شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya الزرقاني، محمد بن عبد الباقي (w. 1122 H).

Bagian 26 dari 43 5943 halaman

— Bagian 26 · ت تكون في درجات النبيين، وإن أنا لم أدخل الجنة ف… —

Bagian 26

ت تكون في درجات النبيين، وإن أنا لم أدخل الجنة فحينئذ لا أراك أبدًا، فنزلت هذه الآية. وذكر ابن أبي حاتم الضحى عن مسروق، قال أصحاب محمد: يا رسول الله

ما ينبغي لنا أن نفارقك، فإنك لو قد مت لرفعت فوقنا ولم نرك، فأنزل الله الآية. وذكر عن عكرمة مرسلًا: أتى فتى صغير السن لرسول الله فقال: يا نبي الله، إن لنا منك نظرة في الدنيا ويوم القيامة، لا نراك؛ لأنك في الجنة في الدرجات العلى، فأنزل الله هذه الآية فقال له رسول الله ﷺ: "أنت معي في الجنة". فيها أيضا روايات أخر ستأتي إن شاء الله تعالى في مقصد محبته ﵊. لكن قال المحققون: لا ننكر صحة هذه الروايات، إلا أن سبب نزول هذه

الآية يجب أن يكون شيئًا أعظم من ذلك، وهو الحث على الطاعة والترغيب فيها، فإنا نعلم أن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ، فهذه الآية عامة في حق جميع المكلفين، وهو أن كل من أطاع الله وأطاع الرسول فقد فاز بالدرجات العالية والمراتب الشريفة عنده تعالى. ثم إن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُول﴾ أنه يكتفي بالطاعة الواحدة؛ لأن اللفظ الدال على الصفة يكفي في جانب الثبوت حصول ذلك المسمى مرة واحدة، لكن لا بد أن يحمل على غير ظاهره، وأن تحمل الطاعة على فعل جميع المأمورات وترك جميع المنهيات، إذ لو حملناه على الطاعة الواحدة لدخل فيه الكفار والفساق؛ لأنهم قد يأتون بالطاعة الواحدة. قال الرازي: قد ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقب الصفة مشرع بكون ذلك الحكم معللًا بذلك الوصف، وإذا ثبت هذا فنقول قوله: ﴿وَمَنْ

بالطاعة الواحدة. قال الرازي: قد ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقب الصفة مشرع بكون ذلك الحكم معللًا بذلك الوصف، وإذا ثبت هذا فنقول قوله: ﴿وَمَنْ

يُطِعِ اللَّهَ﴾ أي في كونه إلهًا، وطاعة الله في كونه إلهًا هي معرفته والإقرار بجلاله وعزته وكبريائه وصمديته، فصارت هذه الآية تنبيهًا على أمرين عظيمين من أحوال المعاد. فالأول: أن منشأ جميع السعادات يوم القيامة إشراف الروح بأنوار معرفة الله، فكل من كانت هذه الأنوار في قلبه أكثر، وصفاؤها أقوى كان إلى السعادة أقرب، وإلى الفوز بالنجاة أوصل. والثاني: أن الله تعالى ذكر في الآية السابقة وعد أهل الطاعة بالأجر العظيم والثواب الجسيم، ثم ذكر في هذه الآية وعدهم بكونهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين كون الكل في درجة واحدة؛ لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول، وذلك لا يجوز، فهذا هو المراد من هذه المعية وقد ثبت

وصح بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر، وإن بعد المكان؛ لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضًا، وإذا أرادوا الرؤية والتلاقي قدروا على ذلك، فهذا هو المراد من هذه المعية، وقد ثبت وصح عنه ﷺ أنه قال: "المرء مع من أحب"، وثبت أيضًا أنه قال: "إن المدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا نزلتم منزلًا إلا وهم معكم حبسهم

العذر، فالمعية والصحبة الحقيقية إنما هي بالسر والروح لا بمجرد البدن، فهي بالقلب لا بالقالب، ولهذا كان النجاشي معه ﷺ وهو أقرب الناس إليه، وهو بين النصارى بأرض الحبشة، وعبد الله بن أبي من أبعد الخلق عنه، وهو معه بالمسجد، وذلك أن العبد إذا أراد بقلبه أمرًا من طاعة أو معصية أو شخص من الأشخاص فهو بإرادته ومحبته معه لا يفارقه، فالأرواح تكون يوم القيامة مع الرسول صلى الله عليه سولم وأصحابه ﵃، وبينها وبينهم من المسافة الزمانية والمكانية بعد عظيم. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١] . وهذه الآية الشريفة تسمى: آية المحبة، قال بعض السلف: ادعى قوم محبة

الله فأنزل الله آية المحبة ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ وقال: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها وفائدتها، فدليلها وعلامتها اتباع الرسول، وفائدتها وثمرتها محبة المرسل لكم، فما لم تحصل المتابعة فلا محبة لكم حاصلة، ومحبته لكم منتفية، فجعل سبحانه اتباع الرسول ﵊ مشروطًا بمحبتهم لله، وشرطًا لمحبة الله لهم، ووجود المشروط ممتنع بدون وجود تحقق شرطه، فعلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة، فانتفاء محبتهم لله لازم لانتفاء المتابعة لرسوله، وانتفاء المتابعة ملزوم لانتفاء محبة الله لهم، فيستحيل حينئذ ثبوت محبتهم لله وثبوت محبة الله لهم بدون متابعة لرسوله ﷺ ودل على

أن متابعة الرسول هي حب الله ورسوله وطاعة أمره، ولا يكفي ذلك في العبودية حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فلا يكون شيء أحب إليه من الله ورسوله، ومتى كان عنده شيء أحب إليه منهما فهذا هو الشرك الذي لا يغفر لصاحبه البته ولا يهديه الله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ

ده شيء أحب إليه منهما فهذا هو الشرك الذي لا يغفر لصاحبه البته ولا يهديه الله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ

وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] ، فكل من قدم طاعة أحد من هؤلاء على طاعة الله ورسوله أو قول أحد منهم على قول الله ورسوله، أو مرضاة أحد منهم على مرضاة الله ورسوله، أو خوف أحد منهم أو رجاءه والتوكل عليه على خوف الله ورجائه والتوكل عليه، أو معاملة احد منهم على معاملة الله ورسوله، فهو ممن ليس الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وإن قال بلسانه فهو كذب منه، وإخبار بما ليس هو عليه. انتهى ملخصًا من كتاب "المدارج"، وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في مقصد محبته ﵊. وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ

وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] . أي إلى الصراط المستقيم، فجعل رجاء الاهتداء أثر الأمرين، الإيمان بالرسول واتباعه، تنبيهًا على أن من صدقه ولم يتابعه بالتزام شرعه فهو من الضلالة، فكل ما أتى به الرسول ﵊ يجب علينا اتباعه إلا ما خصه الدليل. وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن: ٨] يعني القرآن، فالإيمان به ﷺ واجب متعين على كل أحد، لا يتم إيمان إلا به ولا يصح إسلام إلا معه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ [الفتح: ١٣] أي ومن لم يؤمن بالله ورسوله فهو من الكافرين، وإنا أعتدنا للكافرين سعيرًا. وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ .

الله ورسوله فهو من الكافرين، وإنا أعتدنا للكافرين سعيرًا. وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ .

معناه: فوربك، كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِين﴾ و"لا" مزيدة للتأكيد لمعنى القسم، كما في ﴿لِئَلَّا يَعْلَم﴾ ، ولا يؤمنون جواب. أقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ في جميع أموره، ويرضى بجميع ما حكم به، وينقاد له ظاهرًا وباطنًا، سواء كان الحكم بما يوافئق أهواءهم أو يخالفها، كما ورد في الحديث: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به"، وهذا يدل على

أن من لم يرض بحكم الرسول ﷺ لا يكون مؤمنًا، وعلى أنه لا بد من حصول الرضى بحكمه في القلب، وذلك بأن يحصل الجزم والتيقن في القلب بأن الذي يحكم به ﵊ هو الحق والصدق، فلا بد من الانقياد باطنًا وظاهرًا، وسيأتي مزيد بيان لذلك إن شاء الله تعالى في مقصد محبته ﵊. ثم إن ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس؛ لأنه يدل على أنه يجب متابعة قوله وحكمه، وأنه لا يجوز العدول عنه إلى غيره. وقوله: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ مشعر بذلك؛ لأنه متى خطر بقلبه قياس يقتضي ضد مدلول النص فهناك يحصل الحرج في النفس، فبين الله تعالى أنه لا يكمل إيمانه إلا بعد أن لا يتلفت إلى ذلك الحرج ويسلم إلى النص تسليمًا كليًا، قاله الإمام فخر الدين.

وجوز غيره تخصيص الكتاب والسنة بالقياس، وبه صرح العلامة التاج بن السبكي في جمع الجوامع.

النوع الثامن: فيما تتضمن الأدب معه ﷺ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] .

فمن الأدب لا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي، ولا إذن ولا تصرف حتى يأمر هو وينهي ويأذن كما أمر الله بذلك في هذه الآية، وهذا باق إلى يوما لقيامة لم ينسخ. فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته كالتقدم بين يديه في حياته، لا فرق بينهما عند ذي عقل سليم. قال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله ﷺ بشيء، حتى يقضيه الله على لسانه.

وقال الضحاك: لا تقضوا أمرًا دون رسول الله ﷺ. وقال غيره: لا تأمروا حتى يأمر، ولا تنهوا حتى ينهى. وانظر أدب الصديق ﵁ معه ﵊ في الصلاة. أن تقدم بين يديه كيف تأخر فقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله ﷺ، كيف أورثه مقامة والإمامة بعده، فكان ذلك التأخر إلى خلفه، وقد أومأ إليه أن أثبت مكانك، سعيًا إلى قدام بكل خطوة إلى وراء مراحل إلى قدام

تنقطع فيها أعناق المطي. ومن الأدب معه ﷺ أن لا ترفع الأصوات فوق صوته، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢] . قال الرازي: أفاد أنه ينبغي أن لا يتكلم المؤمن عنده ﷺ كما يتكلم العبد عند سيده؛ لأن العبد داخل في قوله تعالى: ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض﴾ ؛ لأنه للعموم، فلا ينبغي أن يجهر المؤمن للنبي ﷺ كما يجهر العبد للسيد، وإلا كان قد جهر له كما يجهر بعضكم لبعض. قال: ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ، والسيد ليس أولى عند عبده من نفسه، حتى لو كانا في مخمصة

ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ، والسيد ليس أولى عند عبده من نفسه، حتى لو كانا في مخمصة

ووجد العبد ما لو لم يأكله لمات لا يجب عليه بذله لسيده، ويجب البذل للنبي ﷺ ولو علم العبد أن بموته ينجو سيده لا يلزمه أن يلقي نفسه في التهكلة لإنجاء سيده، ويجب لإنجاء النبي صلى الله عليه سولم، فكما أن العضو الرئيس أولى بالرعاية من غيره؛ لأن عند خلل القلب مثلًا لا يبقى لليدين والرجلين استقامة، فلو حفظ الإنسان نفسه وترك النبي ﷺ لهلك هو أيضًا بخلاف العبد والسيد، انتهى. إذا كان رفع الأصوات فوق صوته موجبًا لحبوط الأعمال فما الظن برفع الآراء، ونتائج الأفكار على سنته وما جاء به. واعلم أن في الرفع والجهر استخفافًا قد يؤدي إلى الكفر المحبط، وذلك إذا انضم إليه قصد الإهانة وعدم المبالاة.

وروي أن أبا بكر ﵁، لما نزلت هذه الآية قال: والله يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخي السرار، وقد روى وأن عمر كان إذا حدثه حدثه كأخي السرار ما كان يسمع النبي ﷺ حديثه بعد هذه الآية حتى يستفهمه. وقد روي أن أبا جعفر أمير المؤمنين ناظر مالكًا في مسجد رسول الله ﷺ فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله ﷿ أدب قومًا فقال: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية ومدح قومًا

فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾ الآية، وذم قومًا، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَات﴾ الآية. وإن حرمته ميتًا كحرمته حيًا، فاستكان لها أبو جعفر. ومن الأدب معه أن لا يجعل دعاؤه كدعاء بعضنا بعضًا، قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] وفيه قولان للمفسرين. أحدهما: لا تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضًا، بل قولوا: يا نبي الله يا رسول الله مع التوقير والتواضع، فعلى هذا: المصدر مضاف إلى المفعول، أي: دعاءكم الرسول.

: لا تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضًا، بل قولوا: يا نبي الله يا رسول الله مع التوقير والتواضع، فعلى هذا: المصدر مضاف إلى المفعول، أي: دعاءكم الرسول.

والثاني: أن المعنى: لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضًا، إن شاء أجاب وإن شاء ترك، بل إذا دعاكم لم يكن لكم بد من إجابته، ولم يسعكم التخلف عنها البتة، فإن المبادرة إلى إجابته واجبة، والمراجعة بغير إذنه محرمة، فعلى هذا: المصدر مضاف إلى الفاعل، أي دعاءه إياكم، وقد تقدم في الخصائص من المقصد الرابع عن مذهب الشافعي أن الصلاة لا تبطل بإجابته ﷺ. ومن الأدب معه ﷺ أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع من خطبة أو جهاد، أو رباط، لم يذهب أحد مذهبًا في حاجة له حتى يستأذنه، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢] . فإذا كان هذا مذهبًا مقيدًا لحاجة عارضة لم

يوسع لهم فيه إلا بإذنه، فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدين، أصوله وفروعه، ودقيقه وجليله، هل يشرع الذهاب إليه بدون استئذانه؟ ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] . ومن الأدب معه ﷺ أنه لا يستشكل قوله، بل تستشكل الآراء بقوله، ولا يعارض نصه بقياس، بل تهدر الأقيسة وتلقى لنصوصه، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال مخالف، يسميه أصحابه معقولًا، نعم هو مجهول وعن الصواب معزول، ولا يتوقف قبول ما جاء به على موافقة أحد، فكل هذا من قلة الأدب معه ﷺ وهو عين الجراءة عليه. ورأس الأدب معه ﷺ كمال التسليم له والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن يحمله معارضة خيال باطل يسميه صاحبه آراء أذهانهم، فيوحد التحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما وحد المرسل بالعبادة والخضوع والذل

والإنابة والتوكل، فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما، توحيد المرسل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا يتحاكم إلى غيره، ولا يرضى بحكم غيره، انتهى، ملخصًا من "المدارج" والقرآن مملوء بالآيات المرشدة إلى الأدب معه ﷺ فليراجع.

النوع التاسع: في آيات تتضمن رده تعالى بنفسه المقدسة على عدوه ﷺ ترفيعًا لشأنه قال تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ١-٢] لما قال المشركون: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾

[الحجر: ٦] ، أجاب تعالى عنه عدوه بنفسه من غير واسطة، وهكذا سنة الأحباب، فإن الحبيب إذا سمع من سب حبيبه تولى بنفسه جوابه، فههنا تولى الحق سبحانه جوابهم بنفسه منتصرًا له؛ لأن نصرته تعالى له أتم من نصرته وأرفع لمنزلته، ورده أبلغ من رده وأثبت في ديوان مجده. فأقسم تعالى بما بما أقسم به من عظيم آياته على تنزيه رسوله وحبيبه وخليله مما غمصته أعداؤه الكفرة، به وتكذيبهم له بقوله: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ "وسيعلم أعداؤه المكذبون له أيهم المفتون"، هو أو هم؟ وقد علموا هم

ته أعداؤه الكفرة، به وتكذيبهم له بقوله: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ "وسيعلم أعداؤه المكذبون له أيهم المفتون"، هو أو هم؟ وقد علموا هم

والعقلاء ذلك في الدنيا، ويزداد علمهم به في البرزخ، وينكشف ويظهر كل الظهور في الآخرة بحيث تتساوى الخلق كلهم في العلم به. وقال تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] . ولما رأى العاصي بن وائل السهمي النبي ﷺ يخرج من المسجد، وهو يدخل فالتقيا عند باب بني سهم وتحدثا، وأناس من صناديد قريش جلوس في المسجد، فلما دخل العاصي قالوا: من ذا الذي كنت تحدث معه، قال: ذلك الأبتر، يعني النبي ﷺ، وكان قد توفي ابن لرسول الله ﷺ من خديجة، فرد الله تعالى عليه، وتولى جوابه بقوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣] أي عدوك ومبغضك هو الذليل الحقير. ولما قالوا: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [سبأ: ٨] قال الله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِين

لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ [سبأ: ٨] . ولما قالوا: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد: ٤٣] أجاب الله تعالى عنه فقال: ﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ١-٣] . ولما قالوا: ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ رد الله تعالى عليهم فقال: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فصدقه ثم ذكر وعيد خصمائه فقال: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾ [الصافات: ٣٦- ٣٨] . ولما قالوا: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ، رد الله عليهم بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ

َّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] ، رد الله عليهم بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ

مُبِين﴾ [يس: ٦٩] . ولما حكى الله عنهم قولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤] سماهم الله تعالى كاذبين بقوله: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان: ٤] . وقال: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: ٦] . ولما قالوا: يلقيه إليه شيطان قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِين﴾ [الشعراء: ٢١٠] ، وما ينبغي لهم وما يستطيعون. ولما تلا عليهم نبأ الأولين قال النضر بن الحارث ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣١] قال الله تعالى: تكذيبًا لهم: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] .

ولما قال الوليد بن المغيرة: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٤] ، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] . تسلية له ﵊. ولما قالوا: محمد قلاه ربه، فرد الله عليهم بقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] . ولما قالوا: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧] قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] . ولما حسدته أعداء الله اليهود على كثرة النكاح والزوجات، وقالوا: ما همته إلا النكاح، رد الله تعالى عليهم عن رسوله ونافح عنه فقال: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاس

عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] . ولما استبعدوا أن يبعث الله رسولًا من البشر بقولهم الذي حكاه الله عنهم: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤] وجهلوا أن التجانس يورث التآنس، وأن التخالف يورث التباين. قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] ، أي لو كانوا ملائكة لوجب أن يكون رسولهم من الملائكة، لكن لما كان أهل الأرض من البشر وجب أن يكون رسولهم من البشر.

فما أجل هذه الكرامة، وقد كان الأنبياء إنما يدافعون عن أنفسهم، ويردون على أعدائهم، كقول نوح ﵇: ﴿يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَة﴾ [الأعراف: ٦١] ، وقول هود ﴿يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَة﴾ [الأعراف: ٦٧] وأشباه ذلك.

ويردون على أعدائهم، كقول نوح ﵇: ﴿يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَة﴾ [الأعراف: ٦١] ، وقول هود ﴿يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَة﴾ [الأعراف: ٦٧] وأشباه ذلك.

فهرس المجلد الثامن: ٣ المقصد الخامس: في تخصيصه ﵊ بخصائص المعراج والإسراء ٢٧١ المقصد السادس: ما ورد في آي التنزيل من عظيم قدره ورفعة ذكره ٢٧٣ تمهيد ٢٧٤ النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره ٣٤٣ النوع الثاني في أخذ الله تعالى له الميثاق على النبيين ٣٥٢ النوع الثالث في وصفه تعالى له بالشهادة وشهادته له بالرسالة ٣٩٩ النوع الرابع في التنويه به ﷺ في الكتب السالفة ٤٣٢ النوع الخامس في آيات تتضمن إقسامه تعالى على تحقيق رسالته ٤٣٥ الفصل الأول في قسمه تعالى على ما خصه به من الخلق العظيم ٤٤٢ الفصل الثاني في قسمه تعالى على ما أنعم به عليه ٤٧٨ الفصل الثالث في قسمه تعالى على تصديقه ﵊ ٤٨٣ الفصل الخامس في قسمه تعالى بمدة حياته ﷺ وعصره وبلده ٤٩٧ النوع السادس في وصفه تعالى له ﵊ بالنور والسراج المنير

٥٠٤ النوع السابع في آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته ٥٢٠ النوع الثامن فيما تتضمن الأدب معه ﷺ ٥٢٩ النوع التاسع في آيات تتضمن رده تعالى بنفسه المقدسة على عدوه صلى الله عليه وسلم

المجلد التاسع تابع: المقصد السادس: ما ورد في آي التنزيل من عظم قدره ورفع ذكره النوع العاشر: في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه ... ﷽ النوع العاشر: في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه عليه الصالة والسلام متشابهات قال الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧] . اعلم أنه قد اتفق العلماء على أنه ﷺ ما ضل لحظة واحدة قط، وهل هو جائز عقلًا على الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- قبل النبوة. قالت المعتزلة: هو غير جائز عقلًا لما فيه من التنفير. وعند أصحابنا: أنه جائز في العقول، ثم يكرم الله من أراده بالنبوة، إلا أن الدليل السمعي قام على أن هذا الجائز لم يقع لنبي، قال الله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ

صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢] قاله الإمام فخر الدين. وقال الإمام أبو الفضل اليحصبي في "الشفاء": والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله تعالى وصفاته، والتشكيك في شيء من ذلك، وقد تعاضدت الأخبار والآثار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا، ونشأتهم على التوحيد والإيمان، بل على إشراق أنوار المعارف، ونفحات ألطاف السعادة،

ولم ينقل احد من أهل الأخبار أن أحدًا نبئ واصطفي ممن عرف بكفر وغشراك قبل ذلك، ومستند هذا الباب النقل. ثم قال: وقد استبان بما قررناه ما هو الحق من عصمته ﷺ عن الجهل بالله وصفاته، أو كونه على حالة تنافي العلم بشيء من ذلك كله جملة بعد النبوة عقلًا وإجماعًا، وقبلها سمعًا ونقلًا، ولا بشيء مما قرره من أمور الشرع وأداه عن ربه من الوحي قطعًا، عقلاً وشرعًا، وعصمته عن الكذب وخلف القول منذ نبأه الله

وأرسله، قصدًا أو غير قصدًا، واستحالة ذلك عليه شرعًا وإجماعًا، ونظرًا وبرهانًا، وتنزيهه عنه قبل النبوة قطعًا، وتنزيهه عن الكبائر إجماعًا، وعن الصغائر تحقيقًا، وعن استدامة السهو والغفلة، واستمرار الغلط والنسيان عليه فيما شرعه للأمة، وعصمته في كل حالاته من رضا وغضب، وجد ومزح، ما يجب لك أن تتلقاه باليمين، وتشد عليه يد ضنين، فإن من يجهل ما يجب للنبي ﷺ، أو يجوز أو

ه فيما شرعه للأمة، وعصمته في كل حالاته من رضا وغضب، وجد ومزح، ما يجب لك أن تتلقاه باليمين، وتشد عليه يد ضنين، فإن من يجهل ما يجب للنبي ﷺ، أو يجوز أو

يتسحيل عليه، ولا يعرف صور أحكامه لا يأمن أن يعتقد في بعضها خلاف ما هي عليه، ولا ينزهه عما لا يجوز أن ياضف إليه، فيهلك من حيث لا يدري، ويسقط في هوة الدرك الأسفل من النار، إذ ظن الباطل به واعتقاده ما لا يجوز عليه يحل صاحبه دار البوار. وقداستدل بعض الأئمة على عصمتهم من الصغائر، بالمصير إلى امتثال

أفعالهم واتباع آثارهم وسيرتهم مطلقًا، وجمهور الفقهاء على ذلك من أصحاب ملك والشافعي وأبي حنيفة من غير التزام قرينة بل مطلقًا عند بعضهم، وإن اختلفوا في حكم ذلك، فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن الاقتداء بهم في أفعالهم، غذ ليس كل فعل من أفعاله يتميز مقصده من القربة والإباحة والظر والمعصية، انتهى. واختلف في تفسير هذه الآية على وجوه كثيرة: أحدها: أي وجد ضالًا عن معالم النبوةب، وهو مروي عن ابن عباس

والحسن والضحاك وشهر بن حوشب، ويؤيده قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] أي ما كنت تدري قبل الوحي أن تقرأ القرآن، ولا كيف تدعو الخلق إلى الإيمان، قاله السمرقندي وقال بكر القاضي: ولا الإيمان الذي هو الفرائض والأحكام، فقد كان ﵊ قبل مؤمنًا بتوحيده، ثم نزلت الفرائض التي لم يكن يدريها قبل، فازداد بالتكاليف إيمانًا، وسيأتي آخر هذا النوع مزيد لذلك إن شاء الله. الثاني: من معنى قوله تعالى: ضالًا ما روي مرفوعًا مما ذكره الإمام فخر الدين الرازي أنه ﵊ قال: ضللت عن جدي عبد المطلب وأنا صبي

حتى كاد الجوع يقتلني فهداني الله. الثالث: يقال: ضل الماء في اللبن إذا صار مغمورًا فمعنى الآية، كنت مغمورًا بين الكفار بمكة فقواك الله حتى أظهرت دينه. الرابع: أن العرب تسمي الشجرة الفريدة في الفلاة ضالة، كأنه تعالى يقول: كانت تلك البلاد كالمفازة ليس فيها شجرة تحمل ثمر الإيمان بالله تعالى ومعرفته إلا أنت، فأنت شجرة فريدة في مفازة الحمد. الخامس: قد يخاطب السيد والمراد قومه، أي وجد قومك ضالين فهداهم بك وبشرعك.

مل ثمر الإيمان بالله تعالى ومعرفته إلا أنت، فأنت شجرة فريدة في مفازة الحمد. الخامس: قد يخاطب السيد والمراد قومه، أي وجد قومك ضالين فهداهم بك وبشرعك.

السادس: أي محبًا لمعرفتي، وهو مروي عن ابن عطاء، والضال: المحب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥] أي محبتك القديمة، ولم يريدوا هنا في الدين، إذ لو قالوا ذلك في نبي الله لكفروا. السابع: أي وجدك ناسيًا فذكرك، وذلك ليلة المعراج نسي ما يجب أن يقال بسبب الهيبة، فهداه الله تعالى إلى كيفية الثناء حتى قال: لا أحصي ثناء عليك. الثامن: أي وجدك بين أهل الضلال فعصمك من ذلك وهداك للإيمان وإلى إرشادهم.

التاسع: أي وجدك متحيرًا في بيان ما أنزل إاليك، فهداك لبيانه، كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وهذا مروي عن الجنيد. العاشر: عن علي أمير المؤمنين أنه ﷺ قال: ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد، ثم ما هممت بعدهما بشيء حتى أكرمني الله برسالته. قلت ليلة الغلام من قريش كان يرعى غنما بأعلى مكة، لو حفظت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما

يسمر الشباب، فخرجت حتى أتيت أول دار من دور مكة سمعت عزفًا بالدفوف والمزامير فجلست أنظر إليهم فضرب الله على أذني فنمت، فما أيقظني إلا مس الشمس، ثم قلت ليلة أخرى مثل ذلك فضرب الله على أذني فما أيقظني إلا مس الشمس، ثم ما هممت بعدهما بسوء حتى أكرمني الله برسالته.

وأما قوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ، الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٢-٣] . فقد احتج بها جماعة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين المجوزين للصغائر على الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- وبظواهر كثيرة من القرآن والحديث، إن التزموا ظواهرها أفضت بهم -كما قال القاضي عياض- إلى تجوزيز الكبائر، وخرق الإجماع، وما لا يقول به مسلم، فكيف وكل ما احتجوا به منها مما اختلف المفسرون في معناه، وتقابلت الاحتمالات في مقتضاه، وجاءت أقاويل فيها للسلف

بخلاف ما التزموه في ذلك. فإذا لم يكن مذهبهم إجماعًا، وكان الخلاف فيما احتجوا به قديمًا، وقامت الدلائل على خطأ قولهم، وصحة غيره، وجب تركه والمصير إلى ما صح، انتهى. وقد اختلف في هذه الآية: فقال أهل اللغة: الأصل فيه أن الظهر إذا أثقله الحمل سمع له نقيض، أي صوت كصوت المحامل والرحال، وهذا مثل لما كان يثقل على رسول الله ﷺ من أقداره. وقيلك المراد منه تخفيف أعباء البنوة التي يثقل الظهر القيام بأمرها، وحفظ موجباتها، والمحافظة على حقوقها، فسهل الله تعالى ذلك عليه، وحط عنه ثقلها

اره. وقيلك المراد منه تخفيف أعباء البنوة التي يثقل الظهر القيام بأمرها، وحفظ موجباتها، والمحافظة على حقوقها، فسهل الله تعالى ذلك عليه، وحط عنه ثقلها

بأن يسرها عليه حتى تيسرت له. وقيل: الوزر ما كان يكرهه من تغييرهم لسنة الخليل، وكان لا يقدر على منعهم غلى أن قواه الله وقال له: ﴿اتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: ١٢٣] . وقيل: معناه عصمناك عن الوزر الذي أنقض ظهرك لو كان ذلك الذنب حاصلًا، فسمي العصمة "وضعًا" مجازًا، ومن ذلك ما في الحديث أنه ﵊ حضر وليمة فيها دف ومزامير قبل البعثة فضرب الله على أذنه فما أيقظه إلا حر الشمس من الغد. وقيل: ثقل شغل سرك وحيرتك وطلب شريعتك، حتى شرعنا لك ذلك. وقيل معناه: خففنا عليك ما حملت بحفظنا لما استحفظت وحفظ عليك، ومعنى أنقض أي كان ينقضه، قال القاضي عياض: فيكون المعنى على قول من

جعل ذلك لما قبل النبوة: اهتمام النبي ﷺ بأمور فعلها قبل نبوته وحرمت عليه جعل بعد النبوة فعدها أوزارًا وثقلت عليه وأشفق منها. وقيل: إنها ذنوب أمته صارت عليه كالوزر، فأمنه لله من عذابهم في العاجل بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] ووعده الشفاعة في الآجل. وأما قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] . فقال ابن عباس: أي أنك مغفور لك غير مؤاخذ بذنب أن لو كان.

وقال بعضهم: أراد غفران ما وقع وما لم يقع، أي أنك مغفور لك. وقيل: المراد ما كان عن سهو وغفلة وتأويل، حكاه الطبري واختاره القشيري. وقيل: ما تقدم لأبيك آدم ﵇، وما تأخر من ذنوب أمتك، حكاه السمرقندي والسلمي عن ابن عطاه.

وقيل: المراد أمته. وقيل: المراد بالذنب ترك الأولى، كما قيل: حسنات الأبرار سيآت المقربين، وترك الأولى ليس بذنب، لأن الأولى وما يقابله مشتركان في إباحة الفعل. وقال السبكي: قد تأملتها -يعني الآية- مع ما قبلها وما بعدها فوجدتها لا تحتمل إلا وجهًا واحدًا، وهو تشريف النبي ﷺ من غير أن يكون هناك ذنب،

باحة الفعل. وقال السبكي: قد تأملتها -يعني الآية- مع ما قبلها وما بعدها فوجدتها لا تحتمل إلا وجهًا واحدًا، وهو تشريف النبي ﷺ من غير أن يكون هناك ذنب،

ولكنه أريد أن يستوعب في الآية جميع انواع النعم -من الله على عباده- الأخروية، وجميع النعم الأخروية شيآن: سلبية وهي غفران الذنوب، وثبوتية وهي لا تتناهى، أشار إليها بقوله: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: ٢] ، وجميع النعم الدنيوية شيآن: دينية أشار إليها بقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢] ، ودنيوية وهي قوله: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ٣] ، فانتظم بذلك تعظيم قدر النبي ﷺ بإتمام أنواع نعم الله تعالى عليه المتفرقة في غيره، ولهذا جعل ذلك غاية للفتح المبين الذي عظمه وفخمه

بإسناد إليه تعالى بنون العظمة، وجعله خاصًا بالنبي ﷺ بقوله: لك. وقد سبق إلى نحو هذا ابن عطية: وإنما المعنى التشريف بهذا الحكم، ولم يكن ذنوب ألبتة. ثم قال: وعلى تقدير الجواز لا شك ولا ارتاب أنه لم يقع منه ﷺ،

وكيف يتخيل خلاف ذلك ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] . وأما الفعل: فاجماع الصحابة على اتباعه والتأسي به في كل ما يفعله من قليل أو كثير، أو صغير أو كبير لم يكن عندهم في ذلك توقف ولا بحث، حتى أعماله في السر والخلوة يحرصون على العلم بها وعلى اتباعها، علم بهم أو لم يعلم، ومن تأمل أحوال الصحابة معه ﷺ استحيي من الله أن يخطر بباله خلاف ذلك، انتهى. وأما قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾

[الأحزاب: ١] . فلا مرية أنه ﷺ أتقى الخلق، والأمر بالشيء لا يكون إلا عند عدم اشتغال المأمور بالمأمور به، إذ لا يصلح أن يقال للجالس اجلس، ولا للساكت اسكت، ولا يجوز عليه أن لا يبلغ، ولا أن يخالف أمر ربه، ولا أن يشرك ولا أن يطيع الكافرين والمنافقين، حاشاه الله من ذلك، وإنما امره الله بتقوى توجب استدامة الحضور. وأجاب بعضهم عن هذا أيضًا بأنه ﷺ كان يزداد علمه بالله تعالى، ومرتبته، حتى كن حال ﵊ فيما مضى بالنسبة إلى ما هو فيه ترك للأفضل، فكان له في كل ساعة تقوى تتجدد.

وقيل: المراد دم على التقوى. فإنه يصح أن يقال للجالس: أجلس ههنا إلى أن آتيك، وللساكت: قد أصبت فاسكت تسلم، أي دم على ما أنت عليه. وقيل: الخطاب مع النبي ﷺ والمراد أمته، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤] ولم يقل بما تعمل. وأما قوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] . فاعلم أنه تعالى لما ذكر ما عليه الكفار في أمره ﷺ، ونسبته إلى ما نسبوه إليه، مع ما أنعم الله به عليه من الكمال في أمر الدين والخلق العظيم، أتبعه بما يقوي قلبه ويدعوه إلى التشديد مع قومه، وقوي قلبه بذلك مع قلة العدد وكثرة

ليه، مع ما أنعم الله به عليه من الكمال في أمر الدين والخلق العظيم، أتبعه بما يقوي قلبه ويدعوه إلى التشديد مع قومه، وقوي قلبه بذلك مع قلة العدد وكثرة

الكفار، فإن هذه اسورة من أوائل ما نزل فقال: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ والمراد رؤساء الكفار من أهل مكة، وذلك أنهم دعوه إلى دينهم، فنهاه الله أن يطيعهم، هذا من الله تهييج للتشديد في مخالفتهم. وأما قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] ، الآية. فاعلم أن المفسرين اختلفوا فيمن المخاطب بهذا: فقال قوم المخاطب به النبي ﷺ، وقال آخرون: المخاطب به غيره. فأما من قال بالأول فاختلفوا على وجوه. الأول: أن الخطاب مع النبي ﷺ في الظاهر والمراد به غيره، كقوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١] ، وكقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ، وكقوله لعيسى ابن مريم: ﴿قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] ومثل هذا معتاد، فإن السلطان إذا كان له أمير، وكان تحت راية ذلك الأمير جمع، فأراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص فإنه لا يوجه خطابه إليهم، بل يوجهه إلى ذلك الأمير ليكون ذلك أقوى تأثيرًا في

قلوبهم. الثاني: قال القراء: علم الله تعالى أن رسوله ﷺ غير شاك، ولكن هذا كما يقول الرجل لولد: إن كنت ابني فبرني، ولعبده: إن كنت عبدي فأطعني. الثالث: أن يقال لضيق الصدر شاك، يقول: إن ضقت ذرعًا بما تعاني من تعنتهم وأداهم فاصبر واسأل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك كيف صبر الأنبياء على أذى قومهم، وكيف كان عاقبة أمرهم من النصر، فالمراد تحقيق ذلك والاستشهاد بما في الكتب المتقدمة، وأن القرآن مصدق لما فيه، أو تهييج الرسول ﵊ وزيادة تثبيته، أو يكون على سبيل الفرض والتقدير، لا إمكان

مراد تحقيق ذلك والاستشهاد بما في الكتب المتقدمة، وأن القرآن مصدق لما فيه، أو تهييج الرسول ﵊ وزيادة تثبيته، أو يكون على سبيل الفرض والتقدير، لا إمكان

ووقع الشك له، ولذلك قال ﷺ لما نزلت هذه الآية: "والله لا أشك ولا أسال". وأما الوجه الثاني - وهو أن المخاطب غيره ﷺ فتقريره: أن الناس كانوا في زمانه فرقًا ثلاثة: المصدقون به، والمكذبون له، والمتوقفون في أمره الشاكون فيه فخاطبهم الله تعالى بهذا الخطاب فقال: فإن كنت في شك أيها الإنسان مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان نبينا محمد ﷺ، فاسأل الله أهل الكتاب ليدلوك على صحة نبوته، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦] ، و ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ﴾ [الانشقاق: ٦] ، و ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾ [الزمر: ٨] فإن المراد "بالإنسان" هنا الجنس، لا إنسان

بعينه، فكذا هنا، ولما ذكر الله تعالى لهم ما يزيل ذلك الشك عنهم حذرهم من أن يلحقوا بالقسم الثاني وهم المكذبون فقال: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [يونس: ٩٥] . وأما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٤] . أي في أنهم لا يعلمون ذلك، أويكون المراد: قل لمن امترى يا محمد، لا تكونن من الممترين فليس الخطاب له وأنه ﷺ يخاطب به غيره، وقيل غير ذلك.

وأما قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥] . فقال القاضي عياض: لا يلتفت إلى قول من قال: لا تكونن ممن يجهل أن الله تعالى لو شاء لجمعهم على الهدى إذ فيه إثبات الجهل بصفة من صفات الله تعالى، وذلك لا يجوز على الأنبياء، والمقصود وعظمهم أن لا يتشبهوا في أمورهم بسمات الجاهلين، وليس في الآية دليل على كونه على تلك الصفة التي نهاه الله على الكون عليها، فأمره الله تعالى بالتزام الصبر على إعراض قومه، ولا تحرج عند ذلك فيقارب حال الجاهل بشدة التحسر. حكاه أبو بكر بن فورك. وقيل: معنى الخطاب لأمته ﷺ لا له، أي فلا تكونا من الجاهلين، حكاه أبو

محمد مكي، قال: ومثله في القرآن كثير، وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١١٦] يضلوك عن سبيل الله فالمراد غيره، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٤٩] ، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤] و ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وما أشبه ذلك فالمراد غيره، وأن هذه حال من أشرك، والنبي ﷺ لا يجوز عليه هذا، هذا والله ينهاه عما شاء ويأمره بما يشاء، كما قال تعالى له: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] وما طردهم ﵇ وما كان من

شاء ويأمره بما يشاء، كما قال تعالى له: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] وما طردهم ﵇ وما كان من

الظالمين. وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣] . فليس بمعنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ [يونس: ٧] ، وإنما المعنى: لمن الغافلين عن قصة يوسف ﵇، إذ لم تخطر ببالك، ولم تقرع سمعك قط، فلم تعلمها إلا بوحينا. وأما قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠] الآية. فمعناه: يستخفنك بغضب يحملك على ترك الإعراض عنهم.

والنزغ: أدنى حركة تكون، كما قاله الزجاج. فأمره الله أنه متى يحرك عليه غضب على عداوة، أو رام الشيطان من إغرائه به وخواطر أدنى وساوسه ما لم يجعل له سبيل إليه أن يستعيد به تعالى منه، فيكفي أمره، ويكون سبب تمام عصمته، إذ لم يسلط عليه بأكثر من التعرض له، ولم يجعل له قدرة عليه. وكذلك لا يصح أن يتصور له الشيطان في صورة الملك ويلبس عليه، لا في أول الرسالة ولا بعدها بل لا يشك النبي أن ما يأتيه من الله

هو الملك ورسوله حقيقة إما بعلم ضروري يخلقه الله له أو ببرهان يظهر لديه كما قدمته في المقصد الأول عند البعثة، لتتم كلمة ربك صدقًا وعدلًا لا مبدل لكلماته. وأما قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] الآية. فأحسن ما قيل فيها ما عليه جمهور المفسرين: أن التمني المراد به هنا: التلاوة وإلقاء الشيطان فيها إشغاله بخواطر وأذكار من أمور الدنيا للتالي حتى

يدخل عليه الوهم والنسيان فيما تلاه، أو يدخل غير ذلك على أفهام السامعين من التحريف وسوء التأويل ما يزيله الله وينسخه ويكشف لبسه ويحكم آياته، قاله القاضي عياض، وقد تقدم في المقصد الأول مزيد ذلك. قال في الشفاء: وأما قوله ﵊ حين نام عن الصلاة يوم الوادي: "إن هذا وادٍ به شيطان" فليس فيه ذكر تسلطه عليه ولا وسوسته له، بل

في المقصد الأول مزيد ذلك. قال في الشفاء: وأما قوله ﵊ حين نام عن الصلاة يوم الوادي: "إن هذا وادٍ به شيطان" فليس فيه ذكر تسلطه عليه ولا وسوسته له، بل

إن كان بمقتضى ظاهرة فقد بين ﵇ بأمر ذلك الشيطان بقوله: إن الشيطان أتى بلالًا، فلم يزل يهديه كما يهدي الصبي حتى نام، فاعلم أن تسلط الشيطان في ذلك الوادي إنما كان على بلال الموكل بكلاءة الفجر، هذا إن جعلنا قوله "إن

هذا وادٍ به شيطان"، تنبيهًا على سبب النوم عن الصلاة، وأما إن جعلناه تنبيهًا على سبب الرحيل عن الوادي وعلة لترك الصلاة به، وهو دليل مساق حديث زيد بن أسلم فلا اعتراض به في هذا الباب، لبيانه وارتفاع إشكاله. قال عياض: وأما قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١-٢] ، الآيات، فليس فيها إثبات ذنب له ﵊. بل إعام الله تعالى له بأن ذلك المتصدي له ممن لا يتزكى، وأن الصواب والأولى كان لو كشف له

حال الرجلين لاختار الاقبال على الأعمى وفعل النبي ﷺ لما فعل وتصديه لذلك الكافر كان طاة لله، وتبليغًا عنه، واستئلافًا له، كما شرعه الله له، لا معصية ولا مخالفة له، وما قصد الله تعالى عليه من ذلك إعلام بحال الرجلين، وتوهين أمر الكافر عنده، والإشارة إلى الإعراض عنه بقوله ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس:

٧] ، أي ليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام، أي لا يبلغن بك الحرص على إسلامهم أن تعرض عمن أسلم بالاشتغال بدعوتهم، إن عليك إلا البلاغ. وقد كان ابن مكتوم يستحق التأديب والزجر، لأنه -وإن فقد بصره- كان يسمع مخاطبة الرسول ﷺ لأولئك الكفار، وكان يعرف بواسطة استماع تلك الكلمات شدة اهتمامه ﵇ بشأنهم، فكان إقدامه على قطع كلامه ﵇ بعد سماعه إيذاء له ﵇ وذلك معصية عظيمة. فثبت أن فعل ابن أم مكتوم كان ذنبًا ومعصية وأن الذي فعله الرسول ﷺ كان هو الواجب المتعين، وقد كان ﵊ مأذونًا له في تأديب أصحابه، لكن ابن أم مكتوم بسبب عماه

استحق مزيد الرفق به. وأما قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] الآية. فروى ابن أبي حاتم عن مسعر عن عون قال: هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟ بدأ بالعفو قبل المعاتبة، وكذا قال مورق العجلي وغيره. وقال قتادة: عاتبه الله كما تسمعون ثم أنزل الذي في سورة النور، فرخص له في أن يأذن لهم إنشاء فقال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢] ، ففوض الأمر إلى رأيه ﵊.

ه في أن يأذن لهم إنشاء فقال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢] ، ففوض الأمر إلى رأيه ﵊.

وقال عمرو بن ميمون: اثنتان فعلهما النبي ﷺ لم يؤمر فيهما بشيء: إذنه للمنافقين وأخذه الفداء من الأسرى، فعاتبه الله كما تسعمون. وأما قول بعضهم إن هذه الآية تدل على أنه وقع من الرسول ذنب لأنه تعالى قال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ والعفو يستدعي سالفة ذنب، وقول الآخر: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ استفهام بمعنى الإنكار، فاعلم أنا لا نسلم أن قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ يوجب ذنبًا، ولم لا يقال إن ذلك يدل على مبالغة الله تعالى في توقيره وتعظيمه، كما يقول الرجل لغيره، إذا كان عظيمًا عنده: عفا الله عنك، ما صنعت في أمري، ورضي الله عنك ما جوابك عن كلامي، وعافاك الله ألا عرفت حقي، فلا يكون غرضه من هذا الكلام إلا زيادة التعظيم والتبجيل، وليس عفا هنا بمعنى: غفر، بل كما قال هذا الكلام إلا زيادة التعظيم والتبجيل، وليس عفا هنا بمعنى: غفر، بل كما قال ﷺ: "عفا الله عنك عن صدقة الخيل والرقيق" ولم تجب عليهم قط، أي لم

يلزمكم ذلك. ونحوه للقشيري قال: وإنما يقول العفو لا يكون إلا عن ذنب من لا يعرف كلام العرب، قال: ومعنى عفا الله عنك أي لم يلزمك ذنبًا. وأما الجواب عن الثاني فيقال: إما أن يكون صدر من الرسول ﷺ ذنب أم لا؟ فإن قلنا: امتنع على هذا التقدير أن يكون قوله: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ إنكارًا عليه، وإن قلنا إنه صدر عنه ذنب - وحاشاه الله من ذلك- فقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ يدل على حصول العفو، وبعد حصول العفو يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه، فثبت أنه على جميع التقادير يمتنع أن يقال: إن قوله: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ يدل على كون

على حصول العفو، وبعد حصول العفو يستحيل أن يتوجه الإنكار عليه، فثبت أنه على جميع التقادير يمتنع أن يقال: إن قوله: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ يدل على كون

الرسول مذنبًا، وهذا جواب شاف كافٍ قاطع، وعند هذا يحمل قوله لم أذنت لهمعلى ترك الاولى والأكمل، بل لم يعد هذا أهل العلم معاتبة، وغلطوا من ذهب إلى ذلك قال نفطويه: ذهب ناس إلى أن النبي ﷺ معاتب بهذه الآية، وحاشاه من ذلك، بل كان مخيرًا، فلما أذن لهم اعلمه الله أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا لنفاقهم، وأنه لا حرج عليه في الإذن لهم.

وأما قوله تعالى في أسارى بدر ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧-٦٨] . فروى مسلم من إفراده من حديث عمر بن الخطاب قال: لما هزم الله المشركين يوم بدر، وقتل منهم سبعون وأسر سبعون، استشار النبي ﷺ أباب بكر وعمر وعليًا، فقال أبو بكر: يا نبي الله، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه منهم قوة لنا على الكفار وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا. فقال ﷺ: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت

والله ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه، وتمكن عليًا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أنه ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، فهوي ما هوى أبو بكر ولم يهو ما قلت، فأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد غدوت إلى رسول الله ﷺ وإذ هو قاعد وأبو بكر الصديق وهما يبكيان فقلت يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد تباكيت، فقال النبي ﷺ: أبكِ للذي عرض على أصحابك من الفداء، لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة، لشجرة قريبة فأنز الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيمٌ﴾ .

وقوله: ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ : أي يكثر القتل ويبالغ فيه حتى يذل الكفر ويقل حزبه، ويعز الغسلام ويستولي أهله. وليس في هذا إلزام ذنب للنبي ﷺ بل فيه بيان ما خص به وفضل من بين سائر الأنبياء ﵊ فكأنه ﷿ قال: ما كان هذا لنبي غيرك كما قال ﵊: "أحلت لي الغنائم ولم تحل لنبي قبلي". وأما قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ فقيل المراد بالخطاب من أراد

ذلك منهم وتجرد غرضه لعرض الدنيا وحده، والاستكثار منها، وليس المراد بهذا النبي ﷺ ولا عليه أصحابه. بل قد روي عن الضحاك أنها نزلت حين انهزم المشركون يوم بدر واشتغل الناس بالسلب وجمع الغنائم عن القتال حتى خشي عمر أن يعطف عليهم العدو. ثم قال تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ فاختلف المفسرون في معنى هذه الآية: فقيل معناه: لولا أنه سبق مني أن لا أعذب أحدًا إلا بعد النهي لعذبتكم، فهذا ينفي أن يكون أمر الأسرى معصية. وقيل: لولا إيمانكم بالقرآن وهو الكتاب السابق، فاستوجبتم به الصفح لعوقبتم على الغنائم.

وقيل: لولا أنه سبق في اللوح المحفوظ أنها حلال لكم لعوقبتم. وهذا كله ينفي الذبن والمعصية، لأن من فعل ما أحل له لم يعص، قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ . وقيل: بل كان ﵊ قد خير في ذلك، وقد روي عن علي قال: جاء جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ يوم بدر فقال: خير أصحابك في الأسارى إن شاءوا القتل وإن شاءوا الفداء على أن يقتل منهم في العام المقبل مثلهم فقالوا الفداء ويقتل منا، وهذا دليل على أنهم لم يفعلوا إلا ما أذن لهم فيه.

لكن بعضهم مال إلى أضعف الوجين مما كان الأصلح غيره من الإثخان والقتل فعوتبوا على ذلك وبين لهم ضعف اختيارهم وتصويب اختيار غيرهم، فكلهم غير عصاة ولا مذنبين. وقال القاضي بكر بن العلاء: أخبر الله تعالى نبيه في هذه الآية أن تأويله وافق ما كتب له من إحلال الغنائم والفداء، وقد كان قبل هذا فادي في سرية عبد الله بن جحش التي قتل فيها ابن الحضرمي بالحكم بن كيسان وصاحبه، فما

ن تأويله وافق ما كتب له من إحلال الغنائم والفداء، وقد كان قبل هذا فادي في سرية عبد الله بن جحش التي قتل فيها ابن الحضرمي بالحكم بن كيسان وصاحبه، فما

عبت الله ذلك عليهم، وذلك قبل بدر بأزيد من ام، فهذا كله يدل على أن فعل النبي ﷺ في شأن الأسرى كان على تأويل وبصيرة على ما تقدم قبل ذلك فلم ينكره الله عليه. لكن الله تعالى أراد لعظم أمر بدروكثرة أسرارها -والله أعلم- إظهار نعمته وتأكيد منته بتعريفهم ما كتب في اللوح المحفوظ من حل ذلك لا على وجه عتاب أو إنكار أو تذنيب قاله القاضي عياض رحمه الله تعالى. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا،

إذ لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات﴾ [الإسراء: ٧٤] الآية. فالمعنى: لولا أن ثبتناك لقاربت أن تميل إلى إتباع مرادهم، لكن أدركتك عصمتنا فمنعت أن تقرب فضلًا عن أن تركن، وهو صريح في أنه ﷺ ما هم بإجابتهم مع قوة الداعي إليها، فالعصمة بتوفيق الله وحفظه، ولو قاربت لأذقناك

ضعف الحياة وضعف الممات، أي ضعف ما يعذب به في الدارين بمثل هذا الفعل غيرك، لأن خطأ الخطير أخطر، وقد أعاذه الله تعالى من الركون إلى أعدائه بذرة من قلبه. ومما يعزى للحريري مما يؤيد ذلك قوله: أنحوي هذا العصر ما هي لفظة ... جرت في لسان جرهم وثمود إذا استعملت في صورة الجحد اثبتت ... وإن اثبتت قامت مقام جحود وفسر الأول وهو النفي المثبت بنحو ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] وقد فعلوا والثاني وهو الثبوت المنفي بنحو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ قالوا: وهو ﷺ ثبت قلبه ولم يركن.

ا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] وقد فعلوا والثاني وهو الثبوت المنفي بنحو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ قالوا: وهو ﷺ ثبت قلبه ولم يركن.

وأما قوله تعالى ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤، ٤٥، ٤٦] . فالمعنى: لو افترى علينا بشيء من عند نفسه لاخذنا منه باليمين وقطعنا نياط قلبه وأهلكناه، وقد أعاذه الله تعالى من التقول عليه. فإن قلت: لا مرية أنه يعفي للمحب ولصاحب المحاسن والإحسان العظيم ما لا يعفي لغيره، ويسامح بما لا يسامح به غيره، كما قال الشاعر: وغذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع ولا شك أن نبينا ﷺ هو الحبيب الأعظم ذو المحاسن والإحسان الأكبر، فما هذه العقوبة المضاعفة والتهديد الشديد الوارد إن وقع منه ما يكره، وكم منه

راكن إلى أعدائه ومتقول عليه تعالى من قبل نفسه لم يعبأ به كأرباب البدع ونحوهم؟ فالجواب: أنه لا تنافي بين الأمرين، فإن من كملت عليه نعمة الله، واختصه منها بما لم يختص به غيره، وأعطاه منها ما لم يعط غيره، فحباه بالأنعام وخصه بمزيد القرب والإكرام اقتضت حاله من حفظ مرتبة القرب والولاية والاختصاص أن يراعي مرتبته من أدنى تشويش وقاطع، فلشدة الاعتناء به ومزيد تقريبه واتخاذه لنفسه واصطفائه على غيره تكون حقوق وليه وسيده عليه أتم ونعمه عليه أكمل وأعم، فالمطلوب منه فوق المطلوب من غيره، فهو إذاغفل أو أخل بمقتضى مرتبته نبه بما لم ينبه عليه البعيد، مع كونه يسامح بما لم يسامح به ذلك البعيد أيضًا، فيجتمع في حقه الأمران، وإذا أردت معرفة اجتماعهما وعدم تناقضهما فالواقع شاهد بذلك، فإن الملك يسامح خاصته وأولياءه بما لم يسامح به من ليس في منزلتهم، ويؤاخذ بما لا يؤاخذ به غيرهم، وأنت إذا كان لك عبدان أو ولدان أحدهما أحب إليك من الآخر وأقرب إلى قلبك وأعز عليك عاملته بهذين الأمرين،

واجتمع في حقه المعاملتان بحسب قربه منك، وحبك له وعزته عليك، فإذا نظرت إلى إكمال إحسانك إليه، وإتمام نعمك عليه اقتضت معاملته بما لا يعامل به من دونه من التنبيه وعدم الإهمال. وإذا نظرت إلى محبته لك وطاعته وخدمته وكمال عبوديته ونصحه، وهبت له وسامحته وعفوت عنه بما لا تفعله مع غيره. فالمعاملتان بحسب ما بينك وبينه. وقد ظهر اعتبار هذا المعنى في الشرع، حيث جعل حد من أنعم عليه بالتزويج، إذا تعداه الزنا الرجم، وحد من لم يعطه هذه النعمة الجلد، وكذلك ضاعف الحد على الحر الذي قد ملكه نفسه وأتم نعمته عليه ولم يجعله مملوكًا لغيره، وجعل حد العبد المنقوص بالرق - الذي لم يجعل له هذه النعمة- نصف ذلك، فسبحان من بهرت حكمته في خلقه. فلله سر تحت كل لطيفة فأخو البصائر غائص يتعقل انتهى ملخصًا.

وأما قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢] . فقيل: معناه ما كنت تدري الإيمان على التفصيل الذي شرع في القرآن. وقال أبو العالية: هو بمعنى الدعوة إلى الإيمان، لأنه كان قبل الوحي لا يقدر أن يدعو إلى الإيمان بالله تعالى. وقيل: معناه أنه ما كان يعرف الإيمان حين كان في المهد وقبل البلوغ، حكاه الماوردي والواحدي والقشيري. وقيل: إنه من باب حذف المضاف، أي ما كنت تدري أهل الإيمان، أي من الذي يؤمن، أبو طالب، أبو العباس، أو غيرهما. وقيل: المراد به شرائع الإيمان ومعالمه وهي كلها إيمان، وقد سمى الله

الصلاة إيمانًا بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي صلاتكم إلى بيت المقدس، فيكون اللفظ عامًا والمراد الخصوص، كما قاله ابن قتيبة وابن خزيمة. وقد اشتهر في الحديث أنه ﷺ كان يوحد الله ويبغض الأوثان ويحج ويعتمر. وروى أبو نعيم وابن عساكر عن علي: أنه قيل للنبي ﷺ هل عبدت وثنًا قط؟ قال: لا، قيل: فهل شربت خمرًا قط؟ قال: لا، وما زلت أعرف أن الذين هم عليه كفر. وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان. وقد ورد أن العرب لم يزالوا على بقايا من دين إسماعيل كحج البيت والختان والغسل من الجنابة، وكان ﵊ لا يقرب الأوثان ويعيبها، ولا يعرف شرائع اللهالتي شرعها لعباده

ن العرب لم يزالوا على بقايا من دين إسماعيل كحج البيت والختان والغسل من الجنابة، وكان ﵊ لا يقرب الأوثان ويعيبها، ولا يعرف شرائع اللهالتي شرعها لعباده

على لسانه، فذلك قوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ ولم يرد الإيمان الذي هو الإقرار بالله، لأن آباءه الذين ماتوا على الشرك كانوا يؤمنون بالله ويحجون مع شركهم، والله أعلم. المقصد السابع في وجوب محبته واتباع سنته والاهتداء بهديه وطريقته وفرض محبة آله وصحبه وقرابته وعترته، وحكم الصلاة والتسليم عليه زاده الله فضلًا وشرفًا لديه.

المقصد السابع: في وجوب محبته واتباع سنته والاهتداء بهديه مدخل ... المقصد السابع: في وجوب محبته واتباع سنته والاهتداء بهديه في وجوب محبته واتباع سنته والاهتداء بهديه وطريقته وفرض محبة آله وصحبه وقرابته وعترته، وحكم الصلاة والتسليم عليه زاده الله فضلًا وشرفًا لديه. وفيه ثلاثة فصول:

الفصل الأول: في وجوب محبته واتباع سنته والاقتداء بهديه وسيرته ﷺ اعلم أن المحبة -كما قال صاحب "المدارج" هي المنزلةالتي يتنافس فيها المتنافسون، وإليها يشخص العاملون، وإلى علمها شمر السابقو، وعليها تفاني المحبون، وبروح نسيمها بروح العابدون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح

وقوة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيه، وتوصلهم إلى منازل لم

ل والمقامات والأحوال التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلد لم يكونوا إلا بشق الأنفس بالغيه، وتوصلهم إلى منازل لم

يكونوا بدونها أبدًا وأصليها، وتبوؤهم من مقاعد الصدق إلى مقامات لم يكونوا لولا هي داخليها، وهي مطايا القوم التي سراهم في ظهورها دائمًا إلى الحبيب، وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب، تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة، إذ لهم من معيةمحبوبهم أوفر نصيب، وقد قدر الله يوم قدر مقادير الخلق بمشيئة وحكمته البالغة أن المرء مع من أحب، فيا لها من نعمة على المحبين سابغة، لقد سبق القوم المحبين السعادة وهم على ظهور الفرش

نائمون، ولقد تقدموا الركب بمراحل وهم في سيرهم واقفون. من لي بمثل سيرك المذلل ... تمشي رويدًا وتجي في الأول أجابوا مؤذن الشوق إذ نادى بهم حي على الفلاح في الجنة، وبذلوا أنفسهم في طلب الوصول إلى محبوبهم، وكان بذلهم بالرضى والسماح، وواصلوا إليه المسير بالإدلاج والغدو والرواح، ولقد حمدوا على الوصول مسراهم، وإنما يحمد القوم السرى عند الصباح. وقد اختلفوا في تعريف المحبة، وعباراتهم وإن كثرت فليست في الحقيقة

ترجع إلى اختلاف مقال، وإنما هي اختلاف أحوال، وأكثرها يرجع إلى ثمراتها، دون حقيقتها. وقد قال بعض المحققين: حقيقة المحبة عند أهل المعرفة، من المعلومات التي لا تحد وإنما يعرفها من قامت به وجدانًا لا يمكن التعبير عنه. وهكذا يقول صاحب مدارج السالكين - تبعًا لغيره: والمحبة لا تحد بحد أوضح منها، فالحدود لا تزيدها إلا خفاء وجفاء فحدها وجودها، ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة. وإنما يتكلم الناس في أسبابها وموجباتها وعلاماتها وشواهدها وثمراتها

وأحكامها، فحدودهم ورسومهم دارت على هذه السنة، وتنوعت بهم العبارات، وكثرت الإشارات بحسب الإدراك والمقام الحال. وقد وضعوا لمعناها حرفين مناسبين للمسمى غاية المناسبة: "الحاء" التي هي من أقصى الحلق، و"الباء" الشفهية التي هي نهايته، فللحاء الابتداء، وللباء الانتهاء وهذا شأن المحبة وتعلقها بالمحبوب، فإن ابتداءها منه وانتهاءها إليه. وأعطوا "الحب" حركة الضم التي هي أشد الحركات وأقواها مطابقة لشدة حركة مسماة وقوتها، وأعطوا "الحب" وهو المحبوب حركة الكسر لخفتها من

الضمة، وخفة المحبوب وذكره على قلوبهم وألسنتهم. فتأمل هذا اللطف والمطابقة والمناسبة العجيبة بين الألفاظ والمعاني، تطلعك على قدر هذه اللغة، وأن لها شأنًا ليس لسائر اللغات. وهذه بعض رسوم وحدود قيلت في المحبة بحسب آثارها وشواهدها، والكلام على ما يحتاج إلى الكلام عليه منها. فمنها: موافقة الحبيب في المشهد والمغيب، وهذا موجبها ومقتضاها. ومنها: محوب المحب لصفاته وإثبات المحب لذاته، وهذا من الفناة في المحبة، وهي أن تمحى صفات المحب وتفنى في صفات محبوبه وذاته، وهذا يستدعي بيانًا أتم من هذا لا يدركه إلا من أفناه وارد المحبة عنه وأخذه منه. ومنها: استقلال الكثير من نفسك، واستكثار القليل من محبوبك، وهو لأبي

ه، وهذا يستدعي بيانًا أتم من هذا لا يدركه إلا من أفناه وارد المحبة عنه وأخذه منه. ومنها: استقلال الكثير من نفسك، واستكثار القليل من محبوبك، وهو لأبي

يزيد، وهو أيضًا من أحكامها وموجباتها وشواهدها. والمحب الصادق لو بذل لمحبوبة جميع ما يقدر عليه لاستقله ولو ناله من محبوبه أيسر شيء لاستكثره واستعظمه. ومنها: استكثار القليل من جنايتك، واستقلال الكثير من طاعتك، وهو قريب من الأول لكنه مخصوص بما من المحب. ومنها: معانقة الطاعة ومباينة المخالفة، وهو لسهل بن عبد الله، وهو أيضًا حكم المحبة وموجبها. ومنها أن تهب كلك لمن أحببت، فلا يبقى لك منك شيء، وهو لسيدنا ابي عبد الله القرشي، وهو أيضًا من موجبات المحبة وأحكامها، والمراد أن تهب

إرادتك وعزماتك وأفعالك ونفسك ومالك ووقتك لمن تحبه، وتجعلها حبسًا في مرضاته ومحابه، ولا تأخذ منها لنفسك إلا ما أعطاكه، فتأخذ منه له. ومنها: أن تمحو من القلب ما سوى المحبوب، وكمال المحبة يقتضي ذلك، فإنه ما دامت في القلب بقية لغيره ومسكن لغيره فالمحبة مدخولة. ومنها: أن تغار على المحبوب أن يحبه مثلك، وهو للشبلي، ومراده: احتقارك لنفسك واستصغارها أن يكون مثلك يحبه. ومنها: غض طرف المحب عما سوى المحبوب غيره، وعن المحبوب هيبة، وهذا يحتاج إلى إيضاح، أما الأول فظاهر، وأما الثاني: فإن غض طرف القلب

عن المحبوب مع كمال محبته كالمستحيل، ولكن عند استيلاء سلطان المحبة يقع مثل هذا، وذلك من علامات المحبة المقارنة للهيبة والتعظيم. ومنها: ميلك إلى الشيء بكليتك ثم إيثارك له على نفسك وروحك ومالك، ثم موافقتك له سرًّا وجهرًا ثم علمك بتقصيرك في حبه، قال الجنيد: سمعت الحارث المحاسبي يقول ذلك. ومنها: سكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه، ثم السكر الذي يحصل عند المشاهدة لا يوصف، وأنشد بعضهم: فأسكر القوم دورًا لكأس بينهم ... لكن سكري نشأ من رؤية الساقي ومنها: سفر القلب في طلب المحبوب، ولهج لسانه يذكره على الدوام، أما سفر القلب في طلبه فهو الشوق إلى لقائه، وأما لهج اللسان بذكره فلا ريب أن

ؤية الساقي ومنها: سفر القلب في طلب المحبوب، ولهج لسانه يذكره على الدوام، أما سفر القلب في طلبه فهو الشوق إلى لقائه، وأما لهج اللسان بذكره فلا ريب أن

من أحب شيئًا أكثر من ذكره. ومنها: الميل إلى ما يوافق الإنسان، كحب الصور الجميلة والأصوات الحسنة وغير ذلك من الملاذ التي لا يخلو كل طبع سليم عن الميل إليها لموافقتها له، أو لاستلذاذه كحب الصورة الجميلة بإدراكه بحاسته، أو يكون حبه لذلك لموافقته له من جهة إحسانه إليه وإنعامه عليه، فقد جبلت القلوب على حب

من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها، وإذا كان الإنسان يحب منحه في دنياه مرة أو مرتين معروفًا فانيًا منقطعًا أو استنفذه من مهلكة أو مضرة لا تدوم، فما بالك بمن منحه منحًا لا تبيد ولا تزول ووقاه من العذاب الأليم ما لا يفنى ولا يحول.

وإذا كان المحب يحب غيره على ما فيه صورة جميلة وسيرة حميدة، فكيف بهذا النبي الكريم والرسول العظيم الجامع لمحاسن الأخلاق والتكريم، المانح لنا جوامع المكارم والفضل العميم، فقد أخرجنا الله به من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وخلصنا به من نار الجهل إلى جنات المعارف والإيقان، فهو السبب لبقاء مهجنا البقاء الأبدي في النعيم السرمدي، فأي إحسان أجل قدرًا وأعظم خطرًا من إحسانه إلينا، فلا منة -وحياته- لأحد بعد الله كما له علينا، ولا فضل لبشر كفضله لدينا. فكيف ننهض ببعض شكره، أو نقوم من واجب حقه بمعشار عشرة، فقد منحنا الله به منح الدنيا والآخرة، وأسبغ علينا نعمة باطنة وظاهرة، فاستحق ﷺ أن يكون حظه من محبتنا له أوفى وأزكى من محبتنا لأنفسنا وأولادنا وأهلينا وأموالنا والناس أجمعين، بل لو كان في كل منبت شعرة منا محبة تامة له صلوات

الله وسلامه عليه لكان ذلك بعض ما يستحق علينا. وقد روى أبو هريرة أنه ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده". رواه البخاري. وقدم الوالد للأكثرية؛ لأن كل أحد له والد، من غير عكس، وفي رواية النسائي تقديم الولد على الوالد وذلك لمزيد الشفقة، وزاد في رواية عبد العزيز بن صهيب عن أسن والناس أجمعين، وفي صحيح ابن خزيمة: من أهله وماله بدل

والده وولده وذكر الوالد والولد أدخل في المعنى لأنهما أعز على العاقل من الأهل والمال، بل ربما يكونان أعز من نفسه. ولذا لم يذكر "النفس" في حديث أبي هريرة، وذكر الناس بعد الوالد والولد من عطف العام على الخاص. قال الخطابي: والمراد بالمحبة هنا، حب الاختيار لا حب الطبع. وقال النووي: فيه تلميح إلى قضية النفس والأمَّارة والمطمئنة، فإن من رجح

جانب المطمئنة كان حبه للنبي ﷺ راجحًا، ومن رجح جانب الأمَّارة كان حبه بالعكس. وفي كلام القاضي عياض: إن ذلك شرط في صحة الإيمان؛ لأنه حمل المحبة على معنى التعظيم والإجلال، وتعقبه صاحب المفهم: بأن ذلك ليس مرادًا، هنا لأن اعتقاد الأعظمية ليس مستلزمًا للمحبة؛ إذ قد يجد الإنسان إعظام شيء مع خلوه من محبته. قال: فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك الميل لم يكمل إيمانه، وإلى ذلك يومئ قول عمر بن الخطاب في الحديث الذي رواه البخاري في "الإيمان والنذور" من حديث عبد الله بن هشام أن عمر بن الخطاب قال للنبي: لأنت يا رسول الله أحب إليَّ من كل شيء إلا نفسي التي بين جنبي، فقال

البخاري في "الإيمان والنذور" من حديث عبد الله بن هشام أن عمر بن الخطاب قال للنبي: لأنت يا رسول الله أحب إليَّ من كل شيء إلا نفسي التي بين جنبي، فقال

النبي ﷺ: "لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه" فقال عمر: والذي أنزل عليك الكتاب لأنت أحب إليَّ من نفسي التي بين جنبي فقال له النبي ﷺ: "الآن يا عمر"، فهذه المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط، فإنها كانت حاصلة لعمر قبل ذلك قطعًا. وفي رواية فقال ﷺ: "لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك" قال بعض الزهاد: تقدير الكلام، لا تصدق في حبي حتى تؤثر رضاي على هواك وإن كان فيه الهلاك. وأما وقوف عمر في أول أمره، واستثناؤه نفسه؛ فلأن حب الإنسان نفسه طبع، وحب غيره اختيار بتوسط الأسباب، وإنما أراد ﵊ منه حب الاختيار؛ إذ لا سبيل إلى قلب الطباع وتغييرها عما جبلت عليه. وعلى هذا

فجواب عمر كان أولًا بحسب الطبع، ثم تأمل فعرف بالاستدلال أن النبي ﷺ أحب إليه من نفسه لكونه السبب في نجاتها من المهلكات في الدنيا والآخرة، فأخبره بما اقتضاه الاختيار، فلذلك حصل الجواب بقوله: "الآن يا عمر" أي الآن عرفت فنطقت بما يجب. وإذا كان هذا شأن نبينا محمد ﷺ عبد الله ورسوله في محبتنا له ووجوب تقديمها على أنفسنا وأولادنا ووالدينا والناس أجمعين، فما الظن بمحبة الله تعالى ووجوب تقديمها على محبة ما سواه، ومحبة الله تعالى تختص عن محبة غيره قدرها وصفتها، وإفراده ﷾ بها، فإن الواجب له من ذلك أن يكون أحب إلى العبد من ولده ووالده، بل من سمعه وبصره ونفسه التي بين جنبيه، فيكون إلهه الحق، ومعبوده أحب إليه من ذلك كله، والشيء قد يحب من وجه

دون وجه، وقد يحب لغيره وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله تعالى حده، ولا تصلح الألوهية إلا له. والتأله هو المحبة والطاعة والخضوع. ومن علامات الحب المذكور لرسول الله ﷺ أن يعرض الإنسان على نفسه أنه لو خير بين فقد غرض من أغراضه وفقد رؤية النبي ﷺ أن لو كانت ممكنة، فإن كان فقدها أن لو كانت ممكنة أشد عليه من فقد غرض من أغراضه فقد أصتف بالأحبية المذكورة لرسول الله ﷺ، ومن لا فلا.

فقد رؤية النبي ﷺ أن لو كانت ممكنة، فإن كان فقدها أن لو كانت ممكنة أشد عليه من فقد غرض من أغراضه فقد أصتف بالأحبية المذكورة لرسول الله ﷺ، ومن لا فلا.

قال القرطبي: كل من آمن بالنبي ﷺ إيمانًا صحيحًا لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة، غير أنهم متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، ومنهم من يأخذ بالحظ الأدنى، كمن كان مستغرقًا في الشهوات محجوبًا بالغفلات في أكثر الأوقات، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبي ﷺ اشتاق إلى رؤية بحيث يؤثرها على أهله وماله وولده ويبذل نفسه في الأمور الخطيرة ويجد رجحان ذلك من نفسه وجدانًا لا تردد فيه، وقد شوهد من هذا الجنس من يؤثر زيارة قبره ورؤية مواضع آثاره على جميع ما ذكر، لما وقر في قلوبهم، من محبته، غير أن ذلك سريع الزوال لتوالي الغفلات، انتهى. ملخصًا فكل مسلم في قلبه محبة الله ورسوله، لا يدخل الإسلام إلا بها، ولكن الناس متفاوتون في محبته ﷺ بحسب استحضار ما وصل إليهم من جهته

من وجوه النفع الشامل لخير الدارين والغفلة عن ذلك، ولا شك أن حظ الصحابة ﵃ في هذا المعنى أتم؛ لأن هذا ثمرة المعرفة وهم بها أعلم. وقد روى ابن إسحاق -كما حكاه في الشفاء- أن امرأة من الأنصار قتل أبوها وأخوها وزوجها يوم أحد مع رسول الله ﷺ فقالت: ما فعل رسول الله ﷺ؟ قالوا: خيرًا هو بحمد الله كما تحبين، فقالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل، تعني: صغيرة. ورواه البيهقي في دلائله، وذكر صاحب البيان بلفظ: لما قيل يوم أحد قتل

Bagian 26 dari 43