— Bagian 8 · ه تعالى، فقيل له في ذلك، فقال: أخاف أن أقول: لبي… —
Bagian 8
ه تعالى، فقيل له في ذلك، فقال: أخاف أن أقول: لبيك. فيقول: لا لبيك ولا سعديك. فقيل له: لا بد لك من التلبية لأن التلبية سنةٌ في مذهب الشافعي، وعند أبي
حنيفة واجبة (¬١) فلما لبَّى خرَّ مغشيًّا عليه (¬٢). وقف الشيخ ابن الموفق بعرفة وقال: اللهم إن كان في هذا الموقف من لم تقبل حجته فاجعل حجتي له. فلما عاد إلى المزدلفة رأى الحق سبحانه يقول له في منامه: يا ابن الموفق. قال: لبيك. قال: علينا تتسخى وتتكرم وأنا أكرم الأكرمين، أيقف أحد في الموقف ولا أغفر له ولذريته ولأهله ولعشيرته؟ أما علمت أني أهل التقوى وأهل المغفرة؟! (¬٣).
حجَّ ﵁ ستين حجة، في آخرها جلس تجاه الكعبة يفكر في أمره هل قبل أم لا؟ وقال بعض الصالحين في مِنًى: اللهم إن الناس قد تقربوا إليك بقربانهم، ولا أملك اليوم إلا نفسي فاقبلها منِّي، فخرَّ ميتًا (¬١). حجَّ رجلٌ تكروريٌّ وكان مؤلفُ الكتاب مجاورًا بمكة المشرفة هو وعياله فجاء التكروريُّ إلى إمام المالكية بمكة، وقال له: اجعلني في حلٍّ. وقال: قيل لي: إن الله سبحانه غفر لأهل الموقف لأجلك، ومن علامة ذلك أنك تموت في غدٍ. فأصبح ميتًا، تغمدنا الله وجميع المسلمين برحمته. فانظر إلى خوف هؤلاء السَّادة مع ما سبق لهم من الخير والعبادة، وأَمْنِنَا (¬٢) وقد خالفنا عالم الغيب والشهادة، كان همهم الآخرة، فصرف عنهم همَّ الدنيا والآخرة. قال عمر بن الخطاب ﵁: إنْ كنت أعول همًّا غير همِّ يوم القيامة لا أمَّنني الله منه (¬٣). دخل رجل على زوجته مهمومًا، وكانت عارفةً بالله، فقالت: اللهم إن كان همه الدنيا فاصرفه عنه، وإن كان همه الآخرة، فزده همًّا إلى همه. ثم اعلم بأنَّ العبد إذا كان خاملًا في الدنيا خيرٌ له من أن يكون خاملًا (¬٤) في الآخرة، ويُبس كسْرتك خير من يُبس قلبك، لا تكن كالطفل يشترط فيبكي، والكبير يتجرع المرارة ويصبر لعلمه بالمنفعة، ولو دامت الدنيا لأهلها لا ينبغي أن يحسدوا عليها لنقصان الآخرة، والأكدار في طرف العصا.
فصل فيما يبتدعه بعض الإخوان عند مَدِّ الخِوانِ (¬١) فيعصون بسبب ذلك الواحد المنان، ويخرجون عن طريق أهل الخير والإيمان، ويعملون المحرمات على المائدة، ووبالها عليهم عائدة، فيأكلون في آنية الذهب والفضة وما هو من جنسهما من الملاعق، وقد حرَّمه الشرع، وفعله غير لائق. ومن البدع ما يفعله بعض الأشرار على المائدة: من ضرب قِنْزٍ (¬٢) وطار، أو ربابة ومزمار، ونشدهم الأشعار، الكل خرجوا عن طريق النبي المختار، والصحابة الأخيار، والمؤمنين الأبرار.
وأكثر ما تستعمل هذه البدع عند من أعمى الله قلبه من الأمراء والسلاطين؛ فتخرج من بينهم الملائكة، وتحضرهم الشياطين. وقد أجمع العلماء أن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة حرام على الرجال والنساء (¬١)، وكذلك التطيب والادهان والاكتحال (¬٢). فاترك الكل وخف من شديد المحال، فمن ترك ما حُرم عليه عوضه الله سبحانه ما هو خير منه من الحلال، وهذا الطعام هو شر الطعام؛ لما فيه من البدع والآثام. ولا ينبغي لمن يدعي الإسلام أن يحضرهم، ولا يجيب دعوتهم؛ لخروجهم عن طريق النبي ﷺ، وعن طريق أصحابه الكرام؛ لقوله ﷺ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (¬٣). ثم اعلم بأن الطعام على أقسام: منه ما يفترض وهو طلب الحلال، وهو من أعظم الأحوال، وبه قوام الدين والبدن، وقبول الأعمال، وبوجوده وصل العمَّال، فعلمه يقدَّم على كل حال.
قال بعض المتقدمين: أدركت الناس، وما يتعلمون إلا الورع، وإنهم ليتعلمون اليوم الكلام (¬١). قال عبد الله بن عمر ﵁: لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا وصمتم حتى تكونوا كالأوتار، ما تقبل الله ذلك منكم إلا بورع حاجز (¬٢). وقال يحيى بن معاذ: لو علمت العلم، وزهدت، وصحبت الأبدال، وكتبت السنن، لم تدخل بستان القوم حتى تعرف من أين الكسرة (¬٣). وقيل لداود الطائي: أوصني. قال: اقرأ القرآن، تريد به وجه الله تعالى؛ وانظر خبزَك من أين هو؟ (¬٤). وقال الفضيل: من عرف ما يدخل بطنه كان صدِّيقًا (¬٥). وقال: إذا أحب الله عبدًا طيَّب له مطعمه (¬٦). وقال أيضًا: ما تزيَّن المؤمن بأفضل من الصدق وطلب الحلال (¬٧).
: من عرف ما يدخل بطنه كان صدِّيقًا (¬٥). وقال: إذا أحب الله عبدًا طيَّب له مطعمه (¬٦). وقال أيضًا: ما تزيَّن المؤمن بأفضل من الصدق وطلب الحلال (¬٧).
وقال السَّريُّ: طريق النجاة أن يكون معك ثلاث خصال هنَّ سبيل الهدى، وهن: الطهارة من البدع، وكمال التقوى، وطيب الغذاء (¬١). وقيل لبشر الحافي: كيف الطريق إلى الله؟ قال: الصوم والصلاة، ومن أين تأكل (¬٢). سألت عائشة ﵂ النبي ﷺ فقالت: مَنْ المؤمن يا رسول الله؟ قال: «مَنْ حاسَبَ نفسه من أين يدخل قرصاه» (¬٣). فمن حاسب نفسه في الدنيا لم يُحاسب في الآخرة. وجاء في حديث آخر: «استحيوا من الله حقَّ الحياء». قالوا: يا رسول الله، إنا لنفعل (¬٤)، إنا لنستحيي. قال: «ليس كذلك، من استحيَى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما حوى، والبطن ما وعى، ومن طلب الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيَى من الله حقَّ الحياء» (¬٥).
فمن استحيا من الله تعالى استحيا الله منه. نبَّه ﷺ بهذه الوصية النافعة الجامعة لخيري الدنيا والآخرة على الجوارح الظاهرة: فالرأس وما حوى ظاهر، والبطن وما وعى عبَّر به عن الباطن؛ ليحفظ المؤمن قلبه عن العقائد الفاسدات، ويصونه عن الوساوس المذمومة والغفلات، ولا يدخل جوفه شيئًا من المحرمات، ويحفظه أيضًا من الشبهات. قال أبو جحيفة: كنت عند رسول الله ﷺ فتجاشأتُ، فقال: «أقصر عنَّا جشَأَك، فإن أطول الناس جوعًا يوم القيامة أكثرهم شبعًا في الدنيا». قال: فما شبعت بعد (¬١). عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين». فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمدَّ يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذِّي بالحرام؛ فأنَّى يستجاب لذلك؟! (¬٢).
١٧٢]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمدَّ يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذِّي بالحرام؛ فأنَّى يستجاب لذلك؟! (¬٢).
وفي حديث آخر: «لا يدخل الجنة لحم نبت (¬١) من سحت» (¬٢). وقال إبراهيم بن أدهم: ما نَبُل منَّا مَنْ نَبُل بكثرة حجٍّ ولا جهاد، إنما نَبل مَنْ كان يعقِلُ ما يدخل جوفه -يعني الرغيفين- من الحلال. فبكى من كان حوله من الحاضرين، وكان يقول: لقمة من جريش الملح آكلها … ألذ من تمرة تحشى بزنبور (¬٣) وقال: أطب مطعمك، ولا عليك أن تقوم الليل، ولا تصوم النهار (¬٤). وقيل له: كيف أصبحت؟ قال: بخير، إذا لم يحمل مؤنتي غيري (¬٥). وكان يأكل من عمل يده ﵀. وقال ﷺ: «أحل ما أكل المؤمن من كسب يمينه، وإن داود نبي الله كان يأكل من كسب يمينه» (¬٦).
ومن البدع الأكل من غير جوع، وهو إسراف، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]. وفي الخبر: أن ثلاثة يمقتهم الله تعالى: الأكول، والمتكبر، والضاحك خلف الجنازة (¬١). فمن ضحك في المقابر فهو مبتدع جائر؛ لأن الموت بين عينيه وهو يضحك. وكان ﷺ إذا رأى المقبرة بكى، وكان يقول: «هي أول منزل من منازل الآخرة» (¬٢). وكذلك الضحك عند قراءة القرآن والذكر والأذان، ومن ضحك عند المفجوع بالمصيبة فهو عبد مفتون. والضحك من غير عَجَبٍ نوع من الجنون، وفي الحديث: «ثلاثة أشياء تقسي القلب: كثرة الأكل، وكثرة الضحك، ومجالسة الجهال» (¬٣). وكان ابنُ كثيرٍ أحد القراء السبعة يقول عن نفسه:
بُنَيُّ كثيرٍ أَكولٌ نؤومٌ (¬١) … وما هذه صفاتُ (¬٢) من خافَ ربَّه بُنَيُّ كثيرٍ يُعلِّمُ علمًا (¬٣) … لقد أعجز الصوفُ مَنْ جَزَّ كلبَه بُنَيُّ كثيرٍ دَهَتْهُ اثنتان: … رياءٌ وعُجبٌ يخالطنَ قلبَه (¬٤) ثم اعلم بأن الشِّبع الزائد أولُّ بدعة أُحدثت في الإسلام، فقد كانوا يجوعون من غير عوز؛ لما يرون فيه من اتباع النبي ﷺ والصحابة والتابعين. وفيه مصالح الدنيا والآخرة، أما من جهة الدنيا فصحة الجسد،
في الإسلام، فقد كانوا يجوعون من غير عوز؛ لما يرون فيه من اتباع النبي ﷺ والصحابة والتابعين. وفيه مصالح الدنيا والآخرة، أما من جهة الدنيا فصحة الجسد،
وقلة علله، وتوفير المال، ومن جهة الآخرة رقة القلب، وكسر النفس، والقوة على الطاعة، وخوف الرحمن، وتضييق مسالك الشيطان، والمحافظة على الطهارة، وحياة القلب ومحبة الرب؛ لأن الله تعالى يبغض الأكول، ويحب من يتبع الرسول، ويصفو عقله، ويروق ذهنه، ويورثه الحكمة؛ لأن الحكمة كالعروس تحب البيت الخالي، فترى الحكيم يحمل الحكمة، والحمار يحمل العلف. وقال خالد بن معدان: إن لقمة السمين تطفئ نور حكمة الحكيم. وكان يقول: ارحموا فقيرًا أفسدت معدته طعام الأغنياء (¬١). وقال ابن عباس ﵁: ليأتين على الناس زمان يكون هَمُّ أحدهم بطنه، ودينه هواه (¬٢). ليس العجب (من بني إسرائيل حين تاهوا في قدر نصف ميل أربعين سنة، إنما العجب) (¬٣) فيمن تاه الأربعين والخمسين سنة (¬٤) في قدر شبرٍ؛ وهو بطنه! فأي مكان عُرف (¬٥) بالمأكل الكثير (عمل إليه) (¬٦) بالمسير، وليس ذلك فعل ولي ولا فقير، ويقبح على الرِّجال (¬٧) أن يشدوا لمثل ذلك (¬٨) الرِّحال؛
قال ﷺ: «لا تشدُّ الرحال إلا لثلاث: لبيت الله الحرام، ولمسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (¬١). دخل رجل على النبي ﷺ وشرع يصف كثرة (ما يأكل في) (¬٢) بلده من اللحم واللبن وغيره، فقال له: «إلى ماذا يذهب» (¬٣) قال: إلى ما تعلم يا رسول الله. قال: «فذلك (¬٤) مثل الدنيا» (¬٥).
صف كثرة (ما يأكل في) (¬٢) بلده من اللحم واللبن وغيره، فقال له: «إلى ماذا يذهب» (¬٣) قال: إلى ما تعلم يا رسول الله. قال: «فذلك (¬٤) مثل الدنيا» (¬٥).
فما وصل إلى الله تعالى العمال إلا بأفضل الأعمال وهو الصدق والزهد، وحمل المؤنة عن الناس، واتباع السنة، والرضى عن الله تعالى في كل حال، فنرى بعض الناس يقدمون على رجل ضعيف الحال، فيقدم لهم ما حصل وقدر عليه من الطعام، فلا يرضون به، ويغلظون عليه الكلام، ليأتي لهم بأطيب من ذلك الطعام، فيسخطون بذلك الملك العلام، ويخرجون عن طريق النبي عليه أفضل الصلاة والسلام؛ فهؤلاء المبعودون قد اتصفوا بصفات الصالحين، ولم يبلغوا إلى منازل العوام؛ فالله بريء منهم، والنبي ﵊ وجميع الإسلام. قال صلوات الله عليه وسلامه: «أنا وأمَّتي بُرآءُ من التَّكلُّف» (¬١). فاتصف هؤلاء القوم بزي الفقراء، وما نالوا منهم (¬٢) وطرًا، والحق سبحانه ما ينظر للحسن البديع، ولا للثوب الرفيع، ولا لمرقعة مبتدع ورقيع. كما قال في الحديث: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى لباسكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (¬٣). فإذا وجد القلب خاليًا من البدع والأكدار ملئ من الخير والحكمة والأنوار. كان بعض الصالحين يقول عند النَّزع: «اللَّهم إنك تعلم ما كنت
أحب البقاء في الدنيا لبطنٍ، ولا لفرجٍ» (¬١)، فقد علمتَ أن في المأكل اليسير الخيرَ الكثير، والمتابعة للبشير النذير، والأكُول متَّبع للبهائم والكفار والحمير. وقد جمع الحق سبحانه في آية واحدة الطب كله، وهو قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١] فالأمراض المختلفة والتُّخم والعلل والأسقام أصلها من الإسراف بلا خلاف؛ لأن الشِّبَع المفرط أصل كل داء حتى قال بعض الحكماء: من أكل الطعام بغير إسراف لم يعتل إلا علة الموت، وهو أن يأكل بعد الجوع، ويرفع قبل الشبع عملًا بالحديث، يعمل بطنه على ثلاثة أقسام: ثلث للطعام، وثلث للشراب، وثلث للنفس (¬٢). والدرجة العليا أنْ يأكل الإنسانُ أكلَ المريض، وينام نوم الغريق (¬٣). ومن السُّنة غسل اليدين قبل الطعام وبعده (¬٤)، وتسمية الله تعالى في
الابتداء (¬١)، ويحمده في الانتهاء (¬٢)، فإن نسي التسميةَ في ابتداء الأكل يسمِّي في أثنائه أو بعد فراغه فيقول: بسم الله أوله وآخره (¬٣). فلو كانت الدنيا لقمة وقال آكِلُها: الحمد لله. لأدَّى شكرَها. ويكرم الخبزَ فإنه قوام الدين والدنيا، وما يصير الرغيف رغيفًا حتى يعمل فيه ثلاث مئة وستون صانعًا: أولهم ميكائيل، وآخرهم الخبَّاز، ومن إكرامه أن لا يرفع على الخبز شيئًا، ويلتقط ما سقط منه، وإن قلَّ (¬٤). ورأى ابن عمر ﵄ كسرة في الطريق فقال لغلامه: ارفعها.
فلما غربت الشمس طلبها، فقال الغلام: أكلتها. فأعتقه، وقال: سمعت النبي ﷺ يقول: «من رفع كسرةً من الأرض وأكلها غُفر له»؛ وأنا لا أستخدم من غُفر له (¬١). فقد علمت أن) (¬٢) الشِّبع المفرط مضرة في الدنيا والدين، ويعد فاعله من المسرفين.
ومن البدع قطع الخبز بالسكين (¬١)، فأقلل من الأكل تنتفع أيها المسكين، ولا تعد من المسرفين؛ لأنه إذا كثر الأكل قلَّ الخوف، ومات القلب، وعاشت النفس، وإن كان المأكل من حلال، والحرام قليله وكثيره يعمي القلوب، ويبعد عن علام الغيوب، وفي الأخبار: إن تصدق به لم يؤجر عليه، وإن أنفقه لم يبارك فيه، وإن تركه خلفه، كان زاده إلى النار (¬٢). وكان ﷺ يربط الحجر والحجرين على بطنه من الجوع (¬٣)، ولو سأل الله تعالى أن يطعمه من طعام الجنَّة لفعل، وكان أكثر أكل البشير النذير الخبز الشعير (¬٤)، وهو سنة الأنبياء ﵈. مرَّ أنس بن مالك ﵁ على جماعة يأكلون لحمًا سميطًا،
أن يطعمه من طعام الجنَّة لفعل، وكان أكثر أكل البشير النذير الخبز الشعير (¬٤)، وهو سنة الأنبياء ﵈. مرَّ أنس بن مالك ﵁ على جماعة يأكلون لحمًا سميطًا،
وخبزًا مرققًا، فعزموا عليه، فقال: كلوا فما رأيت رسول الله ﷺ أكل لحمًا سميطًا، ولا خبزًا مرققًا، ولا شبع من خبز شعير حتى لقي الله تعالى (¬١). ويحرم على المسلم أن يدخل من غير دعوى؛ لقوله ﷺ: «من دخَل من غير دعوًى دخل سارقًا، وخرج مُغيرًا، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» (¬٢). ويحرم على المؤمن أيضًا أن يفرق الطعام بغير دستور صاحبه، فإنه دُعِيَ ليأكل (مَا دُعِي لأجل التَّفرقة) (¬٣). ويحرم (على الإنسان) (¬٤) أن يخطف اللحم من بين أيدي الآكلين؛ لأنهم فيه مشتركون، وفيه تشبُّهٌ بمن ينتهب، قال ﷺ: «من انتهَبَ فليس منَّا» (¬٥). ومن أباح طعامًا له أو متاعًا للناهبين جاز لهم ذلك، وكذلك ما ينثر في الأعراس والولائم من الذهب والفضة والسكر وغيره، يجوز أخذه من الأرض، ولا يجوز أخذ الطبق من يد حامله قبل نثره، ولا يبسط ثوبه ولا رداءه لنزول الطبق فيه.
وأما النثر على ولاة الأمر كالقضاة والولاة لا يجوز للإنسان أن ينتهب منه؛ لأنه بمنزلة الرشوة، وهدية الأمراء مكروهة إلا للمضطرين، ولأهل السجون، وكذلك من ذبح شيئًا لأجل الأمراء والوزراء يكره أن يأخذ الإنسان من ذلك اللحم شيئًا (¬١). ولا ينتهب من نهبة العساكر، ومن كان أكثر ماله من حلال يجوز قبول هديته، وإن كان أكثره حرامًا فلا يجوز، ومن أتاه شيء بغير سؤال وردَّه فكأنما ردَّه على الله، بهذه المسائل أخبرنا علماؤنا ﵃ أجمعين. وأول بدعة أحدثت في الملة الإسلامية الأكل الزائد، والمناخل، وغسل البر وهو يذهب ببركته (¬٢) وأكل الدسومات، والمرق السمين يورث ما تقدم ذكره من القسوة والمقت، وانتشار الشهوة، ونسيان الآخرة، ولا يترك بالكلية لكي لا يضعف البدن عن القيام لخدمة خالق البرية. قال السيد الجليل، صاحب المواهب والكرامات: سهل بن عبد الله التستري: لما خلق الله تعالى الدنيا جعل في الشبع الجهل والمعصية، وجعل في الجوع العلم والحكمة (¬٣).
سيد الجليل، صاحب المواهب والكرامات: سهل بن عبد الله التستري: لما خلق الله تعالى الدنيا جعل في الشبع الجهل والمعصية، وجعل في الجوع العلم والحكمة (¬٣). وكان عبد الله بن عمر ﵁ يقول: ليت أن الله جعل رزقي في مصِّ حصاة، فقد استحييت من الله من كثرة اختلافي إلى الحُشِّ (¬٤). والحش هو المرحاض.
وروى أبو نعيم في «الحلية» (¬١) وذكر ابن الجوزي في «صفة الصفوة» (¬٢): أن بعض السلف كان يأكل في كل ستة أشهر أكلة، فعجب بعض الناس من ذلك المدد الذي أمده الله تعالى به، فقال لهم: من أي شيء تعجبون؟ سألت الله سبحانه أن يكفيني مؤنة بطني ففعل. وسأل بعض مشايخ «الرسالة» أن يُمدَّه الله ويُغنيَه عن هذه المآكل، وكان إذا جاع قويَ، وإذا شبع ضعف (¬٣). وهذه من كرامات الأولياء، ولا ينكرها إلا من نكب من الأشقياء؛ فإنه مقام الصالحين، وأجر الإيمان بكرامات أهل اليقين، وقد صحَّ أن أبا ذر ﵁ مكث بزمزم ثلاثين يومًا لم يستطعم طعامًا (¬٤) غير ماء زمزم، فسمن على الماء. رواه البخاري ومسلم في إسلام أبي ذر (¬٥). دخل رجل إلى زمزم يريد ماءً، فوجد رجلًا ومعه ركوة وقد ملأها، فقال: يا سيدي، اسقني. فسقاه، فوجد سُويقًا مذابًا بسكر، فقال له: بالله
من أنت؟ قال: وتكتم؟ قال: نعم. قال: أنا سفيان الثوري (¬١). ومن الإسراف أن يأكل العبد كل ما تشتهيه نفسه. (¬٢) (قال يحيى الوراق: من أرضى الجوارحَ بالشهوات، فقد غرس في قلبه شجرة الندامات (¬٣). وقال الثوري: إذا عصتك نفسك فيما تأمر، فلا تطعها (¬٤) فيما تشتهي (¬٥).
وقالت امرأة العزيز: إن الحرص والشهوة صَّيرا الملوك عبيدًا، وإن الصبر والتقى صيَّرا العبيد ملوكًا (¬١). والعبد المذموم هو المشغول بهذه الهموم عن خدمة الحي القيوم، قال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]. والمؤمن في الدنيا كالأسير يسعى في فكاك رقبته، همُّه الطاعة لا تقرُّ عينه إلا بها، وقرة عين المنافق في الزينة؛ فترى هذا العبد المتعوس، المخالف للملك القدوس، العالم بما في النفوس، يتحلى بلبس الذهب والحرير، ويتزين كما تتزين العروس، وقرة عين الحمار في العلف، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ [محمد: ١٢]. وإياك أيها المؤمن! أن تترك طريق نبيك ﵊، وتتشبه بالمنافقين، أو تتصف (¬٢) بصفات الكفار والأنعام، وتنسى ما مَنَّ عليك به من الخيرات والإنعام، فتخالف الملك العلام على ممر الشهور والأعوام، فإذًا يخاف عليك عند الموت من تغير الأحوال؛ لإعراضك عن الرب الباقي، ولإقبالك على هذه الطلول الفانية والأعلام. ثم اعلم بأن النبي ﷺ وصف المؤمن ووصف الكافر؛ فقال: «حسب المؤمن لقيمات يقمن صلبه» (¬٣). وقال: «المؤمن يأكل في معاء واحد، والكافر يأكل في سبعة معاء» (¬٤).
اعلم بأن النبي ﷺ وصف المؤمن ووصف الكافر؛ فقال: «حسب المؤمن لقيمات يقمن صلبه» (¬٣). وقال: «المؤمن يأكل في معاء واحد، والكافر يأكل في سبعة معاء» (¬٤).
وقال أيضًا: «أكثركم شبعًا في الدنيا، أكثركم جوعًا يوم القيامة» (¬١). فجوَّعْ نفسك أيها المؤمنُ! لوليمة الآخرة، وتشبَّه بعباد الله الصالحين، لكي لا تنسى الجائعين، واجلس على الطعام بأدبٍ، ولا تتجشأ منه؛ فإنك تودُّ بعد أكله لو خلَّصك الله منه، فمن أكل بغير مقدار، فقد تشبَّه بالثور والحمار، وخرج عن طريق الأولياء والأخيار، وخالف القرآن العظيم والأخبار، فترى بعض المترفين يتجشأ منه، فيثقل الطعام على معدته، فيسعى في حطِّ حمله بالمعاجين والسفوف (¬٢) وما هذه صفات من يخشى المولى الرؤوف، فإذا أكل الإنسان؛ يحمد الله تعالى، ويسأله أن لا يؤاخذه بجائعي أمة محمد ﷺ، ويدعو الله سبحانه أن يهديه ويقويه، حتى يصرف رزق الله تعالى في طاعته، وفيما يرضيه، فيكون شاكرًا لإنعامه وأياديه، والفاجر من حمد الله تعالى عَقِيبَ أكله، ثم صرف الطعام في مخالفة الله سبحانه ومعاصيه. قال المولى الغفور: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥] وقال في آية أخرى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. وقد بيَّنت الشاكر والفاجر، وذكرت في هذا الباب شيئًا من البدع ومما عليه يثاب، وأما آداب الأكل ومنافعه فلا يحتمله هذا الكتاب. وقد جمع الطب كلَّه في ثلاث كلمات: الحمية رأس الدواء، والمعدة بيت الداء، وعوِّدوا كلَّ جسدٍ بما اعتاد (¬٣).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كلمات: الحمية رأس الدواء، والمعدة بيت الداء، وعوِّدوا كلَّ جسدٍ بما اعتاد (¬٣).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل: فيما يبتدعه العباد في المآتم والأعياد والمواسم والجُمع والأيام من أكل وشرب وعقر شيء من الأنعام عند قبور موتاهم وهذه البدعة توافق الجاهلية، وتخالف الإسلام؛ صحَّ في الأخبار أن الجاهلية كانوا يعقرون الإبل عند قبر ميتهم (¬١)، ويقولون: تكون مطعمًا للميت بعد مماته؛ فإنه كان يطعمها للأضياف قبل مماته، ومنهم من كان يذهب في ذلك أنه إذا عُقرت راحلته عند قبره، حشر يوم القيامة راكبًا، ومن لم يُعقر عنه حُشِر راجلًا، وهذا رأي من كان يرى البعث بعد الموت، فنهى النبي ﷺ عن ذلك وقال: «لا عقر في الإسلام» (¬٢).
والعقر للإبل، والذبح لغيره، وإن عكس جاز مع الكراهية لخروجه عن السنة. رأى الحسن البصري رجلًا يأكل في المقبرة فقال لأصحابه: هذا رجل منافق، الموت بين عينيه، وهو يشتهي الطعام (¬١). وفي يومنا هذا قد جعلوا زيارة القبور ملعبة ومنزهة ضد المقصود، وشؤم (¬٢) ذلك عليهم يعود؛ لاختلاط الرجال بالنساء، ولرقصهم وضربهم بالطَّار والعود، ولنسيانهم للموت، ولقلة تفكرهم لأهوال القيامة واليوم الموعود، فمن أطلق زوجته أو كريمته أو جاريته في هذه الأوقات فهو شريكهم في السيئات؛ لقلة غيرته، ولخروجه عن طريق السادات (¬٣). والمعاصي في القبور لا يفعلها إلا كل عبدٍ معتدٍ مغرور، قد نسي الموت والقيامة والنشور؛ لأن المقبرة تذكر الآخرة، ولا يُمكِّن أيضًا الرجلُ
ولدَه من الخروج للفرج وحده، إن كان له حسن ظاهر كي لا (¬١) يعبث به الرجل الفاجر، وهذه النصيحة لمن كان له غيرة (¬٢)، وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وكان ﷺ إذا مرَّ بمقبرة بكى (¬٣)، وكذا السلف الصالح، وكان لا يعرف صاحب الجنازة من غيره لكثرة البكائين. ومن البدع: كتب القرآن أو شيئًا من أسماء الله تعالى على القبور، ونشر المصاحف عليها، وتزيينها بالياسمين والرياحين، وإطلاق العود والبخور، وأما إيقاد الشمع عليها بالنهار أو السرج بالليل، فهو إسراف بلا خلاف. وهذه النفقة معصية غير مخلوفة، ووقع (¬٤) الفاعلون لها في أمور مخيفة؛ لخروجهم عن الشريعة الشريفة، فإن أنفق الوصي من التركة ضمنه، فإن أوصى الميت بذلك لم تقبل وصيته؛ لأنها معصية، وقال ﷺ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (¬٥). لأن الميت لا ينتفع بشيء من ذلك؛ فيضيع المال في غير مصلحة. وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال، وعن القيل والقال (¬٦)، وعن البذخ (¬٧) في الطعام (¬٨). فمثل من يَقِدُ السراج على القبر كمثل من يقِدُ (¬٩) السراج على سطح
بيته؛ لأن النور لا ينزل إلى البيت، كذلك لا يدخل إلى القبر ولا ينتفع الميت بشيء من المشموم؛ إلا بالصدقة للسائل والمسكين والمحروم، أو بدعاء ولد، أو ما قدمه هو لنفسه من الأعمال الصالحة لينجو بها من عذاب جهنم ومن الأحزان والهموم، أو أن يقرأ له شيء من كلام الحي القيوم. وكذلك لا ينتفع الميت بظلِّ خيمةٍ ولا قُبَّةٍ، وإنما يُظِلُّ الميتَ عملُه. ومن البدع أن يُعمل على القبر مسجدٌ؛ لقوله ﷺ: «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (¬١). ونهى النبي ﷺ عن الصلاة في المقبرة (¬٢)، وقال: «اللهم لا تجعل
ع أن يُعمل على القبر مسجدٌ؛ لقوله ﷺ: «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (¬١). ونهى النبي ﷺ عن الصلاة في المقبرة (¬٢)، وقال: «اللهم لا تجعل
قبري وثنًا يُعبد» (¬١). واختلف العلماء في الصلاة في المقبرة، فتكره عند جماعةٍ، وتحرم عند آخرين (¬٢)، فإن عمل أحد على القبر بناءً؛ هو من المسرفين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وقال ﷺ: «شر المال ما ذهب في الماء والطين» (¬٣)، ولأن الميت لا ينتفع بالبناء، فإن وصى الميت بشيء مما تقدم ذكره فيعذب، وإلا فالإثم على من يفعلها وحده، وإن كان برضاهما يأثمان جميعًا. ومن أوصى بنياحة عليه يصل شؤمها ووبالها إليه، وإلا فالإثم على النائحة، وعلى من كان السبب، وعلى المستمعين، قال ﷺ: «النائحة ومن حولها من المستمعين، عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (¬٤).
وفي «صحيح مسلم»: «إن النائحةَ تُكسى يوم القيامة سربالًا من قَطَران ودرعًا من جرب» (¬١). والنوح هو من دعوى الجاهلية، وقد تبرأ من فاعله خير البرية، فقال ﷺ: «ليس منَّا من لطم الخدود، وشقَّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (¬٢). وفي حديث آخر: «ليس منَّا من حلق ومن صلق» (¬٣). ومن البدع ما يفعل بين يدي الميت من قراءة وذكر، وحمل خبز وخرفان، الكل لا يرضي الواحد الديَّان. وكذلك ما يفعل خلفها من تغيير الزي: كسواد الوجه، ولطم الخد، وقطع الثياب (¬٤)، وكشف الرأس، والمشي حفاة، وحل الضفائر، كل ذلك بدعٌ لا ترضي السيد الغافر؛ لأنهم تشبهوا بقوم قد سخطوا بقضاء الله تعالى، وترك التسليم لأمره. وفي الحديث: «إنَّ من رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط» (¬٥).
لا ترضي السيد الغافر؛ لأنهم تشبهوا بقوم قد سخطوا بقضاء الله تعالى، وترك التسليم لأمره. وفي الحديث: «إنَّ من رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط» (¬٥).
وقد تجرؤوا على الحق سبحانه) (¬١) بأقوالهم وأفعالهم: كسَبِّ الموت، ولعن الساعة واليوم، وكسر الأواني، ورشِّ التِّبن، وما يشبه ذلك من أنواع الخزي. وأما المؤمن الصالح فقد رضي عن الله في كل شيء، والله تعالى راضٍ عنه، قال الله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]، وقال ﷺ: «من رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط» (¬٢). لمَّا مات علي بن الفضيل تبسَّم أبوه فقيل له: ما رأيناك ضاحكًا قط، فكيف الآن؟! قال: إن الله سبحانه أحب شيئًا فأحببته (¬٣). متى يلحق البطَّال بهؤلاء الأبطال؟ لا في الشدة صابرًا، ولا في النعمة شاكرًا، ولا في الطاعة مخلصًا حاضرًا، ولا في المعصية تائبًا نادمًا معتذرًا؛ كالعبد المدبر أينما يوجهه سيده لا يأت بخير، فيجب على المسلم الرضى بالقضاء. قال ابن عباس ﵁: أول شيء كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ: إنني أنا الله، لا إله إلا أنا، محمد رسولي، من استسلم لقضائي، وشكر لنعمائي، وصبر على بلائي؛ كتبته في اللوح المحفوظ صديقًا، وبعثته يوم القيامة مع الصديقين، ومن لم يستسلم لقضائي، ويشكر لنعمائي، ويصبر على بلائي، فليخرج من بين أرضي وسمائي، وليتخذ إلهًا سواي (¬٤). فمن فاته درجة الرضى عن الله تعالى فعليه بالصبر، قال ربُّ الأرباب:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. وفي الحديث: «إذا مات ولد العبد يقول الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم. فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول تعالى: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد» (¬١). وقال ﷺ: «من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه، ورزقه خلفًا صالحًا يرضاه» (¬٢). والاسترجاع قول العبد عند المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون. قال المولى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]. ثم اعلم بأن الجزع والنوح حرام، والبكاء مباح، والجزع ليس هو أن لا يجد الإنسان مرارة وحزنًا، بل الجزع إظهار ما لا ينبغي إظهاره من قول وفعل. قيل لبعض الحكماء وقد دخل عليه الهمُّ والحزن: أَخرج هذا الهمَّ من قلبك. فقال: ليس بإذني دخل! (¬٣) وصحَّ أن النبي ﷺ بكى عند موت ولده إبراهيم ﵁؛ وقال: «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب تعالى» (¬٤).
فمتى فقد الإنسان الصبر وابتدع في أقواله وأفعاله، كما تقدم ذكره، فتتشعب المصيبة ببقاء مصائب موت النساء أو الرجال، وذهاب المال وقلة الأجر. ومن السنة المشي خلف الجنازة للرجال دون النساء (¬١)؛ لأن خروجهن فتنة، وهُنَّ وأصواتهنَّ عورة (¬٢)، وصحَّ أن النبي ﷺ لعن زُوَّارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج (¬٣)، وفي حديث آخر قال لزوَّارات
القبور: «ارجعن مأزورات لا مأجورات؛ تفتنَّ الأحياء، وتؤذين الأموات» (¬١). فإن قيل: قد جاء في الحديث: «زوروا القبور فإنها تذكر الموت» (¬٢)؟! قال العلماء: هذا الخطاب للرجال (¬٣). ولأنَّ النبي ﷺ لم يأمر النساء بالخروج لصلاة الجماعة، وهي من أفضل الأعمال، فكيف يأمرهن بالخروج إلى المقابر؟ وقال الشيخ الإمام صاحبُ كتاب «الأحكام»: «تستحبُّ زيارة القبور للرجال دون النساء» (¬٤).
لجماعة، وهي من أفضل الأعمال، فكيف يأمرهن بالخروج إلى المقابر؟ وقال الشيخ الإمام صاحبُ كتاب «الأحكام»: «تستحبُّ زيارة القبور للرجال دون النساء» (¬٤).
ومن البدع ما يفعله أهل القرى من تشييع ميتهم إلى قبره بالنياحة والطار، فتخرج من بينهم الملائكة، وتحضرهم الشياطين، ويلعنهم الواحد القهار. ومن السُّنة إسراع الميت إلى قبره في الليل والنهار، ليكون العبد الضعيف نزيلًا لسيده اللطيف. قال ﷺ: «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة، فخير تقدمونها إليه، وإن تكن سوءً (¬١)؛ فشرًّا تضعونه عن رقابكم» (¬٢).
ومن السنة أن لا يجلس أحد حتى تحط الجنازة إكرامًا لها (¬١)، وكان في ابتداء الإسلام يقام لها، ثم نسخ فصار آخر الأمر أن لا يقوم لها إلا من يريد أن يشهدها أو يصلي عليها، أو يحضر دفنها (¬٢). ثم اعلم أن تشييع الجنازة من فروض الكفاية (¬٣)، إذا قام به البعض سقط عن الباقين فصار مستحبًّا، فإن تبع الجنازة لا ينقلب (¬٤) المستحب هنا واجبًا، وكذلك يستحب صلاة التطوع، وصيام التطوع، ما لم يشرع فيهما، فإذا شرع انقلب واجبًا يجب عليه القضاء إذا أفسده؛ لأن الإنسان إذا دخل في عمل صالح لا يبطله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة. ومذهب الشافعي بعكس ذلك: لا يجب القضاء بل يستحب (¬٥).
قال ﷺ: «من صلى على جنازةٍ فله قيراط من الأجر، فإن شهد دفنها فله قيراطان أصغرهما كأُحُد» (¬١). فإن أراد الإنسان الرجوع من المصلى لضرورة رجع بإذن صاحب الجنازة، وهذه المسائل الشريفة على قاعدة مذهب الإمام أبي حنيفة، ونسأل الله حسن الخاتمة بقدرته اللطيفة، فقد قرَّب (الآجال، وبعَّد الآمال) (¬٢). قال ابن عباس ﵄: كان ﷺ إذا أراد أن يهريق الماء، تيمم بالتراب، فأقول: يا رسول الله، إن الماء منك قريب. فيقول: «لعلِّي لا أدركه» (¬٣).
َد الآمال) (¬٢). قال ابن عباس ﵄: كان ﷺ إذا أراد أن يهريق الماء، تيمم بالتراب، فأقول: يا رسول الله، إن الماء منك قريب. فيقول: «لعلِّي لا أدركه» (¬٣).
قيل لإبراهيم بن أدهم: ما لَنَا ندعو الله تعالى ولا نرى الإجابة؟! قال: لأنكم عرفتم الله تعالى فلم تطيعوه، وعرفتم النبي ﷺ فلم تتبعوا سنته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا بأحكامه، وأكلتم نِعَمَ الله تعالى ولم تؤدوا شكرها، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، وعرفتم النار فلم تهربوا منها، وعرفتم عداوة (¬١) الشيطان ووافقتموه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، ودفنتم الأموات ولم تعتبروا بهم، وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس (¬٢). وليس للإنسان أنفع من الصبر لمصالح الدنيا والآخرة، وما فُجع المؤمن وخرج عن طريق صاحب المعجزات والشفاعة إلا لفقد صبر ساعة. ولما توفي رسول الله ﷺ سمعوا قائلًا يقول: إنَّ في الله تعالى لعزاءً من كلِّ مصيبةٍ، وخَلَفًا مِنْ كلِّ هالكٍ، ودَركًا من كل فائتٍ؛ فبالله ثِقُوا، وإياه فارجوا فإنَّ المصاب مَنْ حُرِم الثَّواب (¬٣).
ومن السُّنة أنَ يُقال عند رُؤية الجنازة: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، اللهم زدنا إيمانًا وتسليمًا (¬١). ويُكْثِر خلف الجنازة مِنْ ذكر الله تعالى والدعاء لها، ولا يرفع صوته، ويترك الضحك وكلام الدنيا خلفها. ويُستحب أن يُكبِّر ويقول: أشهد أن الله يحيي ويميت وهو حي لا يموت، سبحان من تعزز بالقدرة والبقاء، وقهر العباد بالموت والفناء (¬٢). جاء في السِّير: أن بعض الخلفاء بنى قبةً في وسط لجة ماء، وأحكمها (¬٣) المهندسون، فصار الماء يصعد إلى رأس القبة ويتفجر من أعلاها، فلمَّا فرغت دخلها فأخذته (¬٤) سنة من النوم، فسمع قائلًا يقول: أتبني بناء الخالدين وإنما … مقامك فيها لو عقلت قليل لقد كان في ظل الأراك كفايةً … لمن كل يوم يعتريه رحيل فمات الخليفة بعد جمعة (¬٥).
ويوضع الميت نحو القبلة، ويقول الواضع: بسم الله، وعلى ملة رسول الله، اللهم هذا عبدك وابن أمتك، نزل بك وأنت خير منزول به، وخلَّف الدنيا خلف ظهره، اللهم اجعل ما قدم عليه خيرًا مما خلَّفه وراء ظهره، وألحقه بنبيك ﷺ. وهذا مستحبٌ (¬١). ويستحب أيضًا لمن يحثو عليه التراب أنْ يدعو له بالمغفرة والرِّضوان ويقرأ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]، ويتلو: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]. ويستحبُ عند رؤية المقابر أن يقرأ: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]، ثم يقول: أشهد أن الله يحيى ويميت، أعوذ بالله من شر ما بعد الموت. قال وهب: مَنْ قالهن كُتب له بعدد كل ميت في الأرض حسنة (¬٢). ومن السُّنة أن لا يذكر الميت إلا بخير (¬٣)، ويخلع الزَّائر نعله بين
من شر ما بعد الموت. قال وهب: مَنْ قالهن كُتب له بعدد كل ميت في الأرض حسنة (¬٢). ومن السُّنة أن لا يذكر الميت إلا بخير (¬٣)، ويخلع الزَّائر نعله بين
المقابر إكرامًا للموتى (¬١). وفي الخبر أنه يثاب المسلم لإكرام الموتى، ويغفر لمن شهد جنازته (¬٢)، ومَن صلَّى عليه أربعون رجلًا شفَّعهم الله فيه (¬٣)، ومَن صلَّى عليه مئةُ رجل غفر الله له (¬٤)؛ صحَّ ذلك كله في الحديث. ومن البدع: بوس القبر والتمسح به، وسواء كان القبرُ لنبيٍّ أو لوليٍّ، ولا يسجدُ لقبرٍ (¬٥).
والصبحة ليست بسنة، فمن لم يقل بأنها سنةٌ وفعلها جبرًا للمؤمنين؛ يُجبر إن شاء الله رب العالمين (¬١).
قال مالك بن دينار (¬١): أتيت القبور وقلت فيها بيتين، وهي: أتيت القبور فناديتها … أين المعظم والمحتقر وأين المذل بسلطانه … وأين العزيز إذا ما افتخر قال: فنوديت من بينهم أسمع صوتًا ولا أرى شخصًا يقول: تفانوا جميعًا ولا مخبر … وماتوا جميعًا وهذا الخبر فصاروا إلى ملكٍ قاهرٍ … عزيزٍ مطاعٍ إذا ما أمر تروح وتغدو بنات الثرى … فتمحو محاسن تلك الصور فيا سائلي عن أناسٍ مضوا … أما لك فيما مضى (¬٢) معتبر وهذه الأشياء هي من كرامات الأولياء؛ لأن الله تعالى إذا أحب عبدًا كان له سمعًا وبصرًا، ويدًا ومؤيدًا، كما جاء في الحديث الصحيح (¬٣).
ا مضى (¬٢) معتبر وهذه الأشياء هي من كرامات الأولياء؛ لأن الله تعالى إذا أحب عبدًا كان له سمعًا وبصرًا، ويدًا ومؤيدًا، كما جاء في الحديث الصحيح (¬٣).
والتعزية سُنَّة ولا حجر في لفظها. عزَّى الشافعي (¬١) رجلًا فكتب إليه: إني معزيك (¬٢) لا أني على ثقة … من الخلود ولكن سنة الدين فلا المعزي بباقٍ بعد ميته … ولا المعزي ولو عاشا إلى حين ولما مات ابن الشافعي (¬٣) رحمهما الله أنشد: وما للدهر إلا هكذا فاصطبر له … رزية مال أو فراق حبيب روي عن الحارث بن نبهان أنه قال: كنت أخرج إلى الجبانات، أترحَّم (¬٤) على أهل القبور (¬٥) وأتفكر وأعتبر، وأنظر إليهم سكوتًا لا يتكلمون، وجيرانًا لا يتزاورون (¬٦)، وقد صار لهم من بطن الأرض وِطَاءً، ومن ظهرها غطاء، وأنادي: يا أهل القبور، محيت من الدنيا آثاركم، وما محيت عنكم أوزاركم، وسكنتم دار البلاء فتورمت أقدامكم. قال: ثم يبكي بكاءً شديدًا، ثم يميل إلى قبة فيها قبر، فينام في ظلها، قال: فبينما أنا نائم إلى جانب القبر فإذا أنا بحس مقمعة يضرب بها صاحب القبر، وأنا أنظر إليه، والسلسلة في عنقه: وقد ازرقت عيناه واسود وجهه، وهو يقول: يا ويلي، ماذا حلَّ بي؟ لو رآني أهل الدنيا، ما ركبوا معاصي الله أبدًا، طولبت والله باللذات فأوثقتني، وبالخطايا فأغرقتني، فهل من شافعٍ أو مخبرٍ أهلي بأمري؟ قال الحارث: فاستيقظت مرعوبًا، وكاد أن يخرج قلبي من هول ما
أبدًا، طولبت والله باللذات فأوثقتني، وبالخطايا فأغرقتني، فهل من شافعٍ أو مخبرٍ أهلي بأمري؟ قال الحارث: فاستيقظت مرعوبًا، وكاد أن يخرج قلبي من هول ما
رأيت، فمضيت إلى داري فبتُّ ليلتي وأنا متفكر فيما رأيت، فلما أصبحت قلت: دعوني أعود إلى الموضع لعلي أجد به أحدًا من زوار القبور، فأعلمه بالذي رأيت. قال: فمضيت إلى المكان الذي كنت فيه بالأمس، فلم أرَ أحدًا فأخذني النوم فنمت، فإذا أنا بصاحب القبر وهو يسحب على وجهه ويقول: يا ويلتاه ماذا حلَّ بي؟ ساء في الدنيا عملي، وطال فيها أجلي، حتى غضب عليَّ رب الأرباب. فالويل لي إن لم يرحمني ربي. قال الحارث: فاستيقظت وقد تولَّه عقلي مما رأيت وسمعت، فمشيت إلى داري وبتُّ ليلتي، فلما أصبحت أتيت القبر لعلي أجد أحدًا من زوار القبور فأعلمه بما رأيت، ثم نمت فإذا أنا بصاحب القبر قد قرن بين قدميه، وهو يقول: ما أغفل أهل الدنيا عني، ضوعف عليَّ العذاب، وتقطعت عني الحيل والأسباب، وغضب علي ربُّ الأرباب، وغلَّق في وجهي كل باب؛ فالويل لي إن لم يرحمني العزيز الوهاب. قال الحارث: فاستيقظت من منامي مرعوبًا وهممت بالانصراف، وإذا بثلاث جوارٍ قد أقبلن، فتباعدت لهن عن القبر وتواريت لكي أسمع كلامهن فتقدمت الصغرى ووقفت على القبر، وقالت: السلام عليك يا أبتاه، كيف هدوؤك في مضجعك، وكيف قرارك في موضعك؟ ذهبت عنا بودك، وانقطع عنا سؤالك، فما أشد حسرتنا عليك. ثم بكت بكاءً شديدًا. ثم تقدمت الابنتان فسلمتا على القبر وقالتا: هذا قبر أبينا الشفيق علينا، والرحيم بنا آنسك الله بملائكة رحمته، وصرف عنك عذابه، ونقمته؛ يا أبتاه جرت بعدك أمور لو عاينتها لأهمتك، ولو اطلعت عليها لأحزنتك، كشف الرجال وجوهنا وقد كنت أنت سترتها. قال الحارث: فلما سمعت كلامهن بكيت، ثم قمت مسرعًا إليهن، فسلمت عليهن، وقلت لهن: أيها الجوار إنما الأعمال ربَّما قُبلت وربَّما رُدَّت على صاحبها، فما كان عمل أبيكما المخلد في هذا القبر الذي عاينت من أمره ما أحزنني، واطلعت من حاله على ما آلمني. قال الحارث: فلما سمعن كلامي كشفن عن وجوههن، وقلن: أيها
العبد الصالح، وما الذي رأيت؟ قلت لهن: لي ثلاثة أيام أختلف إلى هذا القبر أسمع صوت المقمعة والسلسلة فيه. قال: فلما سمعن ذلك مني. قلن لي: بشارة ما أضرَّها، ومصيبة ما أحزنها. ونحن نقضي الأوطار، ونعمِّر الدِّيار، وأبونا يُحرق بالنَّار؛ فوالله لا قرَّ (¬١) بنا قرار، ولا ضمنا للذة العيش دار، بل (¬٢) نتضرع للجبار لعله أن يعتق أبانا وينقذه من النار. ثم مضين يتعثرن في أذيالهن. قال الحارث: فمضيت إلى داري فبتُّ ليلتي، فلما أصبحت أتيت القبر، فجلست عنده، فغلبني النَّوم، فإذا أنا بصاحب القبر له حُسن وجمال، وفي رجليه نعل من ذهب، ومعه حورٌ وغلمان. قال الحارث: فسلَّمت عليه، وقلت له: رحمك الله من أنت؟ فقال: أنا الرجل الذي عاينت من أمره ما أحزنك، واطلعت منه على ما أفجعك، فجزاك الله خيرًا؛ فما أيمن طلعتك عليَّ. فقلت له: وكيف حالك؟ فقال: لما اطَّلعت عليَّ وأخبرت بناتي بالأمس بحالي؛ أعرين أبدانهن وأسبلن شعورهن (¬٣)، وتضرعن لمولاهن، ومرغن خدودهن في التراب، وأهملن دموعهن بالانسكاب، واستوهبنني من العزيز الوهاب؛ فغفر لي الذنوب والأوزار، وأنقذني من النار، وأسكنني دار القرار بجوار محمد النبي المختار، فإذا رأيت بناتي فأعلمهن بأمري وما كان من قصتي ليزول عنهن روعهن، ويفارقن حزنهن. قال الحارث: فاستيقظت فرحًا مسرورًا لمَا رأيت وسمعت، ثم مضيت إلى داري وبتُّ ليلتي، فلما أصبحت أتيت القبر (¬٤) فوجدتهن حافيات الأقدام، فسلمت عليهن وقلت لهن: أبشرن، فقد رأيت أباكن في خير
لمَا رأيت وسمعت، ثم مضيت إلى داري وبتُّ ليلتي، فلما أصبحت أتيت القبر (¬٤) فوجدتهن حافيات الأقدام، فسلمت عليهن وقلت لهن: أبشرن، فقد رأيت أباكن في خير
عظيم وملك مقيم، وقد أعلمني أن الله تعالى قد أجاب دعاءكن ولم يخيب مسعاكن، وقد وهب لكن أباكن؛ فاشكرنه على ما أولاكن. قال: فقالت الصغرى: يا مؤنس القلوب، ويا ساتر العيوب، ويا كاشف الكروب، ويا غافر الذنوب، ويا عالم الغيوب، ويا مبلغ أمل المطلوب، قد علمت ما كان من مسألتي، ورغبتي واعتذاري في خلوتي، واستقامتي من زلتي، وتنصُّلي من خطيئتي، وأنت اللهم تعلم همتي، والمطلع على نيتي، والعالم بطويتي، ومالك رقبتي، والآخذ بناصيتي، وغايتي في طلبتي، ورجائي عند شدتي، ومؤنسي في وحدتي، وراحم غربتي، ومقيل عثرتي، ومجيب دعوتي، فإن كنت قصرت فيما (¬١) أمرتني، وركنت إلى ما عنه نهيتني، فبحلمك حملتني، وبسترك سترتني، فبأي لسان أذكرك؟ وعلى أي نعمك أشكرك؟ ضاق بكثرتها تضرعي (¬٢)، فيا أكرم الأكرمين، ويا غاية الطالبين، ويا مالك يوم الدين، الذي يعلم ما يخفى (¬٣) في الضمير، وتدبَّر من الصغير والكبير، فإن كنت قضيت الحاجة بفضلك وشفعتني في عبدك؛ فاقبضني إليك إنك (¬٤) على كل شيء قدير. ثم صرخت صرحة فارقت الدنيا رحمة الله علينا وعليها. قال: ثم قامت الثانية، فنادت بأعلى صوتها: يا رب، يا رب، فرِّج كربتي، وخلِّص من الشك قلبي، يا من أقامني من صرعتي، وأقالني من عثرتي، ودلَّني من حيرتي، وأعانني في شدتي؛ إن كنت قبلت دعوتي، وقضيت حاجتي، وأنجحت طلبتي، فألحقني بأختي. ثم صاحت صيحة فارقت الدنيا رحمة الله علينا وعليها. قال: ثم قامت (¬٥) الثالثة، ونادت بأعلى صوتها: اللَّهم أيها الجبار
تي، وأنجحت طلبتي، فألحقني بأختي. ثم صاحت صيحة فارقت الدنيا رحمة الله علينا وعليها. قال: ثم قامت (¬٥) الثالثة، ونادت بأعلى صوتها: اللَّهم أيها الجبار
الأعظم، والملك الأكرم المكرم، والعالم بمن سكت وتكلم، لك الفضل العظيم، والملك القديم، والوجه الكريم، العزيز من أعززته، والذليل من أذللته، والشريف من شرفته، والسعيد من أسعدته، والشقي من أشقيته، والقريب من أدنيته، والبعيد من أبعدته، والمحروم من أحرمته، والرابح من أوهبته، والخاسر من عذبته، أسألك باسمك العظيم، ووجهك الكريم، وعلمك المكنون الذي بعد عن إدراك الأفهام، وغمض عن مناولة الأوهام، وباسمك الذي جعلته على الليل فدجى، وعلى النهار فأضاء، وعلى الجبال (¬١) فدكدكت، وعلى الرياح فهبت (¬٢)، وعلى السماوات فارتفعت، وعلى الأصوات فخشعت، وعلى الملائكة فسجدت، اللَّهم إني أسألك إن كنت قضيت حاجتي، وأنجحت طلبتي، فألحقني بصويحباتي. ثم صاحت صيحة فارقت الدنيا، تغمدها الله برحمته وإيانا ووالدينا برحمته وجميع المسلمين (¬٣). نختم هذا الباب بمسائل (¬٤) من السنة والكتاب: يجوز للمؤمن أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاةً كان، أو صيامًا، أو حجًّا، أو صدقة، أو قراءةً، أو غير ذلك عند أبي حنيفة وأصحابه (¬٥)، وأحمد بن حنبل (¬٦) ومن تابعهم من المسلمين. رُوي في «البخاري ومسلم»: أنَّ النبي ﷺ ضحى بكبشين أملحين:
أحدهما عن نفسه، والآخر عن أمته؛ أي جعل ثوابه لأمته (¬١). وذكر عبد الحق صاحب «الأحكام» في «العاقبة» قال: روي عن النبي ﷺ قال: «الميت في قبره كالغريق ينتظر دعوة تلحقه (¬٢) من ابنه أو أخيه، أو صديق له؛ فإذا لحقته كان أحب إليه من الدنيا وما فيها» (¬٣). روى الدارقطني عن علي بن أبي طالب ﵁؛ أن النبي ﷺ قال: «من مرَّ على المقابر فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] إحدى عشرة مرة، ثم وهب أجرها للأموات، أُعطي من الأجر بعدد الأموات» (¬٤). وروى الحافظ من «شرح السنة» عن أبي هريرة ﵁ قال: يموت الرجل ويدع ولدًا، ترفع له درجة، فيقول: يا رب ما هذا؟ فيقول:
استغفار ولدك لك (¬١). وقال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] يفهم من هذا أن استغفارهم مفيد للمؤمنين. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ الآية [الحشر: ١٠] دلَّ أن هذا الدعاء ينفعهم. وأما قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. فقد اختلف العلماء في هذه الآية على ثمانية أقوال: أحدها: أنها منسوخة. قاله ابن عباس، منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١]. أدخل الأبناءُ الجنةَ بصلاح الآباء. وقال بعض العلماء: المراد بالإنسان هاهنا الكافر، أما المؤمن فله ما سعى وما سُعي له. قاله الربيع. وقال الحسن بن الفضيل (¬٢): ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾
[النجم: ٣٩] عن طريق العدل، وأما من طريق الفضل فجائز أن يزيده الله تعالى ما شاء، قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]. وهذا تفضلًا من عند الله، وطريق العدل أن ليس للإنسان إلا ما سعى؛ إلا أن الله سبحانه يتفضل على عبده بما لا يستحقه: كتب له بالحسنة الواحدة عشرة إلى سبع مئة ضعف، إلى ألف ألف حسنة، كما قيل لأبي هريرة: أسمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله ليجزي على الحسنة الواحدة ألف ألف حسنة؟ قال: سمعته يقول: «إن الله ليجزي على الحسنة ألفي ألف حسنة» (¬١)، وهذا من فضل الله تعالى، وقد تفضل الحق سبحانه على الأطفال والمجانين بإدخالهما الجنة بغير عمل. والقول الآخر: ليس له إلا سعيه، غير أن الأسباب مختلفة، فتارة سعيه في تحصيل ولد أو صديق يستغفر له، وتارةً يسعى في خدمة أهل الدين والعبادة، فيكسب محبة أهل الدين، فيكون ذلك سببًا حصل له بسعيه. حكى هذين القولين أبو الفرج ابن الجوزي (¬٢).
ق يستغفر له، وتارةً يسعى في خدمة أهل الدين والعبادة، فيكسب محبة أهل الدين، فيكون ذلك سببًا حصل له بسعيه. حكى هذين القولين أبو الفرج ابن الجوزي (¬٢).
قوله ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث» (¬١)، لا يدل انقطاع عمله أنه ينقطع عمل غيره عنه، ولهذا أجمع العلماء على وصول (¬٢) الحج والصدقة إليه، وقضاء الدين عنه، قال ﷺ: «الآن بردت جلدته» (¬٣). ثم إن حقيقة الثواب لا فرق بين أن يكون ثواب حجٍّ، أو صدقة، أو وقف، أو صلاة، أو استغفار، أو قراءة القرآن (¬٤)، أو قضاء دين، فقدرة الله تعالى صالحة للرجل من غير فرق لمن أنصف، وتطابق الأحاديث التي رويت تدل دلالة ظاهرة على ذلك، والذي جاء في «الصحيحين» أن النبي ﷺ مرَّ بقبرين وشقَّ عسيبًا رطبًا، وجعل على هذا نصفًا، ووضع على القبر الآخر نصفًا، وقال: «إنَّه يهوِّن عليهما ما دام فيهما من بلولتهما شيء» (¬٥). قال العلماء: إن الأشياء ما دامت على أصل خلقتها أو خضرتها وطراوتها تسبح الله تعالى حتى تجف رطوبتها وتزول خضرتها.
ويستفاد من الحديث عند القبر غرس الأشجار وقراءة القرآن، فإذا خفف عنهم بالأشجار فما بالك (¬١) بقراءة المؤمن القرآنَ، أيخفف عن المؤمن إذا وضع على قبره الجريدُ، ولا يخفف (بقراءة كلام) (¬٢) المولى المجيد؟! (¬٣).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأجمع العلماء أنَّ المسلم يؤجر على الأمراض والأعراض حتى الشوكة يشاكها، يرفع له بها درجة، ويحط عنه بها خطيئة، وهذا ليس من سعيه، وقد حصل له الأجر. قال بعضهم: مات أخ لي، فرأيته في المنام، فسألته عن حاله، فقال: أتاني آتٍ بشهابٍ من نار، فلولا أن داعٍ دعا لي لرأيت أنه سيضربني به. وحكي: أن رجلًا مرَّ بمقبرة فصلى على النبي ﷺ، وكان في المقبرة جماعة في العذاب، فرُفِعَ عنهم.
شهابٍ من نار، فلولا أن داعٍ دعا لي لرأيت أنه سيضربني به. وحكي: أن رجلًا مرَّ بمقبرة فصلى على النبي ﷺ، وكان في المقبرة جماعة في العذاب، فرُفِعَ عنهم.
فصل فيما يبتدع في القراءة والخطب عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: «يا عائشة: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَارَقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الروم: ٣٢] من هم؟» قالت: الله ورسوله أعلم. قال: «هم أصحاب الأهواء والبدع ليست لهم توبة، أنا منهم بريء وهم مني برآء» (¬١). وقال علي كرم الله وجهه: أرجو التوبة للفاسق، ولا أرجوها للمبتدع؛ لأن الفاسق مضرته قاصرة على نفسه، والمبتدع مضرته على دين الله تعالى (¬٢).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأهل الأهواء هم قومٌ استعملوا أهواءهم، فمالت بهم عن الحق كلما استحلوا شيئًا اتخذوه دينًا: كالروافض، والقدرية، والجهمية وأشباههم، ساروا شيعًا وأحزابًا، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢]. وأهل البدع هم قومٌ تركوا طرق أنبيائهم، واتبعوا طرق أشياخهم، وجدوهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون. ثم اعلم بأن في الخطب ما يبتدع فعله، وفيه ما يسن، وعليه يثاب، وفيه شيء افترضه الكريم الوهاب، وهي خطبة الجمعة، والسنة هي خطبة العيدين، وفي الاستسقاء والخسوف والكسوف خلاف. وفي الحج ثلاث خطب: إحداهن قبل التروية بمكة بعد الظهر؛ خطبة واحدة لا يجلس فيها. وخطبة يوم عرفة بعد الزوال، قبل الصلاة يخطب خطبتين يجلس بينهما جلسة خفيفة كخطبة الجمعة إذا فرغ المؤذنون خطب؛ لأنها مقدمة على صلاة الظهر، كما يصلي بعد خطبة يوم الجمعة، والخطبتان الأخريان لا يجلس فيهما؛ لأنهما للتعليم، ليس عقبهما صلاة، فصارتا كخطبة العيدين، وكسائر الخطب التي تخطب للحوادث. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
للتعليم، ليس عقبهما صلاة، فصارتا كخطبة العيدين، وكسائر الخطب التي تخطب للحوادث. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والخطبة الثالثة بعد يوم النحر بيوم بمنى: يعلمهم كيف النفر، وطواف الصدر، ولا يحتاج الناس يوم النحر إلى خطبة يعلمهم بما يحتاجون إليه في خطبة يوم عرفة، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة (¬١)، ونسأل الله تعالى حسن الخاتمة بقدرته اللطيفة. وخطبة النكاح سنة باتفاق العلماء، وقال بعضهم بوجوبها، ولا معتبر بقوله (¬٢). والذي يبتدع فيه هو نصب المنابر والكراسي عند الختم في رمضان؛ كرهه جماعة من العلماء خوفًا من أن يظن الناس أن الخطبة عقيب الختم في رمضان سنة ثابتة، ولو كانت سنة يثاب عليها لحرض النبي ﷺ عليها كما بيَّن قيام رمضان وتلاوة القرآن فيه. وكثير من الناس يظنون أن الخطبة مشروعة فيه؛ لما فشت بينهم، ولم يفعلها النبي ﷺ، ولا الصحابة، ولا التابعون، ولا حرض على فعلها أحد من العلماء. فإن قال قائل: إن هذا ذِكْر الله تعالى وتمجيده والثناء عليه، ودعاء، واجتماع المسلمين على طاعة رب العالمين، وإظهار شعائر المؤمنين، فيستحب، كقيام شهر رمضان. فالجواب: أن الذكر والثناء على الله تعالى يستحب إذا لم يخالف السنة، ألا ترى أن قراءة القرآن عبادة عظيمة؟ وفي مواضع كثيرة لا يؤجر عليها كمن يقرأ في ركوعه وسجوده وتشهده. ولا يؤجر المسلم بقراءة القرآن في الطريق والأسواق والمزابل والحمامات، كما يفعله بعض المترفين أو أحد من صعاليك المسلمين، فيقرؤون خلف الجنائز، وفي الأسواق، وفي الأزقة، وباب الدار؛ لينالوا
شيئًا من أموال المسلمين، أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار. وكره بعضهم القراءة في الطواف، وقال: إنها بدعة. وقال بعضهم: لا تكره؛ لأنها بدعة حسنة (¬١). وأجمع العلماء: أن قراءة القرآن لا تجوز للجنب، وفي المرأة الحائض إذا خافت من النسيان خلافٌ، فلو قرأ الجنب أو صلى النافلة في وقت النهي بغير سبب، يعاقبه الله تعالى بالإجماع؛ لأنه فعل الشيء في غير محله (¬٢). قال له القائل: أيعاقب الإنسان على قراءة القرآن، وعلى وقوفه بين
ة في وقت النهي بغير سبب، يعاقبه الله تعالى بالإجماع؛ لأنه فعل الشيء في غير محله (¬٢). قال له القائل: أيعاقب الإنسان على قراءة القرآن، وعلى وقوفه بين
يدي الرحمن؟! لا يأثم المؤمن على نفس الصلاة والقراءة، ويأثم لمخالفة الشرع؛ لأنه مأمور بترك القراءة والصلاة في تلك الحالة. وكذلك الذكر جهرًا يكره فعله خلف الجنازة، وليس فيه أجر للذاكر ولا للميت. وكذلك الصلاة على النبي ﷺ عبادة في موطنها، فلو صلى عليه في الأسواق كما يفعله بعض العوام، أو صلى عليه وقت الغلبة والازدحام، أو عند بيع الطعام؛ ويُجَلُّ أن يذكر في مثل هذه الأماكن عليه أفضل الصلاة والسلام. وكذلك ما يفعله بعض الجهال فيصلون على الأنبياء في وقت بيعهم، كقول هذا المفتون: الفول والصلاة على الرسول. فيأتي بها على القافية، فهؤلاء القوم قلوبهم بها مرض، ونسأل الله العفو والعافية، وينبغي تحذيرهم؛ فإن لم ينتهوا فتعزيرهم، ومن ذلك ما يفعل بعض العوام من الخزي والآثام عند بيع الطعام، بقوله: عدس الخليل، وعلى الخليل السلام (¬١). ومثال هذا كثير، وهو ذكر وقراءة وصلاة على البشير النذير.
يفعل بعض العوام من الخزي والآثام عند بيع الطعام، بقوله: عدس الخليل، وعلى الخليل السلام (¬١). ومثال هذا كثير، وهو ذكر وقراءة وصلاة على البشير النذير.
ثم اعلم بأن الناس في أول شهر رمضان أحوج إلى الخطبة والدعاء والتنبيه والتحريض على صيامه وقيامه من الخطبة في آخره، وله شبه في أصول الشرع: كخطبة العيدين في أول النهار، يعلم الناس فيها المناسك والضحايا، وما يعطوا على عملهم من الخيرات والعطايا، فلو فعل الخطبة في أول الشهر مع الحاجة إليها؛ لم يجز، ولا يجوز في آخر الشهر بطريق الأولى، وإن شاع هذا الأمر، وقلَّ إنكاره لا يدل ذلك على جوازه، إن لم يكن له أصل في الشرع، وكذلك إن كتمه لا يدل على منعه، فإن كان الخطيب صبيح الوجه، نقي البشرة، تصير البدعة بدعتين، والذي خلقه وقدره وحسنه وصوره؛ لأن النفس تلتذ بلمسه، وبنظره وبخلوته، وبما يقول. وقد نهينا عن ذلك كله، وصحَّ ذلك عن الرسول. والخطب والمواعظ جائزة؛ تذكرة للقلوب الواعية الحاضرة، وتنبيهًا للقلوب الغافلة النافرة، ويؤجر العبد على ذلك كله؛ إذا كانت خالصة لله تعالى، موافقة للسنة المباركة الطاهرة، ويخلص القائل قوله من الطمع، ومن تجديد الأحزان، ومن حضرة النساء في المقبرة، ونسأل الله حسن الخاتمة والحراسة من ذلك كله، وهو أهل التقوى وأهل المغفرة، وأن لا يشغل قلوبنا بشؤم نظرنا عما ينفعنا من أمور الآخرة. ثم اعلم بأن إطلاق النظر هو سبب لعمى القلب، ولذلك نهانا الشرع عن ذلك، وقد رُويَ: أن النظر سهمٌ مسموم من سهام إبليس، وأنه يزرع في القلب الشهوة؛ وكفى بها فتنة (¬١). واعلم أيها الغافل أن السُّم قاتل، ويزرع في قلب الغافل شيئًا لا تحصده المناجل، وينكب فاعله في العاجل والآجل: أما في العاجل فعمى القلوب، وأما في الآجل فالبعد عن علام الغيوب، فيصير الإنسان لمخالفة الشرع بين يدي الله مهانًا ذليلًا. قال المولى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢].
قال الجنيد لفقيرٍ: اصرف همتك إلى الله تعالى، وإياك أن تنظر بالعين التي بها تشاهد الله إلى غير الله؛ فتسقط من عين الله تعالى (¬١). هجم العيد على بعض المحبين فأنشد: الناس بالعيد قد سروا وقد فرحوا … وما سررت به والواحد الصمد لما تخوفت أني لا أعاينكم … غضضت طرفي فلم أنظر إلى أحد (¬٢) فمن ترك النظر إلى المحرمات أحبه الله تعالى، ورزقه إيمانًا يجد حلاوته في قلبه، ويورثه حكمة على لسانه يهدى بها سامعيه، قاله العلماء، ومن جملتهم الإمام مجاهد. فاهجر أيها المؤمن! ما فيه عمى قلبك، وفي الله جاهد. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وقال ﷺ: «المهاجر من هجر ما حرم الله، والمجاهد من جاهد هواه» (¬٣)، فمن جاهد هواه جعل الله تعالى الجنة مأواه، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١]. وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]. قال العلماء: تفسيرُه أن الرجل يكون في القوم، إن رأى منهم غفلة نظر إلى الحرام، فإن خاف أن يفطنوا له غضَّ بصره، وقد علم الله تعالى ما في قلبه، وأنه ما ترك النظر إلا حياءً منهم، لا حياءً من الله تعالى (¬٤). فقد ثبت أن هذا العبد عند الله تعالى من الخائنين؛ وخزائن
قد علم الله تعالى ما في قلبه، وأنه ما ترك النظر إلا حياءً منهم، لا حياءً من الله تعالى (¬٤). فقد ثبت أن هذا العبد عند الله تعالى من الخائنين؛ وخزائن
الملك لا يطلع عليها إلا أمين. وإياك أن يغرك الشيطان بقوله: هو ذنب صغير، فتداوم عليه (فيصبح بالمداومة وهو كبير) (¬١). وقد جاء في الحديث: «لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار» (¬٢)، وقال: «النظر سهم مسموم» (¬٣). فاحذر أيها المحروم؛ لأن قليل السم قاتل، ويورث الناظر العمى في القلب في العاجل والآجل، ألا ترى أن الإنسان يتهاون في إطفاء شرارة فتحرق بيته. نظر بعض الصوفية إلى غلام فافتتن به، وكاد يذهب عقله صبابة، وكان يقف كل يوم على طريقه لكي يراه إذا أقبل وإذا انصرف، فطال عليه البلاء، وأقعده عن الحركة، فكان لا يقدر يمشي خطوة، فأتاه صوفي يعرف بأبي حمزة يعوده فقال له: يا أبا محمد ما قضيتك؟ وما هذا الأمر الذي بلغ بك؟ فقال: أمور امتحنني الله بها فلم أصبر على البلاء فيها، ولم يكن لي بها طاقة، فرُبَّ ذنب استصغره الإنسان وهو
أعظم عند الله من تنِّينٍ (¬١). فحقيقٌ على من تعرَّض للنظر الحرام أن تطول به الأسقام. ثم بكى، قلت: ما يبكيك؟ قال: أخاف أن يطول في النار شقائي. فانصرفت عنه، وأنا راحم له مما رأيت من سوء الحال (¬٢). فاحذر يا أخي، وفقنا الله وإيَّاك من شرِّ النظر، فكم أهلك من عابد، وفسخ عزم زاهد، وعلاجه في ابتدائه قريب، فإذا تمكن صَعُب، ثم اعلم بأن النظرة الأولى لك والثانية عليك، إذا لم تتعمد الأولى وإلا فالكل عليك، والنظر أوله أسفٌ، وآخره تلَفٌ، وأول المحبة نظرة، والثانية فساد للدين وحسرة. نظر بعض الصالحين في الطواف إلى مُحرمٍ (¬٣)، وإذا بلطمة أعمت عينه التي نظرت، وسمع قائلًا يقول: نظرة بلطمة، وإن زدت زدناك (¬٤). فإن قال قائل: ها أنا قد نظرت إلى المحرمات فلا عميت ولا رمدت. جوابه: يكفيك أيها المغرور! عماء قلبك، وبعدك عن الله تعالى؛ إذ شغلت بمخلوق عن الخالق، يخولك في نعمته، وأنت تتمرد عليه
إلى المحرمات فلا عميت ولا رمدت. جوابه: يكفيك أيها المغرور! عماء قلبك، وبعدك عن الله تعالى؛ إذ شغلت بمخلوق عن الخالق، يخولك في نعمته، وأنت تتمرد عليه
بمعصيته، فربما يكون ذلك استدراجًا. قال المولى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤]. واسمع قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: ٤٥]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]. وهذا وعيد، وفيه تخويف وتهديد، وإذا أحب الله تعالى عبدًا عجَّل عقوبته في الدنيا، وعفا عنه في الآخرة، وبعكس ذلك إذا أبغضه، ويكفيك في هذا الباب ما جرى لفرعون لعنه الله؛ أنه عاش أربع مئة سنة لم يختلج له عرق، ولم يضرب له ضرس، ولم ترمد له عين، وكان أبغض الخلق إلى الله تعالى، وبرز منه شيء لم يبرز من إبليس لعنهما الله جميعًا؛ لأن إبليس تكبر على آدم، وفرعون قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]. فعند ذلك أخذه المولى، واسمع قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]. نظر عَمرُو بن مُرَّةٍ إلى امرأة فأعجبته، فكُفَّ بصره فقال: أرجو أن تكون كفارة لي (¬١). والحقُّ يغار على من يحبه أن ينظر إلى غيره، ومن أبغضه رماه للكائنات. مسألة: رجل مسَّ أمرد بشهوة. للفقهاء في المسألة قولان: أحدهما: كمس النساء بشهوة ينقض الوضوء. ذكره القاضي أبو يعلى
في شرح مذهب مالك (¬١)، وينقض أيضًا في مذهب أحمد بن حنبل (¬٢) ومن تابعهما. والقول الآخر: لا ينقض، وهو مذهب أبي حنيفة (¬٣) والشافعي (¬٤). وأجمعوا أن الإنسان يأثم إذا التذَّ بلمسه ونظره. وإذا كان الأمردُ الحسنُ الوجه صالحًا، قال بعض العلماء: لا بأس بمصافحته بغير شهوة، وكذلك النظر إليه. وعند بعضهم: لا يصافحه ولا ينظر إليه، ولا يخلو به، وسواء كان النظر والمصافحة بشهوة أو بغير شهوة خوفًا من الفتنة واقتداءً بالسنة. واختار بعض العلماء أن لا يسمع الإنسان قراءته للقرآن. وقد كان السلف الصالح إذا مرَّ أحدهم بغلامٍ حسن الوجه يفرُّ منه كفراره من الأسد؛ خوفًا على نفسه من الفتنة، فلا تتعرض أيها الغافل لهذه المحنة. سألت جارية بشر الحافي عن باب حربٍ (¬٥) فأجابها، وكانت ذات منصب وجمال، ثم جاء بعدها غلام حسن الوجه فسأله، فأطرق بشر، فرد (¬٦) الغلام السؤال، فغمض الشيخ عينيه، فقال الفقراء للشاب: الباب بين
يديك. فلما غاب الشاب فتح الشيخ عينيه، فقال الفقراء: سألت المرأة فأجبتها، والغلام فلم تجبه؟! فروى الشيخ عن سفيان الثوري أنه قال: إذا أقبلت المرأة أقبل معها شيطان، وإذا أقبل الأمرد أقبل معه شيطانان. فخفت على نفسي من شياطينه (¬١). فانظر يا أخي! إلى فعل هذا السيد مع قوة إيمانه، ونحن ننظر إلى الحرام في كل وقت وأوان، وذلك يدل على قلة الدين وضعف الإيمان. ونسأل الله التوبة والإعانة، ونعوذ به من القطيعة والخذلان. قال الجنيد: دخل رجل على الإمام أحمد بن حنبل، وكان الداخل من رؤساء الناس ومعه ابنه، وهو حسن المنظر، فقال أحمد: لا تأتِ به معك مرةً أخرى. أي الصبي (¬٢). هكذا رأينا أشياخنا، وبه أخبرونا عن أسلافهم. وقال أسامة: كنا نقرأ على شيخ فبقي عنده غلام يقرأ عليه، فأردت القيام، فأخذ بيدي فقال: اصبر حتى يقرأ هذا الغلام. فكره أن يخلو به (¬٣). وكان أبو حنيفة يُجلس محمد بن الحسن خلفه ثم يعلمه خوفًا من الفتنة، واتباعًا للسنة؛ فقد ورد أن النبي ﷺ أقام أمرد من بين يديه وأجلسه خلفه، فقال عمر: سبحان الله يا رسول الله! فقال: «أما تخشى الفتنة يا عمر؟!» (¬٤).
تنة، واتباعًا للسنة؛ فقد ورد أن النبي ﷺ أقام أمرد من بين يديه وأجلسه خلفه، فقال عمر: سبحان الله يا رسول الله! فقال: «أما تخشى الفتنة يا عمر؟!» (¬٤).
اسمع أيها الناظر المحروم قول السيد المعصوم، فترى بعض المبتدعين يؤاخي الأمرد ويصافحه، ويخلو به لأجل ما حصل بينهما من الصحبة والأخوة، فيتمرد على الله سبحانه بفعله وقوله، ويخرج عن طريق النبوة فيقول: ما أنا ممن يُغيِّره هذا، فيدعي العصمة، وهي ضمير الكفر، ويقع في العناء بقوله: أنا. ومن السنة أن لا يُمكِّن المؤمن ولده إذا كان له حسن ظاهر من التبرج، والخروج إلى الأمكنة التي يخاف منها الفتنة إن كان يؤمن الأب بالله واليوم الآخر؛ لئلا يتخلق بأخلاق الشيطان، ولكي لا يعبث به الرجل الفاجر، وكذلك الأزمنة كالمواسم والأعياد، إلا لحاجة ضرورية خوفًا من الفتنة والفساد، ولكي لا تشغل به قلوب العباد، ولا يُمكَّن من الاختلاط بالرجال، ولا يدخل مع الفسقة الحمام، ولا يجلس في الأزقة مع أهل العربدة العوام، ولكن يعلمه ما ينفعه من أمر أخراه، ويجتمع بمن صدقت محبته في سيده ومولاه؛ لأنه يستحي من سيده أن يرتكب ما عنه نهاه، أو ينظر إلى شيء سواه. ويقال: التعليم في الصغر كالنقش في الحجر، فينشأ الولد مباركًا متبعًا للأثر، ومن لم يؤدبه فقد خالف الآية والخبر. قال شيخنا ﵀ لمريدٍ له: أنت تختلط بهؤلاء المماليك السلطانية ولهم حسن ظاهر؟! قال: يا سيدي، أنا مشغول عنهم بمن حسَّنهم؛ فعينٌ نظرت إلى ما حرم الله سبحانه عليها العمى أولى بها. نظر بعض الصالحين إلى محرَّم فدعا الله تعالى بكف بصره؛ فعمي، فكان ولده يقوده (لكي يصلي) (¬١) مع الجماعة في مسجد النبي ﷺ، فصلى
ه عليها العمى أولى بها. نظر بعض الصالحين إلى محرَّم فدعا الله تعالى بكف بصره؛ فعمي، فكان ولده يقوده (لكي يصلي) (¬١) مع الجماعة في مسجد النبي ﷺ، فصلى
مرةً وشُغل عنه ولدُه باللعب، وأخذ الرجلَ بطنُه فخاف الفضيحةَ، فسأل الله تعالى بردِّ بصره؛ فأبصر، قال مالك بن أنس: رأيته بصيرًا ثم أعمى ثم بصيرًا (¬١). والولي ليس بمعصوم، والمعصية لا تسقط ولايته؛ (¬٢) (لأنه لم يتعمدها، وليست بباله، فإذا رماه فيها الشيطان أخذ بيده الرحمن؛ لأجل رجوعه بالتوبة والندم والاستغفار، وحلَّ من قلبه عقدة الإصرار. قال رب العالمين: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٥ - ١٣٦]. وقال ﷺ: «لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار» (¬٣). وفي حديثٍ آخر: «ما أصرَّ (¬٤) من استغفر، ولو عاد في اليوم مئة
مرة» (¬١). وقال ﷺ: «الندم توبة» (¬٢). فإذا خرج من القلب الإصرار، ودخل فيه الندم والتوبة والاستغفار؛ ذهبت الذنوب والأوزار. فانظر إلى بركة التوبة والاستغفار! أما التوبة فإنها تجبُّ ما قبلها؛ لقوله ﷺ: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (¬٣). والاستغفار هو من صفات الأبرار، قال الله تعالى: ﴿ … وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، وقال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧ - ١٨]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]، وقال الله ﷿: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]، وقال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]. فقد تبين لك بركة التوبة والاستغفار، وما فيهما من الخيرات، وتكفير السيئات، وقد وصى الحق سبحانه نبيه ﷺ بذلك، فقال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩].
فمن عمل بهذه الوصية حشره الله تعالى مع خير البرية، وغفر له كل خطية، وقال ﷺ: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (¬١)، رواه البخاري ومسلم. وعن ابن عمر ﵄ قال: كنا نعد لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مئة مرة: «رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم» (¬٢). وقال ﷺ: «طُوبى لمن وُجِدَ في صحيفته استغفارٌ كثيرٌ» (¬٣). وقال صلوات الله عليه وسلامه: «من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه؛ غفرت ذنوبه وإن كان فرَّ من الزحف» (¬٤)، صححه الحاكم.



