— Bagian 27 · محمد ﵊ وكثرت الصوارخ بالمدينة، خرجت امرأة من الأ… —
Bagian 27
محمد ﵊ وكثرت الصوارخ بالمدينة، خرجت امرأة من الأنصار، فاستقبلت بأخيها وابيها وابنها وزوجها قتلى، لا تدري بأيهم استقبلت، وكلما مرت بواحد منهم صريعًا قالت: من هذا؟ قالوا: أخوك وأبوك وزوجك وابنك قالت: فما فعل النبي ﷺ؟ فيقولون: أمامك، حتى ذهبت إلى رسول الله ﷺ فأخذت بناحية ثوبه ثم جعلت تقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي إذ سلمت من عطب. وكذا رواه ابن أبي الدنيا بنحوه مختصرًا. وقال عمرو بن العاص: ما كان أحد أحب إليَّ من رسول الله ﷺ. وقال علي بن أبي طالب: كان رسول الله ﷺ أحب إلينا من أموالنا، وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ. ولما أخرج أهل مكة زيد بن الدثنة -بفتح الدال المهملة وكسر المثلثة
وتشديد النون- من الحرم ليقتلوه قال له أبو سفيان بن حرب: أنشدك بالله يا زيد أتحب أن محمدًا الآن عندنا مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فقال زيد: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكه وإني جالس في أهلي، فقال أبو سفيان: ما رأيت أحدًا من الناس يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا. وروي -مما ذكره القاضي عياض- أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله لأنت أحب إلي من أهلي ومالي، وإني لأذكرك فما أصبر حتى أجيء
فأنظر إليك، وإني ذكرت موتي وموتك فعرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإن دخلتها لا أراك، فانزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] فدعا به فقرأها عليه. قال: وفي حديث آخر: كان رجل عند النبي ﷺ ينظر إليه لا يطوف، فقال: "ما بالك"؟ قال: بأبي أنت وأمي، أتمتع من النظر إليك، فإذا كان يوم القيامة رفعك الله بتفضيله، فأنزل الله الآية.
ل عند النبي ﷺ ينظر إليه لا يطوف، فقال: "ما بالك"؟ قال: بأبي أنت وأمي، أتمتع من النظر إليك، فإذا كان يوم القيامة رفعك الله بتفضيله، فأنزل الله الآية.
وذكره البغوي في تفسيره بلفظ: نزلت -أي الآية- في ثوبان مولى رسول الله ﷺ، وكان شديد الحب لرسول الله ﷺ قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه يعرف الحزن في وجهه، فقال له رسول الله ﷺ: "ما غير لونك"؟ فقال يا رسول الله، ما بي من مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة، فأخاف أن لا أراك؛ لأنك ترفع مع النبيين، وأني إن دخلت الجنة في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أراك أبدًا، فنزلت هذه الآية، وكذا ذكره الواحدي في "أسباب النزول"، وعزاه الكلبي عن ثوبان. وقال قتادة: قال بعض أصحاب النبي ﷺ: كيف يكون الحال في الجنة وأنت في الدرجات العلا ونحن أسفل منك فكيف نراك؟ فأنزل الله الآية.
وذكره ابن ظفر في "ينبوع الحياة" بلفظ: إن عامر الشعبي قال: إن رجلًا من الأنصار أتى إلى النبي ﷺ فقال: والله لأنت يا رسول الله أحب إلي من نفسي ومالي وولدي وأهلي، ولولا أني آتيك فأراك لرأيت أن أموت أو قال أن سوف أموت، وبكى الأنصاري، فقال له رسول الله ﷺ: "ما أبكاك"؟ قال: بكيت أن ذكرت أنك تموت ونموت، وترفع مع النبيين، ونكون نحن إن دخلنا الجنة دونك، فلم يحر النبي ﷺ إليه، بمعنى أي: لم يرجع إليه يقول، فأنزل الله الآية. قال: وذكر مقاتل بن سليمان مثل هذا، وقال: هو عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الذي رأى الأذان. وذكر أيضًا: أن عبد الله بن زيد هذا كان يعمل في جنة له فأتاه ابنه فأخبره أن النبي ﷺ توفي فقال: اللهم أذهب بصري تى لا أرى بعد حبيبي محمدًا أحدًا، فكف بصره.
أيضًا: أن عبد الله بن زيد هذا كان يعمل في جنة له فأتاه ابنه فأخبره أن النبي ﷺ توفي فقال: اللهم أذهب بصري تى لا أرى بعد حبيبي محمدًا أحدًا، فكف بصره.
واعلم أنه لا يجتمع في القلب حبان، فإن المحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب، فليختر المرء لنفسه أحدى المحبتين فإنهما لا يجتمعان في القلب، والإنسان عند محبوبه كائنًا ما كان كما قيل: أنت القتيل بأي من أحببته ... فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي ولبعض الحكماء: كما أن الغمد لا يتسع لعضبين فكذلك القلب لا يتسع لمحبتين، ولذلك لازم إقبالك على من تهواه إعراضك عن كل شيء سواه، فمن
داهن في المحبة أو داجى، فقد عرض لمدى الغيرة أوداجًا، فمحبة الرسول ﵊ -بل تقديمه في الحب على الأنفس والآباء والأبناء- لا يتم الإيمان إلا بها؛ إذ محبته من محبة الله تعالى. وقد حكي عن أبي سعيد الخراز -مما ذكره القشيري في رسالته- أنه قال: رأيت النبي ﷺ في المنام، فقلت: يا رسول الله أعذرني فإن محبة الله شغلتني عن محبتك، فقال لي: يا مبارك من أحب الله فقد أحبني.
وقيل إن ذلك وقع لامرأة من الأنصار معه ﷺ يقظة، ولابن أبي المجد سيدي إبراهيم الدسوقي. ألا يا محب المصطفى زد صبابة ... وضمخ لسان الذكر منك بطيبه ولا تعبان بالمبطلين فإنما ... علامة حب الله حب حبيبه وكذلك كل حب في الله، كما في الصحيحين، عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب
إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار"، فعلق ذوق الإيمان بالرضا بالله ربًَّا، وعلق وجدان حلاوته بما هو موقوف عليه، ولا يتم إلا به، وهوكونه سبحانه أحب الأشياء إلى
العبد هو ورسوله، فمن رضي الله ربًّا رضيه الله له عبدًا. ومعنى حلاوة الإيمان: استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات في الدين، ويؤثر ذلك على أغراض الدنيا، ومحبة العبد لله تحصل بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك الرسول، قاله النووي. وقال غيره: معناه أن من استكمل الإيمان علم أن حق الله ورسوله آكد عليه من حق والده وولده وجميع الناس؛ لأن الهدى من الضلالة، والخلاص من النار، إنما كان بالله على لسان رسوله. وفي قوله ﵊: "حلاوة الإيمان" استعارة تخييلية، فإنه شبه رغبة المؤمن في الإيمان بشيء حلو، وأثبت له لازم ذلك الشيء وأضافه إليه، وفيه تلميح إلى قضية المريض والصحيح؛ لأن المريض الصفراوي يجد طعم العسل مرًّا،
والصحيح يذوق حلاوته على ما هي عليه، وكلما نقصت الصحة شيئًا ما، نقص ذوقه بقدر ذلك. وقال العارف ابن أبي جمرة واختلف في الحلاوة المذكورة هل هي محسوسة أو معنوية، فحملها قوم على المعنى وهم الفقهاء ومن شابههم، وحملها
قوم على المسحوس وأبقوا اللفظ على ظاهره من غيره أن يتأولوه وهم أهل الصفة، أو قال أهل الصوفة. قال: والصواب معهم في ذلك والله أعلم؛ لأن ما ذهبوا إليه أبقوا به لفظ الحديث على ظاهره من غير تأويل. قال: ويشهد إلى ما ذهبوا إليه أحوال الصحابة والسلف الصالح وأهل
المعاملات، فإنهم حكوا عنهم أنهم وجدوا الحلاوة محسوسة. فمن ذلك: حديث بلال حين صنع به ما صنع في الرمضاء إكراهًا على الكفر، وهو يقول أحد أحد، فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان. وكذلك أيضًا عند موته، أهله يقولون: واحرباه، وهو يقول: واطرباه، غدًا ألقى الأحبة محمدًا وحزبه، فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء وهي حلاوة الإيمان. ومنها حديث الصحابي الذي سُرق فرسه بليل وهو في الصلاة، فرأى السارق حين أخذه فلم يقطع لذلك صلاته، فقيل له في ذلك فقال: ما كنت فيه ألذ من
لاوة الإيمان. ومنها حديث الصحابي الذي سُرق فرسه بليل وهو في الصلاة، فرأى السارق حين أخذه فلم يقطع لذلك صلاته، فقيل له في ذلك فقال: ما كنت فيه ألذ من
ذلك، ولا ذاك إلا للحلاوة التي وجدها محسوسة في وقته ذلك. ومنها حديث الصحابيين اللذين جعلهما ﷺ في بعض مغازيه من قبل العدو، وقد أقبل فرآهما، فكبل الجاسوس القوس ورمى الصحابي فأصابه، فبقي على صلاته ولم يقطعها، ثم رماه ثانية فأصابه فلم يقطع لذلك صلاته، ثم رماه ثالثة فأصابه، فعند ذلك أيقظ صاحبه وقال: لولا أني خفت على المسلمين ما قطعت صلاتي. وما ذاك إلا لشدة ما وجد فيها من الحلاوة حتى أذهبت عنه ما يجد من ألم السلاح. قال: ومثل ذلك حكى عن كثير من أهل المعاملات، انتهى. وحديث هذين الصحابيين ذكره البخاري في صحيحه في باب "من لم ير الوضوء إلا من المخرجين" بلفظ: ويذكر عن جابر أن النبي ﷺ كان في غزوة "ذات الرقاع" فرُمي رجل بسهم فنزفه الدم فركع وسجد ومضى في صلاته. وقد
وصله ابن إسحاق في المغازي قال: حدثني صدقة بن يسار عن عقيل بن جابر عن أبيه مطولًا، وأخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني وصححه ابن خزمية وابن حبان والحاكم، كلهم من طريق ابن إسحاق، قال في فتح الباري، وشيخه "صدقة" ثقة،
وعقيل -بفتح العين- لكني لا أعرف راويًا عنه غير صدقة، ولهذا لم يحزم به البخاري، أو لكونه اختصره، أو للاختلاف في ابن إسحاق وأخرجه البيهقي في الدلائل من وجه آخر، وسمي أحدهما: عباد بن بشر الأنصاري، والآخر عمار بن ياسر من المهاجرين، والسورة الكهف. وإنما قال: "أحب إليه مما سواهما" ولم يقل "ممن" ليعم من يعقل ومن لا يعقل. وفي قوله: "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" دليل على أنه لا بأس بهذه التثنية، وأما قوله للذي خطب فقال: "ومن يعصهما" "بئس الخطيب أنت".
يعقل. وفي قوله: "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما" دليل على أنه لا بأس بهذه التثنية، وأما قوله للذي خطب فقال: "ومن يعصهما" "بئس الخطيب أنت".
فليس من هذا؛ لأن المراد في الخطب الإيضاح، وأما هنا فالمراد الإيجاز في اللفظ ليحفظ، ويدل عليه أن النبي ﷺ حيث قاله في موضع آخر، قال: "ومن يعصهما فلا يضر إلا نفسه". وقيل: إنه من الخصائص، فيمتنع من غير النبي ﷺ ولا يمتنع منه؛ لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاق التسوية بخلافه هو، فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك، وإلى هذا مال ابن عبد السلام. ومن محاسن الأجوبة في الجمع بين هذا الحديث وقصة الخطيب، أن تثنية
الضمير هنا للإيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة منهما، فإنها وحدها لاغية إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدعي حب الله مثلًا ولا يحب رسوله لا ينفعه ذلك، ويشير إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فأوقع متابعته مكتنفة بين قطري محبة العباد لله، ومحبة الله للعباد. وأما الأمر الخطيب بالإفراد فلأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية؛ إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم، ويشير إليه قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] فأعاد أطيعوا في الرسول، ولم يعده في أولي الأمر؛ لأنهم لا استقلال لهم في الطاعة كاستقلال الرسول، انتهى ملخصًا من كلام البيضاوي والطيبي، كما حكاه في فتح الباري. وفي الصحيح: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، وبمحمد
رسولًا نبيًّا. قال في المدارج: فأخبر أن للإيمان طمعًا، وأن القلب يذوقه كما يذوق الفم طعم الطعام والشراب. وقد عبر النبي ﷺ عن إدراك حقيقة الإيمان والإحسان وحصوله للقلب ومباشرته له بالذوق تارة وبالطعم أخرى، ويوجد الحلاوة تارة، كما
قال "ذاق". وقال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان"، ولما نهاهم عن الوصال قالوا: إنك تواصل قال: "إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى"، وقد غلظ حجاب من ظن أن هذا طعام وشراب حسي للفم، وسيأتي تحقيق الكلام في هذا إن شاء الله تعالى في الصوم، من مقصد عباداته ﵊. والمقصود أن ذوق حلاوة الإيمان أمر يجده القلب تكون نسبته إليه كذوق حلاوة الطعام إلى الفم، وذوق حلاوة الجماع إلى اللذة، كما قال ﵊: "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك". وللإيمان طعام وحلاوة يتعلق بهما ذوق ووجد، ولا تزول الشبه والشكوك إلا إذا وصل العبد إلى هذه الحالة، فيباشر الإيمان قلبه حقيقة المباشرة، فيذوق طعمه
ويجد حلاوته. وقال العارف الكبير تاج الدين بن عطاء الله: فيه يعني في هذا الحديث إشارة إلى أن القلوب السليمة من أمراض الغفلة والهوى تتنعم بملذوذات المعاني كما تتنعم بملذوذات الأطعمة، وإنما ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا لأنه لما رضي بالله ربًّا استسلم له وانقاد لحكمه، وألقى قياده إليه، فوجد لذاذة العيش وراحة التفويض، ولما رضي بالله ربًّا كان له الرضا من الله، وإذا كان له الرضا من الله أوجده الله حلاوة ذلك ليعلم ما من به عليه، وليعلم إحسانه عليه، ولما
احة التفويض، ولما رضي بالله ربًّا كان له الرضا من الله، وإذا كان له الرضا من الله أوجده الله حلاوة ذلك ليعلم ما من به عليه، وليعلم إحسانه عليه، ولما
سبقت لهذا العبد العناية خرجت له العطايا من خزائن المنن، فلما واصلته أمداد الله وأنواره عوفي قلبه من الأمراض والأسقام، فكان سليم الإدراك، فأدرك لذاذة الإيمان وحلاوته لصحة إدراكه وسلامة ذوقه. وقوله ﷺ: "وبالإسلام دينًا" لأنه إذا رضي بالإسلام دينًا فقد رضي مما رضي به المولى، ولازم من رضي بمحمد نبيًّا أن يكون له وليًّا، وأن يتأدب بآدابه ويتخلق بأخلاقه زهدًا في الدنيا وخروجًا عنها، وصفحًا عن الجناة وعفوًا عمن أساء إليه، إلى غير ذلك من تحقيق المتابعة قولًا وفعلًا، وأخذًا وتركًا، وحبًّا وبغضًا، فمن رضي بالله استسلم له، وانقاد ومن رضي بالإسلام عمل له، ومن رضي بمحمد ﷺ تابعه، ولا يكون واحد منها إلا بكلها؛ إذ محال أن يرضى بالله ربًّا ولا يرضى بالإسلام دينًا، أو يرضى بالإسلام دينًا ولا يرضى بمحمد نبيًّا، وتلازم ذلك بين لا خفاء فيه، انتهى ملخصًا. واعلم أن محبة الله تعالى على قسمين: فرض وندب. فالفرض: المحبة التي تبعث على امتثال الأوامر والانتهاء عن المعاصي،
والرضى بما يقدره، فمن قوع في معصية من فعل محرم أو ترك واجب فلتقصيره في محبة الله، حيث قدم هوى نفسه، والتقصير يكون مع الاسترسال في المباحات والاستكثار منها، فيورث الغفلة المقتضية للتوسع في الرجاء فيقدم على المعصية، أو تستمر الغفلة فيقع، وهذا الثاني يسرع إلى الإقلاع مع الندم. والندب: أن يواظب على النوافل ويجتنب الوقوع في الشبهات، والمتصف بذلك عموم الأوقات والأحوال نادر. وفي البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه تعالى
يواظب على النوافل ويجتنب الوقوع في الشبهات، والمتصف بذلك عموم الأوقات والأحوال نادر. وفي البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه تعالى
أنه قال: "ما تقرب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضته عليه -وفي رواية: بشيء أحب إلي من أداء ما افترضت عليه- ولايزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مساءته".
ويستفاد من قوله: "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي من أداء ما
افترضته عليه" أن أداء الفرائض أحب الأعمال إلى الله تعالى. وعلى هذا فقد استشكل كون النوافل تنتج المحبة ولا تنتجها الفرائض؟ وأجيب: بأن المراد من النوافل إذا كانت مع الفرائض، مشتملة عليها ومكملة لها ويؤيده: أن في رواية أبي أمامة "ابن آدم، إنك لن تدرك ما عندي إلا بأداء ما افترضته عليك"، أو يجاب: بأن الإتيان بالنوافل لمحض المحبة لا لخوف
العقاب على الترك، بخلاف الفرائض. وقال الفاكهاني: معنى الحديث أنه إذا أدى الفرائض، وداوم على إتيان النوافل من صلاة وصيام وغيرهما أفضى به ذلك إلى محبة الله تعالى إياه. وقد استشكل أيضًا: كيف يكون الباري جل وعلا "سمع العبد وبصره" إلخ. وأجيب بأجوبة: منها: أنه ورد على سبيل التمثيل، والمعنى: كنت كسمعه وبصره في إيثاره أمري، فهو يحب طاعتي ويؤثر خدمتي كما يحب هذه الجوارح.
ومنها: أن المعنى أن كليته مشغولة بي، فلا يصغي بسمعه إلا إلى ما يرضيني، ولا يرى ببصره إلا ما أمرته به. ومنها: أن المعنى، كنت له في النصرة كسمعه وبصره ويده ورجله في المعاونة على عدوه. ومنها: انه على حذف مضاف، أي حافظ سمعه الذي يسمع به، فلا يسمع إلا ما يحل سماعه، وحافظ بصره كذلك إلخ. قاله الفاكهاني. قال: ويحتمل معنى آخر أدق من الذي قبله: وهو: أن يكون بمعنى مسموعه؛ لأن المصدر قد جاء بمعنى المفعول، مثل: فلان أملي، بمعنى: مأمولي، والمعنى: أنه لا يسمع إلا ذكري ولا يتلذذ إلا بتلاوة كتابي ولا يأنس إلا بمناجاتي، ولا ينظر
إلا في عجائب ملكوتي، ولا يمد يده إلا فيمال فيه رضاي، ورجله كذلك. وقال غيره: اتفق العلماء -ممن يعتد بقوله- على أن هذا مجاز وكناية عن نصرة العبد وتأييده وإعانته، حتى كأنه سبحانه ينزل نفسه من عبده منزلة الآلات التي يستعين بها، ولهذا وقع في رواية: "فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي"، قال: والاتحادية زعموا أنه على حقيقته، وأن الحق عين العبد، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا. وقال الخطابي: عبر بذلك عن سرعة إجابة الدعاء، والنجح في الطلب، وذلك أن مساعي الإنسان كلها إنما تكون بهذه الجوارح المذكورة. وعن أبي عثمان الحيرى -أحد أئمة الطريق- قال: معناه كنت أسرع إلى
قضاء حوائجه من سمعه في الاستماع وعينه في النظر، ويده في اللمس ورجله في المشي، كذا أسنده عنه البيهقي في "الزهد". وحمله بعض أهل الزيغ على ما يدعونه، من أن العبد إذا لازم العبادة الظاهرة والباطنة حتى تصفى من الكدورات، أنه يصير في معنى الحق، تعالى الله عن ذلك، وأنه يفنى عن نفسه جملة، حتى يشهد أن الله هو الذاكر لنفسه، الموحد لنفسه، والمحب، وأن هذه الأسباب والرسوم تصير عدمًا صرفًا. وعلى الأوجه كلها فلا متمسك فيه للاتحادية ولا القائلين بالوحدة المطلقة، لقوله في بقية الحديث ولئن سألني، زاد في رواية عبد الواحد عبدي، انتهى ملخصًا.
وعلى الأوجه كلها فلا متمسك فيه للاتحادية ولا القائلين بالوحدة المطلقة، لقوله في بقية الحديث ولئن سألني، زاد في رواية عبد الواحد عبدي، انتهى ملخصًا.
وقال العلامة ابن القيم: تضمن هذا الحديث الشريف الإلهي -الذي حرام على غليظ الطبع كثيف القلب فهم معناه والمراد به- حصر أسباب محبته في أمرين، أداء الفرائض، والتقرب إليه بالنوافل، وأن المحب لا يزال يكثر في النوافل حتى يصير محبوبًا لله، فإذا صار محبوبًا لله أوجبت محبة الله له محبة أخرى منه لله فوق المحبة الأولى، فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام بغير محبوبه، وملكت عليه روه، ولم يبق فيه سعة لغير محبوبة ألبثة، فصار ذكر محبوبة وحبه ومثله الأعلى مالكًا لزمام قلبه، مستوليًا على روحه استيلاء المحبوب على محبة الصادق في
محبته التي قد اجتمعت قوى محبته كلها له، ولا ريب أن هذا المحب إن سمع سمع بمحبوبه وإن أبصر أبصر بمحبوبه، وإن مشى مشى به، فهو في قلبه ونفسه، وأنيسه وصاحبه. والباء -هنا- باء المصاحبة، وهي مصاحبة لا نظير لها، ولا تدرك بمجرد الأخبار عنها والعلم بها، فالمسألة حالية لا علمية محضة. قال: ولما حصلت الموافقة من العبد لربه في محابه، حصلت موافقة الرب لعبده في حوائجه ومطالبه فقال: "ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه" أي
كما وافقني في مرادي بامتثال أوامري، والتقرب إلي بمحابي، فأنا أوافقه في رغبته ورهبته فيما سألني أن أفعله به، وفيما يستعيذني أن يناله. وقوي أمر هذه الموافقة من الجانبين حتى اقتضى تردد الرب ﷾ في إماتة عبده لأنه يكره الموت، والرب تعالى يكره ما يكره عبده، ويكره مساءته فمن هذه الجهة يقتضي أن لا يميته ولكن مصلحته في إماتته، فإنه ما أماته إلا ليحييه، ولا أمرضه إلا ليصحه، ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا منعه إلا ليعطيه، ولم يخرجه من الجنة في صلب أبيه آدم إلا ليعيده إليها على أحسن أحواله، فهذا هو الحبيب على الحقيقة لا
ليصحه، ولا أفقره إلا ليغنيه، ولا منعه إلا ليعطيه، ولم يخرجه من الجنة في صلب أبيه آدم إلا ليعيده إليها على أحسن أحواله، فهذا هو الحبيب على الحقيقة لا
سواه انتهى. وقال الخطابي: التردد في حق الله غير جائز، والبداء عليه في الأمور غير سائغ، ولكن له تأويلان. أحدهما: أن العبد قد يشرف على الهلاك في أيام عمره من داء يصيبه، أو فاقة تنزل به، فيدعو الله فيشفيه منها، ويدفع عنه مكروهًا، فيكون ذلك من فعله كتردد من يريد أمرًا ثم يبدو له فيه فيتركه ويعرض عنه، ولا بد له من لقائه إذا بلغ الكتاب أجله؛ لأن الله قد كتب الفناء على خلقه، واستأثر بالبقاء لنفسه. والثاني: أن يكون معناه: ما رددت رسلي في شيء أنا فاعله كترديدي إياهم في قبض نفس عبدي المؤمن، كما في قصة موسى ﵇، وما كان من
لطمه عين ملك الموت، وتردده إليه مرة بعد أخرى. قال: وحقيقة المعنى -على الوجهين- عطف الله على العبد، ولطفه به، وشفقته عليه. وقال الكلاباذي ما حاصله: إنه غير عن صفة الفعل بصفة الذات، يعني باعتبار متعلقها، أي عن الترديد بالتردد، وجعل متعلق الترديد اختلاف أحوال العبد من ضعف ونصب إلى أن تنتقل محبته في الحياة إلى محبة للموت، فيقبض على ذلك. قال: وقد يحدث الله تعالى في قلب عبده من الرغبة فيما عنده والشوق
إليه والمحبة للقائه ما يشتاق معه إلى الموت، فضلًا عن إزالة الكراهة عنه، انتهى. وبالجملة: فلا حياة للقلب إلا بمحبة الله ومحبة رسوله، ولا عيش إلا عيش المحبين الذين قرت أعينهم بحبيبهم وسكنت نفوسهم إليه واطمأنت قلوبهم به، واستأنسوا بقربه وتنعموا بمحبته، ففي القلب طاقة لا يسدها إلا محبة الله ورسوله ومن لم يظفر بذلك فحياته كلها هموم وغموم وآلام وحسرات. قال صاحب المدارج: ولن يصل العبد إلى هذه المنزلة العلية والمرتبة السنية حتى يعرف الله تعالى ويهتدي إليه بطريق توصله إليه، ويحرق ظلمات الطبع بأشعة البصيرة، فيقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة، فينجذب إليها بكليته، ويزهد في
التعلقات الفانية، ويدأب في تصحيح التوبة، والقيام بالمأمورات الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات الظاهرة والباطنة، ثم يقوم حارسًا على قلبه فلا يسامحه بخطرة يكرهها الله، ولا بخطرة فضول لا تنفعه، فيصفو لذلك قلبه بذكر ربه ومحبته والإنابة إليه، ويخرج من بين بيوت طبعه ونفسه، إلى فضاء الخلوة بربه وذكره ربه كما قال. وأخرج من بين البيوت لعلني ... أحدث عنك النفس بالسر خاليًا فحينئذٍ يجتمع قلبه وخواطره وحديث نفسه على إرادة ربه وطلبه والشوق إليه، فإذا صدق في ذلك رزق محبة الرسول، واستولت روحانيته على قلبه، فجعله إمامه وأستاذه ومعلمه وشيخه وقدوته، كما جعله الله نبيه ورسوله وهاديه، فيطالع سيرته ومبادئ أموره، وكيفية نزول الوحي عليه، ويعرف صفاته وأخلاقه وآدابه وحركاته وسكونه، ويقظته ومنامه، وعبادته ومعاشرته لأهله وأصحابه، إلى غير ذلك
لع سيرته ومبادئ أموره، وكيفية نزول الوحي عليه، ويعرف صفاته وأخلاقه وآدابه وحركاته وسكونه، ويقظته ومنامه، وعبادته ومعاشرته لأهله وأصحابه، إلى غير ذلك
مما منحه الله به مما ذكرت بعضه، حتى يصير من بعض أصحابه، فإذا رسخ في قلبه ذلك فتح عليه بفهم الوحي المنزل عليه من ربه بحيث إذا قرأ السورة شاهد قلبه ماذا أنزلت فيه، وماذا أريد بها، وحظه المختص به منها، من الصفات والأخلاق والأفعال المذمومة، فيجتهد في التخلص منها، كما يجتهد في تحصيل الشفاء من المرض المخوف. ولمحبة الرسول ﵊ علامات: أعظمها الاقتداء به، واستعمال سنته، وسلوك طريقته، والاهتداء بهديه وسيرته، والوقوف عندما حد لنا من أحكام شريعته. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ، فجعل متابعة الرسول ﷺ آية محبة العبد ربه، وجعل جزاء العبد على حسن متابعة الرسول محبة الله تعالى إياه، وقد قال الحكيم -وهو محمود الوراق-
كما أفاده المحاسبي في كتاب "القصد والرجوع": تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقًا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع وهذه المحبة تنشأ من مطالعة العبد منة الله عليه من نعمه الظاهرة والباطنة، فبقدر مطالعة ذلك تكون قوة المحبة، ومن أعظم مطالعه منة الله تعالى على عبده منه تأهله لمحبته ومعرفته ومتابعة حبيبه ﷺ، وأصل هذا نور يقذفه الله تعالى في قلب ذلك العبد، فإذا دار ذلك النور أشرقت له ذاته، فرأى في نفسه وما أهلت له من الكمالات والمحاسن، فعلت به همته، وقويت عزيمته، وانقشعت عنه ظلمات نفسه وطبعه؛ لأن النور والظلمة لا يجتمعان إلا ويطرح أحدهما الآخر، فوقعت
ا أهلت له من الكمالات والمحاسن، فعلت به همته، وقويت عزيمته، وانقشعت عنه ظلمات نفسه وطبعه؛ لأن النور والظلمة لا يجتمعان إلا ويطرح أحدهما الآخر، فوقعت
الروح حينئذٍ بين الهيئة والأنس إلى الحبيب الأول. نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدًا لأول منزل وبحسب هذا الاتباع توجب المحبة والمحبوبية معًا، ولا يتم الأمر إلا بهما، فليس الشأن أن تحب الله، بل الشأن يحبك الله، ولا يحبك إلا إذا اتبعت حبيبه ظاهرًا وباطنًا، وصدقته خبرًا، وأطعته أمرًا، وأجبته دعوة، وآثرته طوعًا، وفنيت عن حكم غيره بحكمه، وعن محبة غيره من الخلق وعن طاعة غيره بطاعته، وإن لم تكن كذلك فلا تتعن فلست على شيء.
وتأمل قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] أي الشأن في أن الله يحبكم، لا في أنكم تحبونه، وهذا لا ينالونه إلا باتباع الحبيب. وقال المحاسبي في كتاب "القصد والرجوع": وعلامة محبة العبد لله ﷿ اتباع مرضاة الله، والتمسك بسنن رسوله الله ﷺ، فإذا ذاق العبد حلاوة الإيمان، ووجد طعمه، ظهرت ثمرة ذلك على جوارحه ولسانه، فاستحلى اللسان ذكر الله تعالى وما والاه، وأسرعت الجوارح إلى طاعة الله، فحينئذٍ يدخل حب الإيمان في القلب كما يدخل حب الماء البارد الشديد برده في اليوم الشديد الحر للظمآن الشديد العطش فيرتفع عنه تعب الطاعة لاستلذاذه بها، بل تبقى الطاعات غذاء لقلبه وتنعيمًا وسرورًا له، وقرة عين في حقه وتنعيمًا لروحه، يلتذ بها أعظم من اللذات الجسمانية، فلا يجد في أوراد العبادة كلفة. وفي الترمذي عن أنس مرفوعًا: "ومن أحيا سنتي فقد أحبني، ومن أحبني
كان معي في الجنة". وعن ابن عطاء: من ألزم نفسه آداب السنة نور الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من مقام متابعة الحبيب في أوامره ونواهيه، وأفعاله وأخلاقه. وقال أبو إسحاق الرقي -من أقران الجنيد: علامة محبة الله إيثار طاعته ومتابعة نبيه ﷺ. وعن غيره: لا يظهر على أحد شيء من نور الإيمان إلا باتباع السنة ومجانبة البدعة.
فأما من أعرض عن الكتاب والسنة، ولم يتلق العلم من مشكاة الرسول ﵊ بدعواه علمًا لدنيا أوتيه فهو من لدن الشيطان والنفس وإنما يعرف كون العلم لدنيا روحانيًّا بموافقته لما جاء به الرسول ﵊ عن ربه تعالى، فالعلم اللدني نوعان: لدني رحماني ولدني شيطاني، والمحك هو الوحي، ولا وحي بعد الرسول ﷺ. وأما قصة موسى مع الخضر فالتعلق بها في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدني إلحاد وكفر، يخرج عن الإسلام، موجب لإراقة الدم، والفرق: أن موسى ﵇ لم يكن مبعوثًا إلى الخضر، ولم يكن الخضر مأمورًا بمتابعته،
ولو كان مأمورًا بها لوجب عليه أن يهاجر إلى موسى ويكون معه، ولهذا قال له: أنت موسى نبي بني إسرائيل؟ قال: نعم، ومحمد ﷺ مبعوث إلى جميع الثقلين، فرسالته عامة للجن والإنس في كل زمان، ولو كان موسى وعيسى حيين لكانا من أتباعه. فمن أدعى أنه مع محمد كالخضر مع موسى، أو جواز ذلك لأحد من الأمة، فليجدد إسلامه، وليشهد شهادة الحق، فإنه مفارق لدين الإسلام بالكلية، فضلًا عن أن يكون من خاصة أولياء الله تعالى. وإنما هو من أولياء الشيطان وخلفائه ونوابه. والعلم اللدني الرحماني هو ثمرة العبودية والمتابعة لهذا النبي الكريم، عليه أزكى الصلاة وأتم التسليم، وبه يحصل الفهم في الكتاب والسنة بأمر يختص به صاحبه كما قال علي بن أبي طالب، وقد سئل: هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء دون الناس؟ فقال: لا، إلا فيما يؤتيه الله عبدًا، في كتابه، فهذا هو العلم اللدني الحقيقي.
ه كما قال علي بن أبي طالب، وقد سئل: هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء دون الناس؟ فقال: لا، إلا فيما يؤتيه الله عبدًا، في كتابه، فهذا هو العلم اللدني الحقيقي.
فاتباع هذا النبي الكريم حياة القلوب، ونور البصائر، وشفاء الصدور، ورياض النفوس، ولذة الأرواح، وأنس المستوحشين، ودليل المتحيرين. ومن علامات محبته: أن يرضى مدعيها بما شرعه، حتى لا يجد في نفسه حرجًا مما قضى، قال الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] ، فسلب اسم الإيمان عمن وجد في صدره حرجًا من قضائه ولم يسلم له. قال شيخ المحققين وإمام العارفين، تاج الدين بن عطاء الله الشاذلي، أذاقنا
الله حلاوة مشربه: في هذه الآية دليل على أن الإيمان الحقيقي لا يحصل إلا لمن حكم الله ورسوله ﷺ على نفسه قولًا وفعلًا، وأخذًا وتركًا، وحبًا وبغضًا، ويشتمل ذلك على حكم التكليف وحكم التعريف، والتسليم والانقياد واجب على كل مؤمن في كليهما. فأحكام التكليف، الأوامر والنواهي المتعلقة باكتساب العباد. وأحكام التعريف هو ما أورده عليه من فهم المراد. فتبين من هذا: أنه لا يحصل لك حقيقة الإيمان إلا بالأمرين الامتثال لأمره، والاستسلام لقهره. ثم إنه سبحانه لم يكتف بنفي الإيمان عمن لم يحكم، أو حكم ووجد
تبين من هذا: أنه لا يحصل لك حقيقة الإيمان إلا بالأمرين الامتثال لأمره، والاستسلام لقهره. ثم إنه سبحانه لم يكتف بنفي الإيمان عمن لم يحكم، أو حكم ووجد
الجرح في نفسه، حتى أقسم على ذلك بالربوبية الخاصة برسوله ﷺ رأفة وعناية وتخصيصًا ورعاية؛ لأنه لم يقل: فلا والرب، وإنما قال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ففي ذلك تأكيد بالقسم، وتأكيد في القسم، علمًا منه سبحانه بما في النفوس منطوية عليه من حب الغلبة ووجود النصرة سواء كان الحق عليها أو لها، وفي ذلك إظهار لعنايته برسوله ﷺ؛ إذ جعل حكمه حكمه، وقضاءه قضاءه، فأوجب على العباد الاستسلام لحكمه، والانقياد لأمره، ولم يقبل منهم الإيمان بإلهيته حتى يذعنوا لأحكام رسوله ﷺ؛ لأنه كما وصفه به ربه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣] فحكمه حكم الله، وقضاؤه قضاء الله، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] وأكد ذلك بقوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ .
وفي الآية إشارة أخرى إلى تعظيم قدره، وتفخيم أمره ﷺ وهي قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ﴾ فأضاف نفسه إليه، كما قال في الآية الأخرى: ﴿كهيعص، ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ [مريم: ١، ٢] فأضاف الحق سبحانه نفسه إلى محمد ﷺ، وأضاف زكريا إليه ليعلم العباد فرق ما بين المنزلتين وتفاوت ما بين الرتبتين. ثم إنه تعالى لم يكتف بالتحكيم بالظاهر فيكونوا به مؤمنين، بل اشترط فقدان الحرج -وهو الضيق- من نفوسهم في أحكامه ﷺ، سواء كان الحكم بما يوافق أهواءهم أو يخالفها، وإنما تضيق النفوس لفقدان الأنوار، ووجود الأغيار، فعنه يكون الحرج وهو الضيق، والمؤمنون ليسوا كذلك؛ إذ نور الإيمان ملأ قلوبهم فاتسعت وانشرحت، فكانت واسعة بنور الواسع العليم، ممدودة بوجود فضله العظيم، مهيآت لواردات أحكامه مفوضة له في نقضه وإبرامه، انتهى.
وقال سهل بن عبد الله: من لم ير ولاية الرسول ﷺ في جميع أحواله، ويرى نفسه في ملكه لم يذق حلاوة سنته؛ لأنه ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه". وروينا عن السيد العارف بالله تعالى الكبير أبي عبد الله القرشي أنه قال: حقيقة المحبة أن تهب كلك لمن أحببت، ولا يبقى لك منك شيء. انتهى. فمن آثر هذا النبي الكريم على نفسه، كشف الله له عن حضرة قدسه، ومن معه بلا اختيار ظهرت له خفايا حقائق أسرار أنسه.
ومن علامات محبته ﵊ نصر دينه بالقول والفعل، والذب عن شريعته، والتخلق بأخلاقه في الجود والإيثار، والحلم والصبر والتواضع وغيرها، مما ذكرته في أخلاقه العظيمة، وتقدم في كلام العارف ابن عطاء الله مزيد لذلك قريبًا. فمن جاهد نفسه على ذلك وجد حلاوة الإيمان، ومن وجدها استلذ الطاعات، وتحمل المشاق في الدين، وآثر ذلك على أغراض الدنيا الفانية يا هذا أول نقدة من أثمان المحبة بذل الروح فما للمفلس الجبان وسومها بدم المحب يباع وصلهم تالله ما هزلت فيستامها المفلسون ولا كسدت فينفقها بالنسيئة المعسرون لقد أسيمت للعرض في سوق من يزيد فلم يرض لها بثمن دون بذل النفوس فتأخر الباطلون وقام المحبون ينظرون أيهم يصلح أن يكون ثمنًا فدارت السلعة
سيئة المعسرون لقد أسيمت للعرض في سوق من يزيد فلم يرض لها بثمن دون بذل النفوس فتأخر الباطلون وقام المحبون ينظرون أيهم يصلح أن يكون ثمنًا فدارت السلعة
بينهم ووقعت في يد قوم ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] . لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حرفة الشجي فتنوع المدعون في الشهود فقيل لا تثبت هذه الدعوى إلا ببينة ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] فتأخر أكثرهم وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأقواله وأخلاقه فطولبوا بعدالة البينة بتزكية ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤] فتأخر أكثر المحبين وقام المجاهدون فقيل لهم: إن نفوس المحبين وأموالهم ليست لهم فهلموا إلى بيعه ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] فلما عرفوا عظمة المشتري وفضل الثمن وجلالة من أجرى على يده عقد التبايع عرفوا قدر السلعة وإن لها شأنًا، فرأوا من أعظم الغبن أن يبيعوها لغيره بثمن بخس، فعقدوا معه بيعة الرضوان، من غير ثبوت خيار، وقالوا: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، فلما تم العقد وسلموا المبيع قيل لهم: قد صارت
المقصد الثامن: في طبه ﷺ لذوي الأمراض والعاهات وتعبيره الرؤيا وإنبائه بالأنباء المغيبات مدخل ... ال مقصد الثامن: في طلبه ﷺ لذوي الأمراض والعاهات وتعبيره الرؤيا وإنبائه بالأنباء المغيبات
والعاهات وتعبيره الرؤيا وإنبائه بالأنباء المغيبات مدخل ... ال مقصد الثامن: في طلبه ﷺ لذوي الأمراض والعاهات وتعبيره الرؤيا وإنبائه بالأنباء المغيبات
اعلم أنه لا سبيل لأحد إلى الإحاطة بنقطة من بحار معارفه، أو قطرة مما أفاضه الله عليه من سحائب عوارفه، وأنت إذا تأملت ما منحه الله تعالى به من جوامع الكلم، وخصه به من بدائع الحكم، وحسن سيره، وحكم حديثه، وإنبائه بأنباء القرون السالفة والأمم البائدة، والشرائع الدائرة، كقصص الأنبياء مع قومهم، وخبر موسى مع الخضر، ويوسف مع إخوته، وأصحاب الكهف، وذي القرنين، وأشباه ذلك، وبدء الخلق، وأخبار الدار الآخرة، وما في التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى، وإظهار أحوال الأنبياء وأممهم، وأسرار علومهم ومستودعات سيرهم، وإعلامه بمكتوم وإعلامه شرائعهم، ومضمنات كتبهم وغير
ذلك مما صدقه فيه العلماء بها، ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها، بل أذعنوا لذلك فضلًا عما أضافه من العلم ومحاسن الآداب والشيم، والمواعظ والحكم، والتنبيه على طرق الحجج العقليات، والرد على فرق الأمم ببراهين الأدلة الواضحات، إلى فنون العلوم التي اتخذ أهلها كلامه فيها قدوة، وإشاراته حجة، كاللغة والمعاني والبيان والعربية، وقوانين الأحكام الشرعية، والسياسات العقلية،
ومعارف عوارف الحقائق القلبية، إلى غير ذلك من ضروب العلوم، وفنون المعارف الشاملة لمصالح أمته، كالطب والعبارة والحساب وغير ذلك مما لا يعد ولا يحد. قضيت بأن مجال هذا الباب في حقه ﵊ ممتد، تنقطع دون نفاده الأدلاء، وأن بحر علمه ومعارفه زاخر لا تكدره الدلاء. وهذا المقصد -أعزك الله- يشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في طبه ﷺ لذوي الأمراض والعاهات اعلم أنه ﷺ كان يعود من مرض من أصحابه، حتى لقد عاد غلامًا
كان يخدمه من أهل الكتاب، وعاد عمه وهو مشرك، وعرض عليهما الإسلام، فأسلم الأول وكان يهوديًّا، كما روى البخاري وأبو داود من حديث أنس: أن غلامًا من اليهود كان يخدم النبي ﷺ فمرض فعاده النبي ﷺ فقعد عند رأسه، فقال: "أسلم"، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال: أطع أبا القاسم فأسلم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه من النار".
وكان ﷺ يدنو من المريض، ويجلس عند رأسه، ويسأله عن حاله ويقول: "كيف تجدك"؟. وفي حديث جابر عند البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود، قال: مرضت فأتاني رسول الله ﷺ يعودني وأبو بكر، وهما ماشيان، فواجداني أغمي علي، فتوضأ النبي ﷺ ثم صب وضوءه علي فأفقت، فإذا النبي ﷺ، وعند أبي داود: فنفخ في وجهي فأفقت. وفيه: أنه ﷺ قال: "يا جابر لا أراك ميتًا من وجعك هذا". وفي حديث أبي موسى عند البخاري مرفوعًا: "أطعموا الجائع، وعودوا المرضى، وفكوا العاني".
وعنده من رواية البراء: أمرنا ﷺ بسبع، وذكر منها عيادة المريض. وعند مسلم: "خمس تجب للمسلم على المسلم"، فذكرها منها. قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب، يعني الكفاية، كإطعام الجائع وفك الأسير ويحتمل أن يكون على الندب على التواصل والألفة. وعند الطبري: يتأكد في حق من ترجى بركته، ويسن في من يراعي حاله، ويباح فيما عدا ذلك.
وهو فرض كفاية عند الحنفية، كما قال أبو الليث في "مقدمته". واستدل بعموم قوله: "عودوا المرضى" على مشروعية العيادة في كل مرض، لكن استثنى بعضهم: الأرمد، ورد: بأنه قد جاء في عيادة الأرمد بخصوصها حديث زيد بن أرقم، قال: عادني رسول الله ﷺ من وجع كان بعيني، رواه أبو داود وصححه الحاكم. وأما ما أخرجه البهيقي والطبراني مرفوعًا: ثلاثة ليس لهم عيادة، الرمد والدمل والضرس، فصحح البيهقي أنه موقوف على يحيى بن أبي كثير. ويؤخذ من إطلاقه أيضًا عدم التقييد بزمان يمضي من ابتداء مرضه. وهو قول
الجمهور، وجزم الغزالي في "الأحياء" بأنه لا يعاد إلا بعد ليال ثلاث، واستند إلى حديث أخرجه ابن ماجه عن أنس: كان النبي ﷺ لا يعود مريضًا إلا بعد ثلاث. وهذا حديث ضعيف تفرد به مسلمة بن علي، وهو متروك، قال أبو حاتم هو حديث باطل.
إلى حديث أخرجه ابن ماجه عن أنس: كان النبي ﷺ لا يعود مريضًا إلا بعد ثلاث. وهذا حديث ضعيف تفرد به مسلمة بن علي، وهو متروك، قال أبو حاتم هو حديث باطل.
ولا نطيل بإيراد ما ورد في فضل العبادة خوف الملل، ويكفي حديث أبي هريرة، مما حسنه الترمذي مرفوعًا: "من عاد مريضًا ناداه مناد من السماء: طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلًا"، وهذا لفظ ابن ماجه. وفي سنن أبي داد عن أنس مرفوعًا: "من توضأ فأحسن الوضوء، وعاد أخاه المسلم محتسبًا، بوعد من جهنم مسيرة سبعين خريفًا". وفي حديث أبي سعيد عن ابن حبان في صحيحه مرفوعًا: "خمس من
علمهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة: من عاد مريضًا، وشهد جنازة وصام يومًا وراح إلى الجمعة وأعتق رقبة". وعند أحمد عن كعب مرفوعًا: "من عاد مريضًا، خاض في الرحمة، فإذا جلس عنده استنقع فيها". زاد الطبراني: "وإذا قام من عنده فلا يزال يخوض فيها حتى يرجع من حيث خرج". ولم يكن ﷺ يخص يومًا من الأيام بعيادة المريض، ولا وقتًا من الأوقات، وترك العيادة يوم السبت مخالف للسنة، ابتدعه يهودي طبيب لملك قد مرض وألزمه بملازمته، فأراد يوم الجمعة أن يمضي لسبته فمنعه، فخاف على استحلال سبته، ومن سفك دمه، فقال: له إن المريض لا يدخل عليه يوم السبت، فتركه
الملك، ثم أشيع ذلك، وصار كثير من الناس يعتمده. ومن الغريب ما نقله ابن الصلاح عن الفراوي: أن العيادة تستحب في الشتاء ليلًا، وفي الصيف نهارًا، ولعل الحكمة في ذلك أن المريض يتضرر بطول الليل في الشتاء، وبطول النهار في الصيف، فيحصل له بالعبادة استرواح. وينبغي اجتناب التطبب من أعداء الدين، من يهودي ونحوه، فإنه مقطوع بغشه سيما إن كان المريض كبيرًا في دينه أو علمه، خصوصًا إن كان هذا العدو يهوديًّا؛ لأن قاعدة دينهم: أن من نصح مسلمًا فقد خرج عن دينه، وأن من استحل السبت فهو مهدر الدم عندهم، حلال لهم سفك دمه، ولا ريب أن من خاطر بنفسه يخشى عليه أن يدخل في عموم النهي فيمن قتل نفسه بشيء. وقد كثر الضرر في هذا الزمن بأهل الذمة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والله تعالى يرحم القائل:
يه أن يدخل في عموم النهي فيمن قتل نفسه بشيء. وقد كثر الضرر في هذا الزمن بأهل الذمة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والله تعالى يرحم القائل:
لعن النصارى واليهود فإنهم ... بلغوا بمكرهم بنا الآمالا خرجوا أطباء وحسابًا لكي ... يتقسموا الأرواح والأموالا ومما كان يفعله ﵊ ويأمر به تطييب نفوس المرضى وتقوية قلوبهم، ففي حديث أبي سعيد الخدري، قال ﷺ: إذا دخلتم على مريض فنفسوا له في أجله، فإن ذلك يطيب نفسه، مثل أن يقول له: لا بأس عليك، طهور إن شاء الله، ووجهك الآن أحسن، وما أشبه ذلك. وقد يكون من هذا أن يذكر له الأجور الداخلة عليه في مرضه، وأن المرض كفارة، فربما أصلح ذلك قلبه، وأمن من خوف زلل ونحوه. وقال بعضهم: في هذا الحديث نوع شريف جدًّا من أشرف أنواع العلاج، وهو الإرشاد إلى ما يطيب نفس العليل من الكلام الذي تقوى به الطبيعة، وتنتعش
به القوة، وينبعث به الحار الغريزي، ويساعد على دفع العلة أو تخفيفها الذي هو غاية تأثير الطب. وفي تفريج نفس المريض، وتطييب قلبه، وإدخال السرور عليه تأثير عجيب في شفاء علته وخفتها، فإن الأرواح والقوى تقوى بذلك، فتساعد الطبيعة على دفع المؤذي. وقد شاهد الناس كثيرًا من المرضى تنتعش قواهم بعيادة من يحبونه ويعظمونه، ورؤيتهم له، ولطفهم بهم، ومكالمتهم إياهم. قال في الهدي: وكان ﷺ يسأل المريض عن شكواه، وكيف يجد، وعما يشتهيه، فإن اشتهى شيئًا وعلم أنه لا يضره أمر له به، ويضع يده على جبهته، وربما وضعها بين ثدييه، ويدعو له، ويصف له ما ينفعه في علته، وربما كان يقول
للمريض: "لا بأس عليك، طهور إن شاء الله تعالى"، وربما كان يقول: "كفارة وطهور". وقالت عائشة ﵂: كان ﷺ إذا عاد مريضًا يضع يده على المكان الذي يألم ثم يقول: "بسم الله". رواه أبو يعلى بسند صحيح. وأخرج الترمذي بسند لين من حديث أبي أمامة رفعه من تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته ويسأله كيف هو، وعند ابن السني بلفظ: كيف أصبحت أو كيف أمسيت؟ وإذا علمت هذا، فاعلم أن المرض نوعان: مرض القلوب ومرض الأبدان. فأما طب القلوب ومعالجتها فخاص بما جاء به الرسول الكريم ﷺ عن ربه
تعالى، لا سبيل لحصوله إلا من جهته، فإن صلاح القلوب أن تكون عارفة بربها وفاطرها وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، وأن تكون مؤثرة لرضاه ومحابه متجنبة لمناهيه ومساخطه، ولا صحة لها ولا حياة ألبتة إلا بذلك، ولا سبيل إلى تلقي ذلك إلا من جهة سيدنا محمد ﷺ. وأما طب الأجساد، فمنه ما جاء في المنقول عنه ﷺ، ومنه ما جاء به غيره؛ لأنه ﷺ إنما بعث هاديًا وداعيًا إلى الله وإلى جنته، ومعرفًا بالله، ومبينًا لأمته
وأما طب الأجساد، فمنه ما جاء في المنقول عنه ﷺ، ومنه ما جاء به غيره؛ لأنه ﷺ إنما بعث هاديًا وداعيًا إلى الله وإلى جنته، ومعرفًا بالله، ومبينًا لأمته
مواقع رضاه وآمرًا لهم بها، ومواقع سخطه وناهيًا لهم عنها، ومخبرهم أخبار الأنبياء والرسل وأحوالهم مع أممهم، وأخبار تخليق العالم، وأمر المبدأ والمعاد، وكيفية شقاوة النفوس وسعادتها وأسباب ذلك. وأما طب الأجساد فجاء من تكميل شريعته، ومقصودًا لغيره، بحيث إنه إنما يستعمل للحاجة إليه، فإذا قدر الاستغناء عنه كان صرف الهمم إلى علاج القلوب وحفظ صحتها، ودفع أسقامها وحميتها مما يفسدها هو المقصود بإصلاح الجسد، وإصلاح الجسد بدون إصلاح القلب لا ينفع، وفسد البدن مع إصلاح القلب مضرته يسيرة جدًّا، وهي مضرة زائلة، تعقبها المنفعة الدائمة التامة. وإذا علمت هذا، فاعلم أن ضرر الذنوب في القلوب كضرر السموم في الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر. وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا
وسببه الذنوب والمعاصي، فللمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة والمضرة بالقلب والبدن في الدنيا والآخرة، ما لا يعلمه إلا الله. فمنها: حرمان العلم، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تطفئ ذلك النور، وللإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي وقال اعلم بأن العلم نور ... ونور الله لا يؤتاه عاصي ومنها: حرمان الرزق، ففي المسند: "وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه".
ومنها: وحشة يجدها العاصي في قلبه، بينه وبين الله تعالى، لا يوازيها ولا يقارنها لذة أصلًا. ومنها: تعسير أموره عليه، فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقًا دونه، أو متعسرًا عليه. ومنها: ظلمة يجدها في قلبه حقيقة يحس بها، كما يحس بظلمة الليل البهيم إذا أدلهم، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة وهو لا يشعر، وتقوى هذه الظلمة حتى تعلو الوجه وتصير سوادًا فيه، يراه كل أحد.
كلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة وهو لا يشعر، وتقوى هذه الظلمة حتى تعلو الوجه وتصير سوادًا فيه، يراه كل أحد.
ومنها: أن يوهن القلب والبدن. ومنها: حرمات الطاعة، وتقصير العمر، ومحق البركة، ولا يمتنع زيادة العمر بأسباب، كما ينقص بأسباب، وقيل: تأثير المعاصي في محق العمر إنما هو بأن حقيقة الحياة هي حياة القلب، فليس عمر المرء إلا أوقات حياته بالله، فتلك ساعات عمره، فالبر والتقوى والطاعات تزيد في هذه الأوقات التي هي حقيقة عمره، ولا عمر له سواها. وبالجملة: فالعبد إذا أعرض عن الله، واشتغل بالمعاصي ضاعت عليه أيام حياته الحقيقة. ومنها: أن المعصية تورث الذل. ومنها: أنها تفسد العقل، فإن للعقل نورًا، والمعصية تطفئ نور العقل. ومنها: أنها تزيل النعم وتحل النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ
كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] وللقد أحسن القائل: إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن الذنوب تزيل النعم وحطها بطاعة رب العباد ... فرب العباد سريع النقم
هي أمراض متى استحكمت قتلت ولا بد، كما أن البدن لا يكون صحيحًا إلا بغذاء يحفظ قوته، واستفراغ يستفرغ المواد الفاسدة والأخلاط الرديئة التي متى غلبت عليه أفسدته، وحمية يمتنع بها من تناول ما يؤذيه ويخشى ضرره فكذلك القلب، لا تتم حياته إلا بغذاء من الإيمان والأعمال الصالحة يحفظ قوته، واستفراغ بالتوبة النصوح يستفرغ المواد الفاسدة والأخلاط الرديئة، وحمية توجب له حفظ الصحة، وتجنب ما يضادها، وهي عبارة عن ترك استعمال ما يضاد الصحة، والتقوى اسم متناول لهذه الأمور الثلاثة، فما مات منها فات من التقوى بقدره. وإذا تبين هذا فالذنوب مضادة لهذه الأمور الثلاثة، فإنها تستجلب المواد المؤذية، وتوجب التخليط المضاد للحمية، وتمنع الاستفراغ بالتوبة النصوح. فانظر إلى بدن عليل قد تراكمت عليه الأخلاط ومواد المرض، وهو لا يستفرغها ولا يحتمي لها، كيف تكون صحته وبقاؤه ولقد أحسن القائل:
جسمك بالحمية حصنته ... مخافة من ألم طاري وكان أولى بك أن تحتمي ... عن المعاصي خشية النار فمن حفظ القول بامتثال الأوامر، واستعمل الحمية باجتناب النواهي، واستفرغ التخليط بالتوبة النصوح، لم يدع للخير مطالبًا، ولا للشر مهربًا، وفي حديث أنس: "ألا أدلكم على دائكم ودوائكم، ألا إن دائكم الذنوب، ودواؤكم الاستغفار". فقد ظهر لك أن طب القلوب ومعالجتها لا سبيل إلى معرفته إلا من جهة الرسول ﷺ بواسطة الوحي.
م على دائكم ودوائكم، ألا إن دائكم الذنوب، ودواؤكم الاستغفار". فقد ظهر لك أن طب القلوب ومعالجتها لا سبيل إلى معرفته إلا من جهة الرسول ﷺ بواسطة الوحي.
وأما طب الأجساد فغالبه يرجع إلى التجربة. ثم هو نوعان: نوع لا يحتاج إلى فكر ونظر، بل فطر الله على معرفته الحيوانات، مثل ما يدفع الجوع والعطش والبرد والتعب، وهذا لا يحتاج فيه إلى معالجته طبيب. ونوع يحتاج إلى النظر والفكر، كدفع ما يحدث في البدن مما يخرجه عن الاعتدال، وهو إما حرارة وإما برودة، وكل منهما، إما إلى رطوبة أو يبوسة، أو إلى ما يتركب منهما، وغالب ما يقاوم الواحد منها بضده، والدفع قد يقع من خارج البدن، وقد يقع من داخله وهو أعسرهما، والطريق إلى معرفته بتحقيق السبب والعلامة. فالطبيب الحاذق هو الذي يسعى في تفريق ما يضر بالبدن جمعه، أو عكسه، وفي تنقيص ما يضر بالبدن زيادته أو عكسه، ومدار ذلك على ثلاثة أشياء: حفظ الصحبة والاحتماء عن المؤذي.
واستفراغ المادة الفاسدة وقد أشير إلى الثلاثة في القرآن: فالأول: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وذلك أن السفر مظنة النصب، وهو من مغيرات الصحة، فإذا وقع فيه الصيام ازداد فأبيح الفطر، وكذلك القول في المرض. والثاني: وهو الحمية، من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم﴾ [النساء: ٢٩] فإنه استنبط منه جواز التيمم عند خوف استعمال الماء البارد، وقال تعالى في آية الوضوء ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التراب حمية له أن يصيب جسده ما يؤذيه، وهو تنبيه على الحمية عن كل مؤذ له من داخل أو خارج. والثالث: من قوله تعالى: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] فإنه
ه ما يؤذيه، وهو تنبيه على الحمية عن كل مؤذ له من داخل أو خارج. والثالث: من قوله تعالى: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] فإنه
أشير بذلك إلى جواز حلق الرأس الذي منع منه المحرم، لاستفراغ الأذى الحاصل من البخار المحتقن في الرأس تحت الشعر؛ لأنه إذا حق رأسه تفتحت المسام فخرجت تلك الأبخرة منها. فهذا الاستفراغ يقاس عليه كل استفراغ يؤذي انحباسه. فقد أرشد الله تعالى عباده إلى أصول الطب الثلاثة ومجامع قواعده. وفي الصحيحين من حديث عطاء عن أبي هريرة قال: رسول الله ﷺ: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء".
وأخرجه النسائي وصححه ابن حبان والحاكم عن ابن مسعود ﵁ بلفظ: "إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء فتداووا". وعند أحمد من حديث أنس: "إن الله حيث خلق الداء خلق الدواء فتداووا". وعند البخاري في "الأدب المفرد" وأحمد وأصحاب السنن، وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم عن أسامة بن شريك، رفعه: "تداووا عباد الله، فإن الله
لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا داء واحدًا وهو الهرم" وفي لفظ "إلا السام" -وهو بمهملة مخففًا- الموت، يعني إلا داء الموت، أي المرض الذي قدر على صاحبه الموت فيه. واستثناء الهرم في الرواية الأولى إما لأنه جعله شبيهًا بالموت، والجامع بينهما نقص الصحة، أو لقربه من الموت وإقضائه إليه، ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعًا، والمعنى: لكن الهرم لا دواء له. ولأبي داود، عن أبي الدرداء، رفعه: "إن الله ﷿ جعل كل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بحرام".
وفي البخاري: "إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم"، فلا يجوز التداوي بالحرام. وروى مسلم عن جابر، مرفوعًا: "لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى". فالشفاء متوقف على إصابة الداء الدواء بإذن الله تعالى. وذلك أن الدواء قد
يحصل معه مجاوزة الحد في الكيفية أو الكمية فلا ينجح، بل ربما أحدث داء آخر. وفي رواية علي عند الحميدي في كتابه المسمى بطب أهل البيت: ما من داء إلا وله دواء، فإذا كان كذلك بعث الله ﷿ ملكًا ومعه ستر فيجعله بين الداء والدواء، فكلما شرب المريض من الدواء لم يقع على الداء، فإذا أراد الله برأه أمر الملك فرفع الستر، ثم يشرب المريض الدواء فينفعه الله تعالى به. وفي حديث ابن مسعود رفعه: "إن الله لم ينزل داء إلا نزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله" رواه أبو نعيم وغيره.
وفيه إشارة إلى أن بعض الأدوية لا يعلمها كل أحد. وأما قوله "لكل داء دواء" فيجوز أن يكون على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة، والأدواء التي لا يمكن طبيب معرفتها، ويكون قد جعل الله لها أدوية تبرئها، ولكن طوى علمها عن البشر، ولم يجعل لهم إليها سبيلًا؛ لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم الله تعالى. ولهذا علق ﷺ الشفاء على مصادفة الدواء للداء، وقد يقع لبعض المرضى أنه يتداوى من دائه بدواء فيبرأ، ثم يعتريه بعد ذلك الداء، والدواء
بعينه فلا ينجع، والسبب في ذلك الجهل بصفة من صفات الداء، فرب مرضين تشابهًا، ويكو أحدهما مركبًا، لا ينجع فيه ما ينجع في الذي ليس مركبًا، فيقع الخطأ من هناك، وقد يكون متحدًا لكن يريد الله أن لا ينجع، وهنا تخضع رقاب الأطباء. وفي مجموع ما ذكرناه من الأحاديث الإشارة إلى إثبات الأسباب، وأن ذلك لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب، وكذلك تجنب المهلكات، والدعاء بطلب الشفاء ودفع المضار وغير ذلك. وقد سئل الحارث بن أسد المحاسبي في كتاب "القصد" من تأليفه: هل
وع والعطش بالأكل والشرب، وكذلك تجنب المهلكات، والدعاء بطلب الشفاء ودفع المضار وغير ذلك. وقد سئل الحارث بن أسد المحاسبي في كتاب "القصد" من تأليفه: هل
يتداوى المتوكل؟ قال: نعم، قيل له: من أين لك ذلك؟ قال: من وجود ذلك عن سيد المتوكلين، الذي لم يلحقه لاحق، ولا سبقه في التوكل سابق، محمد خير البرية ﷺ. قيل له: ما تقول في خبر النبي ﷺ: "من استرقى واكتوى برئ من التوكل" قال: برئ من توكل المتوكلين الذين ذكرهم في حديث آخر فقال: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب"، وأما من سواهم من المتوكلين فمباح لهم الدواء والاستقراء. فجعل المحاسبي التوكل بعضه أفضل من بعض. وقال في "التمهيد": إنما أراد بقوله: "برئ من التوكل" إذا استرقى الرقى المكروهة في الشريعة، أو اكتوى وهو يعلق رغبته في الشفاء بوجود الكي، وكذلك
قوله: "لا يسترقون" معناه الرقى المخالفة للشريعة، و "لا يكتوون" وقلوبهم معلقة بنفع الكي ومعرضه عن الله تعالى وعن أن الشفاء من عنده. وأما إذا فعل ذلك على ما جاء في الشريعة، وكان ناظرًا إلى رب الدواء، يتوقع الشفاء منه، وقصد بذلك استعمال بدنه إذا صح لله تعالى، وإتعاب نفسه وكدها في خدمة ربه، فتوكله باق على حاله لا ينقص منه الدواء شيئًا، استدلالًا بفعل سيد المتوكلين إذ عمل بذلك في نفسه وفي غيره، انتهى.
وقد تبين أن التداوي لا ينافي التوكل، بل لا يتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى مقتضيات لمسبباتها قدرًا وشرعًا، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة. وحكى ابن القيم: أنه ورد في خبر إسرائيل، أن الخليل ﵊ قال: يا رب ممن الداء؟ قال: مني، قال: ممن الدواء؟ قال: مني قال: فما بال الطبيب؟ قال: رجل أرسل الدواء على يديه. قال: وفي قوله صلى الله علي وسلم: "لكل داء دواء" تقوية لنفس المريض والطبيب، وحث على ذلك الدواء، والتنفيس عليه، فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواء يزيله تعلق قلبه بروح الرجاء، وبرد من حرارة اليأس، وانفتح له باب الرجاء، وقويت نفسه وانبعثت حرارته الغريزية، وكان ذلك سببًا لقوة الأرواح الحيوانية والنفسانية
لق قلبه بروح الرجاء، وبرد من حرارة اليأس، وانفتح له باب الرجاء، وقويت نفسه وانبعثت حرارته الغريزية، وكان ذلك سببًا لقوة الأرواح الحيوانية والنفسانية
والطبيعية، ومتى قويت هذه الأرواح قويت القوى التي هي حاملة لها، فقهرت المرض ودفعته. انتهى. فإن قلت: ما المراد بالإنزال في قوله في الأحاديث السابقة "إلا أنزل الله له دواء" وفي الرواية الأخرى "شفاء" فالجواب: أنه يحتمل أن يكون عبر بالإنزال عن التقدير، ويحتمل أن يكون المراد أنزل علم ذلك على لسان الملك للنبي ﷺ. وأين يقع طب حذاق الأطباء، الذي غايته أن يكون مأخوذًا من قياس أو مقامات وحدس وتجربة، من الوحي الذي يوحيه الله تعالى إلى رسوله ﷺ بما ينفعه ويضربه، فنسبة ما عند حذاق الأطباء من الطب إلى هذا الوحي كنسبة ما عندهم من العلوم إل ما جاء يه النبي ﷺ، بل ههنا من الأدوية التي تشفي الأمراض ما لم يهتد إليها عقول أكابر الأطباء، ولم تصل إليها علومهم وتجربتهم وأقيستهم من الأدوية القلبية والروحانية، وقوة القلب، واعتماده على الله تعالى
والتوكل عليه والانكسار بين يديه، والصدقة والصلاة والدعاء والتوبة والاستغفار، والإحسان إلى الخلق والتفريج عن المكروب. فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها، فوجدوا لها من التأثير في الشفاء ما لم يصل إليه علم أعلم الأطباء، وقد جربت ذلك -والله- مرات، فوجدته يفعل ما لا تفعل الأدوية الحسية. ولا ريب أن طب النبي ﷺ متيقن البرء، لصدوره عن الوحي ومشكاة النبوة، وطب غيره أكثره حدس أو تجربة، وقد يتخلف الشفاء عن بعض من يستعمل طب النبوة، وذلك لمانع قام بالمستعمل، من ضعف اعتقاد الشفاء به وتلقيه بالقبول. وأظهر الأمثلة في ذلك القرآن العظيم، الذي هو شفاء لما في الصدور، ومع ذلك فقد لا يحصل لبعض الناس شفاء صدره به لقصوره في اعتقاده والتلقي بالقبول، بل لا يزيد المنافق إلا رجسًا إلى رجسه، ومرضًا إلى مرضه، فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة، كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا الأرواح الطيبة.
والقلوب الحية. فإعراض عن طب النبوة كإعراضهم عن الاستشفاء بالقرآن الذي هو الشفاء النافع. وكان علاجه ﷺ للمرض على ثلاثة أنواع: أحدها: بالأدوية الإلهية والروحانية. والثاني: بالأدوية الطبيعية. والثالث: بالمركب من الأمرين.
"النوع الأول:" "في طبه ﷺ بالأدوية الإلهية" اعلم أن الله تعالى لم ينزل من السماء شفاء قط أعم ولا أنفع ولا أعظم ولا أنجع في إزالة الداء من القرآن، فهو للداء شفاء، ولصدأ القلوب جلاء، كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] . ولفظه "من" -كما قال الإمام فخر الدين- ليست للتبعيض بل للجنس، والمعنى، وننزل من هذا الجنس الذي هو القرآن شفاء من الأمراض الروحانية وشفاء أيضًا من الأمراض الجسمانية. أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية فظاهر وذلك المرض الروحاني نوعان: الاعتقادات الباطلة والأخلاق المذمومة، وأشدها فسادًا الاعتقادات الفاسدة في
مانية. أما كونه شفاء من الأمراض الروحانية فظاهر وذلك المرض الروحاني نوعان: الاعتقادات الباطلة والأخلاق المذمومة، وأشدها فسادًا الاعتقادات الفاسدة في
الإلهية والنبوات والمعاد والقضاء والقدر، والقرآن مشتمل على دلائل المذهب الحق في هذه المطالب، وإبطال المذاهب الباطلة. ولما كان أقوى الأمراض الروحانية هو الخط في هذه المطالب، والقرآن مشتمل على الدلائل الكاشفة عما في هذه المذاهب الباطلة من العيوب لا جرم كان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض الروحاني. وأما الأخلاق المذمومة فالقرآن مشتمل على تفصيلها وتعريفها وما فيها من المفاسد، والإرشاد إلى الأخلاق الفاضلة والأعمال المحمودة، فكان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض: فثبت أن القرآن شفاء من جميع الأمراض الروحانية. وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية، فلأن التبرك بقراءته ينفع كثيرًا من الأمراض. وإذا اعتبر الجمهور من الفلاسفة وأصحاب الطلسمات بأن لقراءة الرقى
المجهولة والعزائم التي لا يفهم منها شيء آثارًا عظيمة في تحصيل المنافع ودفع المفاسد أفلا تكون قراءة القرآن العظيم المشتمل على ذكر جلال الله وكبريائه، وتعظيم الملائكة المقربين، وتحقير المردة والشياطين سببًا لحصول النفع في الدين والدنيا. ويتأيد ما ذكرنا بما روي أن النبي ﷺ قال: "من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله". ونقل عن الشيخ أبي القاسم القشيري ﵀. أن ولده مرض مرضًا شديدًا حتى أشرف على الموت، واشتد عليه الأمر، قال: فرأيت النبي ﷺ في المنام فشكوت إليه ما بولدي فقال: أين أنت من آيات الشفاء؟ فانتبهت فأفكرت فيها فإذا هي في ستة مواضع من كتاب الله، وهي قوله تعالى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤] .
أين أنت من آيات الشفاء؟ فانتبهت فأفكرت فيها فإذا هي في ستة مواضع من كتاب الله، وهي قوله تعالى: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤] .
﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٥٧] . ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] . ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] . ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] . ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء﴾ [فصلت: ٤٤] . قال: فكتبتها ثم حللتها بالماء وسقيته إياها فكأنما نشط من عقال، أو كما قال. وانظر رقية اللديغ بـ"الفاتحة" وما فيها من السر البديع والبرهان الرفيع.
وتأمل قوله ﵇ في بعض أدعيته: "وأن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، وشفاء صدري" أي فيكون بمنزلة الدواء الذي يستأصل الداء، ويعيد البدن إلى صحته واعتداله. وفي حديث علي عند ابن ماجه مرفوعًا: "خير الدواء القرآن". وههنا أمر ينبغي أن يتفطن له، نبه عليه ابن القيم، وهو أن الآيات والأذكار والأدعية التي يستشفى بها، ويرقى بها، هي في نفسها نافعة شافية، ولكن تستدعي قبول المحل، وقوة همة الفاعل وتأثيره، فمتى تخلف الشفاء كان لضعف تأثير الفاعل، أو لعدم قبول المحل المنفعل، أو لمانع قوي فيه يمنع أن ينجع فيه الدواء كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحسية، فإن عدم تأثيرها لعدم قبول الطبيعة لذلك الدواء، وقد يكون لمانع قوي يمنع من اقتضائه أثره، فإن الطبيعة إذا
أخذت الدواء بقبول تام كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول، وكذلك القلب إذا أخذ الرقى والتعاويذ بقبول تام، وكان الدواء في نفس فعالة، وهمة مؤثرة أثر في إزالة الداء. وكذلك الدعاء، فإنه من أقوى الأسباب في رفع المكروه، وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلف أثره عنه، إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يحبه الله لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، وأما الحصول المانع من الإجابة: من أكل الحرام والظلم، ورين الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والسهو واللهو، وقد روى الحاكم حديث:
واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه. ومن أنفع الأدوية الدعاء، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه ويمنه نزوله ويرفعه أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن، وإذا جمع مع الدعاء حضور القلب، والجمعية بالكلية على المطلوب، وصادف وقتًا من أوقات الإجابة، كثلث الليل الأخير، مع الخضوع والانكسار، والذل والتضرع، واستقبال القبلة، والطهارة ورفع اليدين، والبداءة بالحمد والثناء على الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد، بعد التوبة والاستغفار والصدقة، وألح في المسألة، وأكثر التعلق والدعاء، والتوسل إليه
بأسمائه وصفاته، والتوجه إليه بنبيه ﷺ فإن هذا الدعاء لا يكاد يرد أبدًا، لا سيما إن دعا بالأدعية التي أخبر ﷺ أنها مظنة الإجابة، أو أنها متضمنة للاسم الأعظم. ولا خلاف في مشروعية الفزع إلى الله تعالى والالتجاء إليه في كل ما ينوب الإنسان. وأما الرقى فاعلم أن الرقي بالمعوذات وغيرها من أسماء الله تعالى، هو الطب الروحاني، إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء بإذن الله
تعالى، لكن لما عز هذا النوع، فزع الناس إلى الطب الجسماني. وفي البخاري، من حديث عائشة، أنه ﷺ كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات وهي الفلق والناس والإخلاص فيكون من باب التغليب، أو المراد الفلق والناس. وكذلك كل ما ورد التعويذ في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِين﴾ [المؤمنون: ٩٧] . وأما ما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث ابن مسعود: أن رسول
وله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِين﴾ [المؤمنون: ٩٧] . وأما ما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث ابن مسعود: أن رسول
الله ﷺ كان يكره عشر خصال، فذكر منها الرقي إلا بالمعوذات، ففي سنده عبد الرحمن بن حرملة، قال البخاري: لا يصح حديثه. على تقدير صحته فهو منسوخ بالإذن في الرقية بالفاتحة. وأما حديث أبي سعيد عند النسائي: كان ﷺ يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان فأخذ بهما وترك ما سواهما، وحسنه الترمذي، فلا يدل على المنع من التعوذ بغير هاتين السورتين، بل على الأولوية، ولا سيما مع
ثبوت التعوذ بغيرهما. وإنما اجتزأ بهما لما اشتملنا عليه من جوامع الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلًا. وقد أجمع العلماء على جواز الرقي عند اجتماع ثلاثة شروط:
- أن تكون بكلام الله تعالى، أو بأسمائه وصفاته.
- وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره.
- وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله تعالى.
واختلفوا في كونها شرطًا، والراجح أنه لا بد من اعتبارها. وفي صحيح مسلم من وحديث عوف بن مالك: قال كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله ﷺ، فكيف ترى في ذلك؟ فقال: "عرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقي إذا لم يكن فيه شرك". وله من حديث جابر: نهى رسول الله ﷺ عن الرقي، فجاء آل عمرو بن
حزم بن يزيد الأنصاري، فقالوا: يا رسول الله، إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، قال: "اعرضوها علي"، قال: فعرضوا عليه، فقال: "ما أرى بأسًا، من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه". وقد تمسك قوم بهذا العموم، فأجازوا كل رقية جربت منفعتها، ولو لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف أنه مهما كان من الرقي يؤدي إلى الشرك فإنه يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمنع احتياطًا. والشرط الأخير لا بد منه.
لكن دل حديث عوف أنه مهما كان من الرقي يؤدي إلى الشرك فإنه يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمنع احتياطًا. والشرط الأخير لا بد منه.
وقال قوم: لا يجوز الرقية إلا من العين واللدغة، لحديث عمران بن حصين: لا رقية إلا من عين أو حمة. وأجيب: بأن معنى الحصر فيه أنهما أصل كل ما يحتاج إلى الرقية، فيلتحق بالعين جواز رقية من به خبل أو مس أو نحو ذلك؛ لاشتراكهما في كونهما ينشأان عن أحوال شيطانية من إنس أو جن، يلتحق بالسم كل ما عرض للبدن من قرح ونحوه من المواد السمية. وقد وقع عند أبي داود من حديث أنس مثل حديث عمران وزاد: أو دم، وفي مسلم من حديث أنس أيضًا رخص رسول الله ﷺ في
الرقية من العين والحمة والنملة وفي حديث آخر والأذن، ولأبي داود من حديث الشفاء بنت عبد الله أن النبي ﷺ قال: "ألا تعلمين هذه -يعني حفصة- رقية النملة"؟. والنملة: قروح تخرج في الجنب وغيره من الجسد. وقيل: المراد بالحصر يعني الأفضل، أي لا رقية أنفع، كما قيل: لا سيف أقطع إلا ذو الفقار.
وقال قوم: المنهي عنه من الرقى ما يكون قبل وقوع البلاء، والمأذون فيه ما كان بعد وقوعه، ذكره ابن عبد البر والبيهقي وغيرهما. وروى أبو داود وابن ماجه، وصححه الحاكم عن ابن مسعود: "رفعه إن الرقى والتمائم والتولة شرك". والتمائم: جمع تميمية وهي خرزة أو قلادة تعلق في الرأس، كانوا في الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات. والتولة: بكسر المثناة وفتح الواو واللام مخففًا، شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهو ضرب من السحر. وإنما كان ذلك من الشرك لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند
غير الله، ولا يدخل في ذلك ما كان بأسماء الله وكلامه. فقد ثبت في الأحاديث استعمال ذلك قبل وقوعه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ولا خلاف في مشروعية الفزع واللجا إليه ﷾، في كل ما وقع وما يتوقع. وقال بعضهم: المنهي عنه من الرقى هو الذي يستعمله المعزم وغيره ممن يدعي تسخير الجن له، فيأتي له بأمور مشتبهة مركبة من حق وباطل، يجمع إلى ذكر الله تعالى وأسمائه ما يشوبه من ذكر الشياطين والاستعانة بهم، والتعوذ بمردتهم، ويقال: إن الحية لعداوتها بالطبع لبني آدم تصادق الشياطين لكونهم أعداء بني آدم، فإذا عزم على الحية بأسماء الشياطين أجابت وخرجت من مكانها، وكذلك اللديغ إذا رقي بتلك الأسماء سالت سمومها من بدن الإنسان، فلذلك كره من الرقى ما لم يكن بذكر الله وأسمائه خاصة، وباللسان العربي الذي يعرف معناه ليكون بريئًا من شوب الشرك. وعلى كراهة الرقي بغير كتاب الله علماء الأمة.



