— Bagian 31 · الضروريات. —
Bagian 31
الضروريات. الثالث: أنه يدل على المرة، حكاه الشيخ أبو إسحاق في شرح "اللمع" عن أكثر أصحابنا وأبي حنيفة وغيرهم. وإن علق بشرط أو صفة اقتضى التكرار بحسب
تكرار المعلق به، "نحو ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] ، و ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] انتهى ملخصا من شرح العلامة أبي الحسن الأشموني لنظمه لجمع الجوامع للعلامة ابن السبكي. وقد روى جبير بن نفير مرسلا أن النبي ﷺ قال: "ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين ولكن أوحي إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين". رواه البغوي في شرح السنة وأبو نعيم في الحلية عن أبي مسلم الخولاني.
وقد أمر الله نبيه ﷺ في هذه الآية بأربعة أشياء: التسبيح والتحميد والسجود والعبادة. واختلف العلماء في أنه كيف صار الإقبال على مثل هذه الطاعات سببا لزوال ضيق القلب والحزن. فحكى الإمام فخر الدين الرازي عن بعض المحققين أنه قال: إذا اشتغل الإنسان بمثل هذه الأنواع من العبادات انكشفت له أضواء عالم الربوبية، ومتى حصل ذلك الانكشاف صارت الدنيا بالكلية حقيرة، وإذا صارت حقيرة خف على القلب فقدانها ووجدانها، فلا يستوحش من فقدانها ولا يستريح بوجدانها، وعند ذلك يزول الحزن والغم. وقال أهل السنة: إذا نزل بالعبد بعض المكاره فزع إلى الطاعات، كأنه يقول: تجب عليَّ عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكروهات.
ل الحزن والغم. وقال أهل السنة: إذا نزل بالعبد بعض المكاره فزع إلى الطاعات، كأنه يقول: تجب عليَّ عبادتك سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكروهات.
وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِه﴾ [مريم: ٦٥] . فأمره تعالى ﵇ بالعبادات والمصابرة على مشاق التكاليف في الإنذار والإبلاغ. فإن قلت: لم لم يقل: واصطبر على عبادته، بل قال: ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ ؟ فالجواب: لأن العبادة جعلت بمنزلة القِرْن في قولك للمحارب: اصطبر لقرنك أي: اثبت له فيما يورده عليك من مشاقه. والمعنى: أن العبادة تورد عليك شدائد ومشاق فاثبت لها قاله الفخر الرازي وكذا البيضاوي. وقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] . فأول درجات السير إلى الله تعالى، عبودية الله، وآخرها التوكل عليه، وإذا كان العبد لا
يزال مسافرا إلى ربه لا ينقطع سيره إلي ما دام في قيد الحياة، فهو محتاج إلى زاد العبادة لا يستغنى عنه ألبتة، ولو أتى بأعمال الثقلين جميعا، وكلما كان العبد في الله تعالى أقرب كان جهاده في الله أعظم، قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] ، ولهذا كان ﷺ أعظم الخلق اجتهادا وقياما بوظائف العبادة، ومحافظة عليها إلى أن توفاه الله تعالى. وتأمل أصحابه ﵃ فإنهم كانوا كلما ترقوا من القرب مقاما عظم جهادهم واجتهادهم. ولا تلتفت إلى ما يظنه بعض المنتسبين إلى التصوف حيث قال: القرب
الحقيقي ينقل العبد من الأعمال الظاهرة إلى الأعمال الباطنة ويريح الجسد والجوارح من كد العمل زاعما بذلك سقوط التكليف عنه, وهؤلاء أعظم كفرا وإلحادا، حيث عطلوا العبودية وظنوا أنهم استغنوا عنها بما حصل لهم من الخيالات الباطلة، التي هي من أماني النفس وخدع الشيطان, فلو وصل العبد من القرب إلى أعلى مقام يناله العبد لما سقط عنه من التكليف مثقال حبة ما دام قادرا عليه. وقد اختلف العلماء: هل كان ﵊ قبل بعثته متعبدا بشرع من قبله أم لا؟ فقال جماعة: لم يكن متعبدا بشيء، وهو قول الجمهور، واحتجوا بأنه لو كان كذلك لنقل، ولما أمكن كتمه وستره في العادة، إذ كان من مهم أمره، وأولى ما اهتبل به من سيرته، ولفخر به أهل تلك الشريعة، ولاحتجوا به عليه، ولم
يؤثر شي من ذلك جملة. وذهبت طائفة إلى امتناع ذلك عقلا، قالوا: لأنه يبعد أن يكون متبوعا من عرف تابعا. والتعليل الأول المستند إلى النقل أولى. وذهب آخرون إلى الوقف في أمره ﵊ وترك قطع الحكم عليه بشيء من ذلك، إذ لم يحل الوجهين منها العقل، وهذا مذهب الإمام أبي المعالي إمام الحرمين وكذا الغزالي والآمدي. وقال آخرون: كان عاملا بشرع من قبله. ثم اختلفوا: هل يتعين ذلك الشرع أم لا؟ فوقف بعضهم على التعيين وأحجم، وجسر بعضهم على التعيين وصمم، ثم
اختلفت هذه الفرقة المعينة فيمن كان يتبع فقيل: نوح، وقيل: إبراهيم، وقيل: موسى، وقيل: عيسى. فهذه جملة المذاهب في هذه المسألة. والأظهر فيها ما ذهب إليه القاضي أبو بكر، وأبعدها مذهب المعينين، إذ لو كان شيء من ذلك لنقل -كما قدمناه- لكنه ولم يخف جملة، ولا حجة لهم في أن عيسى آخر الأنبياء فلزمت شريعته من جاء بعده، إذ لم يثبت عموم دعوة عيسى، بل الصحيح أنه لم يكن لنبي دعوة عامة إلا لنبينا ﷺ. انتهى ملخصا من كلام القاضي عياض، وهو كلام حسن بديع، لكن قوله: فهذه جملة المذاهب، فيه نظر، لأنه بقي عليه منها شيء، فقد
ن لنبي دعوة عامة إلا لنبينا ﷺ. انتهى ملخصا من كلام القاضي عياض، وهو كلام حسن بديع، لكن قوله: فهذه جملة المذاهب، فيه نظر، لأنه بقي عليه منها شيء، فقد
قيل: شريعة آدم ﵇ أيضا، وهو محكي عن ابن برهان، وقيل: جميع الشرائع. حكاه صاحب "المحصول" عن المالكية. وأما قول من قال: إنه كان على شريعة إبراهيم، وليس له شرع منفرد به، وأن المقصود من بعثته ﷺ إحياء شرع إبراهيم، وعول في إثبات مذهبه على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] فهذا قول ساقط مردود، لا يصدر مثله إلا عن سخيف العقل كثيف الطبع. وإنما المراد بهذه الآية الاتباع في التوحيد، لأنه لما وصف إبراهيم ﵇ في هذه الآية بأنه ما كان من المشركين، فلما قال: ﴿أَنِ اتَّبِعْ﴾ كان المراد منه ذلك. ومثله قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] وقد سمى الله تعالى فيهم من لم يبعث ولم تكن له شريعة تخصه كيوسف بن يعقوب. على قول من يقول إنه ليس برسول. وقد سمى الله تعالى
جماعة منهم في هذه الآية وشرائعهم مختلفة لا يمكن الجمع بينها، فدل على أن المراد ما اجتمعوا عليه من التوحيد وعبادة الله تعالى. فإن قيل النبي ﷺ إنما نفى الشرك وأثبت التوحيد بناء على الدلائل القطعية، وإذا كان كذلك لم يكن متابعا لأحد، فيمتنع حمل قوله: ﴿أَنِ اتَّبِعْ﴾ على هذا المعنى، فوجب حمله على الشرائع التي صح حصول المتابعة فيها.
لدلائل القطعية، وإذا كان كذلك لم يكن متابعا لأحد، فيمتنع حمل قوله: ﴿أَنِ اتَّبِعْ﴾ على هذا المعنى، فوجب حمله على الشرائع التي صح حصول المتابعة فيها.
أجاب الفخر الرازي: بأنه يحتمل أن يكون المراد الأمر بمتابعته في كيفية الدعوة إلى التوحيد، وهو أن يدعو إليه بطريق الرفق والسهولة وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى بأنواع كثيرة، على ما هو الطريقة المألوفة في القرآن. وقد قال صاحب الكشاف: لفظة "ثم" في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ تدل على تعظيم قدر رسول الله ﷺ وإجلال محله، فإن أشرف ما أوتي خليل الله من الكرامة وأجل ما أوتي من النعمة اتباع رسول الله ﷺ ملته، من قِبَل أن هذه الآية دلت على تباعد النعت في المرتبة على سائر المدائح التي مدحه الله بها. انتهى. ومراده بالمدائح: المذكورة في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] .
وقال ابن العراقي في شرح تقريب الأسانيد: وليت شعري كيف تلك العبادة؟ وأي أنواعها؟ وعلى أي وجه فعلها؟ يحتاج ذلك لنقل ولا أستحضره الآن. انتهى. وقال شيخ الإسلام البلقيني في شرح البخاري: لم يجئ في الأحاديث التي وقفنا عليها كيفية تعبده ﵊، لكن روى ابن إسحاق وغيره أنه ﵇ كان يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة يتنسك فيه، وكان من تنسك قريش في الجاهلية أن يطعم من جاءه من المساكين، حتى إذا انصرف من مجاورته لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة، وحمل بعضهم التعبد على التفكر. قال: وعندي أن هذا التعبد يشتمل على أنواع: وهي الانعزال عن الناس، كما صنع إبراهيم ﵇ باعتزاله قومه والانقطاع إلى الله تعالى، فإن "انتظار
الفرج عبادة" كما رواه علي بن أبي طالب مرفوعا، وينضم إلى ذلك الأفكار، وعن بعضهم: كانت عبادته في حراء التفكر. انتهى. وقد آن أن أشرع فيما قصدته على النحو الذي أردته, وقد اقتصرت من عباداته ﵊ على سبعة أنواع:
النوع الأول: في الطهارة وفيه فصول: الفصل الأول: في ذكر وضوئه ﷺ وسواكه ومقدار ما كان يتوضأ به اعلم أن الوضوء بالضم: الفعل، وبالفتح: الماء الذي يتوضأ به، على المشهور فيهما، وهو مشتق من الوضاءة، وسمي به لأن المصلي يتنظف به فيصير وضيئا. وقد استنبط بعض العلماء -كما جاء في فتح الباري- إيجاب النية في الوضوء من قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] لأن التقدير: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فتوضؤا لأجلها. ومثله قوله: إذا رأيت الأمير فقم، أي، لأجله. وقال ابن القيم: لم يرو أنه ﷺ كان يقول في أول وضوئه نويت رفع الحدث ولا غيرها، لا هو ولا أصحابه ألبتة، ولم يرو عنه لا بسند صحيح ولا ضعيف. انتهى. قلت: أما التلفظ بالنية فلا نعلم أنه روي عنه ﷺ، وأما كونه ﵇ أتي بها فقد قال الإمام فخر الدين الرازي في "المعالم" اعلم أنا إذا أردنا البحث في أمر من الأمور: هل فعله الرسول ﷺ؟ قلنا في إثباته طرق:
الأول: أنا أردنا أن نقول إنه ﵇ توضأ مع النية والترتيب، قلنا، لا شك أن الوضوء مع النية والترتيب أفضل، والعلم الضروري حاصل بأنه أفضل الخلق لم يواظب على ترك الأفضل طول عمره، فثبت أنه أتى بالوضوء المرتب المنوي، ولم يثبت عندنا أنه أتى بالوضوء العاري عن النية والترتيب، والشك لا يعارض اليقين، فثبت أنه أتى بالوضوء المرتب المنوي، فوجب أن يجب علينا مثله. والطريق الثاني: أن نقول: لو أنه ﵇ ترك النية والترتيب وجب علينا تركه للدلائل الدالة على وجوب الاقتداء به، ولما لم يجب علينا تركه ثبت أنه ما تركه، بل فعله. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عمر مرفوعا: "إنما الأعمال بالنية وإنما
لكل امرئ ما نوى". قال البخاري: "فدخل في الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم
لصحيحين وغيرهما من حديث عمر مرفوعا: "إنما الأعمال بالنية وإنما
لكل امرئ ما نوى". قال البخاري: "فدخل في الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم
والأحكام". وأشار بذكر الوضوء إلى خلاف من لا يشترط فيه النية، كما نقل عن الأوزاعي وأبي حنيفة وغيرهما. وحجتهم: أنه ليس عبادة مستقلة، بل وسيلة إلى عبادة كالصلاة. ونوقضوا بالتيمم، فإنه وسيلة، وقد اشترط الحنفية فيه النية. واستدل الجمهور على اشتراط النية في الوضوء بالأدلة الصحيحة المصرحة بوعد الثواب عليه، فلا بد من قصد يميزه عن غيره ليحصل الثواب الموعود به. وقوله: "إنما الأعمال بالنيات". ليس المراد منه نفي ذات العمل لأنه قد يوجد بغير نية، بل المراد نفي أحكامها كالصحة والكمال, لكن الحمل على نفي الصحة أولى لأنه أشبه بنفي الشيء نفسه، ولأن اللفظ دل على نفي الذات
بالصريح وعلى نفي الصفات بالتبع، فلما منع الدليل نفي الذات بقيت دلالته على نفي الصفات مستمرة. وقال ابن دقيق العيد: الذين اشترطوا النية، قدروا صحة الأعمال، والذين لم يشترطوا قدروا كمال الأعمال, ورجح الأول لأن الصحة أكثر لزوما للحقيقة من الكمال، فالحمل عليها أولى.
وفي هذا الكلام إيهام أن بعض العلماء لا يرى اشتراط النية، وليس الخلاف بينهم في ذلك إلا في الوسائل، وأما المقاصد فلا اختلاف بينهم في اشتراط النية لها, ومن ثم خالف الحنفية في اشتراطها للوضوء كما تقدم، وخالف الأوزاعي في اشتراطها في التيمم أيضا, نعم بين العلماء اختلاف في اقتران النية بأول العمل كما هو معروف في مبسوطات النفقة. وأما قوله -أي البخاري- "فدخل في الإيمان" فتوجيه دخول النية في الإيمان على طريقة البخاري: أن الإيمان عمل، وأما الإيمان بمعنى التصديق فلا يحتاج إلى نية كسائر أعمال القلوب، من خشية الله وتعظيمه ومحبته والتقرب إليه، لأنها متميزة لله فلا تحتاج إلى نية تميزها، لأن النية إنما تميز العمل لله تعالى عن العمل لغيره رياء، وتميز مراتب الأعمال كالفرض عن الندب، وتميز العبادة عن العادة كالصوم
ا تحتاج إلى نية تميزها، لأن النية إنما تميز العمل لله تعالى عن العمل لغيره رياء، وتميز مراتب الأعمال كالفرض عن الندب، وتميز العبادة عن العادة كالصوم
عن الحمية. وقوله أيضا: "والأحكام" أي المعاملات التي يدخل فيها الاحتياج إلى المحاكمات فيشمل البيوع والأنكحة والأقارير وغيرها وكل صورة لم تشترط فيها النية فذلك لدليل خاص. وقد ذكر ابن المنير ضابطا -لما يشترط فيه النية مما لا يشترط فيه- فقال: كل عمل لا تظهر له فائدة عاجلة بل المقصود به طلب الثواب فالنية مشترطة فيه، وكل فعل ظهرت فائدته، ناجزة، وتقاضته الطبيعة قبل الشريعة لملاءمة بينهما فلا تشترط النية فيه إلا لمن قصد بفعله معنى آخر يترتب عليه الثواب. قال: وإنما اختلف العلماء في بعض الصور من جهة تحقيق مناط التفرقة. قال: وأما ما كان من المعاني المحضة كالخوف والرجاء فهذا لا يقال باشتراط النية فيه لأنه لا يمكن أن يقع إلا منويا، ومتى فرضت النية مفقودة فيه
استحالت حقيقته، فالنية فيه شرط عقلي. وأما الأقوال، فتحتاج إلى النية في ثلاث مواطن: أحدها: التقرب إلى الله تعالى فرارا من الرياء، والثاني: التمييز عن الألفاظ المحتملة لغير المقصود. والثالث: قصد الإنشاء ليخرج سبق اللسان. انتهى، ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري. وقد اختلف العلماء في الوقت الذي وجب فيه الوضوء. فقال بعضهم: أول ما فرض بالمدينة، وتمسك بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآية. ونقل ابن عبد البر اتفاق أهل السير على أن غسل الجنابة فرض عليه ﷺ وهو بمكة، كما فرضت الصلاة، وأنه لم يصل قط إلا بوضوء، وقال: وهذا مما لا
يجهله عالم بالأخبار. وقال الحاكم في المستدرك: أهل السنة قامت بهم حاجة إلى دليل الرد على من زعم أن الوضوء لم يكن قبل نزول آية المائدة، ثم ساق حديث ابن عباس: دخلت فاطمة على النبي ﷺ وهي تبكي فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك، فقال: "ائتوني بوضوء". فتوضأ. قال الحافظ ابن حجر: وهذا يصلح أن يكون ردا على من أنكر وجود الوضوء قبل الهجرة، لا على من أنكر وجوبه حينئذ. وقد جزم به الجهم المالكي بأنه كان قبل الهجرة مندوبا، وجزم ابن حزم بأنه لم يشرع إلا بالمدينة. ورد عليه بما أخرجه عبد الله بن لهيعة في المغازي التي يرويها عن أبي
الأسود عن عروة أن جبريل ﵇ علم النبي ﷺ الوضوء عند نزوله عليه بالوحي. وهو مرسل، ووصله أحمد من طريق ابن لهيعة أيضا، لكن قال: عن الزهري عن عروة، عن أسامة بن زيد عن أبيه، وأخرجه ابن ماجه من رواية رشدين بن سعد عن عقيل عن الزهري نحوه، لكن لم يذكر زيد بن حارثة في السند، وأخرجه الطبراني في الأوسط من طريق الليث عن عقيل موصولا, ولو ثبت لكان على شرط الصحيح، لكن المعروف رواية ابن لهيعة. وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة. قيل له: كيف كنتم
ن طريق الليث عن عقيل موصولا, ولو ثبت لكان على شرط الصحيح، لكن المعروف رواية ابن لهيعة. وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة. قيل له: كيف كنتم
تصنعون؟ قال: يجزي أحدنا الوضوء ما لم يحدث. رواه البخاري وأبو داود والترمذي. وعن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة. رواه الدارمي. وروى مسلم عن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد. فقال له عمر: فعلت شيئا لم تفعله، فقال: "عمدا فعلته يا عمر". يعني لبيان الجواز.
وفي رواية أحمد وأبي داود، من حديث عبد الله بن أبي عامر الغسيل، أنه ﷺ أمر بالوضوء، لكل صلاة طاهرا أو غير طاهر، فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة ووضع عند الوضوء إلا من حدث. واختلف العلماء في موجب الوضوء: فقيل: يجب بالحدث وجوبا موسعا وقيل: به وبالقيام إلى الصلاة معا: ورجحه جماعة من الشافعية وقيل إلى الصلاة حسب، ويدل له ما رواه أصحاب السنن عن ابن عباس مرفوعا: "إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة".
وقد تمسك بحديث عبد الله بن أبي عامر هذا من قال بوجوب السواك عليه ﷺ، لكن في إسناده محمد بن إسحاق، وقد رواه بالعنعنة وهو مدلس، والخصائص لا تثبت إلا بدليل صحيح. وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في السنن عن عائشة مرفوعا: "ثلاث هي علي فرائض وهن لكم سنة: الوتر والسواك وقيام الليل". وقد روى أحمد في مسنده بإسناد حسن من حديث واثلة بن الأسقع أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب علي". وقد حكى بعضهم الإجماع على أنه ليس بواجب علينا. لكن حكي عن بعض الشافعية أنه أوجبه للصلاة ونوزع فيه.
الله ﷺ قال: "أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب علي". وقد حكى بعضهم الإجماع على أنه ليس بواجب علينا. لكن حكي عن بعض الشافعية أنه أوجبه للصلاة ونوزع فيه.
واتفقوا على أنه يستحب مطلقا، ويتأكد في أحوال: منها: عند الوضوء وإرادة الصلاة. ومنها: عند القيام من النوم، لما ثبت في الصحيحين من حديث حذيفة أنه ﷺ كان إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك، لكن قد يقال: المراد، قام من الليل للصلاة، فيكون المراد السواك للصلاة وعند الوضوء. ومنها: عند قراءة القرآن، كما جزم به الرافعي. ومنها: عند تغير الفم، سواء فيه تغير الرائحة أو تغير اللون، كصفرة الأسنان، كما ذكره الرافعي. ومنها: عند دخول المنزل، كما جزم به النووي في زوائد الروضة، لما روى
مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، من حديث عائشة أنه ﷺ كان إذا دخل بيته يبدأ بالسواك. ومنها: عند إرادة النوم، كما ذكره الشيخ أبو حامد في "الرونق" وروى فيه ما رواه ابن عدي في الكامل من حديث جابر: أن النبي ﷺ كان يستاك إذا أخذ مضجعه. وفيه: حرام بن عثمان، متروك. ومنها: عند الانصراف من صلاة الليل، لما رواه ابن ماجه من حديث ابن عباس بإسناد صحيح قال: كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل ركعتين ركعتين، ثم ينصرف فيستاك.
ويجزئ بكل خشن، ولو بأصبع غيره الخشنة، وقد جزم النووي في شرح المذهب ودقائق المنهاج أنه يجزئ بها قطعا. قال في شرح تقريب الأسانيد: وما أدري ما وجه التفرقة بين أصبعه وأصبع غيره وكونه جزءا منه لا يظهر منه ما يقتضي منعه، بل كونها أصبعه أبلغ في الإزالة، لأنه لا يتمكن بها أكثر من تمكن غيره أن يسوكه بأصبعه لا جرم. قال النووي في شرح المذهب: المختار إجزاؤه مطلقا. قال: وبه قطع القاضي حسين والمحاملي في اللباب والبغوي واختاره في البحر. انتهى. وقد أطبق الشافعي على استحباب "الأراك". روى الطبراني من حديث أبي خيرة الصنابحي -وله صحبة- حديثا قال فيه: ثم أمر لنا رسول الله ﷺ بأراك فقال: "استاكوا بهذا".
وفي مستدرك الحاكم من حديث عائشة في دخول أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر في مرضه ﷺ ومعه سواك من أراك، فأخذته عائشة فطيبته ثم أعطته رسول الله ﷺ فاستن به أسنانه. والحديث في الصحيحين وليس فيه ذكر الأراك. وفي بعض طرقه عند البخاري: ومعه سواك من جريد النخل. وقد روى أبو نعيم في كتاب السواك، من حديث عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يستاك عرضا، وروى البيهقي أيضا من حديث ربيعة بن أكثم قال: كان رسول الله ﷺ يستاك عرضا. الحديث.
قال أصحابنا: والمرد بقوله: "عرضا" عرض الأسنان في طول الفم. وهل الأولى أن يباشر المستاك بيمينه أو شماله؟ قال بعضهم بيمينه، لحديث: كان يعجبه التيمن في ترجله وتنعله وطهوره وسواكه. وبناه بعضهم على أنه هل هو من باب التطهير والتطييب، أو من باب إزالة القاذورات. فإن قلنا بالأول استحب أن يكون باليمين، وإن قلنا بالثاني فبشماله لحديث عائشة: كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، واليسرى لخلائه وما كان من أذى. رواه أبو داود بإسناد صحيح. قال في شرح تقريب الأسانيد: وما استدل به على أنه يستحب باليمين ليس فيه دلالة، فإن المراد منه بالشق الأيمن في الترجل، والبداءة بلبس النعل، والبداءة بالأعضاء اليمنى في التطهير، والبداءة بالجانب الأيمن في الاستياك، وأما كونه يفعل
فإن المراد منه بالشق الأيمن في الترجل، والبداءة بلبس النعل، والبداءة بالأعضاء اليمنى في التطهير، والبداءة بالجانب الأيمن في الاستياك، وأما كونه يفعل
ذلك بيمينه فيحتاج إلى نقل، والظاهر أنه من باب إزالة الأذى كالامتخاط ونحوه فيكون باليسرى. وقد صرح بذلك أبو العباس القرطبي فقال في "المفهم" حكاية عن مالك: أنه لا يتسوك في المساجد لأنه من باب إزالة القذر والله أعلم. وأما مقدار ما كان ﵊ يتوضأ ويغتسل به من الماء: فعن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد، وفي رواية: كان يغتسل بخمس مكاكيك ويتوضأ بمكوك.
رواه البخاري ومسلم وأبو داود وعنده: يتوضأ بإناء يسع رطلين ويغتسل بالصاع. ورواه الترمذي وعنده أيضا: أنه ﷺ قال: يجزئ في الوضوء رطلان من ماء. وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد رواه أبو داود. وعن ابن عباس ﵄، أنه ﷺ وميمونة كانا يغتسلان من إناء واحد. والصاع: خمسة أرطال وثلث، برطل بغداد، وهو على ما قاله النووي مائة
وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم. وحذر ﷺ أمته من الإسراف فيه. ومر بسعد وهو يتوضأ، فقال: "ما هذا الإسراف يا سعد"؟. قال: أفي الوضوء سرف؟ قال: "نعم، وإن كانت على نهر جار". رواه أحمد بإسناد لين، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي. وقال ﷺ: "إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان، فاتقوا وسواس الماء". رواه الترمذي من حديث أبي بن كعب.
الفصل الثاني: في وضوئه ﷺ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا عن ابن عباس قال: توضأ رسول الله ﷺ مرة مرة. رواه البخاري وأبو داود وغيرهما. وهو بيان لمجمل قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] إذ الأمر يفيد طلب إيجاد الحقيقة ولا يتعين بعدد، فبين الشارع أن المرة الواحدة للإيجاب، وما زاد على ذلك للاستحباب.
الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] إذ الأمر يفيد طلب إيجاد الحقيقة ولا يتعين بعدد، فبين الشارع أن المرة الواحدة للإيجاب، وما زاد على ذلك للاستحباب.
وأما حديث أبي بن كعب أنه ﷺ دعا بماء فتوضأ مرة مرة وقال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به". ففيه بيان بالقول والفعل معا، لكنه حديث ضعيف أخرجه ابن ماجه، وله طرق أخرى كلها ضعيفة، كما قاله في فتح الباري. وعن عبد الله بن زيد أن رسول الله ﷺ توضأ مرتين مرتين وقال: "هو نور على نور". ذكره رزين. وعن عثمان ﵁ أن رسول الله ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا. رواه أحمد ومسلم عنه. أن رسول الله ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا وقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من
قبلي ووضوء إبراهيم". ذكره رزين، وضعفه النووي في شرح مسلم كما حكاه في مشكاة المصابيح. ولم يأت في شيء من الأحاديث المرفوعة في صفة وضوئه ﷺ أنه زاد على الثلاث، بل ورد عنه ذم من زاد عليها فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا، ثم قال: "من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم" رواه أبو داود وإسناده جيد، لكن عده مسلم في جملة ما أنكروه على عمرو بن شعيب، لأن ظاهره ذم النقص عن الثلاثة. وأجيب: بأمر نسبي، والإساءة تتعلق بالنقص والظلم بالزيادة عن الثلاث وقيل: فيه حذف تقديره: من نقص من واحدة، ويؤيده ما رواه أبو نعيم بن حمد من طريق المطلب بن حنطب مرفوعا: "الوضوء مرة ومرتين وثلاثا، فإن نقص من
واحدة أو زاد على ثلاثة فقد أخطأ"، وهو مرسل رجاله ثقات. وأجيب عن الحديث أيضا: بأن الرواة لم يتفقوا على ذكر النقص فيه، بل أكثرهم يقتصر على قوله: فمن زاد. فقط، كذا رواه ابن خزيمة في صحيحه وغيره. قال الشافعي: لا أحب أن يزيد المتوضئ على ثلاث، فإن زاد لم أكرهه، أي لم أحرمه، لأن قوله: لا أحب، يقتضي الكراهة وهذا هو الأصح عند الشافعية أنه يكره كراهة تنزيه. وحكى الدارمي من الشافعية عن قوم أن الزيادة على الثلاث تبطل الوضوء، كالزيادة في الصلاة، وهو قياس فاسد. وقال أحمد وإسحاق وغيرهما: لا تجوز الزيادة على الثلاث. وقال ابن المبارك: لا آمن أن يأثم.
ويلزم من القول بتحريم الزيادة على الثلاث أو كراهتها أنه لا يندب تجديد الوضوء على الإطلاق.
الفصل الثالث: في صفة وضوئه ﷺ عن عثمان بن عفان ﵁ أنه دعا بإناء فأفرغ على يديه ثلاث مرات فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثا ويديه ثلاثا إلى المرفقين، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرات إلى الكعبين، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث
فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه". رواه البخاري.
وقد استدل بعضهم بقوله: "ثم أدخل يمينه" على عدم اشتراط نية الاعتراف, ولا دلالة فيه نفيا ولا إثباتا، وأما اشتراط نية الاغتراف فليس في هذا الحديث ما يثبتها ولا ما ينفيها. قال الغزالي: مجرد الاغتراف لا يصير الماء مستعملا، لأن الاستعمال إنما يقع في المغترف منه. وبهذا قطع البغوي. وقد ذكروا في حكمة تأخير غسل الوجه، أنه لاعتبار أوصاف الماء، لأن اللون يدرك بالبصر، والطعم بالفم، والريح بالأنف. فقدمت المضمضة والاستنشاق قبل الوجه، وهو مفروض احتياطا للعبادة. وقال النووي في قوله: "نحو وضوئي", هذا إنما لم يقل: مثل؛ لأن حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره. لكن تعقبه في "فتح الباري" بأنه ثبت التعبير بها في رواية البخاري في الرقاق من طريق معاذ بن عبد الرحمن عن حمران عن عثمان ولفظه: "من توضأ مثل
يها غيره. لكن تعقبه في "فتح الباري" بأنه ثبت التعبير بها في رواية البخاري في الرقاق من طريق معاذ بن عبد الرحمن عن حمران عن عثمان ولفظه: "من توضأ مثل
هذا الوضوء". وفي الصيام من رواية معمر: "من توضأ وضوئي هذا". ولمسلم من طريق زيد بن أسلم عن حمران: "من توضأ مثل وضوئي هذا". قال: وعلى هذا فالتعبير بنحو من تصرف الرواة، لأنها تطلق على المثلية مجازا، ولأن "مثل" وإن كانت تقتضي المساواة ظاهر، لكنها تطلق على الغالب، فبهذا تلتئم الروايتان، ويكون المتروك بحيث لا يخل بالمقصود. انتهى.
وعن عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري، أنه قيل له: توضأ لنا وضوء رسول الله ﷺ فدعا بإناء، فدعا بماء فأكفأ على يديه فغسلهما ثلاثا، ثم أدخل يده
فاستخرجها فمضمض واستنشق من كف واحد ففعل ذلك ثلاثا, ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثا، ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل يديه إلى المرفقين
مرتين مرتين، ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر، ثم غسل رجليه إلى الكعبين، ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ. وفي رواية: فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما، إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه. رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو داود والترمذي والنسائي.
وفي رواية لأبي داود: ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما وفي أخرى له وأدخل أصابعه في صماخي أذنيه. وفي رواية أبي داود والترمذي والنسائي عن عبد خير، أبي عمارة بن زيد بن خولي -بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وتشديد الياء- الهمداني، وهو من كبار أصحاب علي بن أبي طالب، قال: أتانا علي وقد صلى، فدعا بطهور، فقلنا ما يصنع بالطهور، وقد صلى، ما يريد إلا ليعلمنا، فأتي بإناء فيه ماء وطست، فأفرغ من الإناء على يمينه فغسل يديه ثلاثا، ثم تمضمض واستنثر ثلاثا، فمضمض ونثر من
صنع بالطهور، وقد صلى، ما يريد إلا ليعلمنا، فأتي بإناء فيه ماء وطست، فأفرغ من الإناء على يمينه فغسل يديه ثلاثا، ثم تمضمض واستنثر ثلاثا، فمضمض ونثر من
الكف الذي يأخذ فيه، ثم غسل وجهه ثلاثا، وغسل يده اليمنى ثلاثا، وغسل يده اليسرى ثلاثا، ثم جعل يده في الإناء فمسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثا ورجله اليسرى ثلاثا، ثم قال: من سره أن يعلم وضوء رسول الله ﷺ فهو هذا. قال ابن القيم: والصحيح أنه ﷺ لم يكرر مسح رأسه. وقال النووي: الأحاديث الصحيحة فيها المسح مرة واحدة، وفي بعضها الاقتصار على قوله: مسح. واحتج الشافعي بحديث عثمان ﵁ في صحيح مسلم أنه ﷺ توضأ ثلاثا ثلاث، وبالقياس على باقي الأعضاء، انتهى. وأجيب: بأنه مجمل مبين في الروايات الصحيحة أن المسح لم يتكرر، فيحمل على الغالب ويخص بالمغسول، وبأن المسح مبني على التخفيف فلا
يقاس على الغسل الذي المراد منه المبالغة في الإسباغ، وبأن العدد لو اعتبر في المسح لصار في صورة الغسل، إذ حقيقة الغسل جريان الماء. واحتج الشافعية أيضا لما رواه أبو داود في سننه من حديث عثمان من وجهين، صحح أحدهما ابن خزيمة: أنه ﷺ مسح رأسه ثلاثا والزيادة من الثقة مقبولة، وفي رواية أبي داود أيضا والترمذي من حديث الربيع بنت معوذ: فغسل كفيه ثلاثا ثلاثا، ووضأ وجهه ثلاثا، وتمضمض واستنشق مرة واحدة، ووضأ يديه ثلاثا، ومسح برأسه مرتين بدأ بمؤخر رأسه ثم بمقدمه وبأذنيه كلتيهما ظهورهما
وبطونهما، ووضأ رجليه ثلاثا ثلاثا. وقد أجاب العلماء عن أحاديث المسح مرة واحدة بأن ذلك لبيان الجواز، ويؤيده رواية مرتين هذه. وقال ابن السمعاني -كما حكاه في فتح الباري-: اختلاف الرواية يحمل على التعدد، فيكون مسح تارة مرة، وتارة ثلاثا، فليس في رواية مسح مرة حجة على منع التعدد، ويحتج للتعدد بالقياس على المغسول، لأن الوضوء طهارة حكمية، ولا فرق في الطهارة الحكمية بين الغسل والمسح. قال: ومن أقوى الأدلة على عدم التعدد، الحديث المشهور الذي صححه ابن خزيمة وغيره من طريق عبد الله بن عمرو بن العاصي في صفة الوضوء بعد أن
فرغ: "من زاد على هذا فقد أساء وظلم" فإن في رواية سعيد بن منصور التصريح بأنه مسح رأسه مرة واحدة، فدل على أن الزيادة في مسح الرأس على المرة غير مستحبة، ويحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح -إن صحت- على إرادة الاستيعاب بالمسح، لا أنها مسحات مستقلة متعددة لجميع الرأس، جمعا بين الأدلة. انتهى. وفي حديث عبد الله بن زيد المتقدم عند البخاري الذي ذكرته قبل: ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر. وفي رواية: بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه. وزاد ابن الطباع بعد قوله: "ثم مسح رأسه" كله، كما هو رواية ابن خزيمة.
وفي رواية غيره كما قدمته: "برأسه"، بزيادة الباء، الموافقة لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] . قال البيضاوي: "الباء" أي في الآية مزيدة، وقيل: للتبعيض، فإنه الفارق بين قولك، مسحت المنديل، وبالمنديل، ووجهه أن يقال: إنها تدل على تضمين الفعل معنى الإلصاق، فكأنه يقول: وألصقوا المسح برءوسكم، وذلك لا يقتضى الاستيعاب، بخلاف ما لو قيل: وامسحوا رءوسكم فإنه كقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ، انتهى.
الإلصاق، فكأنه يقول: وألصقوا المسح برءوسكم، وذلك لا يقتضى الاستيعاب، بخلاف ما لو قيل: وامسحوا رءوسكم فإنه كقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ ، انتهى.
وقال الشافعي ﵁: احتمل قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ جميع الرأس أو بعضه، فدلت السنة على أن بعضه يجزئ والفرق بينه وبين قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ في التيمم، أن المسح فيه بدل عن الغسل، ومسح الرأس أصل فافترقا. ولا يرد كون مسح الخف بدلا عن غسل الرجين، لأن الرخصة فيه ثبتت بالإجماع. وقد روي من حديث عطاء أن النبي ﷺ توضأ، فحسر العمامة عن رأسه ومسح مقدم رأسه، وهو مرسل، لكنه اعتضد بمجيئه من وجه آخر موصولا أخرجه أبو داود من حديث أنس، وفي إسناده أبو معقل، لا يعرف حاله، لكن اعتضد كل
من المرسل والموصول بالآخر وحصلت القوة من الصورة المجموعة وهذا مثال لما ذكره الشافعي من أن المرسل يعتضد بمرسل آخر أو مسند. وفي الباب أيضا عن عثمان في صفة الوضوء قال: ومسح مقدم رأسه، أخرجه سعيد بن منصور، وفيه خالد بن يزيد بن أبي مالك مختلف فيه. وصح عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرأس، قاله ابن المنذر وغيره، ولم يصح عن أحد من الصحابة إنكار ذلك. قاله ابن حزم. قال الحافظ ابن حجر: وهذا كله مما يقوى به المرسل المتقدم ذكره. انتهى. واختلف في القدر الواجب في مسح الرأس، فذهب الشافعي في جماعة إلى أن الواجب ما ينطلق عليه اسم ولو شعرة واحدة أخذا باليقين.
وذهب مالك وأحمد وجماعة إلى وجوب الاستيعاب أخذا بالاحتياط. وقال أبو حنيفة في رواية: الواجب ربعه، لأنه ﵇ مسح على ناصيته وهو قريب من الربع. والله أعلم. وعن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق. رواه أبو داود. وعنه أيضا: أن رسول الله ﷺ توضأ فمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا من كف واحد. رواه ابن ماجه.
يته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق. رواه أبو داود. وعنه أيضا: أن رسول الله ﷺ توضأ فمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا من كف واحد. رواه ابن ماجه.
وفي حديث مسلم أن عثمان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاث مرات. وفي حديث عبد الله بن زيد عند البخاري: أنه أفرغ من الإناء على يديه فغسلهما ثم غسل ومضمض واستنشق من كفة واحدة ثم قال: هكذا وضوء
رسول الله ﷺ. قال النووي: فيه أن السنة في المضمضة، والاستنشاق، أن يأخذ الماء لهما بيمينه، ثم قال: وفي الأفضل في كيفية المضمضة والاستنشاق خمسة أوجه: الأصح: يتمضمض ويستنشق بثلاث غرفات، يتمضمض من كل واحدة ثم يستنشق. والثاني: يجمع بينهما بغرفة واحدة، يتمضمض منها ثلاثا ثم يستنشق منها ثلاثا. والثالث: يجمع أيضا بغرفة، ولكن يتمضمض منها ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها ثم يستنشق. والرابع: يفصل بينهما بغرفتين، فيتمضمض من أحدهما ثلاثا، ثم يستنشق من الأخرى ثلاثا. والخامس: يفصل بست غرفات، يتمضمض بثلاث غرفات، ثم يستنشق بثلاث غرفات.
قال: والصحيح الأول، وبه جاءت الأحاديث الصحيحة. وقد ذهب الإمام أحمد وأبو ثور إلى وجوب الاستنشاق، وهو أن يبلغ الماء إلى خياشيمه، مستدلين بقوله ﷺ في حديث أبي هريرة: "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر". لظاهر الأمر. وحمله الجمهور ومالك والشافعي وأهل الكوفة على الندب، لقوله ﵇ للأعرابي: توضأ كما أمرك الله، وليس في الآية ذكر الاستنشاق، والله أعلم.
وعند أبي داود: كان ﵊ يمسح الماقين. وعن عثمان أنه ﷺ كان يخلل لحيته، رواه الترمذي وابن ماجه. وعنده من حديث ابن عمر: كان ﵊ إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك ثم شبك لحيته بأصابعه من تحتها. وعن أنس كان ﷺ إذا توضأ أخذ كفا من ماء فيدخله تحت حنكه ويخلل به لحيته ويقول: بهذا أمرني ربي ﷿. رواه أبو داود.
وعن أبي رافع: كان ﷺ إذا توضأ حرك خاتمه. رواه ابن ماجه والدارقطني وضعفه. وعن المستورد بن شداد: كان ﷺ إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره، رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه. وعن عائشة: كانت يد رسول الله ﷺ اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت اليسرى لخلائه وما كان من أذى. وعن المغيرة بن شعبة أنه كان مع رسول الله ﷺ في سفر، وأنه ﵊ ذهب لحاجة له وأن مغيرة جعل يصب الماء عليه وهو يتوضأ. رواه
البخاري ومسلم. وعن صفوان بن عسال قال: صببت على النبي ﷺ الماء في السفر والحضر في الوضوء. رواه ابن ماجه. وفي ذلك جواز استعانة الرجل بغيره في صب الماء في الوضوء من غير كراهة، وكذا إحضار الماء من باب أولى، ولا دليل في هذين الحديثين لجواز الإعانة بالمباشرة. وقد روى الحاكم في المستدرك، من حديث الربيع بنت معوذ أنها قالت: أتيت رسول الله ﷺ بوضوء فقال: "اسكبي". فسكبت عليه.
وهذا أصرح في عدم الكراهة من الحديثين المذكورين لكونه في الحضر، ولكونه بصيغة الطلب، والله أعلم. وفي الترمذي، من حديث معاذ بن جبل: كان ﷺ إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه. وعن عائشة: كانت له ﵇ خرقة يتنشف بها بعد الوضوء. قال الترمذي: هذا الحديث ليس بالقائم، وأبو معاذ الرازي ضعيف عند أهل الحديث.
توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه. وعن عائشة: كانت له ﵇ خرقة يتنشف بها بعد الوضوء. قال الترمذي: هذا الحديث ليس بالقائم، وأبو معاذ الرازي ضعيف عند أهل الحديث.
وقد احتجم ﷺ فصلى ولم يتوضأ، ولم يزد على غسل محاجمه، رواه الدارقطني. وأكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ. رواه البخاري ومسلم. وللنسائي: قال كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما غيرت النار. وشرب ﷺ لبنا ولم يتمضمض ولم يتوضأ فصلى. رواه أبو داود. وأتي ﷺ بسويق فأمر به فثري فأكل منه، ثم قام إلى المغرب فتمضمض.
رواه البخاري ومالك والنسائي. وكان ﷺ إذا قام من النوم ربما توضأ. وربما لم يتوضأ لأن عينه تنام ولا ينام قلبه كما في البخاري وغيره. وفيه دليل على أن النوم ليس حدثا بل مظنة الحدث، فلو أحدث لعلم بذلك فتكون الخصوصية شعوره بالوقوع بخلاف غيره. قال الخطابي: إنما منع قلبه ليعي الوحي الذي يأتيه في منامه.
الفصل الرابع: في مسحه ﷺ على الخفين اعلم أنه قد صرح جمع من العلماء الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين، منهم العشرة، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أنه قد روي عن أحد من فقهاء السلف إنكاره إلا عن مالك، مع أن الروايات الصحيحة عنه مصرحة بإثباته، وقد أشار الشافعي في الأم إلى إنكار ذلك على المالكية، والمعروف المستقر عندهم الآن قولان: الجواز مطلقا. وثانيهما: للمسافر دون المقيم، وهذا الثاني مقتضى ما في "المدونة"، وبه جزم ابن الحاجب. وقال ابن المنذر: اختلف العلماء أيهما أفضل، المسح أو الغسل والذي أختاره: أن المسح أفضل لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج
والروافض. وقال النووي: مذهب أصحابنا أن الغسل أفضل من المسح لكن بشرط أن لا يترك المسح. وقد تمسك من اكتفى بالمسح بقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ عطفا على قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فذهب إلى ظاهرها جماعة من الصحابة والتابعين، وحكي عن ابن عباس في رواية ضعيفة، والثابت عنه خلافه. وعن عكرمة والشعبي وقتادة: الواجب الغسل أو المسح. وعن بعض أهل الظاهر: يجب الجمع بينهما.
التابعين، وحكي عن ابن عباس في رواية ضعيفة، والثابت عنه خلافه. وعن عكرمة والشعبي وقتادة: الواجب الغسل أو المسح. وعن بعض أهل الظاهر: يجب الجمع بينهما.
وحجة الجمهور: الأحاديث الصحيحة من فعله ﷺ كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فإنه بيان للمراد، وأجابوا عن الآية بأجوبة: منها: أنه قرئ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب عطفا على ﴿أَيْدِيَكُمْ﴾ . وقيل: إنه معطوف على محل ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ ، كقوله تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠] . وقيل: المسح في الآية محمول على مشروعية المسح على الخفين، فحملوا قراءة "الجر" على مسح الخفين، وقراءة "النصب" على غسل الرجلين.
وجعل البيضاوي "الجر" على الجواز، قال: ونظيره كثير في القرآن كقوله تعالى: ﴿عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٦] ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] بالجر في قراة حمزة والكسائي. وقولهم: "جحر ضب خرب" وللنحاة باب في ذلك. وفائدته التنبيه على أنه ينبغي أن يقتصد في صب الماء عليهما ويغسلا
غسلا يقرب من المسح. انتهى. وعن المغيرة بن شعبة أنه غزا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك، قال فتبرز ﷺ قبل الغائط فحملت معه إداوة -قبل الفجر- فلما رجع أخذت أهريق الماء على يديه من الإداوة، فغسل يديه ووجهه، وعليه جبة من صوف، ذهب يحسر عن
ذراعيه فضاق كم الجبة، فأخرج يده من تحت الجبة، وألقى الجبة على منكبيه وغسل ذراعيه، ثم مسح بناصيته وعلى العمامة، ثم أهويت لأنزع خفيه فقال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين". فمسح عليهما، ثم ركب وركبت. الحديث رواه مسلم.
وعند الترمذي من حديث المغيرة أيضا أنه ﷺ مسح على الخفين على ظاهرهما. وعند أبي داود من حديثه أيضا: ومسح على الجوربين والنعلين. وعنه قال: مسح ﷺ على الخفين، فقلت يا رسول الله: نسيت، فقال: "بل أنت نسيت، بهذا أمرني ربي ﷿". رواه أبو داود وأحمد. وعن عمرو بن أمية الضمري قال: رأيته ﵇ يمسح على عمامته وخفيه. رواه البخاري وأحمد.
وقال علي بن أبي طالب: جعل ﷺ المسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم. رواه مسلم.
الفصل الخامس: في تيممه ﷺ واعلم أن التيمم ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وهو من خصائص هذه الأمة. وأجمعوا على أن التيمم لا يكون إلا في الوجه واليدين، سواء كان عن حدث أصغر أو أكبر، وسواء تيمم عن الأعضاء كلها أو بعضها. واختلفوا في كيفية: فمذهبنا ومذهب الأكثرين، أنه لا بد من ضربتين: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين. وعن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها
بة لليدين إلى المرفقين. وعن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها
طهورا إذا لم نجد الماء". رواه مسلم. وفي رواية أبي أمامة عند البخاري: "وجعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجدا وطهورا". وهذا عام، وحديث حذيفة خاص، فينبغي أن يحمل العام عليه، فيختص الطهور بالتراب. ومنع بعضهم الاستدلال بلفظ "التربة" على خصوصية التيمم بالتراب، بأن قال: تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره. وأجيب: بأنه ورد في الحديث بلفظ التراب، أخرجه ابن خزيمة وغيره, وفي حديث علي: "وجعل لي التراب طهورا".
أخرجه أحمد والبيهقي بإسناد حسن. وعن عمارة: قال جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار لعمر: أما تذكر أنا كنا في سفر، أنا وأنت، فأما أنت فلم
تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "إنما كان يكفيك هكذا". وضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه إلى كوعيه. رواه البخاري ومسلم. واستدل بالنفخ على استحباب تخفيف التراب، وسقوط استحباب تكرار
التيمم لأن التكرار يستلزم عدم التخفيف. وعن أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة قال: مررت على النبي ﷺ وهو يبول، فسلمت عليه فلم يرد عليّ، حتى قام إلى جدار فحته بعصا كانت معه، ثم وضع يديه على الجدار فمسح وجهه وذراعيه، ثم رد عليّ، رواه البغوي في شرح
السنة وقال: حديث حسن. وهذا محمول على أن الجدار كان مباحا، أو كان مملوكا لإنسان يعلم رضاه.
الجدار فمسح وجهه وذراعيه، ثم رد عليّ، رواه البغوي في شرح
السنة وقال: حديث حسن. وهذا محمول على أن الجدار كان مباحا، أو كان مملوكا لإنسان يعلم رضاه.
الفصل السادس: في غسله ﷺ والغُسل -بضم الغين- اسم للاغتسال. وقيل: إذا أريد به الماء فهو مضموم، وأما المصدر فيجوز فيه الضم والفتح، حكاه ابن سيدة وغيره. وقيل: المصدر بالفتح، والاغتسال بالضم. وقيل: الغَسل بالفتح: فعل المغتسل، وبالضم: الماء الذي يغتسل به، وبالكسر: ما يجعل مع الماء كالإشنان. وحقيقة الغسل: جريان الماء على الأعضاء. وحقيقة الاغتسال: غسل جميع الأعضاء مع تمييز ما للعبادة عما للعادة بالنية. ووجوب الغسل على الجنب مستفاد من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ، [النساء: ٤٣] . ففي الآية الأولى إجمال، وهو قوله تعالى: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ بينه قوله في الآية
الثانية ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ . ويؤيده قوله تعالى في الحائض: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] المفسر بـ"اغتسلن" اتفاقا. وقد كان رسول الله ﷺ يطوف على نسائه بغسل واحد. رواه مسلم من حديث أنس. وعن أبي رافع: طاف النبي ﷺ ذات يوم على نسائه يغتسل عند هذه، وعند هذه، قال: قلت يا رسول الله! ألا تجعله غسلا واحدًا آخرا؟ قال: "هكذا
أزكى وأطيب وأطهر". رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وقد أجمع العلماء على أنه لا يجب الغسل بين الجماعين وأما الوضوء فاستحبه الجمهور، وقال أبو يوسف: إنه لا يستحب، وأوجبه ابن حبيب من المالكية، وأهل الظاهر، لحديث: "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءا". رواه مسلم وحمله بعضهم على الوضوء اللغوي، فقال: المراد به غسل الفرج. وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذ اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم يتوضأ
كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول الشعر، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله. رواه البخاري. ويحتمل أن يكون غسلهما للتنظيف مما بهما، ويحتمل أن يكون هو الغسل المشروع عند القيام من النوم. ويدل عليه زيادة ابن عيينة في هذا الحديث عن هشام "قبل أن يدخلهما في الإناء" رواه الشافعي والترمذي وزاد أيضا: "ثم يغسل فرجه" وكذا لمسلم وأبي داود. وهي زيادة جليلة، لأن تقديم غسله يحصل به الأمن من مسه في أثناء
الغسل. ويحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء قبل الغسل سنة مستقلة، بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد، ويحتمل أن يكتفي بغسلها في الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول عضو. وإنما قدم أعضاء الوضوء تشريفا لها، ولتحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى. ونقل ابن بطال: الإجماع على أن الوضوء لا يجب مع الغسل. وهو مردود، فقد ذهب جماعة, منهم: أبو ثور وداود وغيرهما إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للمحدث. وقوله: "فيخلل بها أصول الشعر" أي شعر رأسه ويدل عليه رواية حماد بن سلمة عن هشام -عند البيهقي- يخلل بها شق رأسه الأيمن فيتتبع بها أصول
الوضوء للمحدث. وقوله: "فيخلل بها أصول الشعر" أي شعر رأسه ويدل عليه رواية حماد بن سلمة عن هشام -عند البيهقي- يخلل بها شق رأسه الأيمن فيتتبع بها أصول
الشعر، ثم يفعل بشق رأسه الأيسر كذلك. وقال القاضي عياض: احتج به بعضهم على تخليل شعر اللحية في الغسل. إما لعموم قوله: "أصول الشعر" وإما بالقياس على شعر الرأس. وفائدة التخليل، إيصال الماء إلى الشعر والبشرة، ومباشرة الشعر باليد ليحل تعمميه بالماء، وهذا التخليل غير واجب اتفاقا، إلا إن كان الشعر متلبدا بشيء يحول بين الماء وبين الوصول إلى أصوله. واختلف في وجوب الدلك، فلم يوجبه الأكثر. ونقل عن مالك والمزني وجوبه، واحتج له ابن بطال بالإجماع على وجوب إمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسلها، فيجب ذلك في الغسل قياسا لعدم الفرق بينهما. وتعقب: بأن جميع من لم يوجب الدلك أجازوا غمس اليد في الماء للمتوضئ من غير إمرار، فبطل الإجماع وانتفت الملازمة.
وفي قوله في هذا الحديث: "ثلاث غرفات" استحباب التثليث في الغسل. قال النووي: ولا نعلم فيه خلافا إلا ما انفرد به الماوردي: فإنه قال: لا يستحب التكرار في الغسل. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري -ومنه لخصت ما ذكرته- قلت: وكذا قال الشيخ أبو علي السنجي وكذا قال القرطبي. وقالت ميمونة: وضعت له ﷺ ماء للغسل، فغسل يديه مرتين أو ثلاثا، ثم أفرغ على شماله فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم مضمض واستنشق
وغسل وجهه ويديه، ثم أفاض على جسده، ثم تحول عن مكانه فغسل قدميه. رواه البخاري. ولم يقيد في هذه الرواية بعدد، فيحمل على أقل مسمى وهو المرة الواحدة، لأن الأصل عدم الزيادة عليها. وفيه مشروعية المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة، لقوله: "ثم مضمض واستنشق" وتمسك به الحنفية للقول بوجوبهما. وأجيب: بأن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب، إلا إذا كان بيانا لمجمل
استنشاق في غسل الجنابة، لقوله: "ثم مضمض واستنشق" وتمسك به الحنفية للقول بوجوبهما. وأجيب: بأن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب، إلا إذا كان بيانا لمجمل
تعلق به الوجوب، وليس الأمر هنا كذلك. وعنها توضأ ﷺ وضوءه للصلاة غير رجليه، وغسل فرجه وما أصابه من الأذى، ثم أفاض عليه الماء، ثم نحى رجليه فغسلهما. رواه البخاري. وفيه التصريح بتأخير غسل الرجلين في وضوء الغسل إلى آخره، وهو مخالف لظاهر رواية عائشة. ويمكن الجمع بينهما إما بحمل رواية عائشة على المجاز، أو بحمله على حالة أخرى، وبحسب اختلاف هاتين الحالتين اختلف نظر العلماء، فذهب الجمهور إلى استحباب تأخير غسل الرجلين. وعن مالك: إن كان المكان غير
نظيف فالمستحب تأخيرهما، وإلا فالتقديم، وعند الشافعية: في الأفضل قولان، قال النووي: أصحهما وأشهرهما ومختارهما أنه يكمل وضوءه. قال: ولم يقع في شيء من طرق هذا الحديث التنصيص على مسح الرأس في هذا الوضوء، وتمسك به المالكية لقولهم: إن وضوء الغسل لا يمسح فيه الرأس، بل يكتفي فيه بغسلهما. وعن جبير بن مطعم قال: قال ﷺ: "أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثا". وأشار
بيديه، كلتيهما رواه البخاري. وفيه عن أبي هريرة قال: أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف قياما، فخرج إلينا رسول الله ﷺ، فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب، فقال لنا: "مكانكم". ثم
رجع فاغتسل ثم خرج إلينا ورأسه يقطر، فكبر فصلينا معه. وقوله: "ذكر" أي تذكر، لا أنه قال ذلك لفظا، وعلم الراوي بذلك من قرائن، أو بإعلامه بعد ذلك. وظاهر قوله: "فكبر" الاكتفاء بالإقامة السابقة، فيؤخذ منه جواز التخلل الكثير بين الإقامة والدخول في الصلاة. وعنده أيضا من حديث ميمونة: وضعت للنبي ﷺ غسلا فسترته بثوب،
وصب على يديه فغسلهما، ثم صب بيمينه على شماله فغسل فرجه، فضرب بيده الأرض فمسحها، ثم غسلها، فتمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم صب الماء على رأسه، وأفاض على جسده، ثم تنحى فغسل قدميه، فناولته ثوبا فلم يأخذه، فانطلق وهو ينفض يديه. وقد استدل بعضهم بقولها: "فناولته ثوبا فلم يأخذه" على كراهة التنشف بعد الغسل. ولا حجة فيه، لأنها واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال، فيجوز أن يكون عدم الأخذ لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التنشف، بل يتعلق بالخرقة أو غير ذلك. قال
المهلب: يحتمل تركه الثوب لإبقاء بركة الماء، أو للتواضع، أو لشيء رآه في الثوب من حرير أو وسخ. وقد وقع عند أحمد في هذا الحديث عن الأعمش قال: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: لا بأس بالمنديل، وإنما رده مخافة أن يصير عادة. وقال التيمي في شرحه: في هذا الحديث دليل على أنه كان يتنشف، ولولا ذلك لم تأته بالمنديل. وقال ابن دقيق العيد: نفضه الماء بيده يدل على أن لا كراهة في التنشف لأن كلا منهما إزالة. وقال النووي: اختلف أصحابنا في ذلك على خمسة أوجه، أشهرها: أن
المستحب تركه، وقيل: مكروه، وقيل: مباح، وقيل: مستحب، وقيل: مكروه في الصيف مباح في الشتاء. وفي هذا الحديث جواز نفض اليدين من ماء الغسل، وكذا ماء الوضوء، لكن فيه حديث ضعيف أورده الرافعي وغيره، ولفظه: "لا تنفضوا أيديكم في
صيف مباح في الشتاء. وفي هذا الحديث جواز نفض اليدين من ماء الغسل، وكذا ماء الوضوء، لكن فيه حديث ضعيف أورده الرافعي وغيره، ولفظه: "لا تنفضوا أيديكم في
الوضوء فإنها مراوح الشيطان". قال ابن الصلاح: لم أجده، وتبعه النووي. وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب غسل فرجه وتوضأ للصلاة. رواه البخاري. وفيه رد على من حمل الوضوء هنا على التنظيف. وقوله: "وتوضأ للصلاة" أي توضؤا كما يتوضأ للصلاة، أي وضوءا شرعيا لا لغويا، وليس المراد أنه توضأ لأداء الصلاة. والحكمة فيه أنه يخفف الحدث، ولا سيما على القول بجواز تفريق الغسل، فينويه فيرتفع الحدث عن تلك الأعضاء المخصوصة على الصحيح، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة بسند رجاله ثقات عن شداد بن أوس الصحابي قال: إذا أجنب أحدكم من الليل ثم أراد أن ينام فليتوضأ، فإنه نصف غسل الجنابة. وقيل: الحكمة فيه أنه إحدى الطهارتين، فعلى هذا يقوم التيمم مقامه، وقد
روى البيهقي بإسناد حسن عن عائشة أنه ﷺ كان إذا أجنب فأراد أن ينام توضأ أو تيمم. ويحتمل أن يكون التيمم هنا عند عسر وجود الماء، وقيل: غير ذلك. انتهى ملخصا من فتح الباري.
النوع الثاني: في ذكر صلاته ﷺ اعلم أن الصلاة تحصل تحقيق العبودية، وأداء حق الربوبية، وسائر العبادات وسائل إلى تحقيق سر الصلاة. وقد جمع الله تعالى للمصلين في ركعة ما فرق على أهل السموات، فلله ملائكة في الركوع منذ خلقهم الله تعالى لا يرفعون من الركوع إلى يوم القيامة، وهكذا السجود، والقيام, والقعود.
صلين في ركعة ما فرق على أهل السموات، فلله ملائكة في الركوع منذ خلقهم الله تعالى لا يرفعون من الركوع إلى يوم القيامة، وهكذا السجود، والقيام, والقعود.
واجتمع فيها أيضا من العبادات ما لم يجتمع في غيرها، من الطهارة والصمت واستقبال القبلة، والاستفتاح بالتكبير، والقراءة والقيام والركوع والسجود، والتسبيح في الركوع، والدعاء في السجود إلى غير ذلك. فهي مجموع عبادات عديدة، لأن الذكر بمجرده عبادة، والقراءة بمجردها عبادة، وكذا كل فرد فرد. وقد أمر نبيه بالصلاة في قوله سبحانه: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وقال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] . وفي ذلك -كما نبه عليه صاحب كتاب التنوير أمدنا الله بمدده- إشارة إلى
أن في الصلاة تكليفا للنفوس شاقا عليها، لأنها تأتي في أوقات ملاذ العباد وأشغالهم، فتطالبهم بالخروج عن ذلك كله إلى القيام بين يديه، والفراغ عما سوى الله، فلذلك قال: ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ . قال: ومما يدل على أن في القيام بالصلاة تكاليف العبودية وأن القيام بها على خلاف ما تقتضيه البشرية، قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] فجعل الصبر والصلاة مقترنين إشارة إلى أنه يحتاج في الصلاة إلى الصبر، صبر على ملازمة أوقاتها، وصبر على القيام بمسنوناتها وواجباتها، وصبر يمنع القلوب فيها عن غفلاتها، ولذلك قال تعالى بعد ذلك: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ فأفرد الصلاة بالذكر ولم يفرد الصبر به، إذ لو كان كذلك لقال: وإنه لكبير. فقد يدل على ما قلناه، أو لأن الصبر والصلاة مقترنان متلازمان، فكان أحدهما هو عين الآخر، كما قال تعالى في الآية الآخرى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] . انتهى ملخصا. ثم إن الكلام فيها ينقسم إلى خمسة أقسام:
القسم الأول: في الفرائض وما يتعلق بها, وفيه أبواب: الباب الأول: في الصلوات الخمس وفيه فصول: الفصل الأول: في فرضها عن أنس قال: فرضت على النبي ﷺ ليلة أسري به خمسون صلاة، ثم نقصت حتى جعلت خمسا، ثم نادى: يا محمد إنه لا يبدل القول لديّ، وإن لك بهذه الخمس خمسين. رواه الترمذي هكذا مختصرا، ورواه البخاري ومسلم من حديث طويل تقدم في مقصد الإسراء مع ما فيه من المباحث.
وعن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة. رواه مسلم وأبو داود والنسائي. وقوله: "وفي الخوف ركعة" محمول على أن المراد ركعة مع الإمام وينفرد بالأخرى. وعن عائشة: فرض الله الصلاة -حين فرضها- ركعتين ركعتين، ثم أتمها في الحضر, وأقرت صلاة السفر على الفريضة الأولى. رواه البخاري. وعنده -في كتاب الهجرة- من طريق معمر عن الزهري، عن عروة عن عائشة: فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر ﷺ ففرضت أربعا. فعين في هذه الرواية أن الزيادة في قوله في الحديث الذي قبله "وزيد في صلاة الحضر" وقعت بالمدينة. وقد أخذ بظاهر هذا الحديث الحنفية، وبنوا عليه: أن القصر في السفر
عزيمة لا رخصة. واحتج مخالفوهم بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] لأن نفي الجناح لا يدل على العزيمة، والقصر إنما يكون من شيء أطول منه، ويدل على أنه رخصة أيضا قوله ﵊: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته". رواه مسلم. وأما خبر: "فرضت الصلاة
ركعتين، أي في السفر، فمعناه: لمن أراد الاقتصار عليهما جمعا بين الأخبار. قاله في الجموع. الفصل الثاني: في ذكر تعيين الأوقات التي صلى فيها ﷺ الصلوات الخمس عن جابر: أن جبريل أتى النبي ﷺ يعلمه مواقيت الصلاة، فتقدم جبريل، ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى الظهر حين زالت الشمس، وأتاه حين كان الظل مثل شخصه، فصنع كما صنع، فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ
تقدم جبريل، ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى الظهر حين زالت الشمس، وأتاه حين كان الظل مثل شخصه، فصنع كما صنع، فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ
خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس، فتقدم جبريل، ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى المغرب، ثم أتاه حين غاب الشفق، فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى العشاء، ثم أتاه حين انشق الفجر، فتقدم جبريل ورسول الله ﷺ خلفه، والناس خلف رسول الله ﷺ، فصلى الصبح. ثم أتاه جبريل في اليوم الثاني حين كان ظل الرجل مثل شخصه، فصنع كما صنع بالأمس، فصلى الظهر، ثم أتاه حين كان الظل مثلي شخصه فصنع كما
صنع بالأمس فصلى العصر، ثم أتاه حين وجبت الشمس فصنع كما صنع بالأمس فصلى المغرب، ثم أتاه حين غاب الشفق فصنع كما صنع بالأمس فصلى العشاء، ثم أتاه حين امتد الفجر وأصبح والنجوم بادية مشتبكة وصنع كما صنع بالأمس فصلى الغداة. ثم قال: "ما بين هاتين الصلاتين للصلاة وقت". رواه النسائي. وفي رواية قال: خرج رسول الله ﷺ فصلى الظهر حين زالت الشمس، وكان الفيء قدر الشراك، ثم صلى العصر حين كان الفيء قدر الشراك، وكان ظل الرجل مثله، ثم صلى المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى العشاء حين غاب
الشفق، ثم صلى الفجر حين طلع الفجر، ثم صلى الغداة -أي الظهر- حين كان الظل طول الرجل، ثم صلى العصر حين كان ظل الرجل مثليه، ثم صلى المغرب حين غابت الشمس، ثم صلى العشاء إلى ثلث الليل أو نصف الليل -شك أحد رواته- ثم صلى الفجر فأسفر. وعن ابن عباس: قال ﷺ: "أمَّني جبريل عند البيت مرتين، فصلى الظهر بي في الأولى حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين
فصلى الظهر بي في الأولى حين كان الفيء مثل الشراك، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثله، ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وأفطر الصائم، ثم صلى العشاء حين
غاب الشفق، ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم. وصلى المرة الثانية الظهر حين كان ظل كل شيء مثله كوقت العصر بالأمس، ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى المغرب لوقت الأولى، ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل، ثم صلى الصبح حين أسفر، ثم التفت إليّ جبريل فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين". رواه الترمذي وغيره.
وقوله: "صلى بي الظهر حين كان ظله مثله" أي فرغ منها حينئذ، كما شرع في العصر في اليوم الأول، وحينئذ فلا اشتراك بينهما في وقت، ويدل له حديث مسلم: "وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم تحضر العصر". وقوله في حديث جابر: "فصلى الظهر حين زالت الشمس". يقتضي جواز فعل الظهر إذا زالت الشمس، ولا ينتظر بها وجوبا ولا ندبا مصير الفيء مثل الشراك، كما اتفق عليه أئمتنا ودلت عليه الأخبار الصحيحة، وأما حديث ابن عباس فالمراد
به أنه حين زالت الشمس كان الفيء حينئذ مثل الشراك، لأنه أخر إلى أن صار مثل الشراك. ذكره في المجموع. وقد بين ابن إسحاق في المغازي أن صلاة جبريل به ﷺ كانت صبيحة الليلة التي فرضت فيها الصلاة، وهي ليلة الإسراء. ولفظه: قال نافع بن جبير وغيره: لما أصبح رسول الله ﷺ من الليلة التي أسري به لم يرعه إلا جبريل نزل حين زاغت الشمس، ولذلك سميت "الأولى" -أي صلاة الظهر- فأمر فصيح بأصحابه: "الصلاة جامعة" فاجتمعوا فصلى به جبريل وصلى النبي ﷺ بأصحابه. فذكر الحديث وفيه رد على من زعم أن بيان الأوقات إنما
وقع بعد الهجرة، والحق أن ذلك وقع قبلها ببيان جبريل، وبعدها ببيان النبي ﷺ. وإنما دعاهم بقوله: "الصلاة جامعة" لأن الأذان لم يكن شرع حينئذ. واستدل بهذا الحديث على جواز الائتمام بمن يأتم بغيره. ويجاب عنه بما يجاب عن قصة أبي بكر في صلاته خلف النبي ﷺ وصلاة الناس خلفه، فإنه محمول على أنه كان مبلغا فقط، كما يأتي تقريره إن شاء الله تعالى. وقد صلى النبي ﷺ العصر والشمس في حجرة عائشة لم يظهر الفيء من
حجرتها. رواه البخاري ومسلم. وقال أنس: كان ﷺ يصلي العصر والشمس مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة، وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال. رواه البخاري ومسلم.
وفي ذلك دليل على تعجيله ﷺ بصلاة العصر، لوصف الشمس بالارتفاع بعد أن تمضي مسافة أميال، والمراد بالشمس ضوءها. وعن سلمة بن الأكوع أنه ﷺ كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب. رواه البخاري ومسلم والترمذي. وعن رافع بن خديج: كنا نصلي المغرب معه ﷺ فينصرف أحدنا، وإنه ليبصر مواقع نبله. رواه البخاري ومسلم. والنبل -بفتح النون: السهام العربية.
أي يبصر مواقع سهامه إذا رمى بها، ومقتضاه المبادرة بالمغرب في أول وقتها، بحيث إن الفراغ منها يقع والضوء باق. وكان ﷺ إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عجل، رواه النسائي من حديث أنس. ويؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية. رواه أبو داود من حديث علي بن شيبان. وقال ﵇: "إذا قدم العشاء فابدءوا به قبل صلاة المغرب ولا تعجلوا
من حديث أنس. ويؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية. رواه أبو داود من حديث علي بن شيبان. وقال ﵇: "إذا قدم العشاء فابدءوا به قبل صلاة المغرب ولا تعجلوا
عن عشائكم". رواه البخاري ومسلم. وعند أبي داود: "ولا تؤخروا الصلاة لطعام ولا غيره". وأعتم ﷺ بالعشاء ليلة، حتى ناداه عمر: الصلاة، نام النساء والصبيان،
فخرج ﷺ فقال: "ما ينتظرها من أهل الأرض أحد غيركم". قال: ولا تصلي يومئذ بالمدينة، وكانوا يصلون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول. زاد في رواية: وذلك قبل أن يفشو الإسلام. وفي رواية: فخرج ورأسه يقطر ماء يقول: "لولا أن أشق على أمتي -أو: على الناس- لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة". رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أبي داود من حديث أبي سعيد: فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل، فقال: "خذوا مقاعدكم" فأخذنا مقاعدنا، فقال: "إن الناس قد صلوا وأخذوا مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة، ولولا ضعف الضعيف، وسقم السقيم لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل". وفي حديث أبي هريرة: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء
إلى ثلث الليل أو نصفه". صححه الترمذي. فعلى هذا: من وجد به قوة على تأخيرها ولم يغلبه النوم، ولم يشق على أحد من المأمومين فالتأخير في حقه أفضل. وقد قرر ذلك النووي في شرح مسلم، وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعية وغيرهم. وقال الطحاوي: يستحب إلى الثلث، وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد.
وقال في القديم: التعجيل أفضل. وكذا قال في "الإملاء" وصححه النووي وجماعة، وقالوا: إنه مما يفتى به على القديم. وتعقب: بأنه ذكره في "الإملاء" وهو من كتبه الجديدة. والمختار من حيث الدليل أفضلية التأخير، قاله في فتح الباري. الفصل الثالث: في ذكر كيفية صلاته ﷺ وفيه فروع: الفرع الأول: في صفة افتتاحه ﷺ روى أبو داود أنه ﷺ سمع بلالا يقيم الصلاة، فلما قال: قد قامت الصلاة،
اري. الفصل الثالث: في ذكر كيفية صلاته ﷺ وفيه فروع: الفرع الأول: في صفة افتتاحه ﷺ روى أبو داود أنه ﷺ سمع بلالا يقيم الصلاة، فلما قال: قد قامت الصلاة،
قال: "أقامها الله وأدامها". وكان ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير. رواه عبد الرزاق من حديث عائشة. وروى البخاري عن ابن عمر قال: رأيت رسول الله ﷺ افتتح التكبير في الصلاة. واستدل به على تعين لفظ "التكبير" دون غيره من ألفاظ التعظيم، وهو قول الجمهور، ووافقهم أبو يوسف. وعن الحنفية: تنعقد بكل لفظ يقصد به التعظيم. وقد روى البزار بإسناد صحيح، على شرط مسلم، عن علي أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة قال: "الله أكبر".
ولأحمد والنسائي من طريق واسع بن حبان أنه سأل ابن عمر عن صلاة رسول الله ﷺ فقال: الله أكبر كلما وضع ورفع. وليعلم أن تكبيرة الإحرام ركن عند الجمهور، وقيل: شرط، وهو مذهب الحنفية، ووجه عند الشافعية، وقيل: سنة، قال ابن المنذر: ولم يقل به أحد غير الزهري. ولم يختلف أحد في إيجاب النية للصلاة. قال البخاري في أواخر الإيمان: باب ما جاء في قوله ﵊: "الأعمال بالنية" فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة. وقال ابن القيم في الهدي النبوي: كان ﷺ إذا قام إلى الصلاة قال: "الله أكبر". ولم يقل شيئا قبلها، ولا تلفظ بالنية، ولا قال: أصلي صلاة كذا مستقبل القبلة أربع ركعات إماما أو مأموما، ولا أداء ولا قضاء، ولا فرض الوقت. قال:
وهذه عشر بدع لم ينقل عنه ﷺ أحد قط بإسناد صحيح، ولا ضعيف ولا مسند ولا مرسل لفظة واحدة ألبتة بل ولا عن أحد من الصحابة، ولا استحبه أحد من التابعين، ولا الأئمة الأربعة. وقول الشافعي في الصلاة: "إنها ليست كالصيام فلا يدخل أحد فيها إلا بذكر" أي تكبيرة الإحرام ليس إلا، وكيف يستحب الشافعي أمرا لم يفعله ﷺ في صلاة واحدة، ولا أحد من الصحابة. وعبارة الشافعي في كتاب المناسك: "ولو نوى الإحرام بقلبه، ولم يلب أجزأه، وليس كالصلاة، لأن في أولها نطقا واجبا" هذا نصه. قال الشيخ أبو علي السنجي في شرح التلخيص، وابن الرفعة في المطلب، والزركشي في الديباج وغيرهم: إنما أراد الشافعي بذلك تكبيرة الإحرام قطعا، انتهى. وبالجملة: فلم ينقل أحد أنه ﵇ تلفظ بالنية، ولا علم أحدًا من أصحابه التلفظ بها ولا أقره على ذلك، بل المنقول عنه في السنن أنه قال: "مفتاح
الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم". وفي الصحيحين أنه ﷺ لما علم المسيء صلاته قال له: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن". فلم يأمره بالتلفظ بشيء قبل التكبير. نعم اختلف العلماء في التلفظ بها: فقال قائلون: هو بدعة؛ لأنه لم ينقل فعله. وقال آخرون: هو مستحب؛ لأنه عون على استحضار النية القلبية، وعبادة
اللسان، كما أنه عبودية القلب، والأفعال المنوية عبودية الجوارح. وبنحو ذلك أجاب الشيخ تقي الدين السبكي والحافظ عماد الدين بن كثير. وأطنب ابن القيم -في غير الهدي- في رد الاستحباب، وأكثر في الاستدلال بما ذكره طول يخرجنا عن المقصود، لا سيما والذي استقر عليه أصحابنا استحباب النطق بها. وقاسه بعضهم على ما في الصحيحين، من حديث أنس: أنه سمع النبي ﷺ يلبي بالحج والعمرة جميعا، يقول: "لبيك عمرة وحجا". وفي البخاري من حديث عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول -وهو بوادي العقيق: "أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة". وهذا
ا". وفي البخاري من حديث عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول -وهو بوادي العقيق: "أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة". وهذا
تصريح باللفظ، والحكم كما ثبت بالنص يثبت بالقياس. لكن تعقب هذا بأنه ﵇ قال ذلك في ابتداء إحرامه تعليما للصحابة ما يهلون به ويقصدونه من النسك، وامتثالا للأمر الذي جاءه من ربه تعالى في ذلك الوادي، ولقد صلى ﵇ أكثر من ثلاثين ألف صلاة فلم ينقل عنه أنه قال: نويت أصلي صلاة كذا وكذا، وتركه سنة، كما أن فعله سنة، فليس لنا أن نسوي بين ما فعله وتركه، فنأتي من القول في الموضع الذي تركه بنظير ما أتى به في الموضع الذي فعله، والفرق بين الحج والصلاة أظهر من أن يقاس أحدهما على الآخر. انتهى ما قاله هذا المتعقب فليتأمل.
وكان ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو منكبيه، ثم يكبر، فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، وإذا أراد أن يرفع رأسه من الركوع فعل مثل ذلك. وفي رواية: وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضا، وقال: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد".
وفي أخرى: نحوه، وقال: ولا يفعل ذلك حين يسجد ولا حين يرفع من السجود. رواه البخاري ومسلم. وعند أبي داود من حديث علقمة: كان إذا قام من سجدتين، كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، كما صنع حين افتتح وهو قطعة من حديث رواه الترمذي أيضا. وكان يكبر في كل خفض ورفع. رواه مالك.
وقال النووي: أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، واختلفوا فيما سواها. فقال: الشافعي وأحمد وجمهور العلماء من الصحابة: يستحب أيضا رفعهما عند الركوع، وعند الرفع منه. وهو رواية عن مالك. وللشافعي قول: أنه لا يستحب رفعهما في موضع رابع وهو: إذا قام من التشهد الأول. وهذا القول هو الصواب، فقد صح فيه حديث ابن عمر عنه ﷺ
أنه كان يفعله. رواه البخاري. وكان ﷺ يضع يده اليمنى على اليسرى، رواه أبو داود. ومذهب الشافعي والأكثرين: أن المصلي يضع يديه تحت صدره فوق سرته. وقال أبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي تحت سرته.



