اللمع في الحوادث والبدع

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya ابن بيدكين التركماني (w. 712 H).

Bagian 11 dari 15 853 halaman

— Bagian 11 · [الفرقان: ٢٧ - ٢٨]. وقال ابن مسعود ﵁: لو قام رجل… —

Bagian 11

[الفرقان: ٢٧ - ٢٨]. وقال ابن مسعود ﵁: لو قام رجل بين الركن والمقام وعَبَدَ الله سبعين سنة حشره (¬١) الله يوم القيامة مع من أحب (¬٢). وقد جاء في الحديث الصحيح ما يؤيد هذا، وهو قوله: «المرء مع من أحب» (¬٣). والمستحب أن يصحب الإنسان أهل الخير؛ ليكون معهم يوم القيامة، وينجو من الهموم والندامة، قال ﷺ: «إذا أراد الله بعبدٍ (¬٤) خيرًا رزقه جليسًا صالحًا، إن نسي ذكَّره، وإن ذكر أعانه» (¬٥). فالجليس الصالح خير من الوحدة؛ لأنه يعينك على مصلحة دينك ودنياك، ويحرضك على الأعمال الصالحة التي تقربك لسيدك ومولاك، والقرين السوء يزين لك القبيح حتى تراه حسنًا، فيعمل على ذهاب دنياك، وعلى إسقاط حرمتك عند خالقك ومولاك. والجلساء على ثلاثة أقسام: الأول: كالعافية لا يُستغنى عنها. والثاني: كالدواء يحتاج إليه في وقت دون وقت. والقسم الثالث: كالداء، وقد يبتلى به الإنسان، كعبدٍ صالح عند سيد فاسق، أو كولد مقبل عند أب مدبر، فالسيد هذا والوالد، لا يستحييان من المولى الرؤوف، والولد والعبد لا يقدران على الأمر بالمعروف، فينكران عليهما بالقلوب، ويدعوان لهما بغفران الذنوب، ويشكران الله تعالى على ما أسبغ عليهما من نعمه، ويسألان تمام النعمة، وهي حسن الخاتمة من علام

روف، فينكران عليهما بالقلوب، ويدعوان لهما بغفران الذنوب، ويشكران الله تعالى على ما أسبغ عليهما من نعمه، ويسألان تمام النعمة، وهي حسن الخاتمة من علام

الغيوب؛ لما جاء في الحديث: «إذا رأيتم أهل البلاء اسألوا (¬١) الله العافية» (¬٢). فمن أراد العافية ودوام العافية فليتفقه في الدين، ويعتزل الناس في هذه الدار، ويدور مع الحق حيث (¬٣) دار، وينوي في عزلته أن يسلم الناس من شره، فيسيء الظن بنفسه، ويحسن الظن بخلق الله تعالى، كما قيل لراهب: أراك قد اعتزلت الناس. قال: إن نفسي كلب عقور تعقر الناس فأخرجتها من بينهم. فيجب على المسلم أن يشتغل قبل عزلته بما يحتاج إليه من العلم أولًا، ثم يعتزل عن نفسه ثانيًا، يترك محابها وشهواتها الفاسدة. قال الشيخ علي بن الصباغ ﵁: العزلة مجانبة النفس وما تدعو إليه، والخلوة مراقبة القلب وما يرد عليه (¬٤). وأنشد بعضهم: يا من يحاول عزلةً للناس … وفعاله فعل الجهول الناسي لا تغفلن عن الحقائق جاهلًا … وانظر بعين (¬٥) مجرب بقياس إن كنت تطلب عزلة تحيا بها … وتقرر التقوى إذًا بأساس (¬٦) فابدأ بنفسك فاعتزلها واعتزل … مجموع ما تهوى من الأدناس فهي التي لولا هواها لم يصل … أبدًا إليك وساوس الخناس فإن اعتزلت النفس فاعمل بعد ذا … يا ذا البصيرة في اعتزال الناس ثم اعلم بأن العزلة لها أصل في الشرع، وهو قوله ﷺ: «تفقهوا ثم

اعتزلوا» (¬١)، وفي حديث آخر: «السلامة في العزلة» (¬٢). وقد خلقك الله تعالى وحدك وستموت وحدك، وتبعث يوم القيامة وحدك، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥]، فعَلِّمْ نَفسك الوحدة، واعلم أن الله فرد يحب الفرد. قال رجل لبعض الصالحين: أريد أن أصحبك. قال الشيخ: فإذا مات أحدنا [فمن] (¬٣) يصحب الآخر؟ قال: الله. قال: فمن الآن (¬٤). وكان سفيان الثوري يقول: والله لقد حلت العزلة (¬٥). وقال الجنيد: إن كان قد حلت العزلة في زمانهم فقد وجبت في زماننا (¬٦). واعلم أن العزلة عند ظهور البدع والفتن واختلاف الأهواء وإعجاب كل ذي رأي برأيه من سنن الأنبياء؛ وهو طريق الأولياء، وقد اعتزل ﷺ

قد وجبت في زماننا (¬٦). واعلم أن العزلة عند ظهور البدع والفتن واختلاف الأهواء وإعجاب كل ذي رأي برأيه من سنن الأنبياء؛ وهو طريق الأولياء، وقد اعتزل ﷺ

قريشًا حين أخذوا في أذيته؛ فأعلى الله تعالى كلمته، وتولى إعزازه ونصرته، وقد أمر ﷺ أمته بأن يتفقهوا ويعتزلوا (¬١). وكان حذيفة بن اليمان ﵁ يقول: وددت أن أغلق عليَّ، (فلا يدخل علي بشر ولا) (¬٢) أخرج إليه حتى ألحق بالله ﷿ (¬٣). وقيل للفضيل: إن ابنك عليًّا قال: ليتني في مكانٍ (أرى الناس ولا يروني. فقال ﵁: يا ويح علي، ليته لو قال: ليتني في مكان) (¬٤) لا أراهم ولا يروني (¬٥). ودخل أمير البلدة على حاتم الأصم، وقال للشيخ: عسى لسيدي حاجة. قال الشيخ: حاجتي إليك أن لا تراني ولا أراك (¬٦). وقال الفضيل ﵀ لرجل: أقلل من معرفة الناس؛ فإنَّ معرفة الناس داء كبير (¬٧). وقال: من سخافة عقل الرجل كثرة معارفه، فمن عامل الله بالصدق استوحش من الخلق (¬٨). وقال: لا أعلم أحدًا أحب أن يُعرف إلا ذهب دينه وافتضح (¬٩).

وقال أيضًا: من لم يستأنس بالقرآن لا آنس الله تعالى وحدته (¬١). وقال مالك بن دينار ﵀: من لم يأنس بمحادثة الله تعالى عن محادثة المخلوقين؛ فقد قلَّ علمه، وعمي قلبه، وضيع عمره (¬٢). وقال منصور بن إسماعيل (¬٣): الناس بحر عميق والبعد عنهم سفينة … وقد نصحتك فانظر لنفسك المسكينة بينما أويس القرني جالس إذ جاءه هارون بن حيان، فقال له أويس: ما جاء بك؟ قال: جئت لآنس بك، فقال له أويس: ما كنت أرى أحدًا يعرف ربه ويأنس بغيره (¬٤). وقيل لبعض الصالحين: ما حملك على أن تعتزل الناس؟ فقال: خشيت أن أسلب ديني، ولا أشعر (¬٥). واسمع قوله تعالى لنبيه وحبيبه محمد ﷺ وهو في مكان العصمة: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣]، وفي آية أخرى: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ﴾ [المائدة: ٤٩]. وقال سعيد بن المسيب: العزلة عبادة (¬٦).

وإياك والأمراء أن تدنو منهم، وتخالطهم في شيء من الأشياء، وإياك أن تُخدع (¬١) فيقال لك: رجل تشفع فيه، فإنما ذلك خديعة إبليس اتخذها فخًّا (¬٢). وقال ابن عباس ﵁: يا معشر الفقراء، إياكم وأبواب الأمراء؛ فإنكم لا تأخذون من دنياهم شيئًا، إلا أخذوا من آخرتكم ما هو خير منه (¬٣). وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي ﵀: أوصاني أستاذي أن أهرب من خير الناس أكثر مما أهرب (¬٤) من شرهم؛ قال: فإن شرهم يصيب بدنك، وخيرهم يصيب قلبك؛ ولأن تصاب في بدنك خير لك من أن تصاب في قلبك، ولعدو يرجع بك إلى مولاك خير لك من حبيب يشغلك عن مولاك (¬٥). قال عقبة بن عامر الجهني: فيم النجاة يا رسول الله؟ قال: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك» (¬٦). وقيل: من أنس بغير الله في الخلوة فهو أبدًا في وحشة (¬٧). كان بعضهم ينشد: أنست بوحدتي فلزمت بيتي … فطاب الأنس لي ونما السرور وأدبني الزمان فلا أبالي … هجرت فلا أُزار ولا أزور

ولست بسائل ما دمت حيًّا … أقام الشيخ أم ركب الأمير قال مالك: كل جليس لا تستفيد منه خيرًا، فاجتنبه (¬١). وقال ابن عباس ﵁: قلنا لرسول الله ﷺ: لِمَنْ نجالس؟ قال: «لِمَنْ يزيدُ في علمكم منطقُه، ويرغِّبكم في الآخرة عملُه، ويزهِّدُكم في الدنيا فعلُه» (¬٢). قال المؤلف عفا الله عنه: والله إنَّ مثل هذا العبد الجليل في زماننا هذا لقليل! ولكن ينبغي للمؤمن أن يعمل بما تقدم من الأحاديث، وهو قوله ﷺ: «تفقهوا ثم اعتزلوا»، والحديث الآخر: «السلامة في العزلة» (¬٣). والصحبة لها حقوق كثيرة، والآدمي ضعيف لا يطيق حملها إلا بمعونة الله، فيخاف عليه أن يعجز عن أدائها فيأثم بلسان الشرع، ومن رزقه الله تعالى الأنس به لا يختار الأنس بغيره. كما قيل: إن رجلًا دق الباب على معروف الكرخي، فقال الشيخ من داخل بيته: اللَّهم من جاء يشغلني عنك فاشغله بك عني. فاستجيبت دعوة معروف وشغل الرجل بالله (¬٤).

يل: إن رجلًا دق الباب على معروف الكرخي، فقال الشيخ من داخل بيته: اللَّهم من جاء يشغلني عنك فاشغله بك عني. فاستجيبت دعوة معروف وشغل الرجل بالله (¬٤).

وقال رجل لسفيان الثوري: أوصني. فقال ﵁: هذا زمان السكوت ولزوم البيوت (¬١). وقال العنبري: اجتمع أصحاب الحديث على باب الفضيل بن عياض، فاطلع عليهم من كوة وهو يبكي، ولحيته ترجف، وقال: عليكم بالقرآن، عليكم بالصلاة، ويحكم ليس هذا زمان حديث؛ إنما هذا زمان بكاء وتضرع ودعاء كدعاء الغريق، إنما هذا زمانُ احفظ لسانك، وأخْفِ مكانك، وعالج قلبك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر (¬٢). هذا هو قول هذا السيد في زمانه، وهو الصدر الأول؛ لأنه كان من التابعين الزاهدين، ومن العلماء الموحدين، فما بالك يا أخي بزماننا هذا الذي كثر فيه البدع وقل إنكارها، فترى أحدنا قد مُلِئ قلبه بحب الدنيا، فصار همه بطنه، ودينه هواه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ويقال إن العافية عشرة أجزاء: تسعة في الصمت، وواحدة في الهرب من الناس (¬٣)، فجرِّبوها فوجدوا خير هذه الأجزاء الهرب من الناس. قال سفيان بن عيينة: قال لي سفيان الثوري في اليقظة والمنام وفي حياته وبعد وفاته: أقلل من معرفة الناس؛ فإن التخلص منهم لشديد، ولا أحسب أنك رأيت ما تكره إلا ممن عرفت (¬٤). قال ﷺ: «سبَقَ المفَرِّدُونَ» (¬٥)، رواه أبو هريرة ﵁.

وقال ﷺ لأبي الدرداء: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك من الموتى» (¬١). وقال صلوات الله عليه وسلامه: «طلب الحق غربة» (¬٢)، فطالب الحق غريب وإن كان بين أهله. وفي حديث آخر: «فطوبى للغرباء» (¬٣). ليست (¬٤) الغربة مفارقة الأهل والأوطان، والسفر من مكانٍ إلى مكان، الغريب هو العامل بالسنة والقرآن، ولم يجد من يساعده على ذلك، فيصير بين الخلق غريبًا، ومن الله ورسوله قريبًا، فحينئذٍ يقول بلسان الحال: إذا كنت لي ما ضرني من عدمته (¬٥).

لسنة والقرآن، ولم يجد من يساعده على ذلك، فيصير بين الخلق غريبًا، ومن الله ورسوله قريبًا، فحينئذٍ يقول بلسان الحال: إذا كنت لي ما ضرني من عدمته (¬٥).

أو كما قال بعضهم: إذا رضيت عني كرام عشيرتي … فلا زال غضبانًا عليّ لئامها فعلم نفسك الوحدة، واعلم أن الله تعالى وترٌ يحب الوتر (¬١)، فمن تجنب الخلق آنسه الحق، ومن اشتغل بالله ﷿ تولى الله سبحانه جميع شأنه، يقول الله ﷿: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» (¬٢). دخل رجل على بعض المشايخ باكيًا، فقال الشيخ: ما بالك؟ فقال الرجل: يا سيدي أستاذي مات. فقال له الشيخ: أنت ظالم؛ لم خدمت من يموت؟ (¬٣) وكان بعضهم يقول: فإن اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت. وفي الخبر: «يقول الله ﷿ كل يوم: أنا العزيز، فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز» (¬٤). ثم اعلم رحمك الله أنه لا عيش إلا مع الله، ولا عِزَّ إلا بالتعلق بجناب الله، فمن تعلق بجناب مولاه كفاه جميع أمره، وسخر له الكون بأسره، ومن يتوكل على الله فهو حسبه. قال بعضهم: مررت ببعض جبال الشام بعابد على رأس جبل، فلما

رآني هرب مني، فقلت: رحمك الله، إنسيٌّ يهرب من إنسي؟ قال: وهل البلاء إلا معكم؟ التزين والرياء والتصنع، إني لفي هذا الجبل ما شاء الله، تمر بي السباع فلا أجد لها وحشةً في قلبي، وإني لأشد أُنْسًا بها من أنسي بكم، إنكم قوم مَلَأَتِ الدنيا قلوبكم؛ فمالت أبدانكم إليها، واستأنستم بها، فأنتم تستوحشون عند فَقْدِ أهلها، وأنتم مع انقطاعكم إليها لا يطيب لكم عيشٌ معها، إن دخلت عليكم أتعبتكم، وإن انصرفت عنكم أحزنتكم، فهلموا يا أبناء الشقاء وعبيد الدنيا إلى الراحة من رِقِّ الهوى، والتنعم بخدمة المولى (¬١). قيل لرابعة: بم نلتي هذه المنزلة؟ قالت: بتركي ما لا يعنيني، وبأنسي بمن لم يزل (¬٢). اللَّهم اجعلنا من المنقطعين إليك، ومن الدائمين بين يديك، ومن المستسلمين لقضائك، ولا تجعلنا من المتعرِّضين عليك. اعلم رحمك الله أن الداخل مع الناس لا يسلم من إحدى وجهين: إما يخوض معهم إذا خاضوا في الباطل، أو يسكت (¬٣) إذا رأى منهم منكرًا فيأثم، أو يمدحوه فيعينوا نفسه عليه، أو يغتابوا عنده أحدًا فيذهب الله بحسناته؛ لأن المستمع شريك القائل في خير سمعه منهم أو شر. قال بعضهم: مررت بالفضيل بن عياض في بيت الله الحرام عند سارية وحده وكان صديقي فجلست وسلمت عليه، فقال: ما جاء بك؟ فقلت له: اغتممت لوحدتك. فقال: اخْتَرْ إما أقوم عنك أو تقوم عني. فقلت له: أوصني. فقال: أخْفِ مكانك، واحفظ لسانك، واستغفر الله لذنبك (¬٤). وقال السيد الجليل سهل بن عبد الله ﵁: اجتمع الخير كله

أقوم عنك أو تقوم عني. فقلت له: أوصني. فقال: أخْفِ مكانك، واحفظ لسانك، واستغفر الله لذنبك (¬٤). وقال السيد الجليل سهل بن عبد الله ﵁: اجتمع الخير كله

في هذه الأربع خصال، وبها صارَ الأبدالُ أبدالًا: إخماص (¬١) البطن، والصمت، وسهر الليل، واعتزال الخلق (¬٢). ودخل رجل على شعيب فقال له: ما جاء بك رحمك الله؟ قال: جئت أؤانسك. قال: تؤانسني ولي أعالج الوحدة أربعين سنة (¬٣). اعلم رحمك الله تعالى أنك خرجت إلى الدنيا وحدك، وستدخل القبر وحدك، وستقوم يوم القيامة وحدك، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥]. فعلم نفسك الوحدة والانفراد، واعمل ليوم المعاد، قال الله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]، فمن ضيَّق على نفسه في الدنيا؛ وَسَّعَ الله عليه في الآخرة. قال أبو مسلم الخولاني: كان الناس ورقًا لا شوك فيه، وهم اليوم شوك لا ورق فيه (¬٤). وقال الفضيل: إذا رأيت السبع فلا يهولك، وإذا رأيت ابن آدم ففر منه (¬٥). دخل رجل من أهل العزلة على أخٍ له، فوجد عنده جماعة قد اجتمعوا حوله، فوقف ولم يقعد، ثم نظر إلى أخيه المزار وقال له: صرت مناخًا للبطالين. ثم ذهب (¬٦).

دخل رجل من أهل العزلة على أخٍ له، فوجد عنده جماعة قد اجتمعوا حوله، فوقف ولم يقعد، ثم نظر إلى أخيه المزار وقال له: صرت مناخًا للبطالين. ثم ذهب (¬٦).

قال بعض الحكماء: إذا ألف الزاهد أبناء الدنيا انقطعت عروته، فإن نال من دنياهم شيئًا انحلت عقدته، فإن تمتع بها ضلَّ (¬١). وكان بعضهم يقول: ارحموا فقيرًا أفسدت معدته طعام الأغنياء (¬٢). قال جعفر بن حميل: صحبت الناس خمسين سنة فلم أجد فيهم من ستر عورتي، ولا وصلني حين قطعته، ولا آمنه إذا غضب، فالاشتغال بهؤلاء حمق (¬٣). قال المؤلف: من اشتغل بكريم فهو كريم، ومن اشتغل بمهان فهو مهان، وإذا أراد الله بعبد خيرًا شغله به، وإن لم يرد به خيرًا شغله بغيره. وكان بعض الصالحين ينشد هذه الأبيات: أتوب إلى الذي أضحى وأمسى … وقلبي يتقيه ويرتجيه تشاغل كل مخلوق بشغل … وشغلي في محبته وفيه قيل للحسن البصري: هنا رجل لم ير جالسًا قط مع الناس. ودلوه عليه، فقال له الحسن: يا عبد الله، أراك قد أحببت العزلة واجتناب الناس. قال: أمرٌ شغلني عنهم. (فقال له: فما يمنعك أن تأتي الحسن فتسمع منه؟ قال: أمر شغلني عنهم) (¬٤). قال له الحسن: وما هو يرحمك الله؟ فقال: إني أصبح وأمسي في نعمة وذنب، فرأيت أن أشغل نفسي عن الناس بشكر الله تعالى على النعمة والاستغفار من الذنب. فقال له: يا عبد الله، أنت عندي أفقه من الحسن، الزم ما أنت عليه (¬٥). وقيل: لما قدم ابن المبارك المصيصة سأل عن محمد بن يوسف فلم يعرف أحد مكانه، فبكى ابن المبارك وقال: هذا والله من فضله أن لا يعرف

الزم ما أنت عليه (¬٥). وقيل: لما قدم ابن المبارك المصيصة سأل عن محمد بن يوسف فلم يعرف أحد مكانه، فبكى ابن المبارك وقال: هذا والله من فضله أن لا يعرف

ببلد هو فيه (¬١). يحكى عن بعض الخلفاء قال لفقير: إني أحبك، وأقسم عليه أن يتردد في بعض الأوقات إليه. وأمر الخليفة البوابين أن لا يرد الشيخ أحدٌ، فدخل الشيخ يومًا فلما أحست سريَّة الخليفة به هربت، وتركت طبقًا فيه جواهر ولؤلؤ كانت تنظمهم، فجاء الطاووس فالتقطهم (¬٢)، فلما ذهب الشيخ خرجت السرية فلم تجد في الطبق شيئًا، فتحيرت، إن قالت أخذهم (¬٣) الشيخ لم تصدَّق، ولم يدخل أحدٌ غير الشيخ، فحملت على قلبها ومرضت، فقال لها الخليفة: ما سبب مرضك؟ قالت: لما كنت أنظم اللؤلؤ والجواهر والفصوص دخل الشيخ ففررت من بين يديه، وتركت الطبق، فلما ذهب الشيخ خرجت فلم أجد في الطبق شيئًا، فهذا سبب مرضي. فطلب الخليفة الطبيب، وقال: انظر إلى مرضها وإلى ما يوافقها. فقال الطبيب: مرضها في قلبها، اذبحوا لها طاووسًا واشووا قلبه وأطعموه لها تصيب العافية إن شاء الله تعالى. فأمر الخليفة بذبح الطاووس الذي التقط اللؤلؤ، فذبحوه، فخرج الجميع من حوصلته، فاستحيا الخليفة من الشيخ لما خالط قلبه من الشك. وكان الشيخ قد علم أنهم شكوا، هل أخذ جواهرهم الشيخ أم لا؟ فطلب الخليفة الشيخ واعتذر، وقال: اجعلني في حلٍّ. فقال الشيخ: والله لا أحاللك حتى تحلف لي أن لا تخالفني في جميع ما آمرك به. فحلف له بالأيمان المغلظة أن مهما قاله الشيخ لا يخالفه. فقال الشيخ: ائتني بحمار، وأْمر المشاعلية بأن يركبوني عليه مقلوبًا، ويجعلوا على وجهي الدقيق،

ويدوروا بي في أسواق المدينة وأزقتها، ويضربوني بالدرة ويقولون: هذا جزاء فقير يصحب أبناء الدنيا. فأمر الخليفة بذلك وشقَّ عليه، ولولا الأيمان المغلظة ما فعل (¬١). وقيل لإبراهيم بن أدهم: لم لا تصحب الناس؟ قال: إن صحبت من هو دوني آذاني بجهله، وإن صحبت من هو فوقي تخيَّر (¬٢) عليَّ، وإن صحبت من هو مثلي حسدني، فاشتغلت بمن لا في صحبته ملالة، ولا في أنسه وحشة، ولا في وصله انقطاع (¬٣). قال المؤلف عفا الله عنه وعن جميع المسلمين: إن في زيارة الصالحين، وصحبتهم، والاشتغال بخدمتهم خيرًا، فقد سمعت من بعض العلماء أنه قال: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: يا موسى، إذا رأيت لي طالبًا، فكن له خادمًا (¬٤)، وسمعت من بعض الأولياء وكان قد بلغ من العمر أكثر من مئة وأربعين سنة أنه قال: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود، من خدمني فله الجنة، ومن خدم أوليائي فله أنا (¬٥). فمن خدم خُدِم، ومن تهاون ندم، فقد علمت أن الاشتغال بخدمة الأولياء أجرٌ عظيم وخير جسيم، والاشتغال بالله وخدمته أفضل وأخير (¬٦). كان بعضهم ينشد هذه الأبيات: أجللت قدرك إن خدمت جليلًا … ولك الجمال إذا طلبت جليلا لا تغترر بغرور دنيا زخرفت … لخليلها حتى تراه قتيلا إن الذين تيقظوا لمعادهم … صبروا على جد المسير قليلا

رك إن خدمت جليلًا … ولك الجمال إذا طلبت جليلا لا تغترر بغرور دنيا زخرفت … لخليلها حتى تراه قتيلا إن الذين تيقظوا لمعادهم … صبروا على جد المسير قليلا

فتعجلوا عيشًا هنيئًا طيبًا … وتبوءوا دار السلام مقيلا طرق الفضيل بن عياض الباب على داود الطائي، قال: من؟ قال: أخوك الفضيل جئت لزيارتك. فلم يفتح له الباب، وقال: تؤخر الزيارة للآخرة، طاعة الرحمن أحب إليّ من زيارة الإخوان، فصار داود يبكي من داخل، والفضيل يبكي من خارج (¬١). انظر رحمك الله! إلى أولياء الله تعالى كيف آنَسَهم به حتى استوحشوا من غيره، فمن انتسب إليهم أو إلى العلماء ثم أكثر التردد إلى الأغنياء والأمراء فقد رضي بالدنيا، وما نال منهم وطرًا. صحب صوفيٌّ بعض الأمراء وانجمع عليه، فعرضت للصوفي حاجة ضرورية، فسأل الله أن يقضي حاجته، فسمع قائلًا يقول له: اطلب حاجتك من: ﴿إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾ [طه: ٩٧] (¬٢). فمن انتسب إلى العلماء والأولياء، وعلى هذه الآفات أقام، كمن قال: ربي الله وما استقام. ونسأل الله تعالى الاستقامة والأمن من فزع يوم القيامة. قال أميرٌ لفقير يعرفه: ما يمنعك من المجيء إليَّ؟ قال الفقير: أنتم دنياكم تمنعكم من المجيء إلينا، ونحن آخرتنا تمنعنا من الرواح إليكم. والذي بلغنا عن ساداتنا أن أحدهم كان يفر من الملوك والأمراء كما يفر الرجل من الأسد، ولا ينظرون إليهم ولا لأبنيتهم، وربما صادف أحدهم أميرًا فيحول وجهه إلى الحائط؛ خوفًا على قلبه أن يتمتع بالنظر إليه فيبتلى بالعمى، وهؤلاء القوم كانت لهم قلوب منورة، خافوا عليها من العمى، ومن أعمى الله تعالى قلبه فمن أي شيء يخاف؟! وإذا دخل أحد من العلماء أو الفقراء على الأمير ولم ينهه عن كل بدعة رآها فقد خرج عن طريق سيد المرسلين، والخلفاء الراشدين، والعلماء الموحدين، فيدخل بدينه ويخرج

أحد من العلماء أو الفقراء على الأمير ولم ينهه عن كل بدعة رآها فقد خرج عن طريق سيد المرسلين، والخلفاء الراشدين، والعلماء الموحدين، فيدخل بدينه ويخرج

بغير دين (¬١)؛ لأنه ترك واجبًا، ورضي بالفاحشة، ومن رضي بالفاحشة كمن فعلها، ويقع سكوته تزكيةً لعملهم ولضلالتهم، وطلبًا لرضاهم، وتعظيمًا لدنياهم، ومن عظَّم حقيرًا فهو حقير عند الله تعالى. قال الفضيل: لو أن رجلًا لا يأتي هؤلاء يعني السلطان ولا يزيد على الفرائض، هو أفضل من رجلٍ يخالط السلطان ويصوم النهار ويقوم الليل (¬٢). وفي الخبر: «العلماء أمناء الرسل ما لم يخالطوا السلطان ويدخلوا في الدنيا، فإذا فعلوا ذلك ودخلوا في الدنيا فقد خانوا الرسل عند ذلك؛ فاعتزِلوهم واحذروهم» (¬٣). قال الشيخ أبو العبَّاس رحمة الله عليه: ما رأيت العز إلا في رفع الهمة عن الخلق (¬٤). فاعلم رحمك الله أن رفع الهمة عن الخلق هو ميزان الفقراء، وأحوال الرجال، وكما توزن الذوات كذلك توزن الأحوال والصفات: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٩] فيظهر الصادق بصدقه، والمدعي بكذبه ومَذْقه (¬٥). ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. وقد ابتلى الله تعالى بحكمته الفقراء الذين ليسوا بصادقين، بإظهار ما أخفوا من الرغبة وأسرُّوا من الشهوة، فطرحوا أنفسهم لأبناء الدنيا مباسطين لهم، موافقين لهم على

لله تعالى بحكمته الفقراء الذين ليسوا بصادقين، بإظهار ما أخفوا من الرغبة وأسرُّوا من الشهوة، فطرحوا أنفسهم لأبناء الدنيا مباسطين لهم، موافقين لهم على

مأربهم، مدفوعين على أبوابهم، فترى أحدهم يتزين كما تتزين العروس؛ يجتهدون في إصلاح ظواهرهم، وهم عن إصلاح بواطنهم (¬١) غافلون، ولقد وسمهم الحق وسمةً كشف بها عوراتهم، وأظهر أخبارهم، فبعد أن كانت نسبته أن لو صدق مع الله تعالى أن يقال فيه: عبد المولى القدير. فأخرج عن هذه النسبة لعدم صدقه، فصار يقال له: شيخ الأمير. أولئك المبعدون عن باب الله، الصادون العباد عن صحبة أولياء الله بما يشهده العموم منهم، يظنون ذلك على كل منتسب إلى الله تعالى، فهم حجُب أهل التحقيق، وبعداء من الخير والتوفيق، ألسنتهم منطلقة بالدعوى، وقلوبهم خالية من التقوى، ألم يسمعوا قول المولى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٨] أترى إذا سأل الصادقين أيترك المدعين أو الكاذبين بغير سؤال؟! فقد أظهروا زي الأولياء والمقبلين، وأفعالهم أفعال المعرضين، فظواهرهم صالحة، ولم يشموا للخير (¬٢) رائحة، وأنشد بعضهم (¬٣): أما الخيام فإنها كخيامهم … وأرى نساء الحي غير نسائها لا والذي حجَّت قريش بيته … مستقبلين الركن من بطحائها ما أبصرت عيني خيام قبيلةٍ … إلا بكيت أحبتي بفنائها (¬٤) ثم اعلم بأنك لا تقدر في هذا الزمان على الأمر بالمعروف وقيام الحق، ولا تهون نفسك عليك بالضرب أو السب أو الحبس، فلا تتهم نفسك على منزلة لا تقدر عليها. فإن قيل: لا بد لنا من الاجتماع بالناس للبيع والشراء، وما يُحتاج إليه من الأسباب؛ نعم، لكن تدخل معهم مشمرًا عن ساعديك، كما تدخل في الوادي الكثير الحيات، وقل: ربِّ سلِّم، ربِّ سلِّم. واسمع قوله تعالى:

﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقوله ﷺ: «إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوىً متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه؛ فعليك بخويصة نفسك» (¬١). وقال الفضيل لرجل: لأعلمنك كلمة [هي] خير من الدنيا وما فيها، والله لئن علم الله منك إخراج الآدميين من قلبك حتى لا يكون في قلبك مكان لغيره لم تسأله شيئًا إلا أعطاك (¬٢). وقال: ما يؤمِّنك أن تكون بارزت الله ﷿ بعمل مقتك عليه، فأغلق دونك أبواب المغفرة، وأنت تضحك، كيف ترى يكون حالك؟ (¬٣) وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي فيما يحكيه عن أستاذه رحمة الله عليهما: الله، الله، والناس، الناس، نزَّه لسانك عن (¬٤) ذكرهم، وقلبك عن التماثيل من قبلهم، وعليك بحفظ الجوارح، وأداء الفرائض، وقد تمت ولاية الله عندك، ولا تذكرهم إلا بواجب حق الله عليك، وقد تم ورعك، وقل: اللَّهم أرحني من ذكرهم، ومن العوارض من قبلهم، ونجني من شرهم، وأغنني بخيرك عن خيرهم، وتولني بالخصوصية من بينهم، إنك على كل شيء قدير. وقال أيضًا: أوصاني حبيبي: لا تنقل قدميك إلا حيث ترجو ثواب الله، ولا تجلس إلا حيث تأمن غالبًا من معصية الله، ولا تجالس إلا من تستعين به على طاعة الله، ولا تصطفِ لنفسك إلا من تزداد به يقينًا بالله، وقليلٌ ما هم (¬٥).

ا تجلس إلا حيث تأمن غالبًا من معصية الله، ولا تجالس إلا من تستعين به على طاعة الله، ولا تصطفِ لنفسك إلا من تزداد به يقينًا بالله، وقليلٌ ما هم (¬٥).

وقال ﵁: مَنْ لم يذق الأنس مع الله، إذا أعرض عنه من ينفع؛ أشد من ذوقه إذا أقبلوا عليه؛ فليس معه من الأنس بالله لا قليل ولا كثير. ثم اعلم أن مَنْ علم قُرب رحيله سعى في تحصيل الزاد خوفًا من مشقة الطريق، ومن الفضيحة في يوم المعاد، فشغله ذلك عما تقدم ذكره، وعن العباد. يا هذا، لو أحبك الحق سبحانه لجمعك عليه، ولحبب لك الطريق الذي (¬١) يوصلك إليه؛ لأن الله تعالى لا يدع من يحبه لغيره، ألم تسمع قوله ﷺ: «يقول الله ﷿: يا جبريل أنم فلانًا وأقم فلانًا» (¬٢). فمن أحبك نبهك، وإذا أبغضك قال: دعوه نائمًا. ثم اعلم بأن الله تعالى انتخب لحضرته من يصلح لها، ومن لم يصلح رماه للكائنات، ومن لم تفتح له المنازل رضي بالمزابل. وقف بعض الصالحين يصلي ورده بالليل، فلم يسمع حسَّ أحد، فقال: يا رب ما أقل الواقفين ببابك. فسمع قائلًا يقول: ليس ذلك من قلة الأحباب، ولكن ليس كل أحد يصلح للباب (¬٣). وقالوا في هذا المعنى: قل لمن أعرض عنا … إن إعراضك منا لو أردناك لأضحى … كل ما فيك يردنا

باب فيما يبتدع من الملابس وما يكره (وما يحرم) وما يباح اللهم اكسنا كسوة تقينا بها من الفتن والهلاك، ونسألك الغنى بك حتى لا نشهد إلا إياك، قال الله تعالى جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]. اعلم رحمك الله وإيانا وجميع المسلمين! أن اللباس على قسمين: لباس الأبدان، ولباس الإيمان. فالأول فيه خير، والثاني أفضل منه وخير؛ لأن الأول يفنى ويبلى، والثاني لا فناء له، فيجب على المسلم أن يصون ثوب الإيمان عن نجاسات المخالفة والعصيان، ويجتهد في تجديده وتطهيره بالطاعة والإحسان، قال صلوات الله عليه وسلامه: «جدِّدُوا إيمانَكم بلا إله إلا الله» (¬١). ونعوذ بالله من قلة التوفيق ومن الخذلان. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمة الله عليه: رأيت النبي ﷺ في

لامه: «جدِّدُوا إيمانَكم بلا إله إلا الله» (¬١). ونعوذ بالله من قلة التوفيق ومن الخذلان. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمة الله عليه: رأيت النبي ﷺ في

المنام، فقال لي: يا علي طهِّر ثيابك من الدنس؛ تحْظَ بمدد الله في كل نفس. فقلت: يا رسول الله، وما ثيابي؟ فقال: اعلم أن الله قد كساك حلة الإيمان، وحلة المعرفة، وحلة التوحيد، وحلة المحبة. فقال: ففهمت حينئذٍ قوله سبحانه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] (¬١). قال قتادة ومجاهد رحمة الله عليهما في تفسير هذه الآية: أي نفسك فطهر من الذنوب وقال بعض المفسرين: عملك فأصلح. وقال السدي: يقال للرجل إذا كان صالحًا إنه لطاهر الثياب، وإذا كان فاجرًا إنه لخبيث الثياب. وقال ابن سيرين وابن زيد: أمر بتطهير الثياب من النجاسة التي لا تصح معها الصلاة (¬٢). فصُنْ أيها المملوك! خِلَع الملوك، لكي لا تُنزع عنك، ولا تكثر الفجور فالحقُّ غيور، وكانت رابعة تقول: ما بال دينك ترضى أن تدنسه … وثوبك الدهر مغسول من الدنس ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها … إن السفينة لا تجري على اليبس فاشكر الله أيها المؤمن! الذي منَّ عليك بخلعة الإيمان بعد سبع مئة سنةٍ وكسور من الهجرة، وأحرمها غيرك وهو في الحضرة، قال بعضهم: لما فاح عطر النبوة شمَّها سلمانُ من العجم، وبلال من الحبشة، وصهيب من الروم، وأبو طالب في الحضرة وهو مزكوم، ومن هذه السعادة والخيرات محروم، فمن أراد هذه السعادة فلا يعصي عالم الغيب والشهادة. فصُن أيها المؤمن! هذه الخلعة المحمدية من الأفعال الردية، وافرح بما خصك الله به: أن جعلك من خير الأمم، وحرسك من السجود للصليب والصنم، فقيد هذه الخيرات بالشكر، والعمل الصالح؛ فإن المعاصي تزيل النعم. قال ﷺ: «المعاصي بريد الكفر» (¬٣)، فكادت المعصية أن تكون كفرًا.

تاب بعضهم عن نبش القبور، فقال له شيخه: يا بني، بلغني أنَّ (¬١) من مات على غير القبلة يحول عنها؛ فهل رأيت أحدًا مصروفًا عن القبلة؟ فقال: يا سيدي، رأيت أكثرهم مصروفين عن القبلة. فانظر رحمك الله تعالى! إلى شُؤم المعصية والطغيان، كيف يؤدي إلى ذهاب الإيمان. هجم العيد على إبراهيم بن أدهم، وعليه هِدْمَتان (¬٢)، فقيل له: ما تلبس في العيد؟ أنشد في المعنى يقول: قالوا غدًا العيد ماذا أنت لابسه … فقلت خلعة ساقٍ حبه جرعا فقرٌ وصبرٌ هما ثوباي تحتهما … قلبٌ يرى الله في الأعياد والجمعا العيد لي مأتمٌ إن غبت يا أملي … والعيد ما كنت لي مرأى ومستمعا أحرى الملابس ما تلقى الحبيب به … يوم التزاور في الثوب الذي خلعا وقد تقدم أن اللباس على أقسام: منه ما يحرم، وهو لبس الذهب والحرير والإبريسم والديباج على الرجال، وللنساء حلال؛ لأن النبي ﷺ أخذ الذهب والحرير بيديه وقال: «هذان حرامان على ذكور أمتي (¬٣) حلالان لإناثهم» (¬٤). وعند أبي حنيفة (¬٥) ﵀ يحرم لبس الحرير والذهب والديباج

والإبريسم (¬١) على الرجل الكبير وعلى الطفل الصغير؛ لقوله ﷺ: «حرامان على ذكور أمتي». يشمل الصغير والكبير، لكن القلم مرفوع عن الصغير والإثم على من ألبسه. وقال أيضًا بتحريمه في الحرب؛ لورود النهي، ولأن الملحَّم يقوم مقامه. وفي المسألتين خلاف للعلماء (¬٢): لبسه في الحرب للرجل الكبير، وفي الإقامة للصبي (¬٣) الصغير، واختلاف العلماء رحمةً، والخروج من خلافهم نعمة، وقد ورد في الأخبار المتواترة: أن من لبس الحرير في الدنيا، لم يلبسه في الآخرة. قال بعض العلماء: يُخاف على لابس الحرير من سوء الخاتمة؛ لقوله ﷺ: «من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة» (¬٤). ولأن الحرير والذهب من حلي أهل الجنة ولباسهم، قال المولى القدير: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [فاطر: ٣٣]. واختلف العلماء في الأعلام في الثياب (¬٥): هل يجوز إذا [كانت] (¬٦) من الحرير والإبريسم أم لا؟ قال بعض العلماء: يُكره؛ لما روي عن جابر بن عبد الله، قال: كنا نقطع الأعلام من الثياب (¬٧).

ب (¬٥): هل يجوز إذا [كانت] (¬٦) من الحرير والإبريسم أم لا؟ قال بعض العلماء: يُكره؛ لما روي عن جابر بن عبد الله، قال: كنا نقطع الأعلام من الثياب (¬٧). وروى الأعمش عن مجاهد أن عبد الله بن عمر اشترى عمامة، فرأى

علمها حريرًا فقطعه (¬١)، وقال: اجتنبوا ما خالط الثياب من الحرير (¬٢). وأما من قال: لا بأس به. دليله: ما روى أبو أمامة الباهلي، قال: قلت: يا رسول الله، نهيتنا عن لبس الحرير، فما يحل لنا منه؟ قال: «ثلاثة أصابع، وذلك لا خير فيه» (¬٣). فلا بأس بلبس الثوب إذا كان سداؤه من حرير أو إبريسم، واللُّحمة من قطن أو خز أو صوف أو كتان، وفي لبس الخزِّ (¬٤) خلاف للعلماء (¬٥). ويكره للمؤمنين الأخيار التشبه بزي الكفار؛ لقوله ﷺ: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (¬٦). والذي أذكره في هذا الباب من المكروهات فيه ما هو كراهة تنزيه، وكراهة تحريم، وكلا الطرفين ذميم. ويكره للرجل التشبه بزي النساء، كلبس الثياب المحمرة والمعصفرة، والتقنع، ولبس السراويل القزواني، واختضاب يديه ورجليه بالحناء من غير عذر؛ لأن هذه الأشياء من زي النساء، ويكره أيضًا للمرأة التشبه بزي الرجال، كلبس القبع، والشاش، والقباء (¬٧)، والسراويل

تضاب يديه ورجليه بالحناء من غير عذر؛ لأن هذه الأشياء من زي النساء، ويكره أيضًا للمرأة التشبه بزي الرجال، كلبس القبع، والشاش، والقباء (¬٧)، والسراويل

الفاتحي؛ لأنه من زي الرجال ولا يستر عورتها، ولا تلبس الدلق العسلي، ولا الزربول (¬١) الصيدي؛ فإنه من زي الرجال، وصحَّ أنَّ النبيَّ ﷺ لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، ولعن المتشبهات من النساء بالرجال (¬٢). ويكره من غير عذر لبس الطيلسان (¬٣) لكل إنسان، ويكره كشف الرأس عامدًا، ويكره حلق داير الرأس، وكذلك الناصية كما يفعله أهل العربدة، وهم حمَّاري هذه الأمة. فإن فعل شيئًا من ذلك لغير عذر لم يجز، وإن فعله لعذر جاز، بغير كراهة. ويكره تلبيد الشعر (¬٤)، وأن يوصل شعرًا آخر، فمن لبَّده من جهلة المسلمين لا يزال جنبًا ولو اغتسل في سبعة أبحر؛ لأن الماء لا يصل إلى أصول شعره، وهذا عبدٌ جاهل مفتون، والواصل شعره بشعر غيره ملعون؛ قال ﷺ: «لعن الله الواصلة والمستوصلة» (¬٥)، فإن لُعنت المرأة لأجل ما وصلت شعرها بشعر غيرها زينة لأجل زوجها، فالرجل يكون ملعونًا بطريق الأولى؛ لأنه وصله عبثًا، وأكثر ما يفعله فقراء الروم والعجم، الخوارج عن طريق سيد الأمم. وكذلك الواشمة إذا وشمت شيئًا من بدنها لأجل التزين لأجل زوجها تكون ملعونة، والرجل يكون ملعونًا بطريق الأولى؛ لأنه (¬٦) غيَّر خلق الله

طريق سيد الأمم. وكذلك الواشمة إذا وشمت شيئًا من بدنها لأجل التزين لأجل زوجها تكون ملعونة، والرجل يكون ملعونًا بطريق الأولى؛ لأنه (¬٦) غيَّر خلق الله

تعالى عبثًا، فإن وشم هذا الشيطان شيئًا من أطرافه بالقرآن فقد ارتكب فعلًا محرمًا يوجب له غضب الرحمن، ويخرجه عن طريق النبي ﷺ، وعن طريق أصحابه، وعن طريق أهل الخير والإيمان. ويكره أن يكون الرجل ثائر الرأس واللحية؛ لما روي أن رجلًا دخل على النبي ﷺ وهو ثائر الرأس واللحية؛ فأشار إليه أن اخرج وأصلح رأسك، ففعل، ثم دخل على النبي ﷺ، فقال له: «أليس هذا خير من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان؟!» (¬١)، ويكره لبس الشعر، وإن كان قد لبسه بعض العباد، فهو مخالف لسنة خير (¬٢) العباد. وقال الأوزاعي ﵀: لبس الصوف سنَّة في السفر، بدعة في الحضر (¬٣). دخل محمد بن واسع على قتيبة بن مسلم وعليه جبة صوف، فقال له قتيبة: ما دعاك إلى لبس مدرعة الصوف؟ فسكت، فقال: أكلمك ولا تجيبني؟ فقال: أكره أن أقول: زُهدًا؛ فأزكي نفسي، أو أقول: فقرًا؛ فأشكو ربي (¬٤). وقال ابن السماك لأصحاب الصوف: والله لئن كان لباسكم هذا موافقًا لسرائركم لقد أحببتم أن يطلع الناس عليها، ولئن كان مخالفًا لقد هلكتم (¬٥). رأت عجوز شبابًا عليهم ثياب الصوف وهم جلوس يتضاحكون،

فقالت: سبحان الله، زي الصالحين وفعل الجاهلين (¬١). أنكرتْ عليهم لعدم التناسب. وقال الحسن لفرقد السبخي: يا فرقد، تحسب أن لك فضلًا على الناس بكسائك؟ بلغني أن أكثر أهل النار أصحاب الأكسية (¬٢). وأنشدوا: إذا المرء لم يلبس ثيابًا من التقى … تقلب عريانًا وإن كان كاسيًا وخير خصال العبد (¬٣) طاعة ربه … ولا خير فيمن كان لله عاصيًا اعْلَم أيها الإنسان! أن لبس الدروع الحسان محرم على كل جبان، فلا تلبس أيها البطَّال لباس الأبطال، ثم تأخذ في الهزيمة؛ فإنه من أفعال كل خنثى العزيمة، فدع الدرع الحسن لصاحبه، فهو أولى منك بالغنيمة، وكانوا أحق بها وأهلها؛ لأن أحدهم عرف ما يطلب، فحينئذٍ هان عليه ما يبذل، ومن أراد الفوائد هجم على الشدائد. ثم اعلم أن بعض الناس اختار الترفع في الملابس ونيته الإظهار لنعم الله تعالى، فلا بأس بذلك إذا كان من حلال، وروي أن الله جميل يحب الجمال (¬٤)، وقد حُكِي عن جماعةٍ من الصالحين أنهم كانوا يظهرون الغِنَى في الفقر، تراهم على فاقة وهم يجتهدون في تحسين ثيابهم، وقال الله فيمن هذه صفاتهم: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. ومن وسع الله تعالى عليه يجب أن يرى (أثر نعمته) (¬٥) عليه، قال أمير

المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: إذا وسَّع الله عليكم فوسعوا (¬١). وقول عمر موافق لقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]. وينبغي للمؤمن أن يكون في لباسه موافقًا لأقرانه؛ فلا يرتفع في لباسه جدًّا، ولا يتنازل جدًّا، وخير الأمر أوسطه؛ فإن لم يفعل ارتكب النهي، وأوقع الناس في الغيبة والإثم. وقد جاء في الحديث: «رحم الله من عرف قدره، وكفى الناس أمره» (¬٢). فمن ارتفع في لباسه جدًّا أو تنازل جدًّا فقد شهر نفسه، وجعلها علمًا بين الناس، فخرج عن السنة، ولا عرف قدره، ولا كفى الناس أمره، وقد نهى النبي ﷺ عن الشهرتين (¬٣)، فرحم الله من عرف قدره، وكفى الناس أمره. قال النبي ﷺ: «البسوا من ثيابكم البيض، وكفنوا فيها موتاكم؛ فإنها خير ثيابكم» (¬٤). ويقال: كُلْ من الطعام ما اشتهيت والْبَسْ من الثياب ما اشتهى الناس. وقال بعضهم:

«البسوا من ثيابكم البيض، وكفنوا فيها موتاكم؛ فإنها خير ثيابكم» (¬٤). ويقال: كُلْ من الطعام ما اشتهيت والْبَسْ من الثياب ما اشتهى الناس. وقال بعضهم:

تجمل بالثياب تعش حميدًا … لأن العين قبل الاعتبار فلو لبس الحمار ثياب خزٍّ … لقال الناس يا لك من حمار وهذه الأشياء من رخص الشرع: المآكل الطيبة، والملابس اللينة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] فقد رخَّص الشرع في ذلك لمن لا يلتزم الزهد، فيقف على رُخص الشرع بأن لا يكون لباسه مرتفعًا جدًّا فيكون علمًا بين الناس. ولا يلبس ما يُجَرُّ من الثياب؛ فقد صح في (الحديث: «من جر إزاره بطرًا لم ينظر الله إليه يوم القيامة» (¬١). وهو نوع من التكبُّر أعاذنا الله منه، والسنة في الثياب أن تكون فوق الكعاب؛ فقد صحَّ في) (¬٢) الأخبار: «ما كان أسفل من الكعبين فهو في النَّار» (¬٣). وقد لبس بعض الصحابة ومن صلحاء التابعين ما نَعُم من الثياب بعلم، ونيَّةٍ صالحة يلقى الله سبحانه بصحَّتها، وبعضهم اختار الاختصار، فلا يُتَعَرَّضُ عليهم؛ لأن له أصلًا في الشرع، فمن الخلفاء الراشدين من لبس ما نعم، وبعضهم لبس ما خشن، وقد بشرهم ﷺ بالجنَّة فلله الحمد والمنَّة، وسيأتي بيانه إن شاء الله. لكن ما خشن من الثياب وما رقِّع يصلح للفقير لأجل التقليل من الدنيا وزهرتها (¬٤)، فإذا تركها لله سبحانه عوضه الله ما هو خيرٌ منها،

بيانه إن شاء الله. لكن ما خشن من الثياب وما رقِّع يصلح للفقير لأجل التقليل من الدنيا وزهرتها (¬٤)، فإذا تركها لله سبحانه عوضه الله ما هو خيرٌ منها،

أي: يا عبادي، من صبر منكم على الطاعة وعلى ذهاب دار الفناء حصلتُ له أنا، ومن وجدني وجد كل شيء، وذهب عنه التعب والنصب والعناء، ومن فتُّه فاته كل شيء؛ فابتلي بالغضب والذل الطويل، والفقر بعد العِزِّ والغنى. وروي أن النبي ﷺ لبس الصوف واحتذى المخصوف (¬١)، (وكان يرتدي بالبُرُد الغليظ الحاشية) (¬٢)، وكان إذا أُهْدِيَ له شيئًا من الحلل أو مما نعم من الثياب يفرقه على (¬٣) الأصحاب (¬٤). وقال بعض التابعين: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته، وعليه قميص فيه سبع رقع. وروي أنه خطب يومًا وعليه ثوب فيه ثلاث رقع بعضها فوق بعض (¬٥). وكان إذا رأى رجلًا عليه ثوبان رقيقان يقول له: دع هذه البراقات للنساء (¬٦).

وكان عليُّ بن أبي طالب كرَّمَ الله وجهه يشتري الثوبين الغليظين، ويلقيهما بين يدي عبده، فيختار العبد أي الثوبين (¬١) شاء، ويلبس الآخر عليٌّ ﵁ (¬٢). وروي أنه لبس قميصًا بثلاثة دراهم، ثم قطع كمه من رؤوس أصابعه (¬٣) فعابه الخوارج بذلك، فقال: أتعيبونني على لباس هو أبعد عن الكبر وأجدر أن يقتدي به المسلم (¬٤). وروي أنه قال لعمر بن الخطاب: إن أردت أن تلقى صاحبيك؛ فرقِّع قميصك، واخصف نعلك، وقصر أملك، وكل دون الشبع (¬٥). وروي أنه قال لرجل من أهل العراق: اشتر هذا السيف فطالما كَشَفْتُ به الكرب عن وجه رسول الله ﷺ، ولو كنت أملك ثمن عباءة ما بعته (¬٦). وكان ذلك في خلافته ﵁.

وقيل: لما مات أبو الدرداء ﵁ وجدوا في ثوبه أربع مئة رقعة، وكان عطاؤه أربعة آلاف (¬١). وقَوَّمُوا ثياب عمر بن عبد العزيز ﵁ في خلافته من فرقه لقدمه حتى مِنديل كمِّه باثني عشر درهمًا (¬٢). وهجم العيد وعلى ولده قميص خَلِقٌ فبكى عمر ﵁، فقال له ولده: ما يبكيك يا أبت؟ قال: يا بني كسر قلبك في مثل هذا اليوم، الصبيان قد تجملوا بثيابهم وأنت بهذا القميص الخلق. فقال: يا أمير المؤمنين، إنما ينكسر قلب من أعدمه الله رضاه، وعَقَّ أمه وأباه، وإني لأرجو أن يكون الله تعالى راضيًا عني برضاك. فبكى عمر وضم ولده إليه، وقبَّل بين عينيه ودعا له، وسيَّر ولده لعامله، وطلب منه ثلاثة دراهم لثلاثة أيام؛ ليكسو (¬٣) ولده بها قميصًا، فأبى وقال: قل للخليفة: إن ضمن الحياة لثلاثة أيام أقرضه. فلم يضمن ومات بعد ثلاثة أيام ﵀، فكان ولده يبكي ويقول: صدق العامل (¬٤)، لم يعش والدي لثلاثة أيام (¬٥). فانظر إلى أوصاف القوم يا من حسن ظاهره بالثياب، وباطنه خراب. قال قائلهم: أرى (¬٦) وجهك لي عيدًا … فما أصنع بالعيد؟ دخل تلميذ الحسن البصري على رابعة في يوم عيد وسلم عليها عن الحسن، ورآها جالسة على قطعة حصير خلق (¬٧)، (وعليها مدرعة صوف

ك لي عيدًا … فما أصنع بالعيد؟ دخل تلميذ الحسن البصري على رابعة في يوم عيد وسلم عليها عن الحسن، ورآها جالسة على قطعة حصير خلق (¬٧)، (وعليها مدرعة صوف

خليع) (¬١) وبين يديها طبق فيه نخالة وكسر يابسة وهندبا (¬٢) بائتة، وهي تخرج الكسر اليابسة من النخالة وتأكلها بتلك الهندبا، فبكى تلميذ الحسن، فقالت له: ما يبكيك؟ فقال: مثلك في يوم عيد هذا نومها وهذا غطاؤها وهذا غذاؤها! فقالت: يا هذا، وما يوم العيد عندكم؟ فقال: يومٌ يَترَفَّهُ فيه الناس. فقالت: يا هذا، ذلك عِيدُ الغافلين في الدنيا، العيد لمن غفر له المولى. فخرج من عندها وذكر ذلك لبعض جيرانها، وكان من الأغنياء فقال: إنها لا تقبل مِنَّا شيئًا، فإن قبلت مني شيئًا على يديك شكرت سعيك. فقال: هات. فأعطاه خرقة فيها مائة دينار، فأخذها ووضعها بين يديها، فقالت: ما هذه؟ فقال: مائة دينار من جارك فلان. فقالت: أَوَ قَدْ أعلمته بما رأيت؟ أهكذا علَّمَك الحسن؟! مثلك من يستأمنه الناس على أسرارهم؟! خذها وأعدْها لصاحبها، وقل له لا ينغص عليَّ عيدي، ولا تَعُد تدخل عليَّ (¬٣). فانظر إلى قول هذه السيدة: العيد لمن غفر له المولى. هو والله العيد الكبير، كما قيل لبعض الرهبان: متى عيد هذا الدير؟ قال: إذا غُفر لأهله (¬٤). ليس العيد لمن أكل الطعام اللذيذ، ولبس الثوب الجديد، وعصى المولى المجيد، وافتخر بما أوتي من المال والجاه والعبيد. قال بعض المحبين شعر: الناس بالعيد قد سروا وقد فرحوا … وما سررت به والواحد الصمد لمَّا تخوفت أني لا أعاينكم … غضضت طرفي فلم أنظر إلى أحد وقال بعض العارفين: العيد لمن حظي بالأجر والثواب، لا لمن تجمَّل بالملابس والثياب. وأنشدوا:

مد لمَّا تخوفت أني لا أعاينكم … غضضت طرفي فلم أنظر إلى أحد وقال بعض العارفين: العيد لمن حظي بالأجر والثواب، لا لمن تجمَّل بالملابس والثياب. وأنشدوا:

عيدي مقيم وعيد الناس منصرف … والقلب مني عن اللذات منحرف ولي قرينان ما لي منهما خلفٌ … طول الحنين وعينٌ دمعها يَكِفُ قيل لراهب: ما مذهب الرهبان في لبس السواد؟ قال: هو أشبه بلباس أهل المصائب. قيل له: وكلكم أصيب بمصيبة؟ قال: وأي مصيبة أعظم من مصائب الذنوب (¬١). قال علي بن ثابت: رأيت سفيان الثوري في طريق مكة، فقَوَّمْتُ جميع ما عليه حتى نعليه درهمًا وأربع دوانق (¬٢)، ولو لقيت سفيان ومعك فلسان تريد التصدق بهما، وأنت ممن لا يعرف سفيان لوضعتهما في يده (¬٣). ولبس سفيان يومًا ثوبه مقلوبًا ولم يعلم بذلك، فقيل له، فهَمَّ أن يخلعه ثم تركه وقال: لبسته لله، فلا أغيره لنظر الخلق، ولا أنقض نيتي (¬٤). ثم اعلم بأن المراد من الثوب ستر العورة، وأن يرُدَّ عن لابسه الحر والبرد، وأن يكون طاهرًا لصحة الصلاة، وأن يكون لنصف ساق الرجل متابعةً للرسول ﷺ (¬٥)، وأن يكون من حلال لأجل القبول وما عدا ذلك فهو زيادة وفضول.

ه الحر والبرد، وأن يكون طاهرًا لصحة الصلاة، وأن يكون لنصف ساق الرجل متابعةً للرسول ﷺ (¬٥)، وأن يكون من حلال لأجل القبول وما عدا ذلك فهو زيادة وفضول.

قيل لبعض الصوفية: ثوبك ممزق. قال: ولكنه من وجه حلٍّ (¬١). وينبغي أيضًا لمن خشن ثوبه أن يخشن مأكله، ويكون مسكينًا ذليلًا بين يدي خالقه، عسى يراه على تلك الحالة فيرحمه، فمن خشن ثوبه ولم يخشن حاله فليس بشيء. قال أبو سليمان الدارانيُّ رحمة الله عليه: يلبس أحدهم عباءة بثلاثة دراهم، وشهوته في بطنه بخمسة دراهم (¬٢). أنكر عليهم لقلة التناسب. لبس أبو سليمان ثوبًا عسليًّا، فقيل له: لو لبست ثوبًا أجود من هذا. فقال: ليت قلبي في القلوب مثل قميصي في الثياب (¬٣). قال ﷺ: «من ترك ثوب جمال وهو قادر على لبسه؛ ألبسه الله تعالى من حلل الجنة» (¬٤). دخل جماعة على بشر وعليهم ثياب مرقعة، فقال لهم: يا قوم، اتقوا الله ولا تظهروا هذا الزي؛ فإنكم تعرفون به وتكرمون له. فسكتوا عن آخرهم، فنهض شاب من بينهم وقال: الحمد لله الذي جعلنا ممن يعرف به، ويكرم له، والله لنظهرن هذا الزي حتى يكون الدين كله لله. فقال له بشر: أحسنت يا غلام مثلك من يلبس المرقعة (¬٥). وقد تقدم أن لبس ما خشن ورقع له أصل في الشرع، فعله جماعة من الصحابة مع القدرة، وفعله أهل الصفة لأجل الحاجة، فكان أحدهم يخرج

إلى مزابل المسلمين يلتقط الخرق والجلود ويطهرهم، ثم يرقعهم في ثوبه سترًا لعورته. فمن فعل ذلك مع القدرة إهانةً لنفسه التي تلبس الجديد ثم تخالف المولى المجيد، وتأكل الطعام اللذيذ، وتصرفه في معصية الله تعالى وفيما لا يريد، فيؤجر الإنسان على إهانتها؛ لأن الله تعالى يبغض النفس المتمردة التي هي عن الحق مائلة. فلا تكرم النفس التي هي مهانة عند الله سبحانه بما أنعم من الملابس، ولا بالأطعمة الطيبة الهائلة، فمثل من يفعل ذلك كمثل رجل له زوجة، وهو عالم بخيانتها وفجورها، وهو يحب الإقامة معها، ويلبسها الثياب اللينة، ويطعمها الأطعمة الفاخرة، فحينئذٍ لا يفلح هذا العبد في الدنيا، ويكون ديوثًا في الآخرة. دخل نسوة على رجل يعرف بالشيخ أيوب الكردي، وكان في زاوية تعرف بزاوية الشيخ خضر بالحسينية بالديار المصرية، وكان الشيخ صالحًا عارفًا بالعلوم، فلما دخل على النسوة قال لهن: يا ستَّات، اذهبْنَ (إلى الحاجَّة يريد) (¬١) زوجته فقلن: يا شيخُ، ما نحن ستَّات، بل نحن قحاب، وقد جئناك لنتوب. فبكى الشيخ كثيرًا وقال لهن: أنتنَّ قحَّبتُنَّ فروجكنَّ، وأنا قحَّبتُ (¬٢) قلبي، فأَنْتُنَّ خير منِّي (¬٣).

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

نِّي (¬٣).

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فمن لبس ثياب الصالحين ولم يتخلق بأخلاقهم يقال له: هذه الخرقة فأين الاجتهاد والحرقة؟! دخل بعضهم على أخٍ له في الله، فرأى أولاده (¬١) يستتر بعضهم ببعض من العري (¬٢)، قال: فقلت له: لم لا تدعو الله لهم؟ قال: هو أعلم بمصالح عباده، دعهم عسى يراهم فيرحمهم (¬٣). وقال محمد بن واسع: رأيت كأني أنا وفلان نستبق إلى الجنة فسبقني إليها، فقلت: بماذا سبقتني؟ فقيل لي: كان له ثوب واحد، ولك ثوبان (¬٤). فإذا كان لك ثوب فلا تحسد صاحب ثوبين، وقل عسى أن تكون الملابس قد هُيئت لي في الآخرة، ولكن حتى (¬٥) تكتحل البصائر بنور الهدى؛ اللَّهم اكحل بصائرنا بنور الهدى، وجنبنا وجميع المسلمين المعاصي والبدع والردى. نختم هذا الباب بما يكره وما يحرم من الملابس والثياب، كره بعض العلماء الأعلام الحرير في الثياب (¬٦)، وكذلك جلود السباع كلها لبسها

وافتراشها، وأباحه الأكثرون (¬١)، واختلفوا أيضًا في طرز الذهب: فجوزه

بعضهم تبعًا للثوب، وقال بعضهم بتحريمه. وقال بعض العلماء: إنْ تلاشى الذهب إذا وضع في النار؛ يجوز لُبسُه، والله أعلم (¬١). فمن أذهب الله تعالى قلبه إلى الغفلة والعمى اجتهد عن الخروج من خلاف العلماء، ومن فعل ذلك لأجل الذلة والاتِّضاع؛ أعزه الله ورفعه، وجعله من أهل الخير والاطلاع؛ لأن من تحققت ذلته وهب له الحق نصرته، فحينئذٍ ينصلح الحال بذهاب البدع والضلال، ومتى تمكن حب الدنيا والبدع في الصدور؛ توقف على الفاعلين الخيرات والأمور.

ن من تحققت ذلته وهب له الحق نصرته، فحينئذٍ ينصلح الحال بذهاب البدع والضلال، ومتى تمكن حب الدنيا والبدع في الصدور؛ توقف على الفاعلين الخيرات والأمور.

باب في الشفاعة وما يبتدع فيها وما يؤجر (عليه منها) (¬١) قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]. قال العلماء: هي كل شفاعة تجوز في الشرع، يكون للشافع نصيب منها، أي يؤجر عليها. ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]، (أي: ومن يشفع شفاعةً سيئةً، و) (¬٢) هي التي لا تجوز في الشرع، يكن له كفلٌ منها، أي: نصيبٌ من الوزر والإثم. قال مجاهد في تفسير الآية، قال: هي شفاعة الناس بعضهم لبعض؛ يؤجر الشفيع على شفاعته، وإن لم تقبل شفاعته منه (¬٣). قال ﷺ: «اشفعوا تُؤجَروا» (¬٤).

ولا يشفع الإنسان في حدٍّ من حدود الله؛ لما روي أن الصحابة شفعوا لامرأة سرقت، فقال ﷺ: «أتشفعون في حدٍّ من حدود الله؟! والله لو سرقت بنتي فاطمة لقطعت يدها، أما سمعتم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]» (¬١). ولا يشفع في خلاص مجرم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]. قال أبو حنيفة رحمة الله عليه: نفيهم: حبسهم (¬٢). ورُوي عن بريرةَ أنها كانت تحت عبدٍ؛ فلما أعتقت اختارت نفسها، وكان الزوج يحبها، فدخل النبي ﷺ لكي يشفع له عسى أن تقيم معه، فشفع له، فقالت: يا رسول الله، إن كنت آمرًا فالسمع والطاعة، وإن كنت شافعًا فإني أكره الإقامة معه (¬٣). فَفَرَّقَ بينهما؛ لأن الحرة إذا كانت تحت عبدٍ فهو نَقْصٌ لها، وضرر

عليها، ولا ضرر ولا إضرار في دين النبي المختار (¬١). فإذا أعتقا جميعًا فلا تختار نفسها؛ لأنه حر وهي حرة، فصارا في منزلةٍ واحدة. انظر إلى فهم أَمَتِهِم ومُعْتَقَتِهِمْ في قولها: إن كنت آمرًا فالسمع والطاعة؛ لأن أمره ﷺ واجب على كل مسلم، قال المولى الكريم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، فلما قال: «ما أنا آمر بل شافع». والشفاعة هنا ليست بفرض، فلم تقبل، والنبي ﷺ لم يغضب، فمن شفع شفاعةً ولم تقبل منه فغضب لأجل علو قدره؛ خرج عن السنة، وعمل على إبطال أجره. دخل ﷺ بيت بريرة يومًا، فوجد عندها برمة فيها لحم، فقدمت له قرص شعير، وقالت: إن اللحم تصدقوا عليَّ به. فقال ﷺ: «هو عليك صدقة ولنا هدية» (¬٢). فقد علمت أن الشفاعة إذا خرجت عن الشرع فالشافع مأزور لا مأجور، وهذا الباب واسع جدًّا، وليس بمحصور، وإن قبل الشفيع وقع في البدعة والإثم والفجور، ونقول طرفًا منه: حكي عن رجل علق قلبه بمحبة شخص، فتمنع عنه، واشتد بلاء المحب إلى أن لزم الفراش، فلم تزل الوصايا تمشي بينهما ويشفعون، حتى وعده أن يعوده، فأخبر بذلك ففرح واشتد سرورًا، وانجلى عنه بعض ما كان يجد، فلما كان في بعض الطريق رجع، وقال: والله لا أدخل مداخل الرَّيب، ولا أعرض نفسي لمواقع التُّهم. فأخبر بذلك المتيم المسكين؛ فرجع

إلى أشد ما كان عليه، وبدت عليه أمارات الموت، قال الراوي: فسمعته يقول وهو في تلك الحال: سلام يا راحة العليل … وتردد المدنف النحيل رضاك أشهى إلى فؤادي … من رحمة الخالق الجليل (¬١) قال: فقلت له: يا فلان، اتق الله. فقال: قد كان. فقمت عنه، فما جاوزت باب داره حتى سمعت صيحة الموت قد قامت عليه، فنعوذ بالله من سوء العاقبة وشؤم الخاتمة (¬٢). فمثل هذه الشفاعة وأخواتها لا تجوز في الشرع الشريف، فتيقظ من (¬٣)

اره حتى سمعت صيحة الموت قد قامت عليه، فنعوذ بالله من سوء العاقبة وشؤم الخاتمة (¬٢). فمثل هذه الشفاعة وأخواتها لا تجوز في الشرع الشريف، فتيقظ من (¬٣)

غفلتك أيها العبد الكثيف، وكن تابعًا لسنة نبيك وأصحابه، وكل عبد تقي وعفيف، ولا تخرج عن طريقهم، وخف من سطوة المولى اللطيف. قال الشيخ أبو الحسن الشاذليُّ رحمة الله عليه لرجلٍ قد أحاط به الهم والغم حتى كاد أن يمنعه من الأكل والشرب والنوم: يا ابن فلان، اسكن لقضاء الله تعالى، وعلق قلبك بالله، ولا تيأس من روح الله، وانتظر الفرج من الله، وإياك والشرك بالله تعالى، والنفاق مع رسول الله ﷺ، وسوء الظن بالله؛ فإنه يوجب دوائر السوء من الله وغضبه ولعنته، وإعداد ناره. قال: فرأيته مربوطًا يسير بين يدي رسول الله ﷺ وهو يتلو: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ [الأنفال: ٧٠] إلى قوله تعالى: ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧١]. فقيل للشيخ: ما النفاق مع رسول الله ﷺ؟ قال: التظاهر بالسنة، والله يعلم منك غير ذلك. قلت: وما الشرك بالله؟ قال: اتخاذ الأولياء شفعاء دون الله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: ٤]، ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ [الزمر: ٤٣]، ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣]. قال: قلت: قال رسول الله ﷺ: «اشفعوا تؤجروا» (¬١)، قال: في حقِّ بحقٍّ، حيث أمرك الله ورسوله بحق، وقد بيَّن لك حق البيان بقوله: تؤجروا. فمن شفع في معصية أو طلب (¬٢) جاهٍ أو منصب، أو طلب على وجه الرغبة لن يؤجر على ذلك، بل يعذب، ويتوب الله على من يشاء. ثم تلا: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]. قال: قلت: فما سوء الظن بالله؟ قال: من رجا غير الله، واستنصر بغير الله، آيسًا من الله أن ينصره؛ فقد ساء ظنه بالله.

لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]. قال: قلت: فما سوء الظن بالله؟ قال: من رجا غير الله، واستنصر بغير الله، آيسًا من الله أن ينصره؛ فقد ساء ظنه بالله. ثم تلا: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ الآية [الحج: ١٥] (¬٣).

روَى البخاريُّ عن رجلٍ مرَّ على رسول الله ﷺ، فقال لرجل عنده جالس: «ما رأيك في هذا؟» فقال الرجل: من أشراف الناس، هذا والله حَرِيٌّ إن خطب أن يُنكح، وإن شَفَعَ أن يُشَفَّعَ. قال: فسكت النبي ﷺ، ثم مَرَّ رجل، فقال له رسول الله ﷺ: «ما رأيك في هذا؟» قال: يا رسول الله، هذا الرجل من فقراء المسلمين، هذا حَرِيٌّ إن خطب لا يُنكح، وإن شَفَعَ لا يُشَفَّع، وإن قال لا يسمع لقوله. فقال (¬١) رسول الله ﷺ: «هذا خيرٌ من ملء الأرض مثل هذا» (¬٢). فصار الناس على أقسام: منهم من تقبل شفاعته في الدنيا، ويسمع كلامه، وفي الآخرة لا تقبل شفاعته، ولا يسمع كلامه. ومنهم من لا تقبل شفاعته في الدنيا، ولا يسمع كلامه، ولا يعرف مكانه، وفي الآخرة تقبل شفاعته، ويسمع كلامه، ويعرف مكانه. ومنهم من لطف الله به بقدرته القاهرة، فتقبل شفاعته، ويسمع كلامه في الدنيا والآخرة، (ومنهم من لا تقبل شفاعته، ولا يسمع كلامه في الدنيا ولا في الآخرة) (¬٣). فالأول: هو الفقير الضعيف الحال، المتعفف عن السؤال، الصادق في الأقوال والأحوال؛ فشفاعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يوم القيامة لأصحاب الذنوب الكبائر، والأولياء يشفعون في أصحاب الذنوب الصغائر؛ كل منهم يشفع على قدر منزلته عند الله سبحانه، وهذا له أصل في الشرع، قال الله تعالى إخبارًا عن المشركين: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١]. هذا إذا رأى الكفارُ المؤمنينَ يشفعون، ويقبل الحق شفاعتهم، وفي الخبر أن الله سبحانه يُشَفِّع الفقراء فيمن أحسن إليهم؛ ولذلك قال النبي ﷺ:

«اتخذوا مع الفقراء أيادي؛ فإن لهم يوم القيامة دولة، وأيَّ دولة» (¬١)، عرَّفَ العبادَ بمراتبهم. فانظر رحمك الله! إلى بركة الطاعة كيف تعود بركتها عليك، وعلى أصحابك وأقاربك ووالديك حين يرفعهم (¬٢) الله يوم القيامة إليك ليقر بهم (¬٣) عينيك، وكذلك يرفع الولد لوالديه في الجنة وإن لم يبلغ الولد بعمله إلى تلك المنزلة؛ تكرمًا من الحق سبحانه وتفضلًا، ولم ينقص من مرتبة الأبوين شيئًا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]. والولد الطفل يوضع في ميزان أبيه يوم القيامة، ويشفِّع الله تعالى الآباء في الأبناء، والأبناء في الآباء؛ ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١]. قال قائل: كيف نعمل بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، وبقوله سبحانه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٦]، وكل أحد يقول يوم القيامة: نفسي نفسي؟ هذا كله في ابتداء الأمر؛ لا يشفع أحد في أحد، ويفر كل واحد من أهله وأصحابه وأقاربه وأحبابه، حتى يأذن الله بالشفاعة لمن يشاء ويرضى، وقوله: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] أي: لا يشفع المؤمن في كافر. رأى بعض الصالحين في سياحته شابًّا في سفح جبل وعليه أثر القلق، فسأله عن حاله فقال: عَبْدٌ آبِقٌ من سيده. قال: فقلت له: تعلق بمن يشفع لك عنده. فقال الشاب: كل الشفعاء يخافون منه. فقلت له: من هو؟ قال:

سيدي رباني صغيرًا، وعصيته كبيرًا، وَاحَيَائِي منه! وصرخ صرخةً، وخرَّ إلى الأرض ميتًا، فخرجت عجوز من مغارة على سماع صوته، فرأته ميتًا، فقالت: من أعان على قتل ولدي اللابس الأحزان؟ فقلت لها: أقيم حتى أعينك عليه. فقالت: دعه بين يدي قاتله؛ حتى يرى مصرعه فيرحمه (¬١).

ع صوته، فرأته ميتًا، فقالت: من أعان على قتل ولدي اللابس الأحزان؟ فقلت لها: أقيم حتى أعينك عليه. فقالت: دعه بين يدي قاتله؛ حتى يرى مصرعه فيرحمه (¬١).

باب ما يبتدع في الوصيَّة وما على الوصِيِّ التارك لها من الذنوب والخطيَّة وما له إن عمل بوصيته من الأجر والعطيَّة فتأخيرها من غير عذر بدعة رَدِيَّة، ومصيبة في الدِّينِ وبلِيَّة، فلا تتهاون رحمك الله في هذه القَضِيَّة، فقد نصحتك غاية النصح، فاقبل مني هذه الهدية، فقد جاء في الحديث: «إن النصح من الإيمان» (¬١). صحَّ ذلك عن خير البريَّة ﷺ وعلى آله وأصحابه المتشبهين بالنجوم المضيَّة، أهل الدين والكرم والشجاعة والأخلاق الرضيَّة. ثم اعلم بأن الوصية رحمة من الله تعالى لصاحبها ولمنفذها، وهي نفع متعدِّي، وهي بالإجماع من أفضل الأعمال، وبسببها وصل إلى الله سبحانه الأولياء والعمال. والإجماع من أقوى الحجج؛ لأنَّ أمة محمد ﷺ لا تجتمع على بدعة ولا ضلال، بل تجتمع على الحق، وعلى ما يرضي الكبير المتعال، فينبغي إخراجها على الفور، ليرحم بها أصحابها، وينتفع بها الفقير وصاحب العيال. ثم اعلم بأن للتأخير آفات، ولذلك قال المولى: ﴿وَسَارِعُوا﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وفي آيةٍ أخرى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: ٤٨].

وصاحب العيال. ثم اعلم بأن للتأخير آفات، ولذلك قال المولى: ﴿وَسَارِعُوا﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وفي آيةٍ أخرى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: ٤٨].

فرحم الله من عمل بما سمع من الأخبار والآيات، واجتهد في تحصيل الأجر والحسنات، واغتنم المهلة والصحة وهذه الأوقات، من قبل أن يقال: «لا رحم الله فلانًا فإنه قد مات»؛ وذلك لقلة أمانة الوَصِيِّ، ولتأخيره لهذه الخيرات، أو لظلمه وأكله هذا التراب، (وقَّع الله سبحانه المبْغَضَةَ في قلوب العباد فورث منهم هذا الميراث؛ لأن) (¬١) الظالم مبغوضٌ عند أهل الأرض وسكان السماوات؛ لما جاء في الحديث الصحيح: «إن الله سبحانه إذا أحب عبدًا يقول لجبريل ﵇: يا جبريل، إني أحب فلانًا فأحبه، وناد في السماء: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، ثم توضع محبته في الأرض» (¬٢). وإذا أبغض عبدًا يقول بعكس ذلك، والحديث مشهور، فمن عمل به نجا، ومن لم يعمل به فهو عبد مغرور. ومما يناسبُ هذا الظلم ما يفعله بعضُ العباد المتشبهين بأهل الجور والظلم والعناد، الراضون لأنفسهم بسخط من لا يخلف الميعاد في مكة خير البلاد: من أكل الوقوفات بغير حقٍّ، وتعطيل المدارس وسكناها بالأهل والأولاد، يفعلون هذه المصائب ويزعمون أنَّهم على شيء، وأنَّهم من جملة الأولياء والعباد، فَمَنْ عمل المعصية والظلم في خير البقاع وأشرف الأراضي فالحقُّ سبحانه عنه ليس براضٍ، قال المولى الكريم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. هذا حال من همَّ بالظلم، فكيف يكون حال من ظلم؟ فاحذر الظلم أيها الطالب! لكي تبلغ المطالب والإرب، وعظِّم المكان لأجل صاحبه، ولا تكن قليل الأدب، فتلقي نفسك (للمهالك

والعطب) (¬١)، وتحشر يوم القيامة في زمرة من ظلم، فتستوجب من الله اللعنة والغضب، فقد ورد في الكتاب المكنون أن الظالم ملعون، فاسمعوا أيها المؤمنون قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. وهذا المكان الشريف وضع لحط الذنوب لا لحملها، وفعل الذنب بمكة شديد، وإثمه أكيد؛ لكونه في حضرة الله تعالى وفِنَاء بيته، وأي شيء أعظم من مبارزة الملك في (حرمته، ومخالفته في محل) (¬٢) حضرته، لكن ما أسرع نفوس الغافلين إلى قبول البدعة، ونبذ السنة، وما أشد تفريطها فيما هي مكلفة به ومسئولة عنه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. وقد صحَّ عن جماعة من الصحابة ومن تابعهم من السادات أن السيئة تضاعف بمكة المشرفة كما تضاعف الحسنات (¬٣). وقد أجمع العلماء والعباد أن سبب سوء الخاتمة هو من ظلم العباد، وقالوا: ليس شيء بعد الإيمان أعظم أجرًا من نفع المسلمين، وليس شيء بعد الكفر أعظم ذنبًا من أذية المؤمنين (¬٤). فأفق من سكرتك أيها المسكين! قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨]. وقد ورد في الأخبار عن النبي المختار صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه السادة الأخيار، أنه قال: «من آذى مسلمًا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فليتبوَّأ مقْعَدَه من النار» (¬٥).

لله عليه وعلى آله وأصحابه السادة الأخيار، أنه قال: «من آذى مسلمًا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فليتبوَّأ مقْعَدَه من النار» (¬٥).

فمن أخَّر الوصية فقد آذى صاحبها؛ لأنه أخَّر الرحمة عنه، فحينئذٍ يخاف على هذا الوصي أن لا يُرحم، ولا يُحشر في زمرة كل صالح وولي؛ لتشبهه بكلِّ معتدٍ وظالمٍ وشقيٍّ. وما أردنا بهذا التطويل إلا لكثافة الظالم، ولطبعه الثقيل، ألا تراه كيف يعمل على ذهاب دينه؟ فيخالف الرب الجليل، ويتجنب الحق، وإلى الظلم والباطل يميل. ثم اعلم بأن الوصية أمانة، فمن أخَّرها بغير عذر أو طمع في شيء منها؛ خرج عن السنة، ووقع في البدعة والخيانة، ولم يتشبه بأهل الخير والديانة، فيخاف عليه أن لا يرزقه الله أمانه، قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]. والخيانة من صفة العبد المنافق، ولأجل ذلك تبرأ منها المؤمن الموافق خوفًا من بعده عن النبي ﷺ، ومن غضب الخالق، قال صلوات الله عليه وسلامه: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (¬١)، وفي حديث آخر: «من تشبَّه بقوم فهو منهم» (¬٢)، وقال ﷺ: «آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كَذَب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» (¬٣) رواه البخاري، وفي صحيح مسلم: «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم» (¬٤)، فينبغي للمؤمن أن يعمل على سلامة إيمانه بطاعته لله ولرسوله، وبنصحه لإخوانه. قال ﷺ: «الدين النصيحة، الدين النصيحة». قالوا:

م وصلى وزعم أنه مسلم» (¬٤)، فينبغي للمؤمن أن يعمل على سلامة إيمانه بطاعته لله ولرسوله، وبنصحه لإخوانه. قال ﷺ: «الدين النصيحة، الدين النصيحة». قالوا:

لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» (¬١). فمن علم أن الدين النصيحة وغشَّ؛ يقع الخلل في دينه، ويصير يوم القيامة في بلية وبعدٍ وفضيحة، قال ﷺ: «من غشَّنا فليس منا» (¬٢). فانظر رحمك الله! إلى شؤم حال الغاش المخذول، كيف حُرم الوصول، وتبرأ منه الرسول، قال صلوات الله عليه وسلامه: «من غش أمتي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (¬٣)، وفي حديث آخر: «من أصبح لهم غاشًّا لم يشمَّ رائحةَ الجنة» (¬٤). فيجب على المؤمن أن يكون ناصحًا لإخوانه المسلمين لحيِّهِمْ وميتهم (¬٥)، يفرح لمحسنهم، ويستغفر لمسيئهم، ويوقر كبيرهم، ويرحم صغيرهم، ويريد لهم ما يريد لنفسه، لا يظلمهم، ولا يخونهم، ولا يغشهم، ولا يغتابهم، ولا يحقرهم، ولا يخذلهم، ولا يسخر منهم، ولا يهزأ بهم، ولا يشمت بمصابهم، ولا يسبهم بغير حق، ولا يلعنهم لزللهم، ولا يكفِّر أحدًا منهم بذنب، ولا يحسدهم إلا على فعل الخير؛ ليكون شريكهم في الحسنات، وفي ارتفاع الدرجات، ويعود مرضاهم، ويشيع جنائزهم، ويصلي عليهم، ويحضر دفنهم، وإن غابوا حفظ منازلهم، وكذلك في الشهادة: إن أراد أن يموت مسلمًا وله في سكنى الجنة إرادة؛

Bagian 11 dari 15