النبى- ﷺ كان يزور البيت أيام منى «٢» . وقد وصله الطبرانى من طريق قتادة عنه. وقال ابن المدينى فى «العلل» : روى قتادة حديثا غريبا لا نحفظه عن أحد من أصحاب قتادة إلا من حديث هشام. فنسخته من كتاب ابنه معاذ بن هشام، ولم أسمعه منه، عن أبيه عن قتادة حدثنى جدى حدثنى أبو حسان عن ابن عباس أن النبى- ﷺ كان يزور البيت كل ليلة ما أقام بمنى الحديث. وأتى- ﷺ زمزم، وبنو عبد المطلب يسقون عليها، فقال: «انزعوا بنى عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم» ، فناولوه دلوا فشرب منه «٣» . وفى رواية ابن عباس: فشرب وهو قائم «٤» ، وفى رواية: فحلف عكرمة: ما كان يومئذ إلا على بعير «٥» ، لكن لم يعين فيها حجة الوداع ولا غيرها، إنما التعيين فى رواية جابر عند مسلم. واختلف أين صلى- ﷺ الظهر يومئذ، ففى رواية جابر عند مسلم: أنه- ﷺ صلى بمكة «٦» ، وكذلك قالت عائشة. وفى حديث ابن عمر- فى الصحيحين- أنه- ﷺ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى «٧» . فرجح ابن حزم فى كتاب حجة الوداع له قول عائشة وجابر، وتبعه على ذلك جماعة، لأنهما اثنان، وهما أولى من الواحد، ولأن عائشة أخص

الناس به، ولها من القرب والاختصاص ما ليس لغيرها، ولأن سياق جابر لحجته- ﷺ من أولها إلى آخرها أتم سياق، وأحفظ للقصة وضبطها، حتى ضبط جزئياتها، حتى أقرّ منها ما لا يتعلق بالمناسك، وهو نزوله- ﷺ فى الطريق فبال عند الشعب وتوضأ وضوآ خفيفا، فمن ضبط هذا القدر فهو لضبط مكان صلاته الظهر يوم النحر أولى، وأيضا: فإن حجة الوداع كانت فى «آذار» وهو تساوى الليل والنهار، وقد دفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى، وخطب بها الناس، ونحر بدنة وقسمها، وطبخ له من لحمها وأكل منه، ورمى الجمرة، وحلق رأسه وتطيب ثم أفاض، وطاف وشرب من ماء زمزم، ووقف عليهم وهم يسقون، وهذه أعمال يظهر منها أنها لا تنقضى فى مقدار يمكن معه الرجوع إلى منى بحيث يدرك الظهر فى فصل آذار. ورجحت طائفة أخرى قول ابن عمر: بأنه لا يحفظ عنه فى حجته- ﷺ أنه صلى الفرض بجوف مكة، بل إنما كان يصلى بمنزله بالمسلمين مدة مقامه، وبأن حديث ابن عمر متفق عليه، وحديث جابر من إفراد مسلم، فحديث ابن عمر أصح منه، فإن رواته أحفظ وأشهر، وبأن حديث عائشة قد اضطرب فى وقت طوافه، فروى عنها أنه طاف نهارا، وفى رواية عنها: أنه أخر الطواف إلى الليل، وفى رواية عنها: أنه أفاض من آخر يومه، فلم تضبط فيه وقت الإفاضة، ولا مكان الصلاة. وأيضا: فإن حديث ابن عمر أصح منه بلا نزاع، لأن حديث عائشة من رواية محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، وابن إسحاق مختلف فى الاحتجاج به، ولم يصرح بالسماع، بل عنعنه، فلا يقدم على حديث عبد الله بن عمر، انتهى. ثم رجع- ﷺ إلى منى، فمكث بها ليالى أيام التشريق، يرمى الجمرة إذا زالت الشمس كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية، فيطيل القيام ويتضرع، ويرمى الثالثة فلا يقف عندها «١» . رواه أبو داود من حديث عائشة. وعن ابن عمر- عند الترمذى-: كان

ل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية، فيطيل القيام ويتضرع، ويرمى الثالثة فلا يقف عندها «١» . رواه أبو داود من حديث عائشة. وعن ابن عمر- عند الترمذى-: كان

  • ﷺ إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهبا وراجعا «١» . وفى رواية أبى داود: وكان يستقبل القبلة فى الجمرتين الدنيا والوسطى، ويرمى جمرة العقبة من بطن الوادى «٢» الحديث. واستأذنه- ﷺ العباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالى منى، من أجل السقاية فأذن له «٣» ، رواه البخارى ومسلم من رواية ابن عمر، وفى رواية الإسماعيلى: رخص للعباس أن يبيت بمكة ليالى منى من أجل سقايته. وفيه دليل على وجوب المبيت بمنى، وأنه من مناسك الحج، لأن التعبير ب «الرخصة» يقتضى أن يقابلها: العزيمة، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة، وإذا لم توجد أو ما فى معناها لم يحصل الإذن. وبالوجوب قال الجمهور. وفى قول للشافعى، وهو رواية عن أحمد، وهو مذهب الحنفية: أنه سنة. ووجوب الدم بتركه مبنى على هذا الخلاف. ولا يحصل المبيت إلا بمعظم الليل، وهل يختص الإذن بالسقاية، وبالعباس؟ الصحيح العموم، والعلة فى ذلك إعداد الماء للشاربين. وجزم الشافعى، بإلحاق من له مال يخاف ضياعه، أو أمر يخاف فوته، أو مريض يتعهده، بأهل السقاية، كما جزم الجمهور: بإلحاق الرعاء خاصة، وهو قول أحمد. قالوا: ومن ترك المبيت لغير عذر وجب عليه دم عن كل ليلة. ثم أفاض- ﷺ بعد الظهر يوم الثلاثاء- بعد أن أكمل رمى أيام التشريق، ولم يتعجل فى يومين- إلى المحصب، وهو الأبطح، وحده: ما بين

ذر وجب عليه دم عن كل ليلة. ثم أفاض- ﷺ بعد الظهر يوم الثلاثاء- بعد أن أكمل رمى أيام التشريق، ولم يتعجل فى يومين- إلى المحصب، وهو الأبطح، وحده: ما بين

الجبلين إلى المقبرة، وهو خيف بنى كنانة، فوجد أبا رافع قد ضرب قبته هناك، وكان على ثقله، قال أبو رافع: لم يأمرنى- ﷺ أن أنزل الأبطح حين خرج من منى، ولكنى جئت فضربت فيه قبته فجاء فنزل «١» . رواه مسلم. وفيه وفى البخارى، عن أنس أنه- ﷺ صلى الظهر والعصر يوم النفر بالأبطح «٢» . وفيهما من حديث أبى هريرة: أنه- ﷺ قال- من الغد يوم النحر، وهو بمنى-: «نحن نازلون غدا بخيف بنى كنانة، حيث تقاسموا على الكفر» «٣» ، يعنى بذلك المحصب. وذلك أن قريشا وكنانة تحالفت على بنى هاشم وبنى المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبى- ﷺ. وعن ابن عباس، ليس التحصيب بشئ، إنما هو منزل نزله رسول الله- ﷺ «٤» ، أى: ليس التحصيب من أمر المناسك الذى يلزم فعله، لكن لما نزل به- ﷺ كان النزول به مستحبّا اتباعا له، لتقريره على ذلك، وقد فعله الخلفاء بعده «٥» ، كما فى مسلم. وعن أنس أن النبى- ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به «٦» ، رواه البخارى. وهذا

بعده «٥» ، كما فى مسلم. وعن أنس أن النبى- ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به «٦» ، رواه البخارى. وهذا

هو طواف الوداع، ومذهب الشافعى أنه واجب يلزم بتركه دم على الصحيح: وهو قول أكثر العلماء. وقال مالك وداود: هو سنة لا شئ بتركه. واختلف فى المرأة إذا حاضت بعد ما طافت طواف الإفاضة، هل عليها طواف الوداع أم لا؟ وكان ابن عباس يرخص لها أن تنفر إذا أفاضت وكان ابن عمر يقول فى أول أمره: إنها لا تنفر، ثم قال فى آخر أمره: إن رسول الله- ﷺ رخص لهن «١» . رواه الشيخان. وعن عائشة: أن صفية بنت حيى حاضت، فذكر ذلك لرسول الله- ﷺ فقال: «أحابستنا هى؟» قالوا: إنها قد أفاضت، قال: «فلا إذن» «٢» . ومعنى أحابستنا هى؟ أى أمانعتنا من التوجه من مكة فى الوقت الذى أردنا التوجه فيه؟ ظنا منه- ﷺ أنها ما طافت طواف الإفاضة، وإنما قال ذلك لأنه كان لا يتركها ويتوجه ولا يأمرها بالتوجه معه وهى باقية على إحرامها، فيحتاج إلى أن يقيم حتى تطهر وتطوف وتحل الحل الثانى. وفى رواية: فحاضت صفية، فأراد النبى- ﷺ منها ما يريد الرجل من أهله، فقلت يا رسول الله إنها حائض. قال: «أحابستنا هى؟» «٣» الحديث. وهذا مشكل، لأنه- ﷺ إن كان علم أنها طافت طواف الإفاضة فكيف يقول: «أحابستنا هى؟» وإن كان ما علم، فكيف يريد وقاعها قبل التحلل الثانى؟ ويجاب عنه: بأنه- ﷺ ما أراد ذلك منها إلا بعد أن استأذنه نساؤه فى طواف الإفاضة فأذن لهن، فكان بانيا على أنها قد حلت، فلما قيل له إنها حائض جوز أن يكون وقع لها قبل ذلك حتى منعها من طواف الإفاضة،

فاستفهم عن ذلك، فأعلمته عائشة أنها طافت معهن فزال عنه ما خشيه من ذلك. انتهى. وقالت عائشة: يا رسول الله، ينطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحج؟ فأمر عبد الرحمن بن أبى بكر أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج «١» . رواه الشيخان. وفى رواية لمسلم أنها وقفت المواقف كلها، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال لها- يعنى رسول الله- ﷺ: «قد حللت من حجك وعمرتك جميعا» ، فقالت: يا رسول الله، إنى أجد فى نفسى أنى لم أطف بالبيت حين حججت، قال: «فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعمرها من التنعيم» ، وذلك ليلة الحصبة. زاد فى رواية: وكان- ﷺ رجلا سهلا، إذا هويت شيئا تابعها عليه «٢» . وقد كانت عائشة قارنة، لأنها كانت قد أهلت بالعمرة، فحاضت فأمرها فأدخلت عليها الحج، وصارت قارنة، وأخبرها أن طوافها بالبيت وبين الصفا والمروة قد وقع عن حجها وعمرتها، فوجدت فى نفسها أن يرجع صواحباتها بحج وعمرة مستقلتين، فإنهن كن متمتعات ولم يحضن ولم يقرنّ، وترجع هى بعمرة فى ضمن حجتها، فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم تطييبا لقلبها. ثم ارتحل- ﷺ راجعا إلى المدينة، فخرج من كدى «٣» - بضم الكاف مقصورا- وهى عند باب شبيكة، بقرب شعب الشاميين من ناحية قعيقعان. واختلف فى المعنى الذى لأجله خالف- ﷺ بين طريقيه، فقيل: ليتبرك به كل من فى طريقه، وقيل: الحكمة فى ذلك المناسبة لجهة العلو عند الدخول لما فيه من تعظيم المكان، وعكسه الإشارة إلى فراقه، وقيل: لأن إبراهيم- ﵊ لما دخل مكة دخل منها: وقيل غير ذلك.

كمة فى ذلك المناسبة لجهة العلو عند الدخول لما فيه من تعظيم المكان، وعكسه الإشارة إلى فراقه، وقيل: لأن إبراهيم- ﵊ لما دخل مكة دخل منها: وقيل غير ذلك.

وفى صحيح مسلم وغيره، من حديث ابن عباس: أنه- ﷺ لقى ركبا بالروحاء، فقال: «من القوم؟» فقالوا: المسلمون يا رسول الله، فرفعت امرأة صبيا لها فى محفة فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجر» . ولما وصل- ﷺ لذى الحليفة بات بها. قال بعضهم: إن نزوله لم يكن قصدا، وإنما كان اتفاقا، حكاه القاضى إسماعيل فى أحكامه عن محمد ابن الحسن وتعقبه. والصحيح أنه كان قصدا لئلا يدخل المدينة ليلا. فلما رأى المدينة كبر ثلاثا وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» . ثم دخل المدينة نهارا من طريق المعرّس- بفتح الراء المشددة وبالمهملتين- وهو مكان معروف، فكل من المعرس والشجرة التى بات بها- ﷺ فى ذهابه إلى مكة على ستة أميال من المدينة. انتهى ملخصا من فتح البارى وغيره، والله أعلم. وأما عمره- ﷺ، فالعمرة فى اللغة: الزيارة. ومذهب الشافعى وأحمد وغيرهما: أنها واجبة كالحج، والمشهور عن المالكية أنها تطوع وهو قول الحنفية. وقد اعتمر- ﷺ أربع عمر، ففى الصحيحين وسنن الترمذى وأبى داود عن قتادة قال: سألت أنسا: كم حج رسول الله- ﷺ قال: حج حجة واحدة، واعتمر أربع عمر، عمرة فى ذى القعدة، وعمرة الحديبية، وعمرة مع حجته، وعمرة الجعرانة إذ قسم غنيمة حنين «١» ، هذا لفظ رواية الترمذى وقال: حسن صحيح. وفى رواية الصحيحين: اعتمر أربع عمر، كلهن فى ذى القعدة إلا التى مع حجته: عمرة الحديبية- أو زمن الحديبية- فى ذى القعدة، وعمرة من العام

وقال: حسن صحيح. وفى رواية الصحيحين: اعتمر أربع عمر، كلهن فى ذى القعدة إلا التى مع حجته: عمرة الحديبية- أو زمن الحديبية- فى ذى القعدة، وعمرة من العام

المقبل فى ذى القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين فى ذى القعدة، وعمرة فى حجته «١» . وعن محرش الكعبى: أنه- ﷺ خرج من الجعرانة ليلا معتمرا، فدخل مكة ليلا، فقضى عمرته ثم خرج من ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت، فلما زالت الشمس من الغد، خرج من بطن سرف، حتى جاء مع الطريق طريق جمع ببطن سرف، فمن أجل ذلك خفيت عمرته على الناس «٢» . رواه الترمذى وقال: حديث غريب. وعن ابن عمر قال: اعتمر النبى- ﷺ قبل أن يحج «٣» ، رواه أبو داود. وعن عروة بن الزبير قال: كنت أنا وابن عمر مستندين إلى حجرة عائشة، وإنا لنسمع صوتها بالسواك تستن، قال: فقلت يا أبا عبد الرحمن، اعتمر النبى- ﷺ فى رجب؟ قال: نعم، فقلت لعائشة: أى أمتاه، ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: وما يقول؟ قلت: يقول اعتمر النبى- ﷺ فى رجب، فقالت: يغفر الله لأبى عبد الرحمن، لعمرى ما اعتمر فى رجب، وما اعتمر من عمرة إلا وأنا معه. قال عروة: وابن عمر يسمع، فما قال: لا ولا نعم، سكت «٤» . وفى رواية أبى داود عن عروة عن عائشة قالت: إن رسول الله- ﷺ اعتمر عمرتين فى ذى القعدة، وعمرة فى شوال «٥» . وفى رواية له عن مجاهد

لا ولا نعم، سكت «٤» . وفى رواية أبى داود عن عروة عن عائشة قالت: إن رسول الله- ﷺ اعتمر عمرتين فى ذى القعدة، وعمرة فى شوال «٥» . وفى رواية له عن مجاهد

قال: سئل ابن عمر: كم اعتمر النبى- ﷺ قال: عمرتين، فبلغ عائشة فقالت: لقد علم أن رسول الله- ﷺ اعتمر ثلاثا سوى التى قرنها بحجة الوداع. وقد ذكرت الاختلاف فيما كان- ﷺ محرما به فى حجة الوداع. والجمع بين ما اختلف فيه من ذلك. والمشهور عن عائشة أنه- ﷺ كان مفردا، وحديثها هذا يشعر بأنه كان قارنا، وكذا ابن عمر قد أنكر على أنس لكونه قال: «إنه- ﷺ كان قارنا» مع أن حديثه هذا المتقدم يدل على أنه كان قارنا، لأنه لم ينقل أنه- ﷺ اعتمر مع حجته، ولم يكن متمتعا لأنه- ﷺ اعتذر عن ذلك بكونه ساق الهدى. واحتاج بعضهم إلى تأويل ما وقع عن عائشة وابن عمر هنا فقال: إنما يجوز نسبة العمرة الرابعة إليه- ﷺ باعتبار أنه أمر الناس بها وعملت بحضرته، لا أنه- ﷺ اعتمرها بنفسه. وأنت إذا تأملت ما تقدم من أقوال الأئمة فى حجته- ﷺ من الجمع استغنيت عن هذا التأويل المتعسف. قال بعض العلماء المحققين: وفى عدهم عمرة الحديبية التى صدّ عنها- ﷺ ما يدل على أنها عمرة تامة. وفيه إشارة إلى حجة قول الجمهور: أنه لا يجب القضاء على من صدّ عن البيت خلافا للحنفية، ولو كانت عمرة القضية بدلا عن عمرة الحديبية لكانتا واحدة، وإنما سميت عمرة القضية والقضاء لأن النبى- ﷺ قاضى قريشا فيها، لا أنها وقعت قضاء عن العمرة التى صدّ عنها، إذ لو كان كذلك لكانت عمرة واحدة. وأما حديث أبى داود عن عائشة: أنه اعتمر فى شوال، فإن كان محفوظا فلعله يريد عمرة الجعرانة حين خرج فى شوال، ولكن إنما أحرم فى ذى القعدة. وأنكر ابن القيم أن يكون- ﷺ اعتمر فى رمضان، نعم قد أخرج الدار قطنى من طريق العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد عن أبيه عن عائشة قالت: خرجت مع رسول الله- ﷺ فى عمرة رمضان فأفطر

وصمت وقصر وأتممت «١» ، وقال: إن إسناده حسن. لكن يمكن حمله على أن قولها: «فى رمضان» متعلق بقولها: خرجت، ويكون المراد سفر فتح مكة، فإنه كان فى رمضان، واعتمر- ﷺ فى تلك السنة من الجعرانة، لكن فى ذى القعدة كما تقدم. وأما قول ابن القيم- فى الهدى أيضا-: ولم يكن فى عمره- ﷺ عمرة واحدة خارجا من مكة كما يفعله كثير من الناس اليوم، وإنما كانت عمره كلها داخلا إلى مكة. وقد أقام بمكة بعد الوحى ثلاث عشرة سنة لم ينقل عنه أحد أنه اعتمر خارجا من مكة فى تلك المدة أصلا، فالعمرة التى فعلها وشرعها هى عمرة الداخل إلى مكة لا عمرة من كان بها، فيخرج إلى الحل ليعتمر. ولم يفعل هذا على عهده أحد قط إلا عائشة وحدها. انتهى. فيقال عليه: بعد أن فعلته عائشة بأمره، فدل على مشروعيته. وروى الفاكهى وغيره من طريق محمد بن سيرين قال: بلغنا أن رسول الله- ﷺ وقت لأهل مكة التنعيم. ومن طريق عطاء قال: من أراد العمرة ممن هو من أهل مكة أو غيرها فليخرج إلى التنعيم أو إلى الجعرانة فليحرم منها. فثبت بذلك أن ميقات العمرة الحل وأن التنعيم وغيره فى ذلك سواء والله أعلم.

النوع السابع من عبادته ص فى ذكر نبذة من أدعيته وأذكاره وقراءته اختلف هل الدعاء أفضل أم تركه والاستسلام للقضاء أفضل؟ فقال الجمهور: الدعاء أفضل، وهو من أعظم العبادة، ويؤيده ما أخرجه الترمذى من حديث أنس رفعه: «الدعاء مخ العبادة» «٢» . وقد تواترت الأخبار عنه- ﷺ بالترغيب فى الدعاء والحث عليه. وأخرج الترمذى وصححه ابن

ويؤيده ما أخرجه الترمذى من حديث أنس رفعه: «الدعاء مخ العبادة» «٢» . وقد تواترت الأخبار عنه- ﷺ بالترغيب فى الدعاء والحث عليه. وأخرج الترمذى وصححه ابن

حبان والحاكم عنه- ﷺ «من لم يسأل الله يغضب عليه» «١» . وقال عمر بن الخطاب- رضى الله عنه-: إنى لا أحمل همّ الإجابة ولكن هم الدعاء، فإذا أتممت الدعاء علمت أن الإجابة معه. وفى هذا يقول القائل: لو لم ترد نيل ما أرجو وآمله ... من جود كفك ما عودتنى الطلبا فإنه ﷾ يحب تذلل عبيده بين يديه، وسؤالهم إياه، وطلبهم حوائجهم منه، وشكواهم منه إليه، وعياذتهم به منه، وفرارهم منه إليه. كما قيل: قالوا أتشكو إليه ... ما ليس يخفى عليه فقلت ربى يرضى ... ذل العبيد لديه وقالت طائفة: الأفضل ترك الدعاء، والاستسلام للقضاء، وأجابوا عن قوله تعالى: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ «٢» بأن آخرها دل على أن المراد بالدعاء هو العبادة «٣» . قال الشيخ تقى الدين السبكى: الأولى حمل الدعاء فى الآية على ظاهره. وأما قوله تعالى بعد ذلك عَنْ عِبادَتِي «٤» فوجه الربط أن الدعاء أخص من العبادة، فمن استكبر عن العبادة استكبر عن الدعاء، وعلى هذا: فالوعيد إنما هو فى حق ترك الدعاء استكبارا، ومن فعل ذلك كفر، وأما تركه لمقصد من المقاصد فلا يتوجه إليه الوعيد المذكور، وإن كنا نرى أن ملازمة الدعاء والاستكثار منه أرجح من الترك لكثرة الأدلة الواردة فيه.

ك كفر، وأما تركه لمقصد من المقاصد فلا يتوجه إليه الوعيد المذكور، وإن كنا نرى أن ملازمة الدعاء والاستكثار منه أرجح من الترك لكثرة الأدلة الواردة فيه.

وقال القشيرى فى «الرسالة» : اختلف أى الأمرين أولى، الدعاء أو السكوت والرضاء؟ فقيل الدعاء، وهو الذى ينبغى ترجيحه لكثرة الأدلة، ولما فيه من إظهار الخضوع والافتقار، وقيل: السكوت والرضى أولى لما فى التسليم من الفضل. انتهى. وشبهتهم: أن الداعى لا يعرف ما قدر له، فدعاؤه إن كان على وفق القدرة فهو تحصيل الحاصل، وإن كان على خلافه فهو معاند. وأجيب: بأنه إذا اعتقد أنه لا يقع إلا ما قدر الله تعالى كان إذعانا لا معاندة وفائدة الدعاء تحصيل الثواب بامتثال الأمر، ولاحتمال أن يكون المدعو به موقوفا على الدعاء، لأن الله تعالى خلق الأسباب ومسبباتها. انتهى. وقد أرشد- ﷺ أمته لكيفية الدعاء فقال: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، وليصل على النبى- ﷺ، ثم ليدع بما شاء» ، رواه الترمذى من حديث فضالة بن عبيد. وقال- ﷺ فى رجل يدعو: «أوجب إن ختم بامين» «١» . رواه أبو داود. وقال: «لا يقل أحدكم اللهم اغفر لى إن شئت، اللهم ارحمنى إن شئت، ولكن ليعزم على المسألة فإن الله لا مكره له» «٢» ، رواه البخارى وغيره. ومعنى الأمر بالعزم الجد فيه، وأن يجزم بوقوع مطلوبه، ولا يعلق ذلك بمشيئة الله تعالى، وإن كان مأمورا فى جميع ما يريد فعله أن يعلقه بمشيئة الله تعالى، وقيل معنى العزم أن يحسن الظن بالله فى الإجابة، فإنه يدعو كريما، وقد قال ابن عيينة: لا يمنعن أحدا الدعاء ما يعلم من نفسه، يعنى التقصير، فإن الله تعالى قد استجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال: أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ «٣» . وقال- ﷺ: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لى» رواه الشيخان وغيرهما.

وكان- ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك «١» ، رواه أبو داود من حديث عائشة: والجوامع: التى تجمع الأغراض الصالحة والمقاصد الصحيحة، أو تجمع الثناء على الله تعالى وآداب المسألة. وكان- ﷺ يقول فى دعائه: «اللهم أصلح لى دينى الذى هو عصمة أمرى، وأصلح لى دنياى التى فيها معاشى، وأصلح لى آخرتى التى إليها معادى، واجعل الحياة زيادة لى فى كل خير، واجعل الموت راحة لى من كل شر» «٢» . رواه مسلم من حديث أبى هريرة. وكان يقول: «اللهم انفعنى بما علمتنى، وعلمنى ما ينفعنى، وزدنى علما، الحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار» «٣» . رواه الترمذى من حديث أبى هريرة. وكان يقول: «اللهم متعنى بسمعى وبصرى. واجعلهما الوارث منى، وانصرنى على من ظلمنى، وخذ منه بثأرى» «٤» . رواه الترمذى من حديث أبى هريرة أيضا. وكان أكثر دعائه: «ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» «٥» . رواه الشيخان من حديث أنس. وكان يقول: «ربّ أعنى ولا تعن على، وانصرنى ولا تنصر على، وامكر

لى ولا تمكر على، واهدنى وانصرى على من بغى على، رب اجعلنى لك شاكرا، لك ذاكرا، لك راهبا، مطواعا لك، مخبتا إليك، أواها منيبا، رب تقبل توبتى، واغسل حوبتى، وأجب دعوتى، وثبت حجتى، وسدد لسانى، واهد قلبى، واسلل سخيمة صدرى» «١» رواه الترمذى. وكان يقول: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم إنى أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت، أن تضلنى، أنت الحى الذى لا تموت، والجن والإنس يموتون» «٢» رواه الشيخان عن ابن عباس. وكان يقول: «اللهم إنى أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى» «٣» . رواه مسلم والترمذى من حديث ابن مسعود. وكان يقول: «اللهم اغفر لى خطيئتى وجهلى، وإسرافى فى أمرى، وما أنت أعلم به منى، اللهم اغفر لى جدى وهزلى، وخطئى وعمدى، وكل ذلك عندى، اللهم اغفر لى ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به منى، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شئ قدير» «٤» رواه الشيخان من حديث أبى موسى. وكان أكثر دعائه: «يا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك» «٥» . رواه الترمذى من حديث أم سلمة.

مؤخر وأنت على كل شئ قدير» «٤» رواه الشيخان من حديث أبى موسى. وكان أكثر دعائه: «يا مقلب القلوب ثبت قلبى على دينك» «٥» . رواه الترمذى من حديث أم سلمة.

وكان يقول: «اللهم عافنى فى جسدى، وعافنى فى سمعى وبصرى، واجعلهما الوارث منى، لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين» «١» رواه الترمذى. وكان يقول: «اللهم اغسل خطاياى بماء الثلج والبرد، ونق قلبى من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس» «٢» رواه النسائى. وكان يقول: «اللهم إنى أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضنى إليك غير مفتون» «٣» . رواه فى الموطأ. وكان يدعو: «اللهم فالق الإصباح، وجاعل الليل سكنا، والشمس والقمر حسبانا، اقض عنى الدين وأغننى من الفقر، وأمتعنى بسمعى وبصرى وقوتى، وتوفنى فى سبيلك» «٤» رواه فى الموطأ. وكان- ﷺ يتعوذ فيقول: «اللهم إنى أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذبك من فتنة المحيا والممات» «٥» . رواه الشيخان من حديث أنس. وفى رواية أبى داود «اللهم إنى أعوذبك من الهم والحزن وضلع الدين وغلبة الرجال» «٦» .

وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من الجذام والبرص والجنون، ومن سيئ الأسقام» «١» رواه أبو داود والنسائى، من حديث أنس. وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من شر ما علمت، ومن شر ما لم أعلم» «٢» . رواه مسلم من حديث عائشة. وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع، أعوذبك من هذه الأربع» «٣» رواه الترمذى والنسائى من حديث ابن عمرو بن العاص. وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك» «٤» ، رواه مسلم وأبو داود من حديث ابن عمرو بن العاص أيضا. وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة، وأعوذ بك من أن أظلم أو أظلم» «٥» ، رواه أبو داود من حديث أبى هريرة. وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق» «٦» ، رواه أبو داود من حديث أبى هريرة أيضا.

لم» «٥» ، رواه أبو داود من حديث أبى هريرة. وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء الأخلاق» «٦» ، رواه أبو داود من حديث أبى هريرة أيضا.

وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة» «١» . رواه أبو داود والنسائى من حديث أبى هريرة أيضا. وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من غلبة الدين وغلبة العدو، وشماتة الأعداء» «٢» . رواه النسائى. وكان يقول: «اللهم إنى أعوذ بك من الهدم، وأعوذ بك من التردى ومن الغرق والحرق والهرم، وأعوذ بك من أن يتخبطنى الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت فى سبيلك مدبرا، وأعوذ بك أن أموت لديغا» «٣» . رواه أبو داود والنسائى من حديث أبى اليسر. وكان يتعوذ من عين الجن والإنس، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سوى ذلك «٤» . رواه النسائى. وكان إذا خاف قوما قال: «اللهم إنا نجعلك فى نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم» «٥» . رواه أبو داود. وكان يعوذ الحسن والحسين ويقول- «إن أبا كما كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق» - «أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة» «٦» . رواه البخارى والترمذى.

وقد استشكل صدور هذه الأدعية ونحوها منه- ﷺ مع قوله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «١» ووجوب عصمته، وأجيب: بأنه امتثل ما أمره الله به من تسبيحه وسؤاله المغفرة فى قوله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ «٢» . ويحتمل أن يكون قاله على سبيل التواضع والاستكانة والخضوع والشكر لربه تعالى، لما علم أنه قد غفر له، ويحتمل أن يكون سؤاله ذلك لأمته وللتشريع، والله أعلم. وكان- ﷺ عند الكرب- وهو ما يهجم على الإنسان مما يأخذ بنفسه ويحزنه ويغمه. - يدعو: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرضين ورب العرش العظيم» «٣» رواه البخارى. وفى رواية: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات والأرضين ورب العرش الكريم» . قال الطيبى: صدر هذا الثناء بذكر الرب ليناسب كشف الكرب لأنه مقتضى التربية، ومنه التهليل المشتمل على التوحيد، وهو أصل التنزيهات الجلالية، والعظمة التى تدل على تمام القدرة، والحلم الذى يدل على العلم. إذ الجاهل لا يتصور منه حلم ولا كرم، وهما أصل الأوصاف الإكرامية. انتهى. وكان- ﷺ إذا همه أمر رفع رأسه إلى السماء وقال: «سبحان الله العظيم» . رواه الترمذى من حديث أبى هريرة. فإن قلت: هذا ذكر ليس فيه دعاء. فالجواب: إن التعرض للطلب تارة يكون بذكر أوصاف العبد من فقره وحاجته، وتارة بذكر أوصاف السيد من وحدانيته والثناء عليه. وقد قال أمية ابن أبى الصلت فى مدح عبد الله بن جدعان: أأذكر حاجتى أم قد كفانى ... حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضك الثناء

قال أمية ابن أبى الصلت فى مدح عبد الله بن جدعان: أأذكر حاجتى أم قد كفانى ... حياؤك إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضك الثناء

قال سفيان الثورى: فهذا مخلوق حين نسب إلى الكرم اكتفى بالثناء، فكيف بالخالق. وكان- ﷺ إذا كربه أمر قال: «يا حى يا قيوم برحمتك أستغيث» «١» رواه أبو داود من حديث أنس. وقال- ﷺ: «ما كربنى أمر إلا تمثل لى جبريل فقال: يا محمد قل: توكلت على الحى الذى لا يموت، والحمد لله الذى لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك فى الملك، ولم يكن له ولى من الذل وكبره تكبيرا» «٢» رواه الطبرانى عن أبى هريرة. وتقدم فى المقصد الثامن مزيد لذلك. وكان- ﷺ يقول فى الضالة: «اللهم رادّ الضالة وهادى الضالة أنت تهدى من الضلالة، اردد علىّ ضالتى بعزتك وسلطانك، فإنها من عطائك وفضلك» «٣» . رواه الطبرانى فى الصغير من حديث ابن عمر. وكان- ﷺ يدعو هكذا بباطن كفيه وظاهرهما «٤» . رواه أبو داود عن أنس: وقال أبو موسى الأشعرى- كما عند البخارى- دعا النبى- ﷺ ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه «٥» . وعنده أيضا من حديث ابن عمر: رفع- ﷺ يديه فقال: «اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد» «٦» .

د البخارى- دعا النبى- ﷺ ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه «٥» . وعنده أيضا من حديث ابن عمر: رفع- ﷺ يديه فقال: «اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد» «٦» .

لكن فى حديث أنس «لم يكن النبى- ﷺ يرفع يديه فى شئ من دعائه إلا فى الاستسقاء» «١» وهو حديث صحيح. ويجمع بينه وبين ما تقدم: بأن الرفع فى الاستسقاء يخالف غيره إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان فى حذو الوجه مثلا، وفى الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يعكر على ذلك أنه ثبت فى كل منهما «حتى يرى بياض إبطيه» بل يجمع: بأن تكون رؤية البياض فى الاستسقاء أبلغ منها فى غيره، وإما أن الكفين فى الاستسقاء يليان الأرض وفي الدعاء يليان السماء. قال الحافظ عبد العظيم المنذرى: وبتقدير تعذر الجمع فجانب الإثبات أرجح. انتهى. وروى الإمام أحمد والحاكم وأبو داود أنه- ﷺ كان يرفع يديه إذا دعا حذو منكبيه. وفى رواية ابن ماجه: وبسطهما. وهذا يقتضى أن تكونا متفرقتين مبسوطتين، لا كهيئة الاغتراف. قال الحافظ ابن حجر: غالب الأحاديث التى وردت فى رفع اليدين فى الدعاء إنما المراد بها مد اليدين وبسطهما عند الدعاء. وروى ابن عباس: كان- ﷺ إذا دعا ضم كفيه وجعل بطونهما مما يلى وجهه. رواه الطبرانى فى الكبير بسند ضعيف. وهل يمسح بهما وجهه؟ أما فى القنوت فى الصلاة فالأصح، لا، لعدم وروده فيه، قال البيهقى: لا أحفظ فيه عن أحد من السلف شيئا، وإن روى عن بعضهم فى الدعاء خارج الصلاة، وقد روى فيه عن النبى- ﷺ خبر ضعيف مستعمل عند بعضهم فى الدعاء خارجها، فأما فيها فعمل لم يثبت فيه خبر ولا أثر ولا قياس، والأولى أن لا يفعله. وقد دعا- ﷺ لأنس فقال: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته» «٢» . رواه البخارى. وفى «الأدب المفرد» له، عن أنس قال: قالت أم

لأولى أن لا يفعله. وقد دعا- ﷺ لأنس فقال: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته» «٢» . رواه البخارى. وفى «الأدب المفرد» له، عن أنس قال: قالت أم

سليم- وهى أم أنس-: خويدمك ألا تدعو له؟ فقال: «اللهم أكثر ماله وولده، وأطل حياته، واغفر له» «١» . وفى الصحيح: إن أنسا كان فى الهجرة ابن تسع سنين، وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين فيما قيل- وقيل- سنة ثلاث- وله مائة وثلاث سنين. قاله خليفة وهو المعتمد. وأكثر ما قيل فى سنه: أنه بلغ مائة سنة وسبع سنين، وأقل ما قيل فيه بلغ تسعا وتسعين سنة. وأما كثرة ولده، فروي مسلم قال أنس: «فو الله إن مالى لكثير، وإن ولدى وولد ولدى ليعادون على نحو المائة اليوم» «٢» . وورد فى حديث رواه الشيخان «أن أنسا قال: أخبرتنى ابنتى أمينة- بضم الهمزة وفتح الميم، وسكون المثناة التحتية، بعدها نون- أنه دفن من صلبى إلى مقدم الحجاج البصرة مائة وعشرون» . وقال ابن قتيبة فى «المعارف» : كان بالبصرة ثلاث ما ماتوا حتى رأى كل واحد منهم من ولده مائة ذكر لصلبه: أبو بكرة، وخليفة بن بدر، وأنس، وزاد غيره رابعا: وهو المهلب بن أبى صفرة. وأخرج ابن سعد عن أنس قال: دعا لى النبى- ﷺ: «اللهم أكثر ماله وولده، وأطل عمره، واغفر له» ، فقد دفنت من صلبى مائة واثنين، وإن ثمرتى لتحمل فى السنة مرتين، ولقد بقيت حتى سئمت الحياة، وأرجو الرابعة «٣» . وأخرج الترمذى عن أبى العالية فى ذكر أنس: وكان له بستان يؤتى فى كل سنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحان تفوح منه رائحة المسك «٤» . ورجاله ثقات. ودعا- ﷺ لمالك بن ربيعة السلولى أن يبارك له فى ولده، فولد له

ثمانون ذكرا، رواه ابن عساكر. وأرسل- ﷺ إلى على يوم خيبر، وكان أرمد، فتفل فى عينيه وقال: «اللهم أذهب عنه الحر والبرد» ، قال: فما وجدت حرّا ولا بردا منذ ذلك اليوم، ولا رمدت عيناى «١» . وبعث- ﷺ عليّا إلى اليمن قاضيا فقال: يا رسول الله، لا علم لى بالقضاء، فقال: «ادن منى» ، فدنا منه، فضرب يده على صدره وقال: «اللهم اهد قلبه وثبت لسانه» ، قال على: فو الله ما شككت فى قضاء بين اثنين «٢» ، رواه أبو داود وغيره. وعاد- ﷺ عليّا من مرض فقال: «اللهم اشفه اللهم عافه» ، ثم قال: «قم» ، قال على: فما عاد لى ذلك الوجع بعد «٣» . رواه الحاكم وصححه البيهقى وأبو نعيم. ومرض أبو طالب، فعاده النبى- ﷺ، فقال: يا ابن أخى ادع ربك الذى تعبد أن يعافينى، فقال: «اللهم اشف عمى» ، فقام أبو طالب كأنما نشط من عقال، فقال: يا ابن أخى، إن ربك الذى تعبد ليطيعك، فقال: «وأنت يا عماه لئن أطعت الله ليطيعنك» . رواه ابن عدى والبيهقى وأبو نعيم من حديث أنس. وتفرد به الهيثمى، وهو ضعيف. ودعا- ﷺ لابن عباس: «اللهم فقهه فى الدين، اللهم أعط ابن عباس الحكمة وعلمه التأويل» «٤» . رواه البغوى وابن سعد. وفى البخارى: «اللهم علمه الكتاب» «٥» فكان عالما بالكتاب، حبر الأمة، بحر العلم، رئيس المفسرين، ترجمان القرآن، وكونه فى الدرجة العليا والمحل الأقصى لا يخفى. وقال للنابغة الجعدى لما قال:

» فكان عالما بالكتاب، حبر الأمة، بحر العلم، رئيس المفسرين، ترجمان القرآن، وكونه فى الدرجة العليا والمحل الأقصى لا يخفى. وقال للنابغة الجعدى لما قال:

ولا خير فى حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمى صفوه أن يكدرا ولا خير فى علم إذا لم يكن له ... حكيم إذا ما أورد الأمر أصدرا «لا يفضض الله فاك» «١» أى لا يسقط الله أسنانك، وتقديره: لا يسقط الله أسنان فيك، فحذف المضاف: قال: فأتى عليه أكثر من مائة سنة وكان من أحسن الناس ثغرا. رواه البيهقى. وقال فيه: فلقد رأيته ولقد أتى عليه نيف ومائة سنة وما ذهب له سن، وفى رواية ابن أبى أسامة: وكان من أحسن الناس ثغرا وإذا سقطت له سن، نبتت له أخرى، وعند ابن السكن: فرأيت أسنان النابغة أبيض من البرد لدعوته- ﷺ. وسقاه- ﷺ عمرو بن أحطب ماء فى قدح قوارير، فرأى فيه شعرة بيضاء فأخذها، فقال: «اللهم جمله» ، فبلغ ثلاثا وتسعين سنة وما فى لحيته ورأسه شعرة بيضاء «٢» ، رواه الإمام أحمد من طريق أبى نهيك. قال أبو نهيك: فرأيته ابن أربع وتسعين سنة وليس فى لحيته شعرة بيضاء «٣» . وصححه ابن حبان والحاكم. وأخرج البيهقى عن أنس أن يهوديّا أخذ من لحية النبى- ﷺ فقال: «اللهم جمله» . فاسودت لحيته بعد أن كانت بيضاء. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة قال: حلب يهودى للنبى- ﷺ ناقة، فقال: «اللهم جمله» ، فاسود شعره، حتى صار أشد سوادا من كذا وكذا. قال معمر: وسمعت غير قتادة يذكر أنه عاش تسعين سنة فلم يشب. أخرجه ابن أبى شيبة وأبو داود فى المراسيل والبيهقى وقال: مرسل شاهد لما قبله. وقال- ﷺ لابن الحمق الخزاعى، وقد سقاه- ﷺ: «اللهم متعه بشبابه» ، فمرت عليه ثمانون سنة ولم ير شعرة بيضاء، رواه أبو نعيم وغيره.

قال: مرسل شاهد لما قبله. وقال- ﷺ لابن الحمق الخزاعى، وقد سقاه- ﷺ: «اللهم متعه بشبابه» ، فمرت عليه ثمانون سنة ولم ير شعرة بيضاء، رواه أبو نعيم وغيره.

وجاءته فاطمة وقد علاها الصفرة من الجوع، فنظر إليها- ﷺ ووضع يده على صدرها ثم قال: «اللهم مشبع الجاعة لا تجع فاطمة بنت محمد» قال عمران بن حصين: فنظرت إليها وقد علاها الدم على الصفرة فى وجهها، ولقيتها بعد فقالت: ما جعت يا عمران، ذكره يعقوب بن سليمان الأسفراينى فى دلائل الإعجاز. ودعا- ﷺ لعروة بن الجعد البارقى فقال: «اللهم بارك فى صفقة يمينه» قال فما اشتريت شيئا قط إلا وربحت فيه. وقال لجرير وكان لا يثبت عل الخيل، وضرب فى صدره: «اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا» . قال فما وقعت عن فرسى بعد «١» . وقال لسعد بن أبى وقاص: «اللهم أجب دعوته» . فكان مجاب الدعوة. رواه البيهقى والطبرانى فى الأوسط. ودعا لعبد الرحمن بن عوف بالبركة. رواه الشيخان عن أنس، زاد البيهقى من وجه آخر، قال عبد الرحمن: فلو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب تحته ذهبا أو فضة «٢» . الحديث. قال القاضى عياض: وقد فتح الله عليه ومات فحفر الذهب فى تركته بالفؤوس حتى مجلت فيه الأيدى، وأخذت كل زوجة ثمانين ألفا، وكن أربعا، وقيل: مائة ألف، وقيل: بل صولحت إحداهن لأنه طلقها فى مرض موته على ثمانين ألفا. وأوصى بخمسين ألفا بعد صدقاته الفاشية فى حياته، وعوارفه العظيمة، أعتق يوما ثلاثين عبدا، وتصدق مرة بعير فيها سبعمائة بعير، وردت عليه تحمل من كل شئ فتصدق بها وبما عليها وبأقتابها وأحلاسها. وذكر المحب الطبرى، مما عزاه للصفوة عن الزهرى: أنه تصدق بشطر ماله: أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس فى سبيل الله، ثم حمل على ألف وخمسمائة راحلة فى سبيل الله،

وكان عامة ماله من التجارة. ودعا على مضر فأقحطوا حتى أكلوا العلهز- وهو الدم بالوبر- حتى استعطفته قريش. ولما تلى- ﷺ وَالنَّجْمِ إِذا هَوى «١» قال عتيبة بن أبى لهب. كفرت برب النجم، «اللهم سلط عليه كلبا من كلابك» . فخرج عتيبة مع أصحابه فى عير إلى الشام حتى إذا كانوا بالشام زأر أسد، فجعلت فرائصه ترعد، فقيل له: من أى شئ ترتعد؟ فو الله ما نحن وأنت فى هذا إلا سواء، فقال: إن محمدا دعا على، ولا والله ما أظلت هذه السماء من ذى لهجة أصدق من محمد. ثم وضعوا العشاء فلم يدخل يديه فيه حتى جاء النوم، فأحاطوا به وأحاطوا أنفسهم بمتاعهم، ووسطوه بينهم وناموا، فجاء الأسد يستنشق رؤسهم رجلا رجلا حتى انتهى إليه فمضغه مضغة، وهو يقول: ألم أقل لكم إن محمدا أصدق الناس، ومات. ذكره يعقوب الأسفراينى: وتقدم فى ذكره أولاده- ﷺ قصة بنحو هذه. وعن مازن الطائى، وكان بأرض عمان، قلت: يا رسول الله، إنى امرؤ مولع بالطرب وشرب الخمر والنساء، وألحت علينا السنون، فأذهبن الأموال وأهزلن الذرارى والرجال، وليس لى ولد، فادع الله أن يذهب عنى ما أجد ويأتينى بالحياء ويهب لى ولدا، فقال- ﷺ: «اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن وبالحرام الحلال وائته بالحياء، وهب له ولدا» قال مازن: فأذهب الله عنى كل ما كنت أجد، وأخصبت عمان وتزوجت أربع حرائر، ووهب الله لى حيان بن مازن. رواه البيهقى. ولما نزل- ﷺ بتبوك صلى إلى نخلة فمر رجل بينه وبينها فقال- ﷺ: «قطع صلاتنا قطع الله أثره فأقعد فلم يقم» «٢» . رواه أبو داود والبيهقى، لكن سنده ضعيف.

ى. ولما نزل- ﷺ بتبوك صلى إلى نخلة فمر رجل بينه وبينها فقال- ﷺ: «قطع صلاتنا قطع الله أثره فأقعد فلم يقم» «٢» . رواه أبو داود والبيهقى، لكن سنده ضعيف.

وأكل رجل عنده بشماله فقال: «كل بيمينك» قال: لا أستطيع، قال: «لا استطعت» فما رفعها إلى فيه بعد «١» . والرجل هو بسر- بضم الموحدة وسكون المهملة- ابن راعى العير، بفتح المهملة وسكون المثناة التحتية. وطلب- ﷺ معاوية، فقيل له إنه يأكل، فقال فى الثانية: «لا أشبع الله بطنه» ، فما شبع بطنه أبدا «٢» ، رواه البيهقى من حديث ابن عباس، وكان معاوية رديفه يوما فقال: «يا معاوية، ما يلينى منك؟» قال: بطنى؟ قال: «اللهم املأه علما وحلما» . رواه البخارى فى تاريخه. وقال لابن ثروان: «اللهم أطل شقاءه وبقاءه» فأدرك شيخا كبيرا شقيّا يتمنى الموت. وكم له- ﷺ من دعوات مستجابات، وقد أفرد القاضى عياض بابا فى الشفاء ذكر فيه طرفا منها، وكذا الإمام يوسف بن يعقوب الإسفراينى فى كتابه «دلائل الإعجاز» فكم أجابه الله تعالى إلى مسئوله، وأجناه من شجرة دعائه ثمرة سؤله. وأما حديث أبى هريرة عند البخارى أن رسول الله- ﷺ قال: «لكل نبى دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتى شفاعة لأمتى فى الآخرة» «٣» فقد استشكل ظاهره بما ذكرته، وبما وقع لنبينا ولكثير من الأنبياء- صلى الله عليهم وسلم- من الدعوات المجابة، فإن ظاهره أن لكل نبى دعوة مجابة فقط. وأجيب: بأن المراد بالإجابة فى الدعوة المذكورة القطع بها، وما عدا ذلك من دعواتهم فهم على رجاء الإجابة. وقيل: معنى قوله «لكل نبى

ل نبى دعوة مجابة فقط. وأجيب: بأن المراد بالإجابة فى الدعوة المذكورة القطع بها، وما عدا ذلك من دعواتهم فهم على رجاء الإجابة. وقيل: معنى قوله «لكل نبى

دعوة» أى أفضل دعواته، ولهم دعوات أخرى، وقيل: لكل منهم دعوة عامة مستجابة فى أمته، إما بإهلاكهم، وإما بنجاتهم، وأما الدعوات الخاصة: فمنها ما يستجاب ومنها لا يستجاب. وقيل: لكل نبى منهم دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه، كقول نوح: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً «١» وقول زكريا: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي «٢» ، وقول سليمان: رب هب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى إشارة إلى قوله: قال رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى إنك أنت الوهاب. وأما قول الكرمانى فى شرحه على البخارى: فإن قلت: هل جاز أن لا يستجاب دعاء النبى- ﷺ؟ قلت: لكل نبى دعوة مستجابة، وإجابة الباقى فى مشيئة الله تعالى، فقال العينى: هذا السؤال لا يعجبنى، فإن فيه بشاعة، وأنا لا أشك أن جميع دعوات النبى- ﷺ مستجابة. وقوله: «لكل نبى دعوة مستجابة» لا ينفى ذلك، لأنه ليس بمحصور. انتهى. ولم ينقل أنه- ﷺ دعا بشئ فلم يستجب. وفى هذا الحديث بيان فضيلة نبينا- ﷺ على سائر الأنبياء، حيث آثر أمته على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابة، ولم يجعلها دعاء عليهم بالهلاك كما وقع لغيره، - صلوات الله وسلامه عليهم-. وظاهر الحديث يقتضى أنه- ﷺ أخر الدعاء والشفاعة ليوم القيامة، فذلك اليوم يدعو ويشفع، ويحتمل أن يكون المؤخر ليوم القيامة ثمرة تلك الدعوة ومنفعتها، وأما طلبها فحصل من النبى- ﷺ فى الدنيا حكاه صاحب مزيد الفتح. وقد أمر الله النبى- ﷺ بالترقى فى مراتب التوحيد بقوله: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ «٣» فإنه ليس أمرا بتحصيل ذلك العلم، لأنه عالم بذلك،

ولا بالثبات، لأنه معصوم، فتعين أن يكون للترقى فى مراتبه ومقاماته، إشارة إلى أن العلم به تعالى والسير إليه لا نهاية له أبدا، فجميع العلوم الحقيقية والمعارف اليقينية فى العالم منتظم فى سلك تحقيقها، وستثمر من أفنان طواياها، ولذا اكتفى بعلمها له- ﷺ فى الآية فالشأن كله فى تصحيح التوحيد وتجريده وتكميله، وقد قال تعالى له- ﷺ: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ «١» وقال: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً «٢» ، لأنه لا بد فى أول السلوك من الذكر باللسان مدة، ثم يزول الاسم ويبقى المسمى، فالدرجة الأولى هى المرادة بقوله: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ «٣» ، والمرتبة الثانية هى المرادة بقوله: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً «٤» وفى استيفاء مباحث ذلك طول، يخرج عن الغرض، وقد تقدم جملة من أذكاره- ﷺ مفرقة فى الوضوء والصلاة والحج وغير ذلك. وقد كان- ﷺ يستغفر الله ويتوب إليه فى اليوم والليلة أكثر من سبعين مرة «٥» . كما رواه عنه أبو هريرة عند البخارى. وظاهره أنه يطلب المغفرة، ويعزم على التوبة، ويحتمل أن يكون المراد: أنه- ﷺ يقول هذا اللفظ بعينه، ويرجح الثانى ما أخرجه النسائى بسند جيد من طريق مجاهد عن ابن عمر: أنه سمع النبى- ﷺ يقول: «أستغفر الله الذى لا إله إلا هو الحى القيوم وأتوب إليه» فى المجلس قبل أن يقوم مائة مرة. وله: من رواية محمد بن سوقة عن نافع عن ابن عمر بلفظ: إن كنا لنعد لرسول الله- ﷺ فى المجلس: «رب اغفر لى وتب على إنك أنت التواب الغفور» ، مائة مرة «٦» . ويحتمل أن يريد بقوله فى حديث أبى هريرة «أكثر من سبعين

Bagian 44 dari 49