— Bagian 10 · اء به كتاب الله تعالى وبما صح من رسول الله ﷺ، وم… —
Bagian 10
اء به كتاب الله تعالى وبما صح من رسول الله ﷺ، وما تشابه منه وَكَلُوا أمره إلى الله تعالى (¬١). فسلكوا فيه طريق الأولياء، فزكَّى الله سبحانه أقوالهم،
وتقبل أعمالهم وسلمها من البدعة والسمعة والرياء، فغرق في هذا البحر أناس كثيرون، وهوى بهم ما هوى؛ قال ﷺ: «تفكروا في آلاء الله، ولا تتفكروا في ذاته» (¬١). وكان ﷺ يقول: «لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (¬٢). وسئل أبو حنيفة ومالك رحمة الله عليهما عن الاستواء: كيف استوى الله سبحانه على عرشه؟ فقالا: الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة (¬٣). فأمسكا عن ذلك مع علمهما وقوة إيمانهما، وتكلمت فيه هذه الطائفة الخبيثة مع ضعفها وجهلها. وسئل أبو حنيفة: من هو أهل السنة؟ قال: من قدم الشيخين وأحب الحسنين وفي رواية: وأحب الختنين، يعني عثمان وعليًّا ورأى المسح على الخفين، ولم يكفِّر أحدًا بذنبٍ، ولم ينطِقْ في الله بشيء. ثم اعلم بأن النبي ﷺ وأصحابه ﵃ أجمعين لم يتكلموا في مثل هذا ولا التابعين، ولن (¬٤) يسأل الله تعالى عبده يوم القيامة عن حقيقة
الاستواء والكلام والنزول، بل يكتفي الديان من العبد بالإيمان؛ يؤمن بذلك كله. وقد أجمع العلماء أن العرش والكرسي مخلوقان، أفيخلق شيئًا ثم يحتاج إليه؟! فمن اعتقد ذلك فقد افترى عليه؛ فثبت أن هذا عند أهل البصيرة محال، فاتركه وخف من شديد المحال، فالخوض في مثل هذه الأشياء يجر إلى التعمق في الدين، وهو مفتاح الضلال، ومن جملة ما نهينا عنه من الجدال، وكان سبب هلاك الأمم الماضية، فاحذر من هذه الداهية، واكتف بما ثبت من السنة المباركة الماضية، قال ﷺ: «المتمسك (¬١) بسنتي عند فساد أمتي له أجر مئة شهيدٍ» (¬٢) فتمسك بها، وعض عليها بالنواجذ؛ لتنجو غدًا من الكرب والشدائد، فقد جاء في الحديث الصحيح: «من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (¬٣). دخل الزهري على أنس بن مالك بدمشق فوجده يبكي، فقال: ما يبكيك؟ فقال: ما أعرف شيئًا على عهد رسول الله ﷺ، إلا وقد أنكرته اليوم (¬٤). فيجب على المسلم التمسك بالسنة لكي تدركه المنة؛ قال ﷺ: «من أحيَى سنتي كان معي في الجنة» (¬٥). فلا يتكلم المسلم في الله وصفاته، ولا يناظر أحدًا في ذاته؛ فقد جاء في الحديث الصحيح: أن هلاك هذه الأمة إذا تكلمت في المولى القدير الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (¬٦)، فيقتصر الإنسان على القرآن
في ذاته؛ فقد جاء في الحديث الصحيح: أن هلاك هذه الأمة إذا تكلمت في المولى القدير الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (¬٦)، فيقتصر الإنسان على القرآن
والخبر، ولا يتكلم في شيء من القدر، فإنه طريق مظلم، وهو سرٌّ من أسرار الله تعالى، لم يطلع عليه أحد، وهو بدء إشراك الأمم الماضية، وكان ﷺ يخر ساجدًا إذا سمع ما يتعالى الله ﷿ عنه (¬١). ولا يبحث فيه، ولا يجيب السائل إلا بمثل ما جاء في القرآن، ويقتصر على ظاهره، وما أُبْهِمَ علمه، يَكِلُه الإنسان إلى الله تعالى؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] رحمةً منه وفضلًا، فمن تكلف وخاض فيه أدخله النار جزاء وعدلًا، ويقتصد المؤمن في الأعمال الصالحة، ولا يكره نفسه طاعة الله، وهذا هو الصراط المستقيم. قال ﷺ: «القَصْدَ، القَصْدَ، تبلغوا» (¬٢). فإن قال قائل: قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: ٤٨]، وفي
آية أخرى: ﴿وَسَارِعُوا﴾ [آل عمران: ١٣٣]، فاعلم رحمك الله أن المسارعة هي المتابعة، فينبغي للمؤمن أن يسأل الله تعالى أن يرزقه المتابعة، ويحرسه مما يخطر بباله من هواجس النفس، وشبهات الدين، ومما خيل في ضميره مما تنفيه عظمة الله سبحانه، فإن الحق تعالى بخلافه، فيستغفر الله منه؛ فإنه من الشيطان. فإن صحَّ ما تقدم ذكره عن المرازقة (¬١)، فهي أفعال غير لائقة، تمنع من دخول الجنة، وإلى النار سائقة؛ لأنه خرج عن الطريق وعصى خالقه، فأعمالهم أعمى لهم، وأفعالهم أفعى لهم، وهي كاسدة غير نافقة، اسمعوا أيها المرازقة: إن من شرط المرافقة الموافقة. قال ﷺ: «من ترك سنتنا فليس منَّا … » (¬٢) الحديث. فعليك أيها المؤمن! بالمتابعة، ودع عنك المنازعة، فالمتابعة تثبت الاتصال، وعدمها يثبت الانفصال، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
منازعة، فالمتابعة تثبت الاتصال، وعدمها يثبت الانفصال، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. فلما عمل سلمان الفارسيُّ بالسنة سبق العجم إلى الجنة، وبلال لأجل اتباعه سبق الحبشة؛ فله الفضل والمنة؛ ولأجل ذلك سبق صهيب الروم، وأبو طالب لخروجه في الحضرة وهو محروم، فقربت المتابعة هؤلاء العبيد للنبي ﷺ وللمولى المجيد، وبعدت المعاصي والبدع بين النبيين وأولادهم وأزواجهم، فسبحان الفعال لما يريد. وقد ذم الله أقوامًا ولعن آخرين؛ لخروجهم عن طريق (¬٣) أنبيائهم، ولم يتبعوا حكم الكتاب، فاعتبروا يا أولي الألباب؛ بما أصاب غيركم من شؤم
البدعة ما أصاب. ونسأل الله التوفيق وإليه المرجع والمآب. ثم اعلم بأن انتشار البدع من علامات الساعة. فيجب على ولاة الأمر ومن كان قادرًا أن يجتهد في زوال البدع، فهو جهاد في سبيل الله تعالى، ورَدُّ العبيد للمولى المجيد، قال ﷺ: «يا علي لأنْ يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك مما طلعت عليه الشمس» (¬١). وفي الجملة: إن الأمر بالمعروف يقرِّب للرب الرؤوف (¬٢).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل فيما يبتدع إذا التقى الرجلان فلا يصافح أحدهما صاحبه، ولا يسلم عليه، بل يقول: أبقاك الله، والباقي هو الله. وهذا سلام الدَّهرية، وليس هو بتحية؛ لمخالفة السُّنة المرضية (¬١). أو يحط كل واحد منهما يده في الهواء ويقبلها، وهذا سلام النصارى والكُتَّاب، وهو مخالف للسنة والكتاب، وأنحس من ذلك: حط اليد على الأرض وتقبيلها، وأكثر ما يفعله اليهود، فلا يتشبه بهم إلا العبد المبعود.
ومن البدعة: الانحناء وبوس الأرض بين أيدي الأمراء والكبراء، وأتعس من ذلك كله: السجود للمشايخ والفُقراء (¬١) وهذه كانت تحية الأمم السالفة، وهي لسنة النبي ﷺ مخالفة. فمن سجد لأحد لأجل التكريم فهو شديد التحريم، فإن نوى بسجوده لشيخه يخاف عليه الكفر، ويقال لهذا الساجد: (¬٢) (الإله واحد ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١]. تحرم أيضًا المعانقة للأمرد الحسن الوجه، وتقبيل الخدود، فاسمع وأطع ولا تتعد الحدود، وأما مصافحة الصبي الحسن الوجه والنظر إليه ففيه خلاف للعلماء: فبعضهم حرم النظر إليه بغير حاجة بشهوة وبغير شهوة؛ خوفًا من الفتنة؛ ولأنه بمنزلة النساء (¬٣). وعند بعض العلماء: لا يحرم ذلك إلا بشهوة (¬٤). وفي نقض الوضوء من لمس الأمرد نزاع، فاعمل على تركه، وعليك بالاتباع، فمن أذهب الله تعالى عن قلبه الغفلة والعمى اجتهد في الخروج من خلاف العلماء، قال ﷺ: «ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر الله لهما قبل أن يفترقا» (¬٥). وفي حديث آخر: «إذا التقى الرجلان فتصافحا نزلت بينهما مئة رحمة: تسعة وتسعون لأبشِّهما وجهًا لصاحبه» (¬٦).
فحان إلا غفر الله لهما قبل أن يفترقا» (¬٥). وفي حديث آخر: «إذا التقى الرجلان فتصافحا نزلت بينهما مئة رحمة: تسعة وتسعون لأبشِّهما وجهًا لصاحبه» (¬٦).
وقوله: «الرجلان»: احترازًا من المرأة الأجنبية ومن الأمرد الجميل؛ فإن مصافحتهما لا ترضي المولى الجليل؛ لأن النفس تلتذُّ برؤيا الشاب الجميل وبمصافحته وبكلامه وبخلوته، فاقصر ولا تطيل (¬١). ومن السنة أن يلقى الإنسان أخاه المسلم الطائع ببشاشة (¬٢)؛ لقوله ﷺ: «لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» (¬٣). وقوله في الحديث المتقدم: «تسعة وتسعون لأبشهما». كان بعض الصالحين إذا لقي أخاه يسلم عليه ولا يبش في وجهه، فقيل له في ذلك، فقال: حتى يذهب هو بتسعة وتسعين رحمة، وأنا أذهب بفرد رحمة. فانظر رحمك الله إلى أهل الخير كيف يؤثرون إخوانهم على أنفسهم بالآخرة، ونحن نبخل عليهم بالدنيا، ونبتدع بقول آخر نقول: إن الدنيا كلها لا تسوى عند الله جناح بعوضة. وقد شغل بعضها كلنا، ونحسد أخانا المسلم على جزء منها، فنرى العبد الممقوت يقول: إن الموت قريب، ويعمل عمل من لا يموت. قال الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣].
فإن قال القائل: فإذا التقى الرجلان، وهذا أبشَّ في وجه صاحبه والآخر أبشَّ؟ قال العلماء: لكل واحد تسعة وتسعون حسنة. وابتداء السلام سنة، وكذلك المصافحة. وأمَّا المصافحة في الصلاتين بعد صلاة العصر وبعد صلاة الصبح فبدعة من البدع التي استوى طرفاها لا أصل لها في الشرع، واختار بعض العلماء تركها؛ لأنها زيادة في الدين. ويستحب الدعاء عقيب الصلوات ولا يُسن، فإن كان بعد الصلاة سنة فالأولى أن يشتغل بالسنة؛ لأنها أرفع درجة من المستحب. وأما السجدة يوم الجمعة في أول ركعة من صلاة الصبح فلم يواظب النبي ﷺ عليها، بل فعلها في وقت وتركها في وقت، فمن فعل ذلك فهو أقرب للسنة. وهذا قول المؤلف، فإن كان خطأ يرد عليه، وإن كان صوابًا فلله الحمد والمنة (¬١).
بي ﷺ عليها، بل فعلها في وقت وتركها في وقت، فمن فعل ذلك فهو أقرب للسنة. وهذا قول المؤلف، فإن كان خطأ يرد عليه، وإن كان صوابًا فلله الحمد والمنة (¬١).
وتحرم المصافحة للنساء الأجنبيات وللشاب الجميل بشهوة، وتكره المصافحة للظَّلمة وأعوانهم، وللفسقة وإخوانهم، والكفار بطريق الأولى، والأولى أن لا ينظر الإنسان إليهم؛ لأنهم ساقطون من عين الله تعالى، فنظرهم يعمي القلوب، ويبعد (¬١) عن علام الغيوب. ولا يسلم على من كان مشغولًا بقراءة، وبخطبة، وذكر، وأذان، وبدرس، وإقامة صلاة، أو كان مشغولًا ببول أو جماع وما يشبه ذلك، كمن هو مشغول بالتلبية، أو مستغرق في الأدعية، فإن سلَّم لا يستحق جوابًا، وفي بعضها خلاف. ويسلم على النسوة إذا كن جماعة، ويجوز السلام على العجوز وإن كانت منفردة، ومن يجوز السلام عليه تجوز مصافحته إلا المرأة الشابة الأجنبية فلا يجوز السلام عليها، ولا يجوز مصافحتها، ولا الخلوة بها (¬٢). ومن كُرِه سلامه كُرِه مصافحته، فكَرِه بعض العلماء ابتداء أهل الذِّمة بالسلام، وقال بعضهم بتحريمه، فإن سلموا فيردُّ المسلم عليهم بقوله: وعليكم (¬٣).
ولا يسلم المسلم على مَنْ كان مجموعًا على الباطل؛ كشرب خمر، أو لعب نرد وشطرنج وقمار، وما يشبه ذلك، فإن سلموا هم أولًا يردُّ عليهم. ويجوز أن يدعو لهم لأجل الأخوة، وإن كان الأخ قليل الدين والمروءة. وأما الفاسق المعلن بفسقه ومن كان مجموعًا على بدعة فلا يسلم عليهم) (¬١)، ولا يردُّ عليهم¬ السلام إذا سلموا. وروي أن النبي ﷺ مرَّ على جماعة نسوة فسلم عليهنَّ (¬٢)، وعلى الصبيان فقال: «السلام عليكم يا صبيان» (¬٣). ويبتدئ المسلم بالسلام لمن لم يجز السلام عليه دفعًا للضرر وللحاجة إليه، والسلام سُنة على القريب والغريب. وإذا دخل الرجل بيته يسلم على أهله، فإن لم يكن فيه أحد يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. فإن اجتمع بقوم يسلم عليهم، وكذلك إذا فارقهم. والإشارة بالإصبع من دأب اليهود، وبالكف من عادة النصارى،
والجثي على الركبة من أخلاق التَّطَر (¬١)، وبوس الأرض ما جاء فيه خبر، ومَن انحنى في سلامه لم يتبع الأثر، ومَن سجد لغير الله فقد كفر، ومن قال لظالم: أبقاك الله! فقد رضي بأن يُعصى الله في أرضه. ومن السنة أن لا يمدح الرجل في وجهه، ولا يغلو فيه عند غيبته، ويقول الممدوح: اللهم اجعلني خيرًا مما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، فابتداء السلام سنة، ورده فريضة من فروض الكفاية، إذا قام به واحد سقط عن الباقين وحرموا أجر العاملين، فإذا قال واحد منهم: وعليك السلام سقط الفرض عن الكل ولهذا عشر حسنات، فإن قال: ورحمة الله. له عشرون حسنة، فإن قال: وبركاته. فله ثلاثون حسنة، وإن زاد زاد الله تعالى في حسناته. ولا بأس أن يكرم أهل العلم والزهد والورع بالسلام وبتقبيل اليد والقيام، ولا يفعل ذلك لأهل الفسق والظلم والبدع والآثام. ولا يفعله تعظيمًا للدنيا وأهلها فإنه حرام. قال ﷺ: «من تواضع لغنيٍّ لأجل غناه ذهب ثُلثا دِينه» (¬٢). قال المؤلف: إن صحَّ هذا الحديث ففيه صعوبة على كثير من الناس، ومن تواضع لغني لأجل دينه لا يكون آثمًا؛ لأنه تواضع لأجل مولاه لا لأجل غناه.
ِينه» (¬٢). قال المؤلف: إن صحَّ هذا الحديث ففيه صعوبة على كثير من الناس، ومن تواضع لغني لأجل دينه لا يكون آثمًا؛ لأنه تواضع لأجل مولاه لا لأجل غناه.
وروي أن رجلًا دخل على النبي ﷺ فقال لأصحابه: «قوموا لسيدكم» (¬١). وكان ﷺ يكره أن يقام له، وأيُّ مكانٍ وجَدَ فيه فُرجةً جلس فيه (¬٢).
فصل فيما أعد الله تعالى للمسلمين الحيارى الذين يُوَلُّونَ (¬١) اليهودَ والنصارَى قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. قال بعض المفسرين: هو كافر مثلهم (¬٢). وقال بعضهم: لا يكون من الكفار، لكن يحشر معهم في النار (¬٣). فمن أكرمهم ووَلَّاهم خرج عن السنة وعن طريق الأتقياء، ودخل في طريق الأشقياء؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. ولقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]، وقال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]. معنى الآية: أي من يفعل ذلك فقد برئ من الله تعالى وفارق دينه، ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ أي: إذا خاف المسلم على نفسه وماله
ى الآية: أي من يفعل ذلك فقد برئ من الله تعالى وفارق دينه، ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ أي: إذا خاف المسلم على نفسه وماله
فله أن يداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان. قال الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، أي: يخوفكم الله على موالاة الكفار عذاب نفسه (¬١)، كأنه قال: ويحذركم الله إياه. رُوي أن أبا موسى الأشعري ﵁ رفع حسابًا لعمر بن الخطاب ﵁ فأعجبه وقال: ادع كاتبك يقرأه. قال: إنه لا يدخل المسجد. قال: أوَليس هو مسلمًا؟ قال: لا. قال: لا تؤمنوهم بعد إذ خوَّنهم الله، ولا تعزوهم بعد إذ أذلهم الله، ولا تصدقوهم بعد إذ كذبهم الله (¬٢). ورُوي أنه قال لأبي موسى: قاتلك الله، أما سمعت قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. ثم خَذَفَه بالدرة (¬٣) فلو أصابته لأوضعته (¬٤).
(وكتب إليه خالد بن الوليد ﵁: إنَّ بالشَّام نصرانيًّا لا يصلح خِراج الشام إلا به) (¬١). فكتب إليه عمر ﵁: لا تستعمله، فكتب ثانيًا: أنه ليس لنا منه بدٌّ. فكتب ﵁ إلى خالد: مات النصراني والسلام. فصرف خالد النصراني (¬٢). ثم اعلم أن من علامة حب الله تعالى أن لا تكرم عدوه، فمن أكرمهم أهانه الله، ومن أعزهم أذله الله، قال الله سبحانه في كتابه الذي خذل به الباطل وهدَّه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١].
رأى رجل الخليفة قد قرَّب رجلًا نصرانيًّا، فقال: أتأذن لي بالكلام يا أمير المؤمنين؟ فأذن له، فقال هذه الأبيات: أيا إمامٌ حكمه لازم … وحبه مفترض واجب إن الذي شرفت من أجله … يزعم هذا أنه كاذب وأشار بيده نحو النصراني، فقال الخليفة للنصراني: أنت تزعم أن جدي كاذب؟ قال: لا يا أمير المؤمنين. ثم (أتى النصراني) (¬١) بالشهادتين، فقال الرجل للخليفة: ألست تعلم أنه أسلم خوفًا من هيبتك؟ قال: نعم. قال: فإسلامه نفاق؛ فإذًا لا يصلح أن يكون للخليفة من الرفاق. فطرده الخليفة (¬٢). فذهب لا هو بدينه، وذهبت دنياه. وهذا حال من خذله مولاه، فمن رضي بالله ربًّا وبمحمد ﷺ رسولًا وبالإسلام دينًا فلا يتخذ يهوديًّا، ولا نصرانيًّا كاتبًا ولا خازنًا ولا أمينًا، فمن فعل ذلك كان لدين الإسلام مهينًا، فقد أخطأ الطريق وما أصاب يقينًا، وأكثر ما يقع في هذه المصائب الولاة والأمراء، ونسأل الله تعالى الهداية وحُسن الخاتمة لنا ولهم وللمسلمين أجمعين، وكان الله على كل شيء مقتدرًا. ثم اعلم بأنه يجب على المسلم أن لا يولي على إخوته المسلمين كافرًا، ولا مسلمًا ظالمًا ولا فاسقًا، فإن فعل فقد أعان الظالم على ظلمه، وقوَّى الفاسق على فسقه، وأعان الكافر لتوليته على إخوانه، وأذلَّ المؤمن مع وجود إيمانه. وجاء في الأخبار: «يقول الحق سبحانه يوم القيامة: أين الظلمة وأعوان الظلمة؟ فيجعلون في توابيت ويلقون في النار» (¬٣).
نه، وأذلَّ المؤمن مع وجود إيمانه. وجاء في الأخبار: «يقول الحق سبحانه يوم القيامة: أين الظلمة وأعوان الظلمة؟ فيجعلون في توابيت ويلقون في النار» (¬٣).
وكذلك إذا ولَّى على المسلمين مبتدعًا أو فاسقًا فقد غشهم، وقال ﷺ: «من غشنا فليس منا» (¬١). لأن المبتدع يجر الناس لبدعته، والفاسق يكلفهم حضور المحرمات لأجل معصيته، فإن شكر المسلم كافرًا بقوله: عندي نصراني صادق أمين، وهو خير من كثير من المسلمين. يكفر وتحرَّم عليه زوجته (¬٢)، والعياذ بالله رب العالمين، ولا بد من تجديد النكاح إذا جدد
إسلامه عند أبي حنيفة ﵁، (وفي ذلك خلاف للعلماء) (¬١)، فإن كفر الزوج والزوجة معًا ثم جدد الإسلام؛ فلا يحتاج لتجديد النكاح. ونسأل الله تعالى الحراسة في الأفعال والأقوال، وأن يجعلنا من أهل الدين والصلاح، ويرزقنا حسن الخاتمة والسَّماح؛ لأن الشرع إذا حكم بكفر المسلم تحرُم عليه زوجته، فيكون قد فارق ربه، ونبيه ودينه وزوجته، فإن ندم على فعلته، وتاب من زلته، وجدد إسلامه؛ تاب الله عليه، ورجع كل من فارقه إليه.
وقال أبو حنيفة: فإن تاب المسلم عن هذه المقالة تقبل الله أعماله، ويكون أيضًا نادمًا على هذه الفعلة ليوم القيامة، فيجدد إسلامه ونكاحه، فيعجل الله خيره وفلاحه. قال ﷺ: «أفضل الأعمال ثلاث: إنصاف المؤمن نفسه، ومواساة الأخ في ماله، وذكر الله تعالى على كل حال» (¬١). أنصفنا أيها المؤمن! من نفسك، فإذا ثبت عندك أن رجلًا يبغض دين الإسلام ولا يحب النبي ﷺ؛ أفتكرمه لأجل فعلته هذه غاية الإكرام فتجلسه في مكان مرتفع والمسلمون وقوف بين يديه كالخدام؟! قال المؤمن: كيف أكرم من يبغض ديني، ويكذِّب نبيي، وهما عندي أحب إليَّ من نفسي وأهلي والأموال والأنعام! فقم أيها المؤمن! بما قلته من الكلام، ولا تولِّ على أمور المسلمين يهوديًّا، ولا نصرانيًّا، ولا راهبًا، إن كنت في الجنة راغبًا، ولله ولرسوله محبًّا طالبًا، فقد غدا كل أمير بهذه البلوى ناشبًا (¬٢) إلا من حرسه الله تعالى، ولم يردُّه من كرمه خائبًا. ثم اعلم بأن اليهود والنصارى من خبثهم ولعانتهم في ابتداء أمرهم
غدا كل أمير بهذه البلوى ناشبًا (¬٢) إلا من حرسه الله تعالى، ولم يردُّه من كرمه خائبًا. ثم اعلم بأن اليهود والنصارى من خبثهم ولعانتهم في ابتداء أمرهم
يتخدمون ويجتهدون ويظهرون (¬١) النصح لمخدومهم؛ فإذا ثبت ذلك عنده فعلوا ما أرادوا من الخيانة، وخيارهم لا يرى النصح ويأكل البرطيل (¬٢)، وما شهدنا إلا بما علمنا، فأقصر ولا تطيل. فمن سلامة صدر المسلم يزعم أنه ناصح له فيحبه ويولِّيه، ويقول: عندي كاتب صادق أمين، فيسقط بقوله وفعله من رحمة رب العالمين؛ فقد كذَّبهم الله تعالى ورسوله ﷺ وخوَّنهم، فيحرم على المؤمن أن يولِّيهم أو يصدقهم ويزكيهم. فكل من أكرم النصراني أو اليهودي (ما يكرمهم إلا لأجل ما ولاهم الأمير، وخوفًا من لعانة هؤلاء الخنازير) (¬٣)، فيكون مجموع الإثم من أكرمه وولاه. فالله الله من تعظيمهم وتزكيتهم ومحبتهم، عباد الله! ونهى عمر بن الخطاب في خلافته التُّجار أن يجلبوا شيئًا من علوج النصارى إلى مدينة النبي ﷺ المختار، لعلمه بلعانتهم وخيانتهم، وكان عبدُ المغيرةِ عِلْجًا من علوج النصارى، فشكاه المغيرة لعمر، فأغلظ عمر على العلج الكلام، فغضب العلج، فسنَّ سكينًا ودخل المسجد يريد الصلاة، وأظهر الدين والأمانة، ثم ظهر منه الجور والخيانة، فضرب عمر ﵁ بالسكين وهو واقف يصلي بالجماعة، وجرح جماعةً من المسلمين. فلما علم أنه مأخوذ قتل نفسه (¬٤).
فانظر إلى فعل دينهم وأمنهم كيف شقَّ بطن خليفة المسلمين، وقتل من الصحابة قومًا آخرين، فجرح ثلاثة عشر رجلًا، وقتل ستة، ثم قتل نفسه؛ هذا فعله وقد أظهر الإسلام وصلى الجماعة خلف الإمام، فلا ينبغي للمؤمنين الأتقياء أن يولوا أحدًا من هؤلاء الأشقياء؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١].
وجاء رجل من أبطال المشركين ليقاتل بين يدي النبي ﷺ فردَّه، وقال: «لم أستعن (¬١) بمشرك» (¬٢)، فلما أسلم قَبِلَه رسول الله ﷺ، وقد ذكرت هذا الحديث مبينًا في باب سبت النور.
فصل: ومن البدعة أيضًا والخزي والبُعاد ما يفعله المسلمون في نيروز النصارى (¬١) ومواسمهم والأعياد من توسُّع (¬٢) النفقة وهذه النفقة غير مخلوفة، وسيعود شرُّها على المنفِق في العاجل والآجل؛ كتكثير الزَّلابية، وكسر البطِّيخ، والتغالي في ألونة الطبيخ، وكصبغ البيض، وشراء البخور؛ ومجموع ذلك لا يرضي المولى الغفور، ويخاف على من وسع في هذه الأوقات النفقات أن يضيق الله تعالى عليه القبور، وأن لا يسلمه من أهوال يوم النشور؛ لتشبهه بهذه الطوائف الملعونة أهل الكفر والفجور، ولتعظيمه عيد هذا الكافر الملعون المغرور.
وقد جاء في الأخبار المتواترة: من أحب قومًا أو تشبَّه بهم حشر معهم في الآخرة (¬١).
لعونة أهل الكفر والفجور، ولتعظيمه عيد هذا الكافر الملعون المغرور.
وقد جاء في الأخبار المتواترة: من أحب قومًا أو تشبَّه بهم حشر معهم في الآخرة (¬١).
ومن قلة التوفيق والسعادة ما يفعله المسلم الخبيث في يومٍ يعرف بالميلادة، فيشتري لأولاده القصب، والشمع، والقفص، والحطب، أو ما يناسبه ويطرحه في النار، فيقع في البدع، ويخرج عن طريق النبي المختار صلوات الله عليه وسلامه آناء الليل وأطراف النهار، وهو في فعلته هذه قد تشبَّه بالكفار، وفيه إضاعة المال وقد نهينا عن ذلك كلِّه، وصحَّ ذلك في القرآن والأخبار؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وهذا إسراف بلا خلاف، ونهى ﷺ أمته عن إضاعة المال، وعن القيل والقال (¬١). فمن ضيع فلسًا في غير مصلحة فهو داخل في النهي؛ لأن الفلس مال، فكيف يكون حال من ضيع ماله، وأنحس عند الله تعالى حاله بمخالفته للشرع الشريف، ولموافقته لكل عبدٍ كافرٍ ومعتدٍ وكثيف؟ رُوي أن عيسى ﵇ ولد في برية خالية، وكانت ليلة شاتية، فأوقد عندها النار، فصار ذلك سنة للكفار. فمن فعل ذلك فقد تشبه بهم، قال ﷺ: «من
كافرٍ ومعتدٍ وكثيف؟ رُوي أن عيسى ﵇ ولد في برية خالية، وكانت ليلة شاتية، فأوقد عندها النار، فصار ذلك سنة للكفار. فمن فعل ذلك فقد تشبه بهم، قال ﷺ: «من
تشبه بغيرنا فليس منَّا». فقد برئ ﷺ ممن يفعل ذلك، ونهى أمته أن يتشبهوا بأهل الكتاب، فاعتبروا يا أولي الألباب، فاسمعوا وَعُوا قول مولاكم: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. قال بعض علماء الحنفية: من فعل ما تقدم ذكره ولم يتب فهو كافر مثلهم (¬١). وقال بعض أصحاب مالك: من كسر يوم النيروز بطيخة فكأنما ذبح خنزيرًا (¬٢). وقال مالك: يكره معهم الركوب في السفن التي يركبونها لأجل أعيادهم؛ لنزول السخط واللعنة عليهم، فتصيب من جالسهم، فيأثم المسلم بمجالسته لهم، وبإعانته لهم بذبحٍ وطبخ، وإعارة دابة يركبونها لمواسمهم وأعيادهم (¬٣). قال عمر بن الخطاب ﵁: لا تدخلوا عليهم في كنائسهم؛ فإن السخطة تنزل عليهم (¬٤). ثم اعلم بأن من جالس الجماعة المرحومة رحمه الله تعالى؛ إذا نزلت الرحمة عليهم أصابت من جالسهم كما جاء في الحديث الصحيح: «يقول الله تعالى لجليس الذاكرين: هم الجلساء الذين لا يشقى جليسهم» (¬٥). وكذلك
من جالس الجماعة الملعونة لعنه الله إذا نزلت اللعنة عليهم أصابت من جالسهم، فلا تجالسهم، ولا تكرمهم؛ فمن أكرمهم أهانه الله، ومن أحبهم أبغضه الله، ولا تطعمهم، ولا تقرضهم شيئًا لكي لا يستعينوا به على معصية الله ﷾، فتكون قد ساعدتهم على المعصية، ولا تتصدق عليهم؛ لما جاء في الحديث: «اختاروا لصدقاتكم كما تختاروا لبناتكم» (¬١). وكان صلوات الله عليه وسلامه يقول (لمن ضيَّفه) (¬٢): «أكل طعامكم الأبرار، وأفطر عندكم الصائمون، وذكركم الله فيمن عنده» (¬٣). وقال أيضًا لبعض أصحابه: «لا تصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي» (¬٤). وقال أبو الليث في حديث يرفعه إلى النبي ﷺ: «من أقرض شارب خمرٍ درهمًا سلط الله على جسده حيَّةً وعقربًا» (¬٥)، ولا يعطي المسلم هذا
طعامك إلا تقي» (¬٤). وقال أبو الليث في حديث يرفعه إلى النبي ﷺ: «من أقرض شارب خمرٍ درهمًا سلط الله على جسده حيَّةً وعقربًا» (¬٥)، ولا يعطي المسلم هذا
شيئًا من الزكاة، ولا من الصدقة؛ لأنه من جملة الفسقة؛ فإن أعطاه جاز، ويكره. أما الجواز فلقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠]. ويكره لمخالفة الحديث (¬١). وكذلك تكره الصلاة خلف الفاسق عند أكثر العلماء (¬٢)، وإن حفظ القراءات السَّبع والسُّنن، وكلَّ كتاب أُنزل من السماء؛ لأن الشرع قد أمرنا بأن نختار لصدقاتنا، فكذلك نختار لصلاتنا؛ لأن الصلاة هي من أفضل الأعمال، وبها نجا العُمَّال. قال صلوات الله عليه وسلامه: «ألا أنبئكم بما يمحو الله به من الخطايا، ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» (¬٣). فتكره (¬٤) الصلاة خلف من هو قليل الدين والمروءة، (وإن قام في مقام النبوة) (¬٥). قال ﷺ: «أئمتكم شفعاؤكم، فانظروا بمَنْ تَسْتشْفعوا» (¬٦).
وتجوز الصلاة خلفه؛ لأجل الإيمان، وقراءة القرآن، وأتى بجميع الأركان، قال ﷺ: «صلوا خلف كل برٍّ وفاجر» (¬١)، وفي حديث آخر: «صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله، وعلى من قال: لا إله إلا الله» (¬٢). وعند بعض العلماء: لا تصح الصلاة خلف الفسقة، وهو مذهب سعيد بن جبير (¬٣) ومن تابعه ﵃ أجمعين، فقد اختلف في هذه المسألة أولوا الألباب، والله ﷾ أعلم بالصواب.
وينبغي أيضًا للمؤمن أن لا يجالس أصحاب الأفعال الرَّدية، الخارجين عن الطريق المحمدية: كالظلمة وأعوانهم، وشَرَبة الخمر، ولَعَبة النرد وإخوانهم، والمجتمعين على الباطل واللهو والطرب، حين يطربون ويشربون، فإذا نزلت اللعنة عليهم أصابت من جالسهم، كما قيل: إذا دارت الأقداح واحمرت الوجنات، ذهب الإيمان، وتساقطت الحسنات، ولعنهم الله سبحانه من فوق سبع سموات. وقد جاء في الحديث: «من كثَّر سواد قوم فهو منهم» (¬١). و: «من أحب قومًا حشر معهم» (¬٢). وقال ﷺ: «إن الرحمة لا تنزل على جماعة فيهم قاطع رحم» (¬٣). وفي الجملة: إن الله تعالى يبغض الفسقة، فيجب على المسلم أن لا يحب من أبغضه الله، ولا يصل من قطعه الله، ولا يسلم عليهم، ولا ينظر إليهم؛ لأنهم ساقطون من عين الله سبحانه؛ هذا في مسلم قد بارز بفسقه الواحد القهار، فما بالك بالمجرمين والكفار. وقد أجمع الأئمة على ما شرط عمر بن الخطاب ﵁، وسائر الصحابة أن أهل الكتاب لا يُظهرون أعيادهم وشعائرهم في بلاد
واحد القهار، فما بالك بالمجرمين والكفار. وقد أجمع الأئمة على ما شرط عمر بن الخطاب ﵁، وسائر الصحابة أن أهل الكتاب لا يُظهرون أعيادهم وشعائرهم في بلاد
المسلمين (¬١). فإذا منعهم الشرع، فمن لم ينكر عليهم في إظهار ذلك وشاركهم في شيء من أفعالهم أو ساعدهم بإعارة شيء، أو كثَّر سوادهم حُشر معهم، ولذلك قال بعض العلماء: يصير كافرًا مثلهم (¬٢). ويجب على المسلم أن يحب من أحبه الله تعالى، ويبغض من أبغضه الله، ويعظم ما عظم الله، ويحقر ما حقره، وقد جاء في الحديث: «من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» (¬٣). ويجب على ولاة الأمر وفقنا الله وإياهم وجميع المسلمين لطاعته زجرهم ومنعهم، ويحرم على المؤمن أن يخالطهم في أعيادهم وشعائرهم في كل مكان وزمان، وإن قصد التفرج لا التعظيم؛ لأن تكثير هذا السَّواد يسخط رب العباد؛ لقوله ﷺ: «من كثَّر سواد قومٍ فهو منهم» (¬٤). وإن كان عيسى ﵇ قد أمرهم بهذه المواسم والأعياد لا يحل للمسلم أن يختلط بهم؛ لأنها منسوخة بشريعة الإسلام، ولو كان عيسى ﵇ حيًّا في زمان النبي ﷺ لاتبعه، فكيف وقد أحدثت هذه الطائفة الملعونة الضالة أعيادًا ومواسم من تلقاء أنفسهم؟ وغرَّهم الشيطان، وما أنزل الله بها من سلطان، فهم على الله يفترون ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ
الضالة أعيادًا ومواسم من تلقاء أنفسهم؟ وغرَّهم الشيطان، وما أنزل الله بها من سلطان، فهم على الله يفترون ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ
بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]. فمن كثَّر سوادهم، أو انشرح لأجل ذلك اليوم، أو سافر معهم، أو تجمل لأجل ذلك بالثياب خرج عن السنة والكتاب، وخالف أولي العقول والألباب؛ قال ﷺ: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (¬١). تدبر أيها المبتدع المخذول! حديث الرسول، وافهم ما أقول: من عظم شعائر الكفرة، هو من المدبرين الفجرة، فإن تاب تاب الله عليه وهو أهل التقوى وأهل المغفرة. ثم اعلم بأن تعظيم شعائر الكفرة المنكوب من قلة تقوى القلوب، قال بعض العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] قال: هم الذين لا يشهدون أعياد النصارى (¬٢). وقد أمرنا الواحد الغفار بتعظيم شعائر النبي المختار، فإن بدل شعائر الكفر ليظهر عز الإسلام، ولتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الكفار هي السفلى؛ فمن عظم شعائر الكفرة فقد جعل كلمة الكفار هي العليا، فيكون يوم القيامة من الأسفلين؛ لأنه عظم ما حقر الله تعالى، وأعزهم بعد إذ أذلهم الله، قال ﷺ: «اليهود والنصارى خونةٌ، لعن الله من ألبسهم ثوبَ عِزٍّ» (¬٣). وأشدُّ بلاءً من الأول: سعي المسلم لزيارة رهبانهم، والتبرك بقرصهم؛ من أين تأتي البركة في هذا الطعام، وصاحبه قد باء بغضب الملك العلام، وقد برئ من دين الإسلام، وهو عدو للنبي ﵇؟!
المسلم لزيارة رهبانهم، والتبرك بقرصهم؛ من أين تأتي البركة في هذا الطعام، وصاحبه قد باء بغضب الملك العلام، وقد برئ من دين الإسلام، وهو عدو للنبي ﵇؟!
والمسلم المغرور هو الذي ينذر للكنائس أو البِيَع النذور، وهذه بدعة محرمة لا ترضي المولى الغفور، ولا يجوز النذر للستِّ نفيسة (¬١)، فما بالك بالنذر للديورة (¬٢) والبيع والكنيسة؟! فمن سافر من فسقة المسلمين مع هذه الطائفة الملعونة إلى أعيادهم ومواسمهم فنفقته غير مخلوفة؛ لخروجه عن الشرع، ولدخوله في هذه الأمور المخيفة، فتنقص دنياه، ويسقط من عين الله، فإن مات أحدهم في البَر مات ميتة جاهلية، وإن مات في البحر فيبتلى بالغرق في الدنيا، وبالعذاب في الآخرة وإن كان ماشيًا، فالخُطَا كلها خَطَا؛ لأنه تغرب وهاجر في رضى الشيطان، وفي شيء يغضب الرحمن.
فصل: فيما ابتدعته المسلمون الحيارى في نيروز أعداء الله النصارى من ضرب المسلمين وغيرهم وأخذ أموالهم بغير حق، مجموع ذلك يكون عليهم وبالًا يوم القيامة، يوم الحسرة والندامة قال عبد الله بن عَمرٍو ﵁: من أتى بلادهم، وعمل نيروزهم؛ حُشر معهم يوم القيامة (¬١). ومن البدعة قول بعض المخذولين من عقلاء المجانين لمن يُضرب ويهان من المسلمين: لا تَحْرَدْ، يوم النيروز ما فيه حرد! (¬٢) قال كلامًا باطلًا يريد به حقًّا، وهذا الكلام يسقط قائله من رحمة الملك العلام، ويخرجه عن طريق النبي عليه أفضل الصلاة والسلام؛ لأنه قال الباطل، وأعان الظالم على ظلمه، وليس هذا من حلية الأبرار، ويخاف على فاعله من سخط
الجبار، ومن عذاب النار، ومن قوة جهل هذا اللئيم يحسب هذا الإثم هينًا، وهو عند الله عظيم. قال ﷺ: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم سبعين خريفًا» (¬١). ويخاف أيضًا على من يلوث ثوب مسلم يوم النيروز أن يلوث الله تعالى ثوب إيمانه، ومن سوَّده أن يسود الله قلبه في الدنيا، ووجهه في الآخرة ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]. قال ﷺ: «من عصى الله نُكت في قلبه نكتة سوداء» (¬٢). وأي معصية أعظم عند الله تعالى من أذى المسلمين وضربهم، وأخذ أموالهم بغير حق؟! قال ﷺ: «الظلم ظلمات يوم القيامة» (¬٣).
ه نُكت في قلبه نكتة سوداء» (¬٢). وأي معصية أعظم عند الله تعالى من أذى المسلمين وضربهم، وأخذ أموالهم بغير حق؟! قال ﷺ: «الظلم ظلمات يوم القيامة» (¬٣).
وقد أجمع العلماء والعباد أن سبب سلب الإيمان عند الموت هو من الاستخفاف بالدين، ومن ظلم العباد. وجاء في الحديث الصحيح: «الرحماء يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، من لا يَرحم لا يُرحم» (¬١). ويُروَى أيضًا: بينما النبي ﷺ يحدث أصحابه ويشير إليهم بقضيب في يده، فنزل جبريل ﵊، وقال له: «ربك يسلم عليك، ويقول لك: ارم هذا القضيب من يدك، لا تخوف قلوب أصحابك» (¬٢). فكيف ترى حال من يقف يوم النيروز في طريق المسلمين بخشبة أو سلبة أو سوط وشكال؟! (¬٣) اعلم أيها المدْبِر أن فعلك هذا فيه إشكال، كسرك لقلوب المؤمنين، وتعظيمك لشعائر الكافرين، والله ليندمنَّ مَنْ فعل ذلك ندمًا لا أجر بعده، وإن مات وهو من التائبين؛ لأن حقوق المسلمين وظلمهم لا تسقط بالتوبة، فإن مات المسلم وهو مُصرٌّ على ذلك، يحشر يوم القيامة في زمرة الظالمين، فإن استحله صار من الكافرين. ومن مدح أحدًا من الرهبان فهو بعيد الشبه من السنة، ومن أهل الخير
م وهو مُصرٌّ على ذلك، يحشر يوم القيامة في زمرة الظالمين، فإن استحله صار من الكافرين. ومن مدح أحدًا من الرهبان فهو بعيد الشبه من السنة، ومن أهل الخير
والإيمان، وقد يتفق لبعض الرهبان لكثرة رياضته شيء من المكاشفة: يتولَّد من الجوع نور، وتكون تلك المكاشفة استدراجًا لهذا الملعون، وضلالةً لكل جاهل ومفتون، قال الله سبحانه: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢]. فإن قال قائل: المكاشفة كرامة. نسلِّمُ أنها كرامة من كرامات الدنيا، فكذلك العوافي والعزُّ، والغنى والجاه، وحمل الإنسان في البر والبحر، وما أشبه ذلك، يجازى بها الكافر في الدنيا لأجل إحسانه، ثم يسلب ذلك كله عند خروج روحه ويخيب؛ وما له في الآخرة من نصيب، كما اتفق لفرعون وللسامري لعنهما الله: مكث فرعون لأجل كرمه أربع مئة سنة لم يختلج له عرق ولم يضرب له ضرس، وأي بلدة قصدها سيروا له مفاتيحها؛ فملك من مصر إلى بلاد المغرب، وكشف للسامري حين فلق الله تعالى البحر لموسى صلى الله عليه فرأى فرس جبريل ﵇ كلما وضع رجله على الأرض اخضرت، فقبض قبضةً من أثر حافره، فصنع في غيبة موسى ﵇ عجلًا لبني إسرائيل من حليهم، ثم رمى القبضة التي أخذها من أثر حافر فرس جبريل في فم العجل، فأحياه الله تعالى، فافتتن به طائفة من بني إسرائيل، فصارت هذه الكرامة مشئومة على السامري، وعلى من عبد العجل. فانظر رحمك الله تعالى! فعل الخير كيف تعود بركته على صاحبه في الدنيا مع كفره، وأما المؤمن فتعود بركة خيره عليه في الدنيا والآخرة، وفي الأخبار أن شابًّا من اليهود كان يتخدم للنبي ﷺ (ويقضي حوائجه، فلما مرض عاده النبي ﷺ (¬١) وجلس عند رأسه، وقال له: «أسلم تسلم» فنظر الشاب إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم. فعند ذلك قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. ثم مات، فحمله المسلمون فغسلوه وكفنوه ودفنوه، وصلى عليه النبي ﷺ وأصحابه، ﵃ أجمعين (¬٢).
ذلك قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. ثم مات، فحمله المسلمون فغسلوه وكفنوه ودفنوه، وصلى عليه النبي ﷺ وأصحابه، ﵃ أجمعين (¬٢).
فانظر أيها الإنسان إلى بركة الخير والإحسان. وكان كعب الأحبار من أكابر اليهود، فصيره الله مؤمنًا خيِّرًا وبلَّغه المقصود، وكان وهب بن منبه أيضًا من علماء اليهود، فأسلم وشهد بأحدية المعبود، وبذل في طاعة الله تعالى المجهود، قال المولى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥]. ثم اعلم بأن المكاشفة بعيدة ممن قد أعمى الله قلبه، وتقع مصادفةً، كما يتفق لبعض المنجمين، وقد تكون ملعَنَةً وخباثةً، ليضلوا بها قلوب الغافلين، وليسقطوا العباد بزيارتهم، وبالإقبال عليهم من رحمة رب العالمين؛ لأن اللعنة إذا نزلت عليهم أصابت من جالسهم. ويجب على ولي الأمر زجر من ظهر من الرهبان وغيرهم من أهل الكفر والطغيان بشيء من هذه الفتن، والملعنة واللائمة، فهي والله حسنة عظيمة، يلقاها العبد يوم الحاجة والفاقة أمامه، فإن قدر ولم يأمره يصير في حسرة عظيمة وندامة. وما تولدت (¬١) هذه الآفة وغيرها في الملة المحمدية إلا من جهة التهاون في إزالتها حين ظهورها، وتأخيرها من ساعاتها وسنيها وشهورها، وتهاون المسلمون أيضًا في هذه الطائفة الضالة الملعونة، فأظهرت أعيادها ومواسمها على رءوس الأشهاد، وما اكتفوا بذلك حتى طافوا بصلبانهم في بعض البلاد، وأظهر من ترهب منهم شيئًا يضل به العباد، حتى صار جماعة من جهلة المسلمين يتبركون بدعاء الرهبان وبقرصهم، وبصليبهم ويضعونه فوق الجرون، ولا يفعل هذه البدعة إلا كل مدبر مفتون؛ لأن النصارى قد خسروا بكذبهم على الله تعالى الدنيا والآخرة، وهم لا يشعرون، فإن بورك لأحدهم في دنياه فهو ما رزقه الله في الأجل، فالرزق لا يزيد بطاعة أحد ولا بكفره، فثق بربك يا بعيد الأمل، ولا تخرج عن السنة خوفًا من سوء الخاتمة عند فروغ الأجل.
فصل: ومن البدعة أيضًا والخزي والفجور ما يفعله المسلم المدبر المغرور في يومٍ يعرف بسبت النور من شراء الشِّبِت (¬١) لأجل البركة، والاكتحال لزوال الرَّمد، وهذه البدع تغضب المولى الصمد، ولا ترضي الرب الغفور. ومن البدعة أيضًا ما تفعله المسلمة الخبيثة الرَّدية من دخولها الحمام في هذا اليوم، والتدلك باللبنيَّة (¬٢)، كل ذلك مصيبة عليها في الدين وبليَّة؛ لتعظيمها هذه الأيام، ولخروجها عن طريق خير البرية، وجميع ما ينفقه المسلم على ما تقدم ذكره في ذلك اليوم يكون وبالًا عليه يوم يوقفه الحق بين يديه، وهي نفقة غير مخلوفة؛ لتهجم صاحبها على هذه البدع والأمور المخيفة، وجميع ما ينفقه المسلم في هذا اليوم على شربه، أو دواء يكون عليه بلاءً وداءً؛ لأن في ذلك تعظيم شعائر الكفرة، وليس هو من أفعال المؤمنين البررة، فإن تاب المسلم عن ذلك كله غفر الله له، وهو أهل التقوى وأهل المغفرة. ثم اعلم بأن مَنْ عظَّم يوم سبت النُّور لم يعظم الله قدره، ويورثه
ضيقًا في القبور، وظلمةً يوم النشور، والظلام أحب إلى الله تعالى من هذا النور، وهم سموه سبت النور، وليس هو كذلك عند الرب الغفور، كما قال الواحد المنان: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣] فصار مثل هؤلاء المدبرين كمثل رجل دنيء الأصل، كثيف، سموه: أيها السيد الشريف، أو كلِصٍّ اسمه عفيف! فهذه الأسماء ليس لها فائدة، وشؤم هؤلاء القوم وكذبهم عليهم عائدة، والحق سبحانه لا يكرم أحدًا لأجل اسمه، ولا يبجل قدر أحد لأجل علمه إذا كان الاسم على غير مسمى، والعلم مع غير عامل، واسمعوا ما قال مولاكم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فلو أحيَى الله تعالى قلوب هؤلاء المسلمين ما عظموا شعائر الكافرين.
سمعوا ما قال مولاكم: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فلو أحيَى الله تعالى قلوب هؤلاء المسلمين ما عظموا شعائر الكافرين. قد تسبخت أرض قلوبهم لارتكاب السيئات، والأرض السَّبِخَةُ لا ينتج فيها النبات، عالية على البلاد، لا تروى من نيل- نيل الأفضال والأمداد يسقي الحياض بفيض المدد الرباني، وهي يابسة عطشانة من لطائف المعاني، وإن بذر فيها حبًّا، انمحق وتلاشى بالأذى، قال المولى: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]. لا ترى فيها مسجدًا ولا مشهدًا، شيخ بلدها وهو القلب بيته مسودًّا ظالمًا مبتدعًا خارجًا (¬١)، أضحى عن طلب الحق مفندًا، شيخ من أهل الفسوق لا يقوم بواجبات الحقوق، قد صيَّر بيته خانًا، مأوى للبهائم، وهو في كل وادٍ من أودية الهوى والغفلة هائم، لا يرده إلى الله تعالى لومة لائم، ولا يصغي لقول ناصح، وليس له ورع يحجزه عن المحارم؛ فأفٍّ لهذا القلب من بين القلوب؛ ينسى الله تعالى في الرخاء، ولا يذكره إلا عند الكروب. فلذلك لا يأخذ الله بيده ولا يغيثه كإغاثة المحبوب، إن وعد أخلف، وإن اؤتمن خان، وإن حدث فهو عبد كذوب، وما أصاب هذا العبد المتعوس هذه المصائب إلا لركونه إلى النفوس، فحُرم الوصول،
يغيثه كإغاثة المحبوب، إن وعد أخلف، وإن اؤتمن خان، وإن حدث فهو عبد كذوب، وما أصاب هذا العبد المتعوس هذه المصائب إلا لركونه إلى النفوس، فحُرم الوصول،
وهو في حيف الجفاء محبوس، وعلم إيمانه دون الألوية منكوس، ألم تسمع قول الملك الجبار: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]، فمن وافق نفسه فليس هو من أهل الطاعة، ومن اشتغل بها غفل عن أهوال يوم الساعة، ومن كانت هذه بضاعته فبئس والله البضاعة، فأرض النفس خربة لا يجد فيها غصنًا رطبًا بذكر الله، ولا عينًا جاريةً من خشية الله، ولا جامعًا يجتمع فيه لذكر الله غير أعراب منافقين، كأنهم قد أخذوا عهدًا من الله ووثاقًا، فلا يزدادون إلا إثمًا وشقاقًا، ﴿الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا﴾ [التوبة: ٩٧]. فنفاق العين لعدم غضها، ونفاق اللسان بالغيبة والبهتان، والقذف لأعراض الإخوان، ونفاق الأذن لسماعها الباطل، فلا تصغي (¬١) إلى الخيرات والنصيحة، وتجتهد في سماع الأفعال القبيحة، ونفاق اليد المنع عند الرخاء، وفي فقرها التقاعد عن الدعاء، فلا تنبسط في حالة الغنى بالعطية، ولا في حالة فقرها، بالأدعية المرضية، ونفاق الأقدام في سعيها وإسراعها في الخطِيَّة، وإذا لاح لها طريق الآخرة، فترى خطاها بطِيَّة، وفساد هذه الجوارح من فساد القلب؛ لأنه هو الملك وهم الرعية، قال ﷺ: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهو القلب» (¬٢). روي ذلك عن خير البرية. فلو لم تفسد قلوب هؤلاء الغافلين ما عظموا شعائر الكافرين، فدل على أن القلب فاسد؛ لتعظيمه أيام الكافر الجاحد، ولسماعه من نفسه الخبيثة، ومن شيطانه المارد، ولمخالفته لنبيه وحبيبه، وللسيد الماجد، فمن عظَّم هذه الأفعال أو الفاعلين حُشر معهم، وسقط من عين رب العالمين. ولا يحبهم أيضًا خوفًا من قوله ﷺ: «المرء مع من أحب» (¬٣). كما يفعله بعض فسقة المسلمين من صحبتهم ومخالطتهم للنصارى، ومؤاكلتهم
وإعارتهم الأشياء؛ ليتجملوا بها في مواسمهم وأعيادهم وإعارتهم كتب المسلمين حتى القرآن العظيم الذي لا يمسه إلا المطهرون. ولقد رأيت نصرانيًّا لعنه الله يقرأ القرآن العظيم بغير لحنٍ، ويجادل به المسلمين، ويقول: قد مدحنا الله تعالى في القرآن، وقرأ قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُون﴾ [المائدة: ٨٢]. ثم سكت، فقال له صاحبي: اقرأ ما بعدها. قال النصراني: (حفظي إلى هاهنا) (¬١). فقال له صاحبي: اسمع أيها الملعون، إن الله سبحانه أول ما ذم اليهود ثم أنتم؛ لقوله: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢] الذين أشركوا هم أنتم. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢]. هذا المدح إلى آخر الآية هو في حق النجاشي وأصحابه ﵁ قرأ عليهم جعفر الطيار ﵁ (كهيعص). فلما قرأ هذه السورة بكى النجاشي وأصحابه ثم أسلموا. ألم تسمع قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]. فعندها سكت النصرانيُّ (¬٢).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
َمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]. فعندها سكت النصرانيُّ (¬٢).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
=وقوله تعالى: ﴿ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون﴾ [المائدة: ٨٢]، أي بسبب هؤلاء، وسبب ترك الاستكبار يصير فيهم من المودة ما يصيرهم بذلك خيرًا من المشركين وأقرب مودة من اليهود والمشركين. ثم قال تعالى: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق﴾ [المائدة: ٨٣]، فهؤلاء الذين مدحهم بالإيمان ووعدهم بثواب الآخرة، والضمير وإن عاد إلى المتقدمين، فالمراد جنس المتقدمين لا كل واحد منهم، كقوله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وكأن جنس الناس، قالوا لهم: إن جنس الناس، قد جمعوا ويمتنع العموم، فإن القائل من الناس، والمقول له من الناس، والمقول عنه من الناس، ويمتنع أن يكون جميع الناس قال لجميع الناس: إنه قد جمع لكم جميع الناس. ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠]، أي جنس اليهود قال هذا، لم يقل هذا كل يهودي. ومن هذا أن في النصارى من رقة القلوب التي توجب لهم الإيمان ما ليس في اليهود، وهذا حق، وأما قلوبهم: ونفى عنا اسم الشرك، فلا ريب أن الله فرق بين المشركين، وأهل الكتاب في عدة مواضع، ووصف من أشرك منهم في بعض المواضع، بل قد ميَّز بين الصابئين والمجوس وبين المشركين في بعض المواضع، وكِلا الأمرين حق، فالأول كقوله تعالى: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين﴾ [البينة: ١].
َز بين الصابئين والمجوس وبين المشركين في بعض المواضع، وكِلا الأمرين حق، فالأول كقوله تعالى: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين﴾ [البينة: ١]. وقوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا﴾ [الحج: ١٧]، وقال تعالى: ﴿لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا﴾ [المائدة: ٨٢]، وأما وصفهم بالشرك ففي قوله: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ [التوبة: ٣١]، فنزه نفسه عن شركهم، وذلك أن أصل دينهم ليس فيه شرك، فإن الله إنما بعث رسله بالتوحيد، والنهي عن الشرك، كما قال تعالى: ﴿وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون﴾ [الزخرف: ٤٥]. وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ [الأنبياء: ٢٥]، فالمسيح صلوات الله عليه وسلامه ومن قبله من الرسل إنما دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وفي التوراة من ذلك ما يعظم وصفه، لم يأمر أحد الأنبياء بأن يعبد ملك ولا نبي ولا كوكب ولا وثن، ولا أن تسأل ولا تطلب الشفاعة إلى الله من ميت ولا غائب، لا نبي ولا ملك، فلم يأمر أحد من الرسل بأن يدعو الملائكة، ويقول: اشفعوا لنا إلى الله ولا يدعو الأنبياء والصالحين الموتى والغائبين، ويقول: اشفعوا لنا إلى الله ولا =
فيحرم على المؤمن البصير أن يفعل شيئًا من ذلك، فإن فعل يخاف عليه من سوء الخاتمة، فيحُشر معهم في جهنم وبئس المصير. لا يظلم المسلمُ النصرانيَّ ولا يسبُّه في وجهه لأجل كفره، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، وإذا سبَبْتَهُ (¬١) ظاهرًا سبَّ هو دينك باطنًا، وإذا ظلم الإنسانُ دابةً أو كلبًا يُقتصُّ منه يوم القيامة، والنصراني هو مفضَّل عليهما في حكم الدنيا؛ لأجل الآدمية والعقل، قال المولى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]. وقال أبو حنيفة ﵀: إذا قتل مسلم ذميًّا بغير حق، يُقتل المسلم به عاملًا بقوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] (¬٢)، هذا في حكم
الدنيا، وأما في حكم الآخرة فالكلب والخنزير أفضل من الكفار؛ لأنهم باءوا بغضب من الله، وهم وقود النار؛ لأن الحقَّ سبحانه إذا أخذ حقوق البهائم يوم القيامة ممن ظلمها يصيرها ترابًا، فحينئذٍ يقول الكافر: ﴿يا ليتني كنت ترابًا﴾. فيودُّ من مات كافرًا أن لو كان في الدنيا بهيمةً أو خنزيرًا لكي ينجو من عذاب الآخرة. فيجب على المسلم أن يشكر الله تعالى الذي جعله مؤمنًا، ويسأله على الدوام أن يختم له بخير ويثبته على دين الإسلام، ولا يسخر من أحد من الكفار، ويحمد الله تعالى الذي عافاه مما ابتلاهم به من الكفر والأزوار. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ … ﴾ [الحجرات: ١١] الآية. وقال ﷺ: «إذا رأيتم أهل البلاء فسلوا الله العافية» (¬١). وإذا رأى المؤمن رجلًا قد ابتلي في بدنه رحمه، والكافر قد ابتلي في دينه، فصار أشد بلاءً فارحمهما جميعًا. وضاع لبعض الصالحين حمار، فخرج في طلبه فاستقبله يهودي فرجع ودخل بيته، وقال: الحمد لله الذي ضيَّع حماري، وأبقى على ديني. كان بعضهم يقول: إذا كنتَ لي، ما ضرَّني من عدمته. وينبغي للمؤمن أن لا يخون الكافر في جداره إذا كان في جواره؛ لأن الحقَّ سبحانه لا يهدي كيد الخائنين، وأوجب لعنته وغضبه على الظالمين.
ا ضرَّني من عدمته. وينبغي للمؤمن أن لا يخون الكافر في جداره إذا كان في جواره؛ لأن الحقَّ سبحانه لا يهدي كيد الخائنين، وأوجب لعنته وغضبه على الظالمين. اعلم أيها الظالم المبعود! أن الله سبحانه يوم القيامة يسأل العود: لمَ خَدَشَ العود؟ وكذلك إذا دخل المسلم إلى بلاد الكفار تاجرًا، لا يسرق لهم شيئًا، ولا يقتل منهم أحدًا، إذا قدر على قتله، ويكرمهم إذا خاف من شرَّهم:
دارهم ما دمتَ في دارهم … وأَرْضِهم ما دمتَ في أرضهم اعلم أن الكلام إذا كان يوافق السنة يقبل من القائل، وسواء كان منظومًا أو منثورًا، وهذا الكلام هو موافق للسنة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]. متى خاف الإنسان على نفسه، أو على تلاف عضو من أعضائه أن يقطع، أو يقتل بسيف أو سنان، يكفر بلسانه إذا طلبوا منه ذلك، وقلبه مطمئن بالإيمان، ويبنى على ذلك السبُّ والتَّبري من الدين والسجود للصليب، كل ذلك لا يأثم به إذا كان قلبه مطمئنًا بالحبيب، فإن لم يفعل المسلم شيئًا من ذلك وقتلوه يُحشر يوم القيامة مع الشهداء ومع كل عبد صالح منيب. رُوي أن سعدَ بن مالك ﵁ قال: كنت رجلًا بارًّا بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعدُ! ما هذا الدين الذي قد أحدثته؟ لتدعن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتُعيَّر بي، فيقال لكَ: يا قاتل أمه. قلت: لا تفعلي يا أماه، إني لا أدع ديني هذا لشيء. قال: فمكثَتْ لا تأكل شيئًا يومًا وليلةً، فأصبحتْ وقد جهدتْ، ثم مكثت يومًا آخر وليلة أخرى لا تأكل، قلت: تعلمين والله يا أماه لو كانت لك مئة نفس فخرجت نفسًا نفسًا، ما تركت ديني هذا لشيء، فكلي إن شئت أو لا تأكلي. فلما رأت ذلك أكلت، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: ١٥] (¬١). قال ابن عباس ﵁ في تفسير هذه الآية: قال: إذا كان
ْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: ١٥] (¬١). قال ابن عباس ﵁ في تفسير هذه الآية: قال: إذا كان
الأبوان كافران (¬١)، والولد مسلم ينفق عليهما ما عاشا، ويزور قبرهما إذا ماتا (¬٢). فإن قال الكافر لولده المسلم: امض بي إلى الكنيسة، أو إلى بِيَع اليهود، أو إلى شيء لا يرضي الملك المعبود. فلا يطعه؛ لقوله ﷺ: «لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق» (¬٣). فإن قال لولده: أخرجني من الكنيسة وامض بي إلى البيت فليطعه ويريحه من الكفر. وكذلك لا يطيع المسلم أحدًا من الأبوين المسلمين في ترك شيء فرضه الله عليه: كالصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وغيره. وكذلك إذا أمره بشراء (¬٤) محرم، أو بشرب خمر، وما يشبه ذلك مما فيه معصية الله تعالى، أو خروج عن سنة رسول الله ﷺ فلا يطعهما، فإن كان ما أمره به تطوعًا فليطعهما كصلاة التطوع، وصوم التطوع، والحج، والجهاد. فإن خالفهما وفعل شيئًا من التطوعات لم تقبل منه. فإن مات غازيًا لا يكتب شهيدًا، فمن أراد القبول فليطع الوالدين ولا يخرج عن طريق الرسول. فإن مات أحد الوالدين كافرًا والعياذ بالله يغسله ولده المسلم (¬٥)
ويكفنه، ويواريه التراب، ولا يتغالى في جميع ذلك، فيخرج عن السنة والكتاب، فيغسله كما يغسل الثوب النجس، ويكفن في ثوب خلق، وتحفر له حفرة بغير لَحْدٍ، ويرمى فيها كما يرمى الكلب (¬١)، فإنه يتمنى لو كان كلبًا من كلاب الدنيا، لكي ينجو من عذاب الآخرة. ألا تراه كيف يقول يوم القيامة: ﴿يا ليتني كنت ترابًا﴾ [النبأ: ٤٠].
باب فيما يبتدع بديار مصر في يومٍ يعرف بعيد الشهيد مِنْ فِعل كلِّ كافرٍ وفاسقٍ وخارج وعتيد يُخاف على مسلم يحضر لهذا العيد، ويقول لصاحبه: «إنه شهيد»؛ من سوء الخاتمة، ومن غضب المولى المجيد؛ لأنه أسلم ثم ارتدَّ لعنه الله تعالى ودخل في دين النصرانية؛ فهو من الرحمة والخيرات بعيد. فاحذر أيها المؤمن! أن تقول إنه شهيد؛ فإنه إثم شديد، النصارى يزعمون أنه مات مظلومًا، والمظلوم شهيد، وعندنا مات ظالمًا كافرًا مخالفًا للمولى المجيد، فصار الاسم على غير مسمى، كلصٍّ اسمه عفيف، أو كرجل دنيء الأصل كثيف واسمه: أيها السيد الشريف. وهذه الأسماء ليس لها فائدة، وشؤمها عليهم عائدة؛ لأن الله سبحانه لا يكرم أحدًا لأجل اسمه، ولا لحسبه ونسبه. قال الله سبحانه: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣]. واختلاط المسلم مع هذه الطائفة الملعونة في وقت رميهم لشهيدهم في بحر النيل، لا يرضي المولى الجليل، فإن اعتقد المسلم (¬١) أن البحر ببركة هذا الملعون يزيد، فهو كافر بالمولى المجيد، فإن تاب من هذه الأفعال والأقوال؛ تاب الله عليه، ويُبلغه ما يريد، فقد توقف نيل مصر سبع سنين، وحاكمها يوسف الصديق عليه
يزيد، فهو كافر بالمولى المجيد، فإن تاب من هذه الأفعال والأقوال؛ تاب الله عليه، ويُبلغه ما يريد، فقد توقف نيل مصر سبع سنين، وحاكمها يوسف الصديق عليه
السلام وهو نبي كريم على ربِّ العالمين، فكيف يزيد برمي هذا اللعين؟! وجاء في السِّيَر: أنَّ أهل المقوقز ملك مصر كانوا يرمون شيئًا في نيل مصر لكي يزيد، فلما فتح الله تعالى مصر على يد عمرو بن العاص ﵁ أخبر عمر بن الخطاب بذلك فنهاهم، وقال: لا ترموا في البحر شيئًا، فزاد البحر بقدرة الله، أكثر من عادته (¬١). ويجب على ولاة الأمر وفقهم الله لطاعته زجر هذه الطائفة الضالة الملعونة عن إظهار دينهم وأعيادهم وشعائرهم بين ظهور المسلمين، وعن رمي هذا الملعون؛ لكي لا يفتتن به كل مسلم جاهل ومفتون. ولقد رأيت رجلًا يقال له الخيَّاطُ، وكان متولِّي القاهرة، نهى النصارَى عن رمي شهيدهم في نيل مصر، ونهى المسلمين عن الذهاب إليه، وعن ذلك الاجتماع المذموم، والاختلاط، وهي والله مثوبةٌ عظيمةٌ تكون لفاعلها نورًا يوم القيامة، وجوازًا على الصراط. فلما توفي متولِّي القاهرة وطال الأمر، وتولى أمور المسلمين هذه الطائفة المسْلِمَانيَّة (¬٢)؛ أظهروا المواسم
والأعياد على رؤوس الأشهاد، وأعادوا رمي شهيدهم بين ملأ من العباد، وأحيوا هذه البدعة بعد موتها، أمات الله قلوبهم وشتَّتهم في أطراف البلاد، فكم كسروا مسلمًا، وكم هرَّبُوا مؤمنًا، وأرملوا النساء، وأيتموا الأولاد، وكم أغنوا راهبًا، وأسعدوا نصرانيًّا في القاهرة ومصر، (وما كان) (¬١) حولهما من البلاد. فتراهم يرمون السكر وغيره على كل مسلم معيل وعفيف بأضعاف قيمته، (ولا يفعلون) (¬٢) ذلك مع نصرانيِّ معتدٍ كثيف، فلا يخافون من السلطنة، ولا يستحيون من المولى اللطيف (¬٣).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لطيف (¬٣).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وما سبب تحكم هذه الطائفة الرَّدية على رقاب المسلمين، إلا لخروجهم عن السنة المحمدية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، كما تكونوا يولَّى عليكم. وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر في خلافته أن تهدم كل كنيسة لم تكن قبل الإسلام، ومنع أن تُحدَث كنيسة، وأن لا يظهروا أعيادهم، ولا يظهروا صليبًا خارج الكنيسة إلا كُسر على رأس صاحبه (¬١). وكان محمد بن عروة يهدمها بصنعاء، وهذا مذهب علماء المسلمين أجمعين، وشدد في ذلك الحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز وأمر أن لا تترك في دار الإسلام كنيسة ولا بيعة بحال قديمة ولا حديثة، ويمنع أهل الذمة من بناء ما خرب من كنائسهم وبيعهم. وقال بعض العلماء: إن طيَّنُوا ظاهرها منعوا، وإن طينوا باطنها لم يمنعوا، ويمنعون من أن يعلوا على المسلمين في البناء، وتجوز المساواة، وقيل: لا تجوز. قال عمر بن أسيد: أتانا كتاب عمر بن عبد العزيز إلى محمد بن الميسر: أما بعد؛ فإنه قد بلغني أن في عملك رجل يقال له حسان بن يزيد على غير دين الإسلام، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧]، فإذا أتاك كتابي هذا فادع حسان بن يزيد إلى الإسلام، فإن أسلم فهو منا ونحن منه، وإن أبى فلا تستعن به، ولا تأخذ من غير أهل الإسلام على شيء من أعمال المسلمين. فقرأ الكتاب عليه،
فأسلم، وعلمه الطهارة والصلاة (¬١). ولما خرج النبي ﷺ إلى بدر تبعه رجل من المشركين فلحقه، وقال: إني أريد أن أتبعك، وأصيب معك. قال: «تؤمن بالله ورسوله؟» قال: لا. قال: «فارجع، فلن أستعين بمشرك». ثم لحقه (عند الشجرة، ففرح به أصحاب النبي ﷺ وكان له قوة وجلادة، قال: جئت لأتبعك وأصيب معك. قال: «تؤمن بالله ورسوله؟» قال: لا. قال: «فارجع فلن أستعين بمشرك». ثم لحقه) (¬٢) على ظهر البيداء، فقال له مثل ذلك، قال: «تؤمن بالله ورسوله؟» قال: نعم. فخرج به (¬٣). وهذا أصل عظيم في أن لا يستعان بكافر، هذا وقد خرج ليقاتل بين يدي رسول الله ﷺ، ويراق دمه، فكيف استعمالهم على رقاب المسلمين. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله: لا تولوا على أعمالنا إلا حملة القرآن. فكتبوا إليه: إنا وجدنا فيهم خيانة. فكتب إليهم: إن لم يكن في أهل القرآن خير فأجدر أن لا يكون في غيرهم خير (¬٤). وفي الخبر أن النبي ﷺ كان يعطي لبعض المشركين شيئًا من الزكاة ليؤلف قلوبهم للإيمان (¬٥)، فجاؤوا لأبي بكر ﵁ في خلافته وطلبوا منه ما كان يعطيهم النبي ﷺ، فكتب لعمر بن الخطاب ﵁، فقطَّع الورقة وطردهم، وقال: إن الله أعز الإسلام، وأغنى عنكم. ولما جاء نصارى نجران لعنهم الله إلى المباهلة دخل ﷺ لبيت فاطمة ﵂، وحمل الحسين على كتفه، وأخذ الحسن بيده، وفاطمة خلفه، وعلي خلفهما. وقال: «إذا دعوت فأمِّنوا». فلما رآهم الأسقف قال: يا معشر النصارى، لقد رأيت وجوهًا لو سألوا الله أن يزيل
جبلًا من مكانه لأزاله، ولقد علمتم أن محمدًا نبيًّا مرسلًا (¬١)، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، فلا تباهلوه فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة (¬٢). والمباهلة الدعاء على الظالم من الفريقين، فخافوا دعوته، وقبلوا الجزية، وانصرفوا إلى بلادهم. قال ابن عباس ﵁: كتب النبي ﷺ لنصارى نجران كتاب الصلح على مالٍ مُقدَّر، نَجم في صفر ونَجم في رجب، فكثروا وصاروا ألوفًا (¬٣)، ثم وقع منهم شيء على خلاف عهدة (¬٤) الكتاب، فبلغ
نبي ﷺ لنصارى نجران كتاب الصلح على مالٍ مُقدَّر، نَجم في صفر ونَجم في رجب، فكثروا وصاروا ألوفًا (¬٣)، ثم وقع منهم شيء على خلاف عهدة (¬٤) الكتاب، فبلغ
ذلك عمر، فاغتنمه ﵁ في إزعاجهم من جزيرة العرب، فجاءوا إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وقالوا: يا أبا الحسن، هذا كتاب صاحبكم خطُّك، وفيه شهادة أصحابك، أنشدك الله، كتابك بيدك، وشفاعتك بلسانك، حتى تردنا إلى نجران، ولا تزعجنا عن الأوطان. قال علي ﵁: (دعوني فإن) (¬١) عمر رشيد الأمر، سديد الرأي. قال سالم بن الجعد: وهم أربعون ألف مقاتل. فجاؤوا إلى عمر، وقالوا: قد اصطلحنا، فأقلنا. فقال: والله لا أُقيلكم أبدًا. فأخرج فرقة إلى الشام وفرقة إلى ديار مغرب (¬٢). قال العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤]. نسخ منها الدعاء لهما بالرحمة إذا كانا كافرين. وكان في ابتداء الإسلام يجوز الدعاء للمؤمن والكافر من الآباء والأمهات؛ لما روي أنَّ النبي ﷺ قال لأصحابه لما أنزل الله تعالى حاكيًا عن إبراهيم ﵇: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦]: «هلموا بنا فلنذهب إلى قبور آبائنا وأمهاتنا فنستغفر لهم؛ فإن إبراهيم ﵇ قد استغفر لأبيه». فتفرقوا كلٌّ يدعو لأبيه ولأمه على قبره فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، فقال النبي ﷺ وأصحابه (¬٣) ﵃ أجمعين: «أي ربنا قد استغفر إبراهيم لأبيه». فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]. لما وعد إبراهيم أبوه بالإيمان وعده بالاستغفار، وهو قوله: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤]، فلما تبين له أنه عدوٌّ
َّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]. لما وعد إبراهيم أبوه بالإيمان وعده بالاستغفار، وهو قوله: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤]، فلما تبين له أنه عدوٌّ
لله بموته كافرًا تبرأ منه، فالدعاء له حرام، وموالاته حرام (¬١). فينبغي للمؤمن أن لا يوالي أحدًا من أهل الكتاب، ولا يحب أحدًا من فسقة المسلمين الخارجين عن السنة والكتاب، ويعتزل عن كل مبتدع وغافل عن يوم الحساب؛ تبعًا للنبي ﷺ وعلى الآل والأصحاب، وعلى كل عبد اتبع القوم ثم أناب.
باب من العزلة وما يستحب فيها وما يبتدع والبدعة أن يصحب الإنسان أهل الأهواء والمعاصي والفجور، ومن فيه أدنى بدعة، وكل عبد معتدٍ وكفور، ومتكبر وفخور؛ لأنه بصحبتهم يكون راضيًا بفعلهم وبدعتهم. قال ﷺ: «من رضي بالفاحشة كمن فعلها» (¬١)، وقال: «من كثَّر سواد قوم فهو منهم» (¬٢)، وفي حديثٍ آخر: «يموت المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (¬٣)، واسمع قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾



