شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya الزرقاني، محمد بن عبد الباقي (w. 1122 H).

Bagian 40 dari 43 5943 halaman

— Bagian 40 · ﷺ قال: "لقد رأيتها في الجنة، حتى ليهوّن عليَّ بذ… —

Bagian 40

ﷺ قال: "لقد رأيتها في الجنة، حتى ليهوّن عليَّ بذلك موتى, كأني أرى كفيها"، يعني عائشة. فقد كان ﷺ يحب عائشة حبًّا شديدًا، حتى لا يكاد يصبر عنها، فمثلت

له بين يديه في الجنة ليهوّن عليه موته، فإن العيش إنما يطيب باجتماع الأحِبَّة، وقد سأله ﷺ رجل فقال: أي الناس أحب إليك؟ فقال: "عائشة" , فقال: من الرجال, قال: "أبوها" , ولهذا قال لها في ابتداء مرضها لما قالت: وا رأساه, وددت أن ذلك كان وأنا حي, فأصلي عليك وأدفنك، فعظم ذلك عليها، وظنت أنه يحب فراقها، وإنما كان ﷺ يريد تعجيلها بين يديه ليقرب اجتماعهما. ويروى أنه كان عنده ﷺ في مرضه سبعة دنانير، فكان يأمرهم بالصدقة، ثم يغمى عليه، فيشتغلون بوجعه، فدعا بها فوضعها في كفِّه وقال: "ما ظنّ محمد بربه لو لقي الله وعنده هذه؟ " ثم تصدَّق بها كلها، رواه البيهقي. انظر إذا كان هذا سيد المرسلين، وحبيب رب العالمين المغفور له ما تقدَّم

من ذنبه وما تأخَّر، فكيف حال من لقي الله عنده دماء المسلمين وأموالهم المحرّمة، وما ظنه بربه تعالى. وفي البخاري من طريق عروة, عن عائشة ﵂ قالت: دعا النبي ﷺ فاطمة في شكواه الذي قبض فيه، فسارَّها بشيء فبكت، ثم دعاها فسارَّها فضحكت، فسألناها عن ذلك فقالت: سارَّني النبي ﷺ أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت، ثم سارَّني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت. وفي رواية مسروق عن عائشة: أقبلت فاطمة تمشي كأنَّ مشيتها مشية النبي ﷺ، فقال: "مرحبا يا بنتي" ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم سارَّها. ولأبي داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم من طريق عائشة بنت

تها مشية النبي ﷺ، فقال: "مرحبا يا بنتي" ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم سارَّها. ولأبي داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم من طريق عائشة بنت

طلحة عن عائشة قالت: ما رأيت أحدًا أشبه سمتًا وهديًا ودلًّا برسول الله ﷺ في قيامها وقعودها من فاطمة. وكانت إذا دخلت على النبي ﷺ قام إليها وقبَّلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها فعلت ذلك، فلمَّا مرض دخلت عليه فأكبَّت عليه قبلته. واتفقت الروايتان على أنَّ الذي سارَّها به أولًا فبكت، هو إعلامه إياها بأنه يموت من مرضه ذلك، واختلفا فيما سارَّها به فضحكت، ففي رواية عروة أنه: إخباره إياها بأنها أوّل أهله لحوقًا به، وفي رواية مسروق أنه: إخباره إياها أنها سيدة نساء أهل الجنة. وجعل كونها أوّل أهله لحوقًا به مضمومًا إلى الأوّل، وهو الراجح، فإن حديث مسروق يشتمل على زيادات ليست في حديث عروة، وهو من الثقات الضابطين. ومما زاده مسروق: قول عائشة: ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب من حزن، فسألتها، عن ذلك فقالت: ما كنت لأفشي سرَّ رسول الله ﷺ حتى توفي

فسألتها فقالت: أسرَّ إلي "أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وأنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي، وأنك أوّل أهل بيتي لحاقًا بي". وفي رواية عائشة بنت طلحة من الزيادة: إن عائشة لما رأت بكاها وضحكها قالت: إن كنت لأظن أن هذه المرأة من أعقل النساء، فإذا هي من النساء. ويحتمل تعدد القصة. وفي رواية عروة الجزم أنه ميت من وجعه ذلك, بخلاف رواية مسروق, ففيها أنه ظنّ ذلك بطريق الاستنباط مما ذكره من معارضة القرآن. وقد يقال: لا منافاة بين الخبرين إلا بالزيادة, ولا يمتنع أن يكون إخباره بكونها أوّل أهله لحوقًا به سببًا لبكائها ولضحكها معًا باعتبارين، فذكر كل من الراويين ما لم يذكر الآخر.

وقد روى النسائي من طريق أبي سلمة عن عائشة في سبب البكاء أنه ميت، وفي سبب الضحك الأمرين الأخيرين. ولابن سعد من رواية أبي سلمة عنها: إن سبب البكاء موته، وسبب الضحك لحاقها به. وعند الطبراني -من وجه آخر- عن عائشة, أنه قال لفاطمة: "إن جبريل أخبرني أنه ليس امرأة من نساء المؤمنين أعظم رزية منك، فلا تكوني أدنى امرأة منهن صبرًا". وفي الحديث: إخباره ﷺ بما سيقع، فوقع كما قال ﷺ، فإنّهم اتفقوا على أنَّ فاطمة ﵂ كانت أوّل من مات من أهل بيت النبي ﷺ بعده، حتى من أزواجه ﵊. وقد كان ﷺ من شدة وجعه يغمى عليه في مرضه ثم يفيق، وأغمي عليه مرة فظنّوا أن وجعه ذات الجنب فلدوه، فجعل يشير إليهم أن لا يلدوه، فقالوا:

كراهية المريض للدواء، فلمَّا أفاق قال: "ألم أنهكم أن تلدوني؟ " فقالوا: كراهية المريض للدواء، فقال: "لا يبقى أحد في البيت إلّا لد وأنا أنظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم" رواه البخاري. واللدود هو ما يجعل في جانب الفم من الدواء، فأمَّا ما يصب في الحلق فيقال له: الوجور. وفي الطبراني من حديث العباس: إنهم أذابوا قسطًا بزيت ولدّوه به. وفي قوله: "لا يبقى أحد في البيت إلا لد" ... إلخ مشروعية القصاص فيما يصاب به الإنسان، وفيه نظر؛ لأن الجميع لم يتعاطوا ذلك، وإنما فعل بهم ذلك عقوبة لهم؛ لتركهم امتثال نهيه عمَّا نهاهم عنه. قال ابن العربي: أراد أن لا يأتوا يوم

الإنسان، وفيه نظر؛ لأن الجميع لم يتعاطوا ذلك، وإنما فعل بهم ذلك عقوبة لهم؛ لتركهم امتثال نهيه عمَّا نهاهم عنه. قال ابن العربي: أراد أن لا يأتوا يوم

القيامة وعليهم حقه, فيقعوا في خطيئة عظيمة, وتعقَّب بأنه كان يمكن أن يقع العفو؛ ولأنه كان لا ينتقم لنفسه، والذي يظهر أنه أراد بذلك تأديبهم لئلَّا يعودوا، فكان ذلك تأديبًا لا اقتصاصًا ولا انتقامًا. قيل: وإنما كره اللدود مع أنه كان يتداوى؛ لأنه تحقق أنه يموت في مرضه، ومن تحقق ذلك كره له التداوي. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، والذي يظهر أنَّ ذلك كان قبل التخيير والتحقيق، وإنما أنكر التداوي لأنه كان غير ملائم لدائه؛ لأنهم ظنوا أن به ذات الجنب, فداووه بما يلائمها، ولم يكن فيه ذلك، كما هو ظاهر في سياق الخبر. وعند ابن سعد قال: كانت تأخذ رسول الله ﷺ الخاصرة، فاشتدت به, فأغمي عليه، فلددناه، فلمَّا أفاق قال: "كنتم ترون أن الله يسلط علي ذات الجنب، ما كان الله ليجعل لها عليّ سلطانًا، والله لا يبقى أحد في البيت إلا لد"، فما بقي أحد في البيت إلا لد، ولددنا ميمونة وهي صائمة.

وروى أبو يعلي -بسند ضعيف فيه ابن لهيعة- من وجه آخر عن عائشة: إنه ﷺ مات من ذات الجنب. وجمع بينهما: بأنَّ ذات الجنب تطلق بإزاء مرضين: أحدهما ورم حارّ يعرض في الغشاء المستبطن، والآخر ريح محتقن بين الأضلاع، فالأوّل هو المنفي هنا. وقد وقع في رواية الحاكم في المستدرك: ذات الجنب من الشيطان، والثاني هو ما أثبت هنا, وليس فيه محذور كالأوّل. وفي حديث ابن عباس عند البخاري: لما حضر رسول الله ﷺ, وفي البيت رجال، فقال النبي ﷺ: "هلموا أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده"، فقال بعضهم:

محذور كالأوّل. وفي حديث ابن عباس عند البخاري: لما حضر رسول الله ﷺ, وفي البيت رجال، فقال النبي ﷺ: "هلموا أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده"، فقال بعضهم:

إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله, فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلمَّا أكثروا اللغو والاختلاف، قال رسول الله ﷺ: "قوموا عني" قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ, وبين أن يكتب ذلك لاختلافهم ولغطهم. قال المازري: إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب, مع صريح أمره لهم بذلك؛ لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب، فكأنَّه ظهرت منه قرينة دلّت على أنَّ الأمر ليس على التحتم، بل على الاختيار، فاختُلِفَ اجتهادهم،

وصمَّم عمر على الامتناع لما قام عنده من القرائن بأنه ﷺ قال ذلك عن غير قصد جازم. وقال النووي: اتفق العلماء على أن قول عمر: "حسبنا كتاب الله" من قوة فقهه ودقيق نظره؛ لأنه خشي أن يكتب أمورًا ربما عزوا عنها, فيستحقوا العقوبة لكونها منصوصة، وأراد أن لا يسد باب الاجتهاد على العلماء، وفي تركه ﷺ الإنكار على عمر إشارةً إلى تصويبه، وأشار بقوله: "حسبنا كتاب الله" إلى قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء﴾ [الأنعام: ٣٨] ، ولا يعارض ذلك قول ابن عباس: "إن الرزية.. إلخ"؛ لأن عمر كان أفقه منه قطعًا، ولا يقال: إن ابن عباس لم يكتف بالقرآن مع أنه حبر القرآن، وأعلم الناس بتفسيره وتأويله، ولكنه قال أسفًا على

ما فاته من البيان بالتنصيص عليه؛ لكونه أَوْلَى من الاستنباط، والله أعلم. ولما اشتدَّ به ﷺ وجعه قال: "مروا أبا بكر فليصلّ بالناس"، فقالت له عائشة: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قام مقامك لا يسمع الناس من البكاء، قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" , فعاودته بمثل مقالتها، فقال: "إنكن صواحبات يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس". رواه الشيخان وأبو حاتم واللفظ له. وفي رواية: إن أبا بكر رجل أسيف. وفي حديث عروة عن عائشة عند البخاري: فمر عمر فليصلّ بالناس، فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس"، قالت: قلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصلّ بالناس، ففعلت حفصة، فقال:"

صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس"، فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا. والأسيف: بوزن فعيل، وهو بمعنى فاعل, من الأسف وهو شدة الحزن، والمراد به هنا: رقيق القلب. ولابن حبان من رواية عاصم عن شقيق عن مسروق عن عاشة في هذا الحديث: قال عاصم: والأسيف الرقيق الرحيم، وصواحب: جمع صاحبة، والمراد: إنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن. ثم إنَّ هذا الخطاب وإن كان بلفظ الجمع، فالمراد به واحدة وهي عائشة, ووجه المشابهة بينهما في ذلك أنَّ زليخا استدعت النسوة وأظهرت لهنّ الإكرام بالضيافة، ومرادها الزيادة على ذلك, وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف ﵊ ويعذرنها في محبته، وإن عائشة أظهرت أنّ سبب إرادتها صرف الإمامة

عن أبيها؛ لكونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه. ومرادها زيادة على ذلك: وهو أن لا يتشاءم الناس به، وقد صرَّحت هي بذلك، كما عند البخاري في باب وفاته ﵊, فقالت: لقد راجعته وما حملني على كثرة مراجعته إلّا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلًا قام مقامه أبدًا. وأن لا كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلّا تشاءم الناس به. ونقل الدمياطي: إن الصديق صلى بالناس سبع عشرة صلاة. وقد ذكر الفاكهي في "الفجر المنير" مما عزاه لسيف ابن عمر في كتاب

وم أحد مقامه إلّا تشاءم الناس به. ونقل الدمياطي: إن الصديق صلى بالناس سبع عشرة صلاة. وقد ذكر الفاكهي في "الفجر المنير" مما عزاه لسيف ابن عمر في كتاب

"الفتوح" أنَّ الأنصار لما رأوا رسول الله ﷺ يزداد وجعًا، أطافوا بالمسجد، فدخل العباس, فأعلمه ﵊ بمكانهم وإشفاقهم، ثم دخل عليه الفضل فأعلمه بمثل ذلك، ثم دخل عليه علي بن أبي طالب كذلك. فخرج ﷺ متوكئًا على عليّ والفضل, والعباس أمامه، والنبي ﷺ معصوب الرأس يخطّ برجليه، حتى جلس على أسفل مرقاة من المنبر, وثار الناس إليه، فحمد الله وأثنى عليه وقال: "يا أيها الناس، بلغني أنكم تخافون من موت نبيكم، هل خُلِّدَ نبي قبلي فيمن بعث إليه فأخلد فيكم؟ ألَا إني لاحق بربي، وإنكم لاحقون به، فأوصيكم بالمهاجرين الأوَّلين خيرًا، وأوصى المهاجرين فيما بينهم، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ إلى آخرها, وإنَّ الأمور تجري بإذن الله، ولا يحمّلنكم استبطاء أمر على استعجاله، فإنَّ الله ﷿ لا يعجل بعجلة أحد، ومن غالب الله غلبه، ومن خادع الله خدعه، ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ

وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] ، "وأوصيكم بالأنصار خيرًا، فإنهم الذين تبوّءوا الدار والإيمان من قبلكم, أن تحسنوا إليهم، ألم يشاطروكم في الثمار؟ ألم يوسّعوا لكم في الديار؟ ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة؟ ألا فمن ولي أن يحكم بين رجلين فليقبل من محسنهم, وليتجاوز عن مسيئهم، ألا ولا تستأثروا عليهم، ألا وإني فرط لكم، وأنتم لاحقون بي، ألا وإن موعدكم الحوض، ألا فمن أحب أن يرده عليَّ غدًا فيلكفف يده ولسانه إلا فيما ينبغي، يا أيها الناس, إن الذنوب تغيّر النعم، وتبدّل القِسَم، فإذا بَرَّ الناس برَّهم أئتمتهم, وإذا فجر الناس

ه عليَّ غدًا فيلكفف يده ولسانه إلا فيما ينبغي، يا أيها الناس, إن الذنوب تغيّر النعم، وتبدّل القِسَم، فإذا بَرَّ الناس برَّهم أئتمتهم, وإذا فجر الناس

عقوهم". وفي حديث أنس عند البخاري قال: مَرَّ أبو بكر والعبّاس بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون, فقال: ما يبكيكم؟ فقالوا: ذكرنا مجلس النبي ﷺ منَّا، فدخل أحدهما على النبي ﷺ فأخبره بذلك، فخرج النبي ﷺ, وقد عصب على رأسه حاشية برد، فصعد المنبر -ولم يصعده بعد ذلك اليوم, فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم, وتجاوزوا عن مسيئهم".

وقوله: "كرشي وعيبتي" , أي: موضع سري, أراد أنهم بطانته وموضع أمانته، والذين يعتمد عليهم في أموره. واستعار الكرش والعيبة لذلك؛ لأن المجتر يجمع علفه في كرشه، والرجل يجمع ثيابه في عيبته، وقيل: أراد بالكرش الجماعة، أي: جماعتي وصحابتي. يقال: عليه كرش من الناس، أي: جماعة، قاله في النهاية. وذكره الواحدي بسندٍ وصله لعبد الله بن مسعود قال: نعى لنا رسول الله ﷺ نفسه قبل موته بشهر، فلمَّا دنا الفراق جمعنا في بيت عائشة فقال: "حياكم الله بالسلام، رحمكم الله، جبركم الله، رزقكم الله، نصركم الله، رفعكم الله، آواكم الله، أوصيكم بتقوى الله، وأستخلفه عليكم، وأحذركم الله، إني لكم منه نذير مبين، أن لا تعلوا على الله في بلاده وعباده, فإنه قال لي ولكم: ﴿تلك الدار

الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] ، وقال: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] قلنا: يا رسول الله، متى أجلك؟ قال: "دنا الفراق، والمنقلب إلى الله , وإلى جنة المأوى"، قلنا: يا رسول الله، من يغسّلك؟ قال: "رجال أهل بيتي الأدنى فالأدنى"، قلنا: يا رسول الله، فيم نكفنك؟ قال: "في ثيابي هذه, وإن شئتم في بياض ثياب مصر، أو حلة يمنية"، قلنا: يا رسول الله، من يصلي عليك؟ قال: "إذا أنتم غسَّلتموني وكفَّنتموني, فضعوني على سرير هذا على شفير قبري، ثم اخرجوا عني ساعة، فإن أوّل من يصلي عليّ جبريل, ثم ميكائيل, ثم إسرافيل, ثم ملك الموت ومعه جنود من الملائكة، ثم ادخلوا عليّ فوجًا فوجًا، فصلوا علي وسلموا تسليمًا، وليبدأ بالصلاة عليَّ رجال أهل بيتي، ثم نسائهم، ثم أنتم, وأقرءوا السلام على من غاب من أصحابي ومن تبعني على

ديني"، من يومي هذا إلى يوم القيامة، قلنا: يا رسول الله، من يدخلك قبرك؟ قال: "أهلي مع ملائكة ربي". وكذا رواه الطبراني في "الدعاء" وهو واهٍ جدًّا. وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ وهو صحيح يقول: "إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يحيا أو يخيّر" , فلمَّا اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذي غشي عليه، فلمَّا أفاق شخص بصره نحو سقف البيت, ثم قال: "اللهم في الرفيق الأعلى"، فقلت: إذًا لا يختارنا، فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح. وفي رواية: إنها أصغت إليه قبل أن يموت، وهو مستند إلى ظهره يقول:

في الرفيق الأعلى"، فقلت: إذًا لا يختارنا، فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح. وفي رواية: إنها أصغت إليه قبل أن يموت، وهو مستند إلى ظهره يقول:

"اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى" , رواه البخاري من طريق الزهري عن عروة. وما فهمته عائشة من قوله ﵊: "اللهم في الرفيق الأعلى" أنه خُيِّرَ، نظير فهم أبيها ﵁ من قوله ﵊: "إن عبدًا خَيِّرَه الله ما بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده" , أنَّ العبد المراد هو النبي ﷺ كما قدَّمته. ذكره الحافظ ابن حجر. وعند أحمد من طريق المطّلب بن عبد الله عن عائشة: "أن النبي ﷺ كان يقول: "ما من نبي يقبض إلا يرى الثواب ثم يخيِّر". ولأحمد أيضًا، من حديث أبي مويهة قال: قال لي رسول الله ﷺ: "أوتيت مفاتيح خزائن الأرض والخلد, ثم الجنة، فخُيِّرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة, فاخترت

لقاء ربي والجنة". وعند عبد الرزاق من مرسل طاوس، رفعه: "خيرت بين أن أبقى حتى أرى ما يفتح على أمتي وبين التعجيل فاخترت التعجيل". وفي رواية أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه عند النسائي، وصحَّحه ابن حبان، فقال: "أسأل الله الرفيق الأعلى الأسعد مع جبريل وميكائيل وإسرافيل". وظاهره أنَّ الرفيق: المكان الذي تحصل فيه المرافقة مع المذكورين، وقال ابن الأثير في "النهاية" الرفيق" جماعة الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين، وقيل: المراد به الله تعالى, يقال: الله رفيق بعباده من الرفق والرأفة، انتهى، وقيل: المراد

به: حظيرة القدس. وفي كتاب "روضة التعريف بالحب الشريف": لما تجلَّى له الحق ضعفت العلاقة بينه وبين المحسوسات, والحظوظ الضرورية من أداني معاني الترقيات البشرية، فكانت أحواله في زيادة الترقي، ولذلك روي أنه ﵊ قال: "كلّ يوم لا أزداد فيه قربًا من الله فلا بورك لي في طلوع شمسه". وكلما فارق مقامًا واتصل بما هو أعلى منه لمح الأوّل بعين النقص، وسار على ظهر المحبّة، ونعمت المطية لقطع هذه المراحل والمقامات والأحوال، والسفر إلى حضرة ذي الجلال، والاتّصال بالمحبوب الذي كل شيء هالك إلا وجهه.

قص، وسار على ظهر المحبّة، ونعمت المطية لقطع هذه المراحل والمقامات والأحوال، والسفر إلى حضرة ذي الجلال، والاتّصال بالمحبوب الذي كل شيء هالك إلا وجهه.

قال السهيلي: الحكمة في اختتام كلامه ﷺ بهذه الكلمة، كونها تتضمّن التوحيد والذكر بالقلب، حتى يستفاد منها الرخصة لغيره أنّه لا يشترط أن يكون الذكر باللسان؛ لأن بعض الناس قد يمنعه من النطق مانع، فلا يضره ذلك إذا كان قلبه عامرًا بالذكر، انتهى ملخصًا. قال الحافظ ابن رجب: وقد روي ما يدل على أنه قُبِضَ ثم رأى مقعده من الجنة, ثم رُدَّت إليه نفسه, ثم خُيِّر. ففي المسند قالت -يعني: عائشة: كان النبي ﷺ يقول: "ما من نبي إلّا تقبض نفسه ثم يرى الثواب, ثم ترد إليه نفسه, فيخير بين أن تُرَدّ إليه إلى أن يلحق" فكنت قد حفظت ذلك عنه، وإني لمسندته إلى صدري، فنظرت إليه حين مالت عنقه، فقلت: قضى، قالت: فعرفت الذي قال، فنظرت إليه حين ارتفع ونظر، فقلت: إذًا والله لا يختارنا، فقال: "مع الرفيق الأعلى

والصالحين وحسن أولئك رفيقًا". وفي البخاري من حديث عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ وهو صحيح - يقول: "إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يحيا أو يخيّر" فلما اشتكى وحضره القبض, ورأسه على فخذ عائشة, غُشِّيَ عليه، فلمَّا أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال: "اللهم في الرفيق الأعلى". ونبَّه السهيلي على أنه النكتة في الإتيان بهذه الكلمة بالإفراد، الإشارة إلى أنَّ أهل الجنة يدخلونها على قلب رجل واحد.

وفي صحيح ابن حبان عنها قالت: أغمي على رسول الله ﷺ, ورأسه في حجري. فجعلت أمسحه وأدعو له بالشفاء، فلمَّا أفاق قال: "أسال الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل وإسرافيل". ولما احتضر ﷺ اشتدَّ به الأمر، قالت عائشة: ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على النبي ﷺ، قالت: وكان عنده قدح من ماء، فيدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ويقول: "اللهم أعنِّى على سكرات الموت". وفي رواية: فجعل يقول: "لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات". قال بعض العلماء: فيه أنَّ ذلك من شدة الآلام والأوجاع لرفعة منزلته. وقال الشيخ أبو محمد المرجاني: تلك السكرات سكرات الطرب، ألا ترى إلى قول بلال حين قال له أهله وهو في السياق: وا حرباه، ففتح عينيه وقال:

وا طرباه، غدًا ألقى الأحبَّة محمدًا وصحبه، فإذا كان هذا طربه, وهو في هذا الحال بلقاء محبوبه وهو النبي ﷺ وحزبه، فما بالك بلقاء النبي ﷺ لربه تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وهذا موضع تقصر العبارة عن وصف بعضه. وفي حديث مرسل ذكره الحافظ ابن رجب: أنه ﷺ قال: "اللهم إنك تأخذ الروح من بين العصب والأنامل والقصب، فأعنِّي عليه وهوّنه عليّ". وعند الإمام أحمد والترمذي من طريق القاسم عنها قالت: ورأيته وعنده قدح فيه ماء وهو يموت، فيدخل يده في القدح, ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: "اللهم أعنِّى على سكرات الموت".

ولما غشَّاه الكرب، قالت فاطمة ﵂: وا كرب أبتاه، فقال لها: "لا كرب على أبيك بعد اليوم" رواه البخاري. قال الخطابي: زعم من لا يُعَدّ من أهل العلم أن المراد بقوله ﵊: "لا كرب على أبيك بعد اليوم" أنَّ كربه كان شفقة على أمته, لما علم من وقوع الاختلاف والفتن بعده، وهذا ليس بشيء؛ لأنه كان يلزم أن تنقطع شفقته على أمته بموته، والواقع أنها باقية إلى يوم القيامة؛ لأنه مبعوث إلى مَن جاء بعده، وأعمالهم تعرض عليه، وإنما الكلام على ظاهره، وأنَّ المراد بالكرب ما كان يجده ﵊ من شدة الموت، وكان فيما يصيب جسده من الآلام كالبشر؛ ليتضاعف له الأجر. انتهى. وروى ابن ماجه: أنه ﷺ قال لفاطمة: "إنه حضر من أبيك ما الله تعالى بتارك منه أحدًا لموافاة يوم القيامة".

سده من الآلام كالبشر؛ ليتضاعف له الأجر. انتهى. وروى ابن ماجه: أنه ﷺ قال لفاطمة: "إنه حضر من أبيك ما الله تعالى بتارك منه أحدًا لموافاة يوم القيامة".

وفي البخاري من حديث أنس بن مالك: إنَّ المسلمين بينما هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين، وأبو بكر يصلي بهم, لم يفجأهم إلّا رسول الله ﷺ قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة, ثم تبسَّم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله ﷺ يريد أن يخرج إلى الصلاة, قال أنس: وهَمَّ المسلمون أن يفتنوا في صلاتهم فرحًا برسول الله ﷺ, فأشار إليهم بيده ﷺ أن أتموا صلاتكم, ثم دخل الحجرة وأرخى الستر.

وفي رواية أبي اليمان عن شعيب، عند البخاري، في "الصلاة": فتوفي من يومه ذلك. وكذا في رواية معمر عنده أيضًا في حديث أنس: لم يخرج إلينا ﷺ ثلاثًا، فأقيمت الصلاة، فذهب أبو بكر يتقدَّم، فقال: نبي الله ﷺ بالحجاب, فرفعه، فلمَّا وضح لنا وجه رسول الله ﷺ, ما نظرنا منظرًا كان أعجب إلينا من وجه رسول الله ﷺ حين وضح لنا، قال: فأومأ رسول الله ﷺ إلى أبي بكر أن يتقدَّم وأرخى الحجاب. الحديث رواه الشيخان. وعنه أنَّ أبا بكر كان يصلي بهم في وجع النبي ﷺ الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين، وهم صفوف في الصلاة، كشف رسول الله ﷺ ستر الحجرة،

فنظرنا إليه وهو قائم، كأنَّ وجهه ورقة مصحف مثلث الميم، ثم تبسَّم ﷺ ضاحكًا. الحديث رواه مسلم. وقد جزم موسى بن عقبة عن ابن شهاب، أنه ﷺ مات حين زاغت الشمس، وكذا لأبي الأسود عن عروة. وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: لما بقي من أجل رسول الله ﷺ ثلاث، نزل عليه جبريل فقال: يا محمد, إن الله قد أرسلني إليك إكرامًا لك، وتفضيلًا لك، وخاصَّة لك، يسألك عمَّا هو أعلم به منك يقول: كيف تجدك؟ فقال: "أجدني يا جبريل مغمومًا، وأجدني يا جبريل مكروبًا"، ثم أتاه في اليوم الثاني فقال له مثل ذلك، ثم جاءه في اليوم الثالث فقال له مثل ذلك، ثم استأذن فيه ملك

جدني يا جبريل مغمومًا، وأجدني يا جبريل مكروبًا"، ثم أتاه في اليوم الثاني فقال له مثل ذلك، ثم جاءه في اليوم الثالث فقال له مثل ذلك، ثم استأذن فيه ملك

الموت فقال جبريل: يا محمد، هذا ملك الموت يستأذن عليك، ولم يستأذن على آدمي قبلك، ولا يستأذن على آدمي بعدك، قال: "ائذن له"، فدخل ملك الموت, فوقف بين يديه فقال: يا رسول الله، إن الله ﷿ أرسلني إليك, وأمرني أن أطيعك في كل ما تأمر، إن أمرتني أن أقبض روحك قبضتها، وإن أمرتني أن أتركها تركتها، فقال جبريل: يا محمد، إن الله قد اشتاق إلى لقائك، قال ﷺ: "فامض يا ملك الموت لما أمرت به"، فقال جبريل: يا رسول الله، هذا آخر موطئي من الأرض، إنما كنت حاجتي من الدنيا, فقبض روحه، فلمَّا توفي ﷺ وجاءت

التعزية, سمعوا صوتًا من ناحية البيت: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إن في الله عزاء من كل مصيبة, وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنما المصاب من حرم الثواب, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقال عليّ: أتدرون من هذا؟ هو الخضر ﵇. رواه البيهقي في دلائل النبوة. وفي تخريج أحاديث الإحياء للحافظ العراقي, وذكر التعزية المذكورة عن ابن عمر، مما ذكره في الإحياء, وأن النووي أنكر وجود الحديث المذكور في كتب الحديث، وقال: إنما ذكره الأصحاب, ثم قال العراقي: قد رواه الحاكم في المستدرك من حديث أنس ولم يصحّحه، ولا يصح. ورواه ابن أبي الدنيا عن أنس أيضًا قال: لما قبض رسول الله ﷺ اجتمع

أصحابه حوله يبكون، فدخل عليهم رجل طويل شعر المنكبين في إزار ورداء، يتخطَّى أصحاب رسول الله ﷺ, حتى أخذ بعضادتي باب البيت, فبكى على رسول الله ﷺ، ثم أقبل على أصحابه فقال: إن في الله عزاء من كل مصيبة، وعوضًا من كل فانٍ. الحديث. وفيه: ثم ذهب الرجل، فقال أبو بكر: عليَّ بالرجل، فنظروا يمينًا وشمالًا فلم يروا أحدًا، فقال أبو بكر: لعلَّ هذا الخضر جاء يعزينا. ورواه ابن أبي الدنيا أيضًا من حديث علي بن أبي طالب، وفيه محمد بن جعفر الصادق، تكلم فيه، وفيه انقطاع بين علي بن الحسين وبين جده علي، والمعروف عن علي بن الحسين مرسلًا من غير ذكر علي، كما رواه الشافعي في الأم, وليس فيه ذكر للخَضِر ﵇. قال البيهقي: قوله: إن الله اشتاق إلى لقائك، معناه: قد أراد لقاءك بأن يردّك من دنياك إلى معادك زيادة في قربك وكرامتك.

ي الأم, وليس فيه ذكر للخَضِر ﵇. قال البيهقي: قوله: إن الله اشتاق إلى لقائك، معناه: قد أراد لقاءك بأن يردّك من دنياك إلى معادك زيادة في قربك وكرامتك.

وأخرج الطبراني من حديث ابن عباس قال: جاء ملك الموت إلى النبي ﷺ في مرضه ورأسه في حجر علي، فاستأذن فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال له: ارجع فإنَّا مشاغيل عنك، فقال ﷺ: "هذا ملك الموت, ادخل راشدًا" فلمَّا دخل قال: إن ربك يقرئك السلام, فبلغني أن ملك الموت لم يسلم على أهل بيت قبله ولا يسلم بعده. وقالت عائشة: توفي في بيتي، وفي يومي, وبين سحري ونحري، وفي رواية: بين حاقنتي وذاقنتي. رواه البخاري. والحاقنة: بالحاء المهملة والقاف والنون: أسفل من الذقن. والذاقنة: طرف الحلقوم. والسحر: بفتح السين وسكون الحاء المهملتين، وهو الصدر. والنحر: بفتح

النون وسكون الحاء المهملة. والمراد: أنه ﷺ توفي ورأسه بين عنقها وصدرها. وهذا لا يعارضه ما أخرجه الحاكم وابن سعد من طرق: أنه ﷺ مات ورأسه في حجر عليّ؛ لأن كل طريق منها -كما قال الحافظ ابن حجر- لا يخلو عن شيء، فلا يلتفت لذلك والله أعلم.

قال السهيلي: وجدت في بعض كتب الواقدي: إن أول كلمة تكلم بها النبي ﷺ وهو مسترضع عند حليمة: "الله أكبر" , وآخر كلمة تكلم بها: "في الرفيق الأعلى". وروى الحاكم من حديث أنس قال: "إن آخر ما تكلّم به النبي ﷺ: "جلال ربي الرفيع". ولما توفي ﷺ كان أبو بكر غائبًا بالنسخ -يعني: العالية, عند زوجته بنت خارجة- وكان ﷺ قد أذن له في الذهاب إليهما، فسلَّ عمر بن الخطاب سيفه

ربي الرفيع". ولما توفي ﷺ كان أبو بكر غائبًا بالنسخ -يعني: العالية, عند زوجته بنت خارجة- وكان ﷺ قد أذن له في الذهاب إليهما، فسلَّ عمر بن الخطاب سيفه

وتوعّد من يقول: مات رسول الله ﷺ، وكان يقول: إنما أرسل إليه كما أرسل إلى موسى ﵇، فلبث عن قومه أربعين ليلة، والله إني لأرجو أن يقطع أيدي رجال وأرجلهم. فأقبل أبو بكر من السنح حين بلغه الخبر إلى بيت عائشة فدخل، فكشف عن وجه رسول الله ﷺ, فجثا يقبله ويبكي ويقول: توفي والذي نفسي بيده، صلوات الله عليك يا رسول الله، ما أطيبك حيًّا وميتًا، ذكره الطبري في "الرياض". وقالت عائشة: أقبل أبو بكر على فرس من مسكنه بالسنح، حتى نزل فدخل المسجد, فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة, فبصر برسول الله ﷺ وهو مسجَّى ببرد حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكبَّ عليه فقبَّله ثم بكى وقال: بأبي

أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها. رواه البخاري. واختلف في قول أبي بكر ﵁: "لا يجمع الله عليك موتتين". فقيل هو على حقيقته، وأشار بذلك إلى الرد على من زعم أنه سيحيا فيقطع أيدي رجال؛ لأنه لو صحَّ ذلك للزم أن يموت موتة أخرى، فأخبر أنه أكرم على الله أن يجمع عليه موتتين كما جمعهما على غيره، كـ ﴿الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ ، و ﴿كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ، وهذا أوضح الأجوبة وأسلمها.

وقيل: أراد أنه لا يموت موتة أخرى في القبر كغيره، إذا يحيا فيسأل ثم يموت، وهذا جواب الداودي. وقيل: لا يجمع الله موت نفسك وموت شريعتك. وقيل: كنَّى بالموت الثاني عن الكرب، أي: لا تلقى بعد هذا الموت كربًا آخر. قال في فتح الباري. وعنها: إن عمر قام يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله ﷺ فقبَّله, وقال: بأبي أنت وأمي، طبت حيًّا وميتًا، والذي نفسي بيده، لا يذيقك الله الموتتين أبدًا، ثم خرج فقال: أيها الحالف، على رسلك، فلمّا تكلم أبو بكر

جلس عمر فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية [آل عمران: ١٤٤] ، قال: فنشج الناس يبكون، رواه البخاري. يقال: نشج الباكي، أي: غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب.

وعن سالم بن عبيد الأشجعي قال: لما مات رسول الله ﷺ, كان أجزع الناس كلهم عمر بن الخطاب ﵁، فأخذ بقائم سيفه وقال: لا أسمع أحدًا يقول: مات رسول الله ﷺ إلا ضربته بسيفي هذا، قال: فقال الناس: يا سالم، أطلب صاحب رسول الله ﷺ, قال: فخرجت إلى المسجد, فإذا بأبي بكر، فلمَّا رأيته أجهشت بالبكاء، فقال: يا سالم أمات رسول الله ﷺ؟ فقلت: إن هذا عمر بن الخطاب يقول: لا أسمع أحدًا يقول مات رسول الله ﷺ إلا ضربته بسيفي هذا، قال: فأقبل أبو بكر حتى دخل على النبي ﷺ وهو مسجَّى، فرفع البرد عن وجهه، ووضع فاهه على فيه, واستنشى الريح، ثم سجَّاه والتفت إلي فقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية، وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ يا أيها الناس، من كان يعبد محمدًا فإن محمد قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال عمر: فوالله لكأنِّي لم أتل هذه الآيات قط. خرَّجه الحافظ أبو أحمد حمزة بن الحارث، كما ذكره الطبري في "الراض" له، وقال: خرج الترمذي معناه

بتمامه. واستنشى الريح: شمها، أي: شمَّ ريح الموت. وعند أحمد: عن عائشة قالت: سجَّيت النبي ﷺ ثوبًا، فجاء عمر والمغيرة بن شعبة فاستأذنا، فأذنت لهما, وجذبت الحجاب، فنظر عمر إليه فقال: واغشياه، ثم قاما، فقال المغيرة: يا عمر، مات، قال: كذبت، إن رسول الله ﷺ لا يموت حتى يفني الله المنافقين. ثم جاء أبو بكر فرفعت الحجاب فنظر إليه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات رسول الله ﷺ. وفي حديث ابن عباس عند البخاري: إن أبا بكر خرج وعمر بن الخطاب يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا

ت رسول الله ﷺ. وفي حديث ابن عباس عند البخاري: إن أبا بكر خرج وعمر بن الخطاب يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا

عمر، فقال أبو بكر: أمَّا بعد, من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله ﷿: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ قال: والله لكأنَّ الناس لم يعلموا أنَّ الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر, فتلقَّاها الناس منه كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها. وفي حديث ابن عمر عند ابن أبي شيبة, أنَّ أبا بكر مَرَّ بعمر وهو يقول: ما مات رسول الله ﷺ, ولا يموت حتى يقتل الله المنافقين. قال: وكانوا أظهروا الاستبشار ورفعوا رءوسهم، فقال: أيها الرجل، إن رسول الله ﷺ قد مات: ألم تسمع الله تعالى يقول: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْد﴾ ثم أتى أبو بكر المنبر. الحديث.

قال القرطبي أبو عبد الله المفسّر: وفي هذا أدلّ دليل على شجاعة الصديق، فإن الشجاعة حدّها ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبي ﷺ. فظهر عنده شجاعته وعلمه. قال الناس: لم يمت رسول الله ﷺ، واضطرب الأمر, فكشفه الصديق بهذه الآية، فرجع عمر عن مقالته التي قالها. كما ذكره الوائلي أبو نصر عبد الله في كتاب "الإنابة", عن أنس بن مالك أنه سمع عمر بن الخطاب حين بويع أبو بكر ﵁ في مسجد رسول الله ﷺ, واستوى على منبره ﷺ، تشهَّد ثم قال: أما بعد، فإني قلت لكم أمس مقالة, وإنها لم تكن كما قلت، وإني والله ما وجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب الله، ولا في عهد عهده إلي رسول الله ﷺ, ولكني كنت أرجو أن

ني قلت لكم أمس مقالة, وإنها لم تكن كما قلت، وإني والله ما وجدت المقالة التي قلت لكم في كتاب الله، ولا في عهد عهده إلي رسول الله ﷺ, ولكني كنت أرجو أن

أي: يكون آخرنا موتًا، أو كما قال, فاختار الله ﷿ لرسوله الذي عنده على الذي عندكم, وهذا الكتاب الذي هدى به رسوله, فخذوا به تهتدوا لما هدي له رسول الله ﷺ. قال أبو نصر: المقالة التي قالها ثم رجع عنها هي: إن النبي ﷺ لم يمت, ولن يموت حتى يقطع أيد وأرجل, وكان ذلك لعظيم ما ورد عليه, وخشي الفتنة وظهور المنافقين, فلما شاهد عمر قوة يقين الصديق الأكبر, وتفوهه بقول الله ﷿: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وخرج الناس يتلونها في سكك المدينة كأنها لم تنزل قط إلا ذلك اليوم. انتهى. وقال ابن المنير: لما مات ﷺ طاشت العقول، فمنهم من خبل، ومنهم من أقعد فلم يطق القيام، ومنهم من أخرس فلم يطق الكلام، ومنهم من أضنى، وكان

عمر ممن خبل، وكان عثمان ممن أخرس, يذهب به ويجاء ولا يستطيع كلامًا، وكان علي ممن أقعد فلم يستطع حراكًا، وأضنى عبد الله بن أنيس فمات كمدًا. وكان أثبتهم أبو بكر الصديق ﵁، جاء وعيناه تهملان, وزفراته تتردد, وغصصه تتصاعد وترتفع، فدخل على النبي ﷺ فأكبَّ عليه, وكشف الثوب عن وجهه وقال: طبت حيًّا وميتًا، وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء قبلك، فعظمت عن الصفة وجللت عن البكاء، ولو أنَّ موتك كان اختيارًا لجدنا لموتك بالنفوس. اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن من بالك. ووقع في حديث ابن عباس وعائشة عند البخاري: إنَّ أبا بكر قَبَّل النبي ﷺ بعد ما مات، كما قدمنا، وكذا وقع في رواية غيره. وفي رواية يزيد بن بابنوس عنها، عند أحمد، أنه أتاه من قَبَّل رأسه، فحدر

فاه وقَبَّل جبهته ثم قال: وانبياه، ثم رفع رأسه فحدر فاه وقَبَّل جبهته ثم قال: واصفياه، ثم رفع رأسه فحدر فاه وقَبَّل جبهته وقال: واخليلاه. وعند ابن ابي شيبة عن ابن عمر: فوضع فاه على جبين رسول الله ﷺ فجعل يقبّله ويبكي ويقول: بأبي أنت وأمي، طبت حيًّا وميتًا. وعن عائشة: إنَّ أبا بكر دخل على النبي ﷺ بعد وفاته، فوضع فاه بين عينيه، ووضع يديه على صدغيه، وقال: وانبياه واخليلاه واصفياه. أخرجه ابن عرفة العبدي كما ذكر الطبري, قال: ولا تضاد بين هذا على تقدير صحته وبين ما تقدَّم مما تضمَّن ثباته، بأن يكون قد قال ذلك من غير انزعاج ولا قلق خافتًا به صوته، ثم التفت إليهم, وقال لهم ما قال. وأخرج البيهقي وأبو نعيم من طريق الواقدي عن شيوخه: إنهم شَكُّوا في موته ﷺ، قال بعضهم: قد مات، وقال بعضهم: لم يمت، فوضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفيه ﷺ فقالت: قد توفي، قد رفع الخاتم من بين كتفيه، فكان

نهم شَكُّوا في موته ﷺ، قال بعضهم: قد مات، وقال بعضهم: لم يمت، فوضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفيه ﷺ فقالت: قد توفي، قد رفع الخاتم من بين كتفيه، فكان

هذا هو الذي قد عرف به موته، وأخرجه ابن سعد عن الواقدي أيضًا. ولما توفي ﵊ قالت فاطمة: يا أبتاه، أجاب ربًا دعاه، يا أبتاه، من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه مَنْ إلى جبريل ننعاه. رواه البخاري. قال الحافظ ابن حجر ﵀: وقد قيل: الصواب: إلى جبريل ننعاه. جزم بذلك سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان، قال: والأوّل متوجّه فلا معنى لتغليط الرواة بالظن. وزاد الطبراني: يا أبتاه, مِنْ ربه ما أدناه.

وقد عاشت فاطمة ﵂ بعده ﷺ ستة أشهر, فما ضحكت تلك المدة وحُقَّ لها ذلك. على مثل ليلى يقتل المرء نفسه ... وإن كان من ليلى على الهجر طاويًا وأخرج أبو نعيم عن علي قال: لما قُبِضَ ﷺ صعد ملك الموت باكيًا إلى السماء، والذي بعثه بالحق نبيًّا لقد سمعت صوتًا من السماء ينادي: وامحمداه. الحديث. كل المصائب تهون عند هذه المصيبة وفي سنن ابن ماجه: إنه ﷺ قال في مرضه: "أيها الناس، إن أحدًا من الناس، أو من المؤمنين, أصيب بمصيبة فليعز بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحدًا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي". وقال أبو الجوزاء: كان الرجل من أهل المدينة إذا أصابته مصيبة جاء أخوه فصافحه ويقول: يا عبد الله، اتق الله، فإن في رسول الله أسوة حسنة. ويعجبني قول

". وقال أبو الجوزاء: كان الرجل من أهل المدينة إذا أصابته مصيبة جاء أخوه فصافحه ويقول: يا عبد الله، اتق الله، فإن في رسول الله أسوة حسنة. ويعجبني قول

القائل: اصبر لكل مصيبة وتجلّد ... واعلم بأن المرء غير مخلّد واصبر كما صبر الكرام فإنها ... نوب تنوب اليوم تكشف في غد وإذا أتتك مصيبة تشجَّى بها ... فاذكر مصابك بالنبي محمد ويرحم القائل: تذكرت لما فرّق الدهر بيننا ... فعزَّيت نفسي بالنبي محمد وقلت لها إن المنايا سبيلنا ... فمن لم يمت في يومه مات في غد كادت الجمادات تتصدّع من ألم مفارقته ﷺ, فكيف بقلوب المؤمنين؟ ولما فقده الجذع الذي كان يخطب إليه قبل اتخاذ المنبر حَنَّ إليه وصاح. كان الحسن إذا حدَّث بهذا الحديث بكى وقال: هذه خشبة تحنّ إلى رسول الله ﷺ، فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه. وروي أن بلالًا لما كان يؤذن بعد وفاته ﷺ وقبل دفنه، فإذا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ارتجَّ المسجد بالبكاء والنحيب. فلما دُفِنَ ترك بلال الأذان.

ما أمرَّ عيش من فارق الأحباب, خصوصًا من كان رؤيته حياة الألباب. لو ذاق طعم الفراق رضوى ... لكان من وجده يميد قد حمَّلوني عذاب شوق ... يعجز عن حمله الحديد وقد كانت وفاته ﷺ يوم الإثنين بلا خلاف، وقت دخوله المدينة في هجرته حين اشتدّ الضحاء، ودفن يوم الثلاثاء، وقيل: ليلة الأربعاء. فعند ابن سعد في الطبقات، عن علي: توفي رسول الله ﷺ يوم الإثنين، ودُفِنَ يوم الثلاثاء، وعنده أيضًا عن عكرمة: توفي يوم الإثنين، فحُبِسَ بقية يومه وليلته، ومن الغد حتى دفن من الليل، وعنده أيضًا: عن عثمان بن محمد الأخنسي: توفي يوم الإثنين حين زاغت الشمس, ودفن يوم الأربعاء، وروي أيضًا عن أبيّ بن

عباس بن سهل عن أبيه عن جده: توفي يوم الإثنين، فمكث بقية يوم الإثنين والثلاثاء حتى دُفِنَ يوم الأربعاء. وعنده أيضًا, عن صالح بن كيسان, عن ابن شهاب: توفي يوم الإثنين حين زاغت الشمس. ورثته عمَّته صفية بمراثي كثيرة منها قولها: ألا يا رسول الله كنت رجاءنا ... وكنت بنا برًّا ولم تك جافيا وكنت رحيمًا هاديًا ومعلمًا ... ليبك عليك اليوم من كان باكيا لعمرك ما أبكي النبي لفقده ... ولكن لما أخشى من الهجر آتيا كأن على قلبي لذكر محمد ... وما خفت من بعد النبي المكاويا أفاطم صلى الله رب محمد ...

........................ ... على جدث أمسى بيثرب ثاويا فدًى لرسول الله أمي وخالتي ... وعمي وخالي ثم نفسي وماليا فلو أنَّ رب الناس أبقى نبينا ... سعدنا ولكن أمره كان ماضيا عليك من الله السلام تحية ... وأدخلت جنات من العدن راضيا أرى حسنًا أيتمته وتركته ... يبكي ويدعو جدّه اليوم نائيا ورثاه أبو سفيان بن الحارث فقال: أرقت فبت ليلي لا يزول ... وليل أخي المصيبة فيه طول وأسعدني البكاء وذاك فيما ... أصيب المسلمون به قليل لقد عظمت مصيبتنا وجلت ... عشية قيل: قد قبض الرسول وأضحت أرضنا مما عراها ... تكاد بنا جوانبها تميل فقدنا الوحي والتنزيل فينا ... بروح به ويغدوا جبرئيل وذاك أحق ما سالت عليه ... نفوس الناس أو كادت تسيل نبي كان يجلو الشك عنا ... بما يوحي إليه وما يقول ويهدينا فلا نخشى ضلالًا ... علينا والرسول لنا دليل

أفاطم أن جزعت فذاك عذر ... وإن لم تجزعي ذاك السبيل فقير أبيك سيد كل قبر ... وفيه سيد الناس الرسول ورثاه الصديق بقوله: لما رأيت نبينا متجدلًا ... ضاقت عليَّ بعرضهنَّ الدور فارتاع قلبي عند ذاك لهلكه ... والعظم مني ما حييت كسير أعتيق ويحك إن حبك قد ثوى ... فالصبر عنك لما بقيت يسير يا ليتني من قبل مهلك صاحبي ... غيبت في جدث علي صخور فلتحدثنّ بدائع من بعده ... تعيا بهنّ جوانح وصدور ورثاه الصديق أيضًا بقوله: ودعنا الوحي إذ وليت عنَّا ... فودعنا من الله الكلام سوى ما قد تركت لنا رهينًا ... تضمنه القراطيس الكرام ولقد أحسن حسان بقوله يرثيه: بطيبة رسم للرسول ومعهد

الوحي إذ وليت عنَّا ... فودعنا من الله الكلام سوى ما قد تركت لنا رهينًا ... تضمنه القراطيس الكرام ولقد أحسن حسان بقوله يرثيه: بطيبة رسم للرسول ومعهد

........................... ... مبين وقد تعفوا الرسوم وتهمد ولا تنمحي الآيات من دار حرمه ... بها منبر الهادي الذي كان يصعد وأوضح آيات وباقي معالم ... وربع له فيه مصلى ومسجد بها حجرات كان ينزل وسطها ... من الله نور يستضاء ويوقد معارف لم تطمس على العهد آيها ... أتاها البِلى فالآي منها تجدد عرفت بها رسول الرسول وعهده ... وقبرًا بها واراه في الترب ملحد أطالت وقوفًا تذرف العين دمعها ... على طلل القبر الذي فيه أحمد فبوركت يا قبر الرسول وبوركت ... بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد وبورك لحد منك ضمن طيبًا ... عليه بناء من صفيح منضد تهيل عليه الترب أيد وأعين

......................... ... تباكت وقد غارت بذلك أسعد لقد غيبوا حلمًا وعلمًا ورحمة ... عشية عالوه الثري لا يوسد وراحوا بحزن ليس فيهم نبيهم ... وقد وهنت منهم ظهور وأعضد يبكون من تبكي السموات موته ... ومن قد بكته الأرض والناس أكمد فهل عدلت يومًا رزية هالك ... رزية يوم مات فيه محمد

ورثاه حسان بقوله أيضًا: كنت السواد لناظري ... فعمي عليك الناظر من شاء يعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر ولما تحقَّق عمر بن الخطاب ﵁ موته ﷺ بقول أبي بكر، ورجع إلى قوله، قال وهو يبكي: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد كان لك جذع تخطب الناس عليه، فلمَّا كثروا اتخذت منبرًا لتسمعهم، فحنَّ الجذع لفراقك، حتى جعلت يدك عليه سكن، فأمتك أولى بالحنين عليك حين فارقتهم، بأبي أنت وأمي يا رسول الله, لقد بلغ من فضيلتك عند ربك أن جعل طاعتك طاعته، فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ , بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من

ل الله, لقد بلغ من فضيلتك عند ربك أن جعل طاعتك طاعته، فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ , بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من

فضيلتك عنده أن بعثك آخر الأنبياء وذكرك في أولهم، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ الآية، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده، أنَّ أهل النار يودون أن يكونوا أطاعوك وهم بين أطباقها يعذّبون، يقولون: ﴿يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ . الخبر ذكره أبو العباس القصَّار في شرحه لبردة الأبو صيري، ونقله عن الرشاطي في كتابه: "اقتباس الأنوار والتماس الأزهار", وذكره ابن الحاجّ في المدخل وساقه بتمامه، والقاضي عياض في "الشفاء", لكنه ذكره بعضه، ويقع في كثير من نسخ الشفاء: روي عن عمر بن الخطاب

رضي الله عنه- أنه قال في كلام بكَّى به النبيُّ ﷺ -بتشديد الكاف من بَكَى، والصواب فيها التخفيف؛ لأن هذا الكلام إنما سمع من عمر بعد موته ﷺ كما تقدم، ونبهت عليه في حاشية الشفاء", والله أعلم. ويؤيد هذا قوله في الخبر نفسه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله, لقد اتبعك في عصر عمرك ما لم يتبع نوحًا في كبر سنة وطول عمره, فلقد آمن بك الكثير وما آمن معه إلا القليل. وأخرج ابن عساكر عن أبي ذؤيب الهذلي قال: بلغنا أن النبي ﷺ عليل،

فأوجس أهل الحي خيفةً على النبي ﷺ، وبت بليلة طويلة حتى إذا كان قرب السحر نمت, فهتف بي هاتف في منامي وهو يقول: خطب أجل أناخ بالإسلام ... بين النخيل ومقعد الآطام قبض النبي محمد فعيوننا ... تذري الدموع عليه بالتسجام فوثبت من نومي فزعًا، فنظرت إلى السماء فلم أر إلا سعد الذابح, فعلمت أن النبي ﷺ قُبِضَ!! أو هو ميت، فقَدِمت المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج إذا أهلّوا للإحرام، فقلت: مه؟ فقيل: قبض رسول الله ﷺ. ومن عجيب ما اتفق ما روي: أنهم لما أرادوا غسل النبي ﷺ قالوا: لا ندري، أنجَرِّد رسول الله ﷺ من ثيابه كما نجرِّد موتانا, أم نغسله وعليه ثيابه، فلمَّا اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلّا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت، لا يدرون من هو: اغسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابه، فقاموا وغسَّلوه عليه قميصه، يضعون الماء.

فوق القميص ويدلكونه بالقميص. رواه البيهقي في دلائل النبوة. وروى ابن ماجه بسند جيد عن علي يرفعه: "إذا أنا متُّ فاغسلوني بسبع قرب من بئري بئر غرس". قال في النهاية: بفتح الغين المعجمة وسكون الراء والسين المهملة. وقد روى ابن النجار: إنه ﵊ قال: "رأيت الليلة أنِّي على بئر من الجنة" فأصبح على بئر غرس فتوضأ منها وبزق فيها. وغسل ﷺ ثلاث غسلات؛ الأولى: بالماء القراح، والثانية: بالماء والسدر، والثالثة: بالماء والكافور، وغسَّله علي والعباس وابنه الفضل يعينانه، وقثم وأسامة وشقران مولاه ﷺ يصبون الماء وأعينهم معصوبة من وراء الستر؛ لحديث علي: "لا يغسلني إلّا أنت فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طُمِسَت عيناه". رواه البزار

وأسامة وشقران مولاه ﷺ يصبون الماء وأعينهم معصوبة من وراء الستر؛ لحديث علي: "لا يغسلني إلّا أنت فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طُمِسَت عيناه". رواه البزار

وأخرج البيهقي عن الشعبي قال: غسل عليّ النبي ﷺ, فكان يقول وهو يغسله ﷺ: بأبي أنت وأمي, طبت حيًّا وميتًا. أخرج أبو داود وصحَّحه الحاكم عن علي قال: غسلته ﷺ, فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئًا، وكان طيب حيًّا وميتًا. وفي رواية ابن سعد: وسطعت ريح طيبة لم يجدوا مثلها قط. قيل: وجعل علي على يده خرقة وأدخلها تحت القميص, ثم اعتصروا قميصه، وحنطوا مساجده ومفاصله، ووضؤوا منه ذراعيه ووجهه وكفيه وقدميه, وجمّروه عودًا وندًا. وذكر ابن الجوزي أنه روي عن جعفر بن محمد قال: كان الماء يستنقع في جفون النبي ﷺ, فكان علي يحسوه، وأمَّا ما روي أن عليًّا لما غسله ﷺ امتص

ماء محاجر عينيه فشربه، وأنه قد ورث بذلك علم الأولين والآخرين، فقال النووي: ليس بصحيح. وفي حديث عروة عن عائشة قالت: كفّن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية. أخرجه النسائي من رواية عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة. واتفق عليه الأئمة الستة من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بزيادة: من كرسف, ليس فيها قميص ولا عمامة. وليس قوله: "من كرسف" عند الترمذي ولا ابن ماجه. وزاد مسلم: أما الحلة فإنما شُبِّه على الناس فيها أنها اشتريت له ليكفَّن فيها، فتركت الحلة وكفّن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، فأخذها عبد الله بن أبي بكر فقال: لأحبسنَّها حتى أكَفّن فيها نفسي، ثم قال: لو رضيها الله ﷿ لنبيه لكفَّنه فيها, فباعها وتصدَّق بثمنها.

واب بيض سحولية، فأخذها عبد الله بن أبي بكر فقال: لأحبسنَّها حتى أكَفّن فيها نفسي، ثم قال: لو رضيها الله ﷿ لنبيه لكفَّنه فيها, فباعها وتصدَّق بثمنها.

وفي رواية له: أدرج رسول الله ﷺ في حلة يمنية كانت لعبد الله بن أبي بكر, ثم نزعت عنه، وذكر الحديث. وفي رواية أصحاب السنن الأربعة: فذكر لعائشة قولهم: كفن في ثوبين وبرد حبرة، فقالت: قد أتى بالبرد ولكنَّهم ردوه ولم يكفنوه فيه, قال الترمذي: حسن صحيح. وفي رواية البيهقي: في ثلاثة أثواب بيض سحولية جدد. والسحولية: بفتح السين وضمها، قال النووي: والفتح أشهر، وهو رواية الأكثرين، وفي النهاية تبعًا للهروي، فالفتح منسوب إلى السحول وهو القصار؛ لأنه يسحلها، أي: يغسلها, أو إلى سحول وهي قرية باليمن، وأما الضم فهو جمع سحل وهو الثوب الأبيض النقي، ولا يكون إلّا من قطن، وفيه شذوذ؛ لأنه نسب إلى الجمع، وقيل: إن اسم القرية بالضم أيضًا.

والكرسف: بضم الكاف وإسكان الراء، وضم السين المهملتين والفاء: القطن. وقال الترمذي: روي في كفن النبي ﷺ روايات مختلفة، وحديث عائشة أصح الأحاديث في ذلك، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم. وقال البيهقي في "الخلافيات": قال أبو عبد الله -يعني الحاكم: تواترت الأخبار عن علي بن أبي طالب وابن عباس وعائشة وابن عمر، وجابر وعبد الله بن مغفل، في تكفين النبي ﷺ في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة. وعن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن ابن الحنفية عن علي: أنَّ رسول الله ﷺ كفّن في سبعة أثواب، وقد روى هذا الحديث أحمد في مسنده، وذكر ابن حزم أن الوهم فيه من ابن عقيل أو ممن بعده. وقد اختلف في معنى قوله: "ليس فيها قميص ولا عمامة". فالصحيح أن معناه: إنه ليس في الكفن قميص ولا عمامة أصلًا. والثاني: إن معناه أن كفن في ثلاثة أثواب خارج عن القميص والعمامة.

وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: والأول أظهر في المراد. وذكر النووي في شرح مسلم أنَّ الأول تفسير الشافعي وجمهور العلماء، قال: وهو الصواب الذي يقتضيه ظاهر الحديث، وقال: إن الثاني ضعيف، فلم يثبت أنه ﷺ كفن في قميص وعمامة. انتهى. وترتَّب على هذا اختلافهم في أنه: هل يستحب أن يكون في الكفن قميص وعمامة أم لا؟ فقال مالك والشافعي وأحمد: يستحب أن تكون الثلاثة لفائف، ليس فيها قميص ولا عمامة, واختلفوا في زيادة القميص والعمامة أو غيرهما على اللفائف الثلاثة لتصير خمسة، فذكر الحنابلة أنه مكروه، وقال الشافعية: إنه جائز غير مستحب، وقال المالكية: إنه يستحب للرجال والنساء، وهو في حق النساء آكد. قالوا: والزيادة إلى السبعة غير مكروهة، وما زاد عليها سرف، وقال الحنفية: الثلاثة: إزار وقميص ولفافة. وقد أجمع المسلمون على وجوبه، وهو فرض كفاية, فيجب في ماله، فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته.

واختلف أصحابنا في المتزوجة إذا كان لها مال، هل يجب تكفينها من مالها، أو هو على زوجها، فذهب إلى الأوّل الرافعي في "الشرح الصغير" والمحرر", والنووي في "المنهاج", وذهب إلى الثاني: الرافعي في "الشرح الكبير", والنووي في "الروضة" و "شرح المهذب", وقال فيه: قيّد الغزالي وجوب التكفين على الزوج بشرط إعسار المرأة، وأنكروه عليه. ومتى كانت معسرة فتكفينها على زوجها قطعًا، ثم إنّ الواجب ثوب واحد، وهو حق الله تعالى، لا تنفذ وصية الميت بإسقاطه، بخلاف الثاني والثالث, فإنه حق للميت، تنفذ وصيته بإسقاطهما. وفي هذا الحديث أيضًا دلالة على أنَّ القميص الذي غسل فيه النبي ﷺ نزع عنه عند تكفينه. قال النووي في شرح مسلم: وهذا هو الصواب الذي لا يتجه غيره؛ لأنه لو بقي مع رطوبته لأفسد الأكفان. قال: وأمَّا الحديث الذي في سنن أبي داود عن ابن عباس أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب: الحلة ثوبان, وقميصه الذي توفي فيه، فحديث ضعيف، لا يصح الاحتجاج به؛ لأن يزيد بن

لحديث الذي في سنن أبي داود عن ابن عباس أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب: الحلة ثوبان, وقميصه الذي توفي فيه، فحديث ضعيف، لا يصح الاحتجاج به؛ لأن يزيد بن

زياد، أحد رواته مجمع على ضعفه، لا سيما وقد خالف بروايته الثقات. وفي حديث ابن عباس عند ابن ماجه: لما فرغوا من جهازه ﷺ يوم الثلاثاء، وضع على سريره في بيته, ثم دخل الناس عليه ﷺ أرسالًا يصلون عليه، حتى إذا فرغوا دخل النساء، حتى إذا فرغن دخل الصبيان، ولم يؤمّ الناس على رسول الله ﷺ أحد. وفي رواية: إنَّ أول من صلى عليه ﷺ الملائكة أفواجًا، ثم أهل بيته، ثم الناس فوجًا فوجًا، ثم نساؤه آخرًا. وروي أنه لما صلى أهل بيته لم يدر الناس ما يقولون, فسألوا ابن مسعود، فأمرهم أن يسألوا عليًّا, فقال لهم: قولوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية، لبيك اللهم ربنا وسعديك، صلوات الله البر الرحيم، والملائكة المقربين،

والنبيين والصدقين والشهداء والصالحين، وما سبح لك من شيء يا رب العالمين، على محمد بن عبد الله خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وإمام المتقين, ورسول رب العالمين، الشاهد البشير, الداعي إليك بإذنك, السراج المنير، وعليه السلام. ذكره الشيخ زين الدين بن الحسين المراغي في كتابه: تحقيق النصرة. ثم قالوا: أين تدفنونه؟ فقال أبو بكر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ

يقول: "ما هلك نبي قط إلا يدفن حيث تقبض روحه"، وقال علي: وأنا أيضًا سمعته. وحفر أبو طلحة لحد رسول الله ﷺ في موضع فراشه حيث قُبِض. وقد اختلف فيمن أدخله قبره، وأصحّ ما روي أنه نزل في قبره عمَّه العباس وعلي وقثم بن العباس والفضل بن العباس، وكان آخر الناس عهدًا برسول الله ﷺ قثم بن العباس. وروي أنه بُنِيَ في قبره تسع لبنات، وفرش تحته قطيفة نجرانية كان يتغطَّى بها، فرشها شقران في القبر، وقال: والله لا يلبسها أحد بعدك. قال النووي: وقد نصَّ الشافعي وجميع أصحابه وغيرهم من العلماء على كراهة وضع قطيفة أو مضربة أو مخدة ونحو ذلك تحت الميت في القبر. وشذَّ

يلبسها أحد بعدك. قال النووي: وقد نصَّ الشافعي وجميع أصحابه وغيرهم من العلماء على كراهة وضع قطيفة أو مضربة أو مخدة ونحو ذلك تحت الميت في القبر. وشذَّ

البغوي من أصحابنا, فقال في كتابه "التهذيب": لا بأس بذلك لهذا الحديث، والصواب كراهية ذلك كما قاله الجمهور، وأجابوا عن هذا الحديث: بأنَّ شقران انفرد بفعل ذلك، ولم يوافقه أحد من الصحابة، ولا علموا بذلك، وإنما فعله شقران لما ذكرناه عنه من كراهته أن يلبسها أحد بعد النبي ﷺ، انتهى. وفي كتاب "تحقيق النصرة" قال ابن عبد البر: ثم أخرجت -يعني: القطيفة- من القبر لما فرغوا من وضع اللبنات التسع. حكاه ابن زبالة. ولما دفن ﷺ جاءت فاطمة ﵂ فقالت: كيف طابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب؟ وأخذت من تراب القبر الشريف ووضعته على عينيها وانشأت تقول: ماذا على من شمّ تربة أحمد ... أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا

صُبَّتْ عليَّ مصائب لو أنها ... صُبَّت على الأيام عدن لياليا قال رزين: ورشَّ قبره ﷺ، رشَّه بلال بن رباح بقربة، بدأ من قِبَل رأسه، حكاه ابن عساكر، وجعل عليه من حصباء العرصة حمراء وبيضاء. ورفع قبره عن الأرض قدر شبر. وفي حديث عائشة عند البخاري قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" , لولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أو خشي أن يتخذ قبره مسجدًا. كذا في رواية أبي عوانة عن هلال "خَشي أو خُشي" على الشك. فرواية

"الضم" مبهمة, يمكن أن تفسَّر بأنها هي التي منعت من إبرزاه، والهاء ضمير الشأن، وكأنها أرادت نفسها ومن وافقها على ذلك. وهذا يقتضي أنهم فعلوه باجتهاد، بخلاف رواية الفتح, فإنها تقتضي أن النبي ﷺ هو الذي أمرهم بذلك. وقوله: "لأبرز قبره" لكشف قبره ولم يتخذ عليه الحائل. أو المراد: لدفن خارج بيته ﷺ، وهذا قالته عائشة ﵂ قبل أن يوسّع المسجد، ولهذا لما وسّع المسجد جعلت حجرتها مثلثة الشكل محددة، حتى لا يتأتَّى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر الكريم مع استقباله القبلة. وفي البخاري أيضًا من حديث أبي بكر بن عياش عن سفيان التمار: إنه حدثه أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنمًا, أي: مرتفعًا. زاد أبو نعيم في "المستخرج": وقبر أبي بكر وعمر كذلك. واستدلَّ به على أن المستحب تسنيم القبور، وهو قول أبي حنيفة ومالك

بر النبي ﷺ مسنمًا, أي: مرتفعًا. زاد أبو نعيم في "المستخرج": وقبر أبي بكر وعمر كذلك. واستدلَّ به على أن المستحب تسنيم القبور، وهو قول أبي حنيفة ومالك

وأحمد والمزني وكثير من الشافعية، وادَّعى القاضي حسين اتفاق الأصحاب عليه. وتعقّب بأن جماعة من قدماء الشافعية استحبوا التسطيح كما نَصَّ عليه الشافعي, وبه جزم الماوري وآخرون. وقول سفيان التمَّار لا حجة فيه، كما قال البيهقي؛ لاحتمال أن قبره ﷺ في الأوّل لم يكن مسنمًا. فقد روى أبو داود والحاكم من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أمه، اكشفي لي عن قبر النبي ﷺ, فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. زاد الحاكم: فرأيت رسول الله ﷺ مقدمًا, وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي ﷺ، وعمر رأسه عند رجلي النبي ﷺ. وهذا كان في خلافة معاوية. فكأنَّها كانت في الأول مسطَّحة، ثم لما بني جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قِبَل الوليد بن عبد الملك صيّروها مرتفعة.

وقد روى أبو بكر الآجري في كتاب "صفة قبر النبي ﷺ", من طريق إسحاق بن عيسى بن بنت داود بن أبي هند، عن عثيم بن نسطاس المدني قال: رأيت قبر النبي ﷺ في إمارة عمر بن عبد العزيز، فرأيته مرتفعًا نحوًا من أربع أصابع، ورأيت قبر أبي بكر وراء قبره، ورأيت قبر عمر وراء قبر أبي بكر أسفل منه. ثم الاختلاف في ذلك في أيهما أفضل، لا في أصل الجواز، ورجَّح المزني التسنيم من حيث المعني، بأن المسطح يشبه ما يصنع للمجوس، بخلاف المسنّم. ويرجّح التسطيح ما رواه مسلم من حديث فضالة بن عبيد أنه أمر بقبر فسوي ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بستويتها.

مسطح يشبه ما يصنع للمجوس، بخلاف المسنّم. ويرجّح التسطيح ما رواه مسلم من حديث فضالة بن عبيد أنه أمر بقبر فسوي ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بستويتها.

وعن هشام بن عروة عن أبيه: لما سقط عليهم الحائط، يعني: حائط حجرة النبي ﷺ في زمان الوليد بن عبد الملك، أخذوا في بنائه، فبدت لهم قدم, ففزعوا وظنّوا أنها قدم النبي ﷺ، فما وجدوا أحدًا يعلم ذلك, حتى قال لهم عروة: والله ما هي قدم النبي ﷺ، والله ما هي إلا قدم عمر، رواه البخاري أيضًا. والسبب في ذلك ما رواه الآجري من طريق شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي قال: كان الناس يصلون إلى القبر الشريف، فأمر به عمر بن عبد العزيز فرُفِعَ حتى لا يصلي إليه أحد, فلمَّا هدم بدت قدم ساق وركبة، ففزع عمر بن عبد العزيز, فأتاه عروة فقال: هذه ساق عمر وركبته, فسري عن عمر بن عبد العزيز. وروى الآجري: قال رجاء بن حيوة: فكان قبر أبي بكر عند وسط النبي ﷺ،

وعمر خلف أبي بكر، رأسه عند وسطه، وهذا ظاهره يخالف حديث القاسم، فإن أمكن الجمع، وإلا فحديث القاسم أصح. وأمَّا ما أخرجه أبو يعلى من وجهٍ آخر عن عائشة: أبو بكر عن يمينه, وعمر عن يساره, فسنده ضعيف. انتهى مخلصًا من فتح الباري. وقد اختلف أهل السير وغيرهم في صفة القبور المقدسة على سبع روايات، أوردها ابن عساكر في "تحفة الزائر", ونقل أهل السير عن سعيد بن المسيب قال: بقي في البيت موضع قبر في السهوة الشرقية يدفن فيه عيسى بن مريم ﵉، ويكون قبره الرابع.

بن عساكر في "تحفة الزائر", ونقل أهل السير عن سعيد بن المسيب قال: بقي في البيت موضع قبر في السهوة الشرقية يدفن فيه عيسى بن مريم ﵉، ويكون قبره الرابع.

وفي "المنتظم" لابن الجوزي, عن ابن عمر، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ينزل عيسى ابن مريم إلى الأرض، فيتزوج ويولد له, ويمكث خمسًا وأربعين سنة, ثم يموت فيدفن معي في قبري، فأقوم أنا وعيسى ابن مريم من قبر واحد بين أبي بكر وعمر" كذا ذكره في "في تحقيق النصرة" والله أعلم. فإن قلت: تقدَّم أنه ﵊ توفي يوم الإثنين، ودفن يوم الأربعاء، فلِمَ أُخِّرَ دفنه؟ وقد قال لأهل بيت أخَّروا دفن ميتهم: "عجلوا دفن ميتكم ولا تؤخروه". فالجواب: لما ذكر من عدم اتفاقهم على موته، أو لأنهم كانوا لا يعلمون حيث يدفن، قال قوم: بالبقيع, وقال آخرون: بالمسجد، وقال قوم: يحمل إلى أبيه إبراهيم حتى يدفن عنده، حتى قال العالم الأكبر صديق الأمة: سمعته يقول: "ما دفن نبي إلا حيث يموت". ذكره ابن ماجه والموطأ كما تقدَّم. وفي رواية الترمذي:

"ما قبض الله نبيًّا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه"، ادفنوه في موضع فراشه. أو لأنهم اشتغلوا في الخلاف الذي وقع بين المهاجرين والأنصار في البيعة، فنظروا فيها حتى استقرَّ الأمر في الخلافة ونظامها، فبايعوا أبا بكر، ثم بايعوه بالغد بيعة أخرى على ملتهم, وكشف الله به الكربة من أهل الردة، ثم رجعوا بعد ذلك إلى النبي ﷺ, فنظروا في دفنه, فغسلوه وكفنوه ودفنوه. ولما قُبِضَ ﷺ تزينت الجنان ليوم قدوم روحه الكريمة، لا كزينة المدينة يوم قدوم الملك. إذا كان عرش الرحمن قد اهتزَّ لموت بعض أتباعه فرحًا واستبشارًا لقدوم روحه، فكيف بقدوم روح الأرواح. ولما قدم ﷺ المدينة لعبت الحبشة بحرابهم فرحًا بقدومه. كما رواه أبو داود من حديث أنس، وفي رواية الدارمي قال أنس: ما رأيت يومًا كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله ﷺ المدينة، وما رأيت يومًا كان أقبح ولا

أظلم من يوم مات فيه الله ﷺ. وفي رواية الترمذي: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة, أضاء منها كل شيء، فلمَّا كان اليوم الذي مات فيه, أظلم منها كل شيء، وما نفضنا أيدينا من التراب، وإنا لفي دفنه، حتى أنكرنا قلوبنا. ومن آياته ﵊ ما ذكر من بعد موته، من حزن حماره عليه حتى تردَّى في بئر, وكذا ناقته فإنها لم تأكل ولم تشرب حتى ماتت. ومن ذلك: ظهور ما أخبر أنه كان بعد موته، مما لا نهاية له ولا عد يحصيه, مما ذكرت بعضه في المقصد الثامن. وفي حديث أبي موسى عند مسلم: إنه ﷺ قال: "إن الله إذا أراد بأمِّة خيرًا قبض نبيها قبلها، فجعله فرطًا وسلفًا بين يديها، وإذا أراد هلكة أمَّة عذَّبها ونبيها

حي، فأهلكها وهو ينظر، فأقرَّ عينيه بهلكتها حين كذبوه وعصوا أمره". وإنما كان قبض النبي قبل أمته خيرًا؛ لأنهم إذا قبضوا قبله انقطعت أعمالهم، وإذا أراد الله بهم خيرًا جعل خيرهم مستمرًّا ببقائهم, محافظين على ما أمروا به من العبادات وحسن المعاملات, نسلًا بعد نسل, وعقبًا بعد عقب.

طعت أعمالهم، وإذا أراد الله بهم خيرًا جعل خيرهم مستمرًّا ببقائهم, محافظين على ما أمروا به من العبادات وحسن المعاملات, نسلًا بعد نسل, وعقبًا بعد عقب.

الفصل الثاني: في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف اعلم أن زيارة قبره الشريف من أعظم القربات، وأرجى الطاعات، والسبيل إلى أعلى الدرجات، ومن اعتقد غير هذا فقد انخلع من ربقة الإسلام، وخالف الله ورسوله وجماعة العلماء الأعلام.

وقد أطلق بعض المالكية، وهو أبو عمران الفاسي، كما ذكره في المدخل عن تهذيب الطالب لعبد الحق، أنها واجبة، قال: ولعله أراد وجوب السنن المؤكدة. وقال القاضي عياض: إنها سنة من سنن المسلمين مجمَع عليها، وفضيلة مرغَّب فيها. وروى الدارقطني من حديث ابن عمر ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من زار قبري وجبت له شفاعتي"، ورواه عبد الحق في أحكامه الوسطى، وفي الصغرى, وسكت عنه, وسكوته عن الحديث فيهما دليل على صحته.

وفي المعجم الكبير للطبراني: إن النبي ﷺ قال: "من جاءني زائرًا لا تعمله حاجة إلا زيارتي، كان حقًّا علي أن أكون شفيعًا له يوم القيامة". وصحَّحه ابن السكن. وروي -عنه ﷺ: "من وجد سعة ولم يفد إلي فقد جفاني". ذكره ابن فرحون في مناسكه، والغزالي في الإحياء، ولم يخرجه العراقي، بل أشار إلى ما أخرجه ابن النجار في تاريخ المدينة مما هو في معناه عن أنس بلفظ: "ما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني إلّا وليس له عذر".

ولابن عدي في "الكامل", وابن حبان في "الضعفاء", والدارقطني في "العلل", و "غرائب مالك", وآخرين كلهم عن ابن عمر مرفوعًا: "من حج ولم يزرني فقد جفاني" ولا يصح. وعلى تقدير ثبوته، فليتأمّل قوله: "فقد جفاني" , فإنه ظاهر في حرمة ترك الزيارة؛ لأن الجفاء أذى، والأذى حرام بالإجماع, فتجب الزيارة؛ إذ إزالة الجفاء واجبة، وهي بالزيارة, فالزيارة واجبة حينئذ، وبالجملة فمن تمكَّن من زيارته ولم يزره فقد جفاه، وليس من حقه علينا ذلك. وعن حاطب أن رسول الله ﷺ قال: "من زارني بعد موتي فكأنما زراني في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين" رواه البيهقي عن رجل من آل

حقه علينا ذلك. وعن حاطب أن رسول الله ﷺ قال: "من زارني بعد موتي فكأنما زراني في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين" رواه البيهقي عن رجل من آل

حاطب لم يسمه عن حاطب. وعن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من زار قبري" أو قال: "من زارني كنت له شفيعًا وشهيدًا" رواه البيهقي وغيره عن رجل من آل عمر لم يسمه عن عمر. وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "من زارني محتسبًا إلى المدينة كان في جواري يوم القيامة" رواه البيهقي أيضًا. قال العلامة زين الدين بن الحسين المراغي: وينبغي لكل مسلم اعتقاد كون زيارته ﷺ قربة، للأحاديث الواردة ذلك, ولقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤] لأن تعظيمه ﷺ لا ينقطع بموته، ولا يقال: إن استغفار الرسول لهم إنما هو في حال

حياته, وليست الزيارة كذلك، لما أجاب به بعض أئمة المحققين: إنَّ الآية دلَّت على تعليق وجدان الله توابًا رحيمًا بثلاثة أمور: المجيء، واستغفارهم، واستغفار الرسول لهم، وقد حصل استغفار الرسول لجميع المؤمنين؛ لأنه ﷺ قد استغفر للجميع, قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] فإذا وجد مجيئهم واستغفارهم تكمّلت الأمور الثلاثة الموجبة لتوبة الله ورحمته. وقد أجمع المسلمون على استحباب زيارة القبور، كما حكاه النووي، وأوجبها الظاهرية، فزيارته ﷺ مطلوبة بالعموم والخصوص لما سبق؛ ولأن زيارة القبور تعظيم، وتعظيمه ﷺ واجب. ولهذا قال بعض العلماء: لا فرق في زيارته ﷺ بين الرجال والنساء، وإن كان محل الإجماع على استحباب زيارة القبور للرجال، وفي النساء خلاف، والأشهر في مذهب الشافعي الكراهة. قال ابن حبيب من المالكية: ولا تدع زيارة قبره ﷺ والصلاة في مسجده،

فإن فيه من الرغبة مالا غنى بك ولا بأحد عنه. وينبغي لمن نوى الزيارة أن ينوي مع ذلك زيارة مسجده الشريف، والصلاة فيه؛ لأنه أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليها، وهو أفضلها عند مالك، وليس لشد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة فضل؛ لأن الشرع لم يجئ به, وهذا الأمر لا يدخله قياس؛ لأن شرف البقعة إنما يعرف بالنص الصريح عليه، وقد ورد النص في هذه دون غيرها. وقد صحَّ أن عمر بن عبد العزيز كان يبرد البريد للسلام على النبي ﷺ. فالسفر إليه قربة لعموم الأدلة. ومن نذر الزيارة وجبت عليه، كما جزم به ابن كج من أصحابنا، وعبارته: إذا نذر زيارة قبر النبي ﷺ لزمه الوفاء وجهًا واحدًا، انتهى. ولو نذر إتيان المسجد الأقصى للصلاة لزمه ذلك على الأصح عندنا، وبه قال المالكية والحنابلة، لكنه يخرج عنه بالصلاة في المسجد الحرام.

Bagian 40 dari 43