شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya الزرقاني، محمد بن عبد الباقي (w. 1122 H).

Bagian 41 dari 43 5943 halaman

— Bagian 41 · جهًا واحدًا، انتهى. ولو نذر إتيان المسجد الأقصى … —

Bagian 41

جهًا واحدًا، انتهى. ولو نذر إتيان المسجد الأقصى للصلاة لزمه ذلك على الأصح عندنا، وبه قال المالكية والحنابلة، لكنه يخرج عنه بالصلاة في المسجد الحرام.

وصحَّح النووي أيضًا أنه يخرج عنه بالصلاة في مسجد المدينة. قال: ونصَّ عليه الشافعي في البويطي. وبه قال الحنفية والحنابلة. وللشيخ تقي الدين بن تيمية هنا كلام شنيع عجيب، يتضمّن منع شد الرحال للزيارة النبوية المحمدية، وأنه ليس من القرب، بل بضد ذلك. ورد عليه الشيخ تقي الدين السبكي في "شفاء السقام" فشفى صدور المؤمنين. وحكى الشيخ ولي الدين العراقي أن والده كان معادلًا للشيخ زين الدين

عبد الرحمن بن رجب الدمشقي في التوجّه إلى بلد الخليل ﵇, فلمَّا دنا من البلد قال: نويت الصلاة في مسجد الخليل، ليحترز عن شد الرحال لزيارته على طريقة شيخ الحنابلة ابن تيمية، فقلت: نويت زيارة قبر الخليل ﵇، ثم قلت: أمَّا أنت فقد خالفت النبي ﷺ؛ لأنَّه قال: "لا تشد الرحال إلّا إلى ثلاثة مساجد" , وقد شددت الرحل إلى مسجد رابع، وأمَّا أنا فاتبعت النبي ﷺ؛ لأنه قال: "زوروا القبور" أفقال: إلا قبور الأنبياء؟! فبهت. وينبغي لمن أراد الزيارة أن يكثر من الصلاة عليه في طريقه، فإذا وقع بصره على معالم المدينة الشريفة وما تعرف به، فليردد الصلاة والتسليم، وليسأل الله أن ينفعه بزيارته, ويسعده بها في الدارين. وليغتسل ويلبس النظيف من ثيابه، وليترجَّل ماشيًا باكيًا. ولما رأى وفد عبد القيس رسول الله ﷺ ألقوا أنفسهم عن رواحلهم ولم ينيخوها وسارعوا إليه، فلم ينكر ذلك عليهم -صلوات الله وسلامه عليه.

وروينا مما ذكره القاضي عياض في "الشفاء" أنَّ أبا الفضل الجوهري لما ورد إلى المدينة زائرًا، وقرب من بيوتها ترجَّل ومشى باكيًا منشدًا. ولما رأينا رسم من لم يدع لنا ... فؤادًا لعرفان الرسوم ولا لبا نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه أن نلم به ركبا وأنبئت بأن العلامة أبا عبد الله بن رشيد قال: لما قدمنا المدينة سنة أربع

ان الرسوم ولا لبا نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... لمن بان عنه أن نلم به ركبا وأنبئت بأن العلامة أبا عبد الله بن رشيد قال: لما قدمنا المدينة سنة أربع

وثمانين وستمائة، كان معي رفيقي الوزير أبو عبد الله بن أبي القاسم بن الحكم، وكان أرمد، فلمَّا دخلنا ذا الحليفة أو نحوها نزلنا عن الأكوار، وقوي الشوق لقرب المزار، فنزل وبادر إلى المشي على قدميه احتسابًا لتلك الآثار، وإعظامًا لمن حلَّ تلك الديار، فأحس بالشفاء, فأنشد لنفسه في وصف الحال: ولما رأينا من ربوع حبيبنا ... بيثرب أعلامًا أثرن لنا الحبا وبالتراب منها إذا كحلنا جفوننا ... شفينا فلا بأسًا نخاف ولا كربا وحين تبدَّى للعيون جمالها ... ومن بعدها عنا أذيلت لنا قربا نزلنا عن الأكوار نمشي كرامة ... لمن حلّ فيها أن نلم به ركبا نسح سجال الدمع في عرصاته ... ونلثم من حب لواطئه التربا

وإن نفادي دونه لخسارة ... ولو أن كفي تملك الشرق والغربا فيا عجبًا ممن يحب بزعمه ... يقيم مع الدعوى ويستعمل الكذبا وزلات مثلي لا تعدد كثرة ... وبعدي عن المختار أعظمها ذنبا لما كنت سائرًا لقصد الزيارة في ربيع الآخر سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة، ولاح لنا عند الصباح جبل مفرح الأرواح, المبشر بقرب المزار من أشرف الديار، تسابق الزوار إليه، وتعالوا بالصعود عليه استعجالًا لمشاهدة تلك الآثار, فبرقت لوامع الأنوار النبوية، وهبّت عرف نسمات المعارف المحمدية، فطبنا وغبنا؛ إذ شهدنا أعلام ديار أشرف البرية: ألا مع برق يغتدي ويروح ... أم النور من أرض الحجاز يلوح وريح الصبا هبت بطيب عرفهم ... أم الروض في وجه الصباح يفوح إذا ريح ذاك الحي هب فإنها ... حاة لمن يغدو لها ويروح ترفق بنا يا حادي العيس والتفت ... فللنور بين الواديين وضوح

فما هذه إلا ديار محمد ... وذاك سناها يغتدي ويروح وإلّا فما للركب هاج اشتياقهم ... فكل من الشوق الشديد يصيح وأنت مطايا الركب حتى كأنها ... حمام على قضب الأراك تنوح وقد مدت الأعناق شوقًا وطرفها ... إلى النور من تلك الديار لموح رأت دار من تهوى فزاد اشتياقها ... ومدمعها في الوجنتين سفوح إذا العيس باحت بالغرام ولم تطق ... خفاء فما للصب ليس يبوح ولما قربنا من ديار المدينة وأعلامها، وتدانينا من معاينة رباها الكريمة وآكامها، وانتشقنا عرف لطائف أزهارها، وبت لنواظرنا بوارق أنوارها، وترادفت واردات المنح والعطايا، ونزل القوم عن المطايا، فأنشدت متمثلًا: أتيتك زائرًا وودت أني ... جعلت سواد عيني أمتطيه ومالي لا أسير على المآقي ... إلى قبر رسول الله فيه ولما وقع بصري على القبر الشريف والمسجد المنيف فاضت من الفرح

سوابق العبرات حتى أصابت بعض الثرى والجدرات, وقلت: أيها المغرم المشوق هنيئًا ... ما أنالوك من لذيذ التلاق قل لعينيك تهملان سرورًا ... طالما أسعداك يوم الفراق واجمع الوجد والسرور ابتهاجًا ... وجميع الأشجان والأشواق ومر العين أن تفيض انهمالًا ... وتوالى بدمعها المهراق هذه دارهم وأنت محب ... ما بقاء الدموع في الآماق وقلت: وكان ما كان مما لست أذكره ... فظن خيرًا ولا نسأل عن الخبر ويستحَبُّ صلاة ركعتين تحية المسجد قبل الزيارة، وهذا إذا لم يكن مروره من جهة وجهه الشريف ﷺ, فإن كان استحبت الزيارة قبل التحية, قال في "تحقيق النصرة" وهو استدراك حسن, قاله بعض شيوخنا. وفي منسك ابن فرحون, فإن قلت: المسجد إنما تشرَّف بإضافته إليه ﷺ, فينبغي البداءة بالوقوف عنده ﷺ, قلت: قال ابن حبيب في أوّل كتاب الصلاة:

له بعض شيوخنا. وفي منسك ابن فرحون, فإن قلت: المسجد إنما تشرَّف بإضافته إليه ﷺ, فينبغي البداءة بالوقوف عنده ﷺ, قلت: قال ابن حبيب في أوّل كتاب الصلاة:

حدَّثني مطرف عن مالك عن يحيى بن سعيد عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قدمت من سفر، فجئت رسول الله ﷺ أسلِّم عليه وهو بفناء المسجد، فقال: "أدخلت المسجد فصليت فيه"؟ قلت: لا، قال: "فاذهب فادخل المسجد وصلّ فيه، ثم سلِّم علي". ورخص بعضهم في تقديم الزيارة على الصلاة. قال ابن الحاج: وكل ذلك واسع, ولعل هذا الحديث لم يبلغهم، والله أعلم. انتهى. وينبغي للزائر أن يستحضر من الخشوع ما أمكنه، وليكن مقتصدًا في سلامه بين الجهر والإسرار، وفي البخاري: أنَّ عمر ﵁ قال لرجلين من أهل الطائف: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ضربًا، ترفعان أصواتكم في مسجد

رسول الله ﷺ. وقد روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: لا ينبغي رفع الصوت على نبي حيًّا ولا ميتًا. وروي عن عائشة ﵂ أنها كانت تسمع صوت الوتد يوتد, والمسمار يضرب في بعض الدور المطيفة بمسجد النبي ﷺ, فترسل إليهم: لا تؤذوا رسول الله ﷺ. قالوا: وما عمل علي بن أبي طالب ﵁ مصراعيْ داره إلا بالمصانع توقيًا لذلك، نقله ابن زبالة. فيجب الأدب معه كما في حياته. وينبغي للزائر أن يتقدَّم إلى القبر الشريف من جهة القبلة، وإن جاء من جهة رجلي الصحابين فهو أبلغ في الأدب من الإتيان من جهة رأسه الكريم, ويستدبر القبلة ويقف قبالة وجهه ﷺ, بأن يقابل المسمار الفضة المضروب في الرخام الذي

في الجدار، ولا عبرة بالقنديل الكبير اليوم؛ لأن هناك عدة قناديل. وقد روي أن مالكًا لما سأله أبو جعفر المنصور العباسي: يا أبا عبد الله, أأستقبل رسول الله ﷺ وأدعو، أم أستقبل القبلة وأدعو؟ فقال له مالك: ولم تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله ﷿ يوم القيامة. لكن رأيت منسوبًا للشيخ تقي الدين بن تيمية في منسكه: إن هذه الحكاية كذب على مالك, وأنَّ الوقوف عند القبر بدعة، قال: ولم يكن أحد من الصحابة يقف عنده ويدعو لنفسه، ولكن كانوا يستقبلون القبلة ويدعون في مسجده ﷺ قال: ومالك من أعظم الأئمة كراهية لذلك.

ند القبر بدعة، قال: ولم يكن أحد من الصحابة يقف عنده ويدعو لنفسه، ولكن كانوا يستقبلون القبلة ويدعون في مسجده ﷺ قال: ومالك من أعظم الأئمة كراهية لذلك.

وينبغي أن يقف عند محاذاة أربعة أذرع, ويلازم الأدب والخشوع والتواضع، غاضّ البصر في مقام الهيبة، كما كان يفعل بين يديه في حياته، ويستحضر علمه بوقوفه بين يديه, وسماعه لسلامه، كما هو الحال في حال حياته؛ إذ لا فرق بين موته وحياته في مشاهدته لأمته, ومعرفته أحوالهم ونياتهم وعزائمهم وخواطرهم، وذلك عنده جليّ لا خفاء به. فإن قلت: هذه الصفات مختصة بالله تعالى. فالجواب: إن من انتقل إلى عالم البرزخ من المؤمنين يعلم أحوال الأحياء.

غالبًا، وقد وقع كثير من ذلك كما هو مسطور في مظنَّة ذلك من الكتب. وقد روى ابن المبارك عن سعيد بن المسيب: ليس من يوم إلّا ويعرض على النبي ﷺ أعمال أمته غدوة وعشية، فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم. ويمثل الزائر وجهه الكريم ﵊ في ذهنه، ويحضر قلبه جلال رتبته وعلوّ منزلته، وعظيم حرمته، وإنَّ أكابر الصحابة ما كانوا يخاطبونه إلّا كأخي السرار، تعظيمًا لما عظَّم الله من شأنه. وقد روى ابن النجار أن امرأة سألت عائشة ﵂: أن اكشفي لي عن قبر رسول الله ﷺ, فكشفته, فبكت حتى ماتت. وحكي عن أبي الفضائل الحموي، أحد خدَّام الحجرة المقدسة، أنه شاهد شخصًا من الزوار الشيوخ، أتى باب مقصورة الحجرة الشريفة، فطأطأ رأسه نحو العتبة، فحركوه فإذا هو ميت، وكان ممن شهد جنازته.

ثم يقول الزائر بحضور قلب، وغضّ بصر وصوت، وسكون جوارح وإطراق: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا خيرة الله، السلام عليك يا صفوة الله، السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين، السلام عليك يا قائد الغر المحجَّلين، السلام عليك وعلى أهل بيتك الطيبين الطاهرين، السلام عليك وعلى أزواجك الطاهرات أمهات المؤمنين، السلام عليك وعلى أصحابك أجمعين، السلام عليك وعلى سائر الأنبياء وسائر عباد الله الصالحين، جزاك الله يا رسول الله أفضل ما جازي نبيًّا ورسولًا عن أمته، وصلى الله عليك كُلَّما ذكرك الذاكرون، وغفل عن ذكرك الغافلون، أشهد أن لا إله إلا الله, وأشهد أنك عبده ورسوله وأمينه، وخيرته من خلقه، وأشهد أنك قد بلَّغت الرسالة, وأدَّيب الأمانة, ونصحت الأمة, وجاهدت في الله حق جهاده. ومن ضاق وقته عن ذلك أو عن حفظه, فليقل ما تيسّر منه، أو مما يحصل به الغرض. وفي "التحفة": أنَّ ابن عمر وغيره من السلف كانوا يقتصرون ويوجزون في

هذا جدًّا. فعن مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، وناهيك به خبرة بهذا الشأن, من رواية ابن وهب عنه، يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. وعن نافع عن ابن عمر، أنه كان إذا قَدِم من سفر دخل المسجد، ثم أتى القبر المقدَّس فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه. وينبغي أن يدعو، ولا يتكلّف السجع, فإنه قد يؤدي إلى الإحلال بالخشوع. وقد حكى جماعة منهم الإمام أبو نصر بن الصباغ في "الشامل", الحكاية المشهورة عن العتبي، واسمه: محمد بن عبيد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب، وتوفي في سنة ثمان وعشرين ومائتين، وذكرها ابن النجار وابن عساكر وابن الجوزية في منبر الغرام الساكن عن

معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب، وتوفي في سنة ثمان وعشرين ومائتين، وذكرها ابن النجار وابن عساكر وابن الجوزية في منبر الغرام الساكن عن

محمد بن حرب الهلالي قال: أتيت قبر النبي ﷺ فزرته, وجلست بحذائه، فجاء أعرابي فزاره ثم قال: يا خير الرسل، إن الله أنزل عليك كتابًا صادقًا، قال فيه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وقد جئتك مستغفرًا من ذنبي مستشفعًا بك إلى ربي, وأنشأ يقول: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهنّ القاع والأكم نفسي الفداء لقبرٍ أنت ساكن ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم ووقف أعرابي على قبره الشريف وقال: اللهم إنك أمرت بعتق العبيد، وهذا حبيبك وأنا عبدك، فأعتقني من النار على قبر حبيبك، فهتف به هاتف: يا هذا, تسأل العتق لك وحدك، هلّا سألت لجميع الخلق, اذهب فقد أعتقناك من النار. إن الملوك إذا شابت عبيدهم ... في رقهم أعتقوهم عتق أحرار وأنت يا سيدي أولى بذا كرمًا ... قد شبت في الرق فاعتقني من النار

وعن الحسن البصري قال: وقف حاتم الأصم على قبره ﷺ فقال: يا رب، إنا زرنا قبر نبيك فلا تردنا خائبين، فنودي: يا هذا, ما أذنَّا لك في زيارة قبر حبيبنا إلّا وقد قبلناك, فارجع أنت ومن معك من الزوار مغفورًا لكم. وقال ابن أبي فديك: سمعت بعض من أدركت يقول: بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي ﷺ, فتلا هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] وقال: صلى الله عليك يا محمد، حتى يقولها سبعين مرة, ناداه ملك: صلى الله عليك يا فلان, ولم تسقط له حاجة. قال الشيخ زين الدين المراغي وغيره: الأَوْلَى أن ينادي: يا رسول الله, وإن كانت الرواية: يا محمد، انتهى.

ملك: صلى الله عليك يا فلان, ولم تسقط له حاجة. قال الشيخ زين الدين المراغي وغيره: الأَوْلَى أن ينادي: يا رسول الله, وإن كانت الرواية: يا محمد، انتهى.

وقد نبَّهت على ذلك مع مزيد بيان في كتاب "لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار". فإن أوصاه أحد بإبلاغ السلام إلى النبي ﷺ فليقل: السلام عليك يا رسول الله من فلان. ثم ينتقل عن يمينه قدر ذراع، فيسلّم على أبي بكر ﵁؛ لأنَّ رأسه بحذاء منكب رسول الله ﷺ، على ما جزم به رزين وغيره، وعليه الأكثر، فيقول: السلام عليك يا خليفة سيد المرسلين، السلام عليك يا من أيَّد الله به -يوم الردة- الدِّين، جزاك الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا، اللهمَّ ارض عنه، وارض عنَّا به. ثم ينتقل عن يمينه قدر ذراع، فيسلِّم على عمر بن الخطاب ﵁ فيقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك يا من أيِّد الله به الدِّين، جزاك الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا، اللهمَّ ارض عنه، وارض عنا به.

ثم يرجع إلى موقفه الأوَّل قبالة وجه سيدنا رسول الله ﷺ بعد السلام على سيدنا أبي بكر وعمر، فيحمد الله تعالى ويمجده، ويصلي على النبي ﷺ، ويكثر من الدعاء والتضرّع، ويجدِّد التوبة في حضرته الكريمة، ويسأل الله بجاهه أن يجعلها توبة نصوحًا، ويكثر من الصلاة والسلام على النبي ﷺ بحضرته الشريفة؛ حيث يسمعه ويردّ عليه. وقد روى أبو داود من حديث أبي هريرة: أنه ﷺ قال: "ما من مسلم يسلِّم علي إلّا ردَّ الله عليّ روحي حتى أرد ﵇".

وعند ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من صلَّى عليَّ عند قبري سمعته، ومن صلّى عليَّ نائيًا بلغته". وعن سليمان بن سحيم، مما ذكره القاضي عياض في الشفاء" قال: رأيت النبي ﷺ في النوم، فقلت: يا رسول الله، هؤلاء الذين يأتونك فيسلمون عليك, أتفقه سلامهم؟ قال: نعم وأرد عليهم. ولا شكَّ أن حياة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- ثابتة معلومة مستمرة، ونبينا ﷺ أفضلهم، وإذا كان كذلك فينبغي أن تكون حياته ﷺ أكمل وأتمّ من

حياة سائرهم. فإن قال سقيم الطبع رديء الفهم: لو كانت حياته ﷺ مستمرة ثابتة, لما كان لرد روحه معنَى كما قال: "إلا ردَّ الله عليَّ روحي". يجاب عن ذلك من وجوه: أحدها: إن هذا إعلام بثبوت وصف الحياة دائمًا لثبوت رد السلام دائمًا, فوصف الحياة لازم لرد السلام اللازم، واللازم يجب وجوده عند ملزومه, أو ملزوم ملزومه، فوصف الحياة ثابت دائمًا؛ لأن ملزوم ملزومه ثابت دائمًا، وهذا من نفاثات سحر البيان في إثبات المقصود بأكمل أنواع البلاغة، وأجمل فنون البراعة التي هي قطرة من بحار بلاغته العظمى. ومنها: إن ذلك عبارة عن إقبال خاصّ، والتفات روحانيّ يحصل من الحضرة النبوية إلى عالم الدنيا، وقوالب الأجساد الترابية، وتنزل إلى دائرة البشرية، حتى يحصل عند ذلك ردّ السلام، وهذا الإقبال يكون عامًّا شاملًا، حتى لو كان

المسلِّمون في كل لمحة أكثر من ألف ألف ألف, لوسعهم ذلك الإقبال النبوي والالتفات الروحاني، ولقد رأيت من ذلك ما لا أستطيع أن أعبّر عنه، ولقد أحسن من سُئِلَ: كيف يرد النبي ﷺ على مَنْ سَلَّمَ عليه من مشارق الأرض ومغاربها في آنٍ واحد, فأنشد قول أبي الطيب: كالشمس في وسط السماء ونورها ... يغشى البلاد مشارقًا ومغاربًا

النبي ﷺ على مَنْ سَلَّمَ عليه من مشارق الأرض ومغاربها في آنٍ واحد, فأنشد قول أبي الطيب: كالشمس في وسط السماء ونورها ... يغشى البلاد مشارقًا ومغاربًا

ولا ريب أن حاله ﷺ في البرزخ أفضل وأكمل من حال الملائكة، هذا سيدنا عزرائيل ﵇ يقبض مائة ألف روح في وقت واحد, ولا يشغله قبض عن قبض، وهو مع ذلك مشغول بعبادة الله تعالى، مقبل على التسبيح والتقديس، فنبينا ﷺ حي يصلي ويعبد ربه ويشاهده، لا يزال في حضرة اقترابه، متلذذًا بسماع خطابه، وقد تقدَّم الجواب عن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ في أواخر الخصائص من المقصد الرابع. وقد روى الدارمي عن سعيد بن عبد العزيز قال: لما كان أيام الحرة، لم

يؤذّن في مسجد النبي ﷺ، ولم يبرح سعيد بن المسيب من المسجد، وكان لا يعرف وقت الصلاة إلّا بهمهمة يسمعها من قبر النبي ﷺ, وذكر ابن النجار وابن زبالة بلفظ: قال سعيد -يعني: ابن المسيب: فلمَّا حضرت الظهر سمعت الأذان في القبر، فصليت ركعتين، ثم سمعت الإقامة فصليت الظهر، ثم مضى ذلك الأذان والإقامة في القبر المقدَّس لكل صلاة حتى مضت الثلاث ليال، يعني: ليالى أيام الحرة. وقد روى البيهقي وغيره: من حديث أنس أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون" , وفي رواية: "إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة، ولكنهم يصلون بين يدي الله حتى ينفخ في الصور".

وله شواهد في الصحيح, منها: قوله في صحيح مسلم عنه ﷺ: "مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره" , وفي حديث أبي ذر في قصة المعراج: أنه لقي الأنبياء

ي الصور".

وله شواهد في الصحيح, منها: قوله في صحيح مسلم عنه ﷺ: "مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره" , وفي حديث أبي ذر في قصة المعراج: أنه لقي الأنبياء

في السموات، وكلموه وكلمهم. وقد ذكرت مزيد بيان لذلك في حجة الوداع من مقصد عباداته، وفي ذكر الخصائص الكريمة في مقصد معجزاته، وفي مقصد الإسراء والمعراج. وهذه الصلوات والحج الصادر من الأنبياء ليس على سبيل التكليف، إنما هو على سبيل التلذذ, ويحتمل أن يكونوا في البرزخ ينسحب عليهم حكم الدنيا في استكثارهم من الأعمال وزيادة الأجور من غير خطاب بتكليف، وبالله التوفيق. وإذا ثبت بشهادة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] حياة الشهيد، ثبت للنبي ﷺ بطريق الأولى، والذي عليه جمهور العلماء أنَّ الشهداء أحياء حقيقية، وهل ذلك للروح فقط أو للجسد معها؟ بمعنى عدم البلى، قولان.

وقد صحَّ عن جابر: أن أباه وعمرو بن الجموح, وكانا مَمَّن استُشْهِدا بأحد, ودفنا في قبر واحد، حتى حفر السيل قبرهما، فوجدا لم يتغيرا، وكان أحدهما قد جرح، فوضع يده على جرحه، فدفن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت, فرجعت كما كانت. وكان بين ذلك وبين أحد ست وأربعون سنة. وروي عنه ﵊ أنه قال في شهداء أحد: "والذي نفسي

بيده, لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلّا ردوا عليه". رواه البيهقي عن أبي هريرة. وقد قال ابن شهاب: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "أكثروا من الصلاة علي في الليلة الزهراء واليوم الأزهر، فإنهما يؤديان عنكم، وإن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء" رواه أبو داود وابن ماجه. ونقل ابن زبالة عن الحسن أن رسول الله ﷺ قال: "من كلمه روح القدس لم يؤذن للأرض أن تأكل من لحمه". وقد ثبت أن نبينا ﷺ مات شهيدًا لأكله يوم خيبر من شاة مسمومة سمًّا قاتلًا من ساعته, حتى مات منه بشر بن البراء، وصار بقاؤه ﷺ معجزة، فكان به ألم

السم يتاعهده إلى أن مات به، ولذا قال في مرض موته -كما مَرَّ: "مازالت أكلة خيبر تعادّني حتى كان الآن قطعت أبهري". والأبهران: عرقان يخرجان من القلب تتشعّب منهما الشرايين، كما ذكره في الصحّاح. قال العلماء: فجمع الله له بذلك بين النبوّة والشهادة, انتهى. وقد اختلف في محل الوقوف للدعاء, فعند الشافعية أنه قبالة وجهه -كما ذكرته، وقال ابن فرحون من المالكية: اختلف أصحابنا في محل الوقوف للدعاء، ففي الشفاء قال مالك -في رواية ابن وهب: إذا سلّم على النبي ﷺ يقف للدعاء ووجهه إلى القبر الشريف لا إلى القبلة، وقد سأل الخليفة المنصور مالكًا

فقال: يا أبا عبد الله، أأستقبل القبلة وأدعو، أم أستقبل رسول الله ﷺ؟ فقال مالك: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك, ووسيلة أبيك آدم ﵇ إلى الله يوم القيامة. وقال مالك في "المبسوط": لا أرى أن يقف عند القبر يدعو، ولكن يسلم ويمضي. قال ابن فرحون: ولعلَّ ذلك ليس اختلاف قول، وإنما أمر المنصور بذلك؛ لأنه يعلم ما يدعو به، ويعلم آداب الدعاء بين يديه ﷺ، فأمِنَ عليه من سوء الأدب, فأفتاه بذلك، وأفتى العامَّة أن يسلموا وينصرفوا لئلَّا يدعوا تلقاء وجهه الكريم ويتوسَّلوا به

في حضرته إلى الله العظيم فيما لا ينفي الدعاء به، أو فيما يكره أو يحرم, فمقاصد الناس وسرائرهم مختلفة، وأكثرهم لا يقوم بآداب الدعاء ولا يعرفها، فلذلك أمرهم مالك بالسلام والانصراف. انتهى. ورأيت مما نسب للشيخ تقي الدين بن تيمية في منسكه: ولا يدعو هناك مستقبل الحجرة، ولا يصلي إليها ولا يقبلها، فإن هذا كله منهي عنه باتفاق الأئمة، ومالك من أعظم الأئمة كراهية لذلك، والحكاية المروية عنه أنه أمر المنصور أن يستقبل القبر وقت الدعاء كذب على مالك, وكذا قال والله أعلم، انتهى.

الأئمة، ومالك من أعظم الأئمة كراهية لذلك، والحكاية المروية عنه أنه أمر المنصور أن يستقبل القبر وقت الدعاء كذب على مالك, وكذا قال والله أعلم، انتهى.

وأما قول الأبوصيري في بردة المديح: لا طيب يعدل تربًا ضم أعظمه ... طوبى لمنتشق منه وملتثم فقال شارحها العلامة ابن مرزوق وغيره: كأنَّه إشارة إلى النوعين المستعملين في الطيب؛ لأنه إمَّا أن يستعمل بالشمّ، وإليه أشار بقوله "لمنتشق", وإما بالتضمخ وإليها أشار بـ "ملتثم", قال: وأقلّ ذلك بتعفير جبهته وأنفه بتربته حال السجود في مسجده ﷺ, فليس المراد به تقبيل القبر الشريف, فإنه مكروه. ونقل الزركشي عن السيرافي: أن "طوبى" الطيب، وكذا قال ابن مرزوق: طوبى فعلى من أنواع الطيب. وهذا مبني على أنَّ المراد أنَّ تربته أفضل أنواع الطيب باعتبار الحقيقة الحسية، وذلك إمَّا لأنه كذلك في نفس الأمر، أدركه من أدركه أم لا، وإما باعتبار اعتقاد المؤمن في ذلك, فإن المؤمن لا يعدل بشمّ رائحة تربته ﵇ شيئًا من

الطيب: فإن قلت: لو كان المراد الحقيقة الحسية لأدرك ذلك كل أحد. فالجواب: لا يلزم من قيام المعنى بمحل إدراكه لكل أحد، بل حتى توجد الشرائط، وتنتفي الموانع، وعدم الإدراك لا يدل على عدم المدرك، وانتفاء الدليل لا يدل على انتفاء المدلول، فالمزكوم لا يدرك رائحة المسك، مع أن الرائحة قائمة بالمسك لم تنتف عنه. ولما كانت أحوال القبر من الأمور الأخروية، لا جرم لا يدركها من الأحياء إلّا من كشف له الغطاء من الأولياء المقرَّبين؛ لأن متاع الآخرة باقٍ، ومن الدنيا فانٍ، والفاني لا يتمتع بالباقي للتضاد، ولا ريب عند من له أدنى تعلّق بشريعة الإسلام أن قبره ﷺ روضة من رياض الجنة، بل أفضلها، وإذا كان القبر كما ذكرنا وقد حوى جمسه الشريف ﵊ الذي هو أطيب الطيب، فلا مرية أنه لا طيب يعدل تراب قبره المقدّس. ويرحم الله أبا العباس أحمد بن محمد العريف حيث يقول في قصيدته التي أولها:

سه الشريف ﵊ الذي هو أطيب الطيب، فلا مرية أنه لا طيب يعدل تراب قبره المقدّس. ويرحم الله أبا العباس أحمد بن محمد العريف حيث يقول في قصيدته التي أولها:

إذا ما حدا الحادي بأحمال يثرب ... فليت المطايا فوق خدي تعبق ثم قال بعد أبيات: فما عبق الريحان إلّا وتربها ... أجلّ من الريحان وأعبق راحت ركائبهم تبدي روائحها ... طيبًا فيا طيب ذاك الوفد أشباحًا نسيم قبر النبي المصطفى لهم ... روض إذا نشروا من ذكره فاحا ولله در القائل: فاح الصعيد بجسمه فكأنه ... روض ينمّ بعرفه المتأرج ما جسمه مما يغيره الثرى ... والروح منه كالصباح الأبلج

وقال ابن بطال في قوله ﷺ: "المدينة يَنْصَع طيبها" , هو مثل ضربه للمؤمن المخلص الساكن فيها، الصابر على لأوائها مع فراق الأهل, والتزام المخافة من العدو، فلمَّا باع نفسه من الله, والتزم هذا الأمر بأن صدقه, ونصع إيمانه وقوي لاغتباطه بسكنى المدينة, وبقربه من رسوله، كما ينصع ريح الطيب فيها ويزيد عبقًا على سائر البلاد، خصوصية خصَّ الله بها بلدة رسول الله ﷺ الذي اختار تربتها المباشرة جسده الطيب المطهّر، وقد جاء في الحديث: "إن المؤمن يقبر في التربة التي خلق منها".

فكانت بهذا تربة المدينة أفضل الترب، كما أنه هو ﷺ أفضل البشر، فلهذا والله أعلم يتضاعف ريح الطيب فيها على سائر البلدان، انتهى. وينبغي للزائر أن يكثر من الدعاء والتضرّع والاستغاثة والتشفّع والتوسّل به ﷺ, فجدير بمن استشفع به أن يشفعه الله تعالى فيه. واعلم أن الاستغاثة هي طلب الغوث، فالمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث منه، فلا فرق بين أن يعبّر بلفظ: الاستغاثة أو التوسل أو التشفع أو التجوّه أو التوجّه؛ لأنهما من الجاه والوجاهة ومعناه: علوّ القدر والمنزلة. وقد يتوسل بصاحب الجاه إلى من هو أعلى منه، ثم إن كلًّا من الاستغاثة والتوسّل والتشفع والتوجه بالنبي ﷺ -كما ذكره في "تحقيق النصرة", و "مصباح

الظلام" واقع في كل حال، قبل خلقه وبعد خلقه، في مدة حياته في الدنيا وبعد موته في مدة البرزخ، وبعد البعث في عرصات القيامة. فأمّا الحالة الأولى: فحسبك ما قدمته في المقصد الأول من استشفاع آدم ﵇ به لما أخرج من الجنة، وقول الله تعالى له: يا آدم, لو تشفعت إلينا بمحمد في أهل السماوات والأرض لشفعناك. وفي حديث عمر بن الخطاب عند الحاكم والبيهقي وغيرهما: وإن سألتني بحقّه فقد غفرت لك. ويرحم الله ابن جابر حيث قال: به قد أجاب الله آدم إذ دعا ... ونجَّى في بطن السفينة نوح وما ضرت النار الخليل لنوره ... ومن أجله نال الفداء ذبيح وصحَّ أن رسول الله ﷺ قال: "لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب، أسألك بحق محمد لما غفرت لي، قال الله تعالى: يا آدم، وكيف عرفت محمدًا ولم أخلقه، قال: يا رب، إنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك، رفعت رأسي فرأيت قوائم العرش مكتوبًا عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله, فعرفت أنك لا

ولم أخلقه، قال: يا رب، إنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك، رفعت رأسي فرأيت قوائم العرش مكتوبًا عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله, فعرفت أنك لا

تضيف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله تعالى: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إلي، وإذ سألتني بحقّه فقد غفرت لك, ولولا محمد ما خلقتك". ذكره الطبري، وزاد فيه: "وهو آخر الأنبياء من ذريتك". وأمَّا التوسل به بعد خلقه في مدة حياته، فمن ذلك الاستغاثة به ﷺ عند القحط وعدم الأمطار، وكذلك الاستغاثة به من الجوع ونحو ذلك مما ذكرته في مقصد المعجزات ومقصد العبادات في الاستسقاء، ومن ذلك استغاثة ذوي العاهات به, وحسبك ما رواه النسائي والترمذي عن عثمان بن حنيف، أن رجلًا ضريرًا أتاه ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك وأتوجّه إليك بنبيك محمد, نبي الرحمة، يا محمد, إني أتوجه بك إلى ربك في حاجتي لتقضي، اللهم شفّعه في" وصحَّحه البيهقي،

وزاد: فقام وقد أبصر. وأمَّا التوسل به ﷺ بعد موته في البرزخ, فهو أكثر من أن يحصى أو يدرك باستقصاء, وفي كتاب "مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام" للشيخ أبي عبد الله بن النعمان طرف من ذلك. ولقد كان حصل لي داء أعيا دواؤه الأطباء، وأقمت به سنين، فاستغثت به ﷺ ليلة الثامن والعشرين من جمادي الأولى سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة, بمكة زداها الله شرفًا، ومنَّ عليَّ بالعود في عافية بلا محنة، فبينا أنا نائم إذا جاء رجل معه قرطاس يكتب فيه: هذا دواء لداء أحمد بن القسطلاني من الحضرة الشريفة, بعد الإذن الشريف النبوي، ثم استيقظت فلم أجد بي- والله شيئًا مما كنت أجده, وحصل الشفاء ببركة النبي ﷺ. ووقع لي أيضًا في سنة خمس وثمانين وثمانمائة في طريق مكة، بعد رجوعي من الزيارة الشريفة لقصد مصر، أن صرعت خادمتنا غزال الحبشية، واستمر بها

ركة النبي ﷺ. ووقع لي أيضًا في سنة خمس وثمانين وثمانمائة في طريق مكة، بعد رجوعي من الزيارة الشريفة لقصد مصر، أن صرعت خادمتنا غزال الحبشية، واستمر بها

أيامًا، فاستشفعت به ﷺ في ذلك، فأتاني آتٍ في منامي، ومعه الجني الصارع لها, فقال: لقد أرسله لك النبي ﷺ فعاتبته, وحلفته أن لا يعود إليها، ثم استيقظت وليس بها قلبة كأنما نشطت من عقال، ولا زالت في عافية من ذلك حتى فارقتها بمكة سنة أربع وتسعين وثمانمائة، والحمد لله رب العالمين. وأما التوسّل به ﷺ في عرصات القيامة، فما قام عليه الإجماع, وتواترت به الأخبار في حديث الشفاعة. فعليك أيها الطالب إدراك السعادة الموصّل لحسن الحال في حضرة الغيب والشهادة, بالتعلق بأذيال عطفه وكرمه، والتطفل على موائد نعمه، والتوسُّل بجاهه الشريف, والتشفُّع بقدره المنيف، فهو الوسيلة إلى نيل المعالي واقتناص المرام، والمفزع يوم الجزع والهلع لكافة الرسل الكرام، واجعله أمامك فيما نزل بك من النوازل، وإمامك فيما تحاول من القرب والمنازل، فإنك تظفر من المراد بأقصاه،

وتدرك رضى من أحاط بكل شيء علمًا وأحصاه، واجتهد ما دمت بطيبة الطيبة حسب طاقتك في تحصيل أنواع القربات، ولازم قرع أبواب السعادات بأظافير الطلبات، وارق في مدارج العبادات، ولج في سرادق المرادات. تمتع إن ظفرت بنيل قرب ... وحصل ما استطعت من ادخار فها أنا قد أبحت لكم عطائي ... وها قد صرت عندي في جواري فخذ ما شئت من كرم وجود ... ونل ما شئت من نعم غزار فقد وسعت أبواب التداني ... وقد قرب للزوار داري فمتّع ناظريك فها جمالي ... تجلى للقلوب بلا استتار ولازم الصلوات مكتوبة ونافلة في مسجده المكرّم, خصوصًا بالروضة التي ثبت أنها روضة من رياض الجنة. كما رواه البخاري.

قال ابن أبي جمرة: معناه: تنقل تلك البقعة بعينها في الجنة, فتكون روضة من رياض الجنة، قال: والأظهر الجمع بين الوجهين معًا، يعني: احتمال كونها تنقل إلى الجنة، وكون العمل فيها يوجب لصاحبه روضة في الجنة، قال: ولكل وجه منهما دليل يعضّده ويقويه من جهة النظر والقياس. أما الدليل على أنَّ العمل فيها يوجب روضة في الجنة، فلأنه إذا كانت الصلاة في مسجده ﷺ بألف فيما سواه من المساجد، فلهذه البقعة زيادة على باقي البقع, كما كان للمسجد زيادة على غيره. وأما الدليل على كونها بعينها في الجنة، وكون المنبر أيضًا على الحوض، كما أخبر ﷺ, وأن الجذع في الجنة، والجذع في البقعة نفسها، فالعلة التي

أوجبت للجذع الجنة هي في البقعة سواء، على ما أذكره بعد إن شاء الله تعالى. والذي أخبر بهذا أخبر بهذا فينبغي الحمل على أكمل الوجوه، وهو الجمع بينهما، لأنه قد تقرر من قواعد الشرع أن البقعة المباركة، ما فائدة بركتها لنا، والإخبار بها لنا إلا لتعميرها بالطاعات، فإن الثواب فيها أكثر، وكذلك الأيام المباركة أيضًا، فعلى هذا يكون الموضع روضة من رياض الجنة الآن، ويعود روضة كما كان في موضعه، ويكون للعامل بالعمل فيها روضة في الجنة، وهو الأظهر لوجهين: أحدهما: لعلوّ منزلته ﷺ, ولما خصّ الخليل ﵇ بالحجر من الجنة، خص الحبيب ﷺ بالروضة من الجنة.

ويكون للعامل بالعمل فيها روضة في الجنة، وهو الأظهر لوجهين: أحدهما: لعلوّ منزلته ﷺ, ولما خصّ الخليل ﵇ بالحجر من الجنة، خص الحبيب ﷺ بالروضة من الجنة.

وها هنا بحث: لم جعلت هذه البقعة من بين سائر البقع روضة من رياض الجنة؟ فإن قلنا: تعبد, فلا بحث، وإن قلنا: لحكمة, فحينئذ يحتاج إلى البحث. والأظهر أنه لحكمة, وهي أنه قد سبق في العلم الرباني بما ظهر أن الله ﷿ فضله على جميع خلقه، وأنَّ كل ما كان منه بنسبة ما من جميع المخلقوات, يكون له تفضيل على جنسه, كما استقرئ في كل أموره، من بدء ظهوره ﷺ إلى حين وفاته، في الجاهلية والإسلام, فمنها ما كان في شأن أمه، وما نالها من بركته مع الجاهلية الجهلاء، حسب ما هو مذكور معلوم, ومثل ذلك حليمة السعدية، وحتى الأتان, وحتى البقعة التي تجعل أتانه يدها عليها تخضر من حينها، وما هو من ذلك كله معلوم. كان مشيه ﷺ حيث ما مشى ظهرت البركات مع ذلك كله، وحيث وضع ﷺ يده المباركة ظهر في ذلك كله من الخيرات والبركات حسًّا ومعنًى، كما هو منقول معروف. ولما شاءت القدرة أنه ﷺ لا بُدَّ له من بيت، ولا بُدَّ له من منبر، وأنه

بالضرورة يكثر بمشيئة ﷺ بين المنبر والبيت، فالحرمة التي أعطي غيرهما إذا كان من مسّه واحدة بمباشرته, أو بواسطة حيوان أو غيره تظهر البركة والخير، فكيف مع كثرة ترداده ﷺ في البقعة الواحدة مرارًا في اليوم الواحد طول عمره، من وقت هجرته إلى حين وفاته. فلم يبق من الترفيع بالنسبة إلى عالمها أعلى مما وصفناه، وهو أنَّها كانت من الجنة، وتعود إليها، وهي الآن منها. وللعامل فيها مثلها، فلو كانت مرتبة يمكن أن تكون أرفع من هذه في هذه الدار، لكان لهذه أعلى مرتبة مما ذكرناه في جنسها. فإن احتج محتج لا فهم له بأن يقول: ينبغي أن يكون ذلك للمدينة بكمالها؛ لأنه ﷺ كان يطؤها بقدمه مرارًا. فالجواب: إنه قد حصل للمدينة تفضيل لم يحصل لغيرها، من ذلك أنَّ ترابها شفاء كما أخبر ﷺ، مع ما شاركت فيه البقعة المكرَّمة من منعها من الدجال وتلك الفتن العظام, وأنه ﷺ أوّل ما يشفع لأهلها يوم القيامة، وأنَّ ما كان بها من الوباء والحمَّى رُفِعَ عنها، وأنَّه بورك في طعامها وشرابها وأشياء كثيرة،

ك الفتن العظام, وأنه ﷺ أوّل ما يشفع لأهلها يوم القيامة، وأنَّ ما كان بها من الوباء والحمَّى رُفِعَ عنها، وأنَّه بورك في طعامها وشرابها وأشياء كثيرة،

فكان التفضيل لها بنسبة ما أشرنا إليه أولًا، بأنَّ تردده ﷺ في المسجد نفسه أكثر مما في المدينة نفسها، وتردده ﷺ فيما بين المنبر والبيت أكثر مما سواه من سائر المسجد، فالبحث تأكد بالاعتراض؛ لأنه جاءت البركة مناسبة لتكرار تلك الخطوات المباركة، والقرب من تلك النسمة المرتفعة لا خفاء فيه إلا على ملحد أعمى البصيرة، فالمدينة أرفع المدن، والمسجد أرفع المساجد، والبقعة أرفع البقع، قضية معلومة، وحجة ظاهرة موجودة. انتهى. وقال الخطَّابي: المراد من هذا الحديث الترغيب في سكنى المدينة، وأنَّ من لازم ذكر الله في مسجدها آل به إلى روضة من رياض الجنة، وسقي يوم القيامة من الحوض, انتهى. وقد تقدَّم في الخصائص من مقصد المعجزات مزيد لذلك ...

وعند مسلم من حديث ابن عمر ﵄، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام". وقد اختلف العماء في المراد بهذا الاستثناء على حسب اختلافهم في مكة والمدينة أيهما أفضل؟ فذهب سفيان بن عيينة والشافعي وأحمد -في أصح الروايتين عنه, وابن وهب ومطرف وابن حبيب -الثلاثة من المالكية, وحكاه الساجي عن عطاء بن أبي رباح، والمكيين والكوفيين، وحكاه ابن عبد البر عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي الدرداء وجابر وابن الزبير وقتادة، وجماهير العلماء، أن مكة أفضل من المدينة، وأن مسجد مكة أفضل من مسجد المدينة؛ لأن الأمكنة تشرف بفضل العبادة فيها على

غيرها مما تكون العبادة فيها مرجوحة. وقد حكى ابن عبد البر أنه روي عن مالك ما يدل على أن مكَّة أفضل الأرض كلها، قال: ولكن المشهور عن أصحابه في مذهبه تفضيل المدينة. انتهى. وقال مالك: المدينة ومسجدها أفضل. ومما احتج به أصحابنا لتفضيل مكة حديث عبد الله بن الحمراء, أنه سمع رسول الله ﷺ وهو واقف على راحلته يقول: "والله إنك لخير أرض الله وأحبها إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" , قال الترمذي: حسن صحيح. وقال ابن عبد البر: "هذا أصح الآثار عنه ﷺ, قال: وهذا قاطع في محل الخلاف. انتهى.

فعند الشافعي والجمهور معناه -أي: الحديث: "إلّا المسجد الحرام" فإنَّ الصلاة فيه أفضل من الصلاة في مسجدي. وعند مالك وموافقيه: إلا المسجد الحرام فإن الصلاة في مسجدي تفضله بدون الألف. وعن عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلّا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا" رواه أحمد وابن حزيمة وابن حبان في صحيحه وزاد: يعني في مسجد المدينة، والبزار ولفظه: "صلاة في مسجدي هذا

أفضل من ألف صلاة فيما سواه, إلا المسجد الحرام, فإنه يزيد عليه مائة". قال المنذري: وإسناده صحيح أيضًا. ومما يستدل به المالكية، ما ذكره ابن حبيب في "الواضحة" أنه ﷺ قال: "صلاة في مسجدي كألف صلاة فيما سواه, وجمعة في مسجدي كألف جمعة فيما سواه، ورمضان في مسجدي كألف رمضان فيما سواه".

ومذهب عمر بن الخطاب وبعض الصحابة وأكثر المدنيين -كما قاله القاضي عياض: إن المدينة أفضل، وهو أحد الروايتين عن أحمد. وأجمعوا على أن الموضع الذي ضمَّ أعضاءه الشريفة ﷺ أفضل بقاع الأرض، حتى موضع الكعبة، كما قاله ابن عساكر والباجي والقاضي عياض، بل نقل التاج السبكي كما ذكره السيد السمهودي في "فضائل المدينة", عن ابن عقيل الحنبلي: إنها أفضل من العرش، وصرَّح الفاكهاني بتفضيلها على السماوات, ولفظه: وأقول أنا: وأفضل من بقاع السماوات أيضًا. ولم أر من تعرض لذلك، والذي أعتقده لو أن ذلك عرض على علماء الأمة لم يختلفوا فيه، وقد جاء أن السماوات شرفت

ه: وأقول أنا: وأفضل من بقاع السماوات أيضًا. ولم أر من تعرض لذلك، والذي أعتقده لو أن ذلك عرض على علماء الأمة لم يختلفوا فيه، وقد جاء أن السماوات شرفت

بمواطئ قدميه، بل لو قال قائل: إن جميع بقاع الأرض أفضل من جميع بقاع السماء لشرفها؛ لكونه ﷺ حالًّا فيها لم يبعد، بل هو عندي الظاهر المتعيّن. انتهى. وحكاه بعضهم عن الأكثرين لخلق الأنبياء منها ودفنهم فيها، لكن قال النووي: والجمهور على تفضيل السماء على الأرض، أي: ما عدا ما ضمّ الأعضاء الشريفة. وقد استشكل ما ذكره من الإجماع على أفضلية ما ضمّ أعضاءه الشريفة على جميع بقاع الأرض، ويؤيده ما قاله الشيخ عز الدين بن عبد السلام في تفضيل بعض الأماكن على بعض، من أنَّ الأماكن والأزمان كلها متساوية، ويفضلان بما يقع فيهما, لا بصفات قائمة بهما. قال: ويرجع تفضيلهما إلى ما ينيل الله العباد فيهما من فضله وكرمه، والتفضيل الذي فيهما أنَّ الله تعالى يجود على عباده بتفضيل أجر العاملين فيهما. انتهى ملخصًا.

لكن تعقَّبه الشيخ تقي الدين السبكي بما حاصله: إن الذي قاله لا ينفي أن يكون التفضيل لأمر آخر فيهما, وإن لم يكن عمل؛ لأن قبر رسول الله ﷺ ينزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة، وله عند الله من المحبَّة, ولساكنه ما تقصر العقول عن إدراكه، وليس ذلك لمكان غيره، فكيف لا يكون أفضل؟ وليس محل عمل لنا؛ لأنه ليس مسجدًا، ولا له حكم المسجد، بل هو مستحق للنبي ﷺ. وأيضًا فقد تكون الأعمال مضاعفة فيه باعتبار أن النبي ﷺ حي كما تقرره، وأن أعماله مضاعفة فيه أكثر من كل أحد، فلا يختص التضعيف بأعمالنا نحن. قال: ومن فهم هذا انشرح صدره, لما قاله القاضي عياض من تفضيل ما ضمّ أعضاءه الشريفة ﷺ باعتبارين: أحدهما: ما قيل: إنَّ كل أحد يدفن في الموضع

عمالنا نحن. قال: ومن فهم هذا انشرح صدره, لما قاله القاضي عياض من تفضيل ما ضمّ أعضاءه الشريفة ﷺ باعتبارين: أحدهما: ما قيل: إنَّ كل أحد يدفن في الموضع

الذي خلق منه، والثاني: تنزل الملائكة والبركات عليه، وإقبال الله تعالى. ولا نسلم أن الفضل للمكان لذاته, ولكن لأجل من حلَّ فيه ﷺ. انتهى. وقد روى أبو يعلي عن أبي بكر أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقبض النبي إلّا في أحبّ الأمكنة إليه" , ولا شكَّ أن أحبها إليها أحبها إلى ربه تعالى؛ لأن حبه تابع لحب ربه -جلَّ وعلا، وما كان أحبَّ إلى الله ورسوله كيف لا يكون أفضل؟ وقد قال ﷺ: "اللهم إن إبراهيم دعاك لمكة, وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لمكة ومثله معه" , ولا ريب أن دعاء النبي ﷺ أفضل من دعاء إبراهيم؛ لأن فضل الدعاء على قدر فضل الداعي. وقد صحَّ أنه ﷺ قال:

"اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد" , وفي رواية "بل أشد" وقد أجيبت دعوته, حتى كان يحرك دابته إذا رآها من حبها. وروى الحاكم أنه ﷺ قال: "اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إلي, فأسكني في أحب البقاع إليك" أي: فيه موضع تصيره كذلك، فيجتمع فيه الحبان، قيل: وضعَّفه ابن عبد البر، ولو سلمت صحته فالمراد: أحب إليك بعد مكة؛ لحديث "إن مكة خير بلاد الله"، وفي رواية "أحب أرض الله إلى الله"، ولزيادة التضعيف بمسجد مكة. وتعقبه العلامة السيد السمهودي: "بأن ما ذكر لا يقتضي صرفه عن ظاهره؛ إذ القصد به الدعاء لدار هجرته بأن يصيّرها الله كذلك. وحديث: "إن مكة خير بلاد الله" محمول على بدء الأمر قبل ثبوت الفضل للمدينة، وإظهار الدِّين، وافتتاح البلاد منها حتى مكة، فقد أنالها وأنال بها ما لم يكن لغيرها من البلاد، فظهر إجابة دعوته، وصيرورتها أحب مطلقًا بعد، ولهذا افترض الله تعالى على نبيه ﷺ

الإقامة بها، وحثَّ هو ﷺ على الاقتداء به في سكناها والموت بها، فكيف لا تكون أفضل. قال: وأمَّا مزيد المضاعفة، فأسباب التفضيل لا تنحصر في ذلك، فالصلوات الخمس بمنى للمتوجه لعرفة أفضل منها بمسجد مكة، وإن انتفت عنها المضاعفة؛ إذ في الاتباع ما يربو عليها، ومذهبنا: شمول المضاعفة للنَّفل مع تفضيله بالمنزل، ولهذا قال عمر ﵁ بمزيد المضاعفة لمسجد مكة، مع قوله بتفضيل المدينة، ولم يصب من أخذ من قوله بمزيد المضاعفة: تفضيل مكة؛ إذ غايته أن للمفضول مزية ليست للفاضل، مع أن دعاءه ﷺ بمزيد تضعيف البركة بالمدينة على مكة شامل للأمور الدينية أيضًا, وقد يبارك في العدد القليل فيربو على الكثير، ولهذا استدلّ به على تفضيل المدينة. وإن أريد من حديث المضاعفة الكعبة فقط، فالجواب: إن الكلام فيما

أيضًا, وقد يبارك في العدد القليل فيربو على الكثير، ولهذا استدلّ به على تفضيل المدينة. وإن أريد من حديث المضاعفة الكعبة فقط، فالجواب: إن الكلام فيما

عداها، فلا يرد شيء مما جاء في فضلها، ولا ما بمكة من مواضع النسك لتعلقه بها، ولذا قال عمر لعبد الله بن عياش المخزومي: أنت القائل: لمكة خير من المدينة؟ فقال عبد الله: هي حرم الله وأمنه وفيها بيته، فقال عمر: لا أقول في حرم الله وبيته شيئًا، ثم كرر عمر قوله الأول، فأعاد عبد الله جوابه، فأعاد له: لا أقول في حرم الله وبيته شيئًا، فأشير إلى عبد الله فانصرف. وقد عوضت المدينة عن العمرة، ما صحَّ في إتيان مسجد قباء، وعن الحج ما جاء في فضل الزيارة النبوية والمسجد، والإقامة بعد النبوة بالمدينة, وإن كانت أقل من الإقامة مكة على القول به، فقد كانت سببًا لإعزاز الدين وإظهاره، ونزول أكثر

الفرائض وإكمال الدّين، حتى كثر تردّد جبريل ﵇ بها، ثم استقرَّ بها ﷺ إلى قيام الساعة, ولهذا قيل لمالك: أيما أحب إليك المقام هنا -يعني المدينة- أو مكة؟ فقال: هنا، وكيف لا أختار المدينة وما بها طريق إلّا سلك عليها رسول الله ﷺ، وجبريل ينزل عليه من عند رب العالمين في أقل من ساعة؟ وروى الطبراني حديث "المدينة خير من مكة" , وفي رواية للجندي "أفضل من مكة" , وفيه: محمد بن عبد الرحمن الرداد، ذكره ابن حبان في الثقات, وقال: كان يخطيء، وقال أبو زرعة: ليّن، وقال ابن عدي: روايته ليست محفوظة، وقال أبو حاتم: ليس بقوي. وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد".

أي: أمرني الله بالهجرة إليها، إن كان قاله ﷺ بمكة، أو بسكناها، إن كان قاله بالمدينة. وقال القاضي عبد الوهاب: لا معنى لقوله: "تأكل القرى" إلّا رجوح فضلها عليها، أي: على القرى وزيادتها على غيرها.

بمكة، أو بسكناها، إن كان قاله بالمدينة. وقال القاضي عبد الوهاب: لا معنى لقوله: "تأكل القرى" إلّا رجوح فضلها عليها، أي: على القرى وزيادتها على غيرها.

وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون المراد بذلك غلبة فضلها على فضل غيرها، أي: إن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى تكون عدمًا، وهذا أبلغ من تسمية مكة "أم القرى"؛ لأن الأمومة لا ينمحي معها ما هي له أم، لكن يكون لها حق الأمومة، انتهى. ويحتمل أن يكون المراد غلبة أهله على القرى، والأقرب: حمله عليهما؛ إذ هو أبلغ في الغرض المسوق له. انتهى ما قاله السيد السمهودي. وقد أطلت في الاحتجاج لتفضيل المدينة على مكة، وإن كان مذهب إمامنا الشافعي ﵀ تفضيل مكة؛ لأن هوى كل نفس أين حلَّ حبيبها. عليَّ لربع العامرية وقفة ... ليملي على الشوق والدمع كاتب

ومن مذهبي حب الديار لأهلها ... وللناس فيما يعشقون مذاهب على أنَّ للقلم في أرجاء تفضيل المدينة مجالًا واسعًا ومقالًا جامعًا، لكن الرغبة في الاختصار تطوي أطراف بساطه، والرهبة من الإكثار تصرف عن تطويله وإفراطه. وقد استنبط العارف ابن أبي جمرة من قوله ﷺ المروي في البخاري: "ليس من بلد إلا سيطؤه الدجَّال إلا مكة والمدينة" التساوي بين فضل مكة والمدينة. قال: وظاهر هذا الحديث يعطي التسوية بينهما في الفضل؛ لأنَّ جميع الأرض يطؤها الدجال إلّا هذين البلدين، فدلَّ على تسويتهما في الفضل، قال: ويؤكد ذلك

أيضًا من وجه النظر؛ لأنه إن كانت خُصَّت المدينة بمدفنه ﷺ وإقامته بها ومسجده، فقد خُصَّت مكة بمسقطه ﷺ بها, ومبعثه منها، وهي قبلته، فمطلع شمس ذاته الكريمة المباركة مكة، ومغربها المدينة، وإقامته بعد النبوة على المشهور من الأقاويل بمكة, مثل إقامته ﷺ بالمدينة، عشر سنين في كلّ واحدة منهما. كذا قاله. وأنت إذا تأمَّلت قوله ﷺ فيما رواه مسلم من حديث سعد: "يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه: هلمَّ إلى الرخاء, والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون, والذي نفسي بيده, لا يخرج أحد غربة عنها إلّا أخلف الله فيها خيرًا منه".

ظهر لك أن فيه إشعارًا بذم الخروج من المدينة, بل نقل الشيخ محب الدين الطبري عن قوم أنه عام أبدًا مطلقًا، وقال: إنه ظاهر اللفظ. وفي الصحيح مسلم من حديث أبي هريرة, أن رسول الله ﷺ قال: "لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلّا كنت له شفيعًا يوم القيامة أو شهيدًا". وفيه عن سعيد -مولى المهري- أنه جاء إلى أبي سعيد الخدري ليالي الحرة، فاستشاره في الجلاء من المدينة، وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله، وأخبره أنه لا صبر له على جهد المدينة ولأوائها, فقال: ويحك. لا آمرك بذلك، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يصبر أحد على لأوائها إلّا كنت له شفيعًا أو

"شهيدًا يوم القيامة". و"اللأواء" بالمد: الشدة والجوع. و"أو" في قوله: "إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا" الأظهر أنها ليست للشك؛ لأن هذا الحديث رواه جابر بن عبد الله، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وأسماء بنت عميس، وصفية بن أبي عبيد، عنه ﷺ بهذا اللفظ، ويبعد اتفاق جميعهم أو رواتهم على الشك, وتطابقهم فيه على صيغة واحدة، بل الأظهر أنه قاله ﷺ. وتكون "أو" للتقسيم، ويكون شهيدًا لبعض أهل المدينة, وشفيعًا لباقيهم، إمَّا شفيعًا للعاصين وشهيدًا للمطيعين، وإما شهيدًا لمن مات في حياته، وشفيعًا لمن مات بعده، أو غير ذلك. وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة للمذنبين, أو للعالمين في القيامة، وعلى

هيدًا للمطيعين، وإما شهيدًا لمن مات في حياته، وشفيعًا لمن مات بعده، أو غير ذلك. وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة للمذنبين, أو للعالمين في القيامة، وعلى

شهادته على جميع الأمم، فيكون لتخصيصهم بهذا كله على علو مرتبة وزيادة وحظوة. وإذا قلنا "أو" للشك، فإن كانت اللفظة الصحيحة "شهيدًا" اندفع الاعتراض؛ لأنها زائدة على الشفاعة المدَّخرة لغيرهم، وإن كانت اللفظة الصحيحة "شفيعًا" فاختصاص أهل المدينة بهذا مع ما جاء من عمومها وادخارها لجميع الأمة, أنَّ هذا شفاعة أخرى غير العامّة، وتكون هذه الشفاعة لأهل المدينة بزيادة الدرجات، أو تخفيف الحساب، أو بما شاء الله من ذلك، أو بإكرامهم يوم القيامة بأنواع الكرامات؛ لكونهم على منابر أو في ظل العرش، أو الإسراع بهم إلى الجنة, أو غير ذلك من خصوص الكرامات. كيف لا يتحمّل المشقات من يحب أن يتمتع بسيد أهل الأرض والسماوات، وينال ما وعده به من جزيل المثوبات وجسيم الهبات، وإنجاز وعده

لشفاعته وشهادته, وبلوغ قصده في المحيا والممات، وكم عسى تكون شدة المدينة ولأوائها، وإلى متى تستمر مشقتها وبلواها، لو تأمَّلت يا هذا لوجدت في البلاد ما هو في الشدة وشظف العيش مثلها أو أشق منها، وأهلها مقيمون فيها، وربما يوجد فيهم من هو قادر على الانتقال فلا ينتقل، وقوي على الرحلة فلا يرتحل، ويؤثر وطنه مع إمكان الارتحال والقدرة على الانتقال. على أنَّ المدينة مع شظف العيش بها في غالب الأحيان، قد وسَّع الله فيها على بعض السكان، حتى من أصحابنا من غير أهلها, مِمَّن استوطنها وحسن فيها حاله، وتنعَّم بها باله, دون سائر البلدان، فإن مَنَّ الله على المرء بمثل ذلك هنالك، وإلّا فالصبر للمؤمن أَوْلَى، فمن وفَّقه الله تعالى صبره في إقامته بها ولو على أحر من الجمر، فيتجرَّع مرارة غصتها؛ ليجتلي عروس منصتها، ويلقي نزرًا من لأوائها؛ ليوقي بذلك من مصائب الدنيا وبلائها. وقد روى البخاري من حديث أبي هريرة, أن رسول الله ﷺ قال: "إن الإيمان

؛ ليجتلي عروس منصتها، ويلقي نزرًا من لأوائها؛ ليوقي بذلك من مصائب الدنيا وبلائها. وقد روى البخاري من حديث أبي هريرة, أن رسول الله ﷺ قال: "إن الإيمان

ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى حجرها" , أي: تنقبض وتنضم وتلتجئ، مع أنها أصل في انتشاره، فكل مؤمن له من نفسه سائق إليها في جميع الأزمان، لحبه في ساكنها ﷺ، فأكرم بسكانها, ولو قيل في بعضهم ما قيل، فقد حظوا بشرف المجاورة لهذا الحبيب الجليل, فقد ثبت لهم حق الجوار وإن عظمت إساءتهم، فلا يسلب عليهم اسم الجار، وقد عمم ﷺ في قوله: "ما زال جبريل يوصيني بالجار" ولم يخص جارًا دون جار، وكل ما احتجَّ به محتج مِن رَمْي بعض عوامّهم السنية بالابتداع وترك الاتباع، فإنه إذا ثبت ذلك في شخص منهم فلا يترك

إكرامه، ولا ينتقص احترامه, فإنه لا يخرج عن حكم الجار ولو جار، ولا يزول عنه شرف مساكنته في الدار كيفما دار، بل يرجى أن يختم له بالحسنى, ويمنح بهذا القرب الصوري قرب المعنى. فيا ساكني أكناف طيبة كلكم ... إلى القلب من أجل الحبيب حبيب ولله در ابن جابر حيث قال: هناؤكمو يا أهل طيبة قد حُقَّ ... فبالقرب من خير الورى زتم السبقا فلا يتحرك ساكن منكم إلى ... سواها وإن جار الزمان وإن شقا فكم ملك رام الوصول لمثل ما ... وصلتم فلم يقدر ولو ملك الخلقا فبشراكم نلتم عناية ربكم ... فها أنتم في بحر نعمته غرقى ترون رسول الله في كل ساعة ... ومن يره فهو السعيد به حقَّا متى جئتم لا يغلق الباب دونكم ... وباب ذوي الإحسان لا يقبل الغلقا فيسمع شكواكم ويكشف ضركم ... ولا يمنع الإحسان حرًّا ولا رقًّا

بطيبة مثواكم وأكرم مرسل ... يلحظم فالدهر يجري لكم وفقا فكم نعمة لله فيها عليكم ... فشكرًا ونعم الله بالشكر تستبقى أمنتم من الدجال فيها فحولها ... ملائكة يحمون من دونها الطرقا كذلك من الطاعون أنتم بمأمن ... فوجه الليالي لا يزال لكم طلقا فلا تنظروا إلا لوجه حبيبكم ... وإن جاءت الدنيا ومرت فلا فرقا حياة وموتا تحت رحماه أنتم ... وحشرًا فستر الجاه فوقكم ملقى فيا راحلًا عنها لدنيا تريدها ... أتطلب ما يفنى وتترك ما يبقى أتخرج عن حوز النبي وحرزه ... إلى غيره تسفيه مثلك قد حقا لئن سرت تبغي من كريم إعانة ... فأكرم من خير البرية ما تلقى هو الرزق مقسوم فليس بزائد ... ولو سرت حتى كدت تخرق الأفقا فكم قاعد قد وسع الله رزقه ... ومرتحل قد ضاق بين الورى رزقا فعش في حمى خير الأنام ومت به ... إذا كنت في الدارين تطلب أتٍ ترقا إذا قمت فيما بين قبر ومنبر ... بطيبة فاعرف أن منزلك الأرقى

لقد أسعد الرحمن جار محمد ... ومن جار في ترحاله فهو الأشقى وقد روى الترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها" ورواه الطبراني في الكبير من حديث سبيعة الأسلمية. وفي البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يدخل

مدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها" ورواه الطبراني في الكبير من حديث سبيعة الأسلمية. وفي البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا يدخل

المدينة المسيح الدجال ولا الطاعون". وفيه: عن أبي بكر ﵁, عن النبي ﷺ قال: "لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، لها يومئذ سبعة أبواب, على كل باب ملكان". قال في فتح الباري: وقد استكمل عدم دخول الطاعون المدينة مع كونها شهادة، وكيف قرن بالدجال، ومدحت المدينة بعدم دخولهما. وأجيب: بأن كون الطاعون شهادة ليس المراد بوصفه بذلك ذاته، وإنما المراد أن ذلك يترتب عليه، وينشأ عنه لكونه سببه، فإذا استحضر ما تقدّم في المقصد الثامن من أنه طعن الجن, حَسُنَ مدح المدينة بعدم دخوله إياها، فإن فيه إشارة إلى أن كفَّار الجن وشياطينهم ممنوعون من دخول المدينة، ومن اتفق دخوله

فيها لا يتمكن من طعن أحد منها. وقد أجاب القرطبي في المفهم عن ذلك فقال: المعنى: لا يدخلها من الطاعون مثل الذي وقع في غيرها، كطاعون عمواس والجارف. وهذا الذي قاله يقتضي أنه دخلها في الجملة، وليس كذلك، فقد جزم ابن قتيبة في "المعارف", وتبعه جمع منهم الشيخ محي الدين النووي في الأذكار": بأنَّ الطاعون لم يدخل المدينة أصلًا، ولا مكة أيضًا، لكن نقل جماعة أنه دخل مكة الطاعون في العام الذي كان في سنة تسع وأربعين وسبعمائة، بخلاف المدينة, لم يذكر أحد أنه وقع الطاعون بها أصلًا. وأجاب بعضهم بأنه ﷺ عوَّضهم عن الطاعون بالحمَّى؛ لأن الطاعون يأتي

مرة بعد مرة، والحمَّى تتكرر في كل حين, فيتعادلان في الأجر، ويتمّ المراد من عدم دخول الطاعون المدينة. قال الحافظ ابن حجر: ويظهر لي جواب آخر، بعد استحضار الذي أخرجه أحمد من رواية أبي عسيب -بمهملتين آخره موحدة، بوزن عظيم- رفعه: "أتاني جبريل بالحمَّى والطاعون, فأمسكت الحمَّى بالمدينة, وأرسلت الطاعون إلى الشام"، وهو أن الحكمة في ذلك أنه ﷺ لما دخل المدينة كان في قلة من أصحابه عددًا ومددًا، وكانت المدينة وبئة، كما في حديث عائشة، ثم خُيِّر ﷺ في أمرين

لى الشام"، وهو أن الحكمة في ذلك أنه ﷺ لما دخل المدينة كان في قلة من أصحابه عددًا ومددًا، وكانت المدينة وبئة، كما في حديث عائشة، ثم خُيِّر ﷺ في أمرين

يحصل بكلٍّ منهما الأجر الجزيل, فاختار الحمى حينئذ لقلة الموت بها غالبًا بخلاف الطاعون، ثم لما احتاج إلى جهاد الكفَّار، وأذن له في القتال كانت قضية استمرار الحمَّى بالمدينة تضعف أجساد الذين يحتاجون إلى التقوية لأجل الجهاد، فدعا بنقل الحمَّى من المدينة إلى الجحفة، فعادت المدينة أصحّ بلاد الله بعد أن كانت بخلاف ذلك، ثم كانوا حينئذ من فاتته الشهادة بالطاعون، ربما حصلت له بالقتل في سبيل الله، ومن فاته ذلك حصلت له الحمَّى التي هي حظّ المؤمن من النار، ثم استمرَّ ذلك بالمدينة تمييزًا لها عن غيرها؛ لتحقق إجابة دعوته, وظهور هذه المعجزة العظيمة بتصديق خبره في هذه المدَّة المتطاولة، فكان منع دخول الطاعون من خصائصها, ولوازم دعائه ﷺ لها بالصحة، وقال بعضهم: هذا من المعجزات المحمدية؛ لأن الأطباء من أولهم إلى آخرهم عجزوا أن يدفعوا الطاعون

عن بلد، بل عن قرية، وقد امتنع الطاعون عن المدينة هذه الدهور الطويلة، انتهى ملخصًا والله أعلم. ومن خصائص المدينة أن غبارها شفاء من الجذام والبرص, بل من كل داء،

كما رواه رزين العبدري في جامعه من حديث سعد، زاد في حديث ابن عمر: عجوتها شفاء من السم، ونقل البغوي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ أنها المدينة. وذكر ابن النجار تعليقًا عن عائشة ﵂ أنها قالت: كل البلاد افتتحت بالسيف, وافتتحت المدينة بالقرآن. وروى الطبراني في الأوسط بإسناد لا بأس به, عن أبي هريرة يرفعه: "المدينة قبة الإسلام ودار الإيمان، وأرض الهجرة، ومثوى الحلال والحرام". وبالجملة، فكل المدينة: ترابها وطرقها وفجاجها ودورها وما حولها قد

شملته بركته ﷺ, فإنهم كانوا يتبرَّكون بدخوله منازلهم، ويدعونه إليها, وإلى الصلاة في بيوتهم، ولذلك امتنع مالك من ركوب دابّة في المدينة, وقال: لا أطأ بحافر دابّة في عراص كان ﷺ يمشي فيها بقدميه ﷺ. وينبغي أن يأتي قباء للصلاة فيه والزيارة، فقد كان ﷺ يزوره راكبًا وماشيًا، رواه مسلم, وفي رواية له: "يأتي" بدل "يزور" فيصلي فيه ركعتين.

وعنده أيضًا: أنَّ ابن عمر كان يأتيه كل سبت ويقول: رأيت النبي ﷺ يأتيه كل سبت. وعند الترمذي وابن ماجه والبيهقي في حديث أسيد بن ظهير الأنصاري، يرفعه: "صلاة في مسجد قباء كعمرة" , قال الترمذي: حسن غريب. وقال المنذري:

يأتيه كل سبت. وعند الترمذي وابن ماجه والبيهقي في حديث أسيد بن ظهير الأنصاري، يرفعه: "صلاة في مسجد قباء كعمرة" , قال الترمذي: حسن غريب. وقال المنذري:

لا نعرف لأسيد حديثًا صحيحًا غير هذا. ورواه أحمد وابن ماجه من حديث سهل بن حنيف بلفظ: "من تطهَّر في بيته, ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة, كان له كأجر عمرة" وصححه الحاكم. وينبغي أيضًا بعد زيارته ﷺ أن يقصد المزارات التي بالمدينة الشريفة، والآثار المباركة، والمساجد التي صلّى فيها ﷺ التماسًا لبركته، ويخرج إلى البقيع لزيارة من فيه، فإن أكثر الصحابة ممن توفي في المدينة في حياته ﷺ وبعد وفاته مدفون في البقيع، وكذلك سادات أهل البيت والتابعين. وروي عن مالك أنه قال: من مات بالمدينة من الصحابة عشرة آلاف، وكذلك أمهات المؤمنين سوى خديجة فإنها بمكة، وميمونة فإنها بسرف. وقد كان ﷺ يخرج آخر الليل إلى البقيع فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين" رواه

مسلم. قال ابن الحاج في "المدخل": وقد فرق علماؤنا بين الآفاقي والمقيم في التنفل بالطواف والصلاة، فقالوا: الطواف في حق الآفاقي أفضل له، والتنفل في حق المقيم أفضل، قال: وما نحن بسبيله من باب أولى، فمن كان مقيمًا خرج إلى زيارة أهل البقيع, ومن كان مسافرًا فليغتنم مشاهدته ﷺ. وحكي عن العارف ابن أبي جمرة، أنَّه لما دخل المسجد النبوي لم يجلس إلّا الجلوس في الصلاة، وأنه لم يزل واقفًا بين يديه -صلوات الله وسلامه عليه، وكان قد خطر له أن يذهب إلى البقيع فقال: إلى أين أذهب، هذا باب الله المفتوح للسائلين والطالبين والمنكسرين. انتهى.

وروى ابن النجار مرفوعًا: "مقبرتان مضيئتان لأهل السماء كما تضيء الشمس والقمر لأهل الدنيا: بقيع الغرقد ومقبرة بعسقلان"، وعن كعب الأحبار قال: نجدها في التوراة, يعني: مقبرة المدينة كقبة محفوفة بالنخيل, موكّل بها ملائكة, كلما امتلأت أخذوا فكفؤها في الجنة. وأخرج أبو حاتم من حديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "أنا أول من تنشق عنه الأرض، ثم أبو بكر, ثم عمر، ثم آتي البقيع فيحشرون معي، ثم انتظر أهل مكة حتى نحشر بين الحرمين".

حديث ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "أنا أول من تنشق عنه الأرض، ثم أبو بكر, ثم عمر، ثم آتي البقيع فيحشرون معي، ثم انتظر أهل مكة حتى نحشر بين الحرمين".

الفصل الثالث: [في أمور الآخرة] في تفضيله ﷺ في الآخرة بفضائل الأوليات الجامعة لمزايا التكريم وعلى

الدرجات العاليات, وتحميده بالشفاعة والمقام المحمود، المغبوط عليه من الأولين والآخرين، وانفراده بالسؤدد في مجمع جامع الأنبياء والمرسلين، وترقيه في جنة عدن أرقى مدارج السعادة، وتعاليه يوم المزيد في أعلى معالي الحسنى وزيادة. اعلم أن الله تعالى كما فضّل نبينا ﷺ في البدء, بأن جعله أول الأنبياء في الخلق، وأوّلهم في الإجابة في عالم الذر، يوم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ ، فضَّ له, كما ختم كمال الفضائل في العود، فجعله أوّل من تنشق عنه الأرض، وأوّل شافع, وأول مشفَّع، وأوّل من يؤذن له بالسجود، وأول من ينظر إلى رب العالمين، والخلق محجوبون عن رؤيته إذ ذاك، وأوّل الأنبياء يقضي بين أمته، وأولهم إجازة على الصراط بأمته، وأوّل داخل إلى الجنة، وأمته أوّل الأمم دخولًا إليها. وزاده من لطائف التحف ونفائس الطرف ما لا يجد ولا يعد:

فمن ذلك أنه يحشر راكبًا، وتخصيصه بالمقام المحمود، ولواء الحمد تحته آدم فمن دونه من الأنبياء، واختصاصه أيضًا بالسجود لله تعالى أمام العرش، وما يفتحه الله عليه في سجوده من التحميد والثناء عليه ما لم يفتحه على أحد قبله, ولا يفتحه على أحد بعده, زيادة في كرامته وقربه، وكلام الله له: يا محمد، ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفّع، ولا كرامة فوق هذا إلا النظر إليه تعالى. ومن ذلك: تكراره في الشفاعة، وسجوده ثانية وثالثة، وتجديد الثناء عليه, والتحميد بما يفتح الله عليه. ومن ذلك: كلام الله تعالى له في كل سجدة: يا محمد, ارفع رأسك, وقل تسمع, واشفع تشفع، فعل المدل على ربه الكريم عليه, الرفيع عنده، المحب ذلك منه تشريفًا له وتكريمًا وتبجيلًا وتعظيمًا.

ومن ذلك: قيامه عن يمين العرش، ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيره، يغبطه فيه الأولون والآخرون، وشهادته بين الأنبياء وأممهم بأنهم بلغوهم، وإتيانهم إليه يسئولونه الشفاعة؛ ليريحهم من غمّهم وعرقهم وطول وقوفهم، وشفاعته في أقوام قد أمر بهم إلى النار. ومنها: الحوض، الذي ليس في الموقف أكثر أوان منه، وأن المؤمنين كلهم لا يدخلون الجنة إلا بشفاعته. ومنها: أنه يشفع في رفع درجات أقوام لا تبلغها أعمالهم. وهو صاحب الوسيلة التي هي أعلى منزلة في الجنة، إلى غير ذلك مما يزيده تعالى به جلالة وتعظيمًا وتبجيلًا وتكريمًا على رءوس الأشهاد من الأولين والآخرين والملائكة أجمعين. ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ . فأما تفضيله ﷺ بأولية انشقاق القبر المقدّس عنه، فروى مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأنا أوّل من

ينشق عنه القبر وأوّل شافع وأوّل مشفّع". وفي حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي -آدم فمن سواه- إلا تحت لوائي، وأنا أوّل من تنشق عنه الأرض ولا فخر....." رواه الترمذي. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا أول من تنشق عنه الأرض, ثم أبو

بكر ثم عمر، ثم آتي أهل البقيع فيحشرون معي، ثم أنتظر أهل مكة حتى أحشر بين الحرمين". قال الترمذي: حسن صحيح. ورواه أبو حاتم وقال: حتى نحشر. وتقدَّم. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يصعق الناس حين يصعقون، فأكون أوّل من قام، فإذا موسى آخذ بالعرش: فما أدري أكان فيمن صعق". وفي رواية: "فأكون أول من يفيق, فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي, أو كان ممن استثنى الله". رواه البخاري. والمراد بالصعق: غشي يلحق من سمع صوتًا أو رأى شيئًا يفزع منه.

بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي, أو كان ممن استثنى الله". رواه البخاري. والمراد بالصعق: غشي يلحق من سمع صوتًا أو رأى شيئًا يفزع منه.

ولم يبين في هذه الرواية -من الطريقين- محل الإفاقة، من أي الصعقتين, ووقع في رواية الشعبي عن أبي هريرة في تفسير سورة الزمر: إني أوَّل من يرفع رأسه بعد النفخة الأخيرة. والمراد بقوله: "ممن استثنى الله" قوله تعالى: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل: ٨٧] .

وقد استشكل كون جميع الخلق يصعقون، مع أنَّ الموتى لا إحساس لهم؟ فقيل: المراد: إن الذين يصعقون هم الأحياء، وأمَّا الموتى فهم في الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أي: إلا من سبق له الموت قبل ذلك, فإنه لا يصعق، وإلى هذا جنح القرطبي. ولا يعارضه ما ورد في الحديث: "إن موسى ممن استثنى الله؛ لأن الأنبياء أحياء عند الله". وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد: صعقة فزع بعد البعث حين تنشق السماء والأرض. وتعقبه القرطبي: بأنه صرح ﷺ بأنه يخرج من قبره, فيلقي موسى وهو متعلق

بالعرش, وهذا إنما هو عند نفخة البعث. انتهى. ووقع في رواية أبي سلمة عند ابن مردويه: "أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة, فأقوم فأنقض التراب عن رأسي، فآتي قائمة العرش, فأجد موسى قائمًا عندها، فلا أدري أنفض التراب عن رأسه قبلي، أو كان ممن استثنى الله". واختلف في المستثنى من هو على عشرة أقوال: فقيل: الملائكة، وقيل: الأنبياء، وبه قال البيهقي في تأويل الحديث في تجويزه: أن يكون موسى ممن

ن استثنى الله". واختلف في المستثنى من هو على عشرة أقوال: فقيل: الملائكة، وقيل: الأنبياء، وبه قال البيهقي في تأويل الحديث في تجويزه: أن يكون موسى ممن

استثنى الله، قال: وجههه عندي أنهم أحياء كالشهداء, فإذا نفخ في الصور النفخة الأولى صعقوا، ثم لا يكون ذلك موتًا في جميع معانيه إلّا في ذهاب الاستشعار. وقيل الشهداء: واختاره الحليمي, قال: وهو مروي عن ابن عباس، فإن الله تعالى يقول: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ، وضعَّف غيره من الأقوال. وقال أبو العباس القرطبي صاحب "المفهم": الصحيح أنه لم يأتي في تعيينهم خبر صحيح، والكل محتمل. وتعقَّبه تلميذه في "التذكرة" فقال: قد ورد في حديث أبي هريرة بأنهم الشهداء وهو صحيح, وعن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ سأل جبريل عن هذه

الآية: من الذين لم يشأ الله أن يصعقوا؟ قال: هم شهداء الله. وصححه الحاكم. وقيل: هم حملة العرش وجبريل وميكائيل وملك الموت، ثم يموتون، وآخرهم "موتًا" ملك الموت، وقيل هم الحور العين والولدان في الجنة.

وتعقَّب: بأن حملة العرش ليسوا من سكان السماوات والأرض؛ لأن العرش فوق السماوات كلها، وبأنَّ جبريل وميكائيل وملك الموت من الصافين المسبحين؛ ولأن الحور العين والولدان في الجنة، وهي فوق السماوات ودون العرش، وهي بانفرادها عالم مخلوق للبقاء, فلا شَكّ أنها بمعزل عمَّا خلقه الله للفناء. ثم إنه وردت الأخبار بأنّ الله تعالى يميت حملة العرش وملك الموت وميكائيل ثم يحييهم. وأمَّا أهل الجنة فلم يأتي عنهم خبر، والأظهر أنها دار خلود، فالذي يدخلها لا يموت فيها أبدًا، مع كونه قابلًا للموت، فالذي خلق فيها أَوْلَى أن لا يموت فيها أبدًا. فإن قلت: قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَه﴾ [القصص: ٨٨] يدل على أن

الجنة نفسها تفنى ثم تعاد ليوم الجزاء، ويموت الحور العين ثم يحيون. أجيب: بأنَّه يحتمل أن يكون معنى قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إنه قابل للهلاك, فيهلك إن أراد الله به ذلك, إلا هو سبحانه فإنه قديم, والقديم لا يمكن أن يفنى, انتهى ملخصًا من تذكرة القرطبي. ويؤيد القول بعد موت الحور العين قولهنّ: نحن الخالدات فلا نموت، كما في الحديث. ولا يقال: المراد من قولهن: الخلود الكائن بعد القيامة؛ لأنه لا خصوصية فيه، والأوصاف المشتركة لا يتباهى بها، والله أعلم. وفي كتاب العظمة لأبي الشيخ بن حبان من طريق وهب بن منبه من قوله: قال: خلق الصور من لؤلؤة بيضاء في صفاء الزجاجة، ثم قال للعرش: خذ

الصور فتعلق به، ثم قال: كن فكان إسرافيل، فأمره أن يأخذ الصور فأخذه وبه ثقب بعدد كل روح مخلوقة ونفس منفوسة، فذكر الحديث وفيه: ثم تجمع الأروح كلها في الصور، ثم يأمر الله إسرافيل فينفخ فيه فتدخل كل روح في جسدها، وعلى هذا, فالنفخ يقع في الصور أولًا؛ ليصل النفخ بالروح إلى الصور وهي الأجساد،

فإضافة النفخ إلى الصور الذي هو القرن حقيقة، وإلى الصور التي هي الأجساد مجاز. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر، رفعه: "ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا، ثم يرسل الله مطرًا كأنه الطل, فينبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون". و"الليت" بكسر اللام وبالمثناة التحتية ثم الفوقية: صفحة العنق، وهما ليتان. وأصغى: أمال. وأخرج البيهقي بسند قوي، عن ابن مسعود موقوفًا: "ثم يقوم ملك الصور بين السماء والأرض فينفخ فيه -والصور قرن- فلا يبقى الله خلق في السماوات

والأرض إلا مات، إلا من شاء ربك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون". وأخرج ابن المبارك في الرقاق من مرسل الحسن: بين النفختين أربعون سنة، الأولى يميت الله بها كل حي، والأخرى يحيى الله بها كل ميت، ونحوه عند ابن مردويه من حديث ابن عباس، وهو ضعيف. وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا أول الناس خروجًا إذا بعثوا، وأنا

، والأخرى يحيى الله بها كل ميت، ونحوه عند ابن مردويه من حديث ابن عباس، وهو ضعيف. وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا أول الناس خروجًا إذا بعثوا، وأنا

قائدهم إذا وفدوا, وأنا خطيبهم إذا أنصتوا, وأنا شفيعهم إذا حبسوا, وأنا مبشرهم إذا أيسوا، الكرامة والمفاتيح يومئذ بيدي، ولواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي، يطوف عليّ ألف خادم كأنهم بيض مكنون أو لؤلؤ منثور" رواه الدارمي، وقال الترمذي: حديث غريب. ولم يقل: وأنا إمامهم؛ لأن دار الآخرة ليست دار تكليف.

وفي حديث رواه صاحب كتاب "حادي الأرواح". أنَّ رسول الله ﷺ يبعث يوم القيامة وبلال بين يديه ينادي بالأذان. وفي كتاب "ذخائر العقبى" للطبري، مما عزاه لتخريج الحافظ السلفي, من حديث أبي هريرة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "تبعث الأنبياء على الدواب، ويحشر صالح على ناقته، ويحشر ابنا فاطمة على ناقتيَّ العضباء والقصواء، وأحشر أنا على البراق، خطوها عند أقصى طرفها، ويحشر بلال على ناقة من نوق الجنة".

وأخرجه الطبراني والحاكم بلفظ: "يحشر الأنبياء على الدواب، وأبعث على البراق، ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة فينادي بالأذان محضًا وبالشهادة حقًّا، حتى إذا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، شهد له المؤمنون من الأولين والآخرين". وعند ابن زنجويه في "فضائل الأعمال" عن كثير بن مرة الحضرمي، قال:

قال رسول الله ﷺ: "تبعث ناقة ثمود لصالح فيركبها من عند قبره حتى توافي به المحشر، وأنا على البراق, اختصصت به من دون الأنبياء يومئذ، ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة, ينادي على ظهرها بالأذان حقًّا، فإذا سمعت الأنبياء وأممها: أشهد أن محمدًا رسول الله, قالوا: ونحن نشهد على ذلك". وذكر الشيخ زين الدين المراغي، مما عزاه لابن النجار في تاريخ المدينة عن كعب الأحبار، والقرطبي في "التذكرة", وابن أبي الدنيا عن كعب, أنه دخل على عائشة ﵂، فذكروا رسول الله ﷺ, فقال كعب: ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفًا من الملائكة حتى يحفون بالقبر، ويضربون بأجنحتهم, ويصلون على النبي ﷺ, حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط سبعون ألف ملك يحفون بالقبر

Bagian 41 dari 43