وسائل الوصول إلى شمائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya يوسف النبهاني (w. 1350 H).

Bagian 2 dari 6 378 halaman

— Bagian 2 · وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قا… —

Bagian 2

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّي لأعرف اخر أهل النّار خروجا، رجل يخرج منها زحفا، فيقال له: انطلق فادخل الجنّة. قال: فيذهب ليدخل فيجد الناس قد أخذوا المنازل، فيرجع فيقول: ربّ؛ قد أخذ النّاس المنازل، فيقال له: أتذكر الزّمان الّذي كنت فيه؟ فيقول: نعم، فيقال له: تمنّ. قال: فيتمنّى، فيقال له: فإنّ لك الّذي تمنّيته وعشرة أضعاف الدّنيا. قال: فيقول: أتسخر بي وأنت الملك» . قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتّى بدت نواجذه. وعن عامر بن سعد بن أبي وقّاص قال: قال سعد رضي الله تعالى عنه: لقد رأيت النّبيّ ﷺ ضحك يوم الخندق حتّى بدت نواجذه. قال: قلت: كيف كان ضحكه؟ قال: كان رجل معه ترس، وكان سعد راميا، وكان الرّجل يقول كذا وكذا بالتّرس يغطّي جبهته «١» ، فنزع له سعد بسهم، فلمّا رفع رأسه..

رماه فلم يخطئ هذه منه- يعني: جبهته- وانقلب الرّجل وشال برجله «١» ، فضحك النّبيّ ﷺ حتّى بدت نواجذه. قال: قلت: من أيّ شيء ضحك «٢» ؟ قال: من فعله بالرّجل «٣» . وعن عليّ بن ربيعة قال: شهدت عليّا رضي الله تعالى عنه أتي بدابّة ليركبها، فلمّا وضع رجله في الرّكاب.. قال: باسم الله. فلمّا استوى على ظهرها.. قال: الحمد لله، ثمّ قال: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ. وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ [الزخرف: ١٣- ١٤] . ثمّ قال: الحمد لله (ثلاثا) ، والله أكبر (ثلاثا) ، سبحانك إنّي ظلمات نفسي فاغفرلي؛ فإنّه لا يغفر الذّنوب إلّا أنت. ثمّ ضحك. فقلت: من أيّ شيء ضحكت يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ صنع كما صنعت ثمّ ضحك. فقلت: من أيّ شيء ضحكت يا رسول الله؟

ر الذّنوب إلّا أنت. ثمّ ضحك. فقلت: من أيّ شيء ضحكت يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ صنع كما صنعت ثمّ ضحك. فقلت: من أيّ شيء ضحكت يا رسول الله؟

قال: «إنّ ربّك ليعجب من عبده إذا قال: ربّ اغفر لي ذنوبي، يعلم أنّه لا يغفر الذّنوب أحد غيره» . [بكاء رسول الله ص] وأمّا بكاء رسول الله ﷺ: فكان من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن تدمع عيناه حتّى تهملان «١» ، ويسمع لصدره أزيز، يبكي: رحمة لميّت، و: خوفا على أمّته وشفقة، و: من خشية الله تعالى، و: عند سماع القران، و: أحيانا في صلاة اللّيل. فعن عبد الله بن الشّخّير رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلّي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل «٢» من البكاء. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ: «اقرأ عليّ» ، فقلت: يا رسول الله؛ أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: «إنّي أحبّ أن أسمعه من غيري» . فقرأت سورة النّساء حتّى بلغت: وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً [النساء: ٤١] . قال: فرأيت عيني رسول الله ﷺ تهملان. وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: أخذ رسول الله صلّى الله

عليه وسلّم ابنة له صغيرة «١» تقضي «٢» ، فاحتضنها فوضعها بين يديه، فماتت وهي بين يديه «٣» وصاحت أمّ أيمن، فقال: - يعني: النّبيّ ﷺ: «أتبكين عند رسول الله؟!» . أي: بكاء محظورا مقترنا بالصّياح دالّا على الجزع. فقالت: ألست أراك تبكي؟ قال: «إنّي لست أبكي، إنّما هي رحمة، إنّ المؤمن بكلّ خير على كلّ حال، إنّ نفسه تنزع من بين جنبيه؛ وهو يحمد الله ﷿» . وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: شهدنا ابنة «٤» لرسول الله ﷺ ورسول الله جالس على القبر، فرأيت عينيه تدمعان. وعن عائشة ﵂: أنّ رسول الله ﷺ قبّل عثمان بن مظعون، وهو ميّت، وهو يبكي. هو أخوه من الرّضاعة «٥» . وكانت عيناه ﷺ كثيرة الدّموع والهملان. وكسفت الشّمس مرّة، فجعل ﷺ يبكي في الصّلاة

ﷺ قبّل عثمان بن مظعون، وهو ميّت، وهو يبكي. هو أخوه من الرّضاعة «٥» . وكانت عيناه ﷺ كثيرة الدّموع والهملان. وكسفت الشّمس مرّة، فجعل ﷺ يبكي في الصّلاة

وينفخ، ويقول: «يا ربّ؛ ألم تعدني ألاتعذّبهم وأنا فيهم، وهم يستغفرونك؟ ونحن نستغفرك يا ربّ» . [عطاس رسول الله ص] وأمّا عطاس رسول الله ﷺ: فقد كان ﷺ إذا عطس.. وضع يده أو ثوبه على فيه، وخفض بها صوته. وكان ﷺ إذا عطس.. حمد الله، فيقال له: يرحمك الله، فيقول: «يهداكم الله ويصلح بالكم» . وكان ﷺ يكره العطسة الشّديدة في المسجد. وكان ﷺ يكره رفع الصّوت بالعطاس. أمّا التّثاؤب: فقد كان رسول الله ﷺ يكرهه من غيره، وقد حفظه الله تعالى منه، وما تثاءب نبيّ قطّ.

الفصل التّاسع في صفة كلامه ﷺ وسكوته عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما كان رسول الله ﷺ يسرد كسردكم هذا، ولكن كان يتكلّم بكلام بيّن فصل، يحفظه من جلس إليه. وكان في كلامه ﷺ ترتيل. وكان كلامه ﷺ يحفظه كلّ من سمعه. وكان ﷺ إذا تكلّم بكلمة.. أعادها ثلاثا حتّى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلّم عليهم.. سلّم عليهم ثلاثا. وكان ﷺ إذا جلس يتحدّث.. يكثر أن يرفع طرفه إلى السّماء. وكان ﷺ يحدّث حديثا، لو عدّه العادّ.. لأحصاه. وكان ﷺ طويل الصّمت. وكان ﷺ كثير السّكوت، لا يتكلّم في غير حاجة، ويعرض عمّن تكلّم بغير جميل. وكان ﷺ يخزن لسانه إلّا فيما يعنيه.

وكان ﷺ نزر الكلام، سمح المقالة، يعيد الكلام مرّتين ليفهم. وكان ﷺ كلامه كخرزات النّظم. وكان يعرض عن كلّ كلام قبيح، ويكني عن الأمور المستقبحة في العرف إذا اضطرّه الكلام إلى ذكرها. وكان ﷺ يذكر الله تعالى بين كلّ خطوتين.

الفصل العاشر في صفة قوّته ﷺ كان رسول الله ﷺ شديد البطش. وعن ابن إسحاق وغيره: أنّه كان بمكّة رجل شديد القوّة يحسن الصّراع، وكان النّاس يأتونه من البلاد للمصارعة فيصرعهم، فبينما هو ذات يوم في شعب من شعاب مكّة إذ لقيه رسول الله ﷺ، فقال له: «يا ركانة؛ ألا تتّقي الله وتقبل ما أدعوك إليه؟» . فقال له: يا محمّد؛ هل من شاهد يدلّ على صدقك؟ فقال: «أرأيتك إن صرعتك، أتؤمن بالله ورسوله؟» . قال: نعم يا محمّد. فقال له: «تهيّأ للمصارعة» . فقال: تهيّأت. فدنا رسول الله ﷺ فأخذه، ثمّ صرعه. قال: فتعجّب ركانة من ذلك، ثمّ سأله الإقالة والعود، ففعل به ثانيا وثالثا، فوقف ركانة متعجّبا، وقال: إنّ شأنك لعجيب. وقد صارع النّبيّ ﷺ جماعة غير ركانة، منهم أبو

الأسود الجمحيّ، وكان شديدا، بلغ من شدّته أنّه كان يقف على جلد البقرة، ويتجاذب أطرافه عشرة لينزعوه من تحت قدميه، فيتفرّى الجلد «١» ، ولم يتزحزح عنه، فدعا رسول الله ﷺ إلى المصارعة، وقال: إن صرعتني.. امنت بك، فصرعه رسول الله ﷺ فلم يؤمن. وأمّا قوّة رسول الله ﷺ على الجماع: فقد قال أنس رضي الله تعالى عنه: إنّه كان ﷺ يدور على نسائه في السّاعة الواحدة من اللّيل والنّهار؛ وهنّ إحدى عشرة. وأخرج ابن منيع: أنّ رسول الله ﷺ كان يطوف على تسع نسوة في ضحوة. وعن صفوان بن سليم مرفوعا: «أتاني جبريل بقدر فأكلت منها، فأعطيت قوّة أربعين رجلا في الجماع» . وعن طاووس ومجاهد: أعطي ﷺ قوّة أربعين رجلا في الجماع. وفي رواية عن مجاهد: قوّة بضع وأربعين رجلا من أهل الجنّة. وعن زيد بن أرقم رفعه: «إنّ الرّجل من أهل الجنّة ليعطى قوّة مئة في الأكل والشّرب والجماع والشّهوة» .

الباب الثّالث في صفة لباس رسول الله ﷺ وفراشه وسلاحه وفيه ستّة فصول

ه: «إنّ الرّجل من أهل الجنّة ليعطى قوّة مئة في الأكل والشّرب والجماع والشّهوة» .

الباب الثّالث في صفة لباس رسول الله ﷺ وفراشه وسلاحه وفيه ستّة فصول

الفصل الأوّل في صفة لباسه ﷺ من قميص وإزار ورداء وقلنسوة وعمامة ونحوها قال القاضي عياض رحمه الله تعالى في «الشّفا» : (انظر سيرة نبيّنا محمّد ﷺ وخلقه في المال.. تجده قد أوتي خزائن الأرض ومفاتيح البلاد، وأحلّت له الغنائم؛ ولم تحلّ لنبيّ قبله، وفتح عليه في حياته ﷺ بلاد الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب وما دانى ذلك من الشّام والعراق، وجلب إليه من أخماسها وجزيتها وصدقاتها ما لا يجبى للملوك إلّا بعضه، وهادنه جماعة من ملوك الأقاليم فما استأثر بشيء منه، ولا أمسك منه درهما، بل صرفه في مصارفه، وأغنى به غيره، وقوّى به المسلمين، وقال: «ما يسرّني أنّ لي أحدا ذهبا يبيت عندي منه دينار، إلّا دينارا أرصده لدين» . وأتته دنانير مرّة، فقسمها، وبقيت منها بقيّة، فدفعها لبعض نسائه، فلم يأخذه نوم حتّى قام وقسمها، وقال: «الان استرحت» . ومات ودرعه مرهونة في نفقة عياله، واقتصر من نفقته وملبسه

ا، وبقيت منها بقيّة، فدفعها لبعض نسائه، فلم يأخذه نوم حتّى قام وقسمها، وقال: «الان استرحت» . ومات ودرعه مرهونة في نفقة عياله، واقتصر من نفقته وملبسه

ومسكنه على ما تدعوه إليه ضرورته، وزهد فيما سواه. فكان يلبس ما وجده، فيلبس في الغالب الشّملة، والكساء الخشن، والبرد الغليظ، ويقسم على من حضره أقبية «١» الدّيباج المخوّصة «٢» بالذّهب، ويرفع لمن لم يحضر؛ إذ المباهاة في الملابس والتّزيّن بها.. ليست من خصال الشّرف والجلالة، وهي من سمات النّساء. والمحمود منها نقاوة الثّوب، والتّوسّط في جنسه، وكونه لبس مثله.. غير مسقط لمروءة جنسه. وفي «المواهب» : إنّ الجمال في الصّورة واللّباس والهيئة ثلاثة أنواع: منه ما يحمد، ومنه ما يذمّ، ومنه ما لا يتعلّق به مدح ولا ذمّ: فالمحمود منه: ما كان لله، وأعان على طاعة الله تعالى، وتنفيذ أوامره، والاستجابة له؛ كما كان ﷺ يتجمّل للوفود، وهذا نظير لباس الة الحرب للقتال، ولباس الحرير في الحرب، والخيلاء فيه؛ فإنّ ذلك محمود إذا تضمّن إعلاء كلمة الله تعالى، ونصر دينه، وغيظ عدوّه. والمذموم منه: ما كان للدّنيا، والرّئاسة، والفخر والخيلاء، وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه. وأمّا ما لا يحمد ولا يذمّ: فهو ما خلا عن هذين القصدين، وتجرّد عن الوصفين، وقد كان النّبيّ ﷺ لا يضيّق بالاقتصار

، وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه. وأمّا ما لا يحمد ولا يذمّ: فهو ما خلا عن هذين القصدين، وتجرّد عن الوصفين، وقد كان النّبيّ ﷺ لا يضيّق بالاقتصار

على صنف من اللّباس بعينه، ولا يطلب النّفيس الغالي، بل يستعمل ما تيسّر. ثمّ قال «١» : روى أبو نعيم في «الحلية» عن ابن عمر مرفوعا: «إنّ من كرامة المؤمن على الله ﷿.. نقاء ثوبه، ورضاه باليسير» . وله من حديث جابر: أنّ النّبيّ ﷺ رأى رجلا وسخة ثيابه فقال: «أما وجد هذا شيئا ينقّي به ثيابه؟» . قال «٢» : وكانت سيرته ﷺ في ملبسه أتمّ وأنفع للبدن وأخفّ عليه؛ فإنّه لم تكن عمامته بالكبيرة الّتي يؤذي حملها ويضعفه ويجعله عرضة للافات، ولا بالصّغيرة الّتي تقصر عن وقاية الرّأس من الحرّ والبرد، وكذلك الأردية والأزر أخفّ على البدن من غيرها، ولم يكن ﷺ يطوّل أكمامه ويوسّعها) اهـ وكان أحبّ الثّياب إلى رسول الله ﷺ يلبسه.. القميص. و (القميص) : اسم لما يلبس من المخيط الّذي له كمّان وجيب، يلبس تحت الثّياب، ولا يكون من صوف. كذا في «القاموس» . ولم يكن له ﷺ سوى قميص واحد؛ فقد ورد عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت: ما رفع رسول الله ﷺ غداء لعشاء، ولا عشاء لغداء، ولا اتّخذ من شيء زوجين، ولا

قميصين ولا رداءين ولا إزارين، ولا زوجين من النّعال. وكان كمّ قميص رسول الله ﷺ إلى الرّسغ. و (الرّسغ) : مفصل ما بين الكفّ والسّاعد من الإنسان. وكان رسول الله ﷺ كمّه مع الأصابع. وكان قميصه ﷺ فوق الكعبين، وكان كمّه مع الأصابع. وكان ﷺ إذا لبس قميصا.. بدأ بميامنه. وعن قرّة بن إياس رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ في رهط من مزينة لنبايعه، وإنّ زرّ قميصه مطلق، قال: فأدخلت يدي في جيب قميصه، فمسست الخاتم «١» . وكان أحبّ الثّياب إلى رسول الله ﷺ الحبرة- بوزن عنبة- برد يمانيّ محبّر؛ أي: مزيّن محسّن. وكان لرسول الله ﷺ بردان أخضران، فيهما خطوط خضر لا بحتا «٢» . وكان ﷺ يعجبه الثّياب الخضر. وعن أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت النّبيّ ﷺ وعليه حلّة حمراء كأنّي أنظر إلى بريق ساقيه. و (الحلّة) بالضّمّ: إزار ورداء، ولا تكون حلّة إلّا من ثوبين، أو

ثوب له بطانة. وكان رسول الله ﷺ يكسو بناته خمر القزّ والإبريسم «١» . و (الخمر) - ك «كتب» ، جمع خمار- وهو: ما تغطّي به المرأة رأسها. وكان يتّبع الحرير من الثّياب.. فينزعه. وكان قيمة ثوبه ﷺ عشرة دراهم. وعن قيلة بنت مخرمة رضي الله تعالى عنها قالت: رأيت النّبيّ ﷺ وعليه أسمال «٢» مليّتين. وقوله (مليّتين) - تصغير ملاءة- وهي: كلّ ثوب لم يضمّ بعضه إلى بعض بخيط، بل كلّه نسج واحد. وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ خرج وهو يتوكّأ على أسامة رضي الله تعالى عنه، وعليه ثوب قطريّ قد توشّح به.. فصلّى بهم. و (قطريّ) : نسبة إلى القطر؛ وهو: نوع من البرود اليمانيّة تتّخذ من قطن، وفيه حمرة وأعلام مع خشونة.

عالى عنه، وعليه ثوب قطريّ قد توشّح به.. فصلّى بهم. و (قطريّ) : نسبة إلى القطر؛ وهو: نوع من البرود اليمانيّة تتّخذ من قطن، وفيه حمرة وأعلام مع خشونة.

و (توشّح به) أي: وضعه فوق عاتقيه، أو خالف بين طرفيه وربطهما بعنقه. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: خرج رسول الله ﷺ ذات غداة وعليه مرط من شعر أسود. و (المرط) : كساء طويل واسع. وعن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ لبس جبّة روميّة ضيّقة الكمّين. و (الجبّة) : ثوبان بينهما حشو، وقد تقال لما لا حشو له إذا كانت ظهارته «١» من صوف. وكان كمّه ﷺ إلى الرّسغ، ولبس القباء «٢» والفرجيّة، ولبس جبّة ضيّقة الكمّين في سفره. وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما: أنّها أخرجت جبّة طيالسة «٣» كسروانيّة، لها لبنة ديباج، وفرجاها مكفوفان «٤» بالدّيباج، قالت: هذه جبّة رسول الله ﷺ، كانت عند عائشة رضي الله تعالى عنها، فلمّا قبضت.. قبضتها، وكان النّبيّ صلّى الله عليه

وسلّم يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى نستشفي بها. ومعنى (اللّبنة) : رقعة في جيب القميص. وكان رسول الله ﷺ يلبس ما وجد؛ فمرّة شملة، ومرّة برد حبرة يمانيّة، ومرّة جبّة صوف، ما وجد من المباح لبس. و (الشّملة) : كساء صغير يؤتزر به. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: أخرجت إلينا عائشة رضي الله تعالى عنها كساء ملبّدا وإزارا غليظا؛ فقالت: قبض رسول الله ﷺ في هذين. و (الكساء) : ما يستر أعلى البدن. و (الملبّد) : المرقّع. و (الإزار) : ما يستر أسفل البدن. و (غلظه) : خشونته. وكان له ﷺ كساء ملبّد يلبسه ويقول: «إنّما أنا عبد، ألبس كما يلبس العبد» . وكان له ﷺ كساء أسود، فوهبه، فقالت له أمّ سلمة: بأبي أنت وأمّي ما فعل ذلك الكساء الأسود؟ فقال: «كسوته» ، فقالت: ما رأيت شيئا قطّ أحسن من بياضك على سواده. وكان ﷺ يتقنّع بردائه تارة ويتركه أخرى، وهو «١»

أنت وأمّي ما فعل ذلك الكساء الأسود؟ فقال: «كسوته» ، فقالت: ما رأيت شيئا قطّ أحسن من بياضك على سواده. وكان ﷺ يتقنّع بردائه تارة ويتركه أخرى، وهو «١»

الّذي يسمّى في العرف: الطّيلسان. وكان ﷺ غالب ما يلبس هو وأصحابه ما نسج من القطن، وربّما لبسوا ما نسج من الصّوف والكتّان. ولبس ﷺ الشّعر الأسود. ولبس مرّة بردة من الصّوف.. فوجد ريح الضّأن فطرحها. وكان لرسول الله ﷺ سراويل، ولبس النّعل الّتي تسمّى: التّاسومة «١» . وكان له ﷺ ملاءة مصبوغة بالزّعفران، تنقل معه إلى بيوت أزواجه، فترسلها من كان نائما عندها إلى صاحبة النّوبة، فترشّها بالماء، فتظهر رائحة الزّعفران، فينام معها فيها. وكانت له ﷺ ملحفة مصبوغة بالزّعفران، وربّما صلّى بالنّاس فيها واحدها، وربّما لبس الكساء واحده وما عليه غيره. وكان ﷺ ربّما صلّى باللّيل في الإزار، وارتدى ببعضه ممّا يلي هدبه، وألقى البقيّة على بعض نسائه، فيصلّي كذلك. وكانت ثيابه ﷺ كلّها مشمّرة فوق الكعبين، وكان إزاره فوق ذلك إلى نصف السّاق، وكان قميصه مشدود الأزرار، وربّما حلّ الأزرار في الصّلاة وغيرها.

وعن عبيد بن خالد رضي الله تعالى عنه قال: بينا أنا أمشي بالمدينة إذا إنسان خلفي يقول: «ارفع إزارك فإنّه أتقى وأبقى» ، فإذا هو رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله؛ إنّما هي بردة ملحاء، قال: «أما لك فيّ أسوة؟!» ، فنظرت فإذا إزاره إلى نصف ساقيه. ومعنى (ملحاء) : سوداء فيها خطوط بيض يلبسها الأعراب، ليست من الثّياب الفاخرة. و (الأسوة) : القدوة. وعن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه قال: كان عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه يأتزر إلى أنصاف ساقيه، وقال: هكذا كانت إزرة «١» صاحبي؛ يعني النّبيّ ﷺ. وعن حذيفة بن اليمان رضي الله [تعالى] عنهما قال: أخذ رسول الله ﷺ بعضلة ساقي فقال: «هذا موضع الإزار، فإن أبيت.. فأسفل، فإن أبيت.. فلا حقّ للإزار في الكعبين» . وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: راني النّبيّ ﷺ أسبلت إزاري فقال: «يا ابن عمر؛ كلّ شيء لمس الأرض من الثّياب في النّار» . وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ ﷺ: «ما أسفل من الكعبين من الإزار.. في النّار» ، وهو محمول

على ما ورد من قيد الخيلاء، فهو الّذي ورد فيه الوعيد. وكان رسول الله ﷺ يرخي إزاره من بين يديه، ويرفعه من ورائه. وكان ﷺ إذا استجدّ ثوبا.. سمّاه باسمه؛ قميصا، أو عمامة، أو رداء، ثمّ يقول: «اللهمّ؛ لك الحمد أنت كسوتنيه، أسألك من خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شرّه وشرّ ما صنع له» . وكان ﷺ إذا لبس ثوبا جديدا.. حمد الله تعالى، وصلّى ركعتين، وكسا الخلق «١» . وكان ﷺ إذا استجدّ ثوبا.. لبسه يوم الجمعة. وكان له ﷺ برد يلبسه في العيدين والجمعة. وكان ﷺ يلبس بردة حمراء في كلّ عيد. وكان له ﷺ برد حبرة يلبسه في كلّ عيد. ومرّ عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه مع النّبيّ ﷺ بالسّوق فرأى حلّة من سندس.. فقال: يا رسول الله؛ لو اتّخذت هذه للعيد، فقال: «إنّما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة» . وكانت الصّحابة رضي الله تعالى عنهم يلبسون ذكورهم الصّغار يوم العيد أحسن ما يقدرون عليه من الحليّ، والمصبّغات من الثّياب. وكان له ﷺ ثوبان لجمعته خاصّة سوى ثيابه في غير

الجمعة، وربّما لبس الإزار الواحد ليس عليه غيره؛ يعقد طرفيه بين كتفيه، وربّما أمّ به النّاس على الجنائز، وربّما صلّى في بيته في الإزار الواحد ملتحفا به مخالفا بين طرفيه، ويكون ذلك الإزار هو الّذي جامع فيه يومئذ. وكان إذا قدم عليه الوفد.. لبس أحسن ثيابه، وأمر علية أصحابه بذلك. وكان رداؤه ﷺ طوله ستّة أذرع، في ثلاثة وشبر. وكان إزاره أربعة وشبرا، في عرض ذراعين وشبر. ولبس ﷺ الأبراد الّتي فيها خطوط حمر. وكان ينهى أصحابه عن لبس الأحمر الخالص. وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «عليكم بالبياض من الثّياب؛ ليلبسها أحياؤكم، وكفّنوا فيها موتاكم؛ فإنّها من خير ثيابكم» . وفي «المواهب» : عن عروة: أنّ طول رداء النّبيّ ﷺ أربعة أذرع، وعرضة ذراعان وشبر. وفيها:

لطيفة: قيل: لمّا كان رسول الله ﷺ لا يبدو منه إلّا طيب.. كان اية ذلك في بدنه الشّريف أنّه لا يتّسخ له ثوب. قيل: ولم يقمل ثوبه.

ة ذراعان وشبر. وفيها:

لطيفة: قيل: لمّا كان رسول الله ﷺ لا يبدو منه إلّا طيب.. كان اية ذلك في بدنه الشّريف أنّه لا يتّسخ له ثوب. قيل: ولم يقمل ثوبه.

وقال ابن سبع في «الشّفا» ، والسّبتيّ في «أعذب الموارد وأطيب الموالد» : لم يكن القمل يؤذيه تعظيما له وتكريما ﷺ. ثمّ قال: ونقل الفخر الرّازيّ: إنّ الذّباب لا يقع على ثيابه قطّ، وإنّه لا يمتصّ دمه البعوض. وكان رسول الله ﷺ يلبس قلنسوة بيضاء. و (القلنسوة) : غشاء مبطّن يستر الرّأس. وكان ﷺ يلبس القلانس تحت العمائم وبغير العمائم، ويلبس العمائم بغير القلانس، وكان يلبس القلانس اليمانيّة؛ وهنّ البيض المضرّبة «١» ، ويلبس القلانس ذوات الاذان في الحرب. وكان ربّما نزع قلنسوته، فجعلها سترة بين يديه وهو يصلّي، وربّما لم تكن العمامة، فيشدّ العصابة على رأسه وعلى جبهته. وكان رسول الله ﷺ إذا اعتمّ.. سدل عمامته بين كتفيه. وكان ﷺ يدير العمامة على رأسه ويغرزها من ورائه، ويرسل لها ذؤابة بين كتفيه. وكان ﷺ إذا اعتمّ.. سدل عمامته بين كتفيه، وفي أوقات كان يضمّها ويرشقها، وأوقات لا يرخيها جملة.

وكان ﷺ كثيرا ما يلتحي بالعمامة من تحت الحنك كطريق المغاربة. وكانت له ﷺ عمامة تسمّى (السّحاب) ، فوهبها لعليّ رضي الله تعالى عنه، فربّما طلع عليّ فيها فيقول ﷺ: «أتاكم عليّ في السّحاب» . وعن عليّ رضي الله تعالى عنه قال: عمّمني رسول الله ﷺ بعمامة سدل طرفها على منكبي، وقال: «إنّ الله أمدّني يوم بدر ويوم حنين بملائكة معمّمين هذه العمّة» . وقال: «إنّ العمامة حاجز بين المسلمين والمشركين» . وكان ﷺ لا يولّي واليا حتّى يعمّمه، ويرخي لها عذبة من جانب الأيمن نحو الأذن. وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: دخل رسول الله ﷺ مكّة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء. وقال ابن حجر المكّيّ: اعلم أنّه لم يتحرّر- كما قاله بعض الحفّاظ- في طول عمامته ﷺ وعرضها شيء. وكان لرسول الله ﷺ خرقة، إذا توضّأ.. تمسّح بها. وكان منديله ﷺ باطن قدميه.

ّيّ: اعلم أنّه لم يتحرّر- كما قاله بعض الحفّاظ- في طول عمامته ﷺ وعرضها شيء. وكان لرسول الله ﷺ خرقة، إذا توضّأ.. تمسّح بها. وكان منديله ﷺ باطن قدميه.

الفصل الثّاني في صفة فراشه ﷺ وما يناسبه كان لرسول الله ﷺ فراش من أدم، حشوه ليف، طوله ذراعان أو نحوهما، وعرضه ذراع وشبر أو نحوه. وكان متقلّلا من أمتعة الدّنيا كلّها، وقد أعطاه الله تعالى مفاتيح خزائن الأرض كلّها.. فأبى أن يأخذها، واختار الآخرة عليها. وسئلت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما كان فراش رسول الله ﷺ في بيتك؟ قالت: من أدم، حشوه ليف. و (الادم) - جمع أديم على غير القياس- وهو: الجلد المدبوغ، ويجمع على: أدم. وعنها رضي الله تعالى عنها قالت: دخلت عليّ امرأة من الأنصار، فرأت فراش رسول الله ﷺ قطيفة مثنيّة، فبعثت إليّ بفراش حشوه الصّوف، فدخل عليّ رسول الله ﷺ فقال: «ما هذا يا عائشة؟!» ، قلت: يا رسول الله؛ فلانة الأنصاريّة دخلت فرأت فراشك فبعثت إليّ بهذا، فقال: «ردّيه يا عائشة، فو الله لو شئت لأجرى الله تعالى معي جبال الذّهب والفضّة» .

و (القطيفة) : دثار له خمل «١» . وسئلت حفصة رضي الله تعالى عنها: ما كان فراش رسول الله ﷺ في بيتك؟ قالت: مسحا نثنيه ثنيتين فينام عليه، فلمّا كان ذات ليلة.. قلت: لو ثنيته أربع ثنيات لكان أوطأ له، فثنيناه له بأربع ثنيات، فلمّا أصبح.. قال: «ما فرشتموا لي اللّيلة؟» . قالت: قلنا: هو فراشك، إلّا أنّا ثنيناه بأربع ثنيات، قلنا: هو أوطأ لك، قال: «ردّوه لحالته الأولى؛ فإنّه منعتني وطأته صلاتي اللّيلة» . و (المسح) : كساء خشن من صوف يعدّ للفراش. ومعنى (أوطأ) : ألين؛ من وطؤ الفراش فهو وطيء، كقرب فهو قريب. وكان له ﷺ عباءة تفرش له حيثما انتقل، تثنى طاقين تحته. وكان ﷺ كثيرا ما ينام على الحصير واحده، ليس تحته شيء غيره. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على النّبيّ ﷺ وهو في غرفة كأنّها بيت حمّام، وهو نائم على حصير قد أثّر بجنبه، فبكيت، فقال: «ما يبكيك يا عبد الله؟» ، قلت: يا رسول الله؛ كسرى وقيصر يطؤون على الخزّ والدّيباج والحرير؛ وأنت

نائم على هذا الحصير، قد أثّر بجنبك. فقال: «فلا تبك يا عبد الله، فإنّ لهم الدّنيا ولنا الآخرة» . وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: حدّثني عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو على حصير، قال: فجلست فإذا عليه إزاره وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثّر في جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصّاع، وإذا إهاب معلّق، فابتدرت عيناي، فقال: «ما يبكيك يا ابن الخطّاب؟» . فقلت: يا نبيّ الله؛ وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثّر في جنبيك، وهذه خزائنك لا أرى فيها إلّا ما أرى، وذاك كسرى وقيصر في الثّمار والأنهار، وأنت نبيّ الله وصفوته وهذه خزائنك؟! قال: «يا ابن الخطّاب؛ أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدّنيا؟! أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم في الدّنيا، وهي وشيكة الانقطاع، وإنّا قوم أخّرت لنا طيّباتنا في اخرتنا» .

اب؛ أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدّنيا؟! أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم في الدّنيا، وهي وشيكة الانقطاع، وإنّا قوم أخّرت لنا طيّباتنا في اخرتنا» . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان لرسول الله ﷺ سرير مرمّل بالبرديّ، وعليه كساء أسود، وقد حشوناه بالبرديّ، فدخل أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما عليه، فإذا النّبيّ ﷺ نائم عليه، فلمّا راهما.. استوى جالسا، فنظرا، فإذا أثر السّرير في جنب رسول الله ﷺ، فقالا: يا رسول الله؛ ما يؤذيك خشونة ما نرى من فراشك وسريرك؛ وهذا كسرى وقيصر على فرش الدّيباج والحرير؟! فقال ﵊:

«لا تقولا هذا؛ فإنّ فراش كسرى وقيصر في النّار، وإنّ فراشي وسريري هذا عاقبته إلى الجنّة» . وما عاب رسول الله ﷺ مضجعا قطّ، إن فرش له.. اضطجع، وإلّا.. اضطجع على الأرض. ومعنى (مرمّل) : منسوج. و (البرديّ) : نبات. وتغطّى ﷺ باللّحاف، قال ﵊: «ما أتاني جبريل وأنا في لحاف امرأة منكنّ.. غير عائشة» . وكان وساده الّذي يتّكىء عليه من أدم، حشوه ليف. وعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت النّبيّ ﷺ متّكئا على وسادة على يساره. وكان ﷺ يصلّي على الحصير. وكان ﷺ يصلّي على بساط. وكان ﷺ يستحبّ أن تكون له فروة مدبوغة يصلّي عليها.

الفصل الثّالث في صفة خاتمه ﷺ كان خاتم رسول الله ﷺ من ورق، وكان فصّه حبشيّا. و (الورق) : الفضّة. و (الفصّ) : ما يكتب عليه اسم صاحبه. و (الحبشيّ) : منسوب إلى الحبش، فإنّه كان من جزع؛ وهو: خرز فيه بياض وسواد، أو من عقيق، ومعدنهما بالحبشة. ولم يرد عنه ﷺ أنّه لبس خاتما كلّه عقيقا. وكان خاتمه ﷺ من فضّة فصّه منه. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنّ النّبيّ ﷺ اتّخذ خاتما من فضّة، فكان يختم به ولا يلبسه. وكان النّبيّ ﷺ يلبس خاتمه في يمينه. والتّختّم في اليسار ليس مكروها، ولا خلاف الأولى، بل هو سنّة لوروده في أحاديث صحيحة، لكن التّختّم في اليمين أفضل؛ لأنّ أحاديثه أصحّ. قاله الباجوريّ.

والتّختّم في اليسار ليس مكروها، ولا خلاف الأولى، بل هو سنّة لوروده في أحاديث صحيحة، لكن التّختّم في اليمين أفضل؛ لأنّ أحاديثه أصحّ. قاله الباجوريّ.

وكان ﷺ يتختّم في يساره. وكان ﷺ يجعل فصّ خاتمه ممّا يلي كفّه. وكان نقش خاتم رسول الله ﷺ: (محمّد) سطر، و (رسول) سطر، و (الله) سطر. وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: لمّا أراد رسول الله ﷺ أن يكتب إلى العجم.. قيل له: إنّ العجم لا يقبلون إلّا كتابا عليه خاتم. فاصطنع خاتما، فكأنّي أنظر إلى بياضه في كفّه. وعن أنس أيضا: أنّ النّبيّ ﷺ كتب إلى كسرى، وقيصر، والنّجاشيّ، فقيل له: إنّهم لا يقبلون كتابا إلّا بخاتم، فصاغ رسول الله ﷺ خاتما حلقته فضّة، ونقش فيه: (محمّد رسول الله) . وكان ﷺ يختم الكتب ويقول: «الخاتم على الكتاب خير من التّهمة» . وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: اتّخذ رسول الله ﷺ خاتما من ذهب، فكان يلبسه في يمينه، فاتّخذ النّاس خواتيم من ذهب، فطرحه، وقال: «لا ألبسه أبدا» ، فطرح النّاس خواتيمهم. وعن ابن عمر أيضا: أنّ النّبيّ ﷺ اتّخذ خاتما من فضّة، وجعل فصّه ممّا يلي كفّه، ونقش فيه محمّد رسول الله، ونهى أن ينقش أحد عليه.

وهو الّذي سقط من معيقيب في بئر أريس. و (معيقيب) : هو من أهل بدر، وكان يلي خاتم المصطفى ﷺ، والخلفاء من بعده. وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: اتّخذ رسول الله ﷺ خاتما من ورق، فكان في يده، ثمّ كان في يد أبي بكر، وفي يد عمر، ثمّ كان في يد عثمان حتّى وقع في بئر أريس، نقشه: محمّد رسول الله. قال الباجوريّ: (وفي وقوعه إشارة إلى أنّ أمر الخلافة كان منوطا به، فقد تواصلت الفتن، وتفرّقت الكلمة، وحصل الهرج «١» ، ولذلك قال بعضهم: كان في خاتمه ﷺ ما في خاتم سليمان من الأسرار؛ لأنّ خاتم سليمان لمّا فقد.. ذهب ملكه، وخاتمه ﷺ لمّا فقد من عثمان.. انتقض عليه الأمر، وحصلت الفتن الّتي أفضت إلى قتله، واتّصلت إلى اخر الزّمان) اهـ. وكان رسول الله ﷺ إذا أشفق من الحاجة ينساها.. ربط في خنصره، أو في خاتمه الخيط. وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا دخل الخلاء.. نزع خاتمه.

وجاء رجل وعليه خاتم من شبه «١» . وفي رواية: من صفر؛ وهو: نوع من النّحاس كانت الأصنام تتّخذ منه، فقال: «ما لي أجد منك ريح الأصنام؟!» ، فطرحه، ثمّ جاء وعليه خاتم من حديد؛ فقال: «ما لي أرى عليك حلية أهل النّار؟!» ، فطرحه، وقال: يا رسول الله؛ من أيّ شيء أتّخذه؟ قال: «من ورق ولا تتمّه مثقالا» «٢» .

الفصل الرّابع في صفة نعله ﷺ وخفّه كان لنعل رسول الله ﷺ قبالان مثنّى شراكهما. و (القبال) : هو زمام يوضع بين الأصبع الوسطى والّتي تليها، ويسمّى شسعا. وكان ﷺ يضع أحد القبالين بين الإبهام والّتي تليها، والاخر بين الوسطى والّتي تليها. و (الشّراك) : السّير. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنّه كان يلبس النّعال السّبتيّة؛ وهي الّتي لا شعر عليها، وقال: إنّي رأيت رسول الله ﷺ يلبس النّعال الّتي ليس فيها شعر، ويتوضّأ فيها، فأنا أحبّ أن ألبسها. وعن عمرو بن حريث رضي الله تعالى عنه أنّه قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلّي في نعلين مخصوفتين- أي: مخروزتين- ضمّ فيهما طاق إلى طاق. وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: أنّ النّبيّ صلّى الله عليه

رأيت رسول الله ﷺ يصلّي في نعلين مخصوفتين- أي: مخروزتين- ضمّ فيهما طاق إلى طاق. وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: أنّ النّبيّ صلّى الله عليه

وسلّم نهى أن يأكل- يعني الرّجل- بشماله، أو يمشي في نعل واحدة. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إذا انتعل أحدكم.. فليبدأ باليمين، وإذا نزع.. فليبدأ بالشّمال، فلتكن اليمين أوّلهما تنعل واخرهما تنزع. وكان ﷺ إذا جلس يتحدّث.. يخلع نعليه. قال الباجوريّ: (كانت نعله ﷺ مخصّرة، معقّبة، ملسّنة، كما رواه ابن سعد في «الطّبقات» ) . و (المخصّرة) : هي الّتي لها خصر دقيق. و (المعقّبة) : هي الّتي لها عقب، أي: سير من جلد في مؤخّر النّعل يمسك به عقب القدم. و (الملسّنة) : هي التي في مقدّمها طول على هيئة اللّسان. قال الحافظ الكبير زين الدّين العراقيّ رحمه الله تعالى في «ألفيّة السّيرة النّبويّة» على صاحبها أفضل الصّلاة والسّلام: ونعله الكريمة المصونه ... طوبى لمن مسّ بها جبينه لها قبالان بسير وهما ... سبتيّتان سبتوا شعرهما وطولها شبر وإصبعان ... وعرضها ممّا يلي الكعبان سبع أصابع وبطن القدم ... خمس، وفوق ذا فستّ فاعلم ورأسها محدّد وعرض ما ... بين القبالين اصبعان اضبطهما وهذه مثال تلك النّعل ... ودورها أكرم بها من نعل

بع أصابع وبطن القدم ... خمس، وفوق ذا فستّ فاعلم ورأسها محدّد وعرض ما ... بين القبالين اصبعان اضبطهما وهذه مثال تلك النّعل ... ودورها أكرم بها من نعل

فائدة: قال في «المواهب» : ذكر ابن عساكر تمثال نعله ﷺ في جزء مفرد، وأفرده بالتّأليف أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن خلف السّلميّ الأندلسيّ، وكذا غيرهما. قال: ولم أثبتها اتّكالا على شهرتها، ولصعوبة ضبط تسطيرها إلّا على حاذق. ومن بعض ما ذكر من فضلها، وجرّب من نفعها وبركتها أنّ أبا جعفر أحمد بن عبد المجيد- وكان شيخا صالحا- أعطى مثالها لبعض الطّلبة، فجاءه وقال له: رأيت البارحة من بركة هذا النّعل عجبا؛ أصاب زوجتي وجع شديد كاد يهلكها فجعلت النّعل على موضع الوجع، وقلت: اللهمّ أرني بركة صاحب هذا النّعل.. فشفاها الله تعالى للحين. وقال أبو إسحاق: قال أبو القاسم بن محمّد: وممّا جرّب من بركته: أنّ من أمسكه عنده متبرّكا به.. كان له أمانا من بغي البغاة، وغلبة العداة، وحرزا من كلّ شيطان مارد، وعين كلّ حاسد، وإن أمسكته الحامل بيمينها وقد اشتدّ عليها الطّلق.. تيسّر أمرها بحول الله تعالى وقوّته. وما أحسن قول أبي بكر القرطبيّ رحمه الله تعالى: ونعل خضعنا هيبة لبهائها ... وإنّا متى نخضع لها أبدا نعلو فضعها على أعلى المفارق إنّها ... حقيقتها تاج وصورتها نعل

أبي بكر القرطبيّ رحمه الله تعالى: ونعل خضعنا هيبة لبهائها ... وإنّا متى نخضع لها أبدا نعلو فضعها على أعلى المفارق إنّها ... حقيقتها تاج وصورتها نعل

بأخمص خير الخلق حازت مزيّة ... على التّاج حتّى باهت المفرق الرّجل شفاء لذي سقم، رجاء لبائس ... أمان لذي خوف، كذا يحسب الفضل وعن بريدة رضي الله تعالى عنه: أنّ النّجاشيّ أهدى للنّبيّ ﷺ خفّين أسودين ساذجين، فلبسهما، ثمّ توضّأ ومسح عليهما. ومعنى (ساذجين) : لم يخالط سوادهما شيء اخر «١» . وعن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه قال: أهدى دحية للنّبيّ ﷺ خفّين، فلبسهما. وروى الطّبرانيّ في «الأوسط» عن الحبر «٢» : قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد الحاجة.. أبعد المشي، فانطلق ذات يوم لحاجته، ثمّ توضّأ ولبس خفّه، فجاء طائر أخضر فأخذ الخفّ الاخر فارتفع به، ثمّ ألقاه، فخرج منه أسود سالخ- أي: حيّة- فقال النّبيّ ﷺ: «هذه كرامة أكرمني الله بها. اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من شرّ من يمشي على بطنه، ومن شرّ من يمشي على رجليه، ومن شرّ من يمشي على أربع» .

الفصل الخامس في صفة سلاحه ﷺ عن ابن سيرين قال: صنعت سيفي على سيف سمرة بن جندب، وزعم سمرة أنّه صنع سيفه على سيف رسول الله ﷺ، وكان حنفيّا؛ نسبة لبني حنيفة؛ لأنّهم معروفون بحسن صنعة السّيوف. وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كانت قبيعة سيف «١» رسول الله ﷺ من فضّة. و (القبيعة) - بوزن الطّبيعة-: ما على طرف مقبض السّيف، يعتمد الكفّ عليها لئلّا يزلق. وعن جعفر بن محمّد عن أبيه: كان نعل سيف رسول الله ﷺ أي: أسفله- وحلقته وقبيعته.. من فضّة. وقد كان له ﷺ سيوف متعدّدة؛ فقد كان له: سيف يقال له: (المأثور) ؛ وهو أوّل سيف ملكه عن أبيه. وله سيف يقال له: (القضيب) .

وله سيف يقال له: (القلعي) - نسبة إلى قلع- موضع بالبادية. وله سيف يقال له: (البتّار) . وسيف يدعى: (الحتف) . وسيف يدعى: (المخذم) «١» ، بكسر الميم. وسيف يدعى: (الرّسوب) «٢» . وسيف يقال له: (الصّمصامة) «٣» . وسيف يقال له: (اللّحيف) . وسيف يقال له: (ذو الفقار) «٤» . و (الفقر) : الحفر.

وقد ذكروا في معجزاته: أنّه ﷺ دفع لعكّاشة «١» جذل «٢» حطب؛ حين انكسر سيفه يوم بدر، وقال: «اضرب به» ، فعاد في يده سيفا صارما طويلا أبيض شديد المتن، فقاتل به، ثمّ لم يزل عنده يشهد به المشاهد إلى أن استشهد. ودفع ﷺ لعبد الله بن جحش يوم أحد- وقد ذهب سيفه- عسيب نخل «٣» ، فرجع في يده سيفا. وكان لرسول الله ﷺ حربة يمشى بها بين يديه؛ فإذا صلّى.. ركزها بين يديه. وكان ﷺ رايته سوداء، ولواؤه أبيض «٤» . وعن الزّبير بن العوّام رضي الله تعالى عنه قال: كان على النّبيّ ﷺ يوم أحد درعان، فنهض إلى الصّخرة؛ فلم يستطع، فأقعد طلحة تحته، وصعد النّبيّ ﷺ حتّى استوى على الصّخرة، قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «أوجب طلحة» - أي: فعل فعلا أوجب لنفسه بسببه الجنّة. وكان له ﷺ سبعة أدرع؛ فقد كان له:

صعد النّبيّ ﷺ حتّى استوى على الصّخرة، قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «أوجب طلحة» - أي: فعل فعلا أوجب لنفسه بسببه الجنّة. وكان له ﷺ سبعة أدرع؛ فقد كان له:

درع تسمى: (ذات الفضول) ؛ سمّيت بذلك لطولها. ودرع تسمى: (ذات الوشاح) . ودرع تسمى: (ذات الحواشي) . ودرع تسمى: (فضّة) . ودرع تسمى: (السّغديّة) «١» ؛ قيل: هي درع سيّدنا داود الّتي لبسها لقتال جالوت. ودرع تسمى: (البتراء) «٢» . ودرع تسمى: (الخرنق) . وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ دخل مكّة وعليه مغفر. و (المغفر) - بوزن منبر- زرد من حديد ينسج بقدر الرّأس يلبس تحت القلنسوة.

الفصل السّادس كان من خلقه ﷺ أن يسمّي سلاحه ودوابّه ومتاعه كان اسم رايته: (العقاب) ، وكانت سوداء، ومرّة كان يجعلها صفراء، ومرّة بيضاء فيها خطوط سود. وكان اسم خيمته: (الكنّ) . وقضيبه «١» : (الممشوق) . واسم قدحه: (الرّيّان) . وركوته: (الصّادر) . وسرجه: (الرّاجّ) . ومقراضه: (الجامع) . وسيفه الّذي كان يشهد به الحروب: (ذو الفقار) . وكانت له أسياف أخر. وكانت له منطقة «٢» من أدم «٣» ، فيها ثلاث حلق من فضّة.

وكان اسم جعبته «١» : (الكافور) . واسم ناقته: (القصواء) ؛ وهي الّتي يقال لها: (العضباء) «٢» . وكان اسم بغلته: (دلدل) . واسم حماره: (يعفورا) «٣» . واسم شاته الّتي كان يشرب لبنها: (غيثة) «٤» . وفي حديث اخر: كان لرسول الله ﷺ سيف محلّى، قائمته من فضّة، ونعله من فضّة، وفيه حلق من فضّة، وكان يسمى: (ذا الفقار) . وكان له قوس تسمى: (ذا السّداد) . وكانت له كنانة تسمى: (ذا الجمع) . وكان له درع موشّحة بنحاس تسمى: (ذات الفضول) . وكان له حربة تسمى: (النّبعاء) . وكان له مجنّ «٥» يسمى: (الذّفن) «٦» . وكان له فرس أشقر يسمى: (المرتجز) .

ان له درع موشّحة بنحاس تسمى: (ذات الفضول) . وكان له حربة تسمى: (النّبعاء) . وكان له مجنّ «٥» يسمى: (الذّفن) «٦» . وكان له فرس أشقر يسمى: (المرتجز) .

وكان له فرس أدهم يسمى: (السّكب) . وكان له سرج يسمى: (الرّاجّ) . وكان له بغلة شهباء تسمى: (الدّلدل) . وكان له ناقة تسمى: (القصواء) . وكان له حمار يسمى: (يعفورا) . وكان له بساط يسمى: (الكزّ) . وكان له عنزة تسمى: (النّمر) . وكان له ركوة تسمى: (الصّادر) . وكان له مراة تسمى: (المدلّة) . وكان له مقراض يسمى: (الجامع) . وكان له قضيب شوحط «١» يسمى: (الممشوق) . وكان له ﷺ ربعة «٢» يجعل فيها المراة والمشط والمقراضين والسّواك. وكان له ﷺ فرس يقال له: (اللّحيف) «٣» .

وفرس يقال له: (الظّرب) «١» . وفرس يقال له: (اللّزاز) «٢» . وكان له قصعة يقال لها: (الغرّاء) ؛ يحملها أربعة رجال. وكان له جارية تسمى: (خضرة) «٣» .

الباب الرّابع في صفة أكل رسول الله ﷺ وشربه، ونومه وفيه ستّة فصول

الفصل الأوّل في صفة عيشه ﷺ وخبزه عن سماك بن حرب [رحمه الله تعالى] قال: سمعت النّعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما يقول: ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ لقد رأيت نبيّكم ﷺ وما يجد من الدّقل ما يملأ بطنه. و (الدّقل) : رديء التّمر. وكان أكثر طعام رسول الله ﷺ: التّمر والماء. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كنّا ال محمّد نمكث شهرا ما نستوقد بنار، إن هو إلّا التّمر والماء. وفي رواية البخاريّ ومسلم: كانت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول لعروة: والله يا ابن أختي؛ إن كنّا لننظر إلى الهلال ثمّ الهلال ثمّ الهلال؛ ثلاثة أهلّة في شهرين وما أوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار. قال: قلت يا خالة؛ فما كان يعيّشكم؟ قالت: الأسودان؛ التّمر والماء، إلّا أنّه كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار، وكانت لهم منائح «١» ، فكانوا يرسلون إلى

رسول الله ﷺ من ألبانها، فيسقيناه. وعن أبي طلحة رضي الله تعالى عنه قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع، ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله ﷺ عن بطنه عن حجرين. وقال الإمام التّرمذيّ: ومعنى قوله (ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر) : وكان أحدهم يشدّ في بطنه الحجر من الجهد والضّعف الّذي به من الجوع. وفي كتاب «المواهب» : عن ابن بجير [رضي الله تعالى عنه] قال: أصاب النّبيّ ﷺ جوع يوما، فعمد إلى حجر، فوضعه على بطنه، ثمّ قال: «ألا ربّ نفس طاعمة ناعمة في الدّنيا.. جائعة عارية يوم القيامة، ألا ربّ مكرم لنفسه.. وهو لها مهين، ألا ربّ مهين لنفسه.. وهو لها مكرم» . وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: خرج رسول الله ﷺ في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد، فأتاه أبو بكر، فقال: «ما جاء بك يا أبا بكر؟» ، قال: خرجت ألقى رسول الله ﷺ وأنظر في وجهه، والتّسليم عليه، فلم يلبث أن جاء عمر فقال: «ما جاء بك يا عمر؟» ، قال: الجوع يا رسول الله، قال ﷺ: «وأنا قد وجدت بعض ذلك» . فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التّيّهان الأنصاريّ [رضي الله تعالى عنه]- وكان رجلا كثير النّخل والشّاء، ولم يكن له خدم- فلم يجدوه،

فقالوا لامرأته: «أين صاحبك؟» ، فقالت: انطلق يستعذب لنا الماء. فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربة يزعبها- أي: يملؤها- فوضعها، ثمّ جاء يلتزم النّبيّ ﷺ ويفدّيه بأبيه وأمّه. ثمّ انطلق بهم إلى حديقته، فبسط لهم بساطا، ثمّ انطلق إلى نخلة فجاء بقنو «١» فوضعه، فقال النّبيّ ﷺ: «أفلا تنقّيت لنا من رطبه؟!» ، فقال: يا رسول الله؛ إنّي أردت أن تختاروا من رطبه وبسره. فأكلوا وشربوا من ذلك الماء. فقال النّبيّ ﷺ: «هذا- والّذي نفسي بيده- من النّعيم الّذي تسألون عنه يوم القيامة؛ ظلّ بارد، ورطب طيّب، وماء بارد» . فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاما، فقال النّبيّ ﷺ: «لا تذبحنّ لنا ذات درّ» ، فذبح لهم عناقا «٢» ؛ أو جديا «٣» ، فأتاهم بها فأكلوا. فقال ﷺ: «هل لك خادم؟» . قال: لا. قال: «فإذا أتانا سبي.. فأتنا» .

ﷺ: «لا تذبحنّ لنا ذات درّ» ، فذبح لهم عناقا «٢» ؛ أو جديا «٣» ، فأتاهم بها فأكلوا. فقال ﷺ: «هل لك خادم؟» . قال: لا. قال: «فإذا أتانا سبي.. فأتنا» .

فأتي ﷺ برأسين «١» ليس معهما ثالث، فأتاه أبو الهيثم، فقال النّبيّ ﷺ: «اختر منهما» . قال: يا رسول الله؛ اختر لي. فقال النّبيّ ﷺ: «إنّ المستشار مؤتمن، خذ هذا فإنّي رأيته يصلّي، واستوص به معروفا» . فانطلق أبو الهيثم إلى امرأته فأخبرها بقول رسول الله ﷺ؛ فقالت امرأته: ما أنت ببالغ حقّ ما قال فيه النّبيّ ﷺ.. إلّا أن تعتقه. قال: فهو عتيق. فقال ﷺ: «إنّ الله لم يبعث نبيّا ولا خليفة.. إلّا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالا «٢» ، ومن يوق بطانة السّوء فقد وقي، والمعصوم من عصمه الله تعالى» . وعن عتبة بن غزوان رضي الله تعالى عنه قال: لقد رأيتني وإنّي لسابع سبعة مع رسول الله ﷺ، ما لنا طعام إلّا ورق الشّجر، حتّى تقرّحت أشداقنا «٣» ، فألتقطت بردة فقسمتها بيني وبين سعد بن

مالك؛ فأتزرت بنصفها وأتزر سعد بنصفها، فما منّا من أولئك السّبعة أحد.. إلّا وهو أمير مصر من الأمصار، وستجرّبون الأمراء بعدنا. وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين ليلة ويوم ما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلّا شيء يواريه إبط بلال» . قال المصنّف في «جامعه» «١» : معنى هذا الحديث: أنّه إنّما كان مع بلال حين خرج النّبيّ ﷺ من مكّة هاربا؛ ومع بلال من الطّعام ما يواريه تحت إبطه. وعن أنس أيضا: أنّ النّبيّ ﷺ لم يجتمع عنده غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلّا على ضفف. و (الضّفف) : كثرة أيدي الأضياف. فكان ﷺ لا يجتمع عنده الخبز واللّحم في الغداء والعشاء؛ إلّا إذا كان عنده الأضياف فيجمعهما لأجلهم. وعن نوفل بن إياس الهذليّ [رحمه الله تعالى] قال: كان عبد الرّحمن ابن عوف رضي الله تعالى عنه لنا جليسا، وكان نعم الجليس، وإنّه انقلب بنا ذات يوم حتّى إذا دخلنا بيته.. دخل فاغتسل، ثمّ خرج وأتينا بصحفة «٢» فيها خبز ولحم، فلمّا وضعت.. بكى عبد الرّحمن.

سا، وكان نعم الجليس، وإنّه انقلب بنا ذات يوم حتّى إذا دخلنا بيته.. دخل فاغتسل، ثمّ خرج وأتينا بصحفة «٢» فيها خبز ولحم، فلمّا وضعت.. بكى عبد الرّحمن.

فقلت: يا أبا محمّد؛ ما يبكيك؟. فقال: توفّي رسول الله ﷺ ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشّعير، فلا أرانا أخّرنا لما هو خير لنا. وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّه أتي رسول الله ﷺ بتمر؛ فرأيته يأكل وهو مقع من الجوع. ومعنى (الإقعاء) : التّساند إلى وراء. وكان رسول الله ﷺ لا يأخذ ممّا اتاه الله تعالى إلّا قوت عامه فقط، من أيسر ما يجد من التّمر والشّعير، ويضع سائر ذلك في سبيل الله ﷿. وروى البخاريّ ومسلم: أنّ رسول الله ﷺ كان يعزل نفقة أهله سنة. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رفع رسول الله ﷺ غداء لعشاء، ولا عشاء لغداء. وروى التّرمذيّ عن أنس [رضي الله تعالى عنه] : أنّ رسول الله ﷺ كان لا يدّخر شيئا لغد. وكان رسول الله ﷺ إذا تغدّى.. لم يتعشّ، وإذا تعشّى.. لم يتغدّ. قال القسطلّانيّ في «المواهب اللّدنّيّة» : (قد استشكل كونه ﵊ وأصحابه كانوا يطوون الأيّام جوعا؛ مع ما ثبت:

أنّه كان يرفع لأهله قوت سنة. وأنّه قسم بين أربعة أنفس من أصحابه ألف بعير ممّا أفاء الله عليه. وأنّه ساق في عمرته مئة بدنة؛ فنحرها وأطعمها المساكين. وأنّه أمر لأعرابيّ بقطيع من الغنم.. وغير ذلك. مع من كان معه من أصحاب الأموال؛ كأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة وغيرهم، مع بذلهم أنفسهم وأموالهم بين يديه. وقد أمر بالصّدقة فجاء أبو بكر بجميع ماله، وعمر بنصفه. وحثّ على تجهيز جيش العسرة؛ فجهّزهم عثمان بألف بعير ... إلى غير ذلك؟. وأجاب عنه الطّبريّ- كما حكاه في «فتح الباري» -: بأنّ ذلك كان منهم في حالة دون حالة؛ لا لعوز وضيق، بل تارة للإيثار، وتارة لكراهة الشّبع وكثرة الأكل. قال الحافظ ابن حجر: والحقّ أنّ الكثير منهم كانوا في حال ضيق قبل الهجرة حيث كانوا بمكّة، ثمّ لمّا هاجروا إلى المدينة كان أكثرهم كذلك، فواساهم الأنصار بالمنازل والمنائح، فلمّا فتحت لهم النّضير وما بعدها.. ردّوا عليهم منائحهم. نعم.. كان ﷺ يختار ذلك مع إمكان حصول التّوسّع والتّبسّط في الدّنيا له؛ كما أخرج التّرمذيّ من حديث أبي أمامة: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «عرض عليّ ربّي ليجعل لي بطحاء مكّة

ذهبا، فقلت: لا يا ربّ، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، فإذا جعت.. تضرّعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت.. شكرتك وحمدتك» . وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ ذات يوم وجبريل على الصّفا، فقال رسول الله ﷺ: «يا جبريل؛ والّذي بعثك بالحقّ ما أمسى لال محمّد سفّة «١» من دقيق، ولا كفّ من سويق «٢» » . فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدّة من السّماء أفزعته، فقال رسول الله ﷺ: «أمر الله القيامة أن تقوم؟» . قال: لا، ولكن أمر إسرافيل فنزل إليك حين سمع كلامك. فأتاه إسرافيل، فقال: إنّ الله تعالى قد سمع ما ذكرت فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض عليك: إن أردت أن أسيّر معك جبال تهامة زمرّذا وياقوتا، وذهبا وفضة.. فعلت، فإن شئت: نبيّا ملكا، وإن شئت نبيّا عبدا؟ فأومأ إليه جبريل أن تواضع. فقال: «بل نبيّا عبدا» (ثلاثا) . رواه الطّبرانيّ بإسناد حسن. ولله درّ الأبو صيريّ حيث قال: وراودته الجبال الشّمّ من ذهب ... عن نفسه فأراها أيّما شمم)

فقال: «بل نبيّا عبدا» (ثلاثا) . رواه الطّبرانيّ بإسناد حسن. ولله درّ الأبو صيريّ حيث قال: وراودته الجبال الشّمّ من ذهب ... عن نفسه فأراها أيّما شمم)

وأمّا خبز رسول الله ﷺ: فعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يبيت اللّيالي المتتابعة طاويا «١» هو وأهله؛ لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشّعير. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما شبع ال محمّد ﷺ من خبز الشّعير يومين متتابعين حتّى قبض رسول الله ﷺ. وعن سليم بن عامر [رحمه الله تعالى] قال: سمعت أبا أمامة [الباهليّ] رضي الله تعالى عنه يقول: ما كان يفضل «٢» عن أهل بيت رسول الله ﷺ خبز الشّعير. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: ما رفع عن مائدته ﷺ كسرة خبز حتّى قبض. وقد ورد عنها أيضا [رضي الله تعالى عنها] أنّها قالت: توفّي رسول الله ﷺ وليس عندي شيء يأكله ذو كبد إلّا شطر شعير في رفّ لي- أي: نصف وسق- فأكلت منه حتّى طال عليّ فكلته ففني «٣» .

وكان رسول الله ﷺ يأكل خبز الشّعير غير منخول، وربّما وقف في حلقه فلا يسيغه إلّا بجرعة من ماء. وعن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما أنّه قيل له: أكل رسول الله ﷺ النّقيّ «١» يعني: الحوّارى؟ «٢» فقال سهل: ما رأى رسول الله ﷺ النّقيّ حتّى لقي الله ﷿. فقيل له: هل كانت لكم مناخل على عهد رسول الله ﷺ؟ قال: ما كانت لنا مناخل. قيل: كيف كنتم تصنعون بالشّعير؟ قال: كنّا ننفخه فيطير منه ما طار، ثمّ نعجنه. وفي رواية له: هل كانت لكم في عهد رسول الله ﷺ مناخل؟ فقال: ما رأى النّبيّ ﷺ منخلا من حين ابتعثه الله تعالى حتّى قبضه الله تعالى. وقال أنس رضي الله تعالى عنه: ما أعلم أنّ رسول الله ﷺ رأى رغيفا مرقّقا حتّى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطا بعينه حتّى لحق بالله. رواه البخاريّ.

تعالى. وقال أنس رضي الله تعالى عنه: ما أعلم أنّ رسول الله ﷺ رأى رغيفا مرقّقا حتّى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطا بعينه حتّى لحق بالله. رواه البخاريّ.

و (الشّاة السّميط) : هي الّتي أزيل شعرها بالماء المسخّن، وشويت بجلدها، وهو من فعل المترفّهين. وعن قتادة [رحمه الله تعالى] ، عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: ما أكل نبيّ الله ﷺ على خوان، ولا في سكرّجة، ولا خبز له مرقّق. قال قتادة [رحمه الله تعالى] : كانوا يأكلون على هذه السّفر. و (الخوان) : هو مرتفع يهيّأ ليؤكل الطّعام عليه. و (السّكرّجة) : إناء صغير يوضع فيه الشيء القليل المشهّي للطّعام؛ كالسّلطة. و (السّفر) - جمع سفرة- وهي: ما يتّخذ من جلد مستدير ليؤكل عليه الطّعام. وعن مسروق [رحمه الله تعالى] قال: دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها، فدعت لي بطعام، وقالت: ما أشبع من طعام فأشاء أن أبكي إلّا بكيت. قال: قلت: لم؟ قالت: أذكر الحال الّتي فارق عليها رسول الله ﷺ الدّنيا، والله ما شبع من خبز ولا لحم مرّتين في يوم. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ما شبع ال محمّد ﷺ من طعام ثلاثة أيّام تباعا حتّى قبض. رواه البخاريّ ومسلم.

وروى مسلم: ما شبع ال محمّد يومين من خبز البرّ إلّا وأحدهما تمر. وروى مسلم أيضا: عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لقد مات رسول الله ﷺ وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرّتين. وعنها رضي الله تعالى عنها قالت: ما شبع رسول الله ﷺ من خبز الشّعير يومين متتابعين حتّى قبض. وفي رواية عنها [رضي الله تعالى عنها] أيضا: ما شبع رسول الله ﷺ من خبز شعير يومين متواليين، ولو شاء.. لأعطاه الله ﷿ ما لا يخطر ببال. قال القسطلّانيّ في «المواهب» : (وقد تتبّعت هل كانت أقراص خبزه ﷺ صغارا أم كبارا؟ فلم أجد في ذلك شيئا بعد التّفتيش. نعم.. روي أمره بتصغيرها في حديث عن عائشة رضي الله تعالى عنها، رفعته بلفظ: «صغّروا الخبز، وأكثروا عدده.. يبارك لكم فيه» . وكان شيخي العارف الرّبّانيّ إبراهيم المتبوليّ يصغّر أرغفة سماطه، كالشّيخ أبي العبّاس أحمد البدويّ والسّادات بني الوفاء. أعاد الله تعالى علينا من بركاتهم) .

وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: خرج- تعني النّبيّ ﷺ من الدّنيا ولم يملأ بطنه في يوم من طعامين، كان إذا شبع من التّمر.. لم يشبع من الشّعير، وإذا شبع من الشّعير.. لم يشبع من التّمر. قال القسطلّانيّ: (واعلم أنّ الشّبع بدعة ظهرت بعد القرن الأوّل. وقد روى النّسائيّ وابن ماجه وصحّحه الحاكم من حديث المقدام بن معدي كرب: أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما ملأ ابن ادم وعاء شرّا من بطنه، حسب ابن ادم لقيمات يقمن صلبه، فإن غلبت الادميّ نفسه.. فثلث للطّعام، وثلث للشّراب، وثلث للنّفس» . قال القرطبيّ: لو سمع بقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة) . وعن الحسن رضي الله تعالى عنه قال: خطب رسول الله ﷺ، فقال: «والله ما أمسى في ال محمّد صاع من طعام، وإنّها لتسعة أبيات» . والله ما قالها استقلالا لرزق الله ﷾، ولكن أراد أن تتأسّى به أمّته. وفي «الشّفا» للقاضي عياض رحمه الله تعالى: عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لم يمتلئ جوف النّبيّ ﷺ شبعا قطّ، ولم يبثّ شكوى إلى أحد، وكانت الفاقة أحبّ إليه من الغنى، وإن كان ليظلّ جائعا يلتوي طول ليلته من الجوع فلا يمنعه صيام يومه، ولو شاء..

نّبيّ ﷺ شبعا قطّ، ولم يبثّ شكوى إلى أحد، وكانت الفاقة أحبّ إليه من الغنى، وإن كان ليظلّ جائعا يلتوي طول ليلته من الجوع فلا يمنعه صيام يومه، ولو شاء.. سأل ربّه جميع كنوز الأرض وثمارها، ورغد عيشها، ولقد كنت

أبكي رحمة له ممّا أرى به وأمسح بيدي على بطنه ممّا به من الجوع، وأقول: نفسي لك الفداء؛ لو تبلّغت من الدّنيا بما يقوتك؟ فيقول: «يا عائشة؛ ما لي وللدّنيا؟! إخواني من أولي العزم من الرّسل صبروا على ما هو أشدّ من هذا، فمضوا على حالهم، فقدموا على ربّهم، فأكرم مابهم، وأجزل ثوابهم، فأجدني أستحيي إن ترفّهت في معيشتي أن يقصّر بي غدا دونهم، وما من شيء هو أحبّ إليّ من اللّحوق بإخواني وأخلّائي» . قالت: فما أقام بعد شهرا حتى توفّي صلوات الله وسلامه عليه. ثمّ قال رحمه الله تعالى بعد ثلاث ورقات: كان داود ﵊ يلبس الصّوف، ويفترش الشّعر، ويأكل خبز الشّعير بالملح والرّماد، ويمزج شرابه بالدّموع. وقيل لعيسى ﵊: لو اتّخذت حمارا؟ فقال: أنا أكرم على الله من أن يشغلني بحمار. وكان يلبس الشّعر ويأكل الشّجر؛ ولم يكن له بيت، أينما أدركه النّوم.. نام. وكان أحبّ الأسامي إليه أن يقال له: (يا مسكين) . وقيل: إنّ موسى [﵊] لمّا ورد ماء مدين كانت ترى خضرة البقل في بطنه من الهزال. وقال ﷺ: «لقد كان الأنبياء قبلي يبتلى أحدهم بالفقر والقمل، وكان ذلك أحبّ إليهم من العطاء إليكم» .

وقال مجاهد: كان طعام يحيى: العشب، وكان يبكي من خشية الله تعالى ﷿، حتّى اتّخذ الدّمع مجرى في خدّه. وحكى الطّبريّ عن وهب: أنّ موسى ﵊ كان يستظلّ بعريش، ويأكل في نقرة «١» من حجر، ويكرع فيها إذا أراد أن يشرب كما تكرع الدّابّة؛ تواضعا لله تعالى بما أكرمه من كلامه) اهـ

وهب: أنّ موسى ﵊ كان يستظلّ بعريش، ويأكل في نقرة «١» من حجر، ويكرع فيها إذا أراد أن يشرب كما تكرع الدّابّة؛ تواضعا لله تعالى بما أكرمه من كلامه) اهـ

الفصل الثّاني في صفة أكله ﷺ وإدامه عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل بأصابعه الثّلاث؛ بالإبهام، والّتي تليها، والوسطى. ثمّ رأيته يلعق أصابعه الثّلاث قبل أن يمسحها؛ الوسطى، ثمّ الّتي تليها، ثمّ الإبهام. وكان رسول الله ﷺ يكره أن يأكل الطّعام الحارّ حتّى تذهب فورة دخانه «١» . وكان ﷺ لا يأكل الطّعام الحارّ، ويقول: «إنّه غير ذي بركة، فأبردوه؛ فإنّ الله لم يطعمنا نارا» . وكان ﷺ يأكل بأصابعه الثّلاث، وربّما استعان بالرّابعة، ولم يكن يأكل قطّ بأصبعين، ويخبر أنّ ذلك من فعل الشّيطان. وكان ﷺ يلعق الصّحفة بأصابعه، ويقول: «اخر الطّعام أكثر بركة» .

وكان [ﷺ] يلعق أصابعه من الطّعام حتّى تحمرّ. وكان [ﷺ] لا يمسح يده بالمنديل حتّى يلعق أصابعه واحدة واحدة، ويقول: «إنّه لا يدري في أيّ الطّعام البركة» . وكان ﷺ إذا أكل الخبز واللّحم خاصّة.. غسل يديه غسلا جيّدا، ثمّ يمسح بفضل الماء على وجهه. وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «من أكل من هذه اللّحوم شيئا.. فليغسل يده من ريح وضره «١» ، ولا يؤذي من حذاءه» . وكان أكثر جلوسه ﷺ للأكل أن يجمع بين ركبتيه وبين قدميه؛ كما يجلس المصلّي، إلّا أنّ الرّكبة تكون فوق الرّكبة، والقدم فوق القدم. وكان ﷺ يقول: «إنّما أنا عبد اكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» . وعن أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أمّا أنا فلا اكل متّكئا» . وروى ابن ماجه: أنّ رسول الله ﷺ نهى أن يأكل الرّجل وهو منبطح على وجهه.

وأخرج ابن عديّ: أنّ رسول الله ﷺ زجر أن يعتمد الرّجل على يده اليسرى عند الأكل.

وأمّا إدام رسول الله ﷺ: فقد كان ﷺ لا يتورّع عن مطعم حلال؛ إن وجد تمرا دون خبز.. أكله، وإن وجد لحما مشويّا.. أكله، وإن وجد خبز برّ.. أكله، أو شعيرا.. أكله، وإن وجد حلوى، أو عسلا.. أكله، وإن وجد لبنا دون خبز.. أكله واكتفى به، وإن وجد بطّيخا، أو رطبا.. أكله. وكان ﷺ يأكل ما حضر، ولا يردّ ما وجد. وعن زهدم الجرميّ [رحمه الله تعالى] قال: كنّا عند أبي موسى الأشعريّ رضي الله تعالى عنه، فأتي بلحم دجاج، فتنحّى رجل من القوم، فقال: ما لك؟ فقال: إنّي رأيتها تأكل شيئا، فحلفت أن لا اكلها. قال: ادن، فإنّي رأيت رسول الله ﷺ يأكل لحم الدّجاج. وعن إبراهيم بن عمر بن سفينة، عن أبيه [رحمهما الله تعالى] ، عن جدّه سفينة [رضي الله تعالى عنه] مولى رسول الله ﷺ، قال: أكلت مع رسول الله ﷺ لحم حبارى. و (الحبارى) : طائر طويل العنق، في منقاره طول، رماديّ اللّون، شديد الطيران.

وكان ﷺ يأكل لحم الدّجاج والطّير الّذي يصاد، وكان لا يشتريه ولا يصيده، ويحبّ أن يصاد له، فيؤتى به فيأكله. وكان رسول الله ﷺ يقول لعائشة رضي الله تعالى عنها: «إذا طبختم قدرا.. فأكثروا فيها من الدّبّاء؛ فإنّها تشدّ قلب الحزين» . وكان رسول الله ﷺ يأكل الثّريد باللّحم والقرع. وكان [ﷺ] يحبّ القرع، ويقول: «إنّها شجرة أخي يونس» . وعن جابر بن طارق رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على النّبيّ ﷺ فرأيت عنده دبّاء يقطّع، فقلت: ما هذا؟ فقال: «نكثّر به طعامنا» . وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: إنّ خيّاطا دعا رسول الله ﷺ لطعام صنعه. قال أنس: فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطّعام، فقرّب إلى رسول الله ﷺ خبزا من شعير، ومرقا فيه دبّاء، وقديد «١» . قال أنس: فرأيت النّبيّ ﷺ يتتبّع الدّبّاء حوالي القصعة، فلم أزل أحبّ الدّبّاء من يومئذ.

ّب إلى رسول الله ﷺ خبزا من شعير، ومرقا فيه دبّاء، وقديد «١» . قال أنس: فرأيت النّبيّ ﷺ يتتبّع الدّبّاء حوالي القصعة، فلم أزل أحبّ الدّبّاء من يومئذ.

قال النّوويّ: (فيه أنّه يستحبّ أن يحبّ المرء الدّبّاء، وكذلك كلّ شيء كان يحبّه ﷺ . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النّبيّ ﷺ يحبّ الحلواء والعسل. وكان أحبّ الشّراب إلى رسول الله ﷺ.. العسل. وكان أحبّ الشّراب إلى رسول الله ﷺ.. اللّبن. وكان ﷺ إذا شرب اللّبن.. قال: «إنّ له دسما» . وكان ﷺ يشرب اللّبن خالصا تارة، وتارة مشوبا بالماء البارد. وكان ﷺ إذا أتي بلبن.. قال: «بركة» . وكان ﷺ يتمجّع التّمر باللّبن «١» ، ويسمّيهما: «الأطيبين» . وأكل ﷺ التّمر بالزّبد «٢» ، وكان يحبّه. وفي «الإحياء» : أنّه جاء عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه بفالوذج، فأكل منه، وقال: «ما هذا يا أبا عبد الله؟» .

قال: بأبي أنت وأمّي، نجعل السّمن والعسل في البرمة «١» ، ونضعها على النّار، حتّى نغليه، ثمّ نأخذ مخّ الحنطة إذا طحنت، فنلقيه على السّمن والعسل في البرمة، ثمّ نسوطه «٢» حتّى ينضج؛ فيأتي كما ترى. فقال رسول الله ﷺ: «إنّ هذا الطّعام طيّب» . وذكر هذه القصّة في «المواهب» عن عبد الله بن سلام بوجه اخر، مع تسمية هذا الطّعام: الخبيص. وكان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ اللّحم، ويقول: «إنّه يزيد في السّمع، وهو سيّد الطّعام في الدّنيا والآخرة، ولو سألت ربّي أن يطعمنيه كلّ يوم.. لفعل» . وعن عطاء بن يسار: أنّ أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها أخبرته أنّها قرّبت إلى رسول الله ﷺ جنبا مشويّا فأكل منه. وعن عبد الله بن الحارث قال: أكلنا مع رسول الله ﷺ شواء في المسجد. وعن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه قال: ضفت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فأتي بجنب مشويّ، ثمّ أخذ الشّفرة «٣» ؛ فجعل يحزّ، فحزّ لي بها منه.

المسجد. وعن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه قال: ضفت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فأتي بجنب مشويّ، ثمّ أخذ الشّفرة «٣» ؛ فجعل يحزّ، فحزّ لي بها منه.

قال: فجاء بلال يؤذنه بالصّلاة، فألقى الشّفرة، فقال: «ما له؟! تربت يداه» «١» . قال: وكان شاربه قد وفا «٢» ، فقال له «٣» : «أقصّه لك على سواك؟ أو: قصّه على سواك» . وكان ﷺ يأكل من الكبد إذا شويت. وكان ﷺ يحبّ من الشّاة الذّراع والكتف. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: أتي النّبيّ ﷺ بلحم، فرفع إليه الذّراع- وكانت تعجبه- فنهس منها «٤» . وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كان النّبيّ ﷺ يعجبه الذّراع، وسمّ في الذّراع، وكان يرى أنّ اليهود سمّوه. وعن أبي عبيدة رضي الله تعالى عنه قال: طبخت للنّبيّ ﷺ قدرا «٥» ، وكان يعجبه الذّراع، فناولته الذّراع، ثمّ قال: «ناولني

الذّراع» ، فناولته، ثمّ قال: «ناولني الذّراع» ، فقلت: يا رسول الله؛ وكم للشّاة من ذراع؟! فقال: «والذي نفسي بيده؛ لو سكتّ.. لناولتني الذّراع ما دعوت» . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما كانت الذّراع أحبّ اللّحم إلى رسول الله ﷺ، ولكنّه كان لا يجد اللّحم إلّا غبّا «١» ، وكان يعجل إليها؛ لأنّها أعجلها نضجا. وكان أحبّ الشّاة إلى رسول الله ﷺ مقدّمها. وعن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أطيب اللّحم لحم الظّهر» . وعن ضباعة بنت الزّبير رضي الله تعالى عنها: أنّها ذبحت في بيتها شاة، فأرسل إليهم رسول الله ﷺ: «أن أطعمينا من شاتكم» . فقالت: ما بقي عندنا إلّا الرّقبة، وإنّي لأستحي أن أرسل إلى النّبيّ ﷺ، فرجع الرّسول، فأخبره بقولها. فقال: «ارجع إليها، فقل لها: أرسلي بها، فإنّها هادية الشّاة، وأقرب الشّاة إلى الخير، وأبعدها عن الأذى» . وكان رسول الله ﷺ إذا أكل اللّحم.. لم يطأطئ رأسه إليه، بل يرفعه إلى فيه، ثمّ ينهسه انتهاسا «٢» .

وأكل رسول الله ﷺ القديد؛ كما في حديث «السّنن» عن رجل قال: ذبحت لرسول الله ﷺ شاة ونحن مسافرون، فقال: «أصلح لحمها» ، فلم أزل أطعمه منه إلى المدينة. وأكل ﷺ لحم حمار الوحش. وأكل ﷺ لحم الضّأن، وأكل ﷺ لحم الجمال سفرا وحضرا. وأكل ﷺ لحم الأرنب. وأكل ﷺ من دوابّ البحر. وأكل ﷺ الثّريد؛ وهو أن يثرد الخبز بمرق اللّحم، وقد يكون معه لحم. ومن أمثالهم: (الثّريد أحد اللّحمين) . وأكل ﷺ الخبز بالزّيت. وعن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كلوا الزّيت وادّهنوا به، فإنّه من شجرة مباركة» . وأكل ﷺ السّلق «١» مطبوخا.

وأكل ﷺ الخزيرة؛ وهي: ما يتّخذ من الدّقيق على هيئة العصيدة، لكنّه أرقّ منها «١» . وأكل ﷺ الأقط «٢» ؛ وهو: جبن اللّبن المستخرج زبده، وهو أشبه شيء بالكشك. وأكل ﷺ الرّطب والتّمر والبسر «٣» . وأكل ﷺ الكباث؛ وهو: ثمر الأراك. وأكل ﷺ الجبن. عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: أتي النّبيّ ﷺ بجبنة في تبوك، فدعا بسكّين فسمّى وقطع. وأمّا البصل: فروى أبو داود في «سننه» : عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها سئلت عن البصل فقالت: إنّ اخر طعام أكله رسول الله ﷺ فيه بصل. والظّاهر أنّ هذا البصل كان مطبوخا، حتّى لم يبق له رائحة كريهة. ويدلّ على هذا قولها: (إنّ اخر طعام أكله فيه بصل) ، ولم تقل أكل البصل.

الله ﷺ فيه بصل. والظّاهر أنّ هذا البصل كان مطبوخا، حتّى لم يبق له رائحة كريهة. ويدلّ على هذا قولها: (إنّ اخر طعام أكله فيه بصل) ، ولم تقل أكل البصل.

وكان أحبّ الصّباغ إلى رسول الله ﷺ الخلّ. وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّ رسول الله ﷺ قال: «نعم الإدام الخلّ» . وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: دخل رسول الله ﷺ يوم فتح مكّة على أمّ هانىء رضي الله تعالى عنها وكان جائعا، فقال لها: «أعندكم طعام اكله؟» ، فقالت: إنّ عندي لكسرا يابسة، وإنّي لأستحيي أن أقدّمها إليك. فقال: «هلمّيها» ، فكسّرها في ماء، وجاءته بملح، فقال: «ما من إدام؟» ، فقالت: ما عندي إلّا شيء من خلّ، فقال: «هلمّيه» . فلمّا جاءته به.. صبّه على طعامه؛ فأكل منه، ثمّ حمد الله ﷿، وأثنى عليه، ثمّ قال: «نعم الإدام الخلّ، يا أمّ هانىء؛ لا يقفر بيت فيه خلّ» . وعن أمّ سعد رضي الله تعالى عنها قالت: دخل رسول الله ﷺ على عائشة وأنا عندها، فقال: «هل من غداء؟» ، فقالت: عندنا خبز وتمر وخلّ، فقال: «نعم الإدام الخلّ، اللهمّ؛ بارك في الخلّ؛ فإنّه كان إدام الأنبياء قبلي، ولم يقفر بيت فيه خلّ» . وهذا مدح للخلّ بحسب الوقت- كما قاله ابن القيّم- لا لتفضيله على غيره، بل هو جبر لقلب من قدّمه له ﷺ، وتطييبا لنفسه، لا تفضيلا له على غيره؛ إذ لو حضر نحو لحم أو عسل أو لبن.. لكان أحقّ بالمدح.

القيّم- لا لتفضيله على غيره، بل هو جبر لقلب من قدّمه له ﷺ، وتطييبا لنفسه، لا تفضيلا له على غيره؛ إذ لو حضر نحو لحم أو عسل أو لبن.. لكان أحقّ بالمدح.

وبهذا علم أنّه لا تنافي بين هذا وبين قوله: «بئس الإدام الخلّ» . وعن أبي موسى الأشعريّ رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ ﷺ قال: «فضل عائشة على النّساء.. كفضل الثّريد على سائر الطّعام» . وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: أولم رسول الله ﷺ على صفيّة بتمر وسويق؛ وهو: ما يعمل من الحنطة، أو الشّعير. وعن سلمى زوج أبي رافع- مولى النّبيّ ﷺ: أنّ الحسن بن عليّ، وابن عبّاس وابن جعفر رضي الله تعالى عنهم.. أتوها، فقالوا: اصنعي لنا طعاما ممّا كان يعجب رسول الله ﷺ ويحسن أكله. فقالت: يا بنيّ؛ لا تشتهيه اليوم. قال: بلى، اصنعيه لنا. قال: فقامت، فأخذت شيئا من شعير، فطحنته، ثمّ جعلته في قدر، وصبّت عليه شيئا من زيت، ودقّت الفلفل والتّوابل، فقرّبته إليهم. فقالت: هذا ممّا كان يعجب النّبيّ ﷺ ويحسن أكله. قوله (التّوابل) : هي أدوية حارّة يؤتى بها من الهند، وقيل: إنّها مركّبة من الكزبرة والزّنجبيل والكمّون.

قالت: هذا ممّا كان يعجب النّبيّ ﷺ ويحسن أكله. قوله (التّوابل) : هي أدوية حارّة يؤتى بها من الهند، وقيل: إنّها مركّبة من الكزبرة والزّنجبيل والكمّون.

ويؤخذ من هذا: أنّه ﷺ كان يحبّ تطييب الطّعام بما تيسّر وسهل، وأنّ ذلك لا ينافي الزّهد. وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال في غزوة الخندق: انكفيت- أي: انطلقت إلى امرأتي- فقلت: هل عندك شيء؟ فإنّي رأيت بالنّبيّ ﷺ جوعا شديدا. فأخرجت جرابا فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن، فذبحتها، وطحنت الشّعير حتّى جعلنا اللّحم في البرمة، ثمّ جئته ﷺ، وأخبرته الخبر سرّا، وقلت له: تعال أنت ونفر معك. فصاح: «يا أهل الخندق؛ إنّ جابرا صنع سورا «١» فحيّ هلا بكم» ، وقال: «لا تنزلنّ برمتكم، ولا تخبزنّ عجينتكم حتّى أجيء» . فلمّا جاء.. أخرجت له العجين؛ فبصق فيه، وبارك، ثمّ عمد إلى برمتنا، فبصق، وبارك، ثمّ قال: «ادعي خابزة فلتخبز معك، واغرفي من برمتكم، ولا تنزلوها» . والقوم ألف، فأقسم بالله لقد أكلوا حتّى تركوه، وانصرفوا، وإنّ برمتنا لتغطّ- أي: تغلي- كما هي، وإنّ عجيننا ليخبز كما هو. رواه البخاريّ ومسلم. وعن جابر أيضا قال: خرج رسول الله ﷺ وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار، فذبحت له شاة؛ فأكل منها، وأتته بقناع-

أي: طبق من رطب- فأكل منه، ثمّ توضّأ للظّهر، وصلّى، ثمّ انصرف، فأتته بعلالة من علالة الشّاة «١» ، فأكل، ثمّ صلّى العصر، ولم يتوضّأ. وعن أمّ المنذر رضي الله تعالى عنها قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ ومعه عليّ ولنا دوال «٢» معلّقة. قالت: فجعل رسول الله ﷺ يأكل، وعليّ معه يأكل. فقال ﷺ لعليّ: «مه يا عليّ، فإنّك ناقه «٣» » . قالت: فجلس عليّ والنّبيّ ﷺ يأكل. قالت: فجعلت لهم سلقا وشعيرا. فقال النّبيّ ﷺ لعليّ: «من هذا فأصب؛ فإنّ هذا أوفق لك» . وعن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه قال: رأيت النّبيّ ﷺ أخذ كسرة من خبز، فوضع عليها تمرة وقال: «هذه إدام هذه» . وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ رسول الله ﷺ كان يعجبه الثّفل.

و (الثّفل) : ما بقي من الطّعام في أسافل القدر والقصعة والصّحفة ونحوها. وكان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ الثّريد من الخبز، والثّريد من الحيس. و (الحيس) : التّمر مع السّمن والأقط، وقد يجعل عوض الأقط الدّقيق أو الفتيت، فيدلك الجميع حتّى يختلط. وكان رسول الله ﷺ يحبّ من الشّاة الذّراع والكتف، ومن القدر «١» الدّبّاء، ومن التّمر العجوة. ودعا في العجوة بالبركة، وكان يقول: «إنّها من الجنّة وهي شفاء من السّمّ والسّحر» . وكان أحبّ التّمر إلى رسول الله ﷺ العجوة. وكان ﷺ يحبّ الزّبد والتّمر. وكان ﷺ يحبّ من البقول الهندباء، والشّمر «٢» ، والرّجلة «٣» . وكان ﷺ يحبّ القثّاء. وكان ﷺ يحبّ الجذب.

Bagian 2 dari 6