شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya الزرقاني، محمد بن عبد الباقي (w. 1122 H).

Bagian 35 dari 43 5943 halaman

— Bagian 35 · البخاري ومسلم وأبو داود من حديث أنس. —

Bagian 35

البخاري ومسلم وأبو داود من حديث أنس. وفي رواية أبي داود، قال أنس: رآنا ﷺ فلم يأمرنا ولم ينهنا. وقال عقبة: كنا نفعله على عهده، ﷺ. رواه البخاري ومسلم.

وظاهره: أن الركعتين بعد الغروب وقبل صلاة المغرب كان أمرا قرر أصحابه عليه، وهذا يدل على الاستحباب، وأما كونه ﵊ لم يصلهما فلا ينفي الاستحباب، بل يدل على أنهما ليستا من الرواتب، وإلى استحبابهما ذهب أحمد وإسحاق وأصحاب الحديث. وعن ابن عمر: ما رأيت أحدا يصليهما على عهده ﷺ. وعن الخلفاء الأربعة وجماعة من الصحابة أنهم كانوا لا يصلونهما. فادعى بعض المالكية نسخهما، وتعقب: بأن دعوى النسخ لا دليل عليها، ورواية المثبت -وهو أنس- مقدمة على رواية النافي -وهو ابن عمر.

وعن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: حق على كل مؤمن إذا أذن المؤذن أن يركع ركعتين. وعن مالك قول آخر باستحبابهما، وهو عند الشافعية وجه رجحه النووي ومن تبعه، وقال في شرح مسلم: قول من قال: إن فعلهما يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها، خيال فاسد منابذ للسنة، ومع ذلك فزمنهما يسير، لا تتأخر به الصلاة عن أول وقتها. ومجموع الأدلة يرشد إلى استحباب تخفيفهما. وقال ﷺ: "صلوا قبل المغرب ركعتين" لمن شاء خشية أن يتخذها الناس سنة. رواه أبو داود. قال المحب الطبري: لم يرد نفي استحبابهما؛ لأنه لا يمكن أن يأمر بما لم

يستحب، بل هذا الحديث من أدل الأدلة على استحبابهما. ومعنى قوله: "سنة" أي شريعة وطريقة لازمة. وكأن المراد انحطاط رتبتهما عن رواتب الفرائض، ولهذا لم يعدهما أكثر الشافعية في الرواتب، واستدركهما بعضهم. وتعقب: بأنه لم يثبت أنه ﷺ واظب عليهما. وقال ﷺ في الصلاة بعد المغرب: "هذه صلاة البيوت"، رواه أبو داود والنسائي من حديث كعب بن عجرة. وعنه ﷺ من صلى بعد المغرب ركعتين قبل أن يتكلم رفعت صلاته في عليين. رواه رزين.

الفرع السادس: في راتبة العشاء قالت عائشة: ما صلى رسول الله ﷺ العشاء قط فدخل بيتي إلا صلى أربع ركعات، أو ست ركعات. رواه أبو داود. وفي مسلم قالت عائشة: ثم يصلي بالناس العشاء ويدخل بيتي فيصلي ركعتين. وكذا في حديث ابن عمر عند الشيخين. وتقدما أول هذا القسم، والله أعلم. الفرع السابع: في راتبة الجمعة عن نافع عن عبد لله بن عمر أن رسول الله ﷺ كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين. رواه البخاري ولم يذكر شيئا في الصلاة قبل صلاة الجمعة.

بعد المغرب ركعتين في بيته، وبعد العشاء ركعتين، وكان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين. رواه البخاري ولم يذكر شيئا في الصلاة قبل صلاة الجمعة.

قال ابن المنير -كما حكاه في فتح الباري: كأنه يقول: الأصل استواء الظهر والجمعة حتى يدل على خلافه؛ لأن الجمعة بدل الظهر. وقال ابن بطال: إنما أعاد ابن عمر ذكر الجمعة بعد ذكر الظهر من أجل أنه كان ﷺ يصلي سنة الجمعة في بيته بخلاف الظهر، قال: والحكمة فيه أن الجمعة لما كانت بدل الظهر واقتصر فيها على ركعتين ترك التنفل بعدها في المسجد خشية أن يظن أنها التي لو حذفت. انتهى. وعلى هذا فينبغي أن لا يتنفل قبلها ركعتين متصلتين بها في المسجد لهذا المعنى. وقد روى أبو داود وابن حبان من طريق أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين في بيته، ويحدث أن النبي ﷺ

كان يفعل ذلك، وقد احتج به النووي في "الخلاصة" على إثبات سنة الجمعة التي قبلها. وتعقب: بأن قوله: "كان يفعل ذلك" عائد على قوله: "ويصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته"، ويدل عليه رواية الليث عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا صلى الجمعة انصرف فسجد سجدتين في بيته ثم قال: كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك. رواه مسلم. وأما قوله: "كان يطيل الصلاة قبل الجمعة" فإن كان المراد بعد دخول الوقت فلا يصح أن يكون مرفوعا؛ لأنه ﵊ كان يخرج إذا زالت الشمس فيشتغل بالخطبة ثم بصلاة الجمعة، وإن كان المراد قبل دخول الوقت فذلك مطلق نافلة لا صلاة راتبة، فلا حجة فيه لسنة الجمعة التي قبلها، بل هو تنفل مطلق. وقد أنكر جماعة كون الجمعة لها سنة قبلها، وبالغوا في الإنكار، منهم: الإمام شهاب الدين أبو شامة؛ لأنه لم يكن يؤذن للجمعة إلا بين يديه عليه

تنفل مطلق. وقد أنكر جماعة كون الجمعة لها سنة قبلها، وبالغوا في الإنكار، منهم: الإمام شهاب الدين أبو شامة؛ لأنه لم يكن يؤذن للجمعة إلا بين يديه عليه

الصلاة والسلام وهو على المنبر، فلم يكن يصليها، وكذلك الصحابة؛ لأنه إذا خرج الإمام انقطعت الصلاة. قال ابن العراقي: ولم أر في كلام الفقهاء من الحنفية والمالكية استحباب سنة الجمعة قبلها. انتهى. وقد ورد في سنة الجمعة التي قبلها أحاديث أخرى ضعيفة، منها حديث عن أبي هريرة، رواه البزار، ولفظه: كان يصلي قبل الجمعة أربعا وبعدها أربعا. وأقوى ما يتمسك به في مشروعية الركعتين قبل الجمعة عموم ما صححه ابن حبان من حديث عبد الله بن الزبير مرفوعا: "ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان". قاله في فتح الباري. وعن عطاء قال: كان ابن عمر إذا صلى الجمعة بمكة تقدم فصلى ركعتين

ثم يتقدم فيصلي أربعا، وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ولم يصل في المسجد، فقيل له: فقال: كان رسول الله ﷺ يفعله. رواه أبو داود. وفي رواية الترمذي: قال: رأيت ابن عمر صلى بعد الجمعة ركعتين، ثم صلى بعد ذلك أربعا. وعن ابن عمر أيضا قال: كان رسول الله ﷺ يصلي بعد الجمعة ركعتين. رواه النسائي، وفي رواية أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته. وفي أخرى: أن ابن عمر كان يصلي بعد الجمعة ركعتين ويطيل فيهما ويقول: كان رسول الله ﷺ يفعله. وتقدم حديث دخول سليك المسجد في يوم الجمعة، وهو ﷺ يخطب، وقوله ﷺ: "صليت"؟ قال: لا، قال: "قم فاركع ركعتين". مع ما فيه من المباحث في صلاة الجمعة والله أعلم.

الفصل الثاني: في صلاته ﵊ العيدين وفيه فروع سبعة: الأول في عدد الركعات: عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ خرج يوم عيد فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما، ثم أتى النساء ومعه بلال، فأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تتصدق بخرصها وسخابها. وفي رواية: خرج يوم أضحى أو فطر، وفي أخرى: أن النبي ﷺ صلى يوم الفطر ركعتين. الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود

والترمذي والنسائي. الثاني في عدد التكبير: عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يكبر في الفطر والأضحى، في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية: خمس تكبيرات. زاد في رواية: سوى تكبيرتي الإحرام والركعوع. رواه أبو داود. وعن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كبر في العيد، في الأولى سبعًا قبل القراءة، وفي الأخرى خمسا قبل القراءة. رواه الترمذي وابن ماجه والدارمي.

الثالث في الوقت والمكان: عن أبي سعيد الخدري قال: كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة. الحديث رواه البخاري ومسلم. وفي هذا دليل لمن قال باستحباب الخروج لصلاة العيد إلى المصلى، وقال: إنه أفضل من صلاتها في المسجد، لمواظبته ﷺ على ذلك، مع فضل مسجده، وعلى هذا عمل الناس في الأمصار. وأما أهل مكة فلا يصلونها إلا في المسجد من الزمن الأول. ولأصحابنا الشافعية وجهان: أحدهما، الصحراء أفضل لهذا الحديث، والثاني: وهو الأصح عند أكثرهم، المسجد أفضل إلا أن يضيق، قالوا: وإنما صلى أهل مكة في المسجد لسعته، وإنما خرج النبي ﷺ لضيق المسجد،

فدل على أن المسجد أفضل إذا اتسع. والمراد بالمصلى المذكور، الذي على باب المدينة الشرقي. قال ابن القيم: ولم يصل ﷺ العيد بمسجده إلا مرة واحدة، أصابهم مطر فصلى بهم العيد في المسجد، إن ثبت الحديث، وهو في سنن أبي داود وابن ماجه. انتهى. ولفظ أبي داود: عن أبي هريرة قال: أصابنا مطر في يوم فطر فصلى بنا رسول الله ﷺ في المسجد. زاد رزين: ولم يخرج بنا إلى المصلى. الرابع في الأذان والإقامة: عن جابر بن سمرة قال: صليت مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة. رواه مسلم وأبو داود والترمذي.

لى. الرابع في الأذان والإقامة: عن جابر بن سمرة قال: صليت مع رسول الله ﷺ العيدين غير مرة ولا مرتين بغير أذان ولا إقامة. رواه مسلم وأبو داود والترمذي.

وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ صلى يوم العيد بلا أذان ولا إقامة. رواه أبو داود. الخامس في قراءته ﷺ في صلاتي العيدين: عن أبي واقد الليثي: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الفطر والأضحى بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ في الأولى و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ في الثانية. رواه مسلم ومالك وأبو داود والترمذي. وعن النعمان بن بشير قال: كان النبي ﷺ يقرأ في العيدين وفي صلاة الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأ بهما. رواه مسلم ومالك، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

السادس في خطبته ﷺ وتقديمه صلاة العيدين عليها: عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة: رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. وعن جابر: أنه ﷺ خرج يوم الفطر، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة. وفي رواية: قام فبدأ بالصلاة ثم خطب الناس فلما فرغ نزل فأتى النساء فذكرهن، وهو يتوكأ على يد بلال، وبلال باسط ثوبه يلقي فيه النساء صدقة. وفي أخرى، قال: شهدت مع رسول الله ﷺ العيد، فبدأ بالصلاة قبل

الخطبة، بلا أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله تعالى، وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: "تصدقن، فإن أكثركن حطب جهنم، فقامت امرأة من وسط النساء سفعاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير: قال:

فجعلن يتصدقن من حليهن ويلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتمهن". رواه البخاري ومسلم. وفي رواية أبي سعيد الخدري عند البخاري: فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم وينهاهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم نصرف. فقال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان، وهو

م ويوصيهم ويأمرهم وينهاهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه، أو يأمر بشيء أمر به، ثم نصرف. فقال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان، وهو

أمير المدينة في فطر أو أضحى فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه، فقلت له: غيرتم والله. الحديث.

ولابن خزيمة: خطب ﵊ يوم عيد على رجليه. وهذا مشعر بأنه لم يكن في المصلى في زمانه منبر، ويدل على ذلك قول أبي سعيد: "فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان"، ومقتضاه أن أول من اتخذه مروان. ووقع في المدونة للإمام مالك: أن أول من خطب الناس في المصلى على منبر عثمان بن عفان، كلمهم على منبر من طين بناه كثير ابن الصلت، لكنه معضل، وما في الصحيحين أصح، فقد رواه مسلم من طريق داود بن قيس نحو

رواية البخاري. ويحتمل أن يكون عثمان فعل ذك مرة ثم تركه ثم أعاده مروان، ولم يطلع على ذلك أبو سعيد قاله شيخ الإسلام ابن حجر ﵀. السابع في أكله ﷺ يوم الفطر قبل خروجه إلى صلاة العيد: عن أنس: كان رسول الله ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات. رواه البخاري وقال: قال مرجأ بن رجاء حدثني عبيد الله حدثني أنس عن النبي ﷺ: ويأكلهن وترا. ورواه الحاكم من رواية عتبة بن حميد عنه بلفظ: ما خرج ﷺ يوم فطر

حتى يأكل تمرات، ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أقل من ذلك أو أكثر وترا. قال المهلب: الحكمة في الأكل قبل الصلاة، أن لا يظن ظان لزوم الصوم حتى يصلي العيد، فكأنه أراد سد هذه الذريعة. وقال غيره: لما وقع وجوب الفطر عقب وجوب الصوم استحب تعجيل الفطر مبادرة إلى امتثال أمر الله تعالى، ويشعر بذلك اقتصاره على القليل من ذلك، ولو كان لغير الامتثال لأكل قدر الشبع، أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة. وقيل: لأن الشيطان الذي يحبس في رمضان لا يطلق إلا بعد صلاة العيد، فاستحب تعجيل الفطر مبادرة إلى السلامة من وسوسته. والحكمة في استحباب التمر لما في الحلو من تقوية البصر الذي يضعفه الصوم؛ ولأن الحلو مما يوافق الإيمان ويعبر به في المنام، ويرق القلب، ومن ثم

استحب بعض التابعين أن يفطر على الحلو مطلقا كالعسل. رواه ابن أبي شيبة عن معاوية بن قرة وابن سيرين وغيرهما. وفي الترمذي والحاكم من حديث بريدة قال: كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي، ونحوه عند البزار عن جابر بن سمرة. وروى الطبراني والدارقطني من حديث ابن عباس قال: من السنة أن لا يخرج يوم الفطر حتى يخرج الصدقة ويطعم شيئا قبل أن يخرج. وفي كل من الأسانيد الثلاثة مقال. وقد أخذ الفقهاء بما دلت عليه. قال ابن المنير: وقع أكله ﷺ في كل يوم

وم الفطر حتى يخرج الصدقة ويطعم شيئا قبل أن يخرج. وفي كل من الأسانيد الثلاثة مقال. وقد أخذ الفقهاء بما دلت عليه. قال ابن المنير: وقع أكله ﷺ في كل يوم

من العيدين في الوقت المشروع لإخراج صدقتهما الخاصة بهما، فإخراج صدقة الفطر قبل الغدو إلى المصلى، وإخراج صدقة الأضحية بعد ذبحها، فاجتمعا من جهة، وافترقا من أخرى. وقال الشافعي في الأم: بلغنا عن الزهري قال: ما ركب رسول الله ﷺ في عيد ولا جنازة قط. وفي الترمذي عن علي قال: من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيا، وفي ابن ماجه عن سعد القرظ أنه ﷺ كان يخرج إلى العيدين ماشيا، وفيه أيضا عن أبي رافع نحوه، والأسانيد الثلاثة ضعاف. وعن أبي هريرة قال: كان ﷺ إذا خرج يوم العيد في طريق رجع في غيره. رواه الترمذي.

وقد اختلف في معنى ذلك على أقوال كثيرة، قال الحافظ ابن حجر: اجتمع لي منها أكثر من عشرين، وقد لخصتها وبينت الواهي منها. فمن ذلك: أنه فعل ذلك ليشهد له الطريقان، وقيل: له سكانهما من الجن والإنس، وقيل: ليسوي بينهما في مزية الفضل بمروة أو في التبرك به، أو ليشم رائحة المسك من الطريق التي يمر بها؛ لأنه كان معروفا بذلك. وقيل: لأن طريقه إلى المصلى كانت على اليمين، فلو رجع منها لرجع على جهة الشمال فرجع من غيرها. وهذا يحتاج إلى دليل. وقيل: لإظهار شعائر الإسلام فيهما، وقيل: لإظهار ذكر الله، وقيل: ليغيظ المنافقين واليهود، وقيل: حذرا من كيد الطائفتين أو إحداهما، وقيل: ليعمهم بالسرور

وقيل: لإظهار شعائر الإسلام فيهما، وقيل: لإظهار ذكر الله، وقيل: ليغيظ المنافقين واليهود، وقيل: حذرا من كيد الطائفتين أو إحداهما، وقيل: ليعمهم بالسرور

به والتبرك بمروره والانتفاع به في قضاء حوائجهم في الاستفتاء أو التعلم والاقتداء، والاسترشاد والسلام عليهم أو غير ذلك، وقيل: ليزور أقاربه الأحياء والأموات، وقيل: ليصل رحمه، وقيل: ليتفاءل بتغير الحال إلى المغفرة والرضا، وقيل: كان يتصدق في ذهابه فإذا رجع لم يبق معه شيء فيرجع في طريق آخر لئلا يرد من يسأله. وهذا ضعيف جدا مع احتياجه إلى دليل. وقيل: فعل ذلك لتخفيف الزحام، وهذا رجحه الشيخ أبو حامد، وقيل: كان طريقه التي يتوجه منها أبعد من طريقه التي يرجع فيها، فأراد تكثير الأجر بتكثير الخطى في الذهاب، وأما في الرجوع فليسرع إلى منزله، وهذا اختيار الرافعي. وتعقب بأنه يحتاج إلى دليل وبأن أجر الخطى في الرجوع أيضا، كما ثبت في حديث أبي بن كعب عند الترمذي وغيره، وقيل: لأن الملائكة تقف في الطرقات

فأراد أن يشهد له فريقان منهم. وقال ابن أبي جمرة: هو في معنى قول يعقوب لبنيه: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ فأشار إلى أنه فعل ذلك حذر إصابة العين. انتهى. وكان ﵊ يخرج الأبكار والعواتق وذوات الخدور والحيض في العيدين، فأما الحيض فيعتزلن المصلى ويشهدن دعوة المسلمين. قالت إحداهن: يا رسول الله إحدانا لم يكن لها جلباب، قال: "فلتعرها أختها من

جلابيبها". رواه البخاري ومسلم والترمذي واللفظ له. ولا دلالة فيه على وجوب صلاة العيد؛ لأن من جملة من أمر بذلك من ليس بمكلف، فظهر أن القصد منه إظهار شعائر الإسلام بالمبالغة في الاجتماع، وليعم الجميع البركة. وفيه: استحباب خروج النساء إلى شهود العيد، سواء كن شواب أو لا، أو ذوات هيآت أم لا، ولكن نص الشافعي في الأم يقتضي استثناء ذوات الهيآت. قال: وأحب شهود العجائز وغير ذوات الهيآت الصلاة. وأنا لشهودهن الأعياد أشد

استحبابا. وادعى بعضهم النسخ فيه، قال الطحاوي: وأمره ﵊ بخروج الحيض وذوات الخدور إلى العيد يحتمل أن يكون في أول الإسلام، والمسلمون قليل، فأريد التكثير بحضورهن إرهابا للعدو. وأما اليوم فلا يحتاج إلى ذلك. وتعب: بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقد صرح في حديث أم عطية بعلة الحكم، وهي شهودهن الخير ودعوة المسلمين، ورجاء بركة ذك اليوم وطهرته، وقد أفتت به أم عطية بعد النبي ﷺ بمدة، ولم يثبت عن أحد من الصحابة مخالفتها في ذلك.

وأما قول عائشة: "لو رأى النبي ﷺ ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد" فلا يعارض ذلك لندوره، إن سلمنا أن فيه دلالة على أنها أفتت بخلافه، مع أن الدلالة فيه بأن عائشة أفتت بالمنع ليست صريحة. وفي قول الطحاوي: "إرهابا للعدو" نظر؛ لأن الاستنصار بالنساء والتكثر بهن في الحرب دال على الضعف. والأولى: أن يخص ذلك بمن يؤمن عليها وبها الفتنة، فلا يترتب على حضورها محظور، ولا تزاحم الرجال في الطرق ولا في الجامع -قاله في فتح الباري. وكان ﵊ يخرج العنزة يوم الفطر والأضحى فيركزها فيصلي إليها. رواه النسائي وغيره. وإذا علمت هذا فاعلم أن للمؤمنين في هذه الدار ثلاثة أعياد، عيد يتكرر في كل أسبوع، وعيدان يأتيان في كل عام مرة من غير تكرار في السنة. فأما العيد المتكرر فهو يوم الجمعة، وهو عيد الأسبوع، وهو مترتب على إكمال الصلوات المكتوبة فيه فشرع لهم فيه عيدًا.

وأما العيدان اللذان لا يتكرران في كل عام، وإنما يأتي كل واحد منهما في العام مرة واحدة. فأحدهما: عيد الفطر من صوم رمضان، وهو مترتب على إكمال صيام رمضان، وهو الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه، فإذا أكمل المسلمون صيام شهر رمضان المفروض عليهم واستوجبوا من الله المغفرة والعتق من النار، فإن صيامه يوجب مغفرة ما تقدم من الذنب، وآخره عتق من النار يعتق الله فيه من النار من استحقها بذنوبه، شرع الله تعالى لهم عقب صيامهم عيدا يجتمعون فيه على شكر الله تعالى وذكره، وتكبيره على ما هداهم له، وشرع لهم في ذلك العيد الصلاة والصدقة، وهو يوم الجوائز يستوفي فيه الصائمون أجر صيامهم ويرجعون بالمغفرة.

كر الله تعالى وذكره، وتكبيره على ما هداهم له، وشرع لهم في ذلك العيد الصلاة والصدقة، وهو يوم الجوائز يستوفي فيه الصائمون أجر صيامهم ويرجعون بالمغفرة.

والعيد الثاني عيد النحر: وهو أكبر العيدين وأفضلهما، وهو مترتب على إكمال الحج، وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومبانيه، فإذا أكمل المسلمون حجهم غفر لهم، وإنما يكمل الحج بيوم عرفة، فإن الوقوف بعرفة ركن الحج الأعظم، ويوم عرفة هو يوم العتق من النار، فيعتق الله فيه من النار من وقف بعرفة ومن لم يقف بها من أهل الأمصار من المسلمين، فلذلك صار اليوم الذي يليه عيدا لجميع المسلمين في جميع أمصارهم، من شهد الموسم منهم ومن لم يشهد، لاشتراكهم في العتق والمغفرة يوم عرفة، وشرع للجميع التقرب إليه تعالى بالنسك بإراقة دماء ضحاياهم، فيكون ذلك اليوم شكرا منهم لهذه النعم، والصلاة والنحر الذي يجتمع في عيد النحر أفضل من الصلاة والصدقة في عيد الفطر، ولهذا أمر رسول الله ﷺ أن يجعل شكره لربه على إعطائه الكوثر أن يصلي لربه وينحر. وقد ضحى ﷺ بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده وسمى الله تعالى وكبر. رواه البخاري من حديث أنس، قال: ورأيته واضعا قدمه على صفاحهما،

يقول: "بسم الله والله أكبر". وعن عائشة: أنه ﷺ أمر بكبش يطأ في سواد، ويبرك في سواد، فأتى به ليضحي به، فقال: "يا عائشة، هلمي المدية"، ثم قال: "اشحذيها بحجر" ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه ثم ذبحه، قال: "بسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد"، ثم ضحى به، رواه مسلم. وعن جابر: ذبح النبي ﷺ يوم النحر كبشين أقرنين أملحين موجوءين، فلما وجههما قال: "إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، على ملة إبراهيم

ه، رواه مسلم. وعن جابر: ذبح النبي ﷺ يوم النحر كبشين أقرنين أملحين موجوءين، فلما وجههما قال: "إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض، على ملة إبراهيم

"حنيفا، وما أنا من المشركن، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين، اللهم منك ولك عن محمد وأمته، بسم الله والله أكبر"، ثم ذبح. رواه أبو داود وابن ماجه والدارمي. وفي رواية لأحمد والترمذي: ذبح بيده وقال: "بسم الله والله أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي". فهذه أعياد المسلمين في الدنيا، وكلها عند إكمال طاعات مولاهم الملك الوهاب، وحيازتهم لما وعدهم من جزيل الأجر والثواب، فليس العيد من لبس الجديد، إنما العيد لمن طاعاته تزيد، وليس العيد لمن تجمل بالباس والمركوب، وإنما العيد لمن غفرت له الذنوب، في ليلة العيد تفرق خلع العتق والمغفرة على العبيد، فمن ناله منها شيء فهو سعيد، وإلا فهو مطرود بعيد. وأما أعياد المؤمنون في الجنة، فهو أيام زيارتهم ربهم ﷿، فيزورونه ويكرمهم غاية الكرامة، ويتجلى لهم فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا هو أحب

إليهم من ذلك وهو الزيادة، فليس للمحب عيد سوى قرب محبوبه. إنه يوما جامعا شملي بهم ... ذاك عيدي ليس لي عيد سواه

الباب الثاني: في النوافل المقرونة بالأسباب وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: في صلاته ﷺ الكسوف الكسوف لغة: التغير إلى السواد، يقال: كسفت الشمس: إذا اسودت وذهب شعاعها.

عن قبيصة بن المخارق قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فخرج فزعا يجر ثوبه وأنا معه يومئذ بالمدينة، فصلى ركعتين فأطال فيهما القيام، ثم انصرف وانجلت، ثم قال: "إنما هذه الآيات يخوف الله تعالى بها عباده، فإذا رأيتموها فصلوا". رواه أبو داود والنسائي. وفي قوله ﵊: "يخوف الله تعالى بها عباده" رد على من يزعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي لا يتأخر ولا يتقدم، إذ لو كان كما يقولون لم يكن في ذلك تخويف.

وقد رد عليهم ابن العربي وغيره، بما في حديث أبي موسى عند البخاري، حيث قال فيه: فقام فزعا يخشى أن تكون الساعة، قالوا: فلو كان الكسوف بالحساب لم يقع الفزع، ولو كان بالحساب لم تكن للأمر بالعتق والصدقة

والصلاة معنى، يعني حديث أسماء عند البخاري "لقد أمر النبي ﷺ بالعتاقة في كسوف الشمس" وكما عنده أيضا من حديث عائشة مرفوعا: "فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا" فإن ظاهر الأحاديث أن ذلك يفيد التخويف، وأن كل ما ذكر من أنواع الطاعات يرجى أن يدفع به ما يخشى من أثر يدفع الكسوف. ومما نقض به ابن العربي وغيره أيضا أنهم يزعمون: أن الشمس لا تنكسف على الحقيقة وإنما يحول القمر بينها، وبين أهل الأرض عند اجتماعهما في العقدتين. فقال: "هم يزعمون أن الشمس أضعاف القمر في الجرم، فكيف يحجب الكبير الصغير إذا قابله؟ أم كيف يظلم الكثير بالقليل لا سيما وهو من جنسه؟

عهما في العقدتين. فقال: "هم يزعمون أن الشمس أضعاف القمر في الجرم، فكيف يحجب الكبير الصغير إذا قابله؟ أم كيف يظلم الكثير بالقليل لا سيما وهو من جنسه؟

وكيف يحجب الأرض نور الشمس. وقد وقع في حديث النعمان بن بشير وغيره للكسوف سبب آخر غير ما يزعم أهل الهيئة، وهو ما أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة والحاكم، بلفظ: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، وإن الله تعالى إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له". وقد استشكل الغزالي هذه الزيادة، وقال: إنها لم تثبت، فيجب تكذيب ناقلها، قال: ولو صحت لكان تأوليها أهون من مكابرة أمور قطعية لا تصادم أصلا من أصول الشريعة. قال ابن بزيزة: وهذا عجب منه، كيف يسلم دعوى الفلاسفة ويزعم أنها لا تصادم الشريعة، مع أنها مبنية على أن العالم كروي الشكل، وظاهر الشرع يعطي

خلاف ذلك والثابت من قواعد الشرع أن الكسوف أثر الإرادة القديمة وفعل الفاعل المختار، فيخلق في هذين الجرمين النور متى شاء، والظلمة متى شاء من غير توقف على سبب أو ربط باقتران، والحديث الذي رده الغزالي قد أثبته غير واحد من أهل العلم، وهو ثابت من حيث المعنى أيضا؛ لأن النورية والإضاءة من عالم الجمال الحسي، فإذا تجلت صفة الجلال انطمست الأنوار لهيبته، ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣] . انتهى. ويؤيد هذا الحديث ما رويناه عن طاوس أنه نظر إلى الشمس وقد انكسفت فبكى حتى كاد أن يموت، وقال: هي أخوف لله منا. وقال ابن دقيق العيد: ربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله: "يخوف الله تعالى بهما عباده"، وليس بشيء؛ لأن لله تعالى أفعالا على حسب العادة، وأفعالا خارجة عن ذلك، وقدرته تعالى حاكمة على كل سبب، يقتطع ما شاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض، وإذا ثبت ذلك فالعلماء بالله

الا على حسب العادة، وأفعالا خارجة عن ذلك، وقدرته تعالى حاكمة على كل سبب، يقتطع ما شاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض، وإذا ثبت ذلك فالعلماء بالله

تعالى لقوة اعتقادهم في عموم قدرته تعالى على خرق العادة وأنه تعالى يفعل ما يشاء إذا وقع شيء غريب، حدث عندهم الخوف لقوة ذلك الاعتقاد، وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقها. وحاصله: أن الذي يذكره أهل الحساب إن كان حقا في نفس الأمر لا ينافي كون ذلك مخوفا لعباد الله تعالى. قاله في فتح الباري. وعن ابن عباس قال: انخسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فقام قياما طويلا، نحوا من قراءة سورة البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم رفع فقام قياما طويلا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم رفع، ثم سجد، ثم قام قياما طويلا وهو دون القيام الأول ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول ثم رفع ثم سجد ثم انصرف وقد انجلت

الشمس، فقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله"، فقالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت؟ قال: "إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودا، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط

أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء"، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: "بكفرهن"، قيل: أيكفرن بالله؟ قال: "يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله

ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط". رواه البخاري ومسلم. وقوله: "ورأيت الجنة والنار" قال القاضي عياض: يحتمل أنه رآهما رؤية عين، بأن كشف الله له عنهما، وأزال الحجب بينه وبينهما، كما فرج له عن المسجد الأقصى حين وصفه، ويكون قوله ﵊: "في عرض هذا الحائط" -كما في رواية: في جهته وناحيته، ويحتمل أن تكون رؤية علم وعرض وحي

باطلاعه وتعريفه من أمورهما مفصلا ما لم يعرفه قبل ذلك اليوم. قال القاضي: والأول أولى وأشبه بألفاظ الحديث، لما فيه من الأمور الدالة على رؤية العين، كتناوله العنقود، وتأخره مخافة أن يصيبه لفح النار. انتهى. واستشكل قوله: "ولو أصبته" مع قوله: "تناولت". وأجيب: بحمل "التناول" على تكلف الأخذ، لا حقيقة الأخذ، وقيل: المراد تناولته لنفسي ولو أخذته لكم، حكاه الكرماني، قال الحافظ ابن حجر: وليس بجيد، وقيل: المراد بقوله تناولت: وضعت يدي عليه، بحيث كنت قادرًا على تحويله، لكن لم يقدر لي قطفه، ولو أصبته، أي لو تمكنت من قطفه، ويدل

عليه قوله في حديث عقبة بن عامر عند ابن خزيمة: أهوى بيده ليتناول شيئا، وفي حديث أسماء عند البخاري: "حتى لو اجترأت عليه" وكأنه لم يؤذن له في ذلك فلم يجترئ عليه. قال ابن بطال: لم يأخذ العنقود؛ لأنه من طعام الجنة، وهو لا يفنى والدنيا فانية لا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يفنى. انتهى. وفي حديث أسماء بنت أبي بكر، عند البخاري ومسلم ومالك والنسائي قال: "ما من شيء كنت لم أره إلا قد رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار، ولقد

أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم، مثل أو قريبا -لا أدري أي ذلك قالت أسماء- من فتنة المسيح الدجال. يؤتى أحدكم في قبره يقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن -لا أدري أي ذلك قالت أسماء- فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا واتبعنا، هو محمد ثلاثا، فيقال: نم صالحا، قد

فأما المؤمن أو الموقن -لا أدري أي ذلك قالت أسماء- فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا واتبعنا، هو محمد ثلاثا، فيقال: نم صالحا، قد

علمنا إن كنت لموقنا، وأما المنافق أو المرتاب -لا أدري أي ذلك قالت أسماء- فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته". وفي رواية: "فرأى امرأة تخدشها هرة، ربطتها حتى ماتت جوعا وعطشا". وفي رواية: فرأى عمرو بن مالك يجر قصبه في النار، وكان أول من غير دين إبراهيم، ورأى فيها سارق الحاج يعذب.

قوله: "قصبه" بضم القاف وسكون الصاد، أي أمعاءه. وفي رواية عائشة: ثم قال: "يا أمة محمد، والله ما من أحد أغير من الله أن

يزني عبده أو تزني أمته، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا، ألا هل بلغت". أي لو تعلمون من عظم انتقام الله من أهل الجرائم وشدة عقابه وأهوال القيامة، وما بعدها. كما علمت وترون النار كما رأيت في مقامي هذا وفي غيره لبكيتم كثيرا، ولقل ضحككم لتفكركم فيما علمتموه. وفي حديث عائشة عند البخاري: فخرج إلى المسجد، فصف الناس وراءه، فكبرنا فاقترأ رسول الله ﷺ قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعا طويلا، ثم قال: "سمع الله لمن حمده"، فقام ولم يسجد، وقرأ قراءة طويلة، وهي أدنى من القراءة

ه، فكبرنا فاقترأ رسول الله ﷺ قراءة طويلة، ثم كبر فركع ركوعا طويلا، ثم قال: "سمع الله لمن حمده"، فقام ولم يسجد، وقرأ قراءة طويلة، وهي أدنى من القراءة

الأولى، وزاد في رواية: "ربنا ولك الحمد". واستدل به على استحباب الذكر المشروع في الاعتدال في أول القيام الثاني من الركعة الأولى. واستشكله بعض متأخري الشافعية من جهة كونه قيام قراءة لا قيام اعتدال، بدليل اتفاق العلماء ممن قال بزيادة الركوع في كل ركعة على قراءة الفاتحة فيه، وإن كان محمد بن مسلمة المالكي خالف فيه. والجواب: إن صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة، فلا مدخل للقياس فيها، بل كل ما ثبت أنه ﷺ فعله فيها كان مشروعا؛ لأنها أصل برأسها. وبهذا رد الجمهور على من قاسها على صلاة النافلة، حتى منع من زيادة الركوع فيها، فصلاة الكسوف أشبه شيء بصلاة العيد ونحوها، مما يجمع فيه من مطلق النوافل، فامتازت صلاة الجنازة بترك الركوع والسجود، وصلاة العيد بزيادة التكبيرات، وصلاة الخوف بزيادة الأفعال الكثيرة واستدبار القبلة، وكذلك اختصت صلاة الكسوف بزيادة الركوع، فالآخذ به جامع بين العملين النص والقياس،

بخلاف من لم يعمل به. وقد تبين أن لصلاة الكسوف هيئة تخصها من التطويل الزائد على العادة في القيام وغيره، ومن زيادة ركوع في كل ركعة، وقد وردت زيادة في ذلك من طريق أخرى، فعند مسلم من وجه آخر عن عائشة، وآخر عن جابر أن في كل ركعة ثلاث ركوعات، وعنده من وجه آخر عن ابن عباس: أن في كل ركعة أربع ركوعات، ولأبي داود من حديث أبي بن كعب، والبزار من حديث علي: أن في كل ركعة خمسة ركوعات ولا يخلو إسناد منها من علة. ونقل ابن القيم في "الهدي" عن الشافعي وأحمد والبخاري: أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطا من بعض الرواة، فإن أكثر طرق الحديث يمكن رد بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم موت إبراهيم عليه

السلام، وإذا اتحدت القصة تعين الأخذ بالراجح. وقال ابن خزيمة وابن المنذر والخطابي وغيرهم من الشافعية: يجوز العمل بجميع ما ثبت من ذلك. وهو من الاختلاف المباح، وقواه النووي في شرح مسلم. وأبدى بعضهم أن حكمة الزيادة في الركوع والنقص كان بحسب سرعة الانجلاء وبطئه، فحين وقع الانجلاء في أول ركوع اقتصر على مثل النافلة، وحين أبطأ زاد ركوعا، وحين زاد في الإبطاء زاد ثالثا، وهكذا إلى غاية ما ورد في ذلك. وتعقبه النووي وغيره: بأن إبطاء الإنجلاء وعدمه لا يعلم في أول الحال، ولا في الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدل على أنه مقصود في نفسه، منوي من أول الحال. انتهى ملخصا من فتح الباري.

وعند الإمام أحمد: أنه ﷺ لما سلم حمد الله وأثنى عليه، وشهد أن لا إله إلا الله، وشهد أنه عبده ورسوله، ثم قال: "يا أيها الناس، أنشدكم بالله إن كنتم تعلمون أني قصرت عن شيء من تبليغ رسالات ربي لما أخبرتموني ذلك" فقام رجل فقال: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك ونصحت لأمتك وقضيت الذي عليك، ثم قال: "وأيم الله لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقوه من أمر دنياكم وآخرتكم، وإنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا، آخرهم الأعور

"الدجال، من تبعه لم ينفعه صالح من عمله". وفي البخاري: قالت عائشة وأسماء: خطب النبي ﷺ. وقد اختلف في الخطبة فيه، فاستحبها الشافعي وإسحاق وأكثر أهل الحديث. وقال ابن قدامة: لم يبلغنا عن أحمد ذلك. وقال صاحب الهداية من الحنفية: ليس في الكسوف خطبة؛ لأنه لم ينقل. وتعقب بأن الأحاديث ثبتت فيه، وهي ذات كثرة. والمشهور عند المالكية أنه لا خطبة لها، مع أن مالكا روى الحديث وفيه ذكر الخطبة، وأجاب بعضهم بأنه ﷺ لم يقصد بها الخطبة بخصوصها، وإنما أراد

ي ذات كثرة. والمشهور عند المالكية أنه لا خطبة لها، مع أن مالكا روى الحديث وفيه ذكر الخطبة، وأجاب بعضهم بأنه ﷺ لم يقصد بها الخطبة بخصوصها، وإنما أراد

أن يبين لهم الرد على من يعتقد أن الكسوف لموت بعض الناس. وتعقب بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة، وحكاية شرائطها من الحمد والثناء والموعظة وغير ذلك مما تضمنته الأحاديث، فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف، والأصل مشروعية الاتباع، والخصائص لا تثبت إلا بدليل. انتهى. وعن المغيرة بن شعبة عند البخاري: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله ﷺ: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا الله". وإبراهيم هو ابن النبي ﷺ، وقد ذكر جمهور أهل السير أنه مات في السنة

العاشرة من الهجرة، فقيل: في ربيع الأول، وقيل: في رمضان، وقيل: في ذي الحجة، والأكثر على أنها وقعت في عاشر الشهر، وقيل: في رابعه وقيل: في رابع عشره، ولا يصح شيء منها على قول ذي الحجة؛ لأن النبي ﷺ كان يمكة إذ ذاك في الحج، وقد ثبت أنه شهد وفاته، وكانت بالمدينة بلا خلاف. نعم قيل: إنه مات سنة تسع، فإن ثبت فيصح، وجزم النووي بأنها كانت سنة الحديبية فلعل ذلك كان في آخر ذي القعدة حين رجع منها. وفي هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض. قال الخطابي: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير في الأرض، من موت أو ضرر، فأعلم النبي ﷺ أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخران لله، ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا قدرة للدفع عن أنفسهما.

تغير في الأرض، من موت أو ضرر، فأعلم النبي ﷺ أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخران لله، ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا قدرة للدفع عن أنفسهما.

وعن عبد الله بن عمرو قال: لما كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ نودي: أن الصلاة جامعة. رواه البخاري. وقوله: "أن" بفتح الهمزة وتخفيف النون، وهي المفسرة. أن له ولمسلم، من حديث عائشة: بعث النبي ﷺ مناديا ينادي: أن الصلاة جامعة. قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث حجة لمن استحب ذلك. وقد أجمعوا على أنه لا يؤذن له ولا يقام. وروى ابن حبان أنه ﷺ صلى في كسوف الشمس والقمر ركعتين مثل صلاتكم، وأخرجه الدارقطني أيضا. وفيه: رد على من أطلق -كابن رشيد- أنه ﷺ لم يصل في كسوف القمر،

ومنهم من أول قوله: "صلى" أي أمر بالصلاة، جمعا بين الروايتين. وقال ابن القيم في "الهدي": لم ينقل أنه ﷺ صلى في كسوف القمر في جماعة، لكن حكى ابن حبان في السيرة له: أن القمر خسف في السنة الخامسة، فصلى النبي ﷺ بأصحابه صلاة الكسوف، فكانت أول صلاة كسوف في الإسلام، وهذا إن ثبت انتفى التأويل المذكور. وقد جزم به مغلطاي في سيرته المختصرة، وتبعه الحافظ زين الدين العراقي في نظمها. وفي البخاري من حديث عائشة: جهر النبي ﷺ في صلاة الخسوف بقراءته. فإذا فرغ من قراءته كبر فركع، وإذا رفع من الركعة قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف، أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات. واستدل به عن الجهر فيها بالنهار، وحمله جماعة ممن لم ير ذلك على كسوف القمر. قال الحافظ ابن حجر: وليس بجيد؛ لأن الإسماعيلي روى هذا الحديث من وجه آخر عن الوليد بلفظ كسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ،

وفي مسند أبي داود الطيالسي أنه ﷺ جهر بالقراءة في صلاة الكسوف. وقد ورد الجهر فيها عن علي مرفوعا وموقوفا. أخرجه ابن خزيمة وغيره. وقال به صاحبا أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهما من محدثي الشافعية وابن العربي من المالكية. وقال الطبري: يخير بين الجهر والإسرار. وقال الأئمة الثلاثة: يسر في الشمس ويجهر في القمر. واحتج الشافعي بقول ابن عباس: "قرأ نحوا من سورة البقرة؛" لأنه لو جهر لم يحتج إلى التقدير. وقد روى الشافعي تعليقا عن ابن عباس أنه صلى جنب النبي ﷺ في الكسوف فلم يسمع منه حرفا، ووصله البيهقي من ثلاث طرق

أسانيدها واهية. وعلى تقدير صحتها فمثبت الجهر معه قدر زائد فالأخذ به أولى. قال ابن العربي: الجهر عندي أولى؛ لأنها صلاة جماعة ينادى لها ويخطب فأشبهت العيد والاستسقاء. انتهى ملخصا والله أعلم. الفصل الثاني: في صلاته ﷺ صلاة الاستسقاء اعلم أن الاستسقاء طلب السقيا من الله تعالى عند الحاجة إليها، كما تقول: استعطى: أي طلب العطاء. ولم يخالف أحد من العلماء في سنية الصلاة في الاستسقاء إلا أبو حنيفة محتجا بأحاديث الاستسقاء التي ليس فيها صلاة. واحتج الجمهور بالأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما: أنه ﷺ صلى الاستسقاء ركعتين. وأما الأحاديث التي ليس فيها الصلاة، فبعضها محمول على

نسيان الراوي، وبعضها كان للخطبة للجمعة، وتعقبه صلاة الجمعة فاكتفي بها، ولو لم يصل أصلا كان بيانا لجواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة، ولا خلاف في جوازه، وتكون الأحاديث المثبتة للصلاة مقدمة؛ لأن فيها زيادة علم، ولا معارضة بينهما. والاستسقاء أنواع: الأول: الاستسقاء بصلاة ركعتين وخطبتين، وبتأهب قبله بصدقة وصيام وتوبة، وإقبال على الخير ومجانبة الشر ونحو ذلك من طاعة الله تعالى. قال ابن عباس: خرج رسول الله ﷺ إلى الاستسقاء متبذلا متواضعا متخشعا متضرعا حتى أتى المصلى، فرقى المنبر، فلم يخطب خطبتكم هذه ولكن لم يزل

عة الله تعالى. قال ابن عباس: خرج رسول الله ﷺ إلى الاستسقاء متبذلا متواضعا متخشعا متضرعا حتى أتى المصلى، فرقى المنبر، فلم يخطب خطبتكم هذه ولكن لم يزل

في الدعاء والتضرع والتكبير، ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد. رواه الترمذي وغيره. وفي حديث عبد الله بن زيد المازني، قال: خرج رسول الله ﷺ إلى هذا المصلى يستسقي، ثم استقبل القبلة وقلب رداءه، ثم صلى. رواه البخاري ومسلم. وفي رواية: خرج بالناس إلى المصلى يستسقي فصلى بهم ركعتين جهر فيهما بالقراءة واستقبل يدعو، ورفع يديه وحول رداءه.

وجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن ثم دعا الله. قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد على سبب ذلك ولا على صفته ﷺ حال الذهاب إلى المصلى، ولا على وقت ذهابه، وقد وقع ذلك في حديث عائشة عند أبي داود وابن حبان قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس يوما يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر فكبر وحمد لله، ثم قال: إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئجار المطر عن إبان زمانه، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ

الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، الذي لا إله إلا هو، يفعل ما يريد، اللهم أنت الله الذي لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغا إلى حين، ثم رفع يديه حتى بدا بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة -وحول- رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس، ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابا، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى ذلك وسرعتهم إلى الكن ضحك حتى بدت نواجذه، فقال: "أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله". وقد حكى ابن المنذر الاختلاف في وقتها، والراجح أنه لا وقت لها معين، وإن كان أكثر أحكامها كالعيد، لكنها تخالفه بأنها لا تختص بيوم معين، وهل تصنع بالليل؟ استنبط بعضهم من كونه ﷺ جهر بالقراءة فيها بالنهار، أنها نهارية

ن، وإن كان أكثر أحكامها كالعيد، لكنها تخالفه بأنها لا تختص بيوم معين، وهل تصنع بالليل؟ استنبط بعضهم من كونه ﷺ جهر بالقراءة فيها بالنهار، أنها نهارية

كالعيد، وإلا فلو كانت تصلي بالليل لأسر فيها بالنهار وجهر بالليل كمطلق النوافل. ونقل ابن قدامة الإجماع على أنها لا تصلى في وقت الكراهة. وأفاد ابن حبان أن خروجه ﷺ إلى المصلى للاستسقاء كان في شهر رمضان سنة ست من الهجرة. وذكر الواقدي: أن طول ردائه ﷺ كان ستة أذرع في ثلاثة أذرع، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر، كان يلبسهما في الجمعة والعيدين. وقد روى أبو داود عن عباد: استسقى ﷺ وعليه خميصة سوداء فأراد أن

يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه. وقد استحب الشافعي في الجديد فعل ما هم به النبي ﷺ من تنكيس الرداء مع التحويل الموصوف. وزعم القرطبي تبعا لغيره أن الشافعي اختار في الجديد تنكيس الرداء لا تحويله، والذي في الأم ما ذكرته. والجمهور على استحباب التحويل فقط، ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي أحوط. وعن أبي حنيفة وبعض المالكية: لا يستحب شيء من ذلك. واستحب الجمهور أن يحول الناس بتحويل الإمام، ويشهد له ما رواه أحمد من طريق عباد في هذا الحديث بلفظ: وحول الناس معه. وقال الليث وأبو يوسف: يحول الإمام وحده. واستثنى ابن الماجشون النساء فقال: لا يستحب في حقهن.

واختلف في حكمة هذا التحويل فجزم المهلب بأنه للتفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه. وتعقبه ابن العربي بأن من شرط الفأل أن لا يقصد إليه، قال: وإنما التحويل أمارة بينه وبين ربه، قيل له: حول رداءك ليتحول حالك. وتعقب بأن الذي يجزم به يحتاج إلى نقل، والذي رده ورد فيه حديث رجاله ثقات، أخرجه الدارقطني والحاكم من طريق جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن جابر. ورجح الدارقطني إرساله. وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظن. واستدل بقوله في حديث عائشة: "ثم صلى ركعتين" بعد قوله: "فقعد على المنبر" على أن الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة، وهو مقتضى حديث ابن عباس،

لكن وقع عند أحمد في حديث عبد الله بن زيد التصريح بأنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وكذا في حديث أبي هريرة عند ابن ماجه، حيث قال: فصلى بنا ركعتين بغير أذان ولا إقامة، والمرجح عند الشافعية والمالكية الثاني. ولم يقع في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد صفة الصلاة المذكورة وهي ركعتان ولا ما يقرأ فيها، وقد أخرج الدارقطني من حديث ابن عباس أنه يكبر فيهما سبعا وخمسا كالعيد، وأنه يقرأ فيهما بـ"سبح" و"هل أتاك". وفي إسناده مقال. لكن أصله في السنن بلفظ: ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيدين. فأخذ بظاهره الشافعي فقال: يكبر فيهما. الثاني: استسقاؤه ﵊ في خطبة الجمعة.

وفي إسناده مقال. لكن أصله في السنن بلفظ: ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيدين. فأخذ بظاهره الشافعي فقال: يكبر فيهما. الثاني: استسقاؤه ﵊ في خطبة الجمعة.

عن أنس: أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائما، ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، قال: فرفع

رسول الله ﷺ يديه ثم قال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا"، قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة، وما بيننا وبين "سلع" من بيت ولا

دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت. قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتا، قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب

في الجمعة المقبلة، ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبله قائما، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر"، قال: فانقطعت فخرجنا نمشي في الشمس. قال

شريك: فسألت أنس بن مالك: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري. رواه مسلم. وفي رواية له قال: فما يشير بيده إلى ناحية إلا تفرجت، حتى رأيت المدينة في مثل الجوبة، وسال وادي قناة شهرا. ولم يجئ أحد من ناحية إلا أخبر بجود.

وقوله: "يغيثنا" بفتح أوله، يقال: غاث الله البلاد يغيثها، إذا أرسل عليها المطر.

وقوله: من باب كان نحو دار القضاء، هي دار عمر بن الخطاب وسميت بذلك؛ لأنها بيعت في قضاء دينه. وقوله: "هلكت الأموال"، وفي رواية كريمة وأبي ذر عن الكشميهني: هلكت المواشي، وهي المراد بالأموال هنا. وفي رواية البخاري: هلك الكراع -بضم الكاف- وهو يطلق على الخيل وغيرها، وفي البخاري أيضا: هلكت الماشية، هلك العيال، هلك الناس، وهو من ذكر العام بعد الخاص. والمراد بهلاكهم: عدم وجد ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر. وانقطعت السبل: لأن الإبل ضعفت لقلة القوت عن السفر، أو لكونها لا تجد في طريقها من الكلأ ما يقيم

عدم وجد ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر. وانقطعت السبل: لأن الإبل ضعفت لقلة القوت عن السفر، أو لكونها لا تجد في طريقها من الكلأ ما يقيم

أودها. و"الآكام" بكسر الهمزة، وقد تفتح وتمد: جمع "أكمة" -بفتحات: التراب المجتمع، وقيل: الجبل الصغير، وقيل: ما ارتفع من الأرض. و"الظراب" بكسر الظاء المعجمة، جمع "ظرب" -بكسر الراء: الجبل المنبسط ليس بالعالي. وقوله: "مثل الجوبة" بفتح الجيم، وسكون الواو، وفتح الموحدة، هي الحفرة المستديرة الواسعة، والمراد بها هنا: الفرجة في السحاب. و"الجود": المطر الغزير. وقوله: "قناة شهرا": أي جرى فيه المطر من الماء شهرا.

وفي هذا دليل عظيم على عظم معجزته ﵊، وهو أن سخرت السحاب له كلما أشار إليها امتثلت أمره بالإشارة دون كلام؛ لأن كلامه ﵊ مناجاة للحق تعالى، وأما السحاب فبالإشارة، فلولا الأمر لها بالإطاعة له ﵊ لما كان ذلك؛ لأنها أيضا -كما جاء- مأمورة حيث تسير، وقدر ما تقيم، وأين تقيم. ويرحم الله الشقراطسي فلقد أحسن حيث قال: دعوت للخلق عام المحل مبتهلا ... أفديك بالخلق من داع ومبتهل صعدت كفيك إذ كف الغمام فما ... صوبت إلا بصوب الواكف الهطل أوراق بالأرض ثجما صوب ريقه

فحل بالروض نسجا رائق الحلل زهر من النور حلت روض أرضهم ... زهرا من النور ضافي النبت مكتمل من كل غصن نضير مورق خضر ... وكل نور نضيد مونق خضل تحية أحيت الأحياء من مضر ... بعد الضرورة تروي السبل بالسبل دامت على الأرض سبعا غير مقلعة ... لولا دعاؤك بالإقلاع لم تزل

وقوله في الحديث "سبتا": أي من السبت إلى السبت. وقوله: "ثم دخل رجل" الظاهر أنه غير الأول؛ لأن النكرة إذا تكررت دلت على التعدد، وفي رواية ابن إسحاق: فقام ذلك الرجل أو غيره، وفي رواية لمسلم: فتقشعت عن المدينة فجعلت تمطر حواليها وما تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة وإنها لفي مثل الإكليل -وهو بكسر الهمزة وسكون الكاف: كل شيء دار من جوانبه، واشتهر لما يوضع على الرأس فيحيط به، وهو من ملابس الملوك

كالتاج. وفي رواية له أيضا: فألف الله بين السحاب وملتنا حتى رأيت الرجل الشديد تهمه نفسه أن يأتي أهله، وفي رواية له أيضا: فرأيت السحاب يتمزق كأنه الملاء حين تطوى. والملاء: بضم الميم والقصر وقد يمد جمع ملاءة وهي ثوب معروف. واستدل بهذا الحديث على جواز الاستسقاء بغير صلاة مخصوصة، وعلى أن الاستسقاء ليس فيه صلاة. فأما الأول فقال به الشافعي، وأما الثاني فقال به أبو حنيفة، وتعقب: بأن الذي وقع في هذه القصة مجرد دعاء، لا ينافي مشروعية الصلاة لها، وقد ثبت في واقعة أخرى كما تقدم، والله أعلم.

وأما الثاني فقال به أبو حنيفة، وتعقب: بأن الذي وقع في هذه القصة مجرد دعاء، لا ينافي مشروعية الصلاة لها، وقد ثبت في واقعة أخرى كما تقدم، والله أعلم.

الثالث: استسقاؤه ﷺ على منبر المدينة. روى البيهقي في الدلائل من طريق يزيد بن عبيد السلمي قال: لما قفل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أتاه وفد بني فزارة، بضعة عشر رجلا، فيهم خارجة بن حصن، والحر بن قيس، وهو أصغرهم، فنزلوا في دار رملة بنت الحارث من الأنصار، وقدموا على إبل عجاف وهم مسنتون، فأتوا مقرين بالإسلام، فسألهم

رسول الله ﷺ عن بلادهم فقالوا: يا رسول الله أسنت بلادنا، وأجدب جنابنا، وغرث عيالنا وهلت مواشينا، فادع ربك أن يغيثنا، وتشفع لنا إلى ربك، ويشفع ربك إليك، فقال ﷺ: "سبحان الله!! ويلك، أنا شفعت إلى ربي، فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه، لا إله إلا هو العلي العظيم، وسع كرسيه السماوات والأرض، وهو يئط من عظمته وجلاله كما يئط الرحل الجديد". فقال ﷺ: "إن الله ليضحك من

"شفقكم وقرب غياثكم"، فقال الأعرابي: أويضحك ربنا يا رسول الله؟ قال: "نعم"، فقال الأعرابي: لن نعدم يا رسول الله من رب يضحك خيرًا. فضحك ﷺ من قوله، فقام ﷺ فصعد المنبر وتكلم بكلمات ورفع يديه، وكان رسول الله ﷺ لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء، فرفع يديه حتى رئي بياض

إبطيه، وكان مما حفظ من دعائه: "اللهم اسق بلدك وبهيمتك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مربعا طبقا واسعا، عاجلا غير آجل نافعا غير ضار، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا

سقنا غيثا مغيثا مريئا مربعا طبقا واسعا، عاجلا غير آجل نافعا غير ضار، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا

على الأعداء". فقام أبو لبابة ابن عبد المنذر فقال: يا رسول الله إن التمر في المربد، فقال ﷺ: "اللهم اسقنا"، فقال: يا رسول الله إن التمر في المربد، ثلاث مرات، فقال ﵊: "اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره". قال: فلا والله ما في السماء من قزعة ولا سحاب، وما بين المسجد وسلع من بناء ولا دار، فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت، وهم ينظرون، ثم أمطرت، فوالله ما رأوا الشمس سبتا وقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره لئلا يخرج التمر منه. فقال الرجل: يا رسول الله -يعني الذي سأله أن يستسقي لهم: هلكت

الأموال، وانقطعت السبل، فصعد ﷺ المنبر فدعا ورفع يديه مدا، حتى رئي بياض إبطيه، ثم قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، على الأكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر". فانجابت السحابة عن المدينة كانجياب الثوب. و"الأطيط" صوت الأقتاب، يعني: أن الكرسي ليعجز عن حمله وعظمته ﷿، إذ كان معلوما أن أطيط الرجل بالراكب إنما يكون لقوة ما فوقه، وعجزه عن احتماله، وهذا مثل لعظمة الله تعالى وجلاله، وإن لم يكن أطيط وإنما هو كلام تقريبي، أريد به تقرير عظمته تعالى. وقوله: "طبقا" بفتح الطاء والموحدة، أي مالئا للأرض مغطيا لها، يقال: غيث طبق أي عام واسع.

و"المربد": موضع يجفف فيه التمر. و"ثعلبه" ثقبه الذي يسيل منه ماء المطر. وعن أنس بن مالك قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أتيناك وما لنا صبي يغط، ولا بعير يئط -أي مالنا بعير أصلا؛ لأن البعير لا بد أن يئط وأنشد: أتيناك والعذراء يدمى لبابها ... وقد شغلت أم الصبي عن الطفل وألقى بكفيه الفتى لاستكانة ... من الجوع ضعفا ما يمر ولا يحلي ولا شيء مما يأكل الناس عندنا ... سوى الحنظل العامي والعلهز الغسل فليس لنا إلا إليك قرارنا ... وأين فرار الناس إلا إلى الرسل فقام ﷺ يجر رداءه، حتى صعد المنبر، فرفع يديه إلى السماء ثم قال:

"اللهم اسقنا غيثا مغيثا مربعا غدقا طبقا نافعا غير ضار، عاجلا غير رائث، تملأ به الضرع وتنبت به الزرع، وتحيي به الأرض بعد موتها". قال: فما رد ﷺ يديه إلى نحره حتى ألقت السماء بأبراقها، وجاء أهل البطانة يضجون: الغرق الغرق، فقال ﵊: "حوالينا ولا علينا"، فانجابت السحابة عن المدينة حتى أحدق حولها كالإكليل، وضحك ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: "لله در أبي طالب، لو كان حيا لقرت عيناه". من ينشدنا قوله؟ فقال علي: يا رسول الله كأنك تريد قوله: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل

تطيف به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وفواضل كذبتم وبيت الله نبزي محمدا ... ولما نطاعن حوله ونناضل ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل فقال ﷺ: "أجل"، رواه البيهقي. وقوله: "يدمي لبابها" أي يدمي صردها لامتهانها نفسها في الخدمة حيث لا تجد ما تعطيه من يخدمها من الجدب وشدة الزمان، وأصل اللباب من الفرس موضع اللبب ثم استعير للناس. وقوله: "ما يمر ولا يحلي" أي ما ينطق بخير ولا شر من الجوع والضعف.

يه من يخدمها من الجدب وشدة الزمان، وأصل اللباب من الفرس موضع اللبب ثم استعير للناس. وقوله: "ما يمر ولا يحلي" أي ما ينطق بخير ولا شر من الجوع والضعف.

وقوله: "سوى الحنظل العامي" نسبة إلى العام؛ لأنه يتخذ في عام الجدب، كما قالوا للجدب: السنة. "والعلهز" بالكسر، طعام كانوا يتخذونه من الدم ووبر البعير في سني المجاعة. قاله الجوهري. و"الغسل" الرذل. قال السهيلي: فإن قلت: كيف قال أبو طالب "وأبيض يستسقي الغمام بوجهه" ولم يره قط استسقى، وإنما كان ذلك منه بعد الهجرة؟ وأجاب بما حاصله: أن أبا طالب أشار إلى ما وقع في زمن عبد المطلب، حيث استسقى لقريش والنبي ﷺ معه وهو غلام. انتهى. وقال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون أبو طالب مدحه بذلك لما رأى من خايل ذلك فيه، وإن لم يشاهد ذلك.

قلت: وقد أخرج ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال: قدمت مكة، وهم في قحط، فقالت قريش: يا أبا طالب، أقحط الوادي وأجدب العيال وأنت فيهم أما تستسقي؟ فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجن تجلت عنه سحابة قتماء، وحوله أغيلمة، فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ الغلام بأصبعه وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من ههنا وههنا، وأغدق السحاب وأغدودق وانفجر له الوادي وأخصب النادي والبادي، وفي ذلك يقول أبو طالب:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه الرابع: استسقاؤه ﷺ بالدعاء من غير صلاة. عن ابن مسعود أن قريشا أبطؤوا عن الإسلام، فدعا عليهم رسول الله ﷺ فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام، فجاءه أبو سفيان فقال: يا محمد، جئت تأمر بصلة الرحم، وإن قومك هلكوا، فادع الله، فقرأ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ، ثم عادوا إلى كفرهم، فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦] ، يوم بدر. زاد أسباط عن

بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ، ثم عادوا إلى كفرهم، فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦] ، يوم بدر. زاد أسباط عن

منصور: فدعا رسول الله ﷺ فسقوا الغيث، فأطبقت عليهم سبعا، فشكا الناس كثرة المطر فقال: "اللهم حوالينا ولا علينا"، فانحدرت السحابة عن رأسه، فسقوا الناس حولهم. رواه البخاري. وأفاد الدمياطي أن ابتداء الدعاء على قريش كان عقب طرحهم على ظهره سلى الجزور، وكان ذلك بمكة قبل الهجرة، وقد دعا النبي ﷺ بذلك بالمدينة في القنوت كما في حديث أبي هريرة عند البخاري، ولا يلزم من ذلك اتخاذ هذه القصص، إذ لا مانع أن يدعو بذلك عليهم مرارا. والظاهر أن مجيء أبي سفيان كان قبل الهجرة لقول ابن مسعود: ثم عادوا فذلك قوله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ

الْكُبْرَى﴾ يوم بدر ولم ينقل أن أبا سفيان قدم المدينة قبل بدر. وعلى هذا فيحتمل أن يكون أبو طالب كان حاضرا ذلك، فقال: "وأبيض يستسقى الغمام بوجهه" لكن ورد ما يدل على أن القصة وقعت بالمدينة، فإن لم يحمل على التعدد وإلا فهو مشكل. وفي الدلائل للبيهقي عن كعب بن مرة أو مرة بن كعب قال: دعا رسول الله ﷺ على مضر، فأتاه أبو سفيان فقال: ادع الله لقومك فإنهم قد هلكوا. وقد رواه أحمد وابن ماجه عن كعب بن مرة، ولم يشك، فأبهم أبا سفيان فقال: جاءه رجل فقال: استسق الله لمضر، قال: يا رسول الله استنصرت الله فنصرك ودعوت

الله فأجابك، فرفع يديه فقال: "اللهم اسقنا غيثا مغيثا". الحديث فظهر أن الرجل المبهم المقول له: "إنك لجريء" هو أبو سفيان. لكن يظهر أن فاعل "قال: يا رسول الله استنصرت الله.. إلخ" هو كعب بن مرة راوي هذا الحديث، لما أخرجه أحمد أيضا والحاكم عن كعب بن مرة المذكور قال: "دعا رسول الله ﷺ على مضر، فأتيته فقلت: يا رسول الله إن الله قد نصرك وأعطاك واستجاب لك، وإن قومك قد هلكوا". وعلى هذا: فكأن أبا سفيان وكعبا حضرا جميعا، فكلمه أبو سفيان بشيء، وكلمة كعب بشيء فدل ذلك على اتحاد قصتهما، وقد ثبت في هذه ما ثبت في تلك من قوله: "إنك لجريء" ومن قوله: "اللهم حوالينا ولا علينا". وسياق كعب بن مرة يشعر بأن ذلك وقع بالمدينة لقوله: "استنصرت الله فنصرك". ولا يلزم من هذا اتحاد هذا القصة مع قصة أنس السابقة، فهي واقعة أخرى،

لأن في رواية أنس "فلم ينزل عن المنبر حتى مطروا" وفي هذه "فما كان إلا جمعة أو نحوها، والسائل في هذه القصة غير السائل في تلك، فهما قصتان، وقع في كل منهم طلب الدعاء بالاستسقاء، ثم طلب الدعاء بالاستصحاء. وإن ثبت أن كعب بن مرة أسلم قبل الهجرة حمل قوله: "استنصرت الله فنصرك" على النصر بإجابة دعائه عليهم، وزال الإشكال المتقدم والله أعلم. انتهى ملخصًا من فتح الباري. الخامس: استسقاؤه ﷺ عند أحجار الزيت، قريبا من الزوراء، وهي خارج باب المسجد الذي يدعى باب السلام نحو قذفه بحجر، ينعطف عن يمين الخارج من المسجد. عن عمير، مولى أبي اللحم، أنه رأى النبي ﷺ يستسقي رافعا يديه قبل

ي خارج باب المسجد الذي يدعى باب السلام نحو قذفه بحجر، ينعطف عن يمين الخارج من المسجد. عن عمير، مولى أبي اللحم، أنه رأى النبي ﷺ يستسقي رافعا يديه قبل

وجهه، لا يجاوزهما رأسه، رواه أبو داود والترمذي. السادس: استسقاؤه ﵊ في بعض غزواته، لما سبقه المشركون إلى الماء، فأصاب المسلمين العطش، فشكوا إلى رسول الله ﷺ، وقال المنافقون: لو كان نبيا لاستسقى لقومه كما استسقى موسى لقومه، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "أوقد قالوها، عسى ربكم أن يسقيكم"، ثم بسط يديه ودعا، فما رد يديه من دعائه حى أظلم السحاب وأمطروا إلى أن سال الوادي، فشرب الناس وارتووا. فصل: عن سالم بن عبد الله عن أبيه مرفوعا: أنه كان إذا استسقى قال: "اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالعباد والبلاد والبهائم والخلائق من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم ارفع عنا الجهد والجوع والعري، واكشف عنا من البلاد ما لا يكشفه غيرك،

"اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا، فأرسل السماء علينا مدرارا". رواه الشافعي. فصل: روى أبو الجوزاء قال: قحط أهل المدينة قحطا شديدا، فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبي ﷺ فاجعلوا منه كوى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، ففعلوا فمطروا حتى نبت العشب، وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق. وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان، عن مالك الدار قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتى الرجل في المنام فقيل له: ائت عمر.

لدار قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا، فأتى الرجل في المنام فقيل له: ائت عمر.

وفي رواية عبد الرزاق: أن عمرا استسقى بالمصلى، فقال للعباس: قم فاستسق. وذكر الزبير بن بكار أن عمر بن الخطاب استسقى بالعباس عام الرمادة -بفتح الراء وتخفيف الميم- وسمي به لما حصل من شدة الجدب، فأغبرت الأرض جدا من عدم المطر. وذكر ابن عساكر في كتاب الاستسقاء أن العباس لما استسقى ذلك اليوم قال: اللهم إن عندك سحابا وعندك ماء، فانشر السحاب ثم أنزل منه الماء ثم أنزله علينا، واشدد به الأصل وأطل به الفرع وأدر به الضرع. اللهم تشفعنا إليك بمن لا منطق له من بهائمنا وأنعامنا، الله اسقنا سقيى وادعة بالغة طبقا، اللهم لا نرغب إلا إليك وحدك، لا شريك لك، اللهم نشكو إليك سغب كل ساغب، وعدم كل

عادم، وجوع كل جائع، وعري كل عار، وخوف كل خائف. وفي رواية الزبير بن بكار: أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك. وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث. فأرخت السماء مثل الجبال، حتى أخصبت الأرض وعاش الناس. وعنده أيضا: قحط الناس فقال عمر: إن رسول الله ﷺ كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد فاقتدوا يا أيها الناس برسول الله ﷺ في عمه العباس، فاتخذوه وسيلة إلى الله. وفيه فما برحوا حتى سقوا، وفي ذلك يقول العباس بن عتبة بن أبي لهب:

بعمي سقى الله الحجاز وأهله ... عشية يستسقي بشيبته عمرا توجه بالعباس في الجدب راغبا ... إليه فما إن رام حتى أتى المطر ومنا رسول الله فينا تراثه ... فهل فوق هذا للمفاخر مفتخر

القسم الثالث: في ذكر صلاته ﷺ في السفر وفي فصول: الفصل الأول: في قصره ﷺ الصلاة فيه وأحكامه وفيه فرعان: الفرع الأول: في كم كان ﵊ يقصر الصلاة تقدم هل القصر رخصة أو عزيمة، وما استدل به لكل من القولين، في أوائل

هذا المقصد. وعن أنس بن مالك قال: صليت الظهر مع رسول الله ﷺ بالمدينة أربعا، وخرج يريد مكة فصلى بذي الحليفة العصر ركعتين. رواه البخاري ومسلم. وهذا الحديث مما احتج به أهل الظاهر في جواز القصر في طويل السفر وقصيره، فإن بين المدينة وذي الحليفة ستة أميال، ويقال: سبعة. وقال الجمهور: لا يجوز القصر إلا في سفر يبلغ مرحلتين، وقال أبو حنيفة وطائفة شرطه ثلاث مراحل، واعتمدوا في ذلك آثارا عن الصحابة. وأما هذا الحديث فلا دلالة فيه لأهل الظاهر؛ لأن المراد أنه ﷺ حين سافر إلى مكة في حجة الوداع صلى الظهر بالمدينة أربعا ثم سافر، فأدركته العصر وهو مسافر بذي الحليفة، فصلاها ركعتين. وليس المراد أن ذا الحليفة غاية سفره، فلا

دلالة فيه قطعا. والأحاديث المطلقة مع ظاهر القرآن متعاضدان على جواز القصر من حين يخرج من البلد، فإنه حينئذ يسمى مسافرا. وطويل السفر ثمانية وأربعون ميلا هاشمية، وهي ستة عشر فرسخا، وهي أربعة برد. والميل من الأرض منتهى مد البصر؛ لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه. وبذلك جزم الجوهري. وقيل: حده أن تنظر إلى الشخص في أرض مصطحبة فلا تدري أهو رجل أو امرأة. أو آت. قال النووي: الميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون أصبعا معترضة معتدلة، وقد حرره غيره بذراع الحديد المستعمل الآن بمصر والحجاز في هذه

مرأة. أو آت. قال النووي: الميل ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون أصبعا معترضة معتدلة، وقد حرره غيره بذراع الحديد المستعمل الآن بمصر والحجاز في هذه

الأعصار فوجده ينقص عن ذراع الحديد بقدر الثمن. فعلى هذا فالميل بذراع الحديد خمسة آلاف ذراع ومائتان وخمسون ذراعا، وهذه فائدة جليلة قل من تنبه لها. وروى البيهقي عن عطاء أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين، أي يقصران في أربعة برد فما فوقها. وذكره البخاري في صحيحه تعليقا بصيغة الجزم. ورواه بعضهم في صحيح ابن خزيمة مرفوعا من رواية ابن عباس. وقد كان فرض الصلاة ركعتين ركعتين، فلما هاجر ﵊ فرضت أربعا.. رواه البخاري من حديث عائشة، لكن يعارضه حديث ابن عباس: فرضت الصلاة في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين. رواه مسلم. وجمع بينهما بما يطول ذكره.

ثم بعد أن استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] ويؤيده ما ذكره ابن الأثير في شرح المسند أن قصر الصلاة كان في السنة الرابعة من الهجرة، وقيل: كان قصر الصلاة في ربيع الآخر من السنة الثانية. ذكره الدولابي، وقيل: بعد الهجرة بأربعين يوما. الفرع الثاني: في القصر مع الإقامة عن أنس قال: خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي

ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة. قيل له: أقمتم بمكة شيئا؟ قال: أقمنا بها عشرا. رواه البخاري، ومسلم مختصرا قال: أقمنا مع النبي ﷺ عشرة يقصر الصلاة. وعن ابن عباس قال: أقام النبي ﷺ تسعة عشر يقصر الصلاة. فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتمنا. رواه البخاري. وفي رواية أبي داود: أنه ﷺ أقام سبعة عشر بمكة يقصر الصلاة. قال ابن عباس: فلو أقام أكثر أتم. والرواية الأولى بتقديم التاء على السين، والثانية بتقديم السين على الموحدة. ولأبي داود، من حديث عمران بن حصين: غزوت مع رسول الله ﷺ الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين. وله طريق ابن إسحاق عن

لسين على الموحدة. ولأبي داود، من حديث عمران بن حصين: غزوت مع رسول الله ﷺ الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين. وله طريق ابن إسحاق عن

الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس: أقام ﷺ بمكة عام الفتح خمسة عشر يوما يقصر الصلاة. وجمع البيهقي بين هذا الاختلاف: بأن من قال: "تسعة عشر" عد يومي الدخول والخروج، ومن قال: "سبعة عشر" حذفهما، وأما رواية "خمسة عشر" فضعفها النووي في "الخلاصة" وليس بجيد؛ لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك عن عبيد الله كذلك، فإذا ثبت أنها صحيحة فلتحمل على أن الراوي ظن أن الأصل سبعة عشر، فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها خمسة عشر، واقتضى ذلك أن رواية "تسعة عشر" أرجح الروايات. وأخذ الشافعي بحديث عمران بن حصين، لكن محله عنده فيمن لم يزمع الإقامة، فإنه إذا مضت عليه المدة المذكورة وجب عليه الإتمام، فإن أزمع الإقامة في

Bagian 35 dari 43