— Bagian 46 · دوا لما هدى له رسوله- ﷺ. —
Bagian 46
دوا لما هدى له رسوله- ﷺ. قال أبو نصر: المقالة التى قالها ثم رجع عنها: هى أن النبى- ﷺ لم يمت ولن يموت حتى يقطع أيدى وأرجل، وكان ذلك لعظيم ما ورد عليه
وخشى الفتنة وظهور المنافقين، فلما شاهد قوة يقين الصديق الأكبر وتفوهه بقول الله ﷿: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ «١» وقوله: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «٢» وخرج الناس يتلونها فى سكك المدينة كأنها لم تنزل قط إلا ذلك اليوم انتهى. وقال ابن المنير: لما مات- ﷺ طاشت العقول، فمنهم من خبل، ومنهم من أقعد فلم يطق القيام، ومنهم من أخرس فلم يطق الكلام، ومنهم من أضنى، وكان عمر ممن خبل، وكان عثمان ممن أخرس، يذهب به ويجاء ولا يستطيع كلاما، وكان على ممن أقعد فلم يستطع حراكا، وأضنى عبد الله ابن أنيس فمات كمدا. وكان أثبتهم أبو بكر الصديق- رضى الله عنه-، جاء وعيناه تهملان وزفراته تتردد وغصصه تتصاعد وتترفع، فدخل على النبى- ﷺ فأكب عليه وكشف الثوب عن وجهه وقال: طبت حيّا وميتا، وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء، فعظمت عن الصفة وجللت عن البكاء، ولو أن موتك كان اختيارا لجدنا لموتك بالنفوس. اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن من بالك. ووقع فى حديث ابن عباس وعائشة عند البخارى: أن أبا بكر قبل النبى- ﷺ بعد ما مات، كما قدمنا. وكذا وقع فى رواية غيره. وفى رواية يزيد بن بابنوس عنها، عند أحمد، أنه أتاه من قبل رأسه، فحدر فاه وقبل جبهته ثم قال: وانبياه، ثم رفع رأسه فحدر فاه وقبل جبهته ثم قال: واصفياه، ثم رفع رأسه فحدر فاه وقبل جبهته وقال: واخليلاه. وعند ابن أبى شيبة عن ابن عمر: فوضع فاه على جبين رسول الله- ﷺ فجعل يقبله ويبكى ويقول: بأبى أنت وأمى، طبت حيّا وميتا. وعن عائشة: أن أبا بكر دخل على النبى- ﷺ بعد وفاته، فوضع فاه
بين عينيه، ووضع يديه على صدغيه وقال: وانبياه واخليلاه واصفياه. أخرجه ابن عرفة العبدى كما ذكره الطبرى. قال: ولا تضاد بين هذا على تقدير صحته وبين ما تقدم مما تضمن ثباته، بأن يكون قد قال ذلك من غير انزعاج ولا قلق خافتا به صوته، ثم التفت إليهم وقال لهم ما قال. وأخرج البيهقى وأبو نعيم من طريق الواقدى عن شيوخه: أنهم شكوا فى موته- ﷺ، قال بعضهم: قد مات، وقال بعضهم: لم يمت، فوضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفيه- ﷺ فقالت: قد توفى، قد رفع الخاتم من بين كتفيه، فكان هذا الذى قد عرف به موته. وأخرجه ابن سعد عن الواقدى أيضا. ولما توفى- ﷺ قالت فاطمة: يا أبتاه، أجاب ربّا دعاه، يا أبتاه، من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه «١» . رواه البخارى. قال الحافظ ابن حجر- ﵀: وقد قيل الصواب: إلىّ جبريل نعاه. جزم بذلك سبط ابن الجوزى فى مرآة الزمان. قال: والأول متوجه فلا معنى لتغليط الرواة بالظن. وزاد الطبرانى: يا أبتاه، من ربه ما أدناه. وقد عاشت فاطمة- رضى الله عنها- بعده- ﷺ ستة أشهر فما ضحكت تلك المدة، وحق لها ذلك. على مثل ليلى يقتل المرء نفسه ... وإن كان من ليلى على الهجر طاويا وأخرج أبو نعيم عن على قال: لما قبض- ﷺ صعد ملك الموت باكيا إلى السماء، والذى بعثه بالحق نبيّا لقد سمعت صوتا من السماء ينادى: وا محمداه. الحديث. كل المصائب تهون عند هذه المصيبة. وفى سنن ابن ماجه: أنه- ﷺ قال فى مرضه: «أيها الناس، إن أحد من الناس، أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعز بمصيبته بى عن المصيبة التى
ون عند هذه المصيبة. وفى سنن ابن ماجه: أنه- ﷺ قال فى مرضه: «أيها الناس، إن أحد من الناس، أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعز بمصيبته بى عن المصيبة التى
تصيبه بغيرى، فإن أحدا من أمتى لن يصاب بمصيبة بعدى أشد عليه من مصيبتى» «١» . وقال أبو الجوزاء: كان الرجل من أهل المدينة إذا أصابته مصيبة جاء أخوه فصافحه ويقول: يا عبد الله، اتق الله، فإن فى رسول الله أسوة حسنة. ويعجبنى قول القائل: اصبر لكل مصيبة وتجلد ... واعلم بأن المرء غير مخلد واصبر كما صبر الكرام فإنها ... نوب تنوب اليوم تكشف فى غد وإذا أتتك مصيبة تشجى بها ... فاذكر مصابك بالنبى محمد ويرحم الله القائل: تذكرت لما فرق الدهر بيننا ... فعزيت نفسى بالنبى محمد وقلت لها إن المنايا سبيلنا ... فمن لم يمت فى يومه مات فى غد كادت الجمادات تتصدع من ألم فراقه- ﷺ، فكيف بقلوب المؤمنين؟ لما فقده الجذع الذى كان يخطب إليه قبل اتخاذ المنبر حنّ إليه وصاح. كان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى وقال: هذه خشبة تحن إلى رسول الله- ﷺ، فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه. وروى أن بلالا لما كان يؤذن بعد وفاته- ﷺ، وقبل دفنه، فإذا قال: أشهد أن محمدا رسول الله، ارتج المسجد بالبكاء والنحيب. فلما دفن ترك بلال الأذان. ما أمرّ عيش من فارق الأحباب خصوصا من كانت رؤيته حياة الألباب. لو ذاق طعم الفراق رضوى ... لكان من وجده يميد قد حملوني عذاب شوق ... يعجز عن حمله الحديد
ا أمرّ عيش من فارق الأحباب خصوصا من كانت رؤيته حياة الألباب. لو ذاق طعم الفراق رضوى ... لكان من وجده يميد قد حملوني عذاب شوق ... يعجز عن حمله الحديد
وقد كانت وفاته- ﷺ يوم الاثنين بلا خلاف، وقت دخول المدينة فى هجرته حين اشتد الضحاء، ودفن يوم الثلاثاء، وقيل ليلة الأربعاء. فعند ابن سعد فى الطبقات، عن على: توفى رسول الله- ﷺ يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء. وعنده أيضا عن عكرمة، توفى يوم الاثنين، فحبس بقية يومه وليلته، ومن الغد حتى دفن من الليل، وعنده أيضا: عن عثمان بن محمد الأخنس: توفى يوم الاثنين حين زاغت الشمس ودفن يوم الأربعاء. وروى أيضا عن أبىّ بن عباس بن سهل عن أبيه عن جده: توفى يوم الاثنين، فمكث بقية يوم الاثنين والثلاثاء حتى دفن يوم الأربعاء. وعنده أيضا: عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب: توفى يوم الاثنين حين زاغت الشمس «١» . ورثته عمته صفية بمراثى كثيرة منها قولها: ألا يا رسول الله كنت رجاءنا ... وكنت بنا برّا ولم تك جافيا وكنت رحيما هاديا ومعلما ... ليبك عليك اليوم من كان باكيا لعمرك ما أبكى النبى لفقده ... ولكن لما أخشى من الهجر آتيا كأن على قلبى لذكر محمد ... وما خفت من بعد النبى المكاويا أفاطم صلى الله رب محمد ... على جدث أمسى بيثرب ثاويا فدى لرسول الله أمى وخالتى ... وعمى وخالى ثم نفسى وماليا فلو أن رب الناس أبقى نبينا ... سعدنا ولكن أمره كان ماضيا عليك من الله السلام تحية ... وأدخلت جنات من العدن راضيا أرى حسنا أيتمته وتركته ... يبكّى ويدعو جده اليوم نائيا ورثاه أبو سفيان بن الحارث فقال: أرقت فبت ليلى لا يزول ... وليل أخى المصيبة فيه طول وأسعدنى البكاء وذاك فيما ... أصيب المسلمون به قليل
ده اليوم نائيا ورثاه أبو سفيان بن الحارث فقال: أرقت فبت ليلى لا يزول ... وليل أخى المصيبة فيه طول وأسعدنى البكاء وذاك فيما ... أصيب المسلمون به قليل
لقد عظمت مصيبتنا وجلت ... عشية قيل قد قبض الرسول وأضحت أرضنا مما عراها ... تكاد بنا جوانبها تميل فقدنا الوحى والتنزيل فينا ... يروح به ويغدو جبرائيل وذاك أحق ما سالت عليه ... نفوس الناس أو كادت تسيل نبى كان يجلو الشك عنا ... بما يوحى إليه وما يقول ويهديناا فلا نخشى ضلالا ... علينا والرسول لنا دليل أفاطم إن جزعت فذاك عذر ... وإن لم تجزعى ذاك السبيل فقبر أبيك سيد كل قبر ... وفيه سيد الناس الرسول ورثاه الصديق بقوله: لما رأيت نبينا متجندلا ... ضاقت على بعرضهن الدور فارتاع قلبى عند ذاك لهلكه ... والعظم منى ما حييت كسير أعتيق ويحك إن حبك قد ثوى ... فالصبر عنك لما لقيت يسير يا ليتنى من قبل مهلك صاحبى ... غيبت فى جدث على صخور فلتحدثن بدائع من بعده ... يعيى بهن جوارح وصدور ورثاه الصديق أيضا بقوله: ودعنا الوحى إذا وليت عنا ... فودعنا من الله الكلام سوى ما قد تركت لنا رهينا ... تضمنه القراطيس الكرام ولقد أحسن حسان بقوله يرثيه- ﷺ: كنت السواد لناظرى ... فعمى عليك الناظر من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر ورثاه حسان بقوله أيضا: بطيبة رسم للرسول ومعهد ... مبين وقد تعفو الرسوم وتهمد
ولا تنمحى الآيات من دار حرمه ... بها منبر الهادى الذى كان يصعد وأوضح آيات وباقى معالم ... وربع له فيه مصلى ومسجد بها حجرات كان ينزل وسطها ... من الله نور يستضاء ويوقد معارف لم تطمس على العهد آيها ... أتاها البلى فالآى منها تجدد عرفت بها رسم الرسول وعهده ... وقبرا بها واراه فى الترب ملحد أطالت وقوفا تذرف العين دمعها ... على طلل القبر الذى فيه أحمد فبوركت يا قبر الرسول وبوركت ... بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد وبورك لحد منك ضمن طيبا ... عليه بناء من صفيح منضد تهيل عليه الترب أيد وأعين ... تباكت وقد غارت بذلك أسعد لقد غيبوا حلما وعلما ورحمة ... عشية عالوه الثرى لا يوسد وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم ... وقد وهنت منهم ظهور وأعضد يبكون من تبكى السماوات موته ... ومن قد بكته الأرض والناس وأكمد وهل عدلت يوما رزية هالك ... رزية يوم مات فيه محمد ولما تحقق عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- موته- ﷺ بقول أبى بكر، ورجع إلى قوله، قال وهو يبكى: بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لقد كان لك جذع تخطب الناس عليه، فلما كثروا اتخذت منبرا لتسمعهم، فحن الجذع لفراقك، حتى جعلت يدك عليه فسكن، فأمتك أولى بالحنين عليك حين فارقتهم، بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عند ربك أن جعل طاعتك طاعته، فقال: من يطع الرسول فقد أطاع الله، بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده أن بعثك آخر الأنبياء وذكرك فى أولهم، فقال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ «١» الآية، بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده، أن أهل النار يودون أن يكونوا أطاعوك وهم فى أطباقها يعذبون، يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول. الخبر ذكره أبو العباس القصار فى شرحه لبردة الأبوصيرى،
النار يودون أن يكونوا أطاعوك وهم فى أطباقها يعذبون، يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول. الخبر ذكره أبو العباس القصار فى شرحه لبردة الأبوصيرى،
ونقله عنه الرشاطى فى كتابه «اقتباس الأنوار والتماس الأزهار» وذكره ابن الحاج فى المدخل وساقه بتمامه، والقاضى عياض فى «الشفاء» لكنه ذكر بعضه، ويقع فى كثير من نسخ الشفاء: روى عن عمر بن الخطاب-- رضى الله عنه- أنه قال فى كلام بكى به النبى- ﷺ، بتشديد الكاف من بكى، والصواب فيها التخفيف، لأن هذا الكلام إنما سمع من عمر- رضى الله عنه- بعد موته- ﷺ كما تقدم، ونبهت عليه فى حاشية الشفاء والله أعلم. ويؤيد هذا قوله فى الخبر نفسه: بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لقد اتبعك فى قصر عمرك ما لم يتبع نوحا فى كثرة سنه وطول عمره، فلقد آمن بك الكثير وما آمن معه إلا القليل. وأخرج ابن عساكر عن أبى ذؤيب الهذلى قال: بلغنا أن النبى- ﷺ عليل، فأوجس الحى خيفه، وبث بليلة طويلة حتى إذا كان السحر نمت فهتف بى هاتف وهو يقول: خطب أجل أناخ بالإسلام ... بين النخيل ومقعد الآطام قبض النبى محمد فعيوننا ... تبدى الدموع عليه بالتسجام فوثبت من نومى فزعا، فنظرت إلى السماء فلم أر إلا سعد الذابح فعلمت أن النبى- ﷺ قبض!! أو هو ميت، فقدمت المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج إذا أهلوا بالإحرام، فقلت: مه؟ فقيل: قبض رسول الله- ﷺ. ومن عجيب ما اتفق ما روى عن عائشة: أنهم لما أرادوا غسل النبى- ﷺ قالوا: لا ندرى، أنجرد النبى- ﷺ من ثيابه كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه، فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه فى صدره، ثم كلهم مكلم من ناحية البيت، لا يدرون من هو، اغسلوا رسول الله- ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا وغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص «١» . رواه البيهقى فى دلائل النبوة.
يدرون من هو، اغسلوا رسول الله- ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا وغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص «١» . رواه البيهقى فى دلائل النبوة.
وروى ابن ماجه بسند جيد عن على يرفعه: «إذا أنا مت فاغسلونى بسبع قرب من بئرى بئر غرس» «١» . قال فى النهاية: بفتح الغين المعجمة وسكون الراء والسين المهملتين. وقد روى ابن النجار: أنه- ﷺ قال: «رأيت الليلة أنى أصبحت على بئر من الجنة» ، فأصبح على بئر غرس فتوضأ منها وبزق فيها. وغسّل- ﷺ ثلاث غسلات، الأولى بالماء القراح، والثانية بالماء والسدر، والثالثة بالماء والكافور، وغسله على، والعباس وابنه الفضل يعينانه، وقثم وأسامة وشقران مولاه- ﷺ يصبون الماء وأعينهم معصوبة من وراء الستر. لحديث على: «لا يغسلنى إلا أنت فإنه لا يرى أحد عورتى إلا طمست عيناه» «٢» رواه البزار والبيهقى. وأخرج البيهقى عن الشعبى قال: غسل على النبى- ﷺ فكان يقول وهو يغسله- ﷺ: بأبى أنت وأمى طبت حيّا وميتا. أخرج أبو داود، وصححه الحاكم عن على قال: غسلته- ﷺ فذهبت أنظر ما يكون من الميت، فلم أر شيئا، وكان طيبا حيّا وميتا. وفى رواية ابن سعد: وسطعت ريح طيبة لم يجدوا مثلها قط «٣» . قيل: وجعل على على يده خرقة وأدخلها تحت القميص ثم اعتصروا قميصه، وحنطوا مساجده ومفاصله، ووضؤوا منه ذراعيه ووجهه وكفيه وقدميه وجمروه عودا وندّا «٤» . وذكر ابن الجوزى أنه روى عن جعفر بن محمد قال: كان الماء يستنقع
فى جفون النبى- ﷺ فكان على يحسوه. وأما ما روى أن عليّا لما غسله- ﷺ امتص ماء محاجر عينيه فشربه، وأنه قد ورث بذلك علم الأولين والآخرين، فقال النووى: ليس بصحيح. وفى حديث عروة عن عائشة قالت: كفن رسول الله- ﷺ فى ثلاثة أثواب سحولية بيض «١» ، أخرجه النسائى من رواية عبد الرزاق عن معمر عن الزهرى عن عروة. واتفق عليه الأئمة الستة من طريق هشام عن عروة عن أبيه عن عائشة بزيادة: من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة «٢» . وليس قوله «من كرسف» عند الترمذى ولا ابن ماجه. زاد مسلم: أما الحلة فإنما شبّه على الناس فيها أنها اشتريت له ليكفن فيها، فتركت الحلة وكفن فى ثلاثة أثواب بيض سحولية، فأخذها عبد الله بن أبى بكر فقال: لأحبسنها حتى أكفن فيها نفسى، ثم قال: لو رضيها الله ﷿ لنبيه لكفنه فيها فباعها وتصدق بثمنها «٣» . وفى رواية له: أدرج رسول الله- ﷺ فى حلة يمانية كانت لعبد الله ابن أبى بكر ثم نزعت عنه «٤» ، وذكر الحديث بطوله. وفى رواية أصحاب السنن الأربعة: فذكر لعائشة قولهم كفن فى ثوبين وبرد حبرة، فقالت: قد أتى بالبرد ولكنهم ردوه ولم يكفنوه فيه «٥» . قال الترمذى: حسن صحيح.
فى رواية أصحاب السنن الأربعة: فذكر لعائشة قولهم كفن فى ثوبين وبرد حبرة، فقالت: قد أتى بالبرد ولكنهم ردوه ولم يكفنوه فيه «٥» . قال الترمذى: حسن صحيح.
وفى رواية البيهقى: فى ثلاثة أثواب بيض سحولية جدد «١» . والسحولية: بفتح السين وضمها، قال النووى: والفتح أشهر، وهو رواية الأكثرين، وفى النهاية تبعا للهروى، فالفتح منسوب إلى السحول وهو القصار، لأنه يسحلها، أى يغسلها، أو إلى سحول وهى قرية باليمن، وأما الضم فهو جمع سحل وهو الثوب الأبيض النقى، ولا يكون إلا من قطن، وفيه شذوذ لأنه نسب إلى الجمع، وقيل: إن اسم القرية بالضم أيضا. والكرسف: بضم الكاف وإسكان الراء، وضم السين المهملتين والفاء: القطن. وقال الترمذى: روى فى كفن النبى- ﷺ روايات مختلفة، وحديث عائشة أصح الأحاديث فى ذلك، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم. وقال البيهقى فى «الخلافيات» : قال أبو عبد الله- يعنى الحاكم-: تواترت الأخبار عن على بن أبى طالب وابن عباس وعائشة وابن عمر، وجابر وعبد الله بن مغافل، فى تكفين النبى- ﷺ فى ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة. وعن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن ابن الحنفية عن على: أن رسول الله- ﷺ كفن فى سبعة أثواب «٢» ، وقد روى هذا الحديث أحمد فى مسنده، وذكر ابن حزم: أن الوهم فيه من ابن عقيل أو ممن بعده. وقد اختلف فى معنى قوله: «ليس فيها قميص ولا عمامة» . فالصحيح أن معناه: أنه ليس فى الكفن قميص ولا عمامة أصلا. والثانى: أن معناه أنه كفن فى ثلاثة أثواب خارج عن القميص والعمامة. قال الشيخ تقى الدين بن دقيق العيد: والأول أظهر فى المراد، وذكر
ميص ولا عمامة أصلا. والثانى: أن معناه أنه كفن فى ثلاثة أثواب خارج عن القميص والعمامة. قال الشيخ تقى الدين بن دقيق العيد: والأول أظهر فى المراد، وذكر
النووى فى شرح مسلم أن الأول تفسير الشافعى وجمهور العلماء، قال: وهو الصواب الذى يقتضيه ظاهر الحديث، وقال: إن الثانى ضعيف، فلم يثبت أنه- ﷺ كفن فى قميص وعمامة، انتهى. وترتب على اختلافهم: فى أنه هل يستحب أن يكون فى الكفن قميص وعمامة أم لا؟ فقال مالك والشافعى وأحمد: يستحب أن تكون الثلاثة لفائف، ليس فيها قميص ولا عمامة، واختلفوا فى زيادة القميص والعمامة أو غيرها على اللفائف الثلاثة لتصير خمسة، فذكر الحنابلة أنه مكروه، وقال الشافعية: إنه جائز غير مستحب، وقال المالكية: إنه يستحب للرجال والنساء، وهو فى حق النساء آكد. قال: والزيادة إلى السبعة غير مكروهة، وما زاد عليها سرف، وقال الحنفية: الأثواب الثلاثة، إزار وقميص ولفافة. وقد أجمع المسلمون على وجوبه، وهو فرض كفاية فيجب فى ماله، فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته. واختلف أصحابنا فى المتزوجة إذا كان لها مال، هل يجب تكفينها من مالها، أو هو على زوجها، فذهب إلى الأول الرافعى فى «الشرح الصغير» و «المحرر» والنووى فى «المنهاج» . وذهب إلى الثانى: الرافعى فى «الشرح الكبير» والنووى فى «الروضة» و «شرح المهذب» وقال فيه: قيد الغزالى وجوب التكفين على الزوج بشرط إعسار المرأة، وأنكروه عليه، انتهى. ومتى كانت معسرة فتكفينها على زوجها قطعا، ثم إن الواجب ثوب واحد، وهو حق الله تعالى، لا تنفذ وصية الميت بإسقاطه بخلاف الثانى والثالث فإنه حق للميت، تنفذ وصيته بإسقاطهما. وفى هذا الحديث أيضا دلالة على أن القميص الذى غسل فيه النبى- ﷺ نزع عنه عند تكفينه. قال النووى فى شرح مسلم: وهذا هو الصواب الذى لا يتجه غيره، لأنه لو بقى مع رطوبته لأفسد الأكفان. قال: وأما الحديث الذى فى سنن أبى داود عن ابن عباس أن النبى- ﷺ كفن فى
ثلاثة أثواب: الحلة ثوبان وقميصه الذى توفى فيه، فحديث ضعيف، لا يصح الاحتجاج به، لأن يزيد بن زياد، أحد رواته مجمع على ضعفه، لا سيما وقد خالف بروايته الثقات. وفى حديث ابن عباس عند ابن ماجه: لما فرغوا من جهازه- ﷺ يوم الثلاثاء، وضع على سريره فى بيته ثم دخل الناس عليه- ﷺ أرسالا يصلون عليه، حتى إذا فرغوا دخل النساء، حتى إذا فرغن دخل الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله- ﷺ أحد «١» . وفى رواية: إن أول من صلى عليه- ﷺ الملائكة أفواجا، ثم أهل بيته، ثم الناس فوجا فوجا، ثم نساؤه آخرا. وروى أنه لما صلى أهل بيته لم يدر الناس ما يقولون فسألوا ابن مسعود، فأمرهم أن يسألوا عليّا فقال لهم قولوا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ «٢» الآية، لبيك اللهم ربنا وسعديك، صلوات الله البر الرحيم، والملائكة المقربين، والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وما سبح لك من شئ يا رب العالمين، على محمد بن عبد الله خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وإمام المتقين ورسول رب العالمين، الشاهد البشير الداعى إليك بإذنك السراج المنير، وعليه السلام، ذكره الشيخ زين الدين بن الحسين المراغى فى كتابه تحقيق النصرة. ثم قالوا: أين تدفنونه؟ فقال أبو بكر- رضى الله عنه-: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «ما هلك نبى قط إلا يدفن حيث تقبض روحه» ، وقال على: وأنا أيضا سمعته «٣» . وحفر أبو طلحة لحد رسول الله- ﷺ فى موضع فراشه حيث قبض.
عت رسول الله- ﷺ يقول: «ما هلك نبى قط إلا يدفن حيث تقبض روحه» ، وقال على: وأنا أيضا سمعته «٣» . وحفر أبو طلحة لحد رسول الله- ﷺ فى موضع فراشه حيث قبض.
وقد اختلف فيمن أدخله قبره، وأصح ما روى: أنه نزل فى قبره عمه العباس وعلى وقثم بن العباس والفضل بن العباس، وكان آخر الناس عهدا برسول الله- ﷺ قثم بن العباس «١» . وروى أنه بنى فى قبره تسع لبنات، وفرش تحته قطيفة نجرانية كان يتغطى بها، فرشها شقران فى القبر، وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك «٢» . قال النووى: وقد نص الشافعى وجميع أصحابه وغيرهم من العلماء على كراهة وضع قطيفة أو مضربة أو مخدة ونحو ذلك تحت الميت فى القبر. وشذ البغوى من أصحابنا فقال فى كتابه «التهذيب» : لا بأس بذلك لهذا الحديث، والصواب كراهية ذلك كما قاله الجمهور، وأجابوا عن هذا الحديث: بأن شقران انفرد بفعل ذلك، ولم يوافقه أحد من الصحابة، ولا علموا بذلك، وإنما فعله شقران لما ذكرناه عنه من كراهيته أن يلبسها أحد بعد النبى- ﷺ. انتهى. وفى كتاب «تحقيق النصرة» : قال ابن عبد البر: ثم أخرجت، يعنى القطيفة من القبر لما فرغوا من وضع اللبنات التسع. حكاه ابن زبالة. ولما دفن- ﷺ جاءت فاطمة- رضى الله عنها- فقالت: كيف طابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله- ﷺ التراب؟ وأخذت من تراب القبر الشريف ووضعته على عينيها وأنشأت تقول: ماذا على من شم تربة أحمد ... أن لا يشم مدى الزمان غواليا صبت علىّ مصائب لو أنها ... صبت على الأيام عدن لياليا قال رزين: ورش قبره- ﷺ، رشه بلال بن رباح بقرية، بدأ من قبل
أحمد ... أن لا يشم مدى الزمان غواليا صبت علىّ مصائب لو أنها ... صبت على الأيام عدن لياليا قال رزين: ورش قبره- ﷺ، رشه بلال بن رباح بقرية، بدأ من قبل
رأسه. حكاه ابن عساكر. وجعل عليه من حصباء العرصة حمراء وبيضاء. ورفع قبره من الأرض قدر شبر. وفى حديث عائشة عند البخارى قالت: قال رسول الله- ﷺ فى مرضه الذى لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» لولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشى أو خشى أن يتخذ مسجدا «١» . كذا فى رواية أبى عوانة عن هلال «خشى أو خشى» على الشك. فرواية «الضم» مبهمة يمكن أن تفسر بأنها هى التى منعت من إبرازه، والهاء ضمير الشأن، وكأنها أرادت نفسها ومن وافقها على ذلك. وهذا يقتضى أنهم فعلوه باجتهاد بخلاف رواية الفتح فإنها تقتضى أن النبى- ﷺ هو الذى أمرهم بذلك. وقوله: «لأبرز قبره» أى: لكشف قبره- ﷺ ولم يتخذ عليه حائل. والمراد: الدفن خارج بيته، وهذا قالته عائشة- رضى الله عنها- قبل أن يوسع المسجد، ولهذا لما وسع المسجد جعلت حجرتها مثلاثة الشكل محددة، حتى لا يتأتى لأحد أن يصلى إلى جهة القبر الكريم مع استقبال القبلة. وفى البخارى أيضا من حديث أبى بكر بن عياش عن سفيان التمار: أنه حدثه أنه رأى قبر النبى- ﷺ مسنما أى مرتفعا «٢» . زاد أبو نعيم فى «المستخرج» : وقبر أبى بكر وعمر كذلك. واستدل به على أن المستحب تسنيم القبور، وهو قول أبى حنيفة ومالك وأحمد والمزنى وكثير من الشافعية، وادعى القاضى حسين اتفاق الأصحاب عليه. وتعقب: بأن جماعة من قدماء الشافعية استحبوا التسطيح كما نص عليه الشافعى. وبه جزم الماوردى وآخرون.
من الشافعية، وادعى القاضى حسين اتفاق الأصحاب عليه. وتعقب: بأن جماعة من قدماء الشافعية استحبوا التسطيح كما نص عليه الشافعى. وبه جزم الماوردى وآخرون.
وقول سفيان التمار لا حجة فيه، كما قال البيهقى لاحتمال أن قبره- ﷺ فى الأول لم يكن مسنما. فقد روى أبو داود والحاكم من طريق القاسم بن محمد بن أبى بكر قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أمه، اكشفى لى عن قبر النبى- ﷺ فكشفت لى عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء «١» . زاد الحاكم: فرأيت رسول الله- ﷺ مقدما وأبو بكر رأسه بين كتفى النبى- ﷺ، وعمر رأسه عند رجلى النبى- ﷺ. وهذا كان فى خلافة معاوية. فكأنها كانت فى الأول مسطحة، ثم لما بنى جدار القبور فى إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة. وقد روى أبو بكر الآجرى فى كتاب «صفة قبر النبى- ﷺ» من طريق إسحاق بن عيسى ابن بنت داود بن أبى هند، عن عثيم بن نسطاس المدنى قال: رأيت قبر النبى- ﷺ فى إمارة عمر بن عبد العزيز: رأيته مرتفعا نحوا من أربع أصابع، ورأيت قبر أبى بكر وراء قبره، ورأيت قبر عمر وراء قبر أبى بكر أسفل منه. ثم الاختلاف فى ذلك فى أنهما أفضل، لا فى أصل الجواز، ورجح المزنى التسنيم من حيث المعنى، بأن المسطح يشبه ما يصنع للجلوس، بخلاف المسنم. ويرجح التسطيح ما رواه مسلم من حديث فضالة بن عبيد أنه أمر بقبر فسوى ثم قال: سمعت رسول الله- ﷺ يأمر بتسويتها. وعن هشام بن عروة عن أبيه: لما سقط عليهم الحائط، يعنى حائط حجرة النبى- ﷺ فى زمان الوليد بن عبد الملك، أخذوا فى بنائه، فبدت لهم قدم ففزعوا وظنوا أنها قدم النبى- ﷺ، فما وجدوا أحدا يعلم ذلك حتى قال لهم عروة، والله ما هى قدم النبى- ﷺ، والله ما هى إلا قدم عمر «٢» ، رواه البخارى أيضا.
والسبب فى ذلك ما رواه الآجرى من طريق شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة قال: أخبرنى أبى قال: كان الناس يصلون إلى القبر الشريف، فأمر عمر بن عبد العزيز فرفع حتى لا يصلى إليه أحد، فلما هدم بدت قدم بساق وركبة، ففزع عمر بن عبد العزيز فأتاه عروة فقال: هذا ساق عمر وركبته فسري عن عمر بن عبد العزيز. وروى الآجرى قال رجاء بن حيوة: قبر أبى بكر عند وسط النبى- ﷺ، وعمر خلف أبى بكر، رأسه عند وسطه، وهذا ظاهره يخالف حديث القاسم، فإن أمكن الجمع، وإلا فحديث القاسم أصح. وأما ما أخرجه أبو يعلى من وجه آخر عن عائشة: أبو بكر عن يمينه وعمر عن يساره فسنده ضعيف. انتهى ملخصا من فتح البارى. وقد اختلف أهل السير وغيرهم فى صفة القبور المقدسة على سبع روايات، أوردها ابن عساكر فى «تحفة الزائر» ونقل أهل السير عن سعيد بن المسيب قال: بقى فى البيت موضع قبر فى السهوة الشرقية يدفن فيه عيسى ابن مريم- ﵉، ويكون قبره. الرابع. وفى «المنتظم» لابن الجوزى: عن ابن عمر، أن رسول الله- ﷺ قال: «ينزل عيسى ابن مريم فى الأرض، فيتزوج ويولد له ويمكث خمسا وأربعين سنة ثم يموت فيدفن معى فى قبرى، فأقوم أنا وعيسى ابن مريم من قبر واحد بين أبى بكر وعمر» . كذا ذكره فى «تحقيق النصرة» والله أعلم. فإن قلت: تقدم أنه- ﷺ توفى يوم الاثنين، ودفن يوم الأربعاء، فلم أخر دفنه- ﷺ؟ وقد قال- ﷺ لأهل بيت أخروا دفن ميتهم: «عجلوا دفن ميتكم ولا تؤخروا» . فالجواب: لما ذكر من عدم اتفاقهم على موته، أو لأنهم كانوا لا يعلمون. حيث يدفن، قال قوم فى البقيع، وقال آخرون: فى المسجد، وقال قوم: يحمل إلى إبراهيم حتى يدفن عنده، حتى قال العالم الأكبر صديق
، أو لأنهم كانوا لا يعلمون. حيث يدفن، قال قوم فى البقيع، وقال آخرون: فى المسجد، وقال قوم: يحمل إلى إبراهيم حتى يدفن عنده، حتى قال العالم الأكبر صديق
الأمة: سمعته يقول: «ما دفن نبى إلا حيث يموت» «١» . ذكره ابن ماجه والموطأ كما تقدم. وفى رواية الترمذى: «ما قبض الله نبيّا إلا فى الموضع الذى يحب أن يدفن فيه، ادفنوه فى موضع فراشه» «٢» . ولأنهم اشتغلوا فى الخلاف الذى وقع بين المهاجرين والأنصار فى البيعة، فنظروا فيها حتى استقر الأمر فى الخلافة ونظامها، فبايعوا أبا بكر، ثم بايعوه بالغد بيعة أخرى على ملأ منهم، وكشف الله به الكربة من أهل الردة، ثم رجعوا بعد ذلك إلى النبى- ﷺ، فنظروا فى دفنه فغسلوه وكفنوه ودفنوه. ولما قبض- ﷺ تزينت الجنان ليوم قدوم روحه الكريمة، لا كزينة المدينة يوم قدوم الملك. إذا كان عرش الرحمن قد اهتز لموت بعض أتباعه فرحا واستبشارا لقدوم روحه، فكيف بقدوم روح الأرواح. ولما قدم- ﷺ المدينة لعبت الحبشة بحرابهم فرحا بقدومه. كما رواه أبو داود من حديث أنس، وفى رواية الدارمى قال أنس: ما رأيت يوما كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله- ﷺ المدينة، وما رأيت يوما كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله- ﷺ «٣» . وفى رواية الترمذى: لما كان اليوم الذى دخل فيه رسول الله- ﷺ المدينة أضاء منها كل شئ، فلما كان اليوم الذى مات فيه أظلم منها كل شئ، وما نفضنا أيدينا من التراب، وإنا لفى دفنه، حتى أنكرنا قلوبنا «٤» . ومن آياته- ﷺ ما ذكر من بعد موته، من حزن حماره عليه حتى
ى مات فيه أظلم منها كل شئ، وما نفضنا أيدينا من التراب، وإنا لفى دفنه، حتى أنكرنا قلوبنا «٤» . ومن آياته- ﷺ ما ذكر من بعد موته، من حزن حماره عليه حتى
تردى فى بئر وكذا ناقته فإنها لم تأكل ولم تشرب حتى ماتت. ومن ذلك: ظهور ما أخبر أنه كائن بعد موته، مما لا نهاية له ولا عد يحصيه، مما ذكرت بعضه فى المقصد الثامن. وفى حديث أبى موسى عند مسلم: أنه- ﷺ قال: «إن الله إذا أراد بأمة خيرا قبض نبيها قبلها، فجعله فرطا وسلفا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمة عذبها ونبيها حى، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينيه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره» «١» . وإنما كان قبض النبى- ﷺ قبل أمته خيرا، لأنهم إذا قبضوا قبله انقطعت أعمالهم، وإذا أراد الله بهم خيرا جعل خيرهم مستمرا ببقائهم محافظين على ما أمروا به من العبادات وحسن المعاملات نسلا وعقبا بعد عقب.
الفصل الثانى فى زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف اعلم أن زيارة قبره الشريف من أعظم القربات، وأرجى الطاعات، والسبيل إلى أعلى الدرجات، ومن اعتقد غير هذا فقد انخلع من ربقة الإسلام، وخالف الله ورسوله وجماعة العلماء الأعلام. وقد أطلق بعض المالكية، وهو أبو عمران الفاسى، كما ذكره فى المدخل عن تهذيب الطالب لعبد الحق، أنها واجبة، قال: ولعله أراد وجوب السنن المؤكدة، وقال القاضى عياض: إنها سنة من سنن المسلمين مجمع عليها، وفضيلة مرغب فيها. وروى الدار قطنى من حديث ابن عمر- رضى الله عنهما-: أن رسول الله- ﷺ
المؤكدة، وقال القاضى عياض: إنها سنة من سنن المسلمين مجمع عليها، وفضيلة مرغب فيها. وروى الدار قطنى من حديث ابن عمر- رضى الله عنهما-: أن رسول الله- ﷺ
قال: «من زار قبرى وجبت له شفاعتى» «١» . ورواه عبد الحق فى أحكامه الوسطى، وفى الصغرى وسكت عنه، وسكوته عن الحديث فيهما دليل على صحته. وفى المعجم الكبير للطبرانى: أن النبى- ﷺ قال: «من جاءنى زائرا لا تعمله حاجة إلا زيارتى، كان حقّا علىّ أن أكون شفيعا له يوم القيامة» «٢» . وصححه ابن السكن. وروى عنه- ﷺ: «من وجد سعة ولم يفد إلىّ فقد جفانى» «٣» . ذكره ابن فرحون فى مناسكه، والغزالى فى الإحياء، ولم يخرجه العراقى، بل أشار إلى ما أخرجه ابن النجار فى تاريخ المدينة مما هو فى معناه عن أنس بلفظ: «ما من أحد من أمتى له سعة ثم لم يزرنى إلا وليس له عذر» «٤» . ولابن عدى فى «الكامل» وابن حبان فى «الضعفاء» ، والدار قطنى فى «العلل» و «غرائب مالك» وآخرين كلهم عن ابن عمر مرفوعا: «من حج ولم يزرنى فقد جفانى» «٥» . ولا يصح. وعلى تقدير ثبوته، فليتأمل قوله «فقد جفانى» فإنه ظاهره فى حرمة ترك الزيارة لأن الجفاء أذى، والأذى حرام بالإجماع فتجب الزيارة، إذ إزالة الجفاء واجبة، حينئذ، فمن تمكن من زيارته ولم يزره فقد جفاه، وليس من حقه علينا ذلك. وعن حاطب أن رسول الله- ﷺ قال: «من زارنى بعد موتى فكأنما
زارنى فى حياتى، ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين» «١» . رواه البيهقى عن رجل من آل حاطب لم يسمه عن حاطب. وعن عمر- رضى الله عنه- قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «من زار قبرى» أو قال: «من زارنى كنت له شفيعا وشهيدا» «٢» . رواه البيهقى وغيره عن رجل من آل عمر لم يسمه عن عمر. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله- ﷺ: «من زارنى محتسبا إلى المدينة كان فى جوارى يوم القيامة» «٣» . رواه البيهقى أيضا. قال العلامة زين الدين بن الحسين المراغى: وينبغى لكل مسلم اعتقاد كون زيارته- ﷺ قربة، للأحاديث الواردة فى ذلك ولقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ «٤» الآية «٥» ، لأن تعظيمه- ﷺ لا ينقطع بموته، ولا يقال إن استغفار الرسول لهم إنما هو فى حال حياته وليست الزيارة كذلك، لما أجاب به بعض أئمة المحققين: أن الآية دلت على تعليق وجدان الله توابا رحيما بثلاثة أمور: المجئ، واستغفارهم، واستغفار الرسول لهم، وقد حصل استغفار الرسول لجميع المؤمنين والمؤمنات لأنه- ﷺ قد استغفر للجميع، قال الله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ «٦» فإذا وجد مجيئهم واستغفارهم تكملت الأمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله ورحمته.
لله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ «٦» فإذا وجد مجيئهم واستغفارهم تكملت الأمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله ورحمته.
وقد أجمع المسلمون على استحباب زيارة القبور، كما حكاه النووى، وأوجبها الظاهرية، فزيارته- ﷺ مطلوبة بالعموم والخصوص. لما سبق، ولأن زيارة القبور تعظيم، وتعظيمه- ﷺ واجب. ولهذا قال بعض العلماء: لا فرق فى زيارته- ﷺ بين الرجال والنساء، وإن كان محل الإجماع على استحباب زيارة القبور للرجال، وفى النساء خلاف، والأشهر فى مذهب الشافعى الكراهة. قال ابن حبيب من المالكية: ولا تدع زيارة قبره- ﷺ والصلاة فى مسجده، فإن فيه من الرغبة ما لا غنى بك ولا بأحد عنه. وينبغى لمن نوى الزيارة أن ينوى مع ذلك زيارة مسجده الشريف، والصلاة فيه، لأنه أحد المساجد الثلاثة التى لا تشد الرحال إلا إليها، وهو أفضلها عند مالك، وليس لشد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة فضل، لأن الشرع لم يجئ به، وهذا الأمر لا يدخله قياس، لأن شرف البقعة إنما يعرف بالنص الصريح عليه، وقد ورد النص فى هذه دون غيرها. وقد صح أن عمر بن عبد العزيز كان يبرد البريد للسلام على النبى- ﷺ. فالسفر إليه قربة لعموم الأدلة. ومن نذر الزيارة وجبت عليه. كما جزم به ابن كج من أصحابنا، وعبارته: إذا نذر زيارة قبر النبى- ﷺ لزمه الوفاء، وجها واحدا، انتهى: ولو نذر إتيان المسجد الأقصى للصلاة لزمه ذلك على الأصح عندنا، وبه قال المالكية والحنابلة، لكنه يخرج عنه بالصلاة فى المسجد الحرام. وصحح النووى أيضا أنه يخرج عنه بالصلاة فى مسجد المدينة. قال: ونص عليه الشافعى فى البويطى. وبه قال الحنفية والحنابلة. وللشيخ تقى الدين بن تيمية هنا كلام شنيع عجيب «١» ، يتضمن منع
ه بالصلاة فى مسجد المدينة. قال: ونص عليه الشافعى فى البويطى. وبه قال الحنفية والحنابلة. وللشيخ تقى الدين بن تيمية هنا كلام شنيع عجيب «١» ، يتضمن منع
شد الرحال للزيارة النبوية المحمدية، وأنه ليس من القرب، بل بضد ذلك. ورد عليه الشيخ تقى الدين السبكى فى «شفاء السقام» فشفى صدور المؤمنين. وحكى الشيخ ولى الدين العراقى، أن والده كان معادلا للشيخ زين الدين عبد الرحمن بن رجب الدمشقى فى التوجه إلى بلد الخليل- ﵇، فلما دنا من البلد قال: نويت الصلاة فى مسجد الخليل، ليحترز عن شد الرحال لزيارته على طريقة شيخ الحنابلة ابن تيمية، فقلت: نويت زيارة قبر الخليل- ﵇. ثم قلت: أما أنت فقد خالفت النبى- ﷺ، لأنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد» وقد شددت الرحل إلى مسجد رابع، وأما أنا فاتبعت النبى- ﷺ لأنه قال: «زوروا القبور» أفقال: إلا قبور الأنبياء؟! قال: فبهت. وينبغى لمن أراد الزيارة أن يكثر من الصلاة والتسليم عليه فى طريقه، فإذا وقع بصره على معالم المدينة الشريفة وما تعرف به، فليردد الصلاة والتسليم، وليسأل الله أن ينفعه بزيارته ويسعده بها فى الدارين. وليغتسل ويلبس النظيف من ثيابه، وليترجل ماشيا باكيا. ولما رأى وفد عبد القيس رسول الله- ﷺ ألقوا أنفسهم عن رواحلهم ولم ينيخوها وسارعوا إليه، فلم ينكر ذلك عليهم- صلوات الله وسلامه عليه-. وروينا مما ذكره القاضى عياض فى «الشفاء» أن أبا الفضل الجوهرى لما ورد إلى المدينة زائرا، وقرب من بيوتها ترجل ومشى باكيا منشدا: ولما رأينا رسم من لم يدع لنا ... فؤادا لعرفان الرسوم ولا لبا نزلنا عن الأكوار نمشى كرامة ... لمن بان عنه أن نلم به ركبا وأنبئت بأن العلامة أبا عبد الله بن رشيد قال: لما قدمنا المدينة سنة أربع وثمانين وستمائة، كان معى رفيقى الوزير أبو عبد الله بن أبى القاسم بن الحكيم، وكان أرمد، فلما دخلنا ذا الحليفة أو نحوها نزلنا عن الأكوار، وقوى الشوق لقرب المزار، فنزل وبادر إلى المشى على قدميه احتسابا لتلك الآثار،
وإعظاما لمن حل تلك الديار، فأحس بالشفاء، فأنشد لنفسه فى وصف الحال لمن حل فى تلك الديار: ولما رأينا من ربوع حبيبنا ... بيثرب أعلاما أثرن لنا الحبا وبالترب منها إذ كحلنا جفوننا ... شفينا فلا بأسا نخاف ولا كربا وحين تبدى للعيون جمالها ... ومن بعدها عنا أذيلت لنا قربا نزلنا عن الأكوار نمشى كرامة ... لمن حل فيها أن نلم به ركبا نسح سجال الدمع فى عرصاته ... ونلثم من حب لواطئه التربا وإن بقائى دونه لخسارة ... ولو أن كفى تملك الشرق والغربا فيا عجبا ممن يحب بزعمه ... يقيم مع الدعوى ويستعمل الكذبا وزلات مثلى لا تعدد كثرة ... وبعدى عن المختار أعظمها ذنبا ولما كنت سائرا لقصد الزيارة فى ربيع الآخر سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة، ولاح لنا عند الصباح جبل مفرح الأرواح المبشر بقرب المزار من أشرف الديار، تسابق الزوار إليه، وتعالوا بالصعود عليه استعجالا لمشاهدة تلك الآثار واقتباسا لمشاهدة تلك الأنوار فبرقت لوامع الأنوار النبوية، وهبت عرف نسمات المعارف المحمدية، فطبنا وغبنا إذ شهدنا أعلام ديار أشرف البرية فأنشدت: ألا مع برق يغتدى ويروح ... أم النور من أرض الحجاز يلوح وريح الصبا هبت بطيّب عرفهم ... أم الروض فى وجه الصباح يفوح إذا ريح ذاك الحى هب فإنها ... حياة لمن يغدو لها ويروح ترفق بنا يا حادى العيس والتفت ... فللنور بين الواديين وضوح فما هذه إلا ديار محمد ... وذاك سناها يغتدى ويروح وإلا فما للركب هاج اشتياقهم ... فكل من الشوق الشديد يصيح وأنّت مطايا الركب حتى كأنها ... حمام على قضب الأراك تنوح وقد مدت الأعناق شوقا وطرفها ... إلى النور من تلك الديار لموح رأت دار من تهوى فزاد اشتياقها ... ومدمعها فى الوجنتين سفوح إذا العيس باحت بالغرام ولم تطق ... خفاء فما للضب ليس يبوح
.. إلى النور من تلك الديار لموح رأت دار من تهوى فزاد اشتياقها ... ومدمعها فى الوجنتين سفوح إذا العيس باحت بالغرام ولم تطق ... خفاء فما للضب ليس يبوح
ولما قربنا من ديار المدينة وأعلامها، وتدانينا من معاينة رباها الكريمة وآكامها، وانتشقنا عرف لطائف أزهارها، وبدت لنواظرنا بوارق أنوارها، وترادفت واردات المنح والعطايا، ونزل القوم عن المطايا، فأنشدت متمثلا: أتيتك زائرا وودت أنى ... جعلت سواد عينى أمتطيه وما لى لا أسير على الماقى ... إلى قبر رسول الله فيه ولما وقع بصرى على القبر الشريف والمسجد المنيف فاضت من الفرح سوابق العبرات حتى أصابت بعض الثرى والجدرات وقلت: أيها المغرم المشوق هنيئا ... ما أنالوك من لذيذ التلاق قل لعينيك تهملان سرورا ... طالما أسعداك يوم الفراق واجمع الوجد والسرور ابتهاجا ... وجميع الأشجان والأشواق ومر العين أن تفيض انهمالا ... وتوالى بدمعها المهراق هذه دارهم وأنت محب ... ما بقاء الدموع فى الآماق وقلت: وكان ما كان مما لست أذكره ... فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر ويستحب صلاة ركعتين تحية المسجد قبل الزيارة، وهذا إذا لم يكن مروره من جهة وجهه الشريف- ﷺ. فإن كان استحبت الزيارة قبل التحية. قال فى «تحقيق النصرة» وهو استدراك حسن. قاله بعض شيوخنا. وفى منسك ابن فرحون: فإن قلت: المسجد إنما تشرف بإضافته إليه- ﷺ فينبغى البداءة بالوقوف عنده- ﷺ. قلت: قال ابن حبيب فى أول كتاب الصلاة: حدثنى مطرف عن مالك عن يحيى بن سعيد عن جابر بن عبد الله- رضى الله عنه- قال: قدمت من سفر، فجئت رسول الله- ﷺ أسلم عليه وهو بفناء المسجد، فقال: «أدخلت المسجد فصليت فيه؟» قلت: لا، قال: «فاذهب فادخل المسجد وصل فيه، ثم ائت فسلم علىّ» .
من سفر، فجئت رسول الله- ﷺ أسلم عليه وهو بفناء المسجد، فقال: «أدخلت المسجد فصليت فيه؟» قلت: لا، قال: «فاذهب فادخل المسجد وصل فيه، ثم ائت فسلم علىّ» .
قال: ورخص بعضهم فى تقديم الزيارة على الصلاة. قال ابن الحاج: وكل ذلك واسع ولعل هذا الحديث لم يبلغهم، والله أعلم. انتهى. وينبغى للزائر أن يستحضر الخشوع ما أمكنه، وليكن مقتصدا فى سلامه بين الجهر والإسرار. وفى البخارى: أن عمر- رضى الله عنه- قال لرجلين من أهل الطائف: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ضربا، ترفعان أصواتكما فى مسجد رسول الله- ﷺ «١» . وقد روى عن أبى بكر الصديق- رضى الله عنه- قال: لا ينبغى رفع الصوت على نبى حيّا ولا ميتا. وروى عن عائشة- رضى الله عنها- أنها كانت تسمع صوت الوتد يوتد والمسمار يضرب فى بعض الدور المطيفة بمسجد النبى- ﷺ فترسل إليهم: لا تؤذوا رسول الله- ﷺ. قالوا: وما عمل على بن أبى طالب- رضى الله عنه- مصراعى داره إلا بالمصانع توقيا لذلك. نقله ابن زبالة. فيجب الأدب معه كما فى حياته. وينبغى للزائر أن يتقدم إلى القبر الشريف من جهة القبلة، وإن جاء من جهة رجلى الصاحبين فهو أبلغ فى الأدب من الإتيان من جهة رأسه المكرم. ويستدبر القبلة ويقف قبالة وجهه- ﷺ بأن يقابل المسمار الفضة المضروب فى الرخام الذى فى الجدار، ولا عبرة بالقنديل الكبير اليوم، لأن هناك عدة قناديل. وقد روى أن مالكا لما سأله أبو جعفر المنصور العباسى: يا أبا عبد الله أستقبل رسول الله- ﷺ وأدعو، أم أستقبل القبلة وأدعو؟ فقال له مالك: ولم تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم- ﵇ إلى الله ﷿ يوم القيامة. لكن رأيت منسوبا للشيخ تقى الدين بن تيمية فى منسكه: أن هذه
الحكاية كذب على مالك. وأن الوقوف عند القبر بدعة، قال: ولم يكن أحد من الصحابة يقف عنده ويدعو لنفسه، ولكن كانوا يستقبلون ويدعون فى مسجده- ﷺ. قال: ومالك من أعظم الأئمة كراهية لذلك. وينبغى أن يقف عند محاذاة أربعة أذرع ويلازم الأدب والخشوع والتواضع، غاض البصر فى مقام الهيبة، كما كان يفعل بين يديه فى حياته، ويستحضر علمه بوقوفه بين يديه وسماعه لسلامه، كما هو الحال فى حال حياته، إذ لا فرق بين موته وحياته فى مشاهدته لأمته ومعرفته بأحوالهم وعزائمهم وخواطرهم، وذلك عنده جلى لا خفاء به. فإن قلت: هذه الصفات مختصة بالله تعالى. فالجواب: إن من انتقل إلى عالم البرزخ من المؤمنين يعلم أحوال الأحياء غالبا، وقد وقع كثير من ذلك كما هو مسطور فى مظنة ذلك من الكتب. وقد روى ابن المبارك عن سعيد بن المسيب: ليس من يوم إلا ويعرض على النبى- ﷺ أعمال أمته غدوة وعشية، فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم. ويمثل الزائر وجهه الكريم- ﷺ فى ذهنه، ويحضر قلبه جلال رتبته، وعلو منزلته، وعظيم حرمته، وإن أكابر الصحابة ما كانوا يخاطبونه إلا كأخى السرار، تعظيما لما عظم الله من شأنه. وقد روى ابن النجار أن امرأة سألت عائشة- رضى الله عنها-: أن اكشفى لى عن قبر رسول الله- ﷺ فكشفته فبكت حتى ماتت. وحكى عن أبى الفضائل الحموى، أحد خدام الحجرة المقدسة، أنه شاهد شخصا من الزوار الشيوخ، أتى باب مقصورة الحجرة الشريفة، فطأطأ رأسه نحو العتبة، فحركوه فإذا هو ميت، وكان ممن شهد جنازته. ثم يقول الزائر بحضور قلب، وغض بصر وصوت، وسكون جوارح وإطراق: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبى الله، السلام عليك
ميت، وكان ممن شهد جنازته. ثم يقول الزائر بحضور قلب، وغض بصر وصوت، وسكون جوارح وإطراق: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبى الله، السلام عليك
يا حبيب الله، السلام عليك يا خيرة خلق الله، السلام عليك يا صفوة الله، السلام عليك يا سيد المرسلين، وخاتم النبيين، السلام عليك يا قائد الغر المحجلين، السلام عليك وعلى أهل بيتك الطيبين الطاهرين، السلام عليك وعلى أزواجك الطاهرات أمهات المؤمنين، السلام عليك وعلى أصحابك أجمعين، السلام عليك وعلى سائر الأنبياء وسائر عباد الله الصالحين، جزاك الله عنا يا رسول الله أفضل ما جازى نبيّا ورسولا عن أمته، وصلى الله عليك كلما ذكرك الذاكرون، وغفل عن ذكرك الغافلون، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك عبده ورسوله وأمينه، وخيرته من خلقه، وأشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وجاهدت فى الله حق جهاده. ومن ضاق وقته عن ذلك، أو عن حفظه فليقل ما تيسر منه، أو مما يحصل به الغرض. وفى «التحفة» : أن ابن عمر وغيره من السلف كانوا يقتصرون ويوجزون فى هذا جدّا. فعن مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، وناهيك به خبرة بهذا الشأن من رواية ابن وهب عنه، يقول: السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته. وعن نافع عن ابن عمر، أنه كان إذا قدم من سفر دخل المسجد، ثم أتى القبر المقدس فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه. وينبغى أن يدعو، ولا يتكلف السجع فإنه قد يؤدى إلى الإخلال بالخشوع. وقد حكى جماعة منهم الإمام أبو نصر بن الصباغ فى «الشامل» الحكاية المشهورة عن العتبى، واسمه: محمد بن عبيد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبى سفيان صخر بن حرب، وتوفى فى سنة ثمان وعشرين ومائتين، وذكرها ابن النجار وابن عساكر وابن الجوزى فى مثير الغرام الساكن. عن محمد بن حرب الهلالى قال: أتيت قبر النبى- ﷺ فزرته
توفى فى سنة ثمان وعشرين ومائتين، وذكرها ابن النجار وابن عساكر وابن الجوزى فى مثير الغرام الساكن. عن محمد بن حرب الهلالى قال: أتيت قبر النبى- ﷺ فزرته
وجلست بحذائه، فجاء أعرابى فزاره ثم قال: يا خير الرسل، إن الله أنزل عليك كتابا صادقا، قال فيه: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً «١» وقد جئتك مستغفرا من ذنبى مستشفعا بك إلى ربى وأنشأ يقول: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسى الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم ووقف أعرابى على قبره الشريف وقال: اللهم إنك أمرت بعتق العبيد، وهذا حبيبك وأنا عبدك، فأعتقنى من النار على قبر حبيبك، فهتف به هاتف: يا هذا تسأل العتق لك وحدك، هلا سألت لجميع الخلق. اذهب فقد أعتقناك من النار. إن الملوك إذا شابت عبيدهم ... فى رقهم أعتقوهم عتق أبرار وأنت يا سيدى أولى بذاكرما ... قد شبت فى الرق فاعتقنى من النار وعن الحسن البصرى قال: وقف حاتم الأصم على قبر النبى- ﷺ فقال: يا رب، إنا زرنا قبر نبيك فلا تردنا خائبين، فنودى: يا هذا ما أذنا لك فى زيارة قبر حبيبنا إلا وقد قبلناك فارجع أنت ومن معك من الزوار مغفورا لكم. وقال ابن أبى فديك: سمعت بعض من أدركت يقول: بلغنا أنه من وقف عند قبر النبى- ﷺ فتلا هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ «٢» وقال: صلى الله عليك يا محمد، حتى يقولها سبعين مرة ناداه ملك: صلى الله عليك يا فلان، ولم تسقط له حاجة. قال الشيخ زين الدين المراغى وغيره: الأولى أن ينادى يا رسول الله وإن كانت الرواية يا محمد، انتهى. وقد نبهت على ذلك مع مزيد بيان فى كتاب
«لوامع الأنوار فى الأدعية والأذكار» . فإن أوصاه أحد بإبلاغ السلام إلى النبى- ﷺ فليقل: السلام عليك يا رسول الله من فلان. ثم ينتقل عن يمينه قدر ذراع، فيسلم على أبى بكر- رضى الله عنه-، لأن رأسه بحذاء منكب رسول الله- ﷺ، على ما جزم به رزين وغيره، وعليه الأكثر، فيقول: السلام عليك يا خليفة سيد المرسلين، السلام عليك يا من أيد الله به- يوم الردة- الدين، جزاك الله عن الإسلام والمسلمين خيرا، اللهم ارض عنه، وارض عنا به. ثم ينتقل عن يمينه قدر ذراع، فيسلم على عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- فيقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك يا من أيد الله به الدين، جزاك الله عن الإسلام والمسلمين خيرا، اللهم ارض عنه، وارض عنا به. ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجه سيدنا رسول الله- ﷺ بعد السلام على سيدنا أبى بكر وعمر، فيحمد الله تعالى ويمجده، ويصلى على النبى- ﷺ، ويكثر من الدعاء والتضرع، ويجدد التوبة فى حضرته الكريمة، ويسأل الله بجاهه أن يجعلها توبة نصوحا، ويكثر من الصلاة والسلام على النبى- ﷺ بحضرته الشريفة حيث يسمعه ويرد عليه. وقد روى أبو داود من حديث أبى هريرة: أنه- ﷺ قال: «ما من مسلم يسلم علىّ إلا رد الله علىّ روحى حتى أرد ﵇» «١» . وعند ابن أبى شيبة من حديث أبى هريرة مرفوعا: «من صلى على عند قبرى سمعته، ومن صلى على نائيا بلغته» . وعن سليمان بن سحيم، مما ذكره القاضى عياض فى «الشفاء» قال: رأيت النبى- ﷺ فى النوم، فقلت: يا رسول الله، هؤلاء الذين يأتونك فيسلمون عليك أتفقه سلامهم؟ قال: نعم وأرد عليهم.
مما ذكره القاضى عياض فى «الشفاء» قال: رأيت النبى- ﷺ فى النوم، فقلت: يا رسول الله، هؤلاء الذين يأتونك فيسلمون عليك أتفقه سلامهم؟ قال: نعم وأرد عليهم.
ولا شك أن حياة الأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- ثابتة معلومة مستمرة، ونبينا- ﷺ أفضلهم، وإذا كان كذلك فينبغى أن تكون حياته- ﷺ أكمل وأتم من حياة سائرهم. فإن قال سقيم الطبع ردئ الفهم، لو كانت حياته- ﷺ مستمرة ثابتة لما كان لرد روحه معنى كما قال: «إلا رد الله على روحى» . يجاب على ذلك من وجوه: أحدها: أن هذا إعلام بثبوت وصف الحياة دائما لثبوت رد السلام دائما، فوصف الحياة لازم لرد السلام اللازم، واللازم يجب وجوده عند ملزومه أو ملزوم ملزومه، فوصف الحياة ثابت دائما لأن ملزوم ملزومه ثابت دائما، وهذا من نفاثات سحر البيان فى إثبات المقصود بأكمل أنواع البلاغة، وأجمل فنون البراعة التى هى قطرة من بحار بلاغته العظمى. ومنها: أن ذلك عبارة عن إقبال خاص، والتفات روحانى يحصل من الحضرة النبوية إلى عالم الدنيا، وقوالب الأجساد الترابية، وتنزل إلى دائرة البشرية، حتى يحصل عند ذلك رد السلام، وهذا الإقبال يكون عامّا شاملا، حتى لو كان المسلمون فى كل لمحة أكثر من ألف ألف ألف لوسعهم ذلك الإقبال النبوى والالتفات الروحانى، ولقد رأيت من ذلك ما لا أستطيع أن أعبر عنه، ولقد أحسن من سئل: كيف يرد النبى- ﷺ على من يسلم عليه من مشارق الأرض ومغاربها فى آن واحد فأنشد قول أبى الطيب: كالشمس فى وسط السماء ونورها ... يغشى البلاد مشارقا ومغاربا ولا ريب أن حاله- ﷺ فى البرزخ أفضل وأكمل من حال الملائكة، هذا سيدنا عزرائيل- ﵇ يقبض مائة ألف روح فى وقت واحد ولا يشغله قبض عن قبض، وهو مع ذلك مشغول بعبادة الله تعالى، مقبل على التسبيح والتقديس، فنبينا- ﷺ حى يصلى ويعبد ربه ويشاهده، لا يزال فى حضرة اقترابه، متلذذا بسماع خطابه، وقد تقدم الجواب عن قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «١» فى أواخر الخصائص من المقصد الرابع.
ال فى حضرة اقترابه، متلذذا بسماع خطابه، وقد تقدم الجواب عن قوله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «١» فى أواخر الخصائص من المقصد الرابع.
وقد روى الدارمى عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما كان أيام الحرة، لم يؤذن فى مسجد النبى- ﷺ، ولم يبرح سعيد بن المسيب من المسجد، وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمهمة يسمعها من قبر النبى- ﷺ، وذكر ابن النجار وابن زبالة بلفظ قال سعيد- يعنى ابن المسيب-. فلما حضرت الظهر سمعت الأذان فى القبر، فصليت ركعتين، ثم سمعت الإقامة فصليت الظهر، ثم مضى ذلك الأذان والإقامة فى القبر المقدس لكل صلاة حتى مضت الثلاث ليال، يعنى ليالى أيام الحرة. وقد روى البيهقى وغيره: من حديث أنس أن رسول الله- ﷺ قال: «الأنبياء أحياء فى قبورهم يصلون» «١» . وفى رواية: «أن الأنبياء لا يتركون فى قبورهم بعد أربعين ليلة، ولكنهم يصلون بين يدى الله حتى ينفخ فى الصور» . وله شواهد فى صحيح مسلم منها: قوله- ﷺ: «مررت بموسى وهو قائم يصلى فى قبره» «٢» . وفى حديث أبى ذر فى قصة المعراج: أنه لقى الأنبياء فى السموات، وكلموه وكلمهم «٣» . وقد ذكرت مزيد بيان لذلك فى حجة الوداع من مقصد عباداته، وفى ذكر الخصائص الكريمة فى مقصد معجزاته، وفى مقصد الإسراء والمعراج. وهذه الصلوات والحج الصادر من الأنبياء ليس على سبيل التكليف، إنما هو على سبيل التلذذ، ويحتمل أن يكونوا فى البرزخ ينسحب عليهم حكم الدنيا فى استكثارهم من الأعمال وزيادة الأجور من غير خطاب بتكليف، وبا لله التوفيق. وإذا ثبت بشهادة قوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ «١» حياة الشهيد، ثبت للنبى- ﷺ بطريق الأولى، والذى عليه جمهور العلماء: أن الشهداء أحياء حقيقة، وهل ذلك للروح فقط أو للجسد معها؟ بمعنى عدم البلى، قولان. وقد صح عن جابر: أن أباه وعمرو بن الجموح وكانا ممن استشهد بأحد ودفنا فى قبر واحد، حتى حفر السيل قبرهما، فوجدا لم يتغيرا، وكان أحدهما قد جرح، فوضع يده على جرحه، فدفن وهو كذلك، فأمطيت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت. وكان بين ذلك وبين أحد ست وأربعون سنة. وروى عنه- ﷺ أنه قال فى شهداء أحد: «والذى نفسى بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه» . رواه البيهقى عن أبى هريرة. وقد قال ابن شهاب: بلغنا أن رسول الله- ﷺ قال: «أكثروا من الصلاة علىّ فى الليلة الزهراء واليوم الأزهر، فإنهما يؤديان عنكم، وإن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء» «٢» . رواه أبو داود وابن ماجه. ونقل ابن زبالة عن الحسن أن رسول الله- ﷺ قال: «من كلمه روح القدس لم يؤذن للأرض أن تأكل من لحمه» . وقد ثبت أن نبينا- ﷺ مات شهيدا لأكله يوم خيبر من شاة مسمومة سمّا قاتلا من ساعته حتى مات منه بشر بن البراء، وصار بقاؤه- ﷺ
ؤذن للأرض أن تأكل من لحمه» . وقد ثبت أن نبينا- ﷺ مات شهيدا لأكله يوم خيبر من شاة مسمومة سمّا قاتلا من ساعته حتى مات منه بشر بن البراء، وصار بقاؤه- ﷺ
معجزة، فكان ألم السم يتعاهده إلى أن مات به، ولذا قال فى مرض موته- كما مر-: «ما زالت أكلة خيبر تعادّنى حتى كان الآن قطعت أبهرى» «١» . والأبهران: عرقان يخرجان من القلب تتشعب منهما الشرايين، كما ذكره فى الصحاح. قال العلماء: فجمع الله له بذلك بين النبوة والشهادة. انتهى. وقد اختلف فى محل الوقوف للدعاء. فعند الشافعية أنه قبالة وجهه كما ذكرته، وقال ابن فرحون من المالكية: اختلف أصحابنا فى محل الوقوف للدعاء، ففى الشفاء قال مالك- فى رواية ابن وهب-: إذا سلم على النبى- ﷺ يقف للدعاء ووجهه إلى القبر الشريف لا إلى القبلة، وقد سأل الخليفة المنصور مالكا فقال: يا أبا عبد الله، أأستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله- ﷺ؟ فقال مالك: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم- ﵇ إلى الله يوم القيامة. وقال مالك فى «المبسوط» ، لا أرى أن يقف عند القبر يدعو، ولكن يسلم ويمضى. قال ابن فرحون: ولعل ذلك ليس اختلاف قول، وإنما أمر المنصور بذلك لأنه يعلم ما يدعو، ويعلم آداب الدعاء بين يديه- ﷺ، فأمن عليه من سوء الأدب فأفتاه بذلك، وأفتى العامة أن يسلموا وينصرفوا، لئلا يدعوا تلقاء وجهه الكريم ويتوسلوا به فى حضرته إلى الله العظيم فيما لا ينبغى الدعاء به، أو فيما يكره أو يحرم، فمقاصد الناس وسرائرهم مختلفة، وأكثرهم لا يقوم باداب الدعاء ولا يعرفها، فلذلك أمرهم مالك بالسلام والانصراف. انتهى. ورأيت مما نسب للشيخ تقى الدين بن تيمية فى منسكه: ولا يدعو هناك مستقبل الحجرة، ولا يصلى إليها ولا يقبلها، فإن هذا كله منهى عنه باتفاق الأئمة، ومالك من أعظم الأئمة كراهية لذلك، والحكاية المروية عنه أنه أمر المنصور أن يستقبل القبر وقت الدعاء، كذب على مالك، وكذا قال، والله أعلم، انتهى.
لأئمة، ومالك من أعظم الأئمة كراهية لذلك، والحكاية المروية عنه أنه أمر المنصور أن يستقبل القبر وقت الدعاء، كذب على مالك، وكذا قال، والله أعلم، انتهى.
وأما قول الأبوصيرى فى بردة المديح: لا طيب يعدل تربا ضم أعظمه ... طوبى لمنتشق منه وملتثم فقال شارحها العلامة ابن مرزوق وغيره: كأنه إشارة إلى النوعين المستعملين فى الطيب، لأنه إما أن يستعمل بالشم، وإليه أشار بقوله «لمنتشق» وإما بالتضمخ وإليها أشار ب «ملتثم» ، قال: وأقل ذلك بتعفير جبهته وأنفه بتربته حال السجود فى مسجده- ﷺ، فليس المراد به تقبيل القبر الشريف فإنه مكروه. ونقل الزركشى عن السيرافى: أن «طوبى» الطيب، قال ابن مرزوق: طوبى فعلى من أنواع الطيب. وهذا مبنى على أن المراد أن تربته أفضل أنواع الطيب باعتبار الحقيقة الحسية، وذلك إما لأنه كذلك فى نفس الأمر، أدركه من أدركه أم لا، وإما باعتبار المؤمن فى ذلك فإن المؤمن لا يعدل بشم رائحة تربته- ﷺ شيئا من الطيب. فإن قلت: لو كان المراد الحقيقة الحسية لأدرك ذلك كل أحد. فالجواب: لا يلزم من قيام المعنى بمحل إدراكه لكل أحد، بل حتى توجد الشرائط وتنتفى الموانع، وعدم الإدراك لا يدل على عدم المدرك، وانتفاء الدليل لا يدل على انتفاء المدلول، فالمزكوم لا يدرك رائحة المسك، مع أن الرائحة قائمة بالمسك لم تنتف عنه. ولما كانت أحوال القبر من الأمور الآخروية، لا جرم لا يدركها من الأحياء إلا من كشف له الغطاء من الأولياء المقربين، لأن متاع الآخرة باق، ومن فى الدنيا فان، والفانى لا يتمتع بالباقى للتضاد، ولا ريب عند من له أدنى تعلق بشريعة الإسلام أن قبره- ﷺ روضة من رياض الجنة، بل أفضلها، وإذا كان القبر كما ذكرناه وقد حوى جسمه الشريف- ﵊ هو أطيب الطيب، فلا مرية أنه لا طيب يعدل تراب قبره المقدس. ويرحم الله أحمد بن محمد العريف حيث يقول فى قصيدته التى أولها:
إذا ما حدا الحادى بأحمال يثرب ... فليت المطايا فوق خدى تعبّق ثم قال بعد أبيات: فما عبق الريحان إلا وتربها ... أجلّ من الريحان طيبا وأعبق وله أيضا: راحت ركائبهم تبدى روائحها ... طيبا فيا طيب ذاك الوفد أشباحا نسيم قبر النبى المصطفى لهم ... روض إذا نشروا من ذكره فاحا ولله در القائل: فاح الصعيد بجسمه فكأنه ... روض بنم يعرفه المتأرج ما جسمه مما يغيره الثرى ... والروح منه كالصباح الأبلج وقال ابن بطال فى قوله- ﷺ: «المدينة ينصع طيّبها» «١» هو مثل ضربه للمؤمن المخلص الساكن فيها، الصابر على لأوائها مع فراق الأهل والتزام المخافة من العدو فلما باع نفسه والتزم هذا الأمر بأن صدقه ونصع إيمانه وقوى لاغتباطه بسكن المدينة ولقربه من رسوله، كما ينصع ريح الطيب فيها ويزيد عبقا على سائر البلاد، خصوصية خص الله بها بلدة رسوله- ﷺ الذى اختار تربتها المباشرة جسده الطيب المطهر، وقد جاء فى الحديث «أن المؤمن يقبر فى التربة التى خلق منها» فكانت بهذا تربة المدينة أفضل الترب، كما أنه هو- ﷺ أفضل البشر، فلهذا والله أعلم يتضاعف ريح الطيب فيها على سائر البلدان. انتهى. وينبغى للزائر أن يكثر من الدعاد والتضرع والاستغاثة والتشفع والتوسل به- ﷺ، فجدير بمن استشفع به أن يشفعه الله تعالى فيه. واعلم أن الاستغاثة هى طلب الغوث، فالمستغيث يطلب من المستغاث
د والتضرع والاستغاثة والتشفع والتوسل به- ﷺ، فجدير بمن استشفع به أن يشفعه الله تعالى فيه. واعلم أن الاستغاثة هى طلب الغوث، فالمستغيث يطلب من المستغاث
به أن يحصل له الغوث منه، فلا فرق بين أن يعبر بلفظ: الاستغاثة أو التوسل أو التشفع أو التجوّه أو التوجه، لأنهما من الجاه والوجاهة ومعناه: علو القدر والمنزلة. وقد يتوسل بصاحب الجاه إلى من هو أعلى منه، ثم إن كلا من الاستغاثة والتوسل والتشفع والتوجه بالنبى- ﷺ كما ذكره فى «تحقيق النصرة» و «مصباح الظلام» - واقع فى كل حال، قبل خلقه وبعد خلقه، فى مدة حياته فى الدنيا وبعد موته فى مدة البرزخ، وبعد البعث فى عرصات القيامة. فأما الحالة الأولى فحسبك ما قدمته فى المقصد الأول من استشفاع آدم- ﵇ به لما أخرج من الجنة، وقول الله تعالى له: «يا آدم لو تشفعت إلينا بمحمد فى أهل السماوات والأرض لشفعناك» . وفى حديث عمر بن الخطاب عند الحاكم والبيهقى وغيرهما: «وإن سألتنى بحقه فقد غفرت لك» . ويرحم الله «١» ابن جابر حيث قال: به قد أجاب الله آدم إذ دعا ... ونجّى فى بطن السفينة نوح وما ضرت النار الخليل لنوره ... ومن أجله نال الفداء ذبيح وصح أن رسول الله- ﷺ قال لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب، أسألك بحق محمد لما غفرت لى، قال الله تعالى: يا آدم، وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه، قال: يا رب، إنك لما خلقتنى بيدك ونفخت فىّ من روحك، رفعت رأسى فرأيت قوائم العرش مكتوبا عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله فعرفت أنك لا تضيف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. فقال الله تعالى: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إلى، وإذ سألتنى بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك «٢» . ذكره الطبرى وزاد فيه: وهو آخر الأنبياء من ذريتك.
الله تعالى: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إلى، وإذ سألتنى بحقه فقد غفرت لك ولولا محمد ما خلقتك «٢» . ذكره الطبرى وزاد فيه: وهو آخر الأنبياء من ذريتك.
وأما التوسل بعد خلقه فى مدة حياته، فمن ذلك الاستغاثة به- ﷺ عند القحط وعدم الأمطار، وكذلك الاستغاثة به من الجوع ونحو ذلك مما ذكرته فى مقصد المعجزات ومقصد العبادات فى الاستسقاء، ومن ذلك استغاثة ذوى العاهات به، وحسبك ما رواه النسائى والترمذى عن عثمان بن حنيف، أن رجلا ضرير أتاه- ﷺ فقال: ادع الله يعافينى، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: «اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبى الرحمة، يا محمد إنى أتوجه بك إلى ربك فى حاجتى لتقضى، اللهم شفعه فىّ» «١» وصححه البيهقى، وزاد: فقام وقد أبصر. وأما التوسل به- ﷺ بعد موته فى البرزخ فهو أكثر من أن يحصى أو يدرك باستقصاء وفى كتاب «مصباح الظلام فى المستغيثين بخير الأنام» للشيخ أبى عبد الله بن النعمان طرف من ذلك. ولقد كان حصل لى داء أعيا دواؤه الأطباء، وأقمت به سنين، فاستغثت به- ﷺ ليلة الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة بمكة زادها الله شرفا، ومنّ علىّ بالعود فى عافية بلا محنة، فبينا أنا نائم إذ جاء رجل معه قرطاس يكتب فيه: هذا دواء لداء أحمد بن القسطلانى من الحضرة الشريفة بعد الإذن الشريف النبوى، ثم استيقظت فلم أجد بى- والله- شيئا مما كنت أجده، وحصل الشفاء ببركة النبى- ﷺ. ووقع لى أيضا فى سنة خمس وثمانين وثمانمائة فى طريق مكة، بعد رجوعى من الزيارة الشريفة لقصد مصر، أن صرعت خادمتنا غزال الحبشية، واستمر بها أياما، فاستشفعت به- ﷺ فى ذلك، فأتانى آت فى منامى، ومعه الجنى الصارع لها فقال: لقد أرسله لك النبى- ﷺ، فعاتبته وحلفته أن لا يعود إليها، ثم استيقظت وليس بها قلبة كأنما نشطت من عقال، ولا
زالت فى عافية من ذلك حتى فارقتها بمكة سنة أربع وتسعين وثمانمائة، والحمد لله رب العالمين «١» . وأما التوسل به- ﷺ فى عرصات القيامة، فمما قام عليه الإجماع وتواترت به الأخبار فى حديث الشفاعة. فعليك أيها الطالب إدراك السعادة الموصل لحسن الحال فى حضرة الغيب والشهادة، بالتعلق بأذيال عطفه وكرمه، والتطفل على موائد نعمه، والتوسل بجاهه الشريف والتشفع بقدره المنيف، فهو الوسيلة إلى نيل المعالى واقتناص المرام، والمفزع يوم الجزع والهلع لكافة الرسل الكرام، واجعله أمامك فيما نزل بك من النوازل، وإمامك فيما تحاول من القرب والمنازل، فإنك تظفر من المراد بأقصاه، وتدرك رضى من أحاط بكل شئ علما وأحصاه، واجتهد ما دمت بطيبة الطيبة حسب طاقتك فى تحصيل أنواع القربات، ولازم قرع أبواب السعادات بأظافير الطلبات، وارق فى مدارج العبادات، ولج فى سرادق المرادات. تمتع إن ظفرت بنيل قرب ... وحصل ما استطعت من ادخار فها أنا قد أبحت لكم عطائى ... وها قد صرت عندى فى جوارى فخذ ما شئت من كرم وجود ... ونل ما شئت من نعم غزار فقد وسعت أبواب التدانى ... وقد قربت للزوار دارى فمتع ناظريك فها جمالى ... تجلى للقلوب بلا استتار ولازم الصلوات مكتوبة ونافلة فى مسجده المكرم، خصوصا بالروضة التى ثبت أنها روضة من رياض الجنة «٢» . كما رواه البخارى.
جمالى ... تجلى للقلوب بلا استتار ولازم الصلوات مكتوبة ونافلة فى مسجده المكرم، خصوصا بالروضة التى ثبت أنها روضة من رياض الجنة «٢» . كما رواه البخارى.
قال ابن أبى جمرة معناه: تنقل تلك البقعة بعينها فى الجنة، فتكون روضة من رياض الجنة، ويحتمل أن يكون المراد: العمل فيها يوجب لصاحبه روضة فى الجنة، قال: والأظهر الجمع بين الوجهين معا، يعنى احتمال كونها تنقل إلى الجنة، وكون العمل فيها يوجب لصاحبه روضة فى الجنة، قال: ولكل وجه منهما دليل يعضده ويقويه من جهة النظر والقياس. أما الدليل على أن العمل فيها يوجب روضة فى الجنة، فلأنه إذا كانت الصلاة فى مسجده- ﷺ بألف فيما سواه من المساجد، فلهذه البقعة زيادة على باقى البقع كما كان للمسجد زيادة على غيره. وأما الدليل على كونها بعينها فى الجنة، وكون المنبر أيضا على الحوض، كما أخبر- ﷺ وأن الجذع فى الجنة، والجذع فى البقعة نفسها، فالعلة التى أوجبت للجذع الجنة هى فى البقعة سواء، على ما أذكره بعد- إن شاء الله تعالى-. والذى أخبر بهذا أخبر بهذا، فينبغى الحمل على أكمل الوجوه، وهو الجمع بينهما، لأنه قد تقرر من قواعد الشرع أن البقعة المباركة، ما فائدة بركتها لنا، والإخبار بها لنا إلا لتعميرها بالطاعات، فإن الثواب فيها أكثر، وكذلك الأيام المباركة أيضا، فعلى هذا يكون الموضع روضة من رياض الجنة الآن، ويعود روضة كما كان فى موضعه، ويكون للعامل فيه روضة فى الجنة، وهو الأظهر لوجهين: أحدهما: لعلو منزلته- ﷺ، ولما خص الخليل- ﵇ بالحجر من الجنة، خص الحبيب- ﷺ بالروضة من الجنة. وها هنا بحث: لم جعلت هذه البقعة من بين سائر البقع روضة من رياض الجنة؟ فإن قلنا: تعبد، فلا بحث، وإن قلنا: لحكمة فحينئذ يحتاج إلى البحث. والأظهر أنه لحكمة، وهى أنه قد سبق فى العلم الربانى بما ظهر أن الله ﷿ فضله على جميع خلقه، وأن كل ما كان منه بنسبة ما من جميع
فحينئذ يحتاج إلى البحث. والأظهر أنه لحكمة، وهى أنه قد سبق فى العلم الربانى بما ظهر أن الله ﷿ فضله على جميع خلقه، وأن كل ما كان منه بنسبة ما من جميع
المخلوقات يكون له تفضيل على جنسه كما استقرئ فى كل أموره، من بدء ظهوره- ﷺ إلى حين وفاته، فى الجاهلية والإسلام. فمنها ما كان فى شأن أمه، وما نالها من بركته مع الجاهلية الجهلاء، حسب ما هو مذكور معلوم. ومثل ذلك حليمة السعدية. وحتى الأتان، وحتى البقعة التى تجعل الأتان يدها عليها تخضر من حينها، وما هو من ذلك كله معلوم. وكان مشيه- ﷺ حيث ما مشى ظهرت البركات مع ذلك كله، وحيث وضع- ﷺ يده المباركة ظهر فى ذلك كله من الخيرات والبركات حسّا ومعنى، كما هو منقول معروف. ولما شاء صاحب القدرة أنه- ﷺ لا بدّ له من بيت، ولا بدّ له من منبر، وأنه بالضرورة يكثر تردده- ﷺ بين المنبر والبيت، فالحرمة التى أعطى غيرهما إذا كان من مسّة واحدة بمباشرته أو بواسطة حيوان أو غيره تظهر البركة والخير، فكيف مع كثرة ترداده- ﷺ فى البقعة الواحدة مرارا فى اليوم الواحد طول عمره، من وقت هجرته إلى حين وفاته. فلم يبق من الترفيع بالنسبة إلى عالمها أعلى مما وصفناه، وهو أنها كانت من الجنة، وتعود إليها، وهى الآن منها، وللعامل فيها مثلها، فلو كانت مرتبة يمكن أن تكون أرفع من هذه فى هذه الدار، لكان لهذه أعلى مرتبة مما ذكرنا فى جنسها. فإن احتج محتج لا فهم له بأن يقول: ينبغى أن يكون ذلك للمدينة بكمالها، لأنه- ﷺ كان يطؤها بقدمه مرارا. فالجواب: أنه قد حصل للمدينة تفضيل لم يحصل لغيرها، من ذلك أن ترابها شفاء كما أخبر- ﷺ، مع ما شاركت فيه البقعة المكرمة من منعها من الدجال وتلك الفتن العظام. وأنه- ﷺ أول ما يشفع لأهلها يوم القيامة، وأن ما كان لها من الوباء والحمى رفع عنها، وأنه بورك فى طعامها وشرابها وأشياء كثيرة، فكان التفضيل لها بنسبة ما أشرنا إليه أولا، بأن تردده- ﷺ فى المسجد نفسه أكثر مما فى المدينة نفسها، وتردده- ﷺ فيما بين المنبر والبيت أكثر مما سواه من سائر المسجد، فالبحث تأكد بالاعتراض، لأنه جاءت البركة متناسبة لتكرار تلك الخطوات المباركة، والقرب من تلك النسمة



