— Bagian 1 · تمهيد —
Disusun dari indeks kitab digital SantriOnline.
Bagian 1
تمهيد بقلم الدكتور محمّد عبد الرحمن شميلة الأهدل (١) ﷽ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين، وبعد: لقد حظي تاريخ العظماء بالاهتمام البالغ على امتداد تاريخ الأمم الإنسانيّة، فدوّنت سيرهم وأخبارهم، ورصدت في جبين التّاريخ حياتهم وشمائلهم، وأضاءت في سماء المعالي أخلاقهم، وارتوى التّابعون من مناهلهم الرّويّة، ورأوا أنّ ذلك هو المنهج الأقوم، والسّبيل الّذي لا اعوجاج فيه. ولا مراء أنّ أعظم عظماء الإنسانيّة على الإطلاق، وأفضل المصطفين.. هو منقذ البشريّة من الضّلالة والعمى؛ من جعله الله تعالى الرّحمة المهداة، وختم به الرّسالات السّماويّة: أبو القاسم محمّد بن عبد الله، النّبيّ الأوّاه ﷺ. فهو أولى أن تدوّن شمائله، وأن تقرع الأسماع صفاته الخلقيّة والخلقيّة، وسمته وهديه، وأمره ونهيه.
(٢) لذلك دأب أولو العلم على تقييد ذلك كلّه، وعنوا منذ فجر تاريخ الدّعوة الإسلاميّة بكلّ ما يتّصل به ﷺ من الأمور الشّرعيّة، أو الشّؤون العاديّة، وكان ذلك بطريقة استيعابيّة، وأسلوب استقصائيّ، بحيث إنّ هذه المعارف الوفيرة جلّت لنا تلك الشّخصية الفريدة، بكلّ خصائصها وسماتها، فكانت هذه العلوم منارا تتراءى في ضيائه الشّخصية المحمّديّة تزهو في حلل الكمال والجمال، وينبعث من تلك الذّات أريج الجلال والهيبة والعظمة، وكيف لا تكون كذلك، وقد حلّى التّنزيل الحكيم جيده بعقود المدح والتّكريم، فقال له: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ. (٣) ولأنّ الرّعيل الأول من الصّحب الكرام هم الجيل المثاليّ؛ لأنّهم خرّيجو مدرسة النّبوّة، الّذين تلقّفوا الفرقان غضّا طريّا من في رسول الله ﷺ، وإنّهم كانوا أشدّ الخلق هيبة له، وأكثرهم أدبا معه، وأعظمهم إجلالا له وتوقيرا.. من أجل ذلك لم يكونوا يرفعون أبصارهم إلى محيّاه هيبة وإجلالا، وإعظاما وإكبارا. وإذا تأمّلنا معظم أحاديث الشّمائل التي تحكي صفات رسول الله ﷺ الخلقيّة.. نجد أن رواتها من الصّحابة أحد اثنين:
ى محيّاه هيبة وإجلالا، وإعظاما وإكبارا. وإذا تأمّلنا معظم أحاديث الشّمائل التي تحكي صفات رسول الله ﷺ الخلقيّة.. نجد أن رواتها من الصّحابة أحد اثنين:
إمّا من الصّحابة صغار الأسنان ممّن لم يكونوا يدركون تماما العظمة النبويّة، وما يجب له من الحقوق، فيدفعهم ذلك إلى الحملقة في الذّات المحمّديّة على وجه يمكّنهم من وصفها الوصف الدّقيق. وإمّا أن يكون من أولئك الّذين هم قريبو عهد بالإسلام، أو من الأعراب الّذين لم يفقهوا بعد اداب الإسلام، وما يجب عليهم تجاه الشخصيّة النّبويّة. (٤) ولا مراء أنّ الصّحابة الكرام ما تركوا شيئا من أخبار المصطفى ﷺ.. إلا وقيدوه، ولا شيئا عن هيئته وسمته ولبسه وطعامه وشرابه وغير ذلك.. إلا ورووه، ولا صفة تكسب المحبة والاتّباع.. إلا وأذاعوها، ذلك لأنّ محبّته ﵊.. عبادة، والتّأسّي به.. علامة على تلك المحبّة. وقديما قيل: تعصي الحبيب وأنت تزعم حبّه ... إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع ولقد حملت المحبة الأكيدة الصّادقة أنس بن مالك اتّباع المحبوب فيما كان شرعا أو عادة، بل وفيما أملته الطبيعة البشريّة. ففي «الصّحيح» وغيره قال أنس: رأيت رسول الله ﷺ يتتبع الدّبّاء في القصعة فما زلت أحبّ الدّبّاء من يومئذ. وإذا كان هذا حالهم في شؤون العادات، فكيف يكون حالهم في أمور الشّرع والعبادات؟
ت رسول الله ﷺ يتتبع الدّبّاء في القصعة فما زلت أحبّ الدّبّاء من يومئذ. وإذا كان هذا حالهم في شؤون العادات، فكيف يكون حالهم في أمور الشّرع والعبادات؟
لا شكّ أنّهم كانوا أشدّ تمسّكا بالهدي النّبويّ، وتطبيقه بحذافيره وكذلك كان الأمر. وهذا أبو أيّوب الأنصاريّ لما رأى رد رسول الله ﷺ الطّعام الّذي فيه الثّوم، كره هذه الشّجرة وعاداها حتّى الممات، وما هذا إلّا لما أشرب قلبه من حبّ الصّادق المصدوق ﷺ، فتولّد عن ذلك التّأسّي به في كلّ صغيرة وكبيرة. (٥) وبناء على ذلك: فإنّ من لازم المحبّة.. الاتّباع الكامل، والاقتفاء الشّامل لمن جاءنا بالشّرع المطهّر، والتأسّي بشخصيّته في شؤون الحياة جميعها، هذا هو الاتّباع. أمّا من يزعم محبّته ويدّعي ذلك، وهو مخالف لسيرته، متراخ عن أمره، واقع في نهيه.. فهذا الصّنيع علامة على زيف دعواه، ودليل صريح على تخبّطه في ظلام العصيان، فالسفينة لا تجري على أرض يابسة. ترجو النّجاة ولم تسلك مسالكها ... إنّ السّفينة لا تجري على اليبس (٦) وإذا كنّا في عصرنا الحاضر المتموّج بالغرائب والعجائب نشاهد كثيرا من المعنيّين بالتّراث يعرضون شمائل شخصيّات لا خلاق لها، وليس لها في ميزان الفضائل مثقال حبّة من خير، ويعظّمون اثارهم الّتي تركوها،
عجائب نشاهد كثيرا من المعنيّين بالتّراث يعرضون شمائل شخصيّات لا خلاق لها، وليس لها في ميزان الفضائل مثقال حبّة من خير، ويعظّمون اثارهم الّتي تركوها،
ويذيعون ذلك في الرّائي وغيره، ويثيرون الضّجيج الإعلاميّ حول هذه الشّخصيات؛ مع أنها ليس لها وزن، ولا قيمة أخلاقيّة، وقد تكون شخصيّة ملحدة، لا تؤمن بخالقها، وليس عندها ذرّة من إيمان.. ألا يجدر بنا معشر الأمّة الإسلاميّة أن نستعرض شمائل المصطفى ﷺ، ونكرّر ذكرها كلّما عنّت فرصة أو سنح وقت؟! فإنّ ذلك أدعى إلى حسن الاقتداء، وباعث على جميل الاقتفاء. وإذا كان المولى تقدست أسماؤه قد قال لرسوله ﷺ على إثر ذكر سير المصطفين الأخيار: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ، فما أحرانا ونحن الخطّاؤون أن نستعرض شمائل رسول الله ﷺ، وسمته، وهديه؛ فإنّ في ذلك تثبيتا لأفئدتنا، وازديادا لإيماننا، وتقوية لمحبّتنا، وإنارة لأفكارنا. لذلك كلّه.. فإنّ فنّ (الشّمائل المحمّديّة) الّذي يرسل الضّوء على صفاته البهيّة، ومحاسنه العليّة، وأخلاقه الزّكية.. من الفنون المباركة العظيمة، والعلوم الشريفة الثّمينة؛ لأنّه وسيلة من وسائل ازدياد الإيمان، وطريق مؤدّ إلى امتلاء القلب بتعظيمه ومحبّته، واقتفاء هديه وسنّته، وتعظيم شعائر ملّته، وفي ذلك السّعادة في الدّارين. هذا وإنّ من أجمع ما ألّف في الشّمائل، وأوسع ما وصلنا في هذا الباب كتاب: (وسائل الوصول إلى شمائل الرّسول ﷺ .. إذ هو سفر عظيم المقدار، كثير النّفع، متّسم بالاستيعاب، مشتمل على ما يصبو إليه الأحباب.
أشرقت من سطوره أنوار التّحقيق، وسالت من صفحاته أعذب الصّفات لسيّد السّادات ﷺ. كيف لا، ومؤلّفه صاحب القلم السّيّال، والسّحر الحلال: أبو المحاسن يوسف بن إسماعيل النّبهانيّ، الّذي طارت بمؤلّفاته الرّكبان، ووقف نشاطه على خدمة السّيرة المحمّديّة والسنّة الغرّاء، وفاز بالشّرف المؤبّد، والأجر الّذي لا ينفد. وبعد: فإليكم أحبّاءنا الأكارم الشّمائل المحمّديّة، تتبختر في حللها القشيبة، وتشعّ منها الأنوار المحمّديّة، وتجلّي لنا أحاديثه الشّخصيّة الّتي اختارها الله تعالى لتكون أعظم هديّة إلى الإنسانيّة جمعاء، إنّها تكشف لنا عن سمات وهيئة صاحب اللّواء المحمود، والحوض المورود، والشّفاعة والجود، صلّى الله وسلّم عليه وعلى اله وصحبه ما ارتفع إلى السّماء أذان، وما لهج بكلمة التّوحيد مسلم. وقد دأبت دار المنهاج على إخراج التّراث الإسلاميّ سليما محقّقا، وحملت على عاتقها أمانة نشر العلم النّافع، ورفع لوائه؛ تبصيرا للنّاس، ومساهمة في نشر الدّعوة، وتقريبا للعلوم الشّرعية. والله تعالى من وراء القصد. د. محمّد عبد الرحمن شميلة الأهدل
ترجمة الشيخ يوسف بن إسماعيل بن النبهاني رحمه الله تعالى هو الأديب الشّاعر المفلق، العلّامة المتقن الورع، الحجّة التّقي العابد، المحبّ الصّادق، المتفاني في حبّ رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، المكثر من مدائحه؛ تأليفا ونقلا ورواية وإنشاء وتدوينا. ناصر الدّين، أبو الفتوح وأبو المحاسن يوسف بن إسماعيل بن يوسف إسماعيل بن محمّد بن ناصر الدّين النّبهاني؛ نسبة لبني نبهان «١» . وكانت ولادته في قرية (اجزم) يوم الخميس سنة (١٢٦٥ هـ) . حفظ القران على والده، وكان شيخا معمّرا بلغ الثمانين، وكان والده مراة للقدوة الصالحة، فقد كان يختم كل ثلاثة أيام ختمة، مع محافظة على ضروب الطاعات، واستغراق الأوقات في القربات، مما كان له أبلغ الأثر في تكوين هذا الناشئ الذي تغذى بلبان الهدى والتقى بين يدي والده الصالح، في تلك البيئة النقية الطاهرة.
تغراق الأوقات في القربات، مما كان له أبلغ الأثر في تكوين هذا الناشئ الذي تغذى بلبان الهدى والتقى بين يدي والده الصالح، في تلك البيئة النقية الطاهرة.
ولمّا أتمّ حفظ القران الكريم وحفظ بعض المتون.. أرسله والده إلى مصر- وكان عمره إذ ذاك سبع عشرة سنة- فالتحق بالأزهر الشريف في غرّة محرم الحرام سنة (١٢٨٣ هـ) ، وجاور في رواق الشوام، ودأب على الدرس والتحصيل، وتلقّى العلم من كبار الأئمة وجهابذة علماء الأمة، وكان موفقا حسن الاختيار والاهتداء إلى الراسخين في العلم المحققين في المعقول والمنقول، الذين لا يشق لهم غبار أمثال: الشيخ إبراهيم السقا الشافعي (ت ١٢٩٨ هـ) . والشيخ محمد الدمنهوري الشافعي (ت ١٢٨٦ هـ) . والشيخ إبراهيم الزرو الخليلي الشافعي (ت ١٢٨٧ هـ) . والشيخ أحمد الأجهوري الضرير الشافعي (ت ١٢٩٣ هـ) . والشيخ عبد الهادي نجا الأبياري الشافعي (ت ١٣٠٥ هـ) . والشيخ أحمد راضي الشرقاوي الشافعي. والشيخ مصطفى الإشراقي الشافعي. والشيخ صالح أجباوي الشافعي. والشيخ محمد العشماوي الشافعي. والشيخ محمد شمس الدين الأنبابي الشافعي (شيخ الجامع الأزهر) . والشيخ عبد الرحمن الشربيني الشافعي. والشيخ أحمد البابي الحلبي الشافعي.
لعشماوي الشافعي. والشيخ محمد شمس الدين الأنبابي الشافعي (شيخ الجامع الأزهر) . والشيخ عبد الرحمن الشربيني الشافعي. والشيخ أحمد البابي الحلبي الشافعي.
- والشيخ شريف الحلبي الحنفي. والشيخ فخر الدين اليانيه وي الحنفي. والشيخ عبد القادر الرافعي الطرابلسي الحنفي (شيخ رواق الشوام) . والشيخ حسن العدوي المالكي (ت ١٢٩٨ هـ) . والشيخ محمد روبه المالكي. والشيخ حسن الطويل المالكي. والشيخ محمد البسيوني المالكي. والشيخ يوسف البرقاوي الحنبلي (شيخ رواق الحنابلة) . رحمهم الله تعالى وجزاهم عن الأمة المحمدية أحسن الجزاء. ثم بدا لصاحب الترجمة أن يسافر من مصر ليساهم في خدمة الإسلام، وقد علا كعبه، وبزغ نجمه ورسخ في علمي المعقول والمنقول في أسلوب عال، هو السحر الحلال.. يخاله الناظر فيه سهلا وهو بعيد المنال.. فرجع في رجب سنة (١٢٨٩ هـ) ، وأقام في مدينة عكا ينشر العلم، فأفاد المسلمين، وأعلى منار الدين. ثم في سنة (١٢٩٢ هـ) رحل إلى الشام واجتمع على جماعة من العلماء؛ من أجلهم الإمام الفقيه المحدث البارع مفتي الشام السيد محمود أفندي الحمزاوي، فأجازه بإجازة مطولة بجميع مروياته بعد أن قرأ عليه في منزله بحضور جملة من طلبة العلم الشريف.
قيه المحدث البارع مفتي الشام السيد محمود أفندي الحمزاوي، فأجازه بإجازة مطولة بجميع مروياته بعد أن قرأ عليه في منزله بحضور جملة من طلبة العلم الشريف.
وجال في بلاد الشرق العربي ثم دخل الأستانة والموصل وحلب وديار بكر وشهرزور وبغداد وسامرّا وبيت المقدس والحجاز. وتقلد القضاء في ولايات الشام، حتى صار رئيسا في محكمة الحقوق العليا ببيروت وذلك سنة (١٣٠٥ هـ) . وحج عام ألف وثلاثمئة وعشرة، ثم دخل الحجاز بعد ذلك وأقام بالمدينة المنورة مدة. وألف المؤلفات النافعة التي سارت بها الركبان وانتشرت في سائر البلدان، وقد فاقت على الستين كتابا في مختلف الفنون والعلوم.. وقد عظم ذكره بما صنف وابتكر، ونظم ونثر، وطبع ونشر، خصوصا في الجانب المحمدي الأعظم؛ فقد خدم السيرة المحمدية والجناب النبوي أرفع الخدمات ووقف حياته على ذلك، فنشر وكتب ما لم يتيسر لغيره في عصرنا هذا ولا عشر معشاره.. وذلك لإخلاصه رحمه الله تعالى.. ولما أحيل إلى المعاش.. شدّ أزره وشمر عن ساعد الجد، وأقبل على العبادة بهمة عالية وعزيمة صادقة، وقلب دائب على الذكر وتلاوة القران وكثرة الصلاة على رسول الله ﷺ، فأحيا ليله ونهاره بإقامة الفرائض ونوافل الطاعات، لا يفتر ولا يسأم، حتى عدّ ما يقوم به من خوارق العادات. وكانت أنوار العبادة وتعظيم السنة والعمل بها ظاهرة على وجهه المبارك.. ولم يزل على الحال المرضي حتى دعاه مولاه.. فأجابه ولباه..
وكانت وفاته في بيروت في أوائل شهر رمضان الكريم سنة (١٣٥٠ هـ) عن عمر يناهز الخمس والثمانين، وهو قوي البدن، تام الصحة، مستوف لقراءة أوراده، وما اعتاده من الطاعات وأعمال الخير. أجزل الله ثوابه، وألحقنا به على الإيمان الكامل في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، بفضله ورحمته.. امين.
توطئة لقد توافرت الدواعي لخدمة هذا الكتاب المبارك، لكونه من أجلّ ما ألف في شمائل سيد الأنام محمد صلى الله عليه واله وسلم، إلا أنه ينبغي لنا أن ننبه على ما يلي: ١- لقد أضربنا عن تخريج الأحاديث النبوية والأخبار والاثار المروية في هذا الكتاب.. وذلك لأمرين: أولهما: أن ذلك سيقطع متعة القراءة المركزة المتواصلة على القارئ، فالتخريج موضوع متخصص له رجاله وأهله. الأمر الثاني: إحالة القارئ الكريم إلى كتاب «منتهى السول» للشيخ عبد الله اللّحجي الذي شرح فيه هذا الكتاب «وسائل الوصول» أيما شرح، وفي أربعة مجلّدات ضخام؛ ويكفي أن نعلم أن اللحجي رحمه الله تعالى قد استغرق في تأليفه (٢٥ سنة) ، فضبط عباراته، وشرح كلماته، وخرج أحاديثه، بتفصيل وبسط، مع إضافة فوائد، وتقييد شوارد، وكذلك بإتمام مباحثه، وتوسيع دائرته. ٢- ولأننا نريد أن يستفيد الجميع من هذا الكتاب بحول الله وقوته.. ضبطنا الكتاب بالشكل الكامل، مع وضع علامات الترقيم المناسبة، وكذلك شرحنا العبارات الغريبة أو الغامضة حتى يستوعب المعنى، ويتضح المبنى.
هذا كله.. بالإضافة إلى أناقة الطبع، وحسن الإخراج. وعليه: فإن البداية لمن أراد التحليق عاليا في شمائل الرسول صلى الله عليه واله وسلم.. في كتابنا هذا «وسائل الوصول» ، والنهاية في «منتهى السول» للشيخ عبد الله بن سعيد اللحجي، وهو أيضا من منشورات دار المنهاج. وفي الختام: الله تعالى نسأل وهو صاحب الإحسان أن يتمم لنا الإحسان، وأن يشملنا بالغفران، وأن يصلح لنا كل شأن. وصلى الله على سيدنا محمد واله وصحبه ومن تبعهم بإحسان. الناشر في ربيع الأنور (١٤٢٣ هـ)
صورة عن المخطوط المستعان به في إخراج الكتاب
راموز الورقة الأولى لمخطوطة مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة
راموز الورقة الأخيرة لمخطوطة مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة
تعان به في إخراج الكتاب
راموز الورقة الأولى لمخطوطة مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة
راموز الورقة الأخيرة لمخطوطة مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة
وسائل الوصول إلى شمائل الرّسول ﷺ تأليف الشّيخ العالم العلّامة المحدّث يوسف بن إسماعيل النّبهانيّ رحمه الله تعالى ١٢٦٥ هـ- ١٣٥٠ هـ
[مقدمة المؤلف] بسم الله الرّحمن الرّحيم الحمد لله ربّ العالمين، حمدا يوافي نعمه، ويكافىء مزيده، ويضاهي كرمه. وأشهد ألاإله إلّا الله الملك الحقّ المبين، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله سيّد الخلق أجمعين. اللهمّ؛ صلّ أفضل صلاة وأكملها، وأدومها، وأشملها، على سيّدنا محمّد عبدك الّذي خصّصته بالسّيادة العامّة، فهو سيّد العالمين على الإطلاق، ورسولك الّذي بعثته بأحسن الشّمائل وأوضح الدّلائل؛ ليتمّم مكارم الأخلاق. صلاة تناسب ما بينك وبينه من القرب الّذي ما فاز به أحد، وتشاكل ما لديكما من الحبّ الّذي انفرد به في الأزل والأبد. صلاة لا يعدّها ولا يحدّها قلم ولا لسان، ولا يصفها ولا يعرفها ملك ولا إنسان. صلاة تسود كافّة الصّلوات كسيادته على كافّة المخلوقات. صلاة يشملني نورها من جميع جهاتي في جميع أوقاتي، ويلازم ذرّاتي في حياتي وبعد مماتي. وعلى اله الأطهار، وأصحابه الأخيار، وسلّم تسليما كثيرا.
المخلوقات. صلاة يشملني نورها من جميع جهاتي في جميع أوقاتي، ويلازم ذرّاتي في حياتي وبعد مماتي. وعلى اله الأطهار، وأصحابه الأخيار، وسلّم تسليما كثيرا.
أمّا بعد: فقد خطر لي أن أجمع كتابا أجعله وسيلة لبلوغي من رضا الله تعالى ورسوله المرام، وذريعة للانتظام في سلك «١» خدّامه ﵊. ثمّ نظرت إلى قلّة علمي، وضعف فهمي، وكثرة ذنوبي، ووفرة عيوبي.. فأحجمت «٢» إحجام من عرف حدّه فوقف عنده، ثمّ تخطّرت «٣» سعة الكرم، وكوني من أمّة هذا النّبيّ الكريم.. فأقدمت إقدام الطّفل على الأب الشّفيق الحليم، بعد أن سمعت قول الله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] . فكم من أعرابيّ فدم «٤» ، لا أدب له ولا فهم، ولا عقل له ولا علم، ولا كرم ولا حلم.. قابل جنابه الشّريف بما غضب له المكان والزّمان، وخاطبه بما عبس له وجه السّيف واحتدّ له لسان السّنان «٥» فكان جوابه الإغضاء «٦» ، والعفو عمّن أساء، بل أدناه وقرّبه، وما لامه وما أنّبه، بل
والزّمان، وخاطبه بما عبس له وجه السّيف واحتدّ له لسان السّنان «٥» فكان جوابه الإغضاء «٦» ، والعفو عمّن أساء، بل أدناه وقرّبه، وما لامه وما أنّبه، بل
أفرغته أخلاقه المحمّديّة في قالب كيمياء بأيادي الإحسان «١» ، حتّى اضمحلّت حدّة ذلك الوحش وانقلبت حديدته جوهرة إنسان، فتبدّل بغضه بالحبّ، وبعده بالقرب، وحربه بالسّلم، وجهله بالعلم. واستحال إنسانا بعد أن كان ثعبانا، وصار حبيبا بعد أن كان ذيبا. فهذا وأمثاله من شواهد مكارم أخلاقه ﷺ.. أطمعني بإمكان قبولي في جملة خدمه، ودخولي في عداد حشمه، ولا يبعد عن سعة كرم الله تعالى أن يهب لي إكراما لرسوله فوق ما أمّلته من الرّضا والقبول. وها أنا قد توكّلت عليه سبحانه، وقبضت قبضة من أثر الرّسول، فجمعت هذا الكتاب من اثاره في شمائله الشّريفة ﷺ، وأدخلت فيه جميع الشّمائل الّتي رواها الإمام الحافظ أبو عيسى محمّد بن عيسى التّرمذيّ رضي الله تعالى عنه بعد حذف مكرّرها وأسانيدها، ولم أتقيّد بترتيبه وتبويبه، بل سلكت أسلوبا غير أسلوبه، وأضفت إليها من كتب الأئمّة الاتي ذكرهم أكثر منها بكثير، وألحقت بغريب الألفاظ ما تدعو إليه الحاجة من ضبط أو تفسير. فجاء كتابا حافلا ليس له في بابه نظير. وسمّيته: «وسائل الوصول إلى شمائل الرسول»
وهذا بيان الكتب الّتي نقلته منها، ورويته عنها: ١- «كتاب الشّمائل» للإمام التّرمذيّ. ٢- «المصابيح» للإمام البغويّ. ٣- «الإحياء» للإمام الغزاليّ. ٤- «الشّفا» للقاضي عياض. ٥- «التهذيب» للإمام النّوويّ. ٦- «الهدي النّبويّ» «١» للإمام محمّد ابن أبي بكر الشّهير بابن قيّم الجوزيّة. ٧- «الجامع الصّغير» للإمام السّيوطيّ. ٨- و «شرحه» للإمام العزيزيّ «٢» . ٩- «المواهب» للإمام القسطلّانيّ «٣» . ١٠- «كشف الغمّة» للإمام الشّعرانيّ. ١١- «طبقات الأولياء» «٤» . ١٢- و «كنوز الحقائق» للإمام المناويّ.
١٣- «حاشية الشّمائل» «١» لشيخ مشايخي، أستاذ الأستاذين، خاتمة العلماء العاملين: الشّيخ إبراهيم الباجوريّ رضي الله تعالى عنهم أجمعين. فهذه أصوله، لم يخرج عنها شيء منه. اللهمّ إلّا أن يكون ذلك في تفسير الغريب، فإنّي راجعت فيما لم أجده فيها كتب اللّغة، وذلك نزر يسير. وقد ذكرت في بعض «الشّمائل» اسم الصّحابيّ راوي الحديث والإمام المخرّج له، وفي بعضها اسم الصّحابيّ فقط، ولم أذكر في بعضها غير متن الحديث تابعا في جميع ذلك الأصول المذكورة. وقد رتّبته على مقدّمة «٢» ، وثمانية أبواب، وخاتمة. المقدّمة تشتمل على تنبيهين: التّنبيه الأوّل: في معنى لفظ الشّمائل. والتّنبيه الثّاني: في الفوائد المقصودة من جمع شمائله ﷺ.
الباب الأوّل: في نسب رسول الله ﷺ، وأسمائه الشّريفة، وفيه فصلان: الفصل الأوّل: في نسبه الشّريف ﷺ. الفصل الثّاني: في أسمائه الشّريفة ﷺ. الباب الثّاني: في صفة خلقة رسول الله ﷺ، وما يناسبها من أوصافه الشّريفة، وفيه عشرة فصول: الفصل الأوّل: في جمال صورته ﷺ، وما شاكلها. الفصل الثّاني: في صفة بصره ﷺ واكتحاله. الفصل الثّالث: في صفة شعره ﷺ وشيبه وخضابه، وما يتعلّق بذلك. الفصل الرّابع: في صفة عرقه ﷺ ورائحته الطّبيعيّة «١» . الفصل الخامس: في صفة طيبه ﷺ وتطيّبه. الفصل السادس: في صفة صوته ﷺ. الفصل السّابع: في صفة غضبه ﷺ وسروره.
رّابع: في صفة عرقه ﷺ ورائحته الطّبيعيّة «١» . الفصل الخامس: في صفة طيبه ﷺ وتطيّبه. الفصل السادس: في صفة صوته ﷺ. الفصل السّابع: في صفة غضبه ﷺ وسروره.
-
الفصل الثّامن: في صفة ضحكه ﷺ وبكائه وعطاسه. الفصل التّاسع: في صفة كلامه ﷺ وسكوته. الفصل العاشر: في صفة قوّته ﷺ. الباب الثّالث: في صفة لباس رسول الله ﷺ وفراشه وسلاحه، وفيه ستّة فصول: الفصل الأوّل: في صفة لباسه ﷺ؛ من قميص وإزار ورداء وقلنسوة «١» وعمامة ونحوها. الفصل الثّاني: في صفة فراشه ﷺ وما يناسبه. الفصل الثّالث: في صفة خاتمه ﷺ. الفصل الرّابع: في صفة نعله ﷺ وخفّه. الفصل الخامس: في صفة سلاحه ﷺ. الفصل السّادس: كان من خلقه ﷺ أن يسمّي سلاحه ودوابّه ومتاعه. الباب الرّابع: في صفة أكل رسول الله ﷺ وشربه ونومه، وفيه ستّة فصول:
-
الفصل الأوّل: في صفة عيشه ﷺ وخبزه. الفصل الثّاني: في صفة أكله ﷺ وإدامه «١» . الفصل الثّالث: فيما كان يقوله ﷺ قبل الطّعام وبعده. الفصل الرّابع: في صفة فاكهته ﷺ. الفصل الخامس: في صفة شرابه ﷺ وقدحه. الفصل السّادس: في صفة نومه ﷺ. الباب الخامس: في صفة خلق رسول الله ﷺ وحلمه، وعشرته مع نسائه، وأمانته وصدقه، وحيائه ومزاحه، وتواضعه وجلوسه، وكرمه وشجاعته، وفيه ستّة فصول: الفصل الأوّل: في صفة خلقه ﷺ وحلمه. الفصل الثّاني: في صفة عشرته ﷺ مع نسائه رضي الله تعالى عنهنّ. الفصل الثّالث: في صفة أمانته ﷺ وصدقه. الفصل الرّابع: في صفة حيائه ﷺ ومزاحه. الفصل الخامس: في صفة تواضعه ﷺ وجلوسه.
ه ﷺ مع نسائه رضي الله تعالى عنهنّ. الفصل الثّالث: في صفة أمانته ﷺ وصدقه. الفصل الرّابع: في صفة حيائه ﷺ ومزاحه. الفصل الخامس: في صفة تواضعه ﷺ وجلوسه.
- الفصل السّادس: في صفة كرمه ﷺ وشجاعته. الباب السّادس: في صفة عبادة رسول الله ﷺ وصلاته. وصومه، وقراءته، وفيه ثلاثة فصول. الفصل الأوّل: في صفة عبادته ﷺ وصلاته. الفصل الثّاني: في صفة صومه ﷺ. الفصل الثّالث: في صفة قراءته ﷺ. الباب السّابع: في أخبار شتّى من أحوال رسول الله ﷺ، وبعض أذكار وأدعية كان يقولها في أوقات مخصوصة، وثلاث مئة وثلاثة عشر حديثا من جوامع كلمه ﷺ، وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأوّل: في أخبار شتّى من أحواله ﷺ. الفصل الثّاني: في بعض أذكار وأدعية كان يقولها ﷺ في أوقات مخصوصة. الفصل الثّالث: في ثلاث مئة وثلاثة عشر حديثا من جوامع كلمه ﷺ.
الباب الثّامن: في طبّه ﷺ، وسنّه ووفاته، ورؤيته في المنام، وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأوّل: في طبّه ﷺ. الفصل الثّاني: في سنّه ﷺ ووفاته. الفصل الثّالث: في رؤيته ﷺ في المنام. الخاتمة: تشتمل على خمسين حديثا، أكثرها صحاح وحسان من أدعيته ﷺ «١» . وأسأل الله العظيم ربّ العرش الكريم أن يجعل هذا الكتاب من أفضل الحسنات الجاري نفعها في الحياة وبعد الممات، بجاه نبيّه سيّد الرّسل الكرام، عليه وعليهم الصّلاة والسّلام.
مقدّمة الكتاب وهي تشتمل على تنبيهين
التنبيه الأوّل في معنى لفظ الشمائل هي في الأصل: الأخلاق والطّبائع. قال في «القاموس» : (الشّمال: الطّبع، والجمع: شمائل) اهـ وقال في «لسان العرب» : (مفردها: شمال؛ بكسر الشّين. قال جرير: ............... ... وما لومي أخي من شماليا «١» وقال صخر أخو الخنساء: أبا الشّتم إنّي قد أصابوا كريمتي ... وأن ليس إهداء الخنا من شماليا «٢» وقال اخر «٣» : هم قومي وقد أنكرت منهم ... شمائل بدّلوها من شمالي أي: أنكرت أخلاقهم) .
ثمّ قال في مادّتها أيضا: (والشّمال: خليقة الرّجل «١» ، وجمعها: شمائل. وإنّها لحسنة الشّمائل، ورجل كريم الشّمائل؛ أي: في أخلاقه ومخالطته) اهـ وقد استعمل علماء الحديث الشّمائل في أخلاقه الشّريفة ﷺ على أصلها، وفي أوصاف صورته الظّاهرة أيضا على سبيل المجاز فاعلم ذلك.
التنبيه الثاني في الفوائد المقصودة من جمع شمائله ﷺ ليس المقصود من جمع شمائله ﷺ مجرّد معرفة علم تاريخيّ تميل إليه النّفوس، وتجنح إليه القلوب، ويتحدّث به في المجالس، ويستشهد به على المقاصد، ونحو ذلك من الفوائد. وإنّما المقصود من جمع شمائله ﷺ فوائد أخرى مهمّة في الدّين. منها: التّلذّذ بصفاته العليّة وشمائله الرّضيّة ﷺ. ومنها: التّقرّب إليه ﷺ، واستجلاب محبّته ورضاه بذكر أوصافه الكاملة وأخلاقه الفاضلة، كما يتقرّب الشّاعر إلى الكريم بذكر أوصافه الجميلة، وخصاله النّبيلة. ولا شكّ أنّ جمع شمائله ﷺ ونشرها.. هو أفضل وأكمل من مدحه بالقصائد، وقد رضي عمّن مدحه بها ك: حسّان، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن زهير رضي الله تعالى عنهم، وكافأهم على ذلك.
له ﷺ ونشرها.. هو أفضل وأكمل من مدحه بالقصائد، وقد رضي عمّن مدحه بها ك: حسّان، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن زهير رضي الله تعالى عنهم، وكافأهم على ذلك.
فلا شكّ أنّه يرضى عمّن يعتني بجمع شمائله ونشرها ﷺ. ومنها: تعرّضنا لمكافأته ﷺ على إحسانه إلينا، وإنقاذه إيّانا من ظلمات الضّلال إلى أنوار الهدى، ومن الشّقاوة الأبديّة إلى السّعادة السّرمديّة، وهذه نعمة كبرى لا تمكن مقابلتها بشيء، ولا يقدر على مكافأته عليها إلّا الله تعالى. فجزاه الله تعالى عنّا أفضل ما جزى به مرسلا عمّن أرسل إليه، فإنّه أنقذنا به من الهلكة «١» ، وجعلنا من خير أمّة أخرجت للنّاس، دائنين بدينه الّذي ارتضى واصطفى به ملائكته، ومن أنعم عليه من خلقه، فلم تمس بنا نعمة ظهرت ولا بطنت نلنا بها حظّا في دين ودنيا، أو رفع بها عنّا مكروه فيهما، أو في أحد منهما.. إلّا ومحمّد ﷺ سببها القائد إلى خيرها، والهادي إلى رشدها. وهذه العبارة من قوله: (.. فجزاه الله ... إلى اخرها) عبارة إمامنا الشّافعيّ رضي الله تعالى عنه نقلتها من «رسالته» «٢» الّتي رواها عنه صاحبه الرّبيع بن سليمان رحمه الله تعالى. ومنها: أنّ معرفة شمائله الشّريفة تستدعي محبّته ﷺ؛ لأنّ الإنسان مجبول على حبّ الصّفات الجميلة ومن اتّصف بها، ولا أجمل ولا أكمل من صفاته ﷺ.
لله تعالى. ومنها: أنّ معرفة شمائله الشّريفة تستدعي محبّته ﷺ؛ لأنّ الإنسان مجبول على حبّ الصّفات الجميلة ومن اتّصف بها، ولا أجمل ولا أكمل من صفاته ﷺ.
فلا شكّ أنّ من يطّلع عليها ولم يكن مطبوعا على قلبه بطابع الضّلال.. يحبّ صاحبها ﷺ بيقين، وبمقدار زيادة محبّته ونقصها تكون زيادة الإيمان ونقصه، بل رضا الله تعالى والسّعادة الأبديّة، ونعيم أهل الجنّة ودرجاتهم فيها، جميع ذلك يكون بمقدار محبّة العبد له ﷺ زيادة ونقصا، كما أنّ سخط الله تعالى، والشّقاوة الأبديّة وعذاب أهل النّار ودركاتهم فيها.. يكون بمقدار بغضه ﷺ، زيادة ونقصا. ومنها: اتّباعه والاقتداء به لمن وفّقه الله تعالى فيما يمكن به الاقتداء؛ كسخائه وحلمه، وتواضعه، وزهده، وعبادته، وغيرها من مكارم أخلاقه، وشرائف أحواله ﷺ، وذلك مستوجب لمحبّة الله تعالى الّتي فيها سعادة الدّارين. قال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [ال عمران: ٣١] . جعلنا الله تعالى من المتّبعين له ﷺ في شرعه القويم، وصراطه المستقيم، وحشرنا تحت لوائه، في زمرة أهل محبّته، عليه وعليهم الصّلاة والتّسليم.
الباب الأوّل في نسب رسول الله ﷺ وأسمائه الشّريفة وفيه فصلان
الفصل الأوّل في نسبه الشريف ﷺ هو سيّدنا محمّد رسول الله ﷺ ابن عبد الله بن عبد المطّلب «١» بن هاشم «٢» بن عبد مناف «٣» بن قصيّ «٤» بن كلاب «٥» بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر «٦» بن مالك بن النّضر «٧» بن كنانة بن
ه بن عبد المطّلب «١» بن هاشم «٢» بن عبد مناف «٣» بن قصيّ «٤» بن كلاب «٥» بن مرّة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر «٦» بن مالك بن النّضر «٧» بن كنانة بن
خزيمة بن مدركة «١» بن إلياس بن مضر بن نزار «٢» بن معدّ بن عدنان. إلى هنا إجماع الأمّة، وما بعده إلى ادم لا يصحّ فيه شيء يعتمد «٣» . وقد كان رسول الله ﷺ إذا انتسب.. لم يجاوز في نسبته معدّ بن عدنان بن أدد، ثمّ يمسك ويقول: «كذب النّسّابون» ؛ قال الله تعالى وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً [الفرقان: ٣٨] . وهذا النّسب أشرف الأنساب على الإطلاق. فعن العبّاس رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم، ثمّ تخيّر القبائل فجعلني من خير قبيلة، ثمّ تخيّر البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا» . وعن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل،
واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» . وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله اختار خلقه؛ فاختار منهم بني ادم، ثمّ اختار بني ادم فاختار منهم العرب، ثمّ اختار العرب فاختار منهم قريشا، ثمّ اختار قريشا فاختار منهم بني هاشم، ثمّ اختار بني هاشم فاختارني، فلم أزل خيارا من خيار، ألا من أحبّ العرب فبحبّي أحبّهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم» .
الفصل الثّاني في أسمائه الشريفة ﷺ اعلم.. أنّ لرسول الله ﷺ أسماء كثيرة. قال الإمام النّووي في «التّهذيب» : (قال الإمام الحافظ القاضي أبو بكر ابن العربّي المالكيّ في كتابه «عارضة الأحوذيّ في شرح التّرمذيّ» : قال بعض الصّوفيّة: لله ﷿ ألف اسم، وللنّبيّ ﷺ ألف اسم) اهـ وعن جبير بن مطعم بن عديّ رضي الله تعالى عنه؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ لي أسماء، أنا محمّد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الّذي يمحو الله بى الكفر، وأنا الحاشر الّذي يحشر النّاس على قدميّ «١» ، وأنا العاقب الّذي ليس بعده نبيّ» . وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: لقيت النّبيّ ﷺ في بعض طرق المدينة؛ فقال: «أنا محمّد، وأنا أحمد، وأنا نبيّ
الرّحمة، ونبيّ التّوبة، وأنا المقفّي «١» ، وأنا الحاشر، ونبيّ الملاحم» . ومعنى (المقفّي) : المتّبع من قبله من الرّسل، وكان اخرهم وخاتمهم. و (الملاحم) هي: الحروب. ففي تسميته ﷺ نبيّ الملاحم إشارة إلى ما بعث به من القتال بالسّيف. ولم يجاهد نبيّ وأمّته قطّ ما جاهد ﷺ وأمّته. والملاحم الّتي وقعت وتقع بين أمّته وبين الكفّار.. لم يعهد مثلها قبله؛ فإنّ أمّته يقاتلون الكفّار في أقطار الأرض على تعاقب الأعصار إلى أن يقاتلوا الأعور الدّجّال. وفي «التّهذيب» : (سمّاه الله ﷿ في القران رسولا، نبيّا، أمّيّا، شاهدا، مبشّرا، نذيرا، داعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا، ورؤوفا رحيما، ومذكّرا، وجعله رحمة ونعمة وهاديا ﷺ. قال: وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «اسمي في القران: محمّد، وفي الإنجيل:
ورؤوفا رحيما، ومذكّرا، وجعله رحمة ونعمة وهاديا ﷺ. قال: وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «اسمي في القران: محمّد، وفي الإنجيل:
أحمد، وفي التّوراة: أحيد «١» ، وإنّما سمّيت أحيد لأنّي أحيد أمّتي عن نار جهنّم» . وزاد نقلا عن ابن عساكر: الفاتح، وطه، وياسين، وعبد الله، وخاتم الأنبياء. وقال القسطلّانيّ في «المواهب» ، والباجوريّ في «حاشية الشّمائل» : ذكر صاحب كتاب «شوق العروس وأنس النّفوس» ، وهو حسين بن محمّد الدّامغانيّ نقلا عن كعب الأحبار أنّه قال: اسم النّبيّ ﷺ عند أهل الجنّة: عبد الكريم، وعند أهل النّار: عبد الجبّار، وعند أهل العرش: عبد الحميد، وعند سائر الملائكة: عبد المجيد، وعند الأنبياء: عبد الوهّاب، وعند الشّياطين: عبد القهّار، وعند الجنّ: عبد الرّحيم، وفي الجبال: عبد الخالق، وفي البراري: عبد القادر، وفي البحار: عبد المهيمن، وعند الحيتان: عبد القدّوس، وعند الهوامّ: عبد الغياث، وعند الوحوش: عبد الرّزّاق، وعند السّباع: عبد السّلام، وعند البهائم: عبد المؤمن، وعند الطّيور: عبد الغفّار، وفي التّوراة: مؤذ مؤذ، وفي الإنجيل:
طاب طاب، وفي الصّحف: عاقب، وفي الزّبور: فاروق، وعند الله: طه، وياسين، وعند المؤمنين: محمّد ﷺ. وكنيته: أبو القاسم؛ لأنّه يقسم الجنّة بين أهلها. قوله: (مؤذ مؤذ) : نقل في «المواهب» عن السّهيليّ: أنّه بضمّ الميم، وإشمام الهمزة ضمّا بين الواو والألف، ممدودا. وقال: نقلته عن رجل أسلم من علماء بني إسرائيل، وقال معناه: طيّب طيّب) اهـ فيكون بمعنى الاسم الاخر وهو: (طاب.. طاب) . وأمّا الفاروق: فهو الّذي يفرّق بين الحقّ والباطل، وهو معنى اسم (البار قليط) «١» المذكور في «إنجيل يوحنّا» . وقد ألّف خاتمة الحفّاظ جلال الدّين السّيوطيّ رسالة سمّاها: «البهجة السّنيّة في الأسماء النّبويّة» جمع فيها نحو الخمس مئة. ونقل في «المواهب» عن كتاب «أحكام القران» لأبي بكر ابن العربيّ: أنّ لله تعالى ألف اسم، وللنّبيّ ﷺ ألف اسم. قال القسطلّانيّ: (والمراد: الأوصاف، فكلّ الأسماء الّتي وردت أوصاف مدح، وإذا كان كذلك.. فله ﷺ من كلّ وصف اسم.
لله تعالى ألف اسم، وللنّبيّ ﷺ ألف اسم. قال القسطلّانيّ: (والمراد: الأوصاف، فكلّ الأسماء الّتي وردت أوصاف مدح، وإذا كان كذلك.. فله ﷺ من كلّ وصف اسم.
ثمّ إنّ منها ما هو مختصّ به، أو الغالب عليه، ومنها ما هو مشترك. وكلّ ذلك بيّن بالمشاهدة لا يخفى. وإذا جعلنا له من كلّ وصف من أوصافه اسما.. بلغت أسماؤه ما ذكر، بل أكثر. قال: والّذي رأيته في كلام شيخنا- يعني الحافظ السّخاويّ- في «القول البديع» ، والقاضي عياض في «الشّفا» ، وابن العربيّ في «القبس» و «الأحكام» ، وابن سيّد النّاس وغيرهم.. يزيد على الأربع مئة، ثمّ سردها مرتّبة على حروف المعجم) . وذكر منها الإمام الجزوليّ في «دلائل الخيرات» مئتين وواحدا. وقال في «التّهذيب» : (وكنيته ﷺ المشهورة: أبو القاسم، وكنّاه جبريل ﷺ: أبا إبراهيم) . وأفضل أسمائه ﷺ: محمّد. قال القسطلّانيّ: (وقد سمّاه الله تعالى بهذا الاسم قبل الخلق بألفي عام، كما ورد في حديث أنس ﵁. وروى ابن عساكر عن كعب الأحبار: أنّ ادم أوصى ابنه شيثا فقال: أي بنيّ؛ أنت خليفتي من بعدي، فخذها بعمارة التّقوى والعروة الوثقى، وكلّما ذكرت الله فاذكر إلى جنبه اسم محمّد، فإنّي رأيت اسمه مكتوبا على ساق العرش، ثمّ طفت السّماوات فلم أر فيها موضعا إلّا
ورأيت اسم محمّد مكتوبا عليه، وإنّ ربّي أسكنني الجنّة، فلم أر فيها قصرا ولا غرفة إلّا وجدت اسم محمّد مكتوبا عليه، ولقد رأيت اسم محمّد مكتوبا على نحور الحور العين، وعلى ورق قصب اجام الجنّة «١» ، وعلى ورق شجرة طوبى «٢» ، وعلى ورق سدرة المنتهى، وعلى أطراف الحجب «٣» ، وبين أعين الملائكة، فأكثر ذكره؛ فإنّ الملائكة تذكره في كلّ ساعاتها. قال حسّان بن ثابت رضي الله تعالى عنه: أغرّ عليه للنّبوّة خاتم ... من الله من نور يلوح ويشهد وضمّ الإله اسم النّبيّ إلى اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذّن: أشهد وشقّ له من إسمه ليجلّه ... فذو العرش محمود وهذا محمّد وأمّا اسم أحمد: فقد قال الباجوريّ في «حاشيته» : هو في الأصل أفعل تفضيل، وسمّي بذلك لأنّه أحمد الحامدين لربّه؛ ففي «الصّحيح» : أنّه يفتح عليه يوم القيامة بمحامد لم يفتح بها على أحد قبله، وكذلك يعقد له لواء الحمد، ويخصّ بالمقام المحمود. وبالجملة: فهو أكثر النّاس حامديّة ومحموديّة، فلذلك سمّي أحمد ومحمّدا. ولهذين الاسمين الشّريفين مزيّة على سائر الأسماء، فينبغي
تحرّي التّسمية بهما، فقد ورد في الحديث القدسيّ: «إنّي اليت على نفسي ألاأدخل النّار من اسمه أحمد، ولا محمّد» . ورواه الدّيلميّ عن عليّ رضي الله تعالى عنه: ما من مائدة وضعت فحضر عليها من اسمه محمّد أو أحمد.. إلّا قدّس الله ذلك المنزل في كلّ يوم مرّتين) اهـ
الباب الثّاني في صفة خلقة رسول الله ﷺ وما يناسبها من أوصافه الشّريفة وفيه عشرة فصول
حمّد أو أحمد.. إلّا قدّس الله ذلك المنزل في كلّ يوم مرّتين) اهـ
الباب الثّاني في صفة خلقة رسول الله ﷺ وما يناسبها من أوصافه الشّريفة وفيه عشرة فصول
الفصل الأوّل في جمال صورته ﷺ، وما شاكلها قال في «المواهب» : (اعلم أنّ من تمام الإيمان به ﷺ.. الإيمان بأنّ الله تعالى جعل خلق بدنه الشّريف على وجه لم يظهر قبله ولا بعده خلق ادميّ مثله. ولله درّ الأبو صيريّ «١» حيث قال: فهو الّذي تمّ معناه وصورته ... ثمّ اصطفاه حبيبا بارئ النّسم منزّه عن شريك في محاسنه ... فجوهر الحسن فيه غير منقسم وقد حكى القرطبيّ رحمه الله تعالى في (كتاب الصّلاة) ، أنّه قال: لم يظهر لنا تمام حسنه ﷺ؛ لأنّه لو ظهر لنا تمام حسنه.. لما طاقت أعيننا رؤيته ﷺ اهـ كان رسول الله ﷺ حسن الجسم. رواه غير واحد. وروى التّرمذيّ عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: كان رسول الله
صلّى الله عليه وسلّم ليس بالطّويل البائن، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق، ولا بالادم، ولا بالجعد القطط ولا بالسّبط. ومعنى (البائن) : الظّاهر طوله. و (الأمهق) : الشّديد البياض، الخالي عن الحمرة. و (الادم) : الأسمر. و (الجعد) : من في شعره التواء. و (القطط) : شديد الجعودة. و (السّبط) : مسترسل الشّعر. وكان رسول الله ﷺ رجلا مربوعا «١» ، بعيد ما بين المنكبين، عظيم الجمّة إلى شحمة أذنيه. ومعنى (الرّجل) «٢» : من في شعره تكسّر قليل. و (الجمّة) : مجتمع شعر الرّأس؛ وهي أكثر من الوفرة واللّمّة «٣» . وكان رسول الله ﷺ شثن الكفّين والقدمين، ضخم الرّأس، ضخم الكراديس، طويل المسربة، إذا مشى تكفّأ تكفّؤا؛ كأنّما ينحطّ من صبب. ومعنى (شثن) : غليظ.
«٣» . وكان رسول الله ﷺ شثن الكفّين والقدمين، ضخم الرّأس، ضخم الكراديس، طويل المسربة، إذا مشى تكفّأ تكفّؤا؛ كأنّما ينحطّ من صبب. ومعنى (شثن) : غليظ.
و (الكراديس) - جمع كردوس- وهو: مجمع العظام كالرّكبة والمنكب. و (المسربة) : الشّعر الدّقيق الّذي كأنّه قضيب من الصّدر إلى السّرّة. و (التّكفّؤ) : الميل إلى سنن «١» المشي، وهو: ما بين يديه كالسّفينة في جريها. و (الصّبب) : المكان المنحدر من الأرض. وكان رسول الله ﷺ جعدا رجلا «٢» ، ولم يكن بالمطهّم؛ ولا بالمكلثم، وكان في وجهه تدوير، أبيض مشرّب «٣» ، أدعج العينين، أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتد، أجرد، ذا مسربة، شثن الكفّين والقدمين، إذا مشى.. تقلّع كأنّما ينحطّ من صبب، وإذا التفت.. التفت معا، بين كتفيه خاتم النّبوّة. وهو خاتم النّبيّين، أجود النّاس صدرا، وأصدق النّاس لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من راه بديهة.. هابه، ومن خالطه معرفة.. أحبّه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله.
ومعنى (المطهّم) : البادن الكثير اللّحم «١» . و (المكلثم) : المدوّر الوجه. و (أدعج العينين) : شديد سوادهما. و (أهدب الأشفار) : طويل شعر الأجفان. و (المشاش) : رؤوس العظام. و (الكتد) : مجتمع الكتفين. و (أجرد) : غير أشعر. و (تقلّع) : مشى بقوّة. و (اللهجة) : الكلام. و (العريكة) : الطّبيعة. و (البديهة) : المفاجأة. وكان رسول الله ﷺ سهل الخدّين «٢» ، ضليع الفم، سواء البطن والصّدر، أشعر المنكبين والذّراعين وأعالي الصّدر، طويل الزّندين، رحب الرّاحة، أشكل العينين، أحمر الماقي، منهوس العقبين. ومعنى (ضليع الفم) : واسعه، وهو ممدوح لدلالته على الفصاحة. و (أشكل العينين) : في بياضهما حمرة.
و (منهوس العقبين) : قليل لحمهما. وكان رسول الله ﷺ عظيم العينين، أهدب الأشفار، مشرّب العين بحمرة. وكان ﷺ أبلج الحاجبين «١» ، كأنّ ما بينهما الفضّة المخلّصة. وكانت عيناه نجلاوين «٢» ، أدعجهما «٣» ، وكان في عينيه تمزّج من حمرة، وكان أهدب الأشفار حتّى تكاد تلتبس من كثرتها. وكان ﷺ ضخم الرّأس واليدين والقدمين. وكان ﷺ سهل الخدّين صلتهما «٤» ، ليس بالطّويل الوجه، ولا المكلثم. وكان ﷺ أحسن النّاس صفة وأجملها، كان ربعة إلى الطّول ما هو «٥» ، بعيد ما بين المنكبين، أسيل الخدّين، شديد سواد الشّعر، أكحل العينين، أهدب الأشفار، إذا وطىء بقدمه.. وطىء بكلّها، ليس له أخمص «٦» ، إذا وضع رداءه عن منكبيه.. فكأنّه سبيكة فضّة، وإذا ضحك.. يتلألأ.
ومعنى (أسيل الخدّين) : ليس فيهما ارتفاع. و (الأكحل) : أسود أجفان العين خلقة. وكان ﷺ شبح الذّراعين، بعيد ما بين المنكبين، أهدب أشفار العينين. ومعنى (شبح الذّراعين) : عريضهما ممتدّهما. وكان رسول الله ﷺ عبل العضدين والذّراعين «١» ، وما تحت الإزار من الفخذين والسّاق، طويل الزّندين، رحب الرّاحتين، سائل الأطراف، كأنّ أصابعه قضبان الفضّة. وكان ﷺ معتدل الخلق في السّمن، فبدن في اخر عمره، وكان مع ذلك لحمه متماسكا، يكاد يكون على الخلق الأوّل، لم يضرّه السّنّ. وكان ﷺ أحسن النّاس وجها، وأحسنهم خلقا، ليس بالطّويل البائن، ولا بالقصير، بل كان ينسب إلى الرّبعة «٢» إذا مشى واحده، ومع ذلك فلم يكن يماشيه أحد من النّاس وهو ينسب إلى الطّول.. إلّا طاله رسول الله ﷺ، ولربّما اكتنفه الرّجلان الطّويلان فيطولهما، فإذا فارقاه.. نسبا إلى الطّول؛ ونسب هو ﷺ إلى الرّبعة.
لنّاس وهو ينسب إلى الطّول.. إلّا طاله رسول الله ﷺ، ولربّما اكتنفه الرّجلان الطّويلان فيطولهما، فإذا فارقاه.. نسبا إلى الطّول؛ ونسب هو ﷺ إلى الرّبعة.
ويقول ﷺ: «جعل الخير كلّه في الرّبعة» . وزاد ابن سبع في «الخصائص» : أنّه كان ﷺ إذا جلس.. يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين. وكان ﷺ فخما مفخّما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذّب، عظيم الهامة «١» ، رجل الشّعر، إن انفرقت عقيقته.. فرقها، وإلّا.. فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره. أزهر اللّون، واسع الجبين، أزجّ الحواجب؛ سوابغ في غير قرن «٢» ، بينهما عرق يدرّه الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمّله أشمّ، كثّ اللّحية، سهل الخدّين، ضليع الفم، أشنب، مفلّج الأسنان، دقيق المسربة، كأنّ عنقه جيد دمية في صفاء الفضّة، معتدل الخلق. بادن متماسك، سواء البطن والصّدر «٣» ، عريض الصّدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرّد «٤» ، موصول ما بين اللّبّة والسّرّة بشعر يجري كالخطّ، عاري الثّديين والبطن ما سوى ذلك «٥» ،
أشعر الذّراعين والمنكبين وأعالي الصّدر، طويل الزّندين. رحب الرّاحة، شثن الكفّين والقدمين، سائل الأطراف، خمصان «١» الأخمصين، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء؛ إذا زال.. زال قلعا «٢» ، يخطو تكفّيا ويمشي هونا، ذريع المشية، إذا مشى.. كأنّما ينحطّ من صبب، وإذا التفت.. التفت جميعا، خافض الطّرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السّماء، جلّ نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدر من لقيه بالسّلام. ومعنى (الفخم) : العظيم في نفسه. و (المفخّم) : المعظّم عند غيره. و (المشذّب) : الظّاهر الطّول مع نحافة. و (رجل الشّعر) : مسترسله. و (العقيقة) : شعر الرّأس. و (وفره) : جعله وفرة، وهي الشّعر النّازل عن شحمة الأذن إذا لم يصل إلى المنكبين. و (أزهر) : مشرق اللّون، نيّره. و (أزجّ الحواجب) : مقوّسها مع طول.
س. و (وفره) : جعله وفرة، وهي الشّعر النّازل عن شحمة الأذن إذا لم يصل إلى المنكبين. و (أزهر) : مشرق اللّون، نيّره. و (أزجّ الحواجب) : مقوّسها مع طول.
و (السّوابغ) : الكاملات. و (أقنى العرنين) : طويل الأنف مع دقّة أرنبته «١» ، في وسطه بعض ارتفاع. و (الأشمّ) : مرتفع قصبة الأنف. و (الأشنب) : أبيض الأسنان مع بريق وتحديد فيها. و (المفلّج) : منفرج الثّنايا. و (الدّمية) : صورة من رخام ونحوه. و (البادن) : السّمين سمنا معتدلا. و (المتجرّد) : العضو العاري عن الشّعر. و (اللّبّة) : النّقرة الّتي فوق الصّدر. و (الرّحب) : الواسع. و (سائل الأطراف) : طويلها طولا معتدلا. و (خمصان الأخمصين) : متجافيهما عن الأرض. و (الأخمص) : الموضع الّذي لا يمسّ الأرض عند الوطء من وسط القدم. و (المسيح) : الأملس. و (ينبو) : يتباعد.
و (إذا زال.. زال قلعا) : إذا مشى.. رفع رجليه بقوّة. و (ذريع المشية) : واسع الخطو خلقة لا تكلّفا. و (الملاحظة) : النّظر باللّحاظ؛ وهو: شقّ العين ممّا يلي الصّدغ. و (يسوق أصحابه) : يقدّمهم بين يديه. و (يبدر) : يبتدئ. وكان رسول الله ﷺ أفلج الثّنيّتين، إذا تكلّم ريء «١» كالنّور يخرج من بين ثناياه. وكان ﷺ أحسن البشر قدما. وعن ميمونة بنت كردم؛ قالت: رأيت رسول الله ﷺ فما نسيت طول إصبع قدمه السّبّابة على سائر أصابعه. رواه الإمام أحمد وغيره. وكان ﷺ في ساقيه حموشة. ومعنى (الحموشة) : الدّقّة، وهي محمودة في السّاقين. وكان رسول الله ﷺ يمشي كأنّما يتقلّع من صخر، وينحدر من صبب، يخطو تكفّيا، ويمشي الهوينا بغير تبختر. ومعنى (الهوينا) : تقارب الخطا.
وكان ﷺ إذا مشى.. مشى مجتمعا؛ أي: قويّ الأعضاء، غير مسترخ في المشي. وكان رسول الله ﷺ إذا مشى.. مشى أصحابه أمامه، وتركوا ظهره للملائكة. وكان ﷺ إذا مشى.. لم يلتفت. وكان ﷺ لا يلتفت وراءه إذا مشى، وكان ربّما تعلّق رداؤه بالشّجر فلا يلتفت حتّى يرفعوه عليه. وكان ﷺ إذا مشى.. كأنّما يتوكّأ «١» . وكان ﷺ يمشي مشيا يعرف فيه أنّه ليس بعاجز ولا كسلان. وكان ﷺ لا يطأ عقبه رجلان قطّ، إن كانوا ثلاثة.. مشى بينهم، وإن كانوا جماعة.. قدّم بعضهم. وكان ﷺ إذا لبس نعليه.. بدأ باليمنى، وإذا خلع.. خلع اليسرى. وكان إذا دخل المسجد.. أدخل رجله اليمنى. وكان يحبّ التّيمّن في كلّ شيء أخذا وعطاء. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله ﷺ، كأنّ الشّمس تجري في وجهه،
ولا رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول الله ﷺ، كأنّما الأرض تطوى له، إنّا لنجهد أنفسنا، وإنّه لغير مكترث. وكان رسول الله ﷺ نورا، فكان إذا مشى في الشّمس والقمر.. لا يظهر له ظلّ. وكان وجهه ﷺ مثل الشّمس «١» والقمر، وكان مستديرا. وعن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما قال: ما رأيت من ذي لمّة في حلّة حمراء.. أحسن من رسول الله ﷺ. وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله ﷺ، كأنّ الشّمس تجري في وجهه، وإذا ضحك.. يتلألأ في الجدر. وقالت أمّ معبد في بعض ما وصفته به رضي الله تعالى عنها: أجمل النّاس من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب. وعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما قال: رأيت رسول الله ﷺ في ليلة إضحيان؛ وعليه حلّة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو عندي أحسن من القمر. ومعنى (إضحيان) : مقمرة.
لله تعالى عنهما قال: رأيت رسول الله ﷺ في ليلة إضحيان؛ وعليه حلّة حمراء، فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو عندي أحسن من القمر. ومعنى (إضحيان) : مقمرة.
وسأل رجل البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما: أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر. وكان لونه ﷺ أزهر، ولم يكن بالأسمر، ولا بالشّديد البياض. ونعته عمّه أبو طالب فقال: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل وكان ﷺ أزهر اللّون، كأنّ عرقه اللّؤلؤ، إذا مشى.. تكفّأ. وكان رسول الله ﷺ أحسن النّاس وجها وأنورهم، لم يصفه واصف إلّا شبّهه بالقمر ليلة البدر. وكانوا يقولون: هو كما وصفه صاحبه أبو بكر الصّدّيق رضي الله تعالى عنه حيث يقول: أمين مصطفى للخير يدعو ... كضوء البدر زايله الغمام وكان ﷺ أبيض كأنّما صيغ من فضّة، رجل الشّعر. وكان ﷺ أبيض مليحا مقصّدا. ومعنى (المقصّد) : المتوسّط بين الطّول والقصر. وكان رسول الله ﷺ أبيض مشربا بياضه بحمرة، وكان أسود الحدقة، أهدب الأشفار.
وكان ﷺ أبيض مشربا بحمرة، ضخم الهامة، أغرّ أبلج، أهدب الأشفار. ومعنى (الأغرّ) : الصّبيح. و (الأبلج) : الحسن المشرق المضيء. وكان رسول الله ﷺ أحسن عباد الله عنقا، لا ينسب إلى الطّول ولا إلى القصر، ما ظهر من عنقه للشّمس والرّياح فكأنّه إبريق فضّة مشرّب ذهبا، يتلألأ في بياض الفضّة وفي حمرة الذّهب. وكان ﷺ من أحسن عباد الله شفتين وألطفهم ختم فم. وكان ﷺ عريض الصّدر لا يعدو لحم بعض بدنه بعضا؛ كالمراة في استوائها، وكالقمر في بياضه. وكان له ﷺ ثلاث عكن يغطّي الإزار منها واحدة. وعن أمّ هانىء رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت بطن رسول الله ﷺ إلّا ذكرت القراطيس المثنيّة بعضها على بعض. وعن محرّش الكعبيّ رضي الله تعالى عنه قال: اعتمر النّبيّ ﷺ من الجعرانة ليلا فنظرت إلى ظهره كأنّه سبيكة فضّة. وفي «المواهب» : عن مقاتل بن حيّان: قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇: «اسمع وأطع، يا ابن الطّاهرة البكر البتول، إنّي خلقتك من غير فحل فجعلتك اية للعالمين، فإيّاي فاعبد، وعليّ
بن حيّان: قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇: «اسمع وأطع، يا ابن الطّاهرة البكر البتول، إنّي خلقتك من غير فحل فجعلتك اية للعالمين، فإيّاي فاعبد، وعليّ
فتوكّل، فسّر لأهل سوران «١» إنّي أنا الله الحيّ القيّوم الّذي لا أزول، صدّقوا النّبيّ الأمّيّ صاحب الجمل والمدرعة، والعمامة والنّعلين والهراوة، الجعد الرأس، الصّلت الجبين، المقرون الحاجبين، الأهدب الأشفار، الأدعج العينين، الأقنى الأنف، الواضح الخدّين، الكثّ اللّحية، عرقه في وجهه كاللّؤلؤ، وريح المسك ينفح منه، كأنّ عنقه إبريق فضّة» . قوله: (صلت الجبين) : واضحه. و (أدعج العينين) : شديد سواد العين. و (أقنى الأنف) : طويله مع دقّة أرنبته، في وسطه بعض ارتفاع. قال ابن الأثير: والصّحيح في صفة حواجبه ﷺ أنّها سوابغ من غير قرن. وكان رسول الله ﷺ إذا نظر وجهه في المراة.. قال: «الحمد لله الّذي سوّى خلقي فعدّله، وكرّم صورة وجهي فحسّنها، وجعلني من المسلمين» . وكان ﷺ إذا نظر في المراة.. قال: «الحمد لله الّذي حسّن خلقي وخلقي، وزان منّي ما شان من غيري» . وكان ﷺ يقول: «أنا أشبه النّاس بادم صلّى الله عليه
وسلّم، وكان أبي إبراهيم ﷺ أشبه النّاس بي خلقا وخلقا» . وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: أنّ رسول الله ﷺ قال: «عرض عليّ الأنبياء، فإذا موسى ﵇ ضرب من الرّجال كأنّه من رجال شنوءة. ورأيت عيسى ابن مريم [﵇] ، فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود. ورأيت إبراهيم ﵇، فإذا أقرب من رأيت به شبها صاحبكم؛ يعني نفسه. ورأيت جبريل ﵇، فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية» . ومعنى (ضرب) : نوع. و (شنوءة) : قبيلة من اليمن رجالها متوسّطون. وكان رسول الله ﷺ واسع الظّهر، ما بين كتفيه خاتم النّبوّة، وهو ممّا يلي منكبه الأيمن، فيه شامة سوداء تضرب إلى الصّفرة، حولها شعرات متواليات كأنّها من عرف فرس. وكان خاتمه ﷺ غدّة حمراء مثل بيضة الحمامة. وعن بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنه قال: جاء سلمان الفارسيّ رضي الله تعالى عنه إلى رسول الله ﷺ حين قدم المدينة بمائدة عليها رطب، فوضعت بين يدي رسول الله صلّى الله عليه
وسلّم؛ فقال: «يا سلمان.. ما هذا؟» . فقال: صدقة عليك وعلى أصحابك. فقال: «ارفعها؛ فإنّا لا نأكل الصّدقة» . قال: فرفعها. فجاء الغد بمثله فوضعه بين يدي رسول الله ﷺ. فقال: «ما هذا يا سلمان؟» . فقال: هديّة لك. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أبسطوا» «١» . ثمّ نظر إلى الخاتم على ظهر رسول الله ﷺ؛ فامن به. وكان لليهود «٢» ، فاشتراه رسول الله ﷺ بكذا وكذا درهما على أن يغرس لهم نخلا فيعمل سلمان فيه حتّى يطعم، فغرس رسول الله ﷺ النّخيل إلّا نخلة واحدة غرسها عمر، فحملت النّخل من عامها، ولم تحمل النّخلة، فقال رسول الله ﷺ: «ما شأن هذه النّخلة؟» . فقال عمر: يا رسول الله؛ أنا غرستها، فنزعها رسول الله ﷺ، فغرسها، فحملت من عامها.
الفصل الثّاني في صفة بصره ﷺ واكتحاله كان رسول الله ﷺ يرى باللّيل في الظّلمة كما يرى بالنّهار في الضّوء. وكان ﷺ يرى من خلفه من الصّفوف كما يرى من بين يديه. وكان ﷺ يرى في الثّريّا «١» أحد عشر نجما. وكان ﷺ لا يقعد في بيت مظلم حتّى يضاء له بالسّراج. وكان ﷺ يعجبه النّظر إلى الخضرة والماء الجاري. وكان ﷺ يعجبه النّظر إلى الأترجّ. وكان يعجبه النّظر إلى الحمام الأحمر «٢» .
مظلم حتّى يضاء له بالسّراج. وكان ﷺ يعجبه النّظر إلى الخضرة والماء الجاري. وكان ﷺ يعجبه النّظر إلى الأترجّ. وكان يعجبه النّظر إلى الحمام الأحمر «٢» .
وأمّا اكتحال رسول الله ﷺ: فقد كان ﷺ إذا اكتحل.. جعل في عين اثنتين وواحدة بينهما؛ أي: جعل في كلّ عين مرودين، وواحد يقسم بينهما، فالمجموع وتر، وهو خمسة مراود. وكان ﷺ إذا اكتحل.. اكتحل وترا، وإذا استجمر «١» .. استجمر وترا. وكان له ﷺ مكحلة يكتحل منها كلّ ليلة، ثلاثة في هذه، وثلاثة في هذه. وكان ﷺ لا يفارقه في الحضر، ولا في السفر خمس: المراة، والمكحلة، والمشط، والسّواك، والمدرى. و (المدرى) : شيء يعمل من حديد أو خشب، على شكل سنّ من أسنان المشط وأطول منه، يسرّح به الشّعر المتلبّد، ويستعمله من لا مشط له. وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: أنّ النبيّ ﷺ قال: «اكتحلوا بالإثمد، فإنّه يجلو البصر، وينبت الشّعر» . قال الباجوريّ: المخاطب بذلك الأصحّاء، أمّا العين المريضة فقد
يضرّها الإثمد؛ وهو: حجر الكحل المعدنيّ المعروف، ومعدنه بالمشرق، وهو أسود يضرب إلى حمرة. وقال بعد قوله (يجلو البصر) : وهذا إذا اكتحل به من اعتاده، فإن اكتحل به من لم يعتده.. رمدت عينه.
الفصل الثّالث في صفة شعره ﷺ وشيبه، وخضابه، وما يتعلق بذلك كان رسول الله ﷺ رجل الشّعر حسنه، ليس بالسّبط ولا الجعد القطط «١» ، وكان إذا مشطه بالمشط.. يأتي كأنّه حبك الرّمل، وربّما جعله غدائر أربعا؛ يخرج كلّ أذن من بين غديرتين، وربّما جعل شعره على أذنيه؛ فتبدو سوالفه تتلألأ «٢» . ومعنى (الغدائر) : الذّوائب، واحدتها غديرة. و (الحبك) - جمع حباك- ككتاب، وهي: الطريقة في الرّمل ونحوه. وكان شعر رسول الله ﷺ دون الجمّة، وفوق الوفرة. وكان شعره ﷺ يضرب إلى منكبيه، وكثيرا ما يكون إلى شحمة أذنيه.
حباك- ككتاب، وهي: الطريقة في الرّمل ونحوه. وكان شعر رسول الله ﷺ دون الجمّة، وفوق الوفرة. وكان شعره ﷺ يضرب إلى منكبيه، وكثيرا ما يكون إلى شحمة أذنيه.
وكان رسول الله ﷺ حسن الجسم، بعيد ما بين المنكبين، له شعر إلى منكبيه، وفي وقت إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى نصف أذنيه. وكان ﷺ يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رؤوسهم، وكان يحبّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثمّ فرق رسول الله ﷺ رأسه. ومعنى (سدل الشّعر) : إرساله. وكان رسول الله ﷺ حسن السّبلة. ومعنى (السّبلة) : مقدّم اللّحية، وما انحدر منها على الصّدر. وكان رسول الله ﷺ كثّ اللّحية، وكان يعفي لحيته ويأخذ من شاربه. وكان ﷺ يأخذ من لحيته الشّريفة، من عرضها وطولها. وكان ﷺ يكثر تسريح لحيته. وكان ﷺ لا يفارقه سواكه ولا مشطه، وكان ينظر في المراة إذا سرّح لحيته. وكان ﷺ إذا اهتمّ.. أكثر من مسّ لحيته. وكان ﷺ إذا اغتمّ.. أخذ لحيته بيده ينظر فيها. وكان ﷺ إذا توضّأ.. خلّل لحيته بالماء.
وكان ﷺ يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته، ويكثر اتّخاذ القناع. و (القناع) : خرقة توضع على الرّأس حين استعمال الدّهن لتقي العمامة والثّياب. وكان رسول الله ﷺ إذا ادّهن.. صبّ في راحته اليسرى، فبدأ بحاجبيه، ثمّ عينيه، ثمّ رأسه. وكان ﷺ يحبّ التّيامن في طهوره إذا تطهّر، وفي ترجّله إذا ترجّل، وفي انتعاله إذا انتعل، وفي شأنه كلّه. وكانت يده اليسرى لخلائه، وما كان من أذى. وإذا نام واضطجع.. اضطجع على جنبه الأيمن مستقبل القبلة. وكان ﷺ يجعل يمينه لأكله وشربه ووضوئه وثيابه وأخذه وعطائه، وشماله لما سوى ذلك. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كنت أرجّل «١» رأس رسول الله ﷺ وأنا حائض. وكان رسول الله ﷺ يترجّل غبّا؛ أي: حينا بعد حين. وكان شيبه ﷺ في الرّأس واللّحية شيئا قليلا، نحو سبع عشرة شعرة. وقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله؛ قد شبت؟! قال:
«شيّبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعمّ يتسائلون، وإذا الشّمس كوّرت» ؛ لاشتمال هذه السّور على بيان أحوال القيامة ممّا يوجب خوفه على أمّته ﷺ. وسئل أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: هل خضب رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. وعن عبد الله بن محمّد بن عقيل قال: رأيت شعر رسول الله ﷺ عند أنس بن مالك مخضوبا. وفي «الصّحيحين» من طرق كثيرة: أنّ النّبيّ ﷺ لم يخضب، ولم يبلغ شيبه أوان الخضاب، وإنّما خضب من كان عنده شيء من شعره بعد وفاته ﷺ ليكون أبقى له. وفي «الصّحيحين» أيضا و «سنن أبي داود» : عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنّ رسول الله ﷺ كان يصفّر لحيته بالورس والزّعفران. وعن قتادة قال: قلت لأنس بن مالك: هل خضب رسول الله ﷺ؟ قال: لم يبلغ ذلك، إنّما كان شيئا في صدغيه، ولكن أبو بكر رضي الله تعالى عنه خضب بالحنّاء والكتم. و (الكتم) : نبت فيه حمرة. وقال النّوويّ: المختار أنّه صبغه في وقت، وتركه في معظم الأوقات، فأخبر كلّ بما رأى، وهو صادق. وكان رسول الله ﷺ يأمر بتغيير الشّعر مخالفة للأعاجم.
رة. وقال النّوويّ: المختار أنّه صبغه في وقت، وتركه في معظم الأوقات، فأخبر كلّ بما رأى، وهو صادق. وكان رسول الله ﷺ يأمر بتغيير الشّعر مخالفة للأعاجم.
وكان ﷺ يتنوّر «١» في كلّ شهر، ويقلّم أظفاره في كلّ خمسة عشر يوما. وكان ﷺ إذا اطّلى بالنّورة.. ولي عانته وفرجه بيده. وكان ﷺ إذا اطّلى.. بدأ بعورته فطلاها بالنّورة، وسائر جسده أهله. وكان ﷺ يقلّم أظفاره ويقصّ شاربه يوم الجمعة، قبل أن يروح إلى الصّلاة. وكان ﷺ يأمر بدفن الشّعر والأظفار. وكان ﷺ يأمر بدفن سبعة أشياء من الإنسان: الشّعر، والظّفر، والدّم، والحيضة «٢» ، والسّنّ، والعلقة، والمشيمة. وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ والحلّاق يحلقه، وأطاف به أصحابه فما يريدون أن تقع شعرة إلّا في يد رجل.
الفصل الرّابع في صفة عرقه ﷺ ورائحته الطبيعية روى مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه أنّه قال: كان رسول الله ﷺ كثير العرق. وكان عرقه ﷺ في وجهه كاللّؤلؤ، وأطيب من المسك الأذفر «١» . وكان ﷺ إذا نزل عليه الوحي.. ثقل لذلك، وتحدّر جبينه عرقا كأنّه جمان «٢» ، وإن كان في البرد. وكان ﷺ يأتي أمّ سليم فيقيل عندها، فتبسط له نطعا «٣» فيقيل عليه، وكان كثير العرق، فكانت تجمع عرقه فتجعله في الطّيب، فقال النّبيّ ﷺ: «يا أمّ سليم؛ ما هذا؟» . قالت: عرقك نجعله في طيبنا، وهو من أطيب الطّيب.
قيل عليه، وكان كثير العرق، فكانت تجمع عرقه فتجعله في الطّيب، فقال النّبيّ ﷺ: «يا أمّ سليم؛ ما هذا؟» . قالت: عرقك نجعله في طيبنا، وهو من أطيب الطّيب.
وفي رواية قالت: يا رسول الله؛ نرجو بركته لصبياننا. قال: «أصبت» . وكان كفّه ﷺ ألين من الحرير، وكانت رائحته كرائحة كفّ العطّار، مسّها ﷺ بطيب أم لم يمسّها، وكان يصافح الرّجل فيظلّ يومه يجد ريحها، ويضع يده على رأس الصّبيّ فيعرف من بين الصّبيان بريحها على رأسه. وقال أنس: ما مسست ديباجا ولا حريرا ألين من كفّ رسول الله ﷺ. وعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهما: أنّ رسول الله ﷺ مسح خدّه، قال: فوجدت ليده بردا وريحا؛ كأنّما أخرجها من جؤنة «١» عطّار. وكان ﷺ يعرف منه ريح الطّيب إذا أقبل. وكان ﷺ لا يسلك طريقا فيتبعه أحد.. إلّا عرف أنّه قد سلكه من طيب عرفه «٢» . وذكر إسحاق بن راهواه: أنّ تلك كانت رائحته بلا طيب ﷺ. وعن أمّ عاصم امرأة عتبة بن فرقد السّلميّ قالت: كنّا عند عتبة أربع
نسوة، فما منّا امرأة إلّا وهي تجتهد في الطّيب؛ لتكون أطيب من صاحبتها، وما يمسّ عتبة الطّيب إلّا أن يمسّ دهنا يمسح به لحيته، ولهو أطيب ريحا منّا، وكان إذا خرج إلى النّاس.. قالوا: ما شممنا ريحا أطيب من ريح عتبة، فقلت له يوما: إنّا لنجتهد في الطّيب، ولأنت أطيب ريحا منّا! فممّ ذلك؟! فقال: أخذني الشّرى «١» على عهد رسول الله ﷺ، فأتيته، فشكوت ذلك إليه، فأمرني أن أتجرّد، فتجرّدت عن ثوبي، وقعدت بين يديه، وألقيت ثوبي على فرجي، فنفث في يده، ثمّ مسح ظهري وبطني بيده، فعبق بي هذا الطّيب من يومئذ. رواه الطّبرانيّ في «معجمه الصّغير» . وروى أبو يعلى والطّبرانيّ قصّة الّذي استعان بالنّبيّ ﷺ على تجهيز ابنته، فلم يكن عنده شيء، فاستدعاه بقارورة فسلت «٢» له فيها من عرقه، وقال: «مرها فلتطّيّب به» ، فكانت إذا تطيّبات به شمّ أهل المدينة ذلك الطّيب، فسمّوا «بيت المطيّبين» .
الفصل الخامس في صفة طيبه ﷺ وتطيّبه عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: كان لرسول الله ﷺ سكّة يتطيّب منها. ومعنى (السّكّة) : طيب مجموع من أخلاط، ويحتمل أن يكون وعاء. وكان رسول الله ﷺ يأخذ المسك فيمسح به رأسه ولحيته. وكان ﷺ يضمّخ رأسه بالمسك. وكان أنس لا يردّ الطّيب؛ وقال: إنّ النّبيّ ﷺ كان لا يردّ الطّيب. وعن أبي عثمان النّهديّ رضي الله تعالى عنه؛ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أعطي أحدكم الرّيحان.. فلا يردّه؛ فإنّه خرج من الجنّة» . وعن أنس ﵁: كان أحبّ الرّياحين إليه ﷺ الفاغية.
و (الفاغية) : زهر الحنّاء. وكان رسول الله ﷺ يعجبه الرّيح الطّيّبة. وكان ﷺ يحبّ الطّيب والرّائحة الحسنة، ويستعملهما كثيرا، ويحضّ عليهما، ويقول: «حبّب إليّ من دنياكم: النّساء، والطّيب، وجعلت قرّة عيني في الصّلاة» . ورواية: «حبّب إليّ من دنياكم ثلاث» .. لا أصل لها، ففي «المواهب» : قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: إنّ لفظ «ثلاث» لم يقع في شيء من طرقه، وزيادته تفسد المعنى، وكذلك قاله الوليّ العراقيّ في «أماليه» ، وعبارته: (ليست هذه اللّفظة: وهي (ثلاث) في شيء من كتب الحديث وهي مفسدة للمعنى؛ فإنّ الصّلاة ليست من أمور الدّنيا، وكذا صرّح به الزّركشيّ وغيره، كما حكاه شيخنا- يعني الحافظ السّخاويّ في «المقاصد الحسنة» - وأقرّه) اهـ وأنكره أيضا ابن القيّم. وكان رسول الله ﷺ يحبّ الطّيب ويكره الرّائحة الرّديئة.
الفصل السادس في صفة صوته ﷺ عن أنس رضي الله تعالى عنه: ما بعث الله نبيّا إلّا حسن الوجه، حسن الصّوت، وكان نبيّكم أحسنهم وجها، وأحسنهم صوتا. وكان صوت رسول الله ﷺ يبلغ حيث لا يبلغه صوت غيره. فعن البراء قال: خطبنا رسول الله ﷺ حتّى أسمع العواتق «١» في خدورهنّ. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: جلس رسول الله ﷺ يوم الجمعة على المنبر، فقال للنّاس: «اجلسوا» ، فسمعه عبد الله بن رواحة وهو في بني غنم، فجلس في مكانه. وقال عبد الرّحمن بن معاذ التّيميّ رضي الله تعالى عنه: خطبنا
ى المنبر، فقال للنّاس: «اجلسوا» ، فسمعه عبد الله بن رواحة وهو في بني غنم، فجلس في مكانه. وقال عبد الرّحمن بن معاذ التّيميّ رضي الله تعالى عنه: خطبنا
رسول الله ﷺ بمنى، ففتح الله أسماعنا، حتّى إن كنّا لنسمع ما يقول ونحن في منازلنا. وعن أمّ هانىء رضي الله تعالى عنها قالت: كنّا نسمع قراءة النّبيّ ﷺ في جوف اللّيل عند الكعبة، وأنا على عريشي. وكان رسول الله ﷺ إذا خطب.. اشتدّ غضبه وعلا صوته، كأنّه منذر جيش يقول: صبّحكم ومسّاكم.
الفصل السّابع في صفة غضبه ﷺ وسروره كان رسول الله ﷺ إذا غضب.. يرى رضاه وغضبه في وجهه لصفاء بشرته. وكان ﷺ إذا غضب.. احمرّت وجنتاه. وكان ﷺ إذا غضب وهو قائم.. جلس، وإذا غضب وهو جالس.. اضطجع، فيذهب غضبه. وكان ﷺ إذا غضب.. لم يجترئ عليه أحد إلّا عليّ. وكان ﷺ أبعد الناس غضبا، وأسرعهم رضا. وكان ﷺ يغضب لربّه ﷿، ولا يغضب لنفسه. وكان ينفّذ الحقّ وإن عاد ذلك بالضّرر عليه وعلى أصحابه. وكان ﷺ إذا كره شيئا.. عرف ذلك في وجهه. وأمّا سرور رسول الله ﷺ:
فقد كان ﷺ إذا سرّ.. استنار وجهه كأنّه القمر. وكان ﷺ إذا سرّ.. فكأنّ وجهه المراة، وكأنّ الجدر يرى شخصها فيه.
الفصل الثّامن في صفة ضحكه ﷺ وبكائه وعطاسه [ضحك رسول الله ص] كان رسول الله ﷺ إذا افترّ «١» ضاحكا.. افترّ عن مثل سنا البرق إذا تلألأ، وعن مثل حبّ الغمام. وكان ﷺ جلّ ضحكه التّبسّم. وعن عبد الله بن الحارث رضي الله تعالى عنه قال: ما رأيت أحدا أكثر تبسّما من رسول الله ﷺ. وعن عائشة رضي الله [تعالى] عنها أنّها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ قطّ مستجمعا ضاحكا حتّى أرى منه لهواته «٢» . وعن عبد الله بن الحارث أيضا قال: ما ضحك رسول الله ﷺ إلّا تبسّما.
ى] عنها أنّها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ قطّ مستجمعا ضاحكا حتّى أرى منه لهواته «٢» . وعن عبد الله بن الحارث أيضا قال: ما ضحك رسول الله ﷺ إلّا تبسّما.
وكان رسول الله ﷺ لا يحدّث حديثا إلّا تبسّم. وكان ضحك أصحابه ﷺ عنده التبسّم من غير صوت، اقتداء به، وتوقيرا له، وكانوا إذا جلسوا عنده.. كأنّما على رؤوسهم الطّير. وكان ﷺ إذا جرى به الضّحك.. وضع يده على فيه «١» . وكان ﷺ من أضحك النّاس، وأطيبهم نفسا. وورد في أحاديث أنّ النّبيّ ﷺ ضحك حتّى بدت نواجذه- أي: أضراسه- وإن كان الغالب من أحواله ﷺ التبسّم فعن أبي ذرّ رضي الله [تعالى] عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّي لأعلم أوّل رجل يدخل الجنّة، واخر رجل يخرج من النّار، يؤتى بالرّجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، ويخبأ عنه كبارها، فيقال له: عملت يوم كذا.. كذا وكذا، وهو مقرّ لا ينكر، وهو مشفق من كبارها، فيقال: أعطوه مكان كلّ سيّئة عملها حسنة، فيقول: إنّ لي ذنوبا لا أراها ههنا» . قال أبو ذرّ: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتّى بدت نواجذه.



