— Bagian 25 · نفس المصدر الذي هو "الحرص" ويكون قوله: "وعزته" م… —
Bagian 25
نفس المصدر الذي هو "الحرص" ويكون قوله: "وعزته" معطوفًا على "وشدة" والضمير فيه راجع إلى الموصول وهو "ما" في قوله: "ما يعنتهم" والهاء الثانية في "عليه" عائدة على النبي ﷺ. انتهى. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] . يجوز أن يكون "رحمة" مفعولًا له، أي لأجل الرحمة، ويجوز أن ينصب على الحال مبالغة في أن جعله نفس الرحمة، وإما على حذف مضاف أي: ذا رحمة، أو بمعنى: راحم. قال السمين. قال أبو بكر بن طاهر -فيما حكاه القاضي عياض-: زين الله تعالى
محمدًا ﷺ بزينة الرحمة، فكان كونه رحمة، وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق، فمن أصابه شيء من رحمته فهو الناجي في الدارين من كل مكروه، والواصل فيهما إلى كل محبوب، انتهى. وقال ابن عباس: رحمة للبر والفاجر؛ لأن كل نبي إذا كذب أهلك الله من كذبه. ومحمد ﷺ أخر من كذبه إلى الموت أو إلى القيامة. وأما من صدقه فله الرحمة في الدنيا والآخرة.
وقال السمرقندي: رحمة للعالمين يعني: الجن والإنس. وقيل: لجميع الخلق للمؤمنين رحمة بالهداية، ورحمة للمنافقين بالأمان من القتل، ورحمة للكافرين بتأخير العذاب لما بعد الموت.
فذاته ﵇ رحمة تعم المؤمن والكافر كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] ، وقال ﵊: "إنما أنا رحمة مهداة" رواه الديلمي والبيهقي في "الشعب" من حديث أبي هريرة. وقال بعض العارفين: الأنبياء كلهم خلقوا من الرحمة، ونبينا ﷺ عين الرحمة، ولقد أحسن القائل: غنيمة عمر الكون بهجة عيشه ... سرور حياة الروح فائدة الدهر هو النعمة العظمى هو الرحمة التي ... تجلى بها الرحمن في السر والجهر فبيانه ﵇ ونصحه رحمة، ودعاؤه واستغفاره رحمة، فرزق ذلك من
ور حياة الروح فائدة الدهر هو النعمة العظمى هو الرحمة التي ... تجلى بها الرحمن في السر والجهر فبيانه ﵇ ونصحه رحمة، ودعاؤه واستغفاره رحمة، فرزق ذلك من
قبله، وحرمه من رده. فإن قلت: كيف كان رحمة، وقد جاء بالسيف واستباحة الأموال؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أنه إنما جاء بالسيف لمن استكبر وعاند، ولم يتفكر ولم يتدبر، ومن أوصاف الله تعالى: الرحمن الرحيم، ثم هو منتقم من العصاة، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩] ثم قد يكون سببًا للفساد. وثانيهما: أن كل نبي من الأنبياء قبل نبينا إذا كذبه قومه أهلك الله المكذبين بالخسف والمسخ والغرق، وقد أخر الله عذاب من كذب نبينا إلى
الموت، أو إلى يوم القيامة. لا يقال: إنه تعالى قال: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤] وقال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِين﴾ [الأحزاب: ٧٣] ؛ لأنا نقول: تخصيص العام لا يقدح فيه. وفي "الشفاء" للقاضي عياض: وحكى أنه ﷺ قال لجبريل: "هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟ قال: نعم، كنت أخشى عاقبة الأمر فأمنت، لثناء الله تعالى علي بقوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ " [التكوير: ٤٠] . انتهى. وذكر السمرقندي في تفسيره بلفظ: وذكر أن النبي ﷺ قال لجبريل: "يقول
"الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ فهل أصابك من هذه الرحمة شيء؟ قال: نعم، كنت أخشى عاقبة الأمر فأمنت بك، لثناء الله تعالى علي في قوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ " [التكوير: ٢١] . وهذا يقتضي أن محمدًا ﷺ أفضل من جبريل، وهو الذي عليه الجمهور، خلافًا لمن زعم أن جبريل أفضل واستدل: بأن الله وصف جبريل بسبعة أوصاف من أوصاف الكمال في قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ
عم أن جبريل أفضل واستدل: بأن الله وصف جبريل بسبعة أوصاف من أوصاف الكمال في قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ
مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ ، ووصف محمدًا ﷺ بقوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ . ولو كان محمد ﷺ مساويًا لجبريل في صفات الفضل أو مقاربًا له لكان وصف محمدًا بمثل ذلك. وأجيب بأنا متفقون على أن لمحمد ﷺ فضائل أخرى سوى ما ذكر في هذه الآية، وعدم ذكر الله تعالى لتلك الفضائل هنا لا يدل على عدمها بالإجماع، وإذا ثبت أن لمحمد ﷺ فضائل آخر زائدة فيكون أفضل من جبريل. وبالجملة: فإفراد أحد الشخصين بالوصف لا يدل ألبتة على انتفاء تلك الأوصاف عن الثاني، وإذا ثبت بالدليل القرآني أنه ﷺ رحمة للعالمين، والملائكة من جملة العالمين، وجب أن يكون أفضل منهم، والله أعلم.
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] . وهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بطريق الأولى؛ لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي، ولا ينعكس، كما قدمنا ذلك في أسمائه الشريفة من المقصد الثاني. وبذلك وردت الأحاديث عنه ﷺ: فروى الإمام أحمد من حديث أبي بن كعب أن النبي ﷺ قال: "مثلي في النبيين كمثل رجل بنى دارًا، فأحسنها وأكملها، وترك فيها موضع لبنة لم يضعها، فجعل
"الناس يطوفون بالبنيان ويتعجبون منه، ويقولون: لو تم موضع هذه اللبنة، فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة" ورواه الترمذي عن بندار عن أبي عامر العقدي، وقال: حديث حسن صحيح. وفي حديث أنس بن مالك مرفوعًا: "إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي". رواه الترمذي وغيره. وفي حديث جابر مرفوعًا: "مثلي ومثل الأنبياء، كمثل رجل بنى دارًا فأكملها وأحسنها إلا موضع لبنة، فكان من دخلها فنظر قال: ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة، وأنا موضع اللبنة، ختم بي الأنبياء ﵈". رواه أبو داود الطيالسي،
وكذا البخاري ومسلم بنحوه. وفي حديث أبي سعيد الخدري: "فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة". رواه مسلم.
وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: "وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون". فمن تشريف الله تعالى له ختم الأنبياء والمرسلين به، وإكمال الدين الحنيفي له، وقد أخبر الله في كتابه، ورسوله في السنة المتواترة عنه، أنه لا نبي بعده، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك دجال ضال، ولو تحذلق وتشعبذ، وأتى بأنواع السحر والطلاسم والنيرنجيات، فكلها محال وضلالة
عند أولي الألباب. ولا يقدح في هذا نزول عيسى ابن مريم ﵇ بعده؛ لأنه إذا نزل من السماء كان على دين نبينا محمد ﷺ ومنهاجه، مع أن المراد: أنه آخر من نبئ. قال ابن حبان: من ذهب إلى أن النبوة مكتسبة لا تنقطع، أو إلى أن الولي أفضل من النبي فهو زنديق يجب قتله والله أعلم.
النوع الرابع: في التنويه به ﷺ في الكتب السالفة كالتوراة والإنجيل بأنه صاحب الرسالة والتبجيل قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
وهذا يدل على أنه لو لم يكن مكتوبًا لكان ذكر هذا الكلام من أعظم المنفرات، والعاقل لا يسعى فيما يوجب نقصان حاله، وينفر الناس عن قبول مقاله، فلما قال لهم ﵇ هذا دل على أن ذلك النعت كان مذكورًا في التوراة والإنجيل. وذلك من أعظم الدلائل على صحة نبوته. لكن أهل الكتاب كما قال الله تعالى: ﴿يَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُون﴾ [البقرة: ١٤٦] ، و ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣] ، وإلا فهم -قاتلهم الله- قد عرفوا محمدًا ﷺ كما عرفوا أبناءهم، ووجدوه عندهم مكتوبًا في التوراة والإنجيل، لكن حرفوهما وبدلوهما ليطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
فدلائل نبوة نبينا في كتابيهما -بعد تحريفهما- طافحة، وأعلام شرائعه ورسالته فيهما لائحة، وكيف يغني عنهم إنكارهم، وهذا اسم النبي بالسريانية "مشفح"، فمشفح، محمد بغير شك، واعتباره أنهم يقولون "شفحا لاها" إذا أرادوا أن يقولوا: الحمد لله، وإذا كان الحمد، شفحا، فمشفح: محمد؛ ولأن الصفات التي أقروا بها هي وفاق لأحواله وزمانه، ومخرجه ومبعثه وشريعته ﷺ، فليدلونا على من هذه الصفات له، ومن خرجت له الأمم من بين يديه، وانقادت له
ولأن الصفات التي أقروا بها هي وفاق لأحواله وزمانه، ومخرجه ومبعثه وشريعته ﷺ، فليدلونا على من هذه الصفات له، ومن خرجت له الأمم من بين يديه، وانقادت له
واستجابت لدعوته، ومن صاحب الجمل الذي هلكت بابل وأصنامها به؟ إذ لو لم نأت بهذه الأنباء والقصص من كتبهم، لم يك فيما أودع الله ﷿ القرآن دليل على ذلك؟ وفي تركهم جحد ذلك وإنكاره -وهو يقرعهم به- دليل على اعترافهم له؟ فإنه يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ ، ويقول حكاية عن المسيح: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] . ويقول: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] ، ويقول: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾ [البقرة: ١٤٦] ، وكانوا يقولون لمخالفيهم
عند القتال: هذا نبي قد أظل مولده، ويذكرون من صفته ما يجدون في كتابهم، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به حسدًا وخوفًا على الرياسة. ويحتمل أنهم كانوا يظنون أنه من بني إسرائيل، فلما بعثه الله من العرب، من نسل إسماعيل عظم ذلك عليهم، وأظهروا التكذيب، فلعنة الله على الكافرين. وقد كان ﷺ يدعوهم إلى اتباعه وتصديقه، فكيف يجوز أن يحتج بباطل من الحجج، ثم يحيل ذلك على ما عندهم وما في أيديهم، ويقول: "من علامة نبوتي وصدقي أنكم تجدونني عندكم مكتوبًا" وهم لا يجدونه كما ذكر؟! أوليس ذلك مما يزيدهم عنه بعد استفهام إنكاري، وقد كان غنيًا أن يدعوهم بما ينفرهم، وأن يستميلهم بما يوحشهم. وقد أسلم من أسلم من علمائهم كعبد الله بن سلام،
وتميم الداري، وكعب، وقد وقفوا منه على مثل هذه الدعاوي. وقد روى ابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده عبد الله بن سلام: أنه لما سمع بمخرج النبي ﷺ بمكة، خرج فلقيه، فقال له النبي ﷺ: "أنت ابن سلام عالم أهل يثرب"؟ قال نعم: قال: "ناشدتك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد
"صفتي في كتاب الله"؟ قال: انسب ربك يا محمد، فارتج النبي ﷺ فقال له جبريل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ " [الإخلاص: ١-٤] ، فقال له ابن سلام: أشهد أنك رسول الله، وإن الله مظهرك ومظهر دينك على الأديان، وإني لأجد صفتك في كتاب الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا
أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ ، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس
بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا. وقوله: "ليس بفظ ولا غليظ" موافق لقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ولا
يعارض قوله: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِم﴾ [التوبة: ٧٣] ؛ لأن النفي محمول على طبعة الكريم الذي جبل عليه، والأمر محمول على المعالجة، أو النفي بالنسبة إلى المؤمنين والأمر بالنسبة إلى الكفار والمنافقين كما هو مصرح به في نفس الآية. "وقلوبًا غلفًا": أي مغشاة مغطاة، واحدها: أغلف، ومنه غلاف السيف وغيره. وأخرج البيهقي وأبو نعيم عن أم الدرداء -أو امرأة أبي الدرداء- قالت: قلت لكعب، كيف تجدون صفة رسول الله ﷺ في التوراة؟ قال: كنا نجده موصوفًا فيها: محمد رسول الله اسمه المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في
الدرداء- قالت: قلت لكعب، كيف تجدون صفة رسول الله ﷺ في التوراة؟ قال: كنا نجده موصوفًا فيها: محمد رسول الله اسمه المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في
الأسواق، وأعطي المفاتيح، ليبصر الله به أعينًا عورًا، ويسمع به آذانًا صمًا، ويقيم به ألسنة معوجة، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعين المظلوم ويمنعه من أن يستضعف. وفي البخاري: عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ ،
وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا
سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسية السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينًا عميًا وآذانًا
صمًا وقلوبًا غلفًا. وعند ابن إسحاق: ولا صخب في الأسواق، ولا متزين بالفحش، ولا قوال
للخنا، أسدده بكل جميل، وأهب له كل خلق كريم، ثم أجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، التقوى ضميره، والحكمة معقوله, والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملته،
وأحمد، أهدى به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة،
وأسمي به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغنى به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين قلوب مختلفة، وأهواء متشتتة، وأمم متفرقة، وأجعل أمته خير
أمة أخرجت للناس. وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: قدم الجارود فأسلم وقال: والذي بعثك
بالحق لقد وجدت صفتك في الإنجيل، ولقد بشر بك ابن البتول. وأخرج ابن سعد قال: لما أمر إبراهيم الخليل بإخراج هاجر حمل على البراق، فكان لا يمر إبراهيم بأرض عذبة سهلة إلا قال: أنزل ههنا يا جبريل، فيقول: لا، حتى أتى مكة فقال جبريل: انزل يا إبراهيم، قال: حيث لا ضرع ولا زرع، قال: نعم ههنا يخرج النبي الذي من ذرية ابنك الذي تتم به الكلمة العليا.
، فيقول: لا، حتى أتى مكة فقال جبريل: انزل يا إبراهيم، قال: حيث لا ضرع ولا زرع، قال: نعم ههنا يخرج النبي الذي من ذرية ابنك الذي تتم به الكلمة العليا.
وفي التوراة -مما اختاروه بعد الحذف والتحريف والتبديل، مما ذكره ابن ظفر في "البشر" وابن قتيبة في "أعلام النبوة": تجلى الله من سينا، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران. فسينا هو الجبل الذي كلم الله فيه موسى. و"ساعير" هو الجبل الذي كلم الله فيه عيسى، فظهرت فيه نبوته. وجبال "فاران" وهو اسم عبراني -وليست ألفه الأولى همزة- هي جبال بني هاشم التي كان رسول الله ﷺ يتحنث في أحدها وفيه فاتحة الوحي، وهو أحد ثلاثة جبال، أحدها: أبو قبيس، والمقابل له قعيقعان إلى بطن الوادي، والثالث:
الشرقي فاران، ومنفتحه الذي يلي قعيقعان إلى بطن الوادي، وهو شعب بني هاشم، وفيه مولده ﷺ على أحد الأقوال. قال ابن قتيبة: وليس بهذا غموض؛ لأن تجلي الله من سينا، إنزاله التوراة على موسى بطور سيناء، ويجب أن يكون إشراقه من "ساعير" إنزاله على المسيح الإنجيل، وكان المسيح يسكن من ساعير أرض الخليل، بقرية تدعى ناصرة، وباسمها تسمى من اتبعه نصارى، فكما وجب أن يكون إشراقه من ساعير إنزاله على المسيح الإنجيل فكذلك يجب أن يكون استعلانه من جبال فاران إنزاله القرآن على محمد ﷺ، وهي جبال مكة، وليس بين المسلمين وأهل الكتاب في
ذلك اختلاف في أن فاران هي مكة. وإن ادعى أنها غير مكة قلنا: أليس في التوراة: إن الله أسكن هاجر وإسماعيل فاران؟ وقلنا: دلونا على الموضع الذي استعلن الله منه واسمه فاران، والنبي الذي أنزل عليه كتاب بعد المسيح، أوليس "استعلن" و "علن" بمعنى واحد، وهو ما ظهر وانكشف. فهل تعلمون دينًا ظهر ظهور الإسلام، وفشا في مشارق الأرض ومغاربها فشوه. وفي التوراة أيضًا -مما ذكره ابن ظفر- خطابًا لموسى، والمراد به الذين اختارهم لميقات ربه الذين أخذتهم الرجفة خصوصًا، ثم بني إسرائيل عمومًا: والله ربك يقيم نبيًا من إخوتك، فاستمع له كالذي سمعت ربك في حوريت يوم الاجتماع حين قلت: لا أعود أسمع صوت الله ربي لئلا أموت، فقال الله تعالى:
نعم ما قالوا: وسأقيم لهم نبيًا مثلك من إخوتهم، وأجعل كلامي في فمه لهم كل شيء أمرته به، وأيما رجل لم يطع من تكلم باسمي فإني أنتقم منه. قال: وفي هذا الكلام أدلة على نبوة محمد ﷺ: فقوله: "نبيًا من إخوتهم"، وموسى وقومه من بني إسحاق، وإخوتهم من بني إسماعيل، ولو كان هذا النبي الموعود به من بني إسحاق لكان من أنفسهم لا من إخوتهم. وأما قوله: "نبيًا مثلك" وقد قال في التوراة: لا يقوم في بني إسرائيل أحد مثل موسى، وفي ترجمة أخرى، مثل موسى لا يقوم في بني إسرائيل أبدًا. فذهبت اليهود إلى أن هذا النبي الموعود به هو يوشع بن نون، وذلك باطل؛ لأن يوشع لم يكن كفؤًا لموسى ﵇، بل كان خادمًا له في حياته، ومؤكدًا لدعوته بعد
ًا. فذهبت اليهود إلى أن هذا النبي الموعود به هو يوشع بن نون، وذلك باطل؛ لأن يوشع لم يكن كفؤًا لموسى ﵇، بل كان خادمًا له في حياته، ومؤكدًا لدعوته بعد
وفاته، فتعين أن يكون المراد به محمدًا ﷺ فإنه كفؤ موسى؛ لأنه يماثله في نصب الدعوة، والتحدي بالمعجزة، وشرع الأحكام، وإجراء النسخ على الشرائع السالفة. وقوله تعالى: "اجعل كلامي في فمه" فإنه واضح في أن المقصود به محمد ﷺ؛ لأن معناه أوحي إليه بكلامي، فينطق به على نحو ما سمعه، ولا أنزل صحفًا ولا ألواحًا؛ لأنه أمي، لا يحسن أن يقرأ المكتوب. وفي الإنجيل -مما ذكره ابن طغر بك في "الدر المنتظم" قال يوحنا في إنجيله عن المسيح أنه قال: أنا أطلب لكم من الأب أن يعطيكم "فار قليط" آخر يثبت
معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لن يطيق العالم أن يقتلوه. وهو عند ابن ظفر بلفظ: إن أحببتموني فاحفظوا وصيتي، وأنا أطلب إلى أبي فيعطيكم "فار قليط" آخر يكون معكم الدهر كله. قال: فهذا تصريح بأن الله تعالى سيبعث إليهم من يقوم مقامه، وينوب عنه في تبليغ رسالة ربه وسياسة خلقه منا به، وتكون شريعته باقية مخلفة أبدًا، فهل هذا إلا محمد ﷺ؟ انتهى. ولم يذكر فصول "الفارقليط" -كما أفاده ابن طغر بك- سوى يوحنا، دون غيره من نقلة الإنجيل. وقد اختلف النصارى في تفسير "الفارقليط". فقيل هو: الحامد، وقيل: هو المخلص.
ول "الفارقليط" -كما أفاده ابن طغر بك- سوى يوحنا، دون غيره من نقلة الإنجيل. وقد اختلف النصارى في تفسير "الفارقليط". فقيل هو: الحامد، وقيل: هو المخلص.
فإن وافقناهم على أنه المخلص أفضى بنا الأمر إلى أن المخلص رسول يأتي لخلاص العالم، وذلك من غرضنا؛ لأن كل نبي مخلص لأمته من الكفر، ويشهد له قول المسيح في الإنجيل: إني جئت لخلاص العالم، فإذا ثبت أن المسيح هو الذي وصف نفسه بأنه مخلص العالم، وهو الذي سأل الأب أن يعطيهم "فارقليط" آخر، ففي مقتضى اللفظ ما يدل على أنه قد تقدم فارقليط أول حتى يأتي فارقليط آخر. وإن تنزلنا معهم على القول بأنه: الحامد، فأي لفظ أقرب إلى أحمد ومحمد من هذا. قال ابن ظفر: وفي الإنجيل -مما ترجموه- ما يدل على أن الفارقليط: الرسول، فإنه قال: إن هذا الكلام الذي يسمعونه ليس هو لي، بل الأب الذي أرسلني بهذا الكلام لكم، وأما "البارقليط" روح القدس الذي يرسله أبي باسمي، فهو يعلمكم كل شيء، وهو يذكركم كل ما قلته لكم. فهل بعد هذا بيان؟ أليس هذا صريحًا في أن "الفارقليط" رسول يرسله الله
تعالى، وهو روح القدس، وهو يصدق بالمسيح، ويظهر اسمه أنه رسول حق من الله، وليس بإله، وهو يعلم الخلق كل شيء، ويذكرهم كل ما قاله المسيح ﵇، وكل ما أمرهم به من توحيد الله. وأما قوله: "أبي" فهذه اللفظة مبدلة محرفة. وليست منكرة الاستعمال عند أهل الكتابين، إشارة إلى الرب ﷾؛ لأنها عندهم لفظة تعظيم، يخاطب بها المتعلم معلمه الذي يستمد منه العلم. ومن المشهور مخاطبة النصارى عظماء دينهم بالآباء الروحانية، ولم عتزل بنو إسرائيل وبنو عيصو يقولون: نحن أبناء الله بسوء فهمهم عن الله تعالى. وأما قوله: "يرسله أبي باسمي" فهو إشارة إلى شهادة المصطفى له بالصدق والرسالة، وما تضمنه القرآن من مدحه عما افتري في أمره.
وفي ترجمة أخرى للإنجيل، أنه قال: "الفارقليط" إذا جاء وبخ العالم على الخطيئة، ولا يقول من تلقاء نفسه، ما يسمع يكلمهم به، ويسوسهم بالحق، ويخبرهم بالحوادث. وهو عند ابن طغر بك بلفظ: فإذا جاء روح الحق، ليس ينطق من عنده، بل يتكلم بل ما يسمع من الله، ويخبرهم بما يأتي، وهو يمجدني؛ لأنه يأخذ مما هو لي ويخبركم. فقوله: "ليس ينطق من عنده" وفي الرواية الأخرى: "ولا يقول من تلقاء نفسه بل يتكلم بكل ما يسمع" أي: من الله الذي أرسله، وهذا كما قال تعالى في صفته ﷺ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣] . وقوله: "وهو يمجدني" فلم يمجده حق تمجيده إلا محمد ﷺ؛ لأنه وصفه بأنه رسول الله، وبرأه وبرأ أمه ﵉ مما نسب إليهما، وأمر أمته بذلك. قال ابن ظفر: فمن ذا الذي وبخ العلماء على كتمان الحق، وتحريف الكلم
عن مواضعه، وبيع الدين بالثمن البخس، من ذا الذي أنذر بالحوادث وأخبر بالغيوب إلا محمد ﷺ، ولله در أبي محمد عبد الله الشقراطسي حيث قال في قصيدته المشهورة: توراة موسى أتت عنه فصدقها ... إنجيل عيسى بحق غير مفتعل أخبار أحبار تلك الكتب قد وردت ... عما رأوا ورووا في الأعصر الأول ويعجبني قول العارف الرباني أبي عبد الله بن النعمان حيث قال: هذا النبي محمد جاءت له ... توراة موسى للأنام تبشر وكذاك إنجيل المسيح موافق ... ذكرًا لأحمد معرب ومذكر ويرحم الله ابن جابر محمدًا حيث قال: لمبعثه في كل جيل علامة ... على ما جلته الكتب من أمره الجلي فجاء به إنجيل عيسى بآخر ... كما قد مضت توراة موسى بأول
يرحم الله ابن جابر محمدًا حيث قال: لمبعثه في كل جيل علامة ... على ما جلته الكتب من أمره الجلي فجاء به إنجيل عيسى بآخر ... كما قد مضت توراة موسى بأول
وفي الدلائل للبيهقي عن الحاكم -بسند لا بأس به- عن أبي أمامة الباهلي عن هشام بن العاص الأموي قال: بعثت أنا ورجل آخر إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام، فذكر الحديث، وأنه أرسل إليهم ليلًا، قال: فدخلنا عليه، فدعا بشيء كهيئة الربعة العظيمة مذهبة فيها بيوت صغار عليها أبواب، ففتح واستخرج حريرة سوداء، فنشرها فإذا فيها صورة حمراء، وإذا رجل ضخم العينين عظيم الأليتين، لم أر مثل طول عنقه، وإذا له ضفيرتان أحسن ما خلق الله تعالى، قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا قال: هذا آدم ﵇، ثم فتح بابًا آخر فاستخرج حريرة سوداء، وإذا فيها صورة بيضاء، فإذا رجل أحمر العينين ضخم الهامة حسن اللحية، فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا نوح ﵇، ثم فتح بابًا آخر
وأخرج حريرة فإذا فيها صورة بيضاء، وإذا فيها -والله- رسول الله ﷺ، فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: نعم، محمد رسول الله ونبينا، والله إنه قام قائمًا ثم جلس وقال: إنه لهو؟ قلنا: نعم إنه لهو كأنك تنظر إليه، فأمسك ساعة ينظر إليها، ثم قال: أما والله إنه لآخر البيوت، ولكن عجلته لكم لأنظر ما عندكم. الحديث، وفيه ذكر صور الأنبياء: إبراهيم وموسى وعيسى وسليمان وغيرهم. قال: فقلنا له: من أين لك هذه الصور؟ فقال: إن آدم سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده فأنزل عليه صورهم، فكان في خزانة آدم عند مغرب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس فدفعها إلى دانيال.
وفي زبور داود ﵇، من مزمور أربعة وأربعين: فاضت النغمة من شفتيك، من أجل هذا باركك الله إلى الأبد، تقلد أيها الجبار سيفك، فإن شرائعك وسنتك مقرونة بهيبة يمينك، وسهامك مسنونة، وجميع الأمم يخرون تحتك. فهذا المزمور ينوه بمحمد ﷺ، فالنعمة التي فاضت من شفتيه هي القول الذي يقوله، وهو الكتاب الذي أنزل عليه والسنة التي سنها. وفي قوله: "تقلد سيفك أيها الجبار" دلالة على أنه النبي العربي، إذ ليس يتقلد السيف أمة من الأمم إلا العرب، وكلهم يتقدلونها على عواتقهم.
سنة التي سنها. وفي قوله: "تقلد سيفك أيها الجبار" دلالة على أنه النبي العربي، إذ ليس يتقلد السيف أمة من الأمم إلا العرب، وكلهم يتقدلونها على عواتقهم.
وفي قوله "فإن شرائعك وسنتك" نص صريح على أنه صاحب شريعة وسنة، وأنها تقوم بسيفه. و"الجبار" الذي يجبر الخلق بالسيف على الحق ويصرفهم عن الكفر جبرًا. وعن وهب بن منبه قال: قرأت في بعض الكتب القديمة، قال الله ﵎: وعزتي وجلالي، لأنزلن على جبال العرب نورًا يملأ ما بين المشرق والمغرب، ولأخرجن من ولد إساعيل نبيًا عربيًا أميًا يؤمن به عدد نجوم السماء ونبات الأرض، كلهم يؤمن بي ربًا، وبه رسولًا، ويكفرون بملل آبائهم ويفرون منها، قال موسى: سبحانك وتقدمت أسماؤك، ولقد كرمت هذا النبي وشرفته، قال الله: يا موسى، إني أنتقم من عدوه في الدنيا والآخرة، وأظهر دعوته على كل دعوة، وأذل من خالف شريعته، وبالعدل زينته، وللقسط أخرجته، وعزتي لأستنقذن به أممًا
من النار، فتحت الدنيا بإبراهيم وأختمتها بمحمد، فمن أدركه ولم يؤمن به ولم يدخل في شريعة فهو من الله بريء. ذكر ابن ظفر وغيره.
النوع الخامس: في آيات تتضمن أقسامه تعالى على تحقيق رسالته وثبوت ما أوحى إليه من آياته وعلو رتبته الرفيعة ومكانته وهذا النوع -أعزك الله- لخصت أكثره من كتاب أقسام القرآن للإمام العلامة ابن
القيم، مع زيادات من فرائد الفوائد. فاعلم أن الله تعالى أقسم بأمور على أمور، وإنما أقسم بنفسه الموصوفة بصفاته، وبآياته المستلزمة لذاته وصفاته، وأقسامه ببعض مخلوقاته دليل على أنه من عظيم آياته. ثم تعالى تارة يذكر جواب القسم وهو الغالب وتارة يحذفه. وتارة يقسم على أن القرآن حق، وتارة على أن الرسول حق، وتارة على أن الجزاء والوعد
والوعيد حق. فالأول: كقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ، لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٥-٧٩] . والثاني: كقوله تعالى: ﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ١-٣] . والثالث: كقوله: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١٠] ، إلى قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ لَوَاقِع﴾ . وهذه الأمور الثلاثة متلازمة، فمتى ثبت أن الرسول حق، ثبت أن القرآن حق، وثبت المعاد، ومتى ثبت أن القرآن حق ثبت صدق الرسول الذي جاء به، ومتى ثبت أن الوعد والوعيد حق ثبت صدق الرسول الذي جاء به. وفي هذا النوع خمسة فصول.
الفصل الأول: في قسمه تعالى على ما خصه به من الخلق العظيم وحباه من الفضل العميم قال الله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ، وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ١-٤] . ﴿ن﴾ من أسماء الحروف كـ ﴿الم﴾ و ﴿المص﴾ و ﴿ق﴾ . واختلف فيها، فقيل: هي أسماء للقرآن، وقيل: أسماء للسور. وقيل: أسماء لله، ويدل عليه أن عليًا ﵁ كان يقول:
﴿ن﴾ من أسماء الحروف كـ ﴿الم﴾ و ﴿المص﴾ و ﴿ق﴾ . واختلف فيها، فقيل: هي أسماء للقرآن، وقيل: أسماء للسور. وقيل: أسماء لله، ويدل عليه أن عليًا ﵁ كان يقول:
يا ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] ، ﴿حم، عسق﴾ [الشورى: ١-٢] ، كما قيل: ولعله أراد يا منزلهما. وقيل: إنه سر استأثر الله بعلمه، وقد روي عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة ما يقرب منه، ولعلهم أرادوا أنها أسرار بين الله ورسوله، لم يقصد بها إفهام غيره، إذ يبعد الخطاب من الله بما لا يفيد.
وهل المراد بقوله هنا: ﴿ن﴾ اسم الحوت، وهل المراد به الجنس أو اليهموت وهو الذي عليه الأرض. وقيل: المراد به الدواة وهو مروي عن ابن عباس، ويكون هذا قسمًا بالدواة والقلم، فإن المنفعة بهما بسبب الكتابة عظيمة، فإن التفاهم تارة يحصل بالنطق وتارة بالكتابة. قيل: إن "نون" لوح من نور تكتب فيه الملائكة ما يأمرهم به الله. رواه معاوية بن قرة مرفوعًا.
وأقسم الله تعالى بالكتاب وآلته هو القلم الذي هو إحد آياته وأول مخلوقاته الذي جرى به قدره وشرعه، وكتب به الوحي، وقيد به الدين، وأثبت به الشريعة، وحفظت به العلوم، وقامت به بمصالح العباد في المعاش والمعاد، وأقام به في الناس أبلغ خطيب وأفصحه وأنفعه لهم وأنصحه، وواعظًا تشفي مواعظه القلوب من السقم، وطبيبًا يبرئ بإذن باريه من أنواع الألم على تنزيه نبيه ورسوله محمد المحمود في كل أقواله، وأفعاله مما عمصته أعداؤه الكفرة به، وتكذيبهم له بقوله
تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون﴾ [القلم: ٢] . وكيف يرمى بالجنون من أتى بما عجزت العقلاء قاطبة عن معارضته، وكلت عن مماثلته، وعرفهم عن الحق بما لا تهتدي إليه عقولهم، بحيث أذعنت له عقول العقلاء، وخضعت له ألباب الألباء، وتلاشت في جنب ما جاء به، بحيث لم يسعها إلا التسليم له، والانقياد والإذعان طائعة مختارة، فهو الذي يكمل عقولها كما تكمل الطفل برضاع الثدي. ثم أخبر تعالى عن كمال شريعة نبيه في دنياه وآخرته فقال: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: ثوابًا غير منقطع، بل هو دائم، ونكر الأجر للتعظيم، أي
بر تعالى عن كمال شريعة نبيه في دنياه وآخرته فقال: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: ثوابًا غير منقطع، بل هو دائم، ونكر الأجر للتعظيم، أي
أجرًا عظيمًا لا يدركه الوصف ولا يناله التعبير. ثم أثنى عليه بما منحه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وهذه من أعظم آيات نبوته ورسالته، ولقد سئلت عائشة ﵂ عن خلقه ﷺ فقالت: "كان خلقه القرآن" ومن ثم قال ابن عباس وغيره: أي على دين عظيم، وسمي الدين خلقًا؛ لأن الخلق هيئة مركبة من علوم صادقة وإرادات زاكية وأعمال ظاهرة وباطنة موافقة للعدل والحكمة والمصلحة، وأقوال مطابقة للحق، تصدر تلك الأقوال والأعمال عن تلك العلوم والإرادات فتكسب النفس بها أخلاقًا حسنة هي
أزكى الأخلاق وأشرفها وأفضلها. وهذه كانت أخلاقه ﷺ المقتبسة من القرآن، فكان كلامه مطابقًا للقرآن تفصيلًا وتبيينًا، وعلومه علوم القرآن، وإرادته وأعمال ما أوجبه وندبه إليه القرآن، وإعراضه وتركه لما منع القرآن، ورغبته فيما رغب فيه، وزهده فيما زهد فيه، وكراهته فيما كرهه، فيه ومحبته فيما أحبه، وسعيه في تنفيذ أوامره، فترجمت أم المؤمنين عائشة لكمال معرفتها بالقرآن وبالرسول، وحسن تعبيرها عن هذا كله بقولها: "كان خلقه القرآن"، وفهم السائل عنها هذا المعنى فاكتفى به واشتفى. ولما وصفه تعالى بأنه على خلق عظيم قال: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُون، بِأَيِّيكُمُ﴾
الْمَفْتُونُ﴾ أي فسترى يا محمد وسيرى المشركون كيف عاقبة أمرك، فإنك تصير معظمًا في القلوب، ويصيرون أذلاء مغلوبين وتستولي عليهم بالقتل والنهب.
الفصل الثاني: في قسمه تعالى على ما أنعم به عليه وأظهره من قدره العلي لديه قال الله: ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ السورة [الضحى: ١-٣] .
أقسم الله تعالى على إنعامه على رسول الله ﷺ وإكرامه له وإعطائه ما يرضيه، وذلك متضمن لتصديقه له، فهو قسم على صحة نبوته، وعلى جزائه في الآخرة فهو قسم على النبوة والمعاد.
وأقسم الله تعالى بآيتين عظيمتين من آياته دالتين على ربوبيته ووحدانيته، وحكمته ورحمته، وهما الليل والنهار، وفسر بعضهم -كما حكاه الإمام فخر الدين- الضحى بوجهه ﷺ والليل بشعره، وقال: ولا استبعاد فيه. وتأمل مطابقة هذا القسم فيه، وهو نور الضحى الذي يوافي بعد ظلام الليل، للمسقم عليه وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه، حتى قال أعداؤه: ودع محمدًا ربه، فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة
للمسقم عليه وهو نور الوحي الذي وافاه بعد احتباسه عنه، حتى قال أعداؤه: ودع محمدًا ربه، فأقسم بضوء النهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره بعد ظلمة
احتباسه واحتجابه. وأيضًا فإن الذي اقتضته رحمته أن لا يترك عباده في ظلمة الليل سرمدًا بل هداهم بضوء النهار إلى مصالحهم، ومعايشهم لا يتركهم في ظلمة الغي والجهل بل يهديهم بنور الوحي والنبوة إلى مصالح دنياهم وآخرتهم، فتأمل حسن ارتباط المقسم بالمقسم عليه. وتأمل هذه الجزالة والرونق الذي على هذه الألفاظ، والجلالة التي في معانيها. ونفى سبحانه أن يكون ودع نبيه أو قلاه، فالتوديع: الترك، والقلى: البغض،
أي: ما تركك منذ اعتنى بك، وما أبغضك منذ أحبك، وحذف "الكاف" من "قلى" اكتفاء بكاف ودعك؛ ولأن رءوس الآيات بالياء فأوجب اتفاق الفواصل حذفها. وهذا يعم كل أحواله، وإن كان حالة يرقيه إليها هي خير له مما قبلها، كما أن الدار الآخرة هي خير له مما قبلها، ثم وعده بما تقربه به عينه وتفرح به نفسه،
ويشرح به صدره، وهو أن يعطيه فيرضى. وهذا يعم ما يعطيه من القرآن والهدى والنصر والظفر بأعدائه يوم بدر وفتح مكة، ودخول الناس في الدين أفواجًا، والغلبة على بني قريظة والنضير، وبث عساكره وسراياه في بلاد العرب، وما فتح على خلفائه الراشدين في أقطار الأرض من المدائن، وما قذف في قلوب أعدائه من الرعب، ونشر الدعوة، ورفع ذكره وإعلاء كلمته، وما يعطيه بعد مماته، وما يعطيه
في موقف القيامة من الشفاعة والمقام المحمود، وما يعطيه في الجنة من الوسيلة والدرجة الرفيعة والكوثر. وقال ابن عباس: يعطيه في الجنة ألف قصر من لؤلؤ أبيض، ترابها المسك وفيها ما يليق بها. وبالجملة: فقد دلت هذه الآية على أنه تعالى يعطيه ﵊ كل ما يرضيه. وأما ما يفتريه الجهال من أنه لا يرضى وواحد من أمته في النار، أو لا يرضى أن يدخل أحد من أمته النار، فهو من غرور الشيطان لهم ولعبه بهم، فإنه
ما يرضيه. وأما ما يفتريه الجهال من أنه لا يرضى وواحد من أمته في النار، أو لا يرضى أن يدخل أحد من أمته النار، فهو من غرور الشيطان لهم ولعبه بهم، فإنه
صلوات الله عليه سرضي بما يرضى به ربه ﵎، وهو ﷾ يدخل النار من يستحقها من الكفار والعصاة، ثم يحد لرسوله ﷺ حدًا يشفع فيهم -كما يأتي إن شاء الله تعالى في المقصد الأخير- ورسوله ﵇ أعرف به وبحقه من أن يقول: لا أرضى أن تدخل أحدًا من أمتي النار او تدعه فيها، بل ربه ﵎ يأذن له فيشفع فيمن شاء الله أن يشفع فيه، ولا يشفع في غير من أذن له ورضيه.
ثم ذكره سبحانه بنعمه عليه من إيوائه بعد يتمه، فقال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى﴾ وذهب بعضهم إلى أن معنى اليتيم من قولهم: درة يتمية، أي: ألم يجدك
واحدا في أرض قريش عديم النظير فآواك إليه وأغناك بعد الفقر. ثم أمره ﷾ أن يقابل هذه النعم الثلاثة بما يليق بها من الشكر فنهاه أن يقهر اليتيم، وأن ينهر السائل، وأن يكتم النعمة، بل يحدث بها، فإن من شكر النعمة التحدث بها. وقيل: المراد بالنعمة النبوة، والتحدث بها: تبليغها.
الفصل الثالث: في قسمه تعالى على تصديقه ﵊ فيما أتى به من وحيه وكتابه وتنزيهه عن الهوى في خطابه: قال الله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ١-٣] . أقسم تعالى بالنجم على تنزيه رسوله وبراءته مما نسبه إليه أعداؤه من الضلال والغي.
واختلف المفسرون في المراد بالنجم بأقاويل معروفة. منها: "النجم" على ظاهره، وتكون "أل" لتعريف العهد في قول، ولتعريف الجنس في آخر، وهي النجوم التي يهتدي بها. فقيل: الثريا إذا سقطت وغابت، وهو مروي عن ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وعطية. والعرب إذا أطلقت النجم تريد بها الثريا. وعن ابن عباس في رواية عكرمة: النجوم التي ترمى بها
الشياطين إذا سقطت في آثارها عند استراق السمع، وهذا قول الحسن، وعن السدي الزهرة، وعن الحسن أيضا النجوم إذا سقطت يوم القيامة. وقيل: المراد به النبت الذي لا ساق له، و"هوى" أي سقط على الأرض. وقيل: القرآن، رواه الكلبي عن ابن عباس؛ لأنه نزل نجوما على رسول الله ﷺ، وهو قول مجاهد ومقاتل والضحاك. وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين: هو محمد ﷺ "إذا هوى" أي نزل من السماء ليلة المعراج.
وأظهر الأقوال: -كما قاله ابن القيم- أنها النجوم التي ترمى بها الشياطين، ويكون سبحانه قد أقسم بهذه الآية الظاهرة المشاهدة التي نصبها الله تعالى آية وحفظًا للوحي من استراق الشياطين، على أن ما أتى به رسوله حق وصدق لا سبيل للشيطان ولا طريق له إليه، بل قد حرس بالنجم إذا هوى رصدًا بين يدي الوحي، حرسًا له، وعلى هذا فالارتباط بين المقسم به والمقسم عليه في غاية الظهور، وفي المقسم به دليل على المقسم عليه. وليس بالبين تسمية القرآن عند نزوله: بالنجم إذا هوى، ولا تسمية نزوله هويًا، ولا عهد في القرآن بذلك، فيحمل هذا اللفظ عليه.
سم به دليل على المقسم عليه. وليس بالبين تسمية القرآن عند نزوله: بالنجم إذا هوى، ولا تسمية نزوله هويًا، ولا عهد في القرآن بذلك، فيحمل هذا اللفظ عليه.
وليس بالبيت تخصيص هذا القسم بالثريا وحدها إذا غابت. وليس بالبيت أيضًا القسم بالنجوم عند انتشارها يوم القيامة. بل هذا مما يقسم الرب عليه، ويدل عليه بآياته، فلا يجعله نفسه دليلًا لعدم ظهوره للمخاطبين ولا سيما منكرو البعث، فإنه تعالى إنما يستدل بما لا يمكن جحده ولا المكابرة فيه، ثم إنه بين المقسم به والمقسم عليه من المناسبة ما لا يخفى. فإن قلنا: إن المراد النجوم التي للاهتداء فالمناسبة ظاهرة، وإن قلنا: إن المراد الثريا؛ فلأنه أظهر النجوم عند الرائي؛ لأنه لا يشتبه بغيره في السماء، وهو ظاهر لكل أحد، والنبي ﷺ تميز عن الكل بما منح من الآيات البينات؛ ولأن الثريا إذا ظهرت من المشرق حان إدراك الثمار، وإذا ظهرت من المغرب قرب أوان الخريف فتقل الأمراض، والنبي ﷺ لما ظهر قل الشرك والأمراض القلبية.
وإن قلنا: إن المراد بها القرآن فهو استدلال بمعجزته ﷺ على صدقه وبراءته، وأنه ما ضل ولا غوى، وإن قلنا: المراد به النبات، فالنبات به نبات القوى الجسمانية وصلاحها، والقوى العقلية أولى بالصلاح، وذلك بالرسل وإيضاح السبل. وتأمل كيف قال الله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُم﴾ ولم يقل: محمد، تأكيدًا لإقامة الحجة عليهم بأنه صاحبهم، وهو أعلم الخلق به وبحاله وأقواله وأعماله، وأنهم لا يعرفونه بكذب ولا غي ولا ضلال، ولا ينقمون عليه أمرًا واحدًا قط، وقد نبه تعالى على هذا المعنى بقوله ﷿: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُم﴾ [المؤمنون: ٦٩] . ثم نزه نطق رسوله ﷺ عن أن يصدر عن هوى فقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِق
عَنِ الْهَوَى﴾ ولم يقل: وما ينطق بالهوى؛ لأن نفي نطقه عن الهوى أبلغ، فإنه يتضمن أن نطقه لا يصدر عن هوى، وإذا لم يصدر عن هوى فكيف ينطق به، فيتضمن هو الأمرين: نفي الهوى عن مصدر النطق، ونفيه عن النطق نفسه، فنطقه بالحق ومصدره الهدى والرشاد، لا الغي والضلال.
إذا لم يصدر عن هوى فكيف ينطق به، فيتضمن هو الأمرين: نفي الهوى عن مصدر النطق، ونفيه عن النطق نفسه، فنطقه بالحق ومصدره الهدى والرشاد، لا الغي والضلال.
ثم قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ فأعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل، أي: ما نطقه إلا وحي يوحى، وهذا أحسن من جعل الضمير عائدًا إلى القرآن، فإنه نطقه بالقرآن والسنة، وإن كليهما وحي يوحى، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣] وهما القرآن والسنة، وذكر الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: كان جبريل ينزل على رسول الله ﷺ بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن يعلمه إياها.
ثم أخبر تعالى عن وصف من علمه الوحي، والقرآن بما يعلم أنه مضاد لأوصاف الشياطين معلمي الضلال والغواية فقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ وهو جبريل، أي قواه العلمية والعملية كلها شديدة، ولا شك أن مدح المعلم مدح للمتعلم. فلو قال: علمه جبريل ولم يصفه لم يحصل للنبي ﷺ به فضيلة ظاهرة. وهذا نظير قوله تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين﴾ [التكوير: ٢٠] كما سيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى. ثم أخبر ﷾ عن تصديق فؤاده لما رأته عيناه. وأن القلب صدق العين، وليس كمن رأى شيئًا على خلاف ما هو به، فكذب فؤاده بصره، بل ما رآه ببصره صدقه الفؤاد، وعلم أنه كذلك. وفي حديث الإسراء مزيد لما ذكرته هنا، والله الموفق والمعين. وقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيم﴾ [التكوير: ١٥] .
أي: لا أقسم إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم. أو: فاقسم، و"لا" مزيدة للتأكيد، وهذا قول أكثر المفسرين بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ . قال الزمخشري: والوجه أن يقال: هي للنفي، أي أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظامًا له، فكأنه بإدخال حرف النفي يقول: إن إعظامي بإقسامي به كلا إعظام، يعني أنه يستأهل فوق ذلك. أقسم ﷾ بالنجوم في أحوالها الثلاثة: في طلوعها وجريانها وغربوها، وبانصراف الليل وبإقبال النهار عقيبه من غير فصل، فذكر سبحانه حالة
ضعف هذا وإدباره، وحالة قوة هذا وإقباله، يطرد ظلمة الليل بتنفسه، فكلما تنفس هرب الليل وأدبر بين يديه، وذلك من آياته ودلائل ربوبيته أن القرآن قول رسول كريم، وهو هنا جبريل؛ لأنه ذكر صفته قطعًا بعد ذلك بما يعنيه به.
وأما "الرسول الكريم" في سورة "الحاقة" فهو محمد ﷺ، فأضافه إلى الرسول الملكي تارة، وإلى البشري أخرى، وإضافته إليهما إضافة تبليغ، لا إضافة إنشاء من عندهما، ولفظ "الرسول" يدل على ذلك، فإن الرسول هو الذي يبلغ كلام من أرسله، فهذا صريح في أنه كلام من أرسل جبريل ومحمدًا ﷺ، فجبريل تلقاه عن الله، ومحمد ﷺ تلقاه عن جبريل. وقد وصف الله تعالى رسوله الملكي في هذه السورة بأنه كريم يعطي أفضل العطايا، وهي العلم والمعرفة والهدى والبر والإرشاد، وهذا غاية الكرم. وذي قوة، كما قال في النجم: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ فيمتنع بقوته الشياطين أن يدنوا منه وأن يزيدوا فيه أو ينقصوا منه، وروي أنه رفع قريات قوم
لوط على قوادم جناحه حتى سمع أهل السماء نباح كلابها وأصوات بنيها. ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ أي: متمكن المنزلة، وهذه العندية عندية الإكرام والتشريف والتعظيم. مطاع، في ملائكة الله تعالى المقربين، يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه، ثم أمين على وحي الله ورسالته، فقد عصمه الله من الخيانة والزلل.
تشريف والتعظيم. مطاع، في ملائكة الله تعالى المقربين، يصدرون عن أمره ويرجعون إلى رأيه، ثم أمين على وحي الله ورسالته، فقد عصمه الله من الخيانة والزلل.
فهذه خمس صفات تتضمن تزكية سند القرآن، وأنه سماع محمد ﷺ من جبريل، وسماع جبريل من رب العالمين، فناهيك بهذا السند علوًا وجلالة، فقد تولى الله تزكيته بنفسه، ثم نزه رسوله البشري وزكاه مما يقول فيه أعداؤه فقال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ وهذا أمر يعلمونه ولا يشكون فيه، وإن قالوا بألسنتهم خلافه فهم يعلمون أنهم كاذبون. ثم أخبر عن رؤيته ﷺ لجبريل ﵊، وهذا يتضمن أنه ملك موجود في الخارج يرى بالعيان ويدرك بالبصر، خلافًا لقوم؛ حقيقته عندهم أنه خيال موجود في الأذهان لا في العيان، وهذا مما خالفوا فيه جميع الرسل وأتباعهم، وخرجوا به عن جميع الملل، ولهذا كان تقرير رؤية النبي ﷺ لجبريل أهم من تقريره لرؤية ربه ﵎، فإن رؤيته ﵊ لجبريل هي
أصل الإيمان لا يتم إلا باعتقادها، ومن أنكرها كفر قطعًا، وأما رؤيته لربه تعالى فغايتها أن تكون مسألة نزاع لا يكفر جاحدها بالاتفاق. وقد صرح جماعة من الصحابة بأنه لم يره، فنحن إلى تقرير رؤيته لجبريل أحوج منا إلى تقرير رؤيته لربه تعالى، وإن كانت رؤية الرب ﷾ أعظم من رؤية جبريل، فإن النبوة لا تتوقف عليها البتة. ثم نزه ﷾ رسوليه كليهما صلى الله عليهما وسلم، أحدهما بطريق النطق، والثاني بطريق اللزوم عما يضاد مقصود الرسالة من الكتمان الذي هو الضنة والبخل والتبديل والتغيير الذي يوجب التهمة، فقال: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ فإن الرسالة لا يتم مقصودها إلا بأمرين: إذاعتها من غير كتمان وأدائها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان.
، فقال: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ فإن الرسالة لا يتم مقصودها إلا بأمرين: إذاعتها من غير كتمان وأدائها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان.
والقراءتان كالآيتين، فتضمنت إحداهما -وهي قراءة الضاد- تنزهه عن البخل، فإن الضنين: البخيل، يقال: ضننت به أضن، بوزن: بخلت به أبخل ومعناه، وقال ابن عباس: ليس ببخيل بما أنزل الله، وقال مجاهد: لا يضن عليهم بما يعلم. وأجمع المفسرون على أن الغيب ههنا: القرآن بالوحي. قال الفراء: يقول تعالى: يأتيه غيب من السماء وهو منفوس فيه، فلا يضن به عليكم. وهذا معنى حسن جدًا، فإن عادة النفوس الشح بالشيء النفيس، ولا سيما عمن لا يعرف قدره، ومع هذا فالرسول ﷺ لا يبخل عليكم بالوحي الذي هو أنفس شيء وأجله. وقال أبو علي الفارسي: المعنى يأتيه الغيب فيبينه ويخبر به ويظهره ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ما عنده ويخفيه حتى يأخذ عليه حلوانًا.
وأما قراءة من قرأ بظنين بالظاء فمعناه: المتهم، يقال: ظننت زيدًا بمعنى اتهمته وليس هو من الظن الذي هو الشعور والإدراك، فإن ذلك يتعدى إلى مفعولين، والمعنى: وما هذا الرسول على القرآن بمتهم، بل هو أمين فيه لايزيد فيه ولا ينقص منه. وهذا يدل على أن الضمير فيه يرجع إلى محمد ﷺ؛ لأنه قد تقدم وصف الرسول الملكي بالأمانة ثم قال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُون﴾ ثم قال: وما هو: أي وما صاحبكم بمتهم ولا بخيل فنفي سبحانه عن رسوله ﷺ ذلك كله، وزكى سند القرآن أعظم تزكية، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. وقال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ، وَمَا لَا تُبْصِرُونَ، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٣٨] . أقسم تعالى بالأشياء، ما يبصر منها وما لا يبصر، وهذا أعم قسم وقع في القرآن، فإنه يعم العلويات والسفليات، والدنيا والآخرة، وما يرى وما
لا يرى ويدخل في ذلك الملائكة كلهم والجن والإنس والعرش والكرسي واللوح والقلم، وكل مخلوق، وذلك كله من آيات قدرته وربوبيته، ففي ضمن هذا القسم أن كل ما يرى وما لا يرى آية ودليل على صدق رسول الله ﷺ، وأن ما جاء به هو من عند الله تعالى وهو كلامه تعالى، لا كلام شاعر ولا مجنون ولا كاهن، وأنه حق ثابت كما أن سائر الموجودات ما يرى منها وما لا يرى حق، كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ فكأنه ﷾ يقول: إنه القرآن حق كما أن ما تشاهدونه من الخلق وما لا تشاهدونه حق موجود، ويكفي الإنسان من جميع ما يبصره وما لا يبصره "نفسه" ومبدأ خلقه
ونشأته وما يشاهده من أحواله ظاهرًا وباطنًا، ففي ذلك أبين دلالة على وحدانية الرب وثبوت صفاته وصدق ما أخبر به رسوله الله ﷺ، ومن لم يباشر قلبه ذلك حقيقة لا تخالط بشاشة الإيمان قلبه. ثم أقام سبحانه البرهان القاطع على صدق رسوله ﷺ، وأنه لم يتقول عليه فيما قاله، وأنه لو تقول عليه وافترى لما أقره ولعاجله بالإهلاك، فإن كمال علمه وقدرته وحكمته يأبى أن يقر من تقول عليه وافترى عليه، وأضل عباده واستباح دماء
من كذبه وحريمهم وأموالهم، فكيف يليق بأحكم الحاكمين وأقدر القادرين أن يقر على ذلك، بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره ويظفره بهم، بسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلًا: إن الله أمرني بذلك، وأباحه لي؟ بل كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها، فيصدقه بإقراره، وبالآيات المستلزمة لصدقه، ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها، فكل آية على انفرادها مصدقة له، ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن هذا قوله وكلامه، فيشده له بإقراره وفعله وقوله، فمن أعظم المحال وأبطل الباطل، وأبين البهتان أن يجوز على أحكم الحاكمين أن يفعل ذلك. والمراد بالرسول الكريم هنا محمد ﷺ -كما قدمته-؛ لأنه لما قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم﴾ ذكره بعده "إنه ليس بقول شاعر ولا كاهن" والمشركون ما كانوا يصفون جبريل ﵇ بالشعر والكهانة.
كما قدمته-؛ لأنه لما قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم﴾ ذكره بعده "إنه ليس بقول شاعر ولا كاهن" والمشركون ما كانوا يصفون جبريل ﵇ بالشعر والكهانة.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ، لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٥-٧٧] .
فقيل: المراد بـ"الكتاب" اللوح المحفوظ. قال ابن القيم: والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة، وهو المذكور في قوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ، كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٣-١٦] ، قال مالك: أحسن ما سمعت في هذه أنها مثل الذي في "عبس"، قال: ومن المفسرين من قال: إن المراد أن المصحف لا يمسه إلا طاهر، والأول أرجح؛ لأن الآية سيقت تنزيهًا للقرآن أن تتنزل به الشياطين، وأن محله لا تصل إليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠] وأيضًا: فإن قوله: ﴿لَا يَمَسُّه﴾ بالرفع، فهذا خبر لفظًا ومعنى، ولو كان
نهيًا لكان مفتوحًا. ومن حمل الآية على النهي احتاج إلى صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى النهي، والأصل في الخبر والنهي حمل كل منهما على حقيقته، وليس ههنا موجب يوجب صرف الكلام عن الخبر إلى النهي، انتهى ملخصًا. وهذا الذي قاله ابن القيم قد تمسك به جماعة منهم داود بن علي بأنه يجوز من المصحف للمحدث. وأجاب ابن الرفعة في "الكفاية" عن أدلته المزخرفة فقال ما نصه: القرآن لا يصح مسه، فعلم أن المراد به الكتاب الذي هو أقرب المذكورين، ولا يتوجه النهي إلى اللوح المحفوظ؛ لأنه غير منزلن ومسه غير ممكن، ولا يمكن أن يكون
لقرآن لا يصح مسه، فعلم أن المراد به الكتاب الذي هو أقرب المذكورين، ولا يتوجه النهي إلى اللوح المحفوظ؛ لأنه غير منزلن ومسه غير ممكن، ولا يمكن أن يكون
المراد بالمطهرون الملائكة؛ لأنه قد نفى وأثبت وكأنه قال: يمسه المطهرون ولا يمسه غير المطهرين، والسماء ليس فيها غير مطهر بالإجماع، فعلم أنه أراد: بالمطهرين الآدميين، وبين ذلك ما روي أنه ﵊ قال في كتاب عمرو بن حزم المروي في الدارقطني وغيره: "ولا تمس القرآن إلا وأنت على طهر" ثم قال، فإن قيل: قد قال الواحدي أن أكثر أهل التفسير على أن المراد اللوح المحفوظ، وأن المطهرين الملائكة، ثم لو صح ما قلتم لم يكن فيها دليل؛ لأن قوله: لا يمسه بضم السين، ليس نهيًا عن المراد ولو كان نهيًا لكان بفتح السين، فهو إذًا خبر. قلنا: أما قول أكثر المفسرين فهو معارض بقول الباقين، والمرجع إلى الدليل.
وأما كون المراد بالآية الخبر، فجوابه: أن نقول: اللفظ لفظ الخبر ومعناه النهي، وهو كثير في القرآن، قال الله تعالى: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٢٣] ، ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . انتهى. وأجاب العلامة البساطي في شرحه لمختصر الشيخ خليل: بأن يمسه مجزوم، وضم السين لأجل الضمير، كما صرح به جماعة، وقالوا: إنه مذهب البصريين، ومنهم ابن الحاجب في "شافتيه" انتهى. وقد ذكر هذا العلامة شهاب الدين أحمد بن يوسف بن محمد بن مسعود الحلبي الشهير بـ"السمين"، مع زيادة إيضاح وفوائد فقال في "لا" هذه وجهان، الثاني: أنها ناهية، والفعل بعدها مجزوم؛ لأنه لو فك عن الإدغام لظهر ذلك فيه كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء﴾ [آل عمران: ١٧٤] ولكنه أدغم، ولما أدغم
حرك آخره بالضم لأجل "هاء" ضمير المذكر الغائب، ولم يحفظ سيبويه في هذا إلا الضم. وفي الحديث: "إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم" وإن كان القياس جواز فتحه تخفيفًا. قال: وبهذا الذي ذكرته يظهر فساد رد من رد بأنه لو كان نهيًا لكان يقال: لا يمسه بالفتح؛ لأنه خفي عليه جواز ضم ما قبل الهاء في هذا النحو، لا سيما على رأي سيبويه فإنه لا يجيز غيره. والله أعلم.
الفصل الرابع: في قسمه تعالى على تحقيق رسالته قال الله تعالى: ﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس: ١-٢] . اعلم أن كل سورة بدأ الله تعالى فيها بحروف التهجي كان في أوائلها الذكر أو الكتاب أو القرآن إلا "ن". ثم إن في ذكر هذه الحروف في أوائل السور أمورًا تدل على أنها غير خالية عن الحكمة، لكن علم الإنسان لا يصل إليها إلا إن كشف الله له سر ذلك. واختلف المفسرون في معنى يس على أقوال: أحدها: أنه يا إنسان، بلغة طيئ، وهذا قول ابن عباس والحسن وعكرمة
الإنسان لا يصل إليها إلا إن كشف الله له سر ذلك. واختلف المفسرون في معنى يس على أقوال: أحدها: أنه يا إنسان، بلغة طيئ، وهذا قول ابن عباس والحسن وعكرمة
والضحاك وسعيد بن جبير، وقيل: بلغة الحبشة، وقيل: بلغة كلب، وحكى الكلبي أنها بالسريانية. قال الإمام فخر الدين: وتقريره هو أن تصغير إنسان: أنيسين وكأنه حذف الصدر منه وأخذ العجز وقال يس، وعلى هذا فيكون الخطاب مع محمد ﷺ، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين﴾ [يس: ٣] . وتعقبه أبو حيان: بأن الذي نقل عن العرب في تصغير إنسان: أنيسيان -بياء بعدها ألف- فدل على أن أصله: إنسيان؛ لأن التصغير يرد الأشياء إلى أصولها، ولا نعلم أنهم قالوا في تصغيره أنيسين، وعلى تقدير أنه يصغر كذلك فلا يجوز ذلك إلا أن يبنى على الضم؛ لأنه منادى مقبل عليه، ومع ذلك فلا يجوز؛ لأنه تحقير، ويمتنع ذلك في حق النبوة. انتهى.
قال الشيخ شهاب الدين السمين: وهذا الاعتراض الأخير صحيح، فقد نصوا على أن التصغير لا يدخل في الأسماء المعظمة شرعًا، ولذلك يحكى أن ابن قتيبة لما قال في "المهيمن" إنه مصغر من "مؤمن" والأصل: مؤيمن، فأبدلت الهمزة هاء، قيل له: هذا يقرب من الكفر، فليتق الله قائله، انتهى. وقيل معنى يس: يا محمد، قاله ابن الحنيفة والضحاك.
وقيل: يا رجل، قاله أبو العالية. وقيل: هو اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة. وعن أبي بكر الوراق: يا سيد البشر. وعن جعفر الصادق: أنه أراد يا سيد، مخاطبة للنبي ﷺ وفيه من مزيد
تمجيده وتعظيمه ما لا يخفى. وعن طلحة عن ابن عباس: أنه قسم أقسم الله به، وهو من أسمائه. وعن كعب: أقسم الله به قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام: يا محمد إنك لمن المرسلين. ثم قال: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين﴾ وهو رد على الكفار حيث قالوا: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد: ٤٣] فأقسم الله باسمه وكتابه: إنه لمن المرسلين بوحيه إلى عباده.
وعلى طريق مستقيم من إيمانه، أي طريق لا اعوجاج فيه ولا عدول عن الحق. قال النقاش: لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا له ﷺ.
الفصل الخامس: في قسمه تعالى بمدة حياته ﷺ وعصره وبلده
ه ولا عدول عن الحق. قال النقاش: لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا له ﷺ.
الفصل الخامس: في قسمه تعالى بمدة حياته ﷺ وعصره وبلده
قال الله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُون﴾ [الحجر: ٧٢] . العمر والعمر واحد، ولكنه في القسم يفتح للكثرة الاستعمال، فإذا أقسموا قالوا: لعمرك القسم. قال النحويون: ارتفع قوله: لعمرك بالابتداء، والخبر محذوف، والمعنى، قسمي، فحذف الخبر؛ لأن في الكلام دليلًا عليه, وباب القسم يحذف منه الفعل نحو: تالله لأفعلن، والمعنى: أحلف بالله، فتحذف "أحلف" لعلم المخاطب بأنه حالف. قال الزجاجي: من قال: لعمر الله كأنه حلف ببقاء الله فيحذف أحلف،
ومن ثم قال المالكية والحنفية: تنعقد بها اليمين؛ لأن بقاء الله من صفات ذاته. وعن مالك: لا يعجبني الحلف بذلك. وقام الإمام الشافعي وإسحاق: لا يكون يمينًا إلا بالنية، وعن أحمد كالمذهبين، والراجح عند الشافعي. واختلف فيمن المخاطب في الآية على قولين: أحدهما: أن الملائكة قالت للوط ﵇ -لما وعظ قومه وقال: هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ، أي يتحيرون، فكيف يعقلون قولك، ويلتفتون إلى نصيحتك؟! والثاني: أن الخطاب لرسول الله ﷺ، وأنه تعالى أقسم بحياته، وفي هذا
تشريف عظيم ومقام رفيع وجاه عريض. قال ابن عباس: ما خلق الله، وما ذرأ وما برأ نفسًا أكرم عليه من محمد ﷺ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال الله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ
يَعْمَهُونَ﴾ يقول: وحياتك وعمرك وبقائك في الدنيا إنهم لفي سكرتهم يعمهون. ورواه ابن جرير. ومراده بقوله: "سمعت الله"؛ سمعت كلامه المتلو في الكتب المنزلة. ورواه البغوي في تفسيره بلفظ: وما أقسم الله بحياة أحد إلا بحياته صلى الله عليه سولم، وما أقسم بحياة أحد غيره، وذلك يدل على أن أكرم خلق الله على الله، وعلى هذا فيكون قسمه تعالى بحياة محمد ﷺ كلامًا معترضًا في قصة لوط. وقال القرطبي: وإذا أقسم الله بحياة نبيه فإنما أراد بيان التصريح لنا: أنه يجوز لنا أن نحلف بحياته.
وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: فيمن أقسم بالنبي ﷺ تنعقد يمينه وتجب الكفارة بالحنث، واحتج أحمد بكونه ﷺ أحد ركني الشهادة. قال ابن خويز منداد واستدل من جوز الحلف به ﵊ بأن أيمان المسلمين جرت من عهده ﷺ أن يحلفوا به ﷺ حتى إن أهل المدينة إلى يومنا هذاإذا جاء صاحبه وقال له: احلف لي بحق صاحب هذا القبر، أو بحق ساكن هذا القبر، يعني النبي ﷺ. وقال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ الآية [البلد: ١، ٢] .
أقسم تعالى بالبلد الأمين، وهو مكة أم القرى وهو بلده ﵊، وقيده بحلوله فيه إظهارا لمزيد فضله، وإشعارا بأن شرف المكان بشرف أهله قاله البيضاوي. ثم أقسم بالوالد وما ولد، وهو فيما قيل: إبراهيم وإسماعيل، وما ولد: محمد ﷺ، وعلى هذا تتضمن السورة الإقسام به في موضعين، وقيل: المراد به
آدم وذريته، وهو قول الجمهور من المفسرين. وإنما أقسم تعالى بهم؛ لأنهم أعجب خلق الله على وجه الأرض لما فيهم من البيان والنظر واستخراج العلوم، وفيهم الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى والأنصار لدينه، وكل ما في الأرض من مخلوق خلق لأجلهم، وعلى هذا فقد تضمن القسم أصل المكان وأصل السكان، فمرجع البلاد إلى مكة، ومرجع العباد إلى آدم.
الى والأنصار لدينه، وكل ما في الأرض من مخلوق خلق لأجلهم، وعلى هذا فقد تضمن القسم أصل المكان وأصل السكان، فمرجع البلاد إلى مكة، ومرجع العباد إلى آدم.
وقوله: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ﴾ هو من الحلول، ضد الظعن، فيتضمن إقسامه تعالى ببلده المشتمل على عبده ورسوله، فهو خير البقاع واشتمل على خير العباد، فقد جعل الله تعالى بيته هدى للناس، ونبيه ﷺ إماما وهاديا لهم، وذلك من أعظم نعمه وإحسانه إلى خلقه. وقيل: المعنى وأنت مستحل قتلك وإخراجك من هذا البلد الأمين الذي يأمن فيه الطير والوحش، وقد استحل فيه قومك حرمتك. وهذا مروي عن شرحبيل بن سعد. وعن قتادة: وأنت حل أي لست بآثم، وحلل لك أن تقتل بمكة من شئت.
وذلك أن الله تعالى يفتح عليه مكة وأهلها، وما فتحت على أحد قبله، فأحل ما شاء وحرم ما شاء، فقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة وغيره، وحرم دار أبي سفيان. فإن قلت: هذه السورة مكية، ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ إخبار عن الحال، والواقعة التي ذكرت في آخر مدة هجرته إلى المدينة، فكيف الجمع بين الأمرين؟ أجيب: بأنه قد يكون اللفظ للحال، والمعنى مستقبل، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] .
وعلى كل حال فهذا متضمن للقسم ببلد رسول الله صلى الله علي وسلم ولا يخفى ما فيه من زيادة التعظيم، وقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ قال للنبي ﷺ بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عند الله أن أقسم بحياتك دون سائر الأنبياء، ولقد بلغ من فضيلتك عنده أن أقسم بتراب قدميك فقال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَد﴾ . وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١] .
اختلف في تفسير العصر على أقوال: فقيل: هو الدهر؛ لأنه مشتمل على الأعاجيب؛ لأنه يحصل فيه السراء والضراء، والصحة والسقم وغير ذلك. وقيل: ذكر العصر الذي بمضيه ينقضي عمرك، فإذا لم يكن في مقابلته كسب صار ذلك عين الخسران، ولله در القائل. إنا لنفرح بالأيام نقطعها ... وكل يوم مضى نقص من الأجل
ر العصر الذي بمضيه ينقضي عمرك، فإذا لم يكن في مقابلته كسب صار ذلك عين الخسران، ولله در القائل. إنا لنفرح بالأيام نقطعها ... وكل يوم مضى نقص من الأجل
وفي تفسير الإمام فخر الدين والبيضاوي وغيرهما: أنه تعالى أقسم بزمان الرسول ﷺ. قال الإمام الرازي: واحتجوا له بقوله ﷺ: "إنما مثلكم ومثل من كان قبلكم مثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لي من الفجر إلى الظهر بقيراط، فعملت اليهود، ثم قال من يعمل لي من الظهر إلى العصر بقيراط، فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من العصر إلى المغرب بقيراطين فعملتم، فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: نحن أكثر عملًا وأقل أجرًا، فقال الله تعالى: وهل
نقصتكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء، فكنتم أقل عملًا وأكثر أجرًا. رواه البخاري. قالوا: فهذا الحديث دل على أن العصر هو عصره ﷺ الذي هو فيه،
فيكون على هذا أقسم تعالى بزمانه في هذه الآية، وبمكانه في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَد﴾ ، وبعمره في قوله: لعمرك، الآية، وذلك كله كالظرف له، فإذا وجب تعظيم الظرف فكيف حال المظروف، قال: ووجه القسم كأنه تعالى قال: ما أعظم خسرانهم إذا أعرضوا عنك. انتهى.
النوع السادس: في وصفه تعالى له ﵊ بالنور والسراج المنير اعلم أن الله تعالى قد وصف رسوله ﷺ بـ"النور" في قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] ، وقيل: المراد القرآن.
وصفه ﵊ أيضًا بـ"السراج المنير" في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] . والمراد: كونه هاديًا مبينًا كالسراج الذي يرى الطريق ويبين الهدى والرشاد، فبيانه أقوى وأتم وأنفع من نور الشمس، وإذا كان كذلك وجب أن تكون نفسه القدسية أعظم في النورانية من المشس، فكما أن الشمس في عالم الأجسام تفيد النور لغيرها ولا تستفيد من غيرها فكذا نفس النبي ﷺ تفيد الأنور العقلية لسائر الأنفس البشرية، وكذلك وصف الله تعالى الشمس بأنها سراج حيث قال: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان: ٦١] .
وكما وصف الله تعالى ورسوله بأنه نور، وصف نفسه المقدسة بذلك فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض﴾ [النور: ٣٥] ، فليس فيهما إلا الله، ونوره المقدس هو سر الوجود والحياة والجمال والكمال، وهو الذي أشرق على العالم فأشرق على العوالم الروحانية، وهم الملائكة، فصارت سرجًا منيرة، يستمد منها من دونها بوجود الله، ثم سرى النور إلى عالم النفوس الإنسانية، ثم طرحته النفوس على صفحات الجسوم، فليس في الوجود إلا نور الله الساري إلى الشيء منه بقدر قبوله ووسع استعداده ورحب تلقيه. والنور في الأصل: كيفية يدركها الباصر أولًا، وبواستطها سائر المبصرات،
ي الوجود إلا نور الله الساري إلى الشيء منه بقدر قبوله ووسع استعداده ورحب تلقيه. والنور في الأصل: كيفية يدركها الباصر أولًا، وبواستطها سائر المبصرات،
كالكيفية الفائضة من النيرين -الشمس والقمر- على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما، وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله إلا بتقدير مضاف، كقولك: زيد كرم، بمعنى: ذو كرم، أو بمعنى منور السماوات والأرض، فإنه تعالى نورهما بالكواكب، وما يفيض عنها من الأنوار، وبالملائكة والأنبياء من قولهم للرئيس الفائق في التدبير: نور القوم؛ لأنهم يهتدون به في الأمور، ويؤيد هذا التأويل قراءة علي بن أبي طالب وزيد بن علي وغيرهما نورًا فعلًا ماضيًا، والأرض بالنصب. وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي: مثل هداه ﷾. وأضاف النور السماوات والأرض، إما دلالة على سعة إشراقه، وفشو إضاءته حتى تضيء له السماوات والأرض، وإما لإرادة أهل السماوات والأرض، أنهم
يستضيئون به. وعن مقاتل: أي مثل الإيمان في قلب محمد ﷺ كمشكاة فيها مصباح، فالمشكاة نظير صدر عبد الله، والزجاجة نظير جسد محمد ﷺ، والمصباح نظير الإيمان والنبوة في قلب محمد ﷺ. وعن غيره: المشكاة نظير إبراهيم، والزجاجة نظير إسماعيل عليهما، والمصباح جسد محمد ﷺ، والشجرة: النبوة والرسالة. وعن أبي سعيد الخراز: المشكاة: جوف محمد ﷺ، والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي جعل الله في قلب محمد ﷺ.
وعن كعب وابن جبير: النور الثاني هنا محمد ﷺ. وعن سهل بن عبد الله: مثل نور نبوة محمد إذ كان مستودعًا في الأصلاب كمشكاة صفتها كذا وكذا، وأراد بالمصباح قلبه وبالزجاج صدره، أي كأنه كوكب دري لما فيه من الإيمان والحكمة. توقد من شجرة مباركة، أي من نور إبراهيم، وضرب المثل بالشجرة المباركة.
وقوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ أي تكاد نبوة محمد ﷺ تبين للناس قبل كلامه، حكى هذا الأخير القاضي أبو الفضل اليحصبي والفخر الرازي، لكنه عن كعب الأحبار. وعن الضحاك: يكاد محمد يتكلم بالحكمة قبل الوحي. قال عبد الله بن رواحة: لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تنبيك بالخبر
زي، لكنه عن كعب الأحبار. وعن الضحاك: يكاد محمد يتكلم بالحكمة قبل الوحي. قال عبد الله بن رواحة: لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تنبيك بالخبر
لكن التفسير الأول في هذه الآية هو المختار؛ لأنه تعالى ذكر قبل هذه الآية ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [النور: ٣٤] . فإذا كان المراد بقوله: ﴿مَثَلُ نُورِه﴾ أي مثل هداه كان مطابقًا لما قبله.
النوع السابع: في آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ٢٠] . وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] .
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] . قال القاضي عياض: فجعل طاعته طاعة رسوله، وقرن طاعته بطاعته، ووعد على ذلك بجزيل الثواب، وأوعد على مخالفته بسوء العقاب. وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] . يعني: من أطاع الرسول لكونه رسولًا مبلغًا إلى الخلق أحكام الله فهو في
الحقيقة ما أطاع إلا الله, وذلك في الحقيقة لا يكون إلا بتوفيق الله. ﴿مَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ فإن من أعماه الله عن الرشد وأضله عن الطريق فإن أحدًا من خلق لا يقدر على إرشاده. وهذه الآية من أقوى الأدلة على أن الرسول معصوم في جميع الأوامر والنواهي، وفي كل ما يبلغه عن الله؛ لأنه لو أخطأ في شيء منها لم تكن طاعته طاعة لله، وأيضًا وجب أن يكون معصومًا في جميع أحواله؛ لأنه تعالى أمر بمتابعته في قوله: ﴿وَاتَّبِعُوه﴾ [الأعراف: ١٥٨] . والمتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير، فثبت أن الانقياد له في جميع أقواله وأفعاله إلا ما خصه الدليل طاعة له, وانقياد لحكم الله تعالى.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ الآية [النساء: ٦٩] . وهذا عام في المطيعين لله تعالى من أصحاب الرسول ومن بعدهم، وعام في المعية في هذه الدار، وإن فاتت فيها معية الأبدان. وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية أن ثوبان، مولى رسول الله ﷺ كان
شديد الحب لرسول الله ﷺ قليل الصبر عنه، فأتاه يومًا وقد تغير وجهه ونحل جسمه، فسأله رسول الله ﷺ عن حاله فقال: يا رسول الله، ما بي وجع، غير أن إذا لم أرك اشتقتك واستوحشت وحشة عظيمة حتى ألقاك، فذكرت الآخرة بحيث لا أراك هناك؛ لأني إن دخلت الجنة فأنت تكون في درجات النبيين، وإن أنا لم أدخل الجنة فحينئذ لا أراك أبدًا، فنزلت هذه الآية. وذكر ابن أبي حاتم الضحى عن مسروق، قال أصحاب محمد: يا رسول الله



