— Bagian 47 · المرتفعة لا خفاء فيه إلا على ملحد أعمى البصيرة، … —
Bagian 47
المرتفعة لا خفاء فيه إلا على ملحد أعمى البصيرة، فالمدينة أرفع المدن، والمسجد أرفع المساجد والبقعة أرفع البقع، قضية معلومة وحجة ظاهرة موجودة. انتهى. وقال الخطابى: المراد من هذا الحديث الترغيب فى سكنى المدينة، وأن من لازم ذكر الله فى مسجدها آل به إلى روضة من رياض الجنة، وسقى يوم القيامة من الحوض انتهى. وتقدم فى الخصائص من مقصد المعجزات مزيد لذلك. وعند مسلم من حديث ابن عمر- رضى الله عنهما-، أن رسول الله- ﷺ قال: «صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» . وقد اختلف العلماء فى المراد بهذا الاستثناء على حسب اختلافهم فى مكة والمدينة أيهما أفضل؟ ومذهب سفيان بن عيينة والشافعى وأحمد- فى أصح الروايتين عنه- وابن وهب ومطرف وابن حبيب- الثلاثة من المالكية- وحكاه الساجى عن عطاء بن أبى رباح، والمكيين والكوفيين. وحكاه ابن عبد البر عن عمر وعلى وابن مسعود وأبى الدرداء وجابر وابن الزبير وقتادة، وجماهير العلماء، أن مكة أفضل من المدينة، وأن مسجد مكة أفضل من مسجد المدينة، لأن الأمكنة تشرف بفضل العبادة فيها على غيرها مما تكون العبادة فيها مرجوحة. وقد حكى ابن عبد البر أنه روى عن مالك ما يدل على أن مكة أفضل الأرض كلها، قال: ولكن المشهور عن أصحابه فى مذهبه تفضيل المدينة. انتهى. وقال مالك: المدينة ومسجدها أفضل. ومما احتج به أصحابنا لتفضيل مكة: حديث عبد الله بن الحمراء أنه سمع رسول الله- ﷺ وهو واقف على راحلته يقول: «والله إنك لخير أرض الله وأحبها إلى الله، ولولا أنى أخرجت منك ما خرجت» «١» . قال الترمذى:
بن الحمراء أنه سمع رسول الله- ﷺ وهو واقف على راحلته يقول: «والله إنك لخير أرض الله وأحبها إلى الله، ولولا أنى أخرجت منك ما خرجت» «١» . قال الترمذى:
حسن صحيح. وقال ابن عبد البر: هذا أصح الآثار عنه- ﷺ. قال: وهذا قاطع فى محل الخلاف. انتهى. فعند الشافعى والجمهور معناه- أى الحديث-: إلا المسجد الحرام فإن الصلاة فيه أفضل من الصلاة فى مسجدى. وعند مالك وموافقيه: إلا المسجد الحرام فإن الصلاة فى مسجدى تفضله بدون الألف. وعن عبد الله بن الزبير قال رسول الله- ﷺ: «صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة فى هذا» «١» رواه أحمد وابن حبان فى صحيحه. وزاد: يعنى فى مسجد المدينة، البزار ولفظه: «صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام فإنه يزيد عليه مائة» . قال المنذرى: وإسناده صحيح أيضا. ومما يستدل به المالكية، ما ذكره ابن حبيب فى «الواضحة» أنه- ﷺ قال: «صلاة فى مسجدى كألف صلاة فيما سواه. وجمعة فى مسجدى كألف جمعة فيما سواه، ورمضان فى مسجدى كألف رمضان فيما سواه» . ومذهب عمر بن الخطاب وبعض الصحابة وأكثر المدنيين- كما قاله القاضى عياض- أن المدينة أفضل، وهو أحد الروايتين عن أحمد. وأجمعوا على أن الموضع الذى ضم أعضاءه الشريفة- ﷺ أفضل بقاع الأرض، حتى موضع الكعبة، كما قاله ابن عساكر والباجى والقاضى عياض، بل نقل التاج السبكى كما ذكره السيد السمهودى فى «فضائل المدينة» عن ابن عقيل الحنبلى أنها أفضل من العرش، وصرح الفاكهانى بتفضيلها على السماوات ولفظه: وأقول أنا وأفضل من بقاع السماوات أيضا. ولم أر من
«فضائل المدينة» عن ابن عقيل الحنبلى أنها أفضل من العرش، وصرح الفاكهانى بتفضيلها على السماوات ولفظه: وأقول أنا وأفضل من بقاع السماوات أيضا. ولم أر من
تعرض لذلك، والذى أعتقده لو أن ذلك عرض على علماء الأمة لم يختلفوا فيه، وقد جاء أن السماوات شرفت بمواطئ قدميه، بل لو قال قائل: إن جميع بقاع الأرض أفضل من جميع بقاع السماء لشرفها لكونه- ﷺ حالا فيها لم يبعد، بل هو عندى الظاهر المتعين. انتهى. وحكاه بعضهم عن الأكثرين لخلق الأنبياء منها ودفنهم فيها، لكن قال النووى: إن الجمهور على تفضيل السماء على الأرض، أى ما عدا ما ضم الأعضاء الشريفة. وقد استشكل ما ذكر من الإجماع على أفضلية ما ضم أعضاءه الشريفة على جميع بقاع الأرض، ويؤيده ما قاله الشيخ عز الدين بن عبد السلام فى تفضيل بعض الأماكن على بعض، من أن الأماكن والأزمان كلها متساوية، ويفضلان بما يقع فيهما لا بصفات قائمة بهما. قال: ويرجع تفضيلهما إلى ما ينيل الله العباد فيهما من فضله وكرمه، والتفضيل الذى فيهما أن الله تعالى يجود على عباده بتفضيل أجر العاملين فيهما. انتهى. ملخصا. لكن تعقبه الشيخ تقى الدين السبكى بما حاصله: إن الذى قاله لا ينفى أن يكون التفضيل لأمر آخر فيهما وإن لم يكن عمل، لأن قبر رسول الله- ﷺ ينزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة، وله عند الله من المحبة ولساكنه ما تقصر العقول عن إدراكه، وليس ذلك لمكان غيره، فكيف لا يكون أفضل؟ وليس محل عمل لنا لأنه ليس مسجدا، ولا له حكم المسجد، بل هو مستحق للنبى- ﷺ. وأيضا فقد تكون الأعمال مضاعفة فيه باعتبار أن النبى- ﷺ حى كما تقرر، وأن أعماله مضاعفة فيه أكثر من كل أحد، فلا يختص التضعيف بأعمالنا نحن. قال: ومن فهم هذا انشرح صدره لما قاله القاضى عياض من تفضيل ما ضم أعضاءه الشريفة- ﷺ باعتبارين: أحدهما، ما قيل إن كل أحد يدفن فى الموضع الذى خلق منه، والثانى: تنزل الملائكة والبركات عليه، وإقبال الله
تعالى. ولا نسلم أن الفضل للمكان لذاته ولكن لأجل من حلّ فيه- ﷺ. انتهى. وقد روى أبو يعلى عن أبى بكر أنه قال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «لا يقبض النبى إلا فى أحب الأمكنة إليه» . ولا شك أن أحبها إليه أحبها إلى ربه تعالى، لأن حبه تابع لحب ربه جل وعلا، وما كان أحب إلى الله ورسوله كيف لا يكون أفضل؟ وقد قال- ﷺ: «اللهم إن إبراهيم دعاك لمكة، وإنى أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لمكة ومثله معه» «١» . ولا ريب أن دعاء النبى- ﷺ أفضل من دعاء إبراهيم، لأن فضل الدعاء على قدر فضل الداعى. وقد صح أنه- ﷺ قال: «اللهم حبب إلينا المدينة، كحبنا مكة أو أشد» «٢» . وفى رواية «بل أشد» وقد أجيبت دعوته، حتى كان يحرك دابته إذا رآها من حبها. وروى الحاكم أنه- ﷺ قال: «اللهم إنك أخرجتنى من أحب البقاع إلىّ فأسكنى فى أحب البقاع إليك» «٣» أى فى موضع تصيره كذلك، فيجتمع فيه الحبان. قيل ضعفه ابن عبد البر، ولو سلمت صحته فالمراد: أحب إليك بعد مكة لحديث «إن مكة خير بلاد الله» ، وفى رواية «أحب أرض الله إلى الله» ، ولزيادة التضعيف بمسجد مكة. وتعقبه العلامة السيد السمهودى: بأن ما ذكر لا يقتضى صرفه عن ظاهره، إذ القصد به الدعاء لدار هجرته بأن يصيرها الله كذلك. وحديث: «إن مكة خير بلاد الله» محمول على بدء الأمر قبل ثبوت الفضل للمدينة، وإظهار الدين، وافتتاح البلاد منها حتى مكة، فقد أنالها وأنال بها ما لم يكن لغيرها من البلاد، فظهر إجابة دعوته، وصيرورتها أحب مطلقا بعد، ولهذا
لمدينة، وإظهار الدين، وافتتاح البلاد منها حتى مكة، فقد أنالها وأنال بها ما لم يكن لغيرها من البلاد، فظهر إجابة دعوته، وصيرورتها أحب مطلقا بعد، ولهذا
افترض الله تعالى على نبيه- ﷺ الإقامة بها، وحث هو- ﷺ على الاقتداء به فى سكناها والموت بها، فكيف لا تكون أفضل. قال: وأما مزيد المضاعفة، فأسباب التفضيل لا تنحصر فى ذلك، فالصلوات الخمس بمنى للمتوجه لعرفة أفضل منها بمسجد مكة، وإن انتفت عنها المضاعفة، إذ فى الاتباع ما يربو عليها، ومذهبنا: شمول المضاعفة للنفل مع تفضيله بالمنزل، ولهذا قال عمر- رضى الله عنه- بمزيد المضاعفة لمسجد مكة، مع قوله بتفضيل المدينة، ولم يصب من أخذ من قوله بمزيد المضاعفة: تفضيل مكة. إذ غايته أن للمفضول مزية ليست للفاضل، مع أن دعاءه- ﷺ بمزيد تضعيف البركة بالمدينة على مكة شامل للأمور الدينية أيضا. وقد يبارك فى العدد القليل فيربو نفعه على الكثير، ولهذا استدل به على تفضيل المدينة. وإن أريد من حديث المضاعفة الكعبة فقط، فالجواب: إن الكلام فيما عداها، فلا يرد شئ مما جاء فى فضلها، ولا ما بمكة من مواضع النسك لتعلقه بها، ولذا قال عمر لعبد الله بن عياش المخزومى. أنت القائل: لمكة خير من المدينة؟ فقال عبد الله: هى حرم الله وأمنه وفيها بيته، فقال عمر: لا أقول فى حرم الله وبيته شيئا، ثم كرر عمر قوله الأول، فأعاد عبد الله جوابه، فأعاد له: لا أقول فى حرم الله وبيته شيئا، فأشير على عبد الله فانصرف. وقد عوضت المدينة عن العمرة، ما صح فى إتيان مسجد قباء، وعن الحج ما جاء فى فضل الزيارة النبوية والمسجد، والإقامة بعد النبوة بالمدينة وإن كانت أقل من مكة على القول به، فقد كانت سببا لإعزاز الدين وإظهاره، ونزول أكثر الفرائض وإكمال الدين، حتى كثر تردد جبريل- ﵇ بها، ثم استقر بها- ﷺ إلى قيام الساعة. ولهذا قيل لمالك: أيما أحب إليك المقام هنا- يعنى المدينة- أو مكة؟ فقال: هنا، وكيف لا أختار المدينة وما بها طريق إلا سلك عليها رسول الله- ﷺ، وجبريل ينزل عليه من عند رب العالمين فى أقل من ساعة؟!
يعنى المدينة- أو مكة؟ فقال: هنا، وكيف لا أختار المدينة وما بها طريق إلا سلك عليها رسول الله- ﷺ، وجبريل ينزل عليه من عند رب العالمين فى أقل من ساعة؟!
وروى الطبرانى حديث «المدينة خير من مكة» «١» وفى رواية للجندى «أفضل من مكة» وفيه: محمد بن عبد الرحمن الرداد، ذكره ابن حبان فى الثقات وقال: كان يخطئ، وقال أبو زرعة: لين، وقال: ابن عدى، روايته ليست محفوظة، وقال أبو حاتم: ليس بقوى. وفى الصحيحين عن أبى هريرة، قال رسول الله- ﷺ: «أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب وهى المدينة، تنفى الناس كما ينفى الكير خبث الحديد» «٢» . أى أمرنى الله بالهجرة إليها، إن كان قاله- ﷺ بمكة، أو: بسكناها، إن كان قاله بالمدينة. وقال القاضى عبد الوهاب: لا معنى لقوله: «تأكل القرى» إلا رجوح فضلها عليها، أى على القرى وزيادتها على غيرها. وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون المراد بذلك: غلبة فضلها على فضل غيرها، أى أن الفضائل تضمحل فى جنب عظيم فضلها حتى تكون عدما، وهذا أبلغ من تسمية مكة «أم القرى» لأن الأمومة لا ينمحى معها ما هى له أم، لكن يكون لها حق الأمومة، انتهى. ويحتمل أن يكون المراد غلبة أهلها على القرى، والأقرب: حمله عليهما، إذ هو أبلغ فى الغرض المسوق له. انتهى ما قاله السيد السمهودى. وقد أطلت فى الاحتجاج لتفضيل المدينة على مكة، وإن كان مذهب إمامنا الشافعى- ﵀ تفضيل مكة، لأن هوى كل نفس أين حل حبيبها. علىّ لربع العامرية وقفة ... ليملى على الشوق والدمع كاتب ومن مذهبى حب الديار لأهلها ... وللناس فيما يعشقون مذاهب
على أن للقلم فى أرجاء تفضيل المدينة مجالا واسعا ومقالا جامعا، لكن الرغبة فى الاختصار تطوى أطراف بساطه، والرهبة من الإكثار تصرف عن تطويله وإفراطه. وقد استنبط العارف ابن أبى جمرة من قوله- ﷺ المروى فى البخارى «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة» «١» . التساوى بين فضل مكة والمدينة. قال: وظاهر هذا الحديث يعطى التسوية بينهما فى الفضل، لأن جميع الأرض يطؤها الدجال إلا هذين البلدين، فدل على تسويتهما فى الفضل، قال: ويؤيد ذلك أيضا من وجوه النظر: لأنه إن كانت خصت المدينة بمدفنه- ﷺ وإقامته بها ومسجده، فقد خصت مكة بمسقطه- ﷺ بها ومبعثه منها، وهى قبلته، فمطلع شمس ذاته الكريمة المباركة مكة، ومغربها المدينة، وإقامته بعد النبوة على المشهور من الأقاويل بمكة مثل إقامته- ﷺ بالمدينة، عشر سنين فى كل واحدة منهما. كذا قاله. وأنت إذا تأملت قوله- ﷺ فيما رواه مسلم من حديث سعد «يأتى على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه: هلم إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذى نفسى بيده لا يخرج أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرا منه» «٢» ظهر لك أن فيه إشعارا بذم الخروج من المدينة. بل نقل الشيخ محب الطبرى عن قوم أنه عام أبدا مطلقا، وقال: إنه ظاهر اللفظ. وفى صحيح مسلم من حديث أبى هريرة أن رسول الله- ﷺ قال: «لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتى إلا كنت له شفيعا يوم القيامة أو شهيدا» «٣» .
لفظ. وفى صحيح مسلم من حديث أبى هريرة أن رسول الله- ﷺ قال: «لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتى إلا كنت له شفيعا يوم القيامة أو شهيدا» «٣» .
وفيه عن سعيد- مولى المهرى- أنه جاء إلى أبى سعيد الخدرى ليالى الحرة، فاستشاره فى الجلاء من المدينة، وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله، وأخبره أنه لا صبر له على جهد المدينة ولأوائها، فقال: ويحك. لا آمرك بذلك، إنى سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «لا يصبر أحد على لأوائها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة» . و «اللأواء» : بالمد، الشدة والجوع. و «أو» فى قوله: «إلا كنت له شفيعا أو شهيدا» الأظهر أنها ليست للشك، لأن هذا الحديث رواه جابر بن عبد الله، وسعد بن أبى وقاص، وابن عمر، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وأسماء بنت عميس، وصفية بنت أبى عبيد، عنه- ﷺ بهذا اللفظ، ويبعد اتفاق جميعهم أو رواتهم على الشك وتطابقهم فيه على صيغة واحدة، بل الأظهر أنه قاله- ﷺ. وتكون «أو» للتقسيم، ويكون شهيدا لبعض أهل المدينة وشفيعا لباقيهم، إما شفيعا للعاصين وشهيدا للمطيعين، وإما شهيدا لمن مات فى حياته، وشفيعا لمن مات بعده، أو غير ذلك. وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة للمذنبين أو للعالمين فى القيامة، وعلى شهادته على جميع الأمم، فيكون لتخصيصهم بهذا كله علو مرتبة وزيادة منزلة وحظوة. وإذا قلنا «أو» للشك، فإن كانت اللفظة الصحيحة «شهيدا» اندفع الاعتراض لأنها زائدة على الشفاعة المدخرة لغيرهم، وإن كانت اللفظة الصحيحة «شفيعا» فاختصاص أهل المدينة بهذا مع ما جاء من عمومها وادخارها لجميع الأمة أن هذه شفاعة أخرى غير العامة، وتكون هذه الشفاعة لأهل المدينة بزيادة الدرجات، أو تخفيف الحساب، وأو بما شاء الله من ذلك، أو بإكرامهم يوم القيامة بأنواع الكرامات لكونهم على منابر، أو فى ظل العرش، أو الإسراع بهم إلى الجنة أو غير ذلك من خصوص الكرامات. كيف لا يتحمل المشقات من يحب أن يتمتع بسيد أهل الأرض والسماوات، وينال ما وعده به من جزيل المثوبات وجسيم الهبات، وإنجاز
ة أو غير ذلك من خصوص الكرامات. كيف لا يتحمل المشقات من يحب أن يتمتع بسيد أهل الأرض والسماوات، وينال ما وعده به من جزيل المثوبات وجسيم الهبات، وإنجاز
وعده لشفاعته وشهادته وبلوغ قصده فى المحيا والممات، وكم عسى تكون شدة المدينة ولأوائها، وإلى متى تستمر مشقتها وبلواها، لو تأملت يا هذا، لوجدت فى البلاد ما هو فى الشدة وشظف العيش مثلها أو أشق منها، وأهلها مقيمون فيها، وربما يوجد فيهم من هو قادر على الانتقال فلا ينتقل، وقوى على الرحلة فلا يرتحل، ويؤثر وطنه مع إمكان الارتحال والقدرة على الانتقال. على أن المدينة مع شظف العيش بها فى غالب الأحيان، قد وسع الله فيها على بعض السكان، حتى من أصحابنا من غير أهلها ممن استوطنها وحسن فيها حاله، وتنعم بها باله دون سائر البلدان، فإن من الله على المرء بمثل ذلك هنالك، وإلا فالصبر للمؤمن أولى، فمن وفقه الله تعالى صبره فى إقامته بها ولو على أحر من الجمر، فيتجرع مرارة غصتها ليجتلى عروس منصتها، ويلقى نزرا من لأوائها ليوقى بذلك من مصائب الدنيا وبلائها. وقد روى البخارى من حديث أبى هريرة أن رسول الله- ﷺ قال: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» «١» أى ينقبض وينضم ويلتجئ، مع أنها أصل فى انتشاره، فكل مؤمن له من نفسه سائق إليها فى جميع الأزمان، لحبه فى ساكنها- ﷺ، فأكرم بسكانها ولو قيل فى بعضهم ما قيل، فقد حظوا بشرف المجاورة بهذا الحبيب الجليل. فقد ثبت لهم حق الجوار وإن عظمت إساءتهم، فلا يسلب عنهم اسم الجار، وقد عمم- ﷺ فى قوله: «ما زال جبريل يوصينى بالجار» «٢» ولم يخص جارا دون جار، وكل ما احتج به محتج من رمى بعض عوامهم السنية بالابتداع وترك الاتباع، فإنه إذا ثبت ذلك فى شخص منهم فلا يترك إكرامه، ولا ينقص احترامه فإنه لا يخرج عن حكم الجار ولو جار، ولا يزول عنه شرف مساكنته فى الدار
كيفما دار، بل يرجى أن يختم له بالحسنى ويمنح بهذا القرب الصورى قرب المعنى. فيا ساكن أكناف طيبة كلكم ... إلى القلب من أجل الحبيب حبيب ولله در ابن جابر حيث قال: هناؤكم يا أهل طيبة قد حقا ... فبالقرب من خير الورى حزتم السبقا فلا يتحرك ساكن منكم إلى ... سواها وإن جار الزمان وإن شقا فكم ملك رام الوصول لمثل ما ... وصلتم فلم يقدر ولو ملك الخلقا فبشراكم نلتم عناية ربكم ... فها أنتم فى بحر نعمته غرقى ترون رسول الله فى كل ساعة ... ومن يره فهو السعيد به حقا متى جئتم لا يغلق الباب دونكم ... وباب ذوى الإحسان لا يقبل الغلقا فيسمع شكواكم ويكشف ضركم ... ولا يمنع الإحسان حرّا ولا رقا بطيبة مثواكم وأكرم مرسل ... يلاحظكم فالدهر يجرى لكم وفقا وكم من نعمة لله فيها عليكم ... فشكرا ونعم الله بالشكر تستبقى أمنتم من الدجال فيها فحولها ... ملائكة يحمون من دونها الطرقا كذاك من الطاعون أنتم بمأمن ... فوجه الليالى لا يزال لكم طلقا فلا تنظروا إلا لوجه حبيبكم ... وإن جاءت الدنيا ومرت فلا فرقا حياة وموتا تحت رحماه أنتم ... وحشرا فستر الجاه فوقكم ملقى فيا راحلا عنها لدنيا تريدها ... أتطلب ما يفنى وتترك ما يبقى أتخرج عن حوز النبى وحرزه ... إلى غيره تسفيه مثلك قد حقا لئن سرت تبغى من كريم إعانة ... فأكرم من خير البرية ما تلقى هو الرزق مقسوم فليس بزائد ... ولو سرت حتى كدت تخرق الأفقا فكم قاعد قد وسع الله رزقه ... ومرتحل قد ضاق بين الورى رزقا فعش فى حمى خير الأنام ومت به ... إذا كنت فى الدارين تطلب أن ترقا إذا قمت فيما بين قبر ومنبر ... بطيبة فاعرف أن منزلك الأرقى لقد أسعد الرحمن جار محمد ... ومن جار فى ترحاله فهو الأشقى
إذا كنت فى الدارين تطلب أن ترقا إذا قمت فيما بين قبر ومنبر ... بطيبة فاعرف أن منزلك الأرقى لقد أسعد الرحمن جار محمد ... ومن جار فى ترحاله فهو الأشقى
وقد روى الترمذى وابن ماجه وابن حبان فى صحيحه من حديث ابن عمر: أن رسول الله- ﷺ قال: «من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإنى أشفع لمن يموت بها» «١» ورواه الطبرانى فى الكبير من حديث سبيعة الأسلمية. وفى البخارى من حديث أبى هريرة أن رسول الله- ﷺ قال: «لا يدخل المدينة الدجال ولا الطاعون» «٢» . وفيه: عن أبى بكرة- رضى الله عنه- عن النبى- ﷺ قال: «لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، لها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان» «٣» . قال فى فتح البارى: وقد استشكل عدم دخول الطاعون المدينة مع كونه شهادة، وكيف قرن بالدجال، ومدحت المدينة بعدم دخولهما. وأجيب: بأن كون الطاعون شهادة ليس المراد بوصفه بذلك ذاته، وإنما المراد أن ذلك يترتب عليه، وينشأ عنه لكونه سببه، فإذا استحضر ما تقدم فى المقصد الثامن من أنه طعن الجن حسن مدح المدينة بعدم دخوله إياها، فإن فيه إشارة إلى أن كفار الجن وشياطينهم ممنوعون من دخول المدينة، ومن اتفق دخوله فيها لا يتمكن من طعن أحد منهم. وقد أجاب القرطبى فى المفهم عن ذلك فقال: المعنى لا يدخلها من الطاعون مثل الذى وقع فى غيرها، كطاعون عمواس والجارف. وهذا الذى قاله يقتضى أنه دخلها فى الجملة، وليس كذلك، فقد جزم ابن قتيبة فى «المعارف» وتبعه جمع منهم الشيخ محى الدين النووى فى «الأذكار» : بأن الطاعون لم يدخل المدينة أصلا، ولا مكة أيضا، لكن نقل
يس كذلك، فقد جزم ابن قتيبة فى «المعارف» وتبعه جمع منهم الشيخ محى الدين النووى فى «الأذكار» : بأن الطاعون لم يدخل المدينة أصلا، ولا مكة أيضا، لكن نقل
جماعة أنه دخل مكة الطاعون فى العام الذى كان فى سنة تسع وأربعين وسبعمائة، بخلاف المدينة فلم يذكر أحد أنه وقع الطاعون بها أصلا. وأجاب بعضهم بأنه- ﷺ عوضهم عن الطاعون بالحمى، لأن الطاعون يأتى مرة بعد مرة، والحمى تتكرر فى كل حين فيتعادلان فى الأجر، ويتم المراد من عدم دخول الطاعون المدينة. قال الحافظ ابن حجر: ويظهر لى جواب آخر، بعد استحضار الذى أخرجه أحمد من رواية أبى عسيب- بمهملتين آخره موحدة، بوزن عظيم- رفعه: «أتانى جبريل بالحمى والطاعون فأمسكت الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون إلى الشام» «١» ، وهو أن الحكمة فى ذلك: أنه- ﷺ لما دخل المدينة كان فى قلة من أصحابه عددا ومددا، وكانت المدينة وبيئة، كما فى حديث عائشة، ثم خير- ﷺ فى أمرين يحصل بكل منهما الأجر الجزيل، فاختار الحمى حينئذ لقلة الموت بها غالبا بخلاف الطاعون، ثم لما احتاج إلى جهاد الكفار، وأذن له فى القتال كانت قضية استمرار الحمى بالمدينة تضعف أجساد الذين يحتاجون إلى التقوية لأجل الجهاد، فدعا بنقل الحمى من المدينة إلى الجحفة، فعادت المدينة أصح بلاد الله بعد أن كانت بخلاف ذلك، ثم كانوا من حينئذ من فاتته الشهادة بالطاعون ربما حصلت له بالقتل فى سبيل الله، ومن فاته ذلك حصلت له الحمى التى هى حظ المؤمن من النار، ثم استمر ذلك بالمدينة تمييزا لها عن غيرها لتحقق إجابة دعوته وظهور هذه المعجزة العظيمة بتصديق خبره فى هذه المدة المتطاولة، فكان منع دخول الطاعون من خصائصها ولوازم دعائه- ﷺ لها بالصحة. وقال بعضهم: هذا من المعجزات المحمدية، لأن الأطباء من أولهم إلى آخرهم عجزوا أن يدفعوا الطاعون عن بلد، بل عن قرية، وقد امتنع الطاعون عن المدينة هذه الدهور الطويلة، انتهى ملخصا والله أعلم. ومن خصائص المدينة أن غبارها شفاء من الجذام والبرص بل من كل
داء، كما رواه رزين العبدرى فى جامعه من حديث سعد، زاد فى حديث ابن عمر: وعجوتها شفاء من السم، ونقل البغوى عن ابن عباس فى قوله تعالى: لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً «١» أنها المدينة. وذكر ابن النجار تعليقا عن عائشة- رضى الله عنها- أنها قالت: كل البلاد افتتحت بالسيف وافتتحت المدينة بالقرآن. وروى الطبرانى فى الأوسط بإسناد لا بأس به عن أبى هريرة يرفعه: «المدينة قبة الإسلام ودار الإيمان، وأرض الهجرة، ومثوى الحلال والحرام» «٢» . وبالجملة، فكل المدينة وترابها وطرقها وفجاجها ودورها وما حولها قد شملته بركته- ﷺ، فإنهم كانوا يتبركون بدخوله منازلهم، ويدعونه إليها وإلى الصلاة فى بيوتهم، ولذلك امتنع مالك من ركوب دابة فى المدينة وقال: لا أطأ بحافر دابة فى عراص كان- ﷺ يمشى فيها بقدميه- ﷺ. وينبغى أن يأتى قباء للصلاة فيه والزيارة، فقد كان- ﷺ يزوره راكبا وماشيا، رواه مسلم وفى رواية له: «يأتى» بدل «يزور» فيصلى فيه ركعتين. وعنده أيضا: إن ابن عمر كان يأتيه كل سبت ويقول: رأيت النبى- ﷺ يأتيه كل سبت. وعند الترمذى وابن ماجه والبيهقى من حديث أسيد بن ظهير الأنصارى، يرفعه: «صلاة فى مسجد قباء كعمرة» «٣» ، قال الترمذى: حسن غريب. وقال المنذرى: لا نعرف لأسيد حديثا صحيحا غير هذا. ورواه أحمد وابن ماجه من حديث سهل بن حنيف بلفظ: «من تطهر
جد قباء كعمرة» «٣» ، قال الترمذى: حسن غريب. وقال المنذرى: لا نعرف لأسيد حديثا صحيحا غير هذا. ورواه أحمد وابن ماجه من حديث سهل بن حنيف بلفظ: «من تطهر
فى بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة» «١» ، وصححه الحاكم. وينبغى أيضا بعد زيارته- ﷺ أن يقصد المزارات التى بالمدينة الشريفة، والآثار المباركة، والمساجد التى صلى فيها- ﷺ التماسا لبركته، ويخرج إلى البقيع لزيارة من فيه، فإن أكثر الصحابة ممن توفى فى المدينة فى حياته- ﷺ وبعد وفاته مدفون فى البقيع، وكذلك سادات أهل البيت والتابعين. وروى عن مالك أنه قال: من مات بالمدينة من الصحابة عشرة آلاف، وكذلك أمهات المؤمنين سوى خديجة فإنها بمكة، وميمونة فإنها بسرف. وقد كان- ﷺ يخرج آخر الليل إلى البقيع فيقول: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين» «٢» رواه مسلم. قال ابن الحاج فى «المدخل» وقد فرق علماؤنا بين الآفاقى والمقيم فى التنفل بالطواف والصلاة، فقالوا: الطواف فى حق الآفاقى أفضل له، والتنفل فى حق المقيم أفضل، قال: وما نحن بسبيله من باب أولى، فمن كان مقيما خرج إلى زيارة أهل البقيع ومن كان مسافرا فليغتنم مشاهدته- ﷺ. وحكى عن العارف ابن أبى جمرة، أنه لما دخل المسجد النبوى لم يجلس إلا الجلوس فى الصلاة، وأنه لم يزل واقفا بين يديه- صلوات الله وسلامه عليه-، وكان قد خطر له أن يذهب إلى البقيع فقال: إلى أين أذهب، هذا باب الله المفتوح للسائلين والطالبين والمنكسرين. انتهى.
وروى ابن النجار مرفوعا: «مقبرتان مضيئتان لأهل السماء كما تضئ الشمس والقمر لأهل الدنيا: بقيع الغرقد ومقبرة بعسقلان» ، وعن كعب الأحبار قال: نجدها فى التوراة- يعنى مقبرة المدينة- كقبة محفوفة بالنخيل موكل بها ملائكة كلما امتلأت أخذوها مكفؤوها فى الجنة. وأخرج أبو حاتم من حديث ابن عمر: أن رسول الله- ﷺ قال: «أنا أول من تنشق عنه الأرض، ثم أبو بكر ثم عمر، ثم آتى البقيع فيحشرون معى، ثم أنتظر أهل مكة حتى يحشروا بين الحرمين» «١» .
ن عمر: أن رسول الله- ﷺ قال: «أنا أول من تنشق عنه الأرض، ثم أبو بكر ثم عمر، ثم آتى البقيع فيحشرون معى، ثم أنتظر أهل مكة حتى يحشروا بين الحرمين» «١» .
الفصل الثالث فى تفضيله- ﷺ فى الآخرة بفضائل الأوليات الجامعة لمزايا التكريم وعلى الدرجات العاليات وتحميده بالشفاعة والمقام المحمود، المغبوط عليه من الأولين والآخرين، وانفراده بالسؤدد فى مجمع جامع الأنبياء والمرسلين، وترقيه فى جنات عدن أرقى مدارج السعادة، وتعاليه يوم المزيد فى أعلى معالى الحسنى وزيادة. اعلم أن الله تعالى كما فضل نبينا- ﷺ فى البدء بأن جعله أول الأنبياء فى الخلق، وأولهم فى الإجابة فى عالم الذر، يوم ألست بربكم، فضل له ختم كمال الفضائل فى العود، فجعله أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع وأول مشفع، وأول من يؤذن له بالسجود، وأول من ينظر إلى رب العالمين، والخلق محجوبون عن رؤيته إذ ذاك، وأول الأنبياء يقضى بين أمته، وأولهم إجازة على الصراط بأمته، وأول داخل الجنة، وأمته أول الأمم دخولا إليها. وزاده لطائف التحف ونفائس الطرف ما لا يحد ولا يعد: فمن ذلك أنه يبعث راكبا، وتخصيصه بالمقام المحمود، ولواء الحمد تحته آدم فمن دونه من الأنبياء، واختصاصه أيضا بالسجود لله تعالى أمام العرش،
يحد ولا يعد: فمن ذلك أنه يبعث راكبا، وتخصيصه بالمقام المحمود، ولواء الحمد تحته آدم فمن دونه من الأنبياء، واختصاصه أيضا بالسجود لله تعالى أمام العرش،
وما يفتحه الله عليه فى سجوده من التحميد والثناء عليه ما لم يفتحه على أحد قبله ولا يفتحه على أحد بعده زيادة فى كرامته وقربه، وكلام الله له: يا محمد، ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، ولا كرامة فوق هذا إلا النظر إليه تعالى. ومن ذلك: تكراره فى الشفاعة، وسجوده ثانية وثالثة، وتجديد الثناء عليه بما يفتح الله عليه. ومن ذلك: كلام الله تعالى له فى كل سجدة: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع، فعل المدل على ربه الكريم عليه الرفيع عنده، المحب ذلك منه تشريفا له وتكريما وتبجيلا وتعظيما. ومن ذلك: قيامه عن يمين العرش، ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيره، يغبطه فيه الأولون والآخرون، وشهادته بين الأنبياء وأممهم، وإتيانهم إليه يسألونه الشفاعة ليريحهم من غمهم وعرقهم وطول وقوفهم، وشفاعته فى أقوام قد أمر بهم إلى النار. ومنها: الحوض، الذى ليس فى الموقف أكثر أوان منه، وأن المؤمنين كلهم لا يدخلون الجنة إلا بشفاعته. ومنها: أنه يشفع فى رفع درجات أقوام لا تبلغها أعمالهم. وهو صاحب الوسيلة التى هى أعلى منزلة فى الجنة، إلى غير ذلك مما يزيده تعالى به جلالة وتعظيما وتبجيلا وتكريما على رؤس الأشهاد من الأولين والآخرين والملائكة أجمعين. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. فأما تفضيله- ﷺ بأولية انشقاق القبر المقدس عنه، فروى مسلم من حديث أبى هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأنا أول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع» «١» .
وفى حديث أبى سعيد- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله- ﷺ: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدى لواء الحمد ولا فخر، وما من نبى- آدم فمن سواه- إلا تحت لوائى، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر..» «١» رواه الترمذى. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله- ﷺ: «أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر، ثم آتى أهل البقيع فيحشرون معى، ثم أنتظر أهل مكة حتى أحشر بين الحرمين» «٢» قال الترمذى: حسن صحيح. ورواه أبو حاتم وقال: حتى نحشر. وتقدم. وعن أبى هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ: «يصعق الناس حين يصعقون، فأكون أول من قام، فإذا موسى آخذ بالعرش: فما أدرى أكان فيمن صعق» «٣» . وفى رواية: «فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدرى أكان فيمن صعق فأفاق قبلى أو كان ممن استثنى الله» «٤» . رواه البخارى. والمراد بالصعق: غشى يلحق من سمع صوتا أو رأى شيئا ففزع منه. ولم يبين فى هذه الرواية- من الطريقين- محل الإفاقة، من أى الصعقتين. ووقع فى رواية الشعبى عن أبى هريرة فى تفسير سورة الزمر «إنى أول من يرفع رأسه بعد النفخة الأخيرة» . والمراد بقوله: «ممن استثنى الله» قوله تعالى: فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ
أبى هريرة فى تفسير سورة الزمر «إنى أول من يرفع رأسه بعد النفخة الأخيرة» . والمراد بقوله: «ممن استثنى الله» قوله تعالى: فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ
وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ «١» . وقد استشكل كون جميع الخلق يصعقون، مع أن الموتى لا إحساس لهم؟ فقيل المراد: الذين يصعقون هم الأحياء، وأما الموتى فهم فى الاستثناء فى قوله: إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ «٢» أى إلا من سبق له الموت قبل ذلك فإنه لا يصعق، وإلى هذا جنح القرطبى. ولا يعارضه ما ورد فى الحديث: إن موسى ممن استثنى الله، لأن الأنبياء أحياء عند الله. وقال القاضى عياض: يحتمل أن يكون المراد صعقة فزع بعد البعث حين تنشق السماء والأرض. وتعقبه القرطبى: بأنه صرح- ﷺ بأنه يخرج من قبره فيلقى موسى وهو متعلق بالعرش وهذا إنما هو عند نفخة البعث. انتهى. ووقع فى رواية أبى سلمة عند ابن مردويه: «أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة فأقوم فأنفض التراب عن رأسى، فاتى قائمة العرش فأجد موسى قائما عندها، فلا أدرى أنفض التراب عن رأسه قبلى، أو كان ممن استثنى الله» «٣» . واختلف فى المستثنى من هو على عشرة أقوال: فقيل الملائكة، وقيل الأنبياء، وبه قال البيهقى فى تأويل الحديث فى تجويزه: أن يكون موسى ممن استثنى الله، قال: ووجهه عندى أنهم أحياء كالشهداء، فإذا نفخ فى الصور النفخة الأولى صعقوا، ثم لا يكون ذلك موتا فى جميع معانيه إلا فى ذهاب الاستشعار. وقيل الشهداء: واختاره الحليمى قال: وهو مروى عن ابن عباس، فإن الله تعالى يقول: أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ «٤» ، وضعف غيره من الأقوال.
عار. وقيل الشهداء: واختاره الحليمى قال: وهو مروى عن ابن عباس، فإن الله تعالى يقول: أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ «٤» ، وضعف غيره من الأقوال.
وقال أبو العباس القرطبى صاحب «المفهم» : الصحيح أنه لم يأت فى تعيينهم خبر صحيح، والكل محتمل. وتعقبه تلميذه فى «التذكرة» فقال: قد ورد فى حديث أبى هريرة بأنهم الشهداء وهو صحيح. وعن أبى هريرة أن رسول الله- ﷺ سأل جبريل عن هذه الآية: «من الذين لم يشأ الله أن يصعقوا؟» قال: هم شهداء الله «١» . وصححه الحاكم. وقيل: هم حملة العرش وجبريل وميكائيل وملك الموت، ثم يموتون، وآخرهم ملك الموت، وقيل هم الحور العين والولدان فى الجنة. وتعقب: بأن حملة العرش ليسوا من سكان السماوات والأرض، لأن العرش فوق السماوات كلها، وبأن جبريل وميكائيل وملك الموت من الصافين المسبحين، ولأن الحور العين والولدان فى الجنة، وهى فوق السماوات ودون العرش، وهى بانفرادها عالم مخلوق للبقاء فلا شك أنها بمعزل عما خلقه الله للفناء. ثم إنه وردت الأخبار بأن الله تعالى يميت حملة العرش وملك الموت وميكائيل ثم يحييهم. وأما أهل الجنة فلم يأت عنهم خبر، والأظهر أنها دار خلود، فالذى يدخلها لا يموت فيها أبدا، مع كونه قابلا للموت، فالذى خلق فيها أولى أن لا يموت فيها أبدا. فإن قلت: قوله: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ «٢» يدل على أن الجنة نفسها تفنى ثم تعاد ليوم الجزاء، ويموت الحور العين ثم يحيون. أجيب: بأنه يحتمل أن يكون معنى قوله: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ «٣» أى أنه قابل للهلاك، فيهلك إن أراد الله به ذلك، إلا هو سبحانه فإنه قديم، والقديم لا يمكن أن يفنى، انتهى ملخصا من تذكرة القرطبى. ويؤيد القول بعدم موت الحور قولهن: نحن الخالدات فلا نموت، كما فى الحديث. ولا يقال: المراد من قولهن الخلود الكائن بعد القيامة، لأنه لا خصوصية فيه، والأوصاف المشتركة لا يتباهى بها، والله أعلم.
وفى كتاب العظمة لأبى الشيخ ابن حبان من طريق وهب بن منبه من قوله: قال: خلق الله الصور من لؤلؤة بيضاء فى صفاء الزجاجة، ثم قال للعرش: خذ الصور فتعلق به، ثم قال: كن فكان إسرافيل، فأمره أن يأخذ الصور وبه ثقب بعدد كل روح مخلوقة ونفس منفوسة، فذكر الحديث وفيه: ثم تجتمع الأرواح كلها فى الصور، ثم يأمر الله إسرافيل فينفخ فيه فتدخل كل روح فى جسدها. فعلى هذا فالنفخ يقع فى الصور أولا ليصل النفخ بالروح إلى الصّور وهى الأجساد، فإضافة النفخ إلى الصور الذى هو القرن حقيقة، وإلى الصور التى هى الأجساد مجاز. وفى صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر، رفعه: «ثم ينفخ فى الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا، ثم يرسل الله مطرا كأنه الطل فينبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون» «١» . و «الليت» بكسر اللام وبالمثناة التحتية ثم الفوقية: صفحة العنق، وهما ليتان و «أصغى» : أمال. وأخرج البيهقى بسند قوى، عن ابن مسعود موقوفا: ثم يقوم ملك الصور بين السماء والأرض فينفخ فيه- والصور قرن- فلا يبقى لله خلق فى السماوات والأرض إلا مات، إلا من شاء ربك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون. وأخرج ابن المبارك فى الرقاق من مرسل الحسن: بين النفختين أربعون سنة، الأولى يميت الله بها كل حى، والآخرى يحيى الله بها كل ميت، ونحوه عند ابن مردويه من حديث ابن عباس، وهو ضعيف. وعن أنس قال: قال رسول الله- ﷺ: «أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وأنا مستشفعهم إذا حبسوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا، الكرامة والمفاتيح يومئذ بيدى، ولواء الحمد
إذا بعثوا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وأنا مستشفعهم إذا حبسوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا، الكرامة والمفاتيح يومئذ بيدى، ولواء الحمد
يومئذ بيدى، وأنا أكرم ولد آدم على ربى، يطوف علىّ ألف خادم كأنهم بيض مكنون أو لؤلؤ منثور» «١» . رواه الدارمى، وقال الترمذى: حديث غريب. ولم يقل: وأنا إمامهم، لأن دار الآخرة ليست دار تكليف. وفى حديث رواه صاحب كتاب «حادى الأرواح» : أن رسول الله- ﷺ يبعث يوم القيامة وبلال بين يديه ينادى بالأذان. وفى كتاب «ذخائر العقبى» للطبرى، مما عزاه لتخريج الحافظ السلفى من حديث أبى هريرة، أن رسول الله- ﷺ قال: «تبعث الأنبياء على الدواب، ويحشر صالح على ناقته، ويحشر ابنا فاطمة على ناقتىّ العضباء والقصواء، وأحشر أنا على البراق، خطوها عند أقصى طرفها، ويحشر بلال على ناقة من نوق الجنة» «٢» . وأخرجه الطبرانى والحاكم بلفظ: «يحشر الأنبياء على الدواب، وأبعث على البراق، ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة فينادى بالأذان محضّا وبالشهادة حقّا، حتى إذا قال أشهد أن محمدا رسول الله، شهد له المؤمنون من الأولين والآخرين» «٣» . وعند ابن زنجويه فى «فضائل الأعمال» عن كثير بن مرة الحضرمى، قال: قال رسول الله- ﷺ: «تبعث ناقة ثمود لصالح فيركبها من عند قبره حتى توافى به المحشر، وأنا على البراق اختصصت به من دون الأنبياء يومئذ، ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة ينادى على ظهرها بالأذان حقّا، فإذا سمعت الأنبياء وأممها: أشهد أن محمدا رسول الله قالوا: ونحن نشهد على ذلك» «٤» .
ذ، ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة ينادى على ظهرها بالأذان حقّا، فإذا سمعت الأنبياء وأممها: أشهد أن محمدا رسول الله قالوا: ونحن نشهد على ذلك» «٤» .
وذكر الشيخ زين الدين المراغى، مما عزاه لابن النجار فى تاريخ المدينة عن كعب الأحبار، والقرطبى فى «التذكرة» وابن أبى الدنيا عن كعب: أنه دخل على عائشة- رضى الله عنها-، فذكروا رسول الله- ﷺ فقال كعب: ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفا من الملائكة حتى يحفون بالقبر، ويضربون بأجنحتهم ويصلون على النبى- ﷺ حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط سبعون ألف ملك يحفون بالقبر يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبى- ﷺ، سبعون ألفا بالليل وسبعون ألفا بالنهار، حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج فى سبعين ألفا من الملائكة يوقرونه- ﷺ. وفى «نوادر الأصول» للحكيم الترمذى من حديث ابن عمر قال: خرج رسول الله- ﷺ ويمينه على أبى بكر وشماله على عمر، فقال: «هكذا نبعث يوم القيامة» «١» . وعن أبى هريرة عن النبى- ﷺ قال: «فأكسى حلة من حلل الجنة، ثم أقوم عن يمين العرش، ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيرى» «٢» . رواه الترمذى. وفى رواية جامع الأصول عنه: «أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى» «٣» ، وفى رواية كعب: حلة خضراء. وفى البخارى، من حديث ابن عباس، عنه- ﷺ: «تحشرون حفاة
ذى. وفى رواية جامع الأصول عنه: «أنا أول من تنشق عنه الأرض فأكسى» «٣» ، وفى رواية كعب: حلة خضراء. وفى البخارى، من حديث ابن عباس، عنه- ﷺ: «تحشرون حفاة
عراة غرلا، كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم» «١» . وأخرجه البيهقى، وزاد: وأول من يكسى من الجنة إبراهيم، يكسى حلة من الجنة ويؤتى بكرسى فيطرح عن يمين العرش، ثم يؤتى بى فأكسى حلة من الجنة لا يقوم لها البشر. وفيه: أنه يجلس على الكرسى عن يمين العرش. ولا يلزم من تخصيص إبراهيم- ﵇ بأنه أول من يكسى أن يكون أفضل من نبينا- ﷺ، على أنه يحتمل أن يكون نبينا- ﷺ خرج من قبره فى ثيابه التى مات فيها، والحلة التى يكساها يومئذ حلة الكرامة، بقرينة إجلاسه عند ساق العرش، فتكون أولية إبراهيم فى الكسوة بالنسبة لبقية الخلق. وأجاب الحليمى: بأنه يكسى إبراهيم أولا، ثم يكسى نبينا، - عليهما الصلاة والسلام-، على ظاهر الخبر، لكن حلة نبينا أعلى وأكمل، فتجبر بنفاستها ما فات من الأولية. وفى حديث أبى سعيد عند أبى داود وصححه ابن حبان، أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها وقال: سمعت رسول الله- ﷺ يقول: «إن الميت يبعث فى ثيابه التى يموت فيها» «٢» . وعند الحارث بن أبى أسامة وأحمد بن منيع: «فإنهم يبعثون فى أكفانهم ويتزاورون فى أكفانهم» «٣» .
ويجمع بينه وبين ما فى البخارى بأن بعضهم يحشر عاريا وبعضهم كاسيا، أو يحشرون كلهم عراة ثم يكسى الأنبياء، وأول من يكسى إبراهيم- ﵇، أو يخرجون من القبور بالثياب التى ماتوا فيها ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر، فيحشرون عراة ثم يكون أول من يكسى إبراهيم. وحمل بعضهم حديث أبى سعيد على الشهداء، فيكون أبو سعيد سمعه فى الشهداء فحمله على العموم. وأما ما رواه الطبرى فى «الرياض النضرة» وعزاه للإمام أحمد فى المناقب عن محدوج بن زيد الهذلى أن النبى- ﷺ قال لعلى: «أما علمت يا على أنه أول من يدعى به يوم القيامة بى، فأقوم عن يمين العرش فى ظله، فأكسى حلة خضراء من حلل الجنة، ثم يدعى بالنبيين بعضهم على أثر بعض، فيقومون سماطين عن يمين العرش ويكسون حللا خضرا من حلل الجنة، ألا وإن أمتى أول الأمم يحاسبون يوم القيامة، ثم أبشر، فأول من يدعى بك، فيدفع لك لوائى وهو لواء الحمد، فتسير به بين السماطين، آدم وجميع خلق الله تعالى يستظلون بظل لوائى يوم القيامة، وطوله مسيرة ألف سنة وستمائة سنة، وسنانه ياقوتة حمراء، قبضته فضة بيضاء، زجه درة خضراء، له ثلاث ذوائب من نور، ذؤابة فى المشرق، وذؤابة فى المغرب، والثالثة فى وسط الدنيا، مكتوب عليه ثلاثة أسطر، الأول: بسم الله الرحمن الرحيم، الثانى: الحمد لله رب العالمين، الثالث: لا إله إلا الله محمد رسول الله، طول كل سطر ألف سنة، وعرضه مسيرة ألف سنة، فتسير باللواء والحسن عن يمينك، والحسين عن يسارك، حتى تقف بينى وبين إبراهيم- ﵇ فى ظل العرش، ثم تكسى حلة من الجنة، والسماطان من الناس والنخل: الجانبان» «١» . ورواه ابن سبع فى الخصائص بلفظ: قال سأل عبد الله بن سلام رسول الله- ﷺ عن لواء الحمد ما صفته؟ قال: «طوله مسيرة» الحديث. فقال
س والنخل: الجانبان» «١» . ورواه ابن سبع فى الخصائص بلفظ: قال سأل عبد الله بن سلام رسول الله- ﷺ عن لواء الحمد ما صفته؟ قال: «طوله مسيرة» الحديث. فقال
الحافظ قطب الدين الحليمى: كما نقله عنه المحب بن الهمام: إنه موضوع بين الوضع. قال: والله أعلم بحقيقة لواء الحمد. وفى حديث أبى سعيد- عند الترمذى بسند حسن- قال: قال رسول الله- ﷺ: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدى لواء الحمد ولا فخر، وما من نبى آدم فمن سواه إلا تحت لوائى» «١» الحديث. واللواء: الراية، وفى عرفهم لا يمسكها إلا صاحب الجيش ورئيسه، ويحتمل أن تكون بيد غيره بإذنه وتكون تابعة له ومتحركة بحركته، تميل معه حيث مال، لا أنه يمسكها بيده، إذ هذه الحالة أشرف. وفى استعمال العرب عند الحروب، إنما يمسكها صاحبها، ولا يمنعه ذلك من القتال بها، بل يقاتل بها ممسكا لها أشد القتال، ولذا لا يليق بإمساكها كل أحد، بل مثل على- رضى الله عنه-، كما قال «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله وسوله، ويحبه الله ورسوله» «٢» . وإنما أضاف «اللواء» إلى «الحمد» الذى هو الثناء على الله بما هو أهله، لأن ذلك هو منصبه فى ذلك الموقف دون غيره من الأنبياء. وقد اختلف فى هيئة حشر الناس. ففى البخارى من حديث أبى هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ: «يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير وأربعة على بعير. وعشرة على بعير، ويحشر بقيتهم النار، تقبل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسى معهم حيث أمسوا» «٣» رواه الشيخان. وقد مال الحليمى إلى أن هذا الحشر يكون عند الخروج من القبور، وجزم به الغزالى، وقيل: إنهم يخرجون من القبور بالوصف المذكور فى
أمسوا» «٣» رواه الشيخان. وقد مال الحليمى إلى أن هذا الحشر يكون عند الخروج من القبور، وجزم به الغزالى، وقيل: إنهم يخرجون من القبور بالوصف المذكور فى
حديث ابن عباس عند الشيخين: أن رسول الله- ﷺ قال: «إنكم محشورون حفاة عراة غرلا، ثم قرأ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ» ثم يفترق حالهم من ثم إلى الموقف، كما فى حديث أبى هريرة: «ويحشر الكافر على وجهه» ، قال رجل: يا رسول الله، كيف يحشر على وجهه؟ قال: «أليس الذى أمشاه على الرجلين فى الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة» «١» أخرجه الشيخان. وفى حديث أبى ذر عند النسائى مرفوعا: «إن الناس يحشرون على ثلاثة أفواج: فوجا راكبين طاعمين كاسين، وفوجا تسحبهم الملائكة على وجوههم، وفوجا يمشون ويسعون» «٢» . وفى حديث سهل بن سعد مرفوعا: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء، كقرصة النقى ليس فيها علم لأحد» «٣» رواه الشيخان. وفى حديث عقبة بن عامر- عند الحاكم- رفعه: «تدنو الشمس من الأرض يوم القيامة فيعرق الناس، فمنهم من يبلغ نصف ساقه، ومنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ فخذه، ومنهم من يبلغ خاصرته، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ فاه وأشار بيده ألجمها فاه، ومنهم من يغطيه عرقه، وضرب بيده على رأسه» «٤» . وله شاهد عند مسلم، من حديث المقداد بن الأسود، وليس بتمامه، وفيه: «تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل،
فيكون الناس على قدر أعمالهم فى العرق» «١» . وهذا ظاهر فى أنهم يستوون فى وصول العرق إليهم ويتفاوتون فى حصوله فيهم. فإن قلت: الشمس محلها السماء، وقد قال الله تعالى: يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ «٢» والألف واللام فى «السماء» للجنس، بدليل وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ «٣» فما طريق الجمع؟ فالجواب: يجوز أن تقام بنفسها دانية من الناس فى المحشر ليقوى هوله وكربه، عافانا الله من كل مكروه. وقال ابن أبى جمرة: ظاهر الحديث يقتضى تعميم الناس بذلك، ولكن دلت الأحاديث الآخرى على أنه مخصوص بالبعض وهم الأكثر، ويستثنى الأنبياء والشهداء ومن شاء الله، فأشدهم الكفار، ثم أصحاب الكبائر، ثم من بعدهم. وأخرج أبو يعلى، وصححه ابن حبان عن أبى هريرة عن النبى- ﷺ قال: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ «٤» قال: مقداره نصف يوم من خمسين ألف سنة، فيهون على المؤمنين كتدلى الشمس إلى أن تغرب «٥» . وأخرج أحمد وابن حبان نحوه من حديث أبى سعيد. وللبيهقى فى البعث عن أبى هريرة: «يحشر الناس قياما أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء، فليجمهم العرق من شدة الكرب» «٦» .
حبان نحوه من حديث أبى سعيد. وللبيهقى فى البعث عن أبى هريرة: «يحشر الناس قياما أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء، فليجمهم العرق من شدة الكرب» «٦» .
وفى البخارى من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه-، ﷺ: «يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم فى الأرض سبعين ذراعا، ويلجمهم العرق حتى يبلغ آذانهم» » . وعند البيهقى من حديث ابن مسعود: «إذا حشر الناس قاموا أربعين عاما شاخصة أبصارهم إلى السماء لا يكلمهم، والشمس على رؤسهم حتى يلجم العرق كل بر منهم وفاجر» . وفى حديث أبى سعيد، عند أحمد، أنه يخفف الوقوف عن المؤمن حتى يكون كصلاة فريضة مكتوبة «٢» ، وسنده حسن. وللطبرانى من حديث ابن عمر: ويكون ذلك اليوم أقصر على المؤمن من ساعة من نهار. وجاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن الذى يلجمه العرق الكافر، أخرجه البيهقى فى البعث بسند حسن عنه قال: يشتد كرب الناس ذلك اليوم حتى يلجم الكافر العرق، قيل له: فأين المؤمنون؟ قال: على كراسى من ذهب ويظلل عليهم الغمام. وبسند قوى عن أبى موسى قال: الشمس فوق رؤس الناس يوم القيامة، وأعمالهم تظلهم. وأخرج ابن المبارك فى «الزهد» وابن أبى شيبة فى «المصنف» واللفظ له، بسند جيد عن سلمان قال: تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين، ثم تدنو من جماجم الرأس حتى تكون قاب قوسين، فيعرقون حتى يرشح العرق فى الأرض قامة، ثم يرتفع حتى يغرغر الرجل. زاد ابن المبارك فى روايته: ولا يضر حرها يومئذ مؤمنا ولا مؤمنة. قال القرطبى: المراد من يكون كامل
يرشح العرق فى الأرض قامة، ثم يرتفع حتى يغرغر الرجل. زاد ابن المبارك فى روايته: ولا يضر حرها يومئذ مؤمنا ولا مؤمنة. قال القرطبى: المراد من يكون كامل
الإيمان لما يدل عليه حديث المقداد وغيره: أنهم يتفاوتون فى ذلك بحسب أعمالهم. وفى رواية عند أبى يعلى، وصححها ابن حبان: إن الرجل ليلجمه العرق يوم القيامة حتى يقول: يا رب، أرحنى ولو إلى النار «١» . وهو كالصريح فى أن ذلك كله فى الموقف. ومن تأمل الحالة المذكورة، عرف عظيم الهول فيها، وذلك أن النار تحف بأرض الموقف، وتدنو الشمس من الرؤس قدر ميل، فكيف تكون حرارة تلك الأرض، وماذا يرونه من العرق مع أن كل أحد لا يجد إلا قدر موضع قدميه، فكيف يكون حال هؤلاء فى عرقهم مع تنوعهم فيه. إن هذا لما يبهر العقول، ويدل على عظيم القدرة، ويقتضى الإيمان بأمور الآخرة، وأن ليس للعقل فيه مجال، ولا يعترض على ذلك بعقل ولا قياس ولا عادة، وإنما يؤخذ بالقبول. فتأمل- رحمك الله- شدة هذا الازدحام والانضمام والاتساق والالتصاق، واجتماع الإنس والجان، ومن يجمع معهم من سائر أصناف الحيوان، وانضغاطهم وتدافعهم واختلاطهم، وقرب الشمس منهم، وما يزاد فى حرها، ويضاعف فى وهجها، ولا ظل إلا ظل عرش ربك بما قدمته، مع ما انضاف إلى ذلك من حر البأس، لتزاحم الناس واحتراق القلوب، لما غشيها من الكروب. ولا ريب أن هذا موجب لحصول العطش فى ذلك اليوم، وكثرة الالتهاب، والماء ثم أعز موجود، وأعظم مفقود، فلا منهل مورود إلا حوض صاحب المقام المحمود- ﷺ وزاده فضلا وشرفا لديه، ولا مشرب لأمته سواه، ولا تبرد أكبادهم إلا به، فالشربة منه كما ورد تروى الظمأ، وتشفى من الصدى. وتذهب بكل داء فلا يظمأ شاربها ولا يسقم بعدها أبدا.
يه، ولا مشرب لأمته سواه، ولا تبرد أكبادهم إلا به، فالشربة منه كما ورد تروى الظمأ، وتشفى من الصدى. وتذهب بكل داء فلا يظمأ شاربها ولا يسقم بعدها أبدا.
وفى حديث أنس عند البزار: من شرب منه- أى من الحوض- شربة لم يظمأ أبدا، ومن لم يشرب منه لم يرو أبدا، وزاد فى حديث أبى أمامة عند أحمد وابن حبان: ولم يسود وجهه أبدا. وفى حديث ثوبان عند الترمذى وصححه الحاكم: «أكثر الناس عليه ورودا فقراء المهاجرين» «١» . وفى حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عند الشيخين: «حوضى مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، ورائحته أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه شربة لا يظمأ أبدا» «٢» . قال القرطبى فى «التذكرة» : ذهب صاحب «القوت» وغيره إلى أن الحوض يكون بعد الصراط، وذهب آخرون إلى العكس، والصحيح أن للنبى- ﷺ حوضين، أحدهما فى الموقف قبل الصراط، والآخر داخل الجنة، وكل منهما يسمى كوثرا. وتعقبه شيخ الحفاظ ابن حجر: بأن الكوثر نهر داخل الجنة، وماؤه يصب فى الحوض، ويطلق على الحوض كوثر لكونه يمد منه. فغاية ما يؤخذ من كلام القرطبى أن الحوض يكون قبل الصراط لأن الناس يردون الموقف عطاشا، فيرد المؤمنون الحوض، وتتساقط الكفار فى النار بعد أن يقولوا ربنا عطشنا، فترفع لهم جهنم كأنها سراب فيقال ألا تردون، فيظنونها ماء فيتساقطون فيها. وفى حديث أبى ذر مما رواه مسلم: «أن الحوض يشخب فيه ميزابان من الجنة» «٣» وهو حجة على القرطبى لا له، لأن الصراط جسر جهنم، وهو بين
الموقف والجنة، والمؤمنون يمرون عليه لدخول الجنة، فلو كان الحوض دونه لحالت النار بينه وبين الماء الذى يصب من الكوثر فى الحوض، وظاهر الحديث أن الحوض، بجانب الجنة ليصب فيه الماء من النهر الذى داخلها. وقال القاضى عياض: ظاهر قوله- ﷺ: «من شرب منه لم يظمأ بعدها أبدا» يدل على أن الشرب منه يقع بعد الحساب والنجاة من النار، لأن ظاهر حال من لا يظمأ أن لا يعذب بالنار، ولكن يحتمل أن من قدر عليه التعذيب منهم أن لا يعذب فيها بالظمأ بل بغيره. وعن أنس قال: سألت رسول الله- ﷺ أن يشفع لى يوم القيامة، فقال: «أنا فاعل إن شاء الله» قلت: فأين أطلبك؟ قال: «أول ما تطلبنى على الصراط» ، قلت: فإن لم ألقك على الصراط؟ قال: «فاطلبنى عند الميزان» ، قلت: فإن لم ألقك عند الميزان؟ قال: «فاطلبنى عند الحوض، فإنى لا أخطئ هذه الثلاثة مواطن» «١» . رواه الترمذى وقال: حسن غريب. وفى حديث ابن مسعود عند أحمد: «ثم أوتى بكسوتى فألبسها فأقوم عن يمين العرش مقاما لا يقومه أحد، فيغبطنى به الأولون والآخرون» . قال: «ويفتح لهم من الكوثر إلى الحوض» «٢» . الحديث. وقد بين فى حديث ابن عمرو بن العاص، عند البخارى، أن الحوض مسيرة شهر، وزاد فى رواية مسلم من هذا الوجه: وزواياه سواء طوله كعرضه. وهذه الزيادة- كما قاله فى فتح البارى- تدفع تأويل من جمع بين مختلف الأحاديث فى تقدير مسافة الحوض على اختلاف العرض والطول.
ه: وزواياه سواء طوله كعرضه. وهذه الزيادة- كما قاله فى فتح البارى- تدفع تأويل من جمع بين مختلف الأحاديث فى تقدير مسافة الحوض على اختلاف العرض والطول.
وفى حديث أبى سعيد عند ابن ماجه رفعه: «إن لى حوضا ما بين الكعبة وبيت المقدس» «١» . وفى حديث أبى برزة عند الطبرانى وابن حبان فى صحيحه: «ما بين ناحيتى حوضى كما بين أيلة وصنعاء، مسيرة شهر عرضه كطوله» «٢» . وفى حديث أنس- عند الشيخين- كما بين صنعاء والمدينة. وفى حديث عتبة بن عبد السلمى عند ابن حبان فى صحيحه كما بين صنعاء إلى بصرى. وفى حديث أبى أمامة عند الطبرانى: ما بين عدن وعمان- بضم المهملة وتخفيف الميم- وقال ابن الأثير فى النهاية فى حديث الحوض: عرضه من مقامى إلى عمّان- هى بفتح العين وتشديد الميم- مدينة قديمة بالشام من أرض البلقاء، فأما بالضم والتخفيف فهو صقع عند البحرين. انتهى. وهذه المسافات كلها متقاربة، وظن بعضهم أنه وقع اضطراب فى ذلك، وليس كذلك. وأجاب النووى عن ذلك: بأنه ليس فى ذكر المسافة القليلة ما يدفع المسافة الكثيرة، فالأكثر ثابت بالحديث الصحيح فلا معارضة. وحاصله يشير إلى أنه أخبر أولا بالمسافة اليسيرة ثم أعلم بالمسافة الطويلة فأخبر بما كان الله تفضل عليه باتساعه شيئا بعد شئ، فيكون الاعتماد على أطولها مسافة. فإن قلت: هل لكل نبى من الأنبياء غير نبينا- ﷺ حوض هناك يقوم عليه كنبينا؟ فالجواب: أنه اشتهر اختصاص نبينا- ﷺ بالحوض. قال القرطبى فى «المفهم» مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به، أنه تعالى قد خص نبيه محمدا- ﷺ بالحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه فى الأحاديث الصحيحة الشهيرة التى يحصل بمجموعها العلم القطعى، إذ روى ذلك عنه- ﷺ من الصحابة نيف على الثلاثين، منهم فى الصحيحين
مصرح باسمه وصفته وشرابه فى الأحاديث الصحيحة الشهيرة التى يحصل بمجموعها العلم القطعى، إذ روى ذلك عنه- ﷺ من الصحابة نيف على الثلاثين، منهم فى الصحيحين
ما ينيف على العشرين، وفى غيرهما بقية ذلك، كما صح نقله واشتهرت رواته، ثم رواه عن الصحابة المذكورين من التابعين أمثالهم، ومن بعدهم أضعاف أضعافهم وهلم جرّا، واجتمع على إثباته السلف وأهل السنة من الخلف. انتهى. لكن أخرج الترمذى من حديث سمرة رفعه: «إن لكل نبى حوضا» «١» وأشار إلى أنه اختلف فى وصله وإرساله، وأن المرسل أصح، والمرسل أخرجه ابن أبى الدنيا بسند صحيح عن الحسن قال: قال رسول الله- ﷺ: «إن لكل نبى حوضا» ، وهو قائم على حوضه بيده عصا يدعو من عرف من أمته، ألا وإنهم يتباهون أيهم أكثر تبعا، وإنى لأرجو أن أكون أكثرهم تبعا. وأخرجه الطبرانى من وجه آخر عن سمرة موصولا مرفوعا مثله، وفى سنده لين. وأخرج ابن أبى الدنيا أيضا من حديث أبى سعيد رفعه: «وكل نبى يدعو أمته، ولكل نبى حوض، فمنهم من يأتيه الفئام، ومنهم من يأتيه العصبة، ومنهم من يأتيه الواحد، ومنهم من يأتيه الاثنان، ومنهم من لا يأتيه أحد، وإنى لأكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة» ، وفى إسناده لين. فإن ثبت، فالمختص نبينا- ﷺ الكوثر الذى يصب من مائه فى حوضه، فإنه لم ينقل نظيره لغيره، ووقع الامتنان عليه به فى سورة إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ «٢» انتهى ملخصا من فتح البارى. و «الفئام» كما فى الصحاح، الجماعة من الناس، لا واحد له من لفظه، والعامة تقول «فيام» بلا همز. وفى رواية مسلم من حديث أبى هريرة رفعه، قال: «ترد علىّ أمتى الحوض، وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل عن إبله» قالوا: يا رسول الله،
تعرفنا؟ قال: «نعم، لكم سيما ليست لأحد غيركم، تردون علىّ غرّا محجلين من آثار الوضوء» «١» . قالوا: والحكمة فى الذود المذكور، أنه- ﷺ يريد أن يرشد كل أحد إلى حوض نبيه، كما تقدم «إن لكل نبى حوضا» ، فيكون هذا من جملة إنصافه- ﷺ ورعاية إخوانه من النبيين، لا أنه يطردهم بخلا عليهم بالماء، ويحتمل أن يكون بطرد من لا يستحق الشرب من الحوض. والله أعلم. وفى حديث أنس أنه- ﷺ قال: «لحوضى أربعة أركان، الأول بيد أبى بكر الصديق، والثانى بيد عمر الفاروق، والثالث بيد عثمان ذى النورين، والرابع بيد على بن أبى طالب. فمن كان محبّا لأبى بكر مبغضا لعمر لا يسقيه أبو بكر، ومن كان محبّا لعلى مبغضا لعثمان لا يسقيه على» . رواه أبو سعد فى «شرف النبوة» والغيلانى والله أعلم. وأما تفضيله- ﷺ بالشفاعة والمقام المحمود، فقد قال تعالى: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً «٢» . اتفق المفسرون على أن كلمة «عسى» من الله واجب، قال أهل المعانى: لأن لفظة «عسى» تفيد الإطماع، ومن أطمع إنسانا فى شئ ثم أحرمه كان عارا، والله تعالى أكرم من أن يطمع أحدا فى شئ ثم لا يعطيه ذلك. وقد اختلف فى تفسير المقام المحمود على أقوال: أحدها: أنه الشفاعة. قال الواحدى: أجمع المفسرون على أنه مقام الشفاعة كما قال- ﷺ فى هذه الآية: «هو المقام الذى أشفع فيه لأمتى» . وقال الإمام ابن الخطيب: اللفظ مشعر بذلك، لأن الإنسان إنما يصير محمودا إذا حمده حامد، والحمد إنما يكون على الإنعام، فهذا المقام المحمود يجب أن يكون مقاما أنعم فيه رسول الله- ﷺ على قوم فحمدوه على ذلك الإنعام، وذلك الإنعام لا يجوز أن يكون هو تبليغ الدين وتعليمهم الشرع لأن
لمقام المحمود يجب أن يكون مقاما أنعم فيه رسول الله- ﷺ على قوم فحمدوه على ذلك الإنعام، وذلك الإنعام لا يجوز أن يكون هو تبليغ الدين وتعليمهم الشرع لأن
ذلك كان حاصلا فى الحال. وقوله: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً «١» يدل على أن يحصل للنبى- ﷺ فى ذلك المقام حمد بالغ عظيم كامل، ومن المعلوم أن حمد الإنسان على سعيه فى التخلص عن العقاب أعظم من سعيه فى زيادة من الثواب لا حاجة به إليها، لأن احتياج الإنسان فى دفع الآلام العظيمة عن النفس فوق احتياجه إلى تحصيل المنافع الزائدة التى لا حاجة إلى تحصيلها. وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من قوله: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً «٢» هو الشفاعة فى إسقاط العذاب على ما هو مذهب أهل السنة. ولما ثبت أن لفظ الآية مشعر بهذا المعنى إشعارا قويّا. ثم وردت الأخبار الصحيحة فى تقرير هذا المعنى كما فى البخارى من حديث ابن عمر قال: سئل رسول الله- ﷺ عن المقام المحمود فقال: «هو الشفاعة» «٣» . وفيه أيضا عنه قال: قال رسول الله- ﷺ: «إن الناس يصيرون يوم القيامة جثّى كل أمة تتبع نبيها يقولون: يا فلان اشفع لنا، حتى تنتهى الشفاعة إلىّ فذلك المقام المحمود» «٤» . فإذا ثبت هذا، فيجب حمل اللفظ عليه قال: ومما يؤكد هذا، الدعاء المشهور: وابعثه مقاما محمودا يغبطه فيه الأولون والآخرون. ونصب قوله «مقاما» على الظرفية، أى وابعثه يوم القيامة فأقمه مقاما محمودا، أو على أنه مفعول به، وضمن معنى «ابعثه» معنى «أقمه» ، ويجوز أن يكون حالا بعد حال، أى: ابعثه ذا مقام. قال الطيبى: وإنما نكّره لأنه
فأقمه مقاما محمودا، أو على أنه مفعول به، وضمن معنى «ابعثه» معنى «أقمه» ، ويجوز أن يكون حالا بعد حال، أى: ابعثه ذا مقام. قال الطيبى: وإنما نكّره لأنه
أفخم وأجزل، أى مقاما محمودا بكل لسان. وقول النووى: «إن الرواية ثبتت بالتنكير، وأنه كان حكاية للفظ القرآن» متعقب بأنه جاء فى هذه الرواية بعينها بالتعريف عند النسائى. قال ابن الجوزى: الأكثر على أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة، وادعى الإمام فخر الدين الاتفاق عليه. القول الثانى: قال حذيفة: يجمع الله الناس فى صعيد واحد، فلا تكلم نفس، فأول مدعو محمد- ﷺ فيقول: «لبيك وسعديك والخير فى يديك، والشر ليس إليك، والمهتدى من هديت، وعبدك بين يديك، وبك وإليك، ولا ملجأ منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت» قال: فهذا هو المراد من قوله تعالى: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً «١» رواه الطبرانى وقال ابن منده: حديث مجمع على صحة إسناده وثقة رجاله. قال الرازى: والقول الأول أولى، لأن سعيه فى الشفاعة يفيد إقدام الناس على حمده فيصير محمودا، وأما ما ذكر من الدعاء فلا يفيد إلا الثواب، أما الحمد فلا. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنه تعالى يحمده على هذا القول؟ فالجواب: لأن الحمد فى اللغة مختص بالثناء المذكور فى مقابلة الإنعام فقط، فإن ورد لفظ «الحمد» فى غير هذا المعنى فعلى سبيل المجاز. القول الثالث: مقام تحمد عاقبته، قال الإمام فخر الدين: وهذا أيضا ضعيف للوجه الذى ذكرنا. القول الرابع: قيل هو إجلاسه- ﷺ على العرش وقيل على الكرسى، روى عن ابن مسعود أنه قال: يقعد الله تعالى محمدا- ﷺ على العرش، وعن مجاهد أنه قال: يجلسه معه على العرش. قال الواحدى: وهذا قول رذل موحش فظيع، ونص الكتاب ينادى بفساد هذا التفسير، ويدل عليه وجوه:
الأول: أن البعث ضد الإجلاس، يقال: بعثت البارك والقاعد فانبعث، ويقال بعث الله الميت أى أقامه من قبره، فتفسير البعث بالإجلاس تفسير الضد بالضد وهو فاسد. والثانى: يوجب أنه تعالى لو كان جالسا على العرش بحيث يجلس عنده محمد- ﷺ لكان محمودا متناهيا، ومن كان كذلك فهو محدث تعالى الله علوّا كبيرا. والثالث: أنه تعالى قال: مَقاماً مَحْمُوداً «١» ولم يقل مقعدا، والمقام موضع القيام، لا موضع القعود. الرابع: وإذا قيل: السلطان بعث فلانا، فهم منه أنه أرسله إلى قوم لإصلاح مهماتهم، ولا يفهم منه أنه أجلسه مع نفسه، فثبت أن هذا القول ساقط، لا يميل إليه إلا قليل العقل عديم الدين، انتهى. وتعقب القول الثانى: بأنه تعالى يجلس على العرش كما أخبر جل وعلا عن نفسه المقدسة بلا كيف، وليس إقعاد محمد- ﷺ على العرش موجبا له صفة الربوبية، أو مخرجا له عن صفة العبودية، بل هو رفع لمحله وتشريف له على خلقه، وأما قوله «معه» فهو بمنزلة قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ «٢» وقوله: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ «٣» فكل هذا ونحوه عائد على الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة، لا إلى المكان. وقال شيخ الإسلام أبو الفضل العسقلانى: قول مجاهد «يجلسه معه على العرش» ليس بمدفوع لا من جهة النقل ولا من جهة النظر. وقال ابن عطية: هو كذلك إذا حمل على ما يليق به قال: وبالغ الواحدى فى رد هذا القول. ونقل النقاش عن أبى داود صاحب السنن أنه قال: من أنكر هذا فهو متهم. وقد جاء عن ابن مسعود عند الثعلبى، وعن ابن عباس عند أبى الشيخ
احدى فى رد هذا القول. ونقل النقاش عن أبى داود صاحب السنن أنه قال: من أنكر هذا فهو متهم. وقد جاء عن ابن مسعود عند الثعلبى، وعن ابن عباس عند أبى الشيخ
قال: إن محمدا يوم القيامة يجلس على كرسى الرب بين يدى الرب، فيحتمل أن تكون الإضافة إضافة تشريف، وعلى ذلك يحمل ما جاء عن مجاهد وغيره، ويحتمل أن يكون المراد بالمقام المحمود الشفاعة كما هو المشهور، وأن يكون الإجلاس هى المنزلة المعبر عنها بالوسيلة. كذا قاله بعضهم: ويحتمل أن يكون الإجلاس علامة الإذن فى الشفاعة. واختلف فى «فاعل» الحمد من قوله تعالى: مَحْمُوداً «١» فالأكثر على أن المراد به أهل الموقف، وقيل النبى- ﷺ، أى أنه يحمد عاقبة ذلك المقام بتهجده فى الليل، والأول أرجح لما ثبت من حديث ابن عمر بلفظ: «مقاما محمودا يحمده أهل الجمع كلهم» ويجوز أن يحمل على أعم من ذلك، أى: مقاما يحمده القائم فيه وكل من عرفه، وهو مطلق فى كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات، واستحسن هذا أبو حيان، وأيده بأنه نكرة تدل على أنه ليس المراد مقاما مخصوصا. انتهى. فإن قلت: إذا قلنا بالمشهور، أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة، فأى شفاعة هى؟ فالجواب: إن الشفاعة التى وردت فى الأحاديث، فى المقام المحمود نوعان: النوع الأول: العامة فى فصل القضاء، والثانى: فى الشفاعة فى إخراج المذنبين من النار، لكن الذى يتجه: رد هذه الأقوال كلها إلى الشفاعة العظمى العامة، فإن إعطاءه لواء الحمد، وثناءه على ربه وكلامه بين يديه، وجلوسه على كرسيه كل ذلك صفات للمقام المحمود الذى يشفع فيه ليقضى بين الخلق. وأما شفاعته فى إخراج المذنبين من النار فمن توابع ذلك، وقد أنكر بعض المعتزلة والخوارج الشفاعة فى إخراج من أدخل النار من المذنبين وتمسكوا بقوله تعالى: فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ «٢» وقوله تعالى: ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ «٣» .
من المذنبين وتمسكوا بقوله تعالى: فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ «٢» وقوله تعالى: ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ «٣» .
وأجاب أهل السنة بأن هذه الآيات فى الكفار. قال القاضى عياض: مذهب أهل السنة جواز الشفاعة عقلا، ووجوبها سمعا، لصريح قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا «١» وقوله: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى «٢» ولقوله: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً «٣» المفسر بها عند الأكثرين، كما قدمنا. وقد جاءت الأحاديث التى بلغ مجموعها التواتر بصحة الشفاعة فى الآخرة لذنبى المؤمنين، وعن أم حبيبة قالت: قال رسول الله- ﷺ: «أريت ما تلقى أمتى من بعدى، وسفك بعضهم دماء بعض، وسبق لهم من الله ما سبق للأمم قبلهم فسألت الله أن يؤتينى فيهم شفاعة يوم القيامة ففعل» «٤» . وفى حديث أبى هريرة: «لكل نبى دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتى شفاعة لأمتى فى الآخرة» . وفى رواية أنس: «فجعلت دعوتى شفاعة لأمتى» «٥» . وهذا من مزيد شفقته علينا، وحسن تصرفه حيث جعل دعوته المجابة فى أهم أوقات حاجاتنا، فجزاه الله عنا أفضل الجزاء. وعن أبى هريرة؛ قلت: يا رسول الله ماذا ورد عليك فى الشفاعة؟ فقال: «شفاعتى لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصا يصدق لسانه قلبه» «٦» . وعن أبى زرعة عن أبى هريرة قال: قال رسول الله- ﷺ: «أنا سيد
الناس يوم القيامة، هل تدرون مم ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين فى صعيد واحد، فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعى، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس ألا ترون إلى ما أنتم فيه، إلى ما بلغتم، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم، فيأتونه فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟ فقال: إن ربى غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وإنه نهانى عن الشجرة فعصيت، نفسى نفسى نفسى، اذهبوا إلى غيرى، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحا- ﵇ فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدا شكورا، ألا ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما بلغنا، ألا تشفع لنا إلى ربك؟ فيقول: إن ربى غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لى دعوة، دعوت بها على قومى، نفسى نفسى نفسى، اذهبوا إلى غيرى، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم- ﵇ فيقولون: أنت نبى الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربى غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنى كنت كذبت ثلاث كذبات، فذكرها، نفسى نفسى نفسى، اذهبوا إلى غيرى، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى- ﵇، فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، فضلك برسالته وبكلامه على الناس، ألا ترى إلى ما نحن فيه، اشفع لنا إلى ربك، فيقول: إن ربى غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنى قد قتلت نفسّا لم أومر بقتلها، نفسى نفسى نفسى، اذهبوا إلى غيرى، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى- ﵇، فيقولون: يا عيسى: أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلمات الناس فى المهد، ألا ترى إلى ما نحن فيه، اشفع لنا إلى ربك، فيقول عيسى- ﵇: إن ربى غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنبا، نفسى نفسى نفسى، اذهبوا إلى غيرى،



