— Bagian 9 · ). —
Bagian 9
). وقال صلوات الله عليه وسلامه: «من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه؛ غفرت ذنوبه وإن كان فرَّ من الزحف» (¬٤)، صححه الحاكم.
وكان ﷺ يعجبه أن يدعو ثلاثًا ويستغفر ثلاثًا (¬١). وجاء في الحديث أيضًا: «إذا قال العبد: يا رب. ثلاثًا؛ يقول الله تعالى: لبيك عبدي. فيعجِّلُ من ذلك ما يشاءُ ويؤخِّرُ ما يشاء» (¬٢). وقال ﷺ: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا وتستغفروا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله تعالى؛ فيغفر لهم» (¬٣). وهذا الحديث وما يقاربه ليس هو مذكور لكي يتجرأ العبد على المعصية، فقد كادت المعصية أن تكون كفرًا؛ لما جاء في الحديث: إن المعاصي تزيد الكفر، وتنقص الإيمان، وتبعد العبد عن رحمة الملك الديان. والمراد من الحديث أن العبد لا ييأس من رحمة الله تعالى؛ وإن كثرت ذنوبه، فيستغفر الله تعالى منها فيغفرها، وإن كثرت؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]. وقال ﷺ: «رُبَّ ذنبٍ أدخلَ صاحبَه الجنةَ» (¬٤).
فترى الشيطان يزين للإنسان المعاصي، فيوقعه (¬١) في الذنوب والأوزار، فيأخذ الله بيده إذا رجع بالتوبة والاستغفار، فلا يزال نادمًا مستغفرًا حتى يدخل الجنة، فيقول الشيطان: لو علمت أن هذا الذنب يكون سبب دخول هذا الجنة ما أوقعته فيه. ألا ترى كيف ورَّث آدمَ الذنبُ النبوةَ
زال نادمًا مستغفرًا حتى يدخل الجنة، فيقول الشيطان: لو علمت أن هذا الذنب يكون سبب دخول هذا الجنة ما أوقعته فيه. ألا ترى كيف ورَّث آدمَ الذنبُ النبوةَ
والخلافة لندمه ولإقلاعه، ولعلم الله سبحانه أنه لم يرد بذلك خلافه. وأمَّا مَنْ ندم على الماضي ولم يصلح المستقبل، ويستغفر بلسانه وقلبه، ومصرٌ على عصيانه، فهذا كالمستهزئ بربه، والخلل في إيمانه. وهذا كما قال الحسن البصري ﵁:) (¬١) استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار كثير. أو كما قال الفضيل رحمة الله عليه: استغفار بلا إقلاع توبة الكذابين. وكان بعض العرب يقول وهو متعلق بأستار الكعبة: اللهم إن استغفاري مع إصراري لُؤم، وإن تركي الاستغفار مع علمي بسعة عفوك لعجزٌ، فكم تتحبَّب إليَّ بالنعم مع غناك عنِّي، وأتبغض إليك بالمعاصي مع فقري إليك. يا من إذا وعد وفَّى، وإذا توعَّد (¬٢) تجاوز وعفا؛ أدخل عظيمَ جُرمي في عظيم عفوك يا أرحم الراحمين. فمن علامة التوبة أن يكون العبد تائبًا مستغفرًا بلسانه، مقلعًا عن الذنوب بقلبه، ويقضي الفرائض، ويرد المظالم، ويذيق نفسه مرارة الطاعة كما أذاقها حلاوة المعصية، والبكاء عوض الضحك، وتغيير الحال في المأكل والملبس والمنام وأن تضيق عليه الأرض ونفسه، كما جرى لأصحاب النبي ﷺ وهم الثلاثة الذين خُلفوا في غزوة تبوك (¬٣).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولقد طلب بعض الصحابة الموت، وبعض الناس دعا على نفسه بالعمى خوفًا وحياءً من رب السماء. روي في «الصحيح»: أن رجلًا وامرأةً شهدا على أنفسهما بالزِّنى عند النبي ﷺ فرُجما وماتا إلى رحمة الله تعالى (¬١). وهذه صفات المشتاقين، قال المولى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجمعة: ٦]. من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل. ثم اعلم بأن الكافر لا يتمنى الموت لأجل كفره، ولقد قال ﷺ لليهود: «أنتم تزعمون أنكم أبناء الله وأحباؤه فتمنوا الموت إن كنتم صادقين». ثم قال: «والذي نفسي بيده لن يتمناه أحد منكم إلا غصَّ بريقه» (¬٢) فلم يتمنَّه أحدٌ منهم. قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ
أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥]. وكذلك العاصي لا يحب الموت؛ لسوء ما قدَّم، ولولا الخوف من قلة الأدب لصرح بطلب الموت أولوا الألباب. قال بعض العلماء: لا بأس بطلب الموت خوفًا من الوقوع في المعاصي. قيل لبعض الصالحات: ما تشتهين؟ قالت: الموت. فقيل لها: ولم؟ قالت: والله إني أخاف كلما أصبح أن أجني على نفسي جنايةً يكون فيها عطبي أمام الآخرة. ولا يتمنى الموت أحدٌ من أهل الطاعة فيخرج عن سنة صاحب المعجزات والشفاعة؛ لأن بفروغ (¬١) الأجل ينقطع العمل، وما أحب الصالحون طول الأعمار إلا لكثرة قيام الليل وصيام النهار، والتلذذ بالطاعة والأذكار، والتردد لصلاة الجماعة وللزيارة لتلك الديار. قال قائلهم: علي لربع العامرية وقفة … لتملي عليَّ الشوق والدمع كاتب ومن عادتي حب الديار وأهلها (¬٢) … وللناس فيما يعشقون مذاهب وقال بعضهم: مضت لنا بمنى والخيف أوقات … وطيب عيش قطعناه ولذات لأسلكن ولو أن الأسود بها … قوافل ورماح الخط غابات
هلها (¬٢) … وللناس فيما يعشقون مذاهب وقال بعضهم: مضت لنا بمنى والخيف أوقات … وطيب عيش قطعناه ولذات لأسلكن ولو أن الأسود بها … قوافل ورماح الخط غابات
أين هؤلاء من قوم يجهرون بالمعاصي، ولا يستحيون ممن بيده جميع النواصي؟ حتى إنَّ بعض المخذولين يفتخر بها، فيقول أحدهم لخليله: لست مثلي أنا في قعدة أشرب جرة، أو أزني كذا كذا مرة. وهذه المصائب ظلمات بعضها فوق بعض، ويخاف عليهم من سوء الخاتمة، وهو أشد ما يكون من العقوبة، وأهون من ذلك: موت القلب، ومحو لذة مناجاة الرحمن، والحرص على الذنوب، ونسيان القرآن. وقف أبو عبد الله بن الجلاء ينظر إلى [غلام] نصرانيِّ حسن الوجه، فمرَّ به أبو عبد الله البلخي وقال له: ما أوجب وقوفك هنا؟ قال: يا عم، أما ترى هذه الصورة الحسنة كيف تعذب بالنار؟ فضربه الشيخ بين كتفيه وقال: لتجدنَّ غبَّها ولو بعد حين. قال: فوجدت غبها بعد أربعين سنة، وذلك أني نسيت القرآن (¬١). وقد افتتن بالمرد جماعة؛ لأن الشيطان يدخل على العبد من حيث يمكنه؛ لأنه لا يأتي للعابد يزين له الزنا أولًا، وإنما يحسن له النظر، والعالم والعابد قد أغلقا عنهما (¬٢) باب النظر إلى النساء لقلة المخالطة، والصبي مخالط لهما، والآدمي يعجبه النظر إلى الأمرد الحسن أكثر من النظر إلى المرأة، وسببه لأن المادة التي خُلق منها أقوى من مادة النساء. وقال السيد الجليل سهل بن عبد الله: سيكون في هذه الأمة أناس يقال لهم اللوطيون، وهم على ثلاثة أصناف: صنف ينظرون، وصنف
ي خُلق منها أقوى من مادة النساء. وقال السيد الجليل سهل بن عبد الله: سيكون في هذه الأمة أناس يقال لهم اللوطيون، وهم على ثلاثة أصناف: صنف ينظرون، وصنف
يصافحون، وصنف يعملون ذلك العمل الخبيث. نعوذ بالله من ذلك كله. وقد ذمَّ الله تعالى اللوطي ولعنه، ومع ذلك كله ترى العبد المخذول ينظر؛ فيُلعن، ويخرج عن طريق الرسول؛ وذلك لقوة المادة التي خلقوا منها، وهي أنموذج ما في الجنة. فإن قيل: ما فائدة تحسين هذه الصورة ثم نهى عن النظر إليها؟ ذكرت ذلك مبينًا في باب التكبر تحت هذا الباب، ولا فائدة في إعادته. وقد حسن الله تعالى المحسنات وابتلاك بها، ليعلم صبرك، وهل تحبُّها أو تحبُّه، ومنن الله تعالى موجودة، لكن منع الإنسان من الشهود تعظيمه لنفسه، واشتغاله بهذا الوجود، وعدم وقوفه على الحدود. فمن محا نفسه أثبته الله، ومن غض بصره فتح الله بصِيرته، ومن ذلَّ لعظمة الله أعزَّه الله. رأى بعض الصالحين ربه في منامه فقال: يا رب، بم يتقرب المتقرِّبون إليك؟ قال: بشيء ليس هو عندي وهو الذلُّ. قال بعضهم شعرًا يناسب هذا: إذا رمت عز الوصل ذُلَّ لمن تهوى … فكم عزة قد نالها المرء بالذل إذا كان من تهوى عزيزًا ولم تكن … ذليلًا له فاقر السلام على الوصل فطلب العلو في الدنيا والرئاسة هو من قلة الدين، وكثرة الخساسة؛ لأن من طلب أن يكون رأسًا (¬١) ألقى نفسه للعطب، ويكفيك من الأدلة قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]. قيل لبعض الصالحين: أتريد أن ترى الله تعالى؟ قال: لا. قيل: ولم؟ قال: أنزه ذلك الجلال (¬٢) عن نظر مثلي. ويحكى أن أبا حنيفة رأى الحق سبحانه في المنام وقال له: تمنَّ
عليَّ؟ فقال ﵁: يا رب، أسألك أن تنجيني من النار، فمثلي لا يسألك الجنة. قيل لأبي يزيد: لم لا سألت الله المعرفة وقت قال لك: ما تريد؟ قال: غرت (¬١) عليه أن يعرفه مثلي. وقيل لبعض الصالحين وقد رأى فتح باب الكعبة: لم لا تدخلها؟ قال: أنا لا أرى نفسي أهلًا أن أطوف حول بيته، فكيف أدخله؟! (¬٢) وقال أحد المشايخ إما أبو يزيد أو غيره -: لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلبًا. وقيل لإبراهيم بن أدهم: أنت خيرٌ أم الكلب؟ فقال: أنا خيرٌ من الكلب إن جزت الصراط، والكلب خيرٌ مني إن لم أجز. وكذلك قال أبو يزيد. وكان عطاء السُّلمي يقول إذا وقع الغلاء والوباء: ما أصابكم هذا إلا بشؤمي، لو مات عطاء لاستراح الناس. وكان أحد المشايخ إذا رأى من أصحابه فترةً يقول: ما أصابكم هذا إلا بإدباري أنا. ودخل شيخ من الصوفية الحمام، وإذا بصغار يلعبون على بطونهم، فأراد صغيرٌ منهم أن يدخل خلوة الشيخ، (فقال له صغير آخر: لا تدخل، ففي الخلوة رجل يهودي. ثم جاء الخادم بثياب الشيخ) (¬٣) فوجده قد اصفرَّ، فقال له: ما بالك يا سيدي؟ قال: جاء صغير ليدخل الخلوة عليَّ فقال له صغير آخر (¬٤): لا تدخل ففي الخلوة رجل يهودي، فقلت في نفسي: لو لم يكن
فيَّ شيء من أفعال اليهود ما أنطق الله تعالى هذا الصغير بهذا. وخرج رجل يعرف بالشيخ عبد العزيز الدِّيْرِينيِّ (¬١) مسافرًا، فلقيه الصغار رعاة الغنم، فظنوا أنه يهودي فقالوا له: يا شيخ، قل أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله. فقالها الشيخ، فجاؤوا له بحمارة طويلة وركَّبوا الشيخ من الغيط إلى البلد وزفُّوه، فلما دخل (¬٢) البلد عرف الرجال (¬٣) الشيخ، (فقصدوا ضرب) (¬٤) الصغار، فنهاهم الشيخُ، وقال: ما عملوا معي إلا خيرًا، جدَّدوا إسلامي وركَّبوني إلى البلد (¬٥). وجرى لهذا السيد ما هو أعظم من هذا: دخل يومًا المحلة الكبيرة من أعمال مصر، فشبَّهه عَرِيف النَّصارى بنصراني هارب من الجالية. فمَسك الشيخَ وخنقه، وقال له: يا ملعون إلى كم تهرب مني؟ لا بدَّ ما أُخَلِّي
ة الكبيرة من أعمال مصر، فشبَّهه عَرِيف النَّصارى بنصراني هارب من الجالية. فمَسك الشيخَ وخنقه، وقال له: يا ملعون إلى كم تهرب مني؟ لا بدَّ ما أُخَلِّي
اليومَ القشاشَ يرمي أجنابك بالمقارع. وكان القشاش (¬١) يومئذٍ متولي المحلة، فقال الشيخ للعريف: كم عليَّ؟ قال: أربع سنين ما دفعت لنا جالية (¬٢). فقال الشيخ: خذ مني هذه السنة واذهب. فلم يقبل وجذب الشيخ بثيابه، ودخل به لمجلس الوالي، وكان الوالي قد قام ودخل بيته، فعرف الناظر الشيخ فانتهر (¬٣) العريف، فأشار الشيخ له بالصمت، فصمت، فقال الشيخ عبد العزيز للعريف: تأخذ مني الذي قلت لك وإلا أقولها. قال العريف: تهددني بإسلامك؟! ما آخذ إلا الكل. فقال الشيخ: أنا أقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. فقال الناظر للعريف: ويحك، تعرف من هذا؟ قال: نعم، هو نصراني. فقال الناظر: (كذبت هذا الشيخ عبد العزيز الديريني صاحب الكرامات) (¬٤). فبُهت العريف من قوة حلم الشيخ وأسلم، وكان الشيخ عبد العزيز قليل الدنيا والمعلوم، ويفتي في جميع العلوم، ولم يلبس كلبس المشايخ، بل ما تيسر من اللباس، ولأجل ذلك كان يقع فيه الشك والالتباس.
جاء إليه مرة ثلاثة من العرب فقال الواحد: هذا قال عنك إنك يهودي، والآخر قال إنك نصراني. وأنا قلت: مسلم. قال له: أصبت أنت يا ولدي. ولم يغضب. قال له بعض أصحابه: أرنا كرامة. قال: نعم، اليوم أريكم كرامة. فعُزم على الشيخ إلى بلدٍ آخر، فقام هو وأصحابه، وجاءوا إلى البلد، فلما دخل المساء قال الفقراء: يا سيدي، وأين الكرامة؟ قال: وما هذه كرامة؟! نعصي الحق سبحانه وهو يحملنا من بلدٍ إلى بلد، ولم ينزل علينا رجزًا من السماء ولا خسف بنا الأرض. اعلم أن من خاف الملامةَ لم تكن همَّته (¬١) الكرامة، ليس الشأن لمن طلب الشأن؛ الشأن لمن رزق حسن الأدب. لقد طال هذا الباب، بذكر الأحباب، وذكر من أناب إلى الله تعالى وخضع أحَبُّ لمؤلف هذا الكتاب (¬٢) من ذكر من خاب وابتدع.
الشأن؛ الشأن لمن رزق حسن الأدب. لقد طال هذا الباب، بذكر الأحباب، وذكر من أناب إلى الله تعالى وخضع أحَبُّ لمؤلف هذا الكتاب (¬٢) من ذكر من خاب وابتدع.
فصل فيما يبتدع من التكبر وما يُسنُّ وهو على قسمين: تكبر بحق، وتكبر بغير حق قال الله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦]. فدلت هذه الآية أن ثَمَّ تكبرًا بحق، وهو قوله ﷺ: «إذا رأيتم المتكبرين فتكبروا عليهم» (¬١)، فينبغي للمؤمن أن يتكبر على المتكبرين إن لم يخف شرَّهم؛ لأنهم قد سقطوا من رحمة الله ورضوانه؛ لما روي أن الله تعالى أوحى إلى داود ﵇: قل للمتكبرين لا يدعوني، فليس لهم عندي رحمة (¬٢). وقال ﷺ: «ثلاث مهلكات: شحٌّ مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه» (¬٣).
فالكبر والعجب مصيبتان في الدين عظيمتان، وآفتان كبيرتان، قال الواحد القهار: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (¬١) [غافر: ٣٥]، وقال ربُّ العالمين: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠]. عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: التقى عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو على الصفا (¬٢) فتواقفا، فمضى ابن عَمرٍو (¬٣)، وأقام ابن عُمر (¬٤) يبكي، فقالوا: وما يبكيك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هذا يعني عبدَ الله بن عمرو (¬٥) - زعم أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من كان في قلبه مثقال حبةٍ من خردلٍ من كبرٍ أكبَّه الله في النار على وجهه» (¬٦). وقال: «لا يزالُ الرجلُ يَذهبُ بنفسه حتى يُكتبَ في الجبَّارين فيصيبه ما أصابهم» (¬٧). وقال موسى ﵇ يوم الطور: يا رب من أبغض خلقك إليك؟
قال: يا موسى، من تكبَّر قلبه، وغلظ لسانه، وصفقت عينه، وبخلت يده (¬١). ثم اعلم بأن الله سبحانه جعل التواضع من أخلاق النبيين والصالحين، وجعل التكبر من أخلاق الأبالسة والجبابرة والفراعنة، لعنهم الله أجمعين، فإن (¬٢) اتصفتَ به في الدنيا، حشركَ الله تعالى معه في الآخرة. واسمع قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]. وقال صلوات الله عليه وسلامه: «طُوبى لمن تواضع من غير مَسْكنةٍ» (¬٣)، فالمتواضع هو من أهل الجنة، ومن جار فله النار. قال ﷺ: «يقول الله ﷿: الكبرياءُ رِدائي، والعظمةُ إِزاري، من نازعني واحدًا منهما قذفتُه في النار ولا أبالي» (¬٤).
هو من أهل الجنة، ومن جار فله النار. قال ﷺ: «يقول الله ﷿: الكبرياءُ رِدائي، والعظمةُ إِزاري، من نازعني واحدًا منهما قذفتُه في النار ولا أبالي» (¬٤).
فإيَّاك أيها المسكين! أن تتصف في هذا الباب ببعض صفات مولاك، فتكون النار مأواك، وارجع إلى قدرك، فإنك عبدٌ ضعيف، لكي يرحمك المولى اللطيف. قال ﷺ: «رحم الله من عَرَف قدره، وكفى الناس أمره» (¬١)، فمن تواضع عرف قدرَه، ومن تكبر ما عرف قدرَه ولا كفى الناس أمره، فيوقعهم بتكبره في الغيبة، ونسأل الله تعالى أن يحرسنا من كل المعاصي، ومن هذه المصيبة. انظر أيها المبعود (¬٢) إلى حالك ثم تكبَّر: أوَّلك نطفة، وآخرك جيفة، وأنت الآن كجراب حسن، ظاهره مليح، وباطنه قبيح، دمٌ وقيح، وبول ومصارين، وما يبرز منك يؤذي الناظرين. مرَّ بعضهم بكَنيفٍ مكشوفٍ فسدَّ أنفَه من نتن رائحته، وإذا لسان الحال يقول: أنا ما كنت كذا. كان الناظر يودُّ لو رآني أو شمَّني، صحبتك ستَّ ساعات من النهار فصرت إلى ما ترى من الأوساخ والأكدار. فانظر أيها العبد كل شيء يصحبك تلف، حتى المسك والورد، فيا من هذا حاله، وبعد هذا يموت، ولا يحمل قرصة برغوث، أيليق لك التكبر أيها الممقوت؟! ثم اعلم بأن التكبر أول معصية عُصي الله تعالى بها، وعبد إبليس ربه مئة ألف سنة على قول بعض العلماء، ورفعه الله إلى السماء، وكان رفيع المنزلة، حسن الصورة، مستجاب الدعوة، خازنًا من خزان الجنة،
عالى بها، وعبد إبليس ربه مئة ألف سنة على قول بعض العلماء، ورفعه الله إلى السماء، وكان رفيع المنزلة، حسن الصورة، مستجاب الدعوة، خازنًا من خزان الجنة،
تحت يده ألوف من الملائكة، يحكم عليهم، فتكبر على آدم، فصيَّره الله تعالى بعد الملكية (¬١) شيطانًا، وغيَّر لونه ومكانه، ولعنه إلى يوم القيامة، فيخاف على المتكبر أن يحبط عمله الله تعالى، ويكون رفيقًا لإبليس في جهنم، فيعود في حسرة وندامة؛ لتشبهه بالأبالسة والفراعنة لعنهم الله، ومن تشبه بقوم حُشر معهم (¬٢). روي ذلك عن من ظللته الغمامة. قال العلماء: لما خلق الله هذا الوجود، طلب الكل العلو إلا الماء، فتواضع فجرت منه السيول، وطلبت بطون الأودية والسهول، ولم تتعرض للعلو، فجعل الله تعالى منه كل شيء حي، مما يعقل ومما لا يعقل، وعاشت الأشجار، وأذهب الله به الأكدار، وطهر به الأنجاس، وعاش النبات والحيوان والناس، وكذلك أنت أيها المؤمن؛ إن تواضعت (لله ولعظمته) (¬٣)؛ جعل منك كل شيء حي، فيحيي (¬٤) جوارحك بالمجاهدة، ويحيي قلبك بالمشاهدة، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]. فإن قال قائل: قد أخبرتني ببعض ما أعد الله تعالى من الحسنات لمن تواضع لعظمة الله وخضع، وما أعده لمن خرج عن طريق الله ورسوله فتكبر وابتدع، فأخبرني ما صفة التواضع؟ وما هو التكبر؟ وما صفة الرحمة؟ فإن كان فيَّ شيء من صفة المتكبرين فادع الله الكريم الغفار أن ينقذني من صفات أهل النار، وإن ظهر (¬٥) فيَّ شيء من التواضع شكرت الله تعالى الذي خصني بحلية الأبرار.
اعلم رحمك الله تعالى! أن الكبر صفة (¬١) من صفات الجبل الشامخ والتلِّ العالي، وصفة المتواضع (¬٢) كالأرض اللينة الوطية، وصفة الرحمة كالمطر. فإن قال القائل: إن المطر إذا نزل عمَّ العالي والمتواطي. قيل: صدقت، لكنه لا يستقر الماء على ما علا من الأرض، وينزل الجميع إلى الأرض الوطيَّة فتصبح مخضرة من هذه الخيرات والعطيَّة. قال الله سبحانه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. والعبد المتواضع هو من المتقين، قال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، أي: يمشون وهم متواضعون. وقال تعالى: ﴿وَلَا تصاعر خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ (¬٣) [لقمان: ١٨]، أي: لا تمله عن الناس معرضًا وتكبرًا عليهم واستخفافًا بهم. وهذه صفة من صفات المتكبر: يغمض المؤمنين الأخيار، ولا يدور مع الحق حيث دار. قال ﷺ: «ثلاثٌ هن أصل كل خطيَّة، فاتقوهن واحذروهن: إيَّاكم الكبر؛ فإن إبليس حمله الكبر على أن لا يسجد لآدم، وإيَّاكم الحرص؛ فإن آدم حمله الحرص على أن يأكل من الشجرة، وإيَّاكم الحسد، فإن ابني آدم إنما قتل أحدهما الآخر حسدًا» (¬٤). وفي حديث آخر أنه قال ﷺ: «عُرِض عليَّ أول ثلاثة يدخلون الجنة، وأول ثلاثة يدخلون النار؛ فأمَّا أول ثلاثة يدخلون الجنة: الشهيد، وعبد
الآخر حسدًا» (¬٤). وفي حديث آخر أنه قال ﷺ: «عُرِض عليَّ أول ثلاثة يدخلون الجنة، وأول ثلاثة يدخلون النار؛ فأمَّا أول ثلاثة يدخلون الجنة: الشهيد، وعبد
مملوك لم يشغله رقُّ الدنيا عن طاعة ربه، وفقير ضعيف ذو عيال. وأمَّا أول ثلاثة يدخلون النار: أميرٌ مسلط، وذو ثروة من المال لا يؤدي الزكاة، وفقير فخور» (¬١)، فالتكبر هو حجاب بين العبد ورب الأرباب، ونسأل الله الكريم الوهاب أن يخرق هذا الحجاب. ثم اعلم بأن الله ﷿ قد جعل قبل خلق السموات والأرض العزَّ في الطاعة، والذُّل في المعصية، والمؤمن هو عالم بأن الحق تعالى لا بد أن يعزَّ من أطاعه، ويذلَّ من عصاه، وتراه على الدوام يخالف سيده ومولاه، وكيف هذا؟! قال: حتى تعلم أن ناصيتك بيده، وأن العلم والخبر لا يحجزان أحدًا عن القضاء والقدر، ونسأل الله تعالى أن يدرك نفوسنا الهالكة التالفة، فليس لها من دون الله كاشفة، فمن رزقه الله تعالى علمًا وعقلًا، ثم سعى في استجلاب ما يضره، وفي دفع ما ينفعه (كان هذا العلم والعقل) (¬٢) حجة عليه يوم يوقفه الحق بين يديه، ليته لا رزق هذا العقل والعلم؛ لأن الجهل خيرٌ من علمه، والمجنون أحسن حالًا من هذا العاقل؛ لأن المجنون القلم مرفوع عنه، ويثاب على جُنِّه، وهذا المسكين يعاقب على عقله، وكان ﷺ يتعوذ من علم لا ينفع، ومن أذن لا تسمع، ومن قلب لا يخشع، (ومن عين لا تدمع) (¬٣)، ومن بطن لا يشبع (¬٤). وقد وصف الله تعالى لنا في الكتاب صفة الأعداء وصفة الأحباب؛ لكي (نتصف
ومن أذن لا تسمع، ومن قلب لا يخشع، (ومن عين لا تدمع) (¬٣)، ومن بطن لا يشبع (¬٤). وقد وصف الله تعالى لنا في الكتاب صفة الأعداء وصفة الأحباب؛ لكي (نتصف
بصفة) (¬١) أحبابه، ونعدل عن وصف من طرده الله تعالى عن بابه، فقال في صفة أعدائه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤]، وقال تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [ص: ٧٤]. فالكبر يؤدي إلى الكفر بالحرمان، ولأجل التواضع جعل الله موسى ﷺ نبيًّا وكلمه بغير ترجمان، فاختر أيها المؤمن! لنفسك ببيان، ولا تَبْع الهدى بالضلالة والخسران، ثم اعلم أن سبب ما كثَّرنا هاهنا الأخبار والأمثال والدليل إلا لكثافة هذا الآدمي؛ فإن طبعه ثقيل، وفي أكثر أوقاته إلى اللهو والبدع والباطل يميل، ولا سيما المتكبر؛ فإنه أثقل الجماعة الخارجين عن طريق صاحب المعجزات والشفاعة. ومن الكبر أيضًا أن يسخر الإنسان بخلقٍ من خلقِ الله تعالى مؤمنًا كان أو كافرًا، برًّا كان أو فاجرًا، قال المولى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجرات: ١١]. فإن قدرت أن لا تسخر من كلبٍ فافعل؛ لأنه خلق من خلق الله. قال بعض الصالحين: لو سخرت من كلب خفت أن يحوِّلني الله كلبًا. سخر بعضهم من كلب فسمع قائلًا يقول: اخلق مثله. فكان سبب توبته؛ فلم يسخر من شيء بعد ذلك. وكذلك لا يسخر الإنسان من أهل الكفر، والفسوق والعصيان، ويشكر الله عند رؤياهم؛ لأجل ما عافاه وابتلاهم؛ قال ﷺ: «إذا رأيتم أهل البلاء اسألوا الله العافية» (¬٢)، فإذا رأى الإنسان من ابتلي في جسمه بأمراض
يان، ويشكر الله عند رؤياهم؛ لأجل ما عافاه وابتلاهم؛ قال ﷺ: «إذا رأيتم أهل البلاء اسألوا الله العافية» (¬٢)، فإذا رأى الإنسان من ابتلي في جسمه بأمراض
مختلفة أيسخر منه أو يشمت به؟ قال: لا، بل يرحمه. قال: فالعاصي أشد بلاءً؛ لأن العاصي قد ابتلي في دينه، والكافر ذهب دينه كله؛ فارحمهما جميعًا (¬١). رأى إبراهيم بن أدهم سكرانًا على قارعة الطريق وقد تعفر وجهه بالتراب، فأخذ ماءً وغسل وجه السكران، ثم دعا له بالتوبة والغفران، فقيل للسكران حين صحا: إن إبراهيم رآك معفَّر (¬٢) الوجه طريحًا، فغسل وجهك، ودعا لك التوبة. فقال الرجل: اللَّهم إني تائب إليك. فقيل لإبراهيم في منامه: يا إبراهيم، طهرت فمه لأجلنا؛ طهرنا قلبه لأجلك. وكان رجل في زمن عيسى ابن مريم ﵇ يُعرف بالملعون؛ (لأجل قلة دينه و) (¬٣) خيره، فطلب منه رجل سيفًا يجاهد به في سبيل الله
تعالى، فأخرج له سيفًا، فمرَّ الرجل والسيف بيده (¬١) على عيسى ﵇، فقال له: من أين لك هذا السيف؟ فقال: دفعه لي الملعون. ففرح عيسى ودعا له، فنزل جبريل ﵇ وقال: إن الله تعالى غفر للملعون بدعائك، وهو رفيق هذا العابد الماشي معك. فبشر عيسى العابد؛ فسخر منه العابد، وقال: الجنة حرام عليَّ لأجله. فنزل جبريل ثانيًا، وقال لعيسى: إن الله تعالى أحبط عمل العابد، وجعله مكان الملعون في النار، وغفر للملعون وجعله مكان العابد في الجنة (¬٢). فيجب على المسلم أن يهجر الفسقة، ويبغضهم، ويزجرهم إما بسبٍّ أو بضربٍ، إن عملوا ما يستحقون ذلك (¬٣)، كل (¬٤) ذلك بالظاهر؛ لامتثال
الشرع الطاهر، ويرحمهم، ويدعو لهم في الباطن، وكذلك الحاكم يقتل مَنْ قتل، ويقطع يدَ مَنْ سرق، ويُحدُّ مَنْ وجب عليه الحدَّ، ويعزر من وجب عليه التعزير: يستوي في ذلك الرجال والنساء، ولا يقبل فيهم شفاعة الشافعين، هذا في الظاهر. وفي الباطن لا يسخر منهم، ولا يشمت بهم؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] الآية. ولقوله ﷺ: «لا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك» (¬١). فلا تسخر من أحد، واقتبس من هذه الأنوار، وإياك والعجب؛ فإنها بدعة مشؤومة، يلقى صاحبها في النار، كما جاء في الأخبار: «ثلاث منجيات، وثلاث مهلكات، فأما المهلكات: فشحٌّ مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه. وأما المنجيات: فالعدل في الرضى والغضب، والاقتصاد في الفاقة والغنى، وخشية الله تعالى في السر والعلانية» (¬٢). قال الشعبي: كان رجل إذا مشى أظلته سحابة (¬٣)، فقال رجل: لأمشينَّ في ظله. فأعجب العابد بنفسه، وقال: مثل هذا يمشي في ظلي. فلما افترقا ذهب الظل مع ذلك الرجل الذي يمشي معه (¬٤). فانظر إلى شؤم العجب، كيف صير هذا العابد كمريض بغير عائد. وقال مطرف بن عبد الله: لأن أبيت نائمًا وأصبح نادمًا أحب إليَّ من أن أبيت قائمًا، وأصبح معجبًا (¬٥).
ى شؤم العجب، كيف صير هذا العابد كمريض بغير عائد. وقال مطرف بن عبد الله: لأن أبيت نائمًا وأصبح نادمًا أحب إليَّ من أن أبيت قائمًا، وأصبح معجبًا (¬٥).
ومن عرف نفسه لا يدخل عليه العجب كالصحابة والتابعين لهم بإحسان: كان أحدهم لا يعرف من بين عبيده، يأكلون جميعًا، ويلبسون سواءً، فكان علي بن أبي طالب ﵁ يشتري ثوبين، ويخيطهما ويلقيهما بين يدي عبده، فيختار العبد أيهما شاء. وصحَّ أن البشير النذير كان يطحن مع الخادم، ويحلب الشاة، ويعلف البعير، ويحمل حوائجه من السوق البعض على يديه وشيء في ثوبه، ويخيط ثوب الأرملة، ويخصف نعل (¬١) الفقير (¬٢).
وروي أنه كان يحط يده في يد الجارية، فتذهب به حيث شاءت (¬١). وركب حمارًا عريانًا، وكان من جملة خُلُقه اللطيف إذا ركب الناقة يحب الرديف؛ فخلقه الجميل وخلق الأصحاب لا يحصرهم هذا الكتاب، لكن ذكرنا شيئًا من بعض صفات الأحباب، وليعلم الإنسان أن الله سبحانه قد نفى عنهم الكبر والإعجاب. روي أن سلمان الفارسي كان يضفر الخوص في أمريته، فلامه بعض الناس (¬٢)، فقال ﵁: جئتكم ومعي درهم من حلال أشتري به خوصًا وأعمله قففًا (¬٣)، فيصير الدرهم ثلاثًا، فأتصدق بدرهم، والدرهم الآخر أنفقه على عيالي، والدرهم الباقي هو رأس مالي، والله لو نهاني عن ذلك عمر بن الخطاب ما انتهيت (¬٤). وكان أبو هريرة ﵁ يحتطب ويبيعه، فينفقه على نفسه وعلى عياله، وهو يومئذٍ أمير بالمدائن، وكان إذا اشتد الزحام والحطب على ظهره يقولون: طرِّقوا للأمير (¬٥). ومع هذا الاحتياط العظيم كان الخوف قد استولى على قلوبهم،
وهو يومئذٍ أمير بالمدائن، وكان إذا اشتد الزحام والحطب على ظهره يقولون: طرِّقوا للأمير (¬٥). ومع هذا الاحتياط العظيم كان الخوف قد استولى على قلوبهم،
فبعض الصحابة لم يدخل في أمر من أمور الدنيا قط، وخُطب على الولاية وأبى، وبعضهم عزل نفسه، وولَّى عمر بن الخطاب ﵁ رجلًا يُعرف بعمير على أهل حمص، ثم عزله بعد سنة، فذهب من حمص (¬١) ماشيًا، وأتى إلى المدينة على ساكنها السلام ماشيًا، فدخل على عمر بن الخطاب ﵁ وقد تغير من مشقة الطريق، فقال عمر: ما بالك؟ قال: ما بي شيء، هذا جرابي لزادي، وقصعتي لأجل وضوئي وطعامي، وعكازي أجاهد به عدوي، والدنيا كلها تبعًا لي، فلام عمر أهل حمص لأجل ما تركوا أميرهم بعد سنة يأتي من عندهم ماشيًا، فقال عمير: اتق الله يا عمر، ولا تغتاب المسلمين، فقد نهاك الله عن الغيبة، أنا لم أطلب منهم شيئًا. فطلب عمر أن يوليه أمرًا آخر، فأبى وقال: لقد كان يومًا مشئومًا عليَّ الذي (عملت لك) (¬٢) فيه، لقد قلت يومًا لنصراني: أخزاه الله. كيف يكون حالي بين يدي الله تعالى؟! فلو لم تولني أنت ما سببت أحدًا. ثم ذهب إلى أهله، وكانوا في قرية ظاهر المدينة، فطلبه عمر وأعطاه وسقًا من طعام وثوبين، فقبل الثوبين وقال: أم فلان عريانة. وردَّ الوسق، وقال: قد تركت في البيت قُوت يومين، وما ندري نعيش لثلاث أم لا. فمات عمير بعد ثلاثة أيام، فخرج عمر بن الخطاب في جنازته حافيًا باكيًا (¬٣). فمَن هذا من بعض أحواله، من أين يأتيه الكبر أو العجب؟! لا يدخلان إلا على رجل قد سخط الله عليه لجلوسه متكئًا، والخدم قد طال وقوفهم (بغير حاجة) (¬٤) بين يديه، وقد جاء في الأخبار أن (تلك صفة) (¬٥) أهل النار.
وقد وصى النبي ﷺ على الإماء والعبيد، فمن عمل بوصيته ورحمهم؛ رحمه الله تعالى، وأعطاه ما يريد، فقال في وصيته: «لا تكلفوهم؛ فإنهم لحم ودم كأمثالكم؛ ألا من كلَّفهم كنت خصمه يوم القيامة» (¬١). ومن السنة أن لا يغلظ عليهم في الكلام جبرًا لقلوبهم؛ فإنها مكسورة لأجل العبودية، ولمفارقة الإخوان والأهل والأوطان، والتشتت في البراري والبلدان، فمن جبرهم جبره علام الغيوب يوم تنكسر فيه القلوب، ومن رحمهم وأراحهم في هذه المدة القليلة أراحه (¬٢) الله تعالى راحة طويلة (¬٣). قال صلوات الله عليه وسلامه: «الرحماء يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، من لا يَرحم لا يُرحم» (¬٤). فإذا طال وقوف الأجناد والمماليك بغير حاجة بين يدي الأمير، ولم يأذن لهم بالجلوس، فقد سقط من عين الملك القدوس القدير، وخرج عن طريق البشير النذير، وهو نوع من التكبر، ومن صفات الجبابرة والفراعنة
(لعنهم الله) (¬١)، ومن تشبه بقوم (في الدنيا) (¬٢) حُشر معهم في الدار الآخرة، كذا ورد في الأخبار المتواترة (¬٣)، وقال ﷺ: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (¬٤). ومن السنة أن يعفو السيد عن عبده إذا غضب عليه، ويتذكر غضب الله تعالى، كما جاء في الحديث «يقول الله تعالى: يا عبدي، اذكر غضبي إذا غضبت» (¬٥). فقد مدح الله تعالى من كظم غيظه بقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، والمحب لا يعذب محبوبه. وفي الخبر: «ينادي منادٍ يوم القيامة: أين من كان أجره على الله؟ فليقم. فلا يقوم إلا من عفا» (¬٦). وتصديق الحديث قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، فإن كان ولا بد من ضربه، فلا يزيد على ثلاث، فإنه
فا» (¬٦). وتصديق الحديث قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، فإن كان ولا بد من ضربه، فلا يزيد على ثلاث، فإنه
قصاص يوم القيامة، ويرى السيد تقصير رقيقه في خدمته من تقصيره هو في خدمة سيده وخالقه. كان محمد بن المنكدر إذا غضب على غلامه يقول: ما أشبهك بسيدك (¬١). وعرك عثمان بن عفان ﵁ أذن غلامه مرة، ثم ندم على فعله، وقال لغلامه: اعرك أذني كما فعلت بك. وأكرهه على ذلك (¬٢). وغضب مرة أبو هريرة على غلام (¬٣) له فرفع يده ليضربه، فافتكر القصاص، وقال: لأبيعنك لمن يوفيني ثمنك. فأعتقه (¬٤). وإذا ضرب الرجل مملوكه، فأقسم عليه بالله تعالى؛ فليتركه ويبر قسم الله تعالى (¬٥)؛ إلا أن يكون حدًّا من حدود الله ﷿، فإن لم يوافقه المملوك على ما يريد فلا يعذبه على ممر الأيام والشهور، والحق سبحانه غيور، وليس له ناصر إلا الرب الغفور. وقد نهى الشرع (¬٦) عن تعذيب الحيوان؛ فما ظنك بالإنسان! فينبغي بيعه ولو بثمن بخس؛ نقص الدنيا ولا ذهاب الآخرة. وإن كانت الدابة تحمل السيد وعبده فلا يتركه يسعى خلفه؛ فإنه نوع من التكبر، وخلاف للسنة، فإن لم تطق الدابة حملهما فلا يسرع في السير لأجل راحة عبده، فلا يدري لعل العبد أفضل من سيده عند الله تعالى، فيا حسرة سيد تجره إلى النار الزبانية، وعبده تتلقاه الملائكة لجنة قطوفها دانية، وهذه حسرة عظيمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾
لى، فيا حسرة سيد تجره إلى النار الزبانية، وعبده تتلقاه الملائكة لجنة قطوفها دانية، وهذه حسرة عظيمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾
[مريم: ٣٩]، ومن الإحسان: إذا طالت المدة، أو كبر العبد عند سيده، (أن يعتقه) (¬١) لعله ينجو من عهدته كفافًا. وجاء في الحديث الصحيح: «إن الله تعالى يعتق بكلِّ عضوٍ من العبد عضوًا من السيد حتى الفرج بالفرج» (¬٢)، ويحسن السيد لمن كان (من مماليكه) (¬٣) أكثر دينًا، لا أكثر حسنًا؛ موافقة لله تعالى، فإنه يحب من أطاعه ويبغض من عصاه. فإن كان العبد طائعًا لربه ممتثلًا أوامر سيده، معتدل القامة؛ كان خيرًا على خير، الذي حسَّن الله تعالى خَلقه وخُلقه. لكن النفس تميل إلى الشاب الجميل، ومن نظر إليه بشهوة سقط من عين المولى الجليل، وقد حسَّن الله سبحانه هذه المحسنات لمعانٍ ثلاث: الأولى: يقول الإنسان (¬٤): هذا حُسْنُ ما يفنَى، فما بالك بحسن ما يبقى. والثانية: ليحصل للصابر الثواب بكف الكف عن العصيان، وظهور ثمرة الإيمان؛ فإن في الشرع لا يحل النظر إليه بغير حاجة، وتحرم الخلوة به، ولا يحل أيضًا لمسه إلا بغير شهوة؛ لأن النفس تلتذ بجميع ما ذكرناه، وتلتذ النفس أيضًا بمجالسته وبكلامه وبسلامه، ونهى الشرع عن مجالستهم، وعن النظر إليهم. وقد تقدم قول سهل بن عبد الله: إنه سيكون في هذه الأمة أناس يقال لهم: اللوطيون، وهم على ثلاثة أصناف: صنف ينظرون، وصنف يصافحون، وصنف
يعملون ذلك العمل الخبيث. نعوذ بالله العظيم من ذلك كله. قال ﷺ: «ملعون ملعون ملعون، من عمل بعمل قوم لوط» (¬١)، وقال: «أخوف ما أخاف على أمتي من بعدي عمل قوم لوط، ألا فلترتقب أمتي العذاب إذا اكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء» (¬٢). وفي حديثٍ آخر: «لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلًا أو امرأة في دبرها» (¬٣). وقال ﵇: «من مات من أمتي وقد عمل عمل قوم لوط؛ نقله الله إليهم حتى يحشر معهم» (¬٤).
قال المؤلف: يكفي اللوطي من البلاء اختلاطه يوم القيامة مع قوم لوط، وبعده من المؤمنين. والثالثة: حسَّنَ المحسَّنات ليختبرك هل تحبها أو تحبه؟ فإن تركت ما يفنى عوضك الحق بما يبقى. وجاء في الحديث: «من ترك شيئًا لله عوضه الله ما هو خير منه» (¬١)، فكثير من العباد نظروا (¬٢) لظاهر زينة الدنيا، فافتتنوا (¬٣)، ومن أيقظه الله تعالى نظر إلى باطنها، فرأى أولها حسنًا، وآخرها فناءً وبلاءً وحزنًا، فلما رأى (آخرها زهد في أولها) (¬٤)، فتركها قبل أن تتركه، وعمَّر قبره بالأعمال الصالحة، قبل أن يدخله، وعمل على رضَى مولاه قبل أن يلقاه. قال بعض الأغنياء لفقير: ما لنا لا نحب الموت؟ قال: لأنكم عمرتم دنياكم، وأخربتم أخراكم، والإنسان لا يحب النقلة من العمارة إلى الخراب (¬٥). ومن البدع ما يفعله بعض جهلة المسلمين، فيلبس مملوكه الجميل الذهب والحرير، فيزداد بذلك حسنًا على حسنه، فيشغل به القلوب، ويوقع العباد في المعاصي والذنوب، فيسقط السيد من عين علام الغيوب؛ لفعله ذلك، ولوقوفه بغير حاجة بين يديه، ولتمتعه بالنظر إليه، فيكون مبتدعًا عاصيًا من ثلاث وجوه، ونعوذ بالله من فعل الرابعة أن يوقعه الشيطان فيها. أولها: لبس الذهب والحرير، وهما حرامان على ذكور هذه الأمة، والإثم على من ألبسه. والثاني: النظر إليه بشهوة، وهذه والأولى حرامان على المسلمين (¬٦)
يها. أولها: لبس الذهب والحرير، وهما حرامان على ذكور هذه الأمة، والإثم على من ألبسه. والثاني: النظر إليه بشهوة، وهذه والأولى حرامان على المسلمين (¬٦)
بإجماع المسلمين، وطول الوقوف بغير حاجة من أفعال المتكبرين، فإن قال قائل: أنا أحب النظر إلى ما حسَّنه الله من الصور، لكن ما في قلبي خيانة. كذب والذي أسبل على الخلق ستره وإحسانه؛ لأن الله تعالى لما خلق النفوس خلق فيها الميل، ولذلك قال تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩]، وقد خلق الله تعالى في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وأباح الجميع لآدم ﵇ غير شجرة، وكان جلساؤه الملائكة فلما خلق تعالى حواء ترك آدم الجميع ومشى خلفها، فلما مالت نفسه إليها زوجه الله تعالى بها، ولما دخلن النسوة على يوسف ﵇ يراودنه بأن لا يخالف امرأة العزيز خاف على نفسه من الميل؛ فدعا ربه وقال: يا رب، كانت واحدة صرن جماعة، ﴿قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٣ - ٣٤]. فمن بارز الله تعالى بالميل إلى محرم ثم ادعى القوة والعصمة، يخاف عليه (من الميل به إلى) (¬١) جهنم، وقد جاء في بعض الآثار: من قارف الفتنة وادعى العصمة فارجموه فإنه كذاب (¬٢). فنفس آدم ﵇ مالت، وهذا العبد الكثيف الخارج عن الشرع الشريف يدعي القوة، وهو ضعيف، والدليل على ضعفه قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]. فسَّرها سفيان قال: هي المرأة تمر بالرجل فلا يملك نفسه عن النظر إليها، ولا ينتفع بها. فأي شيء أضعف من هذا؟ (¬٣). والغلام الحسن الوجه هو بمنزلة النساء؛ بل هو أشد فتنة؛ لأن المرأة بمعزل عن الرجال، وهذا مختلط بهم، والمرأة قد يصل إليها بالزواج، وهذا قد حرَّمه الله تعالى أبدًا (على طول المدى) (¬٤)، فلا تلق نفسك بصحبته في
ن المرأة بمعزل عن الرجال، وهذا مختلط بهم، والمرأة قد يصل إليها بالزواج، وهذا قد حرَّمه الله تعالى أبدًا (على طول المدى) (¬٤)، فلا تلق نفسك بصحبته في
المهالك والردى، ولا تقل بمشاهدته فتخرج عن السنة، وتدخل في طريق من ضلَّ واعتدى. وكان السلف الصالح إذا رأى أحدهم الأمرد يفر منه كما يفر من الأسد. قال المؤلف عفا الله عنه: رأيت فرسًا عند بعض الأصحاب إذا قرب منه الأمرد يميل برأسه إليه ويلعب معه، وإذا جاءه الرجل الملتحي يكدمه ويرفسه. فالدابة تميل وهذا الآدمي الخارج الثقيل قال إنه لا يميل، فيخالف بقوله وفعله الدليل، ويعصي المولى الجليل. ثم اعلم بأن المملوك عند سيده أمانة؛ فإن ظلمه أو أغضبه أو نظر إليه بشهوة وقع في الذنوب والخيانة، فيخاف على سيده أن لا يوفقه الله تعالى، ولا يرزقه أمانَهُ. وإن كان السيد محصنًا وأراد الفساد بعبده، ولم يمكن الخلاص لعبده منه إلا بقتل سيده لم يأثم العبد بقتله، فيقلُّ الفساد، وتستريح منه البلاد والعباد؛ لأن المملوك هو للخدمة لا للفراش كما جاء في الحديث «الصحيح» (¬١)، وكذلك إذا غصب الرجل امرأةً أجنبيةً، وأراد بها الفساد، ولم تقدر أن تتخلص منه إلا بقتله لم تأثم بقتله. وكذلك إذا علمت المرأةُ أن زوجها طلقها ثلاثًا، أو الطلاق البائن ثم جاء يريد جماعها بقلة دينه؛ إن عملت له شيئًا فمات منه لم تأثم، بهذا أخبرنا علماؤنا (¬٢).
والذي يباح من النظر هو أن يقع نظره على شيء بغير تعمد، وينظر السيد أو المعلم للصبي الحسن بقدر الحاجة من أمر ونهي أو تعليم شيء، فإذا فرغ من حاجته غضَّ بصره. وكذلك الطبيب والشاهد ومشتري الجارية، ينظرون بقدر الحاجة، فما (¬١) زاد نقص عند الله تعالى، وكل مَنْ تحلت النفس بالنظر إليه فنظره حرام، وسواء كان المنظور إليه ابن سبعين سنة أو بنت شهرين، وسواء كانت امرأة أبيه أو امرأة ابنه، أو بنت امرأته التي دخل بها، والنظر يباح للشاهد والطبيب ومشتري الجارية وإن اشتهت نفوسهم؛ لأجل الضرورة ولمصالح العباد، فإذا عرف حلية المرأة لا يزيد (¬٢). ألا ترى أن الإنسان إذا اضطر أُحلت له الميتة، فيتناول منها قدر القوت؛ لكي لا يموت، والزيادة حرام، وقال بعضهم: يأكل حتى يشبع ولا عليه ملام؟ ويجوز شرب الخمر لمن وقف في حلقه شيء، فإذا نزلت اللقمة فالزيادة حرام، وكذلك من ابتلي بالعطش المهلك، ولم يجد غير محرم يشرب منه قدر ما يزيل عطشه، والزيادة حرام، ونظيره كثير، ونسأل الله حسن الخاتمة واللطف والتدبير فيما جرت به المقادير. وقد جاء في الحديث: «إن سبعة لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم، ويقول: ادخلوا النار مع الداخلين»، وذكر من جملتهم: «اللوطي، والجامع بين المرأة وابنتها» (¬٣)، وهذا يدل على أن النفس الخبيثة تزني بمحارمها،
لا يزكيهم، ويقول: ادخلوا النار مع الداخلين»، وذكر من جملتهم: «اللوطي، والجامع بين المرأة وابنتها» (¬٣)، وهذا يدل على أن النفس الخبيثة تزني بمحارمها،
وهذه الآفات تأتي من النظر إلى المحرمات. فالقلب كثير التقلب، والميل إلى المحسنات، قال ﷺ: «ما سمي القلب قلبًا إلا لتقلبه فإذا ثبَّته الحقُّ ثبت» (¬١)، قال المولى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. وكان ﷺ يقول: «اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلبي على طاعتك» (¬٢). والقلوب على أقسام: قلب كالشجرة الخضراء، وقلب كالشجرة اليابسة، فإذا هبت رياح المعاصي فالشجرة (¬٣) الخضراء تتحرك، لكن أصلها ثابت، مالت ولم تقلع، وهذه صفة قلب المؤمن الطائع، وأما الشجرة اليابسة فتقلع، وهذا قلب المؤمن العاصي. والقلب هو قوام البدن؛ إن مال القلب مالت جميع الجوارح معه، وإن اعتدل القلب اعتدل الكل؛ قال ﷺ: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (¬٤).
والعبد الطائع لله تعالى ولسيده له أجران، والآبق يحبط الله عمله ويدخله النار؛ إلا أن يهرب من دار الحرب، فيعتق على سيده بدخوله دار الإسلام والإيمان. ومن الدناءة أن يستعمل السيد من أعتقه. ولا يخرج العبد من طاعة سيده إلا أن يأمره بمعصية، وكذلك الجارية والزوجة إن لم تخف إحداهن على هلاك (¬١) عضو من أعضائها، (أو الإتلاف) (¬٢)، فحينئذٍ لم تأثم بفعل المعصية لأجل الخوف بلا خلاف. ويبنى على ذلك الكفر بالله تعالى والسب والسجود للصليب؛ كل ذلك لا يضرُّه إذا كان القلب مؤمنًا بالحبيب.
حينئذٍ لم تأثم بفعل المعصية لأجل الخوف بلا خلاف. ويبنى على ذلك الكفر بالله تعالى والسب والسجود للصليب؛ كل ذلك لا يضرُّه إذا كان القلب مؤمنًا بالحبيب. ويكره للخادم أن يذوق الطعام في وقت الصِّيام، إذا كان السيد صالحًا؛ لأن الصالح لا يعذب الخدام لأجل ملوحة الطعام؛ لأنه يرى الأشياء من الملك العلام، وهو راضٍ عن الله سبحانه، والله تعالى يرضى عنه، ويدخله الجنة بسلام، فإن كان السيد ظالمًا يؤلم عبده لأجل ملوحة الطعام؛ فيذوقه العبد قبل غروب الشمس في رمضان وغيره ولا عليه ملام، ومن السنة أن لا يرضى السيد من خدمه بالفاحشة لكي لا يكون شريكهم في الإثم، وقال بعض العلماء: يقيم عليهم الحد؛ فإن لم يفعل خرج عن طريق من ظللته الغمامة، ويؤخذ منه الحد يوم القيامة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦]، والخدم من جملة الأهل، ومن السنة إذا بلغ العبد الصالح، وخاف عليه سيده من العنت يزوجه، والولد بطريق الأولى، فإن بلغ الولد ولم يزوجه والده مع القدرة؛ خرج الأب عن السنة. ومهما وقع من الولد من المعاصي الأب شريك الولد في الإثم، على كل واحدٍ منهما إثمٌ كاملٌ؛ عملًا بحديث رسول الله ﷺ.
والده مع القدرة؛ خرج الأب عن السنة. ومهما وقع من الولد من المعاصي الأب شريك الولد في الإثم، على كل واحدٍ منهما إثمٌ كاملٌ؛ عملًا بحديث رسول الله ﷺ.
فصل فيما ابتدعته المرازِقَةُ في أقوالها وأفعالها في بعض القرى بمصر والشام من الخزي والآثام فأسخطوا بقولهم وفعلهم الملك العلام وخرجوا عن طريق النبي عليه أفضل الصلاة والسلام فتراهم مذبذبين: تارةً يتمسكون بمذهب الشافعي، وتارة يخالفونه ومن عداه من المسلمين، ويوافقون شيخهم والشيطان الغوي، ونسأل الله تعالى الملِيِّ الغنِيِّ أن يسلمنا من البدع في الأقوال والأفعال، ويهدينا للطريق السَّويِّ، ويرزقنا حسن الخاتمة، وهو القدير القوي، فترى أحد هؤلاء الأشقياء يخرجون عن السنة وعن طريق الأتقياء، ويفعلون شيئًا لا يرضي الخالق ولا المخلوق، ويستدلون على بدعتهم بكلام الشيخ مرزوق (¬١) فيجتنبون جماعات المسلمين، وجُمَعَهُم، وشعائرهم، وأعيادهم، فإن صلى أحدهم في جماعة خوفًا من التوبيخ والعار والشناعة نوى الصلاة وحده، وإن اتفق ذلك في مكة المشرفة أو المدينة على ساكنها أفضل السلام والسكينة. فانظر رحمك الله! إلى ما قدم هذا المخذول من البضاعة بين يدي
الساعة، أحرم نفسه أجر الجماعة، وأخرجها عن طريق صاحب المعجزات والشفاعة، فتشبه هؤلاء المعتدون بأعداء الله المنافقين؛ فخسرت تجارتهم، وضل سعيهم وما كانوا مهتدين. قال ﷺ: «الجماعة من سنن الهدى، لا يتخلف عنها إلا منافق» (¬١). ولقد همَّ النبي ﷺ أنْ يحرق بيوت من تخلف عن الجماعة بالنار صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته وأتباعه السادة الأخيار، صحَّ ذلك في الأخبار (¬٢). فاعتبروا يا أولي العقول والأبصار. روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: علمنا رسول الله ﷺ سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه، ولقد رأيتُنا وما يتخلَّف عنها إلا منافق معلوم النفاق أو مريض، وإن كان المريض ليهادى بين رجلين حتى يقام في الصف، ولو صليتم كما يصلي هذا المتخلف في بيته؛ لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم (¬٣).
فمن اجتنب جماعات المسلمين وجُمَعَهُم فهو عبد معتدٍ كثيف، قد سقط من رحمة (¬١) المولى اللطيف؛ لدخوله في البدع، ولخروجه عن الشرع الشريف. قال صلوات الله عليه وسلامه: «الجماعة رحمة» (¬٢). فإذا ثبت أن الجماعة رحمة فمن خرج عنها فقد خرج من الرحمة وفاتته هذه المنة (¬٣)، ودخل في البدعة واللعنة. وقال ﷺ: «يد الله على الجماعة» (¬٤) ولم يرخص النبي ﷺ في ترك الجماعة لمن كُفَّ بصره وهو ابن أم مكتوم، فاعمل بحديث السيد المعصوم، أيها التارك المحروم، فلما شكا ابن أم مكتوم للنبي ﷺ بُعد الدار، وما يلاقيه في مجيئه إلى المسجد من الأوعار، قال له: «تسمع النداء؟» قال: نعم. قال: «فأجب» (¬٥)، فمن سمع النداء صار جار المسجد، وفي الحديث: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (¬٦)،
من الأوعار، قال له: «تسمع النداء؟» قال: نعم. قال: «فأجب» (¬٥)، فمن سمع النداء صار جار المسجد، وفي الحديث: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» (¬٦)،
واسمع قول رب العالمين: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١]. قال بعض العلماء: هو المؤذن. فالمؤذن يُعرِّف الناس بدخول الوقت، ويدعوهم إلى خدمة الملك العلام، وإلى الصلاة مع الإمام، والحق سبحانه يدعوهم إلى دار السلام (¬١)، يدعوك يأيها العبد وهو غني عنك، ولم تجبه وأنت محتاج إليه، فانظر ماذا يكون حالك (إذا أوقفك الله تعالى) (¬٢) بين يديه، ثم اعلم أن بلالًا وابن أم مكتوم ﵄، كانا يؤذنان في مسجد النبي ﷺ، وكان بلال يؤذن الفجر بليل، وابن أم مكتوم يؤذن في الوقت إذا طلع الفجر الثاني، ولكل منهما فائدة جليلة: أما أذان بلال بليل ليوقظ النائم ويسحر الصائم، فإذا أذن ابن أم مكتوم أمسك الصائم عن أكله وشربه، واستعد لخدمة خالقه وربه. نرجع إلى مقصود الكتاب: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: ٩]. وقال ﷺ: «من ترك جمعةً اسودَّ قلبُه» (¬٣)، وقال ﷺ: «من ترك ثلاث جمع طبع الله على قلبه» (¬٤). والطبع أشد من السَّواد، طبع الحق سبحانه على قلوبهم، لتخلفهم عن السعي بغير عُذر لخدمة سيدهم ومحبوبهم. فلما ادعوا المحبة وسعوا في مخالفة محبوبهم؛ محاهم الله سبحانه من ديوان المحبة، ولم يبلغهم إلى محبوبهم (¬٥). قال بعضهم:
غير عُذر لخدمة سيدهم ومحبوبهم. فلما ادعوا المحبة وسعوا في مخالفة محبوبهم؛ محاهم الله سبحانه من ديوان المحبة، ولم يبلغهم إلى محبوبهم (¬٥). قال بعضهم:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه … هذا محالٌ في القياس (¬١) بديع لو كنت فيه صادقًا لأطعته … إن المحب لمن يحب مطيع قال ﷺ: «يا أيها الناس، توبوا إلى ربكم من قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الزاكية قبل أن تشغلوا، وصلوا الذي بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له، وبالصدقة في السر والعلانية؛ تنصروا وتجبروا وترزقوا، واعلموا أن الله قد فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا، في شهري هذا، في عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي استخفافًا بها أو جحودًا لها وله إمام عادل أو جائر فلا جمع الله شمله، ولا بارك له في أمره: ألا لا صلاة له، ألا لا زكاة له، ألا لا صيام له، ألا لا حج له، إلا أن يتوب، فإن تاب تاب الله عليه» (¬٢). وفُرضت الجمعة وصيام شهر رمضان، وحُولت القبلة في المدينة على ساكنها الصلاة والسلام. وسئل ابن عباس عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل، إلا أنه لا يأتي الجماعة ولا الجُمُعَة، قال: هو في النار (¬٣). وما قال إنَّه في النار إلا لعدوله عن الآيات والأخبار، ولخروجه عن طريق النبي المختار، والمسلمين الأخيار، والنار لمن جار، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].
(¬١) (قال رجل لبعض الصالحين: أوصني. قال: يا بني، إيَّاك أن تفارق الجماعة فتفارق دينك وأنت لا تشعر. وقال صلوات الله عليه وسلامه: «أثقل الصلاة على المنافقين: صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بالنار» (¬٢)، رواه البخاري ومسلم. وجلس رجل ولم يصل مع الجماعة، فلما قضى النبي ﷺ صلاته قال للرجل: «ألست مسلمًا؟» قال: بلى. قال: «فما منعك أن تصلي معنا؟» فقال: قد كنت صليت مع أهلي. فقال: «صل مع الناس وإن كنت صليت مع أهلك» (¬٣). وقال ﷺ: «صلوا خلف كل برٍّ وفاجر» (¬٤)، وفي حديث آخر: «صلوا
خلف من قال لا إله إلا الله. وعلى من قال: لا إله إلا الله» (¬١). وفي مذهب الشافعي (¬٢) رحمة الله عليه: إذا أمَّ رجل بجماعة مدة ثم تبين لهم أن الإمام كان فاجرًا أو على غير وضوء لم تجب عليهم إعادة شيء من الصلوات. وهؤلاء المرازقة يقولون إنهم من الشافعية، فلم يعملوا (¬٣) بمذهبه، ويخالفون خير البريَّة والمذاهب المرضيَّة، والأحاديث الصحيحة المُضيَّة، ولم يرض بهذه البليَّة، إلا هذه الطائفة الرديَّة، فيعدلون عن طريق الصادق المصدوق، ويتركون ما أفتى به جميع هذا المخلوق، ويعملون بقول الشيخ مرزوق، فقد ذكروا أنه قال لهم: لا تصلوا إلا خلف من تعرفونه. يروى عنه أيضًا أنَّه قال لهم: إذا كان أحدكم لا يسلم دنياه إلا لمن (¬٤) يعرفه، فكيف يسلم دينه لمن لم يعرفه؟ وهذا قياس، والدِّين ليس هو بالرأي والقياس؛ ولكن هو بكتاب الله تعالى وبسنة خير الناس، وأول من قاس هو إبليس لعنه الله، فصيره الله تعالى بعد الملائكة شيطانًا رجيمًا، بعد أن كان ملكًا عظيمًا، فصار من جملة الشياطين، ولعنه الله إلى يوم الدين، فكل شيء ثبت (¬٥) بالكتاب والسنة، ما بقي للقياس فيه مدخل، فمن أراد الوصول فعليه بالأصول، وهو التمسك بكتاب الحق سبحانه وبحديث الرسول، فتمسك من العلماء بالأقوال، ومن المشايخ بالأحوال.
ما بقي للقياس فيه مدخل، فمن أراد الوصول فعليه بالأصول، وهو التمسك بكتاب الحق سبحانه وبحديث الرسول، فتمسك من العلماء بالأقوال، ومن المشايخ بالأحوال.
وقد جاء في الأخبار: «إن من قال في الدين برأيه فليتبوأ مقعده من النار» (¬١). وسئل أبو بكر الصديق ﵁ عن مسألة فتوقف فقال: لم أسمع من النبي ﷺ فيها شيئًا. فقال السائل: قل أنت يا خليفة يا رسول الله. فغضب وقال: أي سماء تظلني أو أي أرض تقلني إذا قلت في الدين برأيي (¬٢). وقال المولى ﷿: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وقد أمرنا ﷺ بلزوم الجُمعة والجماعة، والصلاة خلف كل بر وفاجر، ونهانا عن التخلف بقوله: «من فارق الجماعة قدر شبرٍ فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» (¬٣). ولولا شفقة النبي المختار لأحرق بيوت من تخلف عن الجماعة بالنار (¬٤)، فإذا ثبت هذا فلا يلتفت لكلام الشيخ مرزوق؛ لأنه كلام غير لائق، وللسنة لا يوافق، والحق فيما قاله النبي ﷺ أو فعله، (وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ ولا ينبغي للمسلم أن يطيع شيخه ويعصي ربه ونبيه) (¬٥)،
نه كلام غير لائق، وللسنة لا يوافق، والحق فيما قاله النبي ﷺ أو فعله، (وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ ولا ينبغي للمسلم أن يطيع شيخه ويعصي ربه ونبيه) (¬٥)،
قال ﷺ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (¬١). ولهم بدعة أخرى أطمُّ من هذه وأغمُّ، وهي أنهم لا يقولون بتوبة الشاب إذا رجع إلى الله وتاب، وهذا القول مما يسخط رب الأرباب، وهو مخالف للسنة والكتاب، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وقد أجمع المسلمون على قبول توبة الكفار إذا رجعوا إلى السيد الغفار، فرحمة الله تعالى وسعت الكافر، أفما تسع المؤمن الفاجر؟! أتضيق أيها المسكين هذه الرحمة الواسعة على المسلمين وتقنطهم من رحمة رب العالمين؟ قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. فمن ضيَّق على المسلمين هذه الرحمة الواسعة فقد غرُبَت شمسُ إيمانه بعد أن كانت طالعة، وجاء في الحديث أن عابدًا وعظ رجلًا مسرفًا على نفسه، فوعظه مرارًا فلم يأتمر، وقال: دعني) (¬٢) وربي، ما بُعثت (¬٣) عليَّ رقيبًا. فغضب العابد، وقال للمسرف: والله لن يغفر الله لك. فأحبط الله تعالى عمل العابد وأدخله النار، وغفر للمسرف وأدخله الجنة (¬٤). فهذا
ثت (¬٣) عليَّ رقيبًا. فغضب العابد، وقال للمسرف: والله لن يغفر الله لك. فأحبط الله تعالى عمل العابد وأدخله النار، وغفر للمسرف وأدخله الجنة (¬٤). فهذا
العابد حصر بجهله رحمة الله تعالى، ودخل في علمه، وحلف كاذبًا، وأفتى بجهل؛ فأرْدَاه جهلُه، كالراهب الذي أتاه القاتل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، واستفتاه هل له من توبة؟ فأجابه بأن ليس له عند الله توبة، فقتل الراهب وكمَّل به المئة، ثم ذهب إلى رجل آخر وكان عارفًا، فقال له: هل لي من توبة؟ فأجابه: نعم؛ رحمة الله واسعة، تُب واذهب إلى القرية الفلانية. وكان في القرية قومٌ صالحون، فتاب الرجل وخرج يريد القرية ليعبد الله فيها، فأدركه الموت قبل وصوله، فاختصمت عليه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فابتعث الله تعالى ملكًا وقال: إن كان قد مات في أرض الصالحين فيتولى أمره ملائكة الرحمة، وإن كان في أرض الآخرين فيتولى أمره ملائكة العذاب، وكانت منيته في وسط الأرضين، فانقلب عند (خروج روحه) (¬١) إلى أرض الصالحين، فتولى أمره ملائكة الرحمة (¬٢). وهذا حديث صحيح، لكن قلته بالمعنَى؛ لأنِّي نسيتُ أن أنقله على الوضع (¬٣)، وكثير من حكايات الصالحين ذكرتهم بالمعنى، وقد جوز هذا
بعض العلماء، وهو تيسير لمن حل بقلبه الغفلة والعمى؛ فإني (¬١) ألفته بمكة المشرفة، وليس هي بمعدن لما يريد الإنسان من الكتب. وصحَّ أيضًا أن لله سبحانه مئة رحمة أنزل منها واحدة إلى الأرض، فوسعت جميع الخلائق، فبها يتراحم (¬٢) الإنس والجن والطير والهوام والدَّواب (¬٣). فكيف لا تسع الشاب (¬٤) إذا رجع إلى الله وتاب؟! وادخر ﷾ لعباده تسعة وتسعين رحمة ليوم القيامة، وهذه المئة رحمة مخلوقة، ولله تعالى رحمة متصلة بذاته، لا تنعد ولا تنحصر، وهو اسمه الرحيم، فسبحان المولى الكريم الواسع العليم، ولأهل السنة دلائل كثيرة من الكتاب والسنة. أما الكتاب، قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠]. وقال ﷺ: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (¬٥)، فترى بعض المخذولين يعرض عن كلام رب العالمين، وعن قول سيد المرسلين، وعما أفتى به العلماء الموحدون، ويستدل بقوله ﷺ: «سبُّ أبي بكرٍ ذنبٌ لا يُغفر» (¬٦).
ترى بعض المخذولين يعرض عن كلام رب العالمين، وعن قول سيد المرسلين، وعما أفتى به العلماء الموحدون، ويستدل بقوله ﷺ: «سبُّ أبي بكرٍ ذنبٌ لا يُغفر» (¬٦).
اعلم أن الرجل إذا فرط في حق الله تعالى، وفي حق الآدميين ثم تاب فإذا جيء به إلى الشرع يقول له: التوبة تسقط عنك ما بينك وبين الله من المخالفة، ويحبسه لأجل حق ابن آدم إن لم يهبه صاحب الدين، وكذلك إذا تاب الرافضي توبة نصوحًا؛ يتوب الله عليه، ويبقى على مقتضى الحديث إن صحَّ في ذمة الرافضي، ويبقى بين أمور ثلاث: إما أن يهبه الصدِّيق ما برز منه من الأشياء التي لا تليق؛ فهو ممن خصه الله تعالى بالكرم العميق، أو يؤخذ من حسناته وتدفع لأبي بكر الصديق؛ فإن نفدت حسناته فيؤخذ من سيئات غريمه، ويطرح عليه، ويلقى في النار ذات الحريق. وكان شيخنا رحمة الله عليه يقول: إذا رضي الله تعالى عن عبدٍ أرضى عنه خصومه. وفي الحديث: «إن الله سبحانه يري صاحب الدَّين قصرًا حسنًا في الجنة، فيقول صاحب الدَّين: يا رب هذا القصر لمن؟ فيقول الله سبحانه: هو لمن وهب دين أخيه، فيهبه، ويدخلان الجنة برحمة الله وكرمه» (¬١).
وقال ﷺ لأصحابه: «أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم؟ كان إذا أصبح يقول: اللهم إنك تعلم، ليس لي شيئًا أساوي به المسلمين، ولا أملك اليوم إلا عرضي، وقد سبَّلته للمسلمين» (¬١)، وهذا فعل بعض المؤمنين، فما بالك بسيد المؤمنين وخليفة خير النبيين! فتغالت هذه الطائفة في أبي بكر الصديق حتى خرجت عن الطريق، وأفرطت الرفضة (¬٢) في بغضه حتى برز منهم فعل لا يليق، فلطف الله تعالى بأهل السنة، فأخذت الأمر الوسط، وخيار الأمر أوسطه فقط، فقدموا أبا بكر ﵁، ولم ينكروا فضل علي بن أبي طالب ﵁، والكل بفضل الله في أشرف المنازل وأعلا المراتب. روي لما بويع أبو بكر ﵁، قال بعض المنافقين: بايع المسلمون من ليس بخيارهم، فبلغ أبا بكر ﵁ فأمر بجمع المسلمين، ثم قام فيهم خطيبًا، فحمد الله وأثنى عليه وقال: معاشر المسلمين رحمكم الله أقيلوني بيعتكم، فإني لستُ بخياركم. فقام علي ﵁ وقال: والله لا أقلناك، ولا استقلناك، والله إنك لخيارنا. ثلاث مرات؛ فأحبوه ووقروه وقدموه على جميع الأصحاب (¬٣).
بيعتكم، فإني لستُ بخياركم. فقام علي ﵁ وقال: والله لا أقلناك، ولا استقلناك، والله إنك لخيارنا. ثلاث مرات؛ فأحبوه ووقروه وقدموه على جميع الأصحاب (¬٣).
وقالوا: بتوبة الشاب (¬١) إذا رجع إلى الله وتاب، وخافوا عليه إن مات على غير توبة من سوء الخاتمة ومن عظيم العذاب؛ لأن سب أبي بكر ﵁ ذنب من الكبائر، وصاحبه إلى النار صائر، إن جازاه على فعلته الملك القادر، فقد جاء في الحديث الصحيح قوله ﷺ: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» (¬٢). ويجب على المؤمن أن لا يغلو في الدين فيمرق منه ويخرج عن طريق سيد المرسلين، فقد تغالت اليهود في العُزير، وجعلوه ابن الله، وتغالت النصارى في عيسى ابن مريم، فجعلوه ابن الله، وبعضهم أفرطوا وجعلوه إلهًا، وكما أفرط بعض الجهلة الأكراد في الشيخ عدي (¬٣)، وقالوا فيه
ما لا ينبغي ذكره (¬١) من القول الردي، وبعضهم (تغالوا في حب) (¬٢) علي بن أبي طالب حتى جعلوه إلهًا، وبعضهم قدمه على جميع الصحابة ﵃ أجمعين، وقد ألقى بعضهم التغالي في البدع والمهالك، وقد نهينا عن جميع ذلك، فقال المولى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]. فهذه الداهية كانت سبب هلاك الأمم الماضية، فمن اتصف بهم حشر معهم في الهاوية. قال صلوات الله عليه وسلامه: «صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي: إمام ظلوم، وغالٍ في الدين، صارفٌ منه» (¬٣)، معنى الحديث: أي يغلو في دينه حتى يخرج عن طريق السنة والجماعة. وقال ﷺ: «لعن الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (¬٤)، أي: تغالوا في القبر حتى جعلوه مسجدًا. وقال ﷺ: «اللَّهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد» (¬٥). وأراد رجل السجود للنبي ﷺ فنهاه عن ذلك، وقال: لا تسجد لي، ولا لأحد من بعدي؛ لأن هذا من التغالي، ولا يصلح السجود إلا للكبير المتعالي (¬٦). فترى بعض المبتدعين يسجد لشيخه؛ في أيِّ جهةٍ كان سَجَدَ
له، وقد يتفق السجود نحو شيخه وعجزه وباطن قدميه نحو القبلة، وهذا أيضًا من التغالي الذي جعل شيخه كالأصنام التي تعبد من دون الملك العلام، فحينئذٍ يقال لهذا الساجد: الإله واحد، ولا يصلح السجود إلا للسيد الماجد؛ قال الله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١]. ثم إنهم يقولون بالحرف والصوت (¬١)، ويشكون في الأهل والأولاد،
وفي خير العباد، فيقول أحدهم لولده: ولدي إن شاء الله! ولشيء قد مضى حكمه وانفصل أمره، فيقول: سما إن شاء الله! أو لعصاه: هي عصًى إن شاء الله! ونعوذ بالله من قولهم لرسول الله ﷺ: نبي إن شاء الله. ومقتهم لأهل السنة، وكسرهم ما يمسونه من الأواني، ولتطهيرهم لمكان جلس عليه لابس الثوب الأزرق؛ لأنه عندهم من صفات أهل النار، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]. قال العلماء: زرق العيون (¬١). قالوا هم: بل زرق الثياب. وقد تشبه من تغالى منهم (في كسر) (¬٢) آنية مسَّها السُّني بيده، أو (¬٣) شرب منها بالسمرة، وخالف المسلمين البررة، وعدل عن قول الحق سبحانه فيما أمره؛ قُتل هذا العبد ما أكفره، فهذا مبتدع ومسرف، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾
[الأنعام: ١٤١]، ونهى ﷺ عن إضاعة المال (¬١). وقد تشبه هذا المتعوس في فعله هذا بأعداء الله المجوس، وقال ﷺ: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (¬٢). ومتى ثبت عندهم أن واحدًا يعتقد أن الله سبحانه يغفر للرفضة أو يخرجهم الله سبحانه من النار بشفاعة النبي المختار؛ ثم يعتقد ما يعتقده أهل (¬٣) السنة يستحلون ماله ودمه، فإن صحَّ هذا عن المرازقة فهم على الحقيقة زنادقة. وجاء في الحديث: «لن يؤمن أحد (¬٤) حتى يأمن الناس (¬٥) بوائقه» (¬٦). (البوائق: هو الغش والظلم) (¬٧). وقال ﷺ: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (¬٨)، رواه البخاري ومسلم. وهو حجة على الطائفة الملعونة المخالفة التي تُفارق جماعة المسلمين
ثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (¬٨)، رواه البخاري ومسلم. وهو حجة على الطائفة الملعونة المخالفة التي تُفارق جماعة المسلمين
وتستحل أموالهم ودماءهم؛ قال ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى (يشهدوا أن) (¬١) لا إله إلا الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله عصموا مني أموالهم ودماءهم إلا بحقها وحسابهم على الله» (¬٢). وقال صلوات الله عليه وسلامه: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبيع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه» (¬٣)، رواه مسلم. وما كفى ما قالت هذه الطائفة الضالة المضلة الخارجة في استحلال دم المسلمين وأموالهم، وما تقدم من أفعالهم، حتى تكلموا وقالوا في صفات المولى الجليل، وقد نهاهم الشرع عن القال والقيل، فتكلموا في صفاته وذاته ولم يتفكروا في ملكوت السموات والأرض، وفي عجائب مخلوقاته، فأثبتوا لله تعالى الحرف والصوت والصعود والنزول تعالى الله عما يصفون وقال قائلهم بالاستواء (¬٤)، فخاض بجهله بحرًا لا قرار له؛ فضلَّ وغوى،
وما تعدى ساحل هذا البحر إلا العوامون الأقوياء؛ فآمنوا بما جاء به كتاب الله تعالى وبما صح من رسول الله ﷺ، وما تشابه منه وَكَلُوا أمره إلى الله تعالى (¬١). فسلكوا فيه طريق الأولياء، فزكَّى الله سبحانه أقوالهم،



