— Bagian 7 · ومن البدعة أن يُؤمِّن العريس (¬١) رجلًا أو امرأة… —
Bagian 7
ومن البدعة أن يُؤمِّن العريس (¬١) رجلًا أو امرأة في تزويج امرأة، فيقولان للمرأة القبيحة: هي صبيحة. فيكذب، ويقول: كذبنا عند العريس جَبْرًا لهذه المسكينة. أو كَذَبَ؛ لأخذِه من أهل العروسة شيئًا. فيقال له: أكلت الحرام، وخرجت عن سنة النبي ﵊، فإن لم يأخذ شيئًا، وعمل ذلك جبرًا للعروسة؛ فهو أيضًا خارج عن السنة خائن، ومن خان فقد هان، وإن جبر بكذبه للعروسة، فقد كسر العريس. وكذلك إذا استشار المؤمن أخاه المسلم في زواج أو طلاق أو في سفر أو إقامة أو بيع أو شراء، أو غير ذلك من أمور الدنيا والآخرة، فأشار عليه بغير المصلحة فقد خانه وغشه؛ والله تعالى: ﴿لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢]. وقال ﷺ: «من غش أمتي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (¬٢). وقال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. وقال صلوات الله عليه وسلامه: «المستشار مؤتمن» (¬٣). فيخاف على من لم يؤدِّ الأمانة أن لا يرزقه الله تعالى أمانه. فمن اجتهد في زواج امرأة جميلة فوقع في واحدة ذميمة، فرضي عن الله تعالى فيما قدره ﵁، وكتبه في اللوح المحفوظ ممن عبده وحمده وشكره. قال المولى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ
ا قدره ﵁، وكتبه في اللوح المحفوظ ممن عبده وحمده وشكره. قال المولى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ
خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]. فيقال لهذا يوم القيامة: تركتَ مرادك لمرادنا، أهلًا بك يا عبدنا. فإن رزق الله العبد امرأة جميلة لكن فظَّة غليظة، فيصبر على سوء خلقها لإخماد نفسه، فربما صعَّب خلقَها عليك، شفقة منه عليك، لكي لا تميل إليها بالكلية، فتقع في مصيبة عظيمة وبلية، وتصير عبدًا للزوجة، لا عبد خالق الوجود والبريَّة. قال صلوات الله عليه وسلامه: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الزوجة» (¬١). قال العلماء: عبد الدرهم والدينار: من لا يؤدي الزكاة. وعبد زوجته: من يشتغل بها عن الله تعالى وخدمته. فإذا توقَّفت عليك الأشياء، أو تصَّعب عليك خلق زوجتك، فأصلح ما بينك وبين الله تعالى يُصلح الله ما بينك وبين الناس، فما توقفت عليك الأشياء إلا لتوقفك أنت. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. عن بعض الصالحين قال: إذا عصيت الله تعالى أعرف شؤم ذلك في خلق زوجتي ودابتي (¬٢).
صَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. عن بعض الصالحين قال: إذا عصيت الله تعالى أعرف شؤم ذلك في خلق زوجتي ودابتي (¬٢).
وقال الفقيه أبو الليث رحمة الله علينا وعليه: دخل رجل السوق ليشتري فرسًا للجهاد، فرأى برذونًا يُنادَى عليه بأربعين درهمًا، فقال: ما باله بهذا الثمن؟ قالوا: فيه عيوب وقت الحاجة يصير حرونًا (¬١)، إنْ طُلِب لم يُلحق، وإنْ طَلَبَ لَحِق. فاشتراه بأربعين، وجاء عند أُذن البرذون، وقال: أيها البرذون إني (¬٢) قد تركت عيوبي فاترك أنت أيضًا عيوبك. فحرك البرذون رأسه، فغزا على البرذون، ولم يفعل البرذون شيئًا مما كان عليه (¬٣). كان السلف الصالح إذا رأى الأخ أخاه يوصيه بثلاث: مَنْ عمِل لآخرته كفاه الله أمر دنياه، ومَن أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومَن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس (¬٤). واسمع قوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِين﴾ [الأنبياء: ٨٩ - ٩٠]. ثم اعلم بأن للرجال على النساء حقوقًا، ولهن أيضًا على بعولهن حقوقًا. ورُوي: أنَّ مِنْ حق الزوج على زوجته أن لا تمنعه نفسها، ولو كانت
على ظهر قتب، ولا تصوم تطوعًا إلا بإذنه، فإن خالفته وصامت كان الأجر له والوزر عليها، ولا تخرج من البيت إلا بإذنه، فإن خرجت لعنتها الملائكة إلى حين ترجع (¬١).
قتب، ولا تصوم تطوعًا إلا بإذنه، فإن خالفته وصامت كان الأجر له والوزر عليها، ولا تخرج من البيت إلا بإذنه، فإن خرجت لعنتها الملائكة إلى حين ترجع (¬١).
وينبغي للمسلم أن لا يمكِّن زوجته من الخروج؛ لأن خروجها فتنة، وهي عورة، فإن كان لا بدَّ لها (فتخرج بالليل) (¬١)، فإن اضطرت للخروج بالنهار فلا تتزيَّن ولا تتعطر؛ لكي لا تشغل قلب الغافل المغتر، فتأثم هي وزوجها، والسلامة أن تحمل بَدْلتها وحليها، وتلبس ذلك (¬٢) في المكان الذي تذهب إليه. ولا تهب المرأة شيئًا من متاع الزوج إلا بإذنه، فإن فعلت كان الأجر له والإثم عليها، بخلاف الصدقة على السائل والمحروم، فإن صلت ولم تدع لزوجها ردَّت عليها صلاتها (¬٣)، وهذه الكلمات وردت بها السنة، ونسأل الله النجاة من النار والفوز بالجنة. وقال ﷺ في خطبته: «إن لكم على نسائكم حقًّا، وإن لهن عليكم حقًّا، وإن من حقكم عليهن أن يحفظن فرشكم، ولا يأذنَّ في بيتكم لأحدٍ تكرهونه، ولا يأتين بفاحشةٍ مبينة، فإن فعلن ذلك فقد أحل الله لكم أن تضربوهن ضربًا غير مبرح، وإن من حقِّهن عليكم الكسوة والنفقة بالمعروف» (¬٤). وقال العلماء: مَنْ تزوج ونيَّته أن لا يؤدي الصَّداق فهو زَانٍ، ومن استدان ونيته أن لا يؤدي دينه فهو سَارق (¬٥).
وفي الحديث: «إن الله تعالى مع المديون حتى يوفي دينه» (¬١). وصحَّ في الحديث: أن الدينار الذي ينفق على العيال أفضل من الدينار الذي ينفق في سبيل الكبير المتعال (¬٢). وقال صلوات الله عليه وسلامه: «من قلَّ ماله، وكثر عياله، وحسنت صلاته، ولم يَغْتَب المسلمين، جاء معي يوم القيامة هكذا». وأشار بإصبعيه ﷺ (¬٣). فانظر رحمك الله تعالى! إلى بركة العيال، وإلى ما أعد لمن أحسن إليهم العزيز الغفار، بل جعل الله النفقة عليهم أفضل من النفقة في سبيله، وجعل البنات سترًا للأبوين من النار.
وهذه الكلمات مأخوذة مما صح في الأخبار (¬١)، فمن لم يعرف قدر هذه النعمة وانقبض لوجود البنت فليتبوأ مقعده من النار؛ وذلك لقلة الرضى بالقضاء، ولموافقته لمن غضب الله عليهم ولعنهم وجعلهم وقود النار؛ قال المولى الكريم: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨]. هذا الخطاب في صفات مشركي العرب. وأما المؤمن الصادق لو ولدت زوجته حجرًا لوضعه على رأسه، ولأخذه الفرح والطرب؛ وذلك لقوة الرضى عن خالقه، فكيف لا يرضى الله تعالى عن هذا العبد، ويبلغه المقصود والأرب (¬٢)، ويعطيه ما سأل وطلب. قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقال ﷺ: «من رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط» (¬٣). فمن رضي عن الله ﷿ فيما قدره ﵁، وكتبه في اللوح المحفوظ ممن عبده وحمده وشكره. فيجب على المؤمن أن لا ينقبض لوجود هذه البُنَيَّة، ولا يغضب على أمها، ولا يَسُبُّ ساعتها؛ لأن الحق سبحانه وهبها له، وهي نشأة طرية، توحِّد الله تعالى، وتصلي على خير البرية، وتدخل السرور على قلبه، ويباهي بها (¬٤) ﷺ الأمم يوم القيامة، وتكون في ذلك اليوم سببًا لنجاة أبويها (¬٥) من الشدائد والبلية. فاقبل مني هذه الوصية، ولا تتهاون في هذه القضية؛ فتسقط من رحمة (¬٦) الله تعالى، وتخرج عن السنة المضية (¬٧)، فليس لأحد مشيئة
(¬٥) من الشدائد والبلية. فاقبل مني هذه الوصية، ولا تتهاون في هذه القضية؛ فتسقط من رحمة (¬٦) الله تعالى، وتخرج عن السنة المضية (¬٧)، فليس لأحد مشيئة
ولا اختيار (¬١)، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]. قال المولى الغفور: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩]. فسلِّم لربوبيته، وكن من جملة العبيد، يأتيك من الله الخير والمزيد، ويعطيك فوق ما تريد. ثم اعلم بأن في تربية الولد أجر عظيم وخير! وتربية البنت أكثر أجرًا وأخير (¬٢)؛ لأن الولد يساعد أباه في الإقامة والأسفار، والبنت قد سجنها الشرع في المضرب أو الدار، وأمر لها الرسول بالكسوة والنفقة، ونهاها عن الخروج والدخول إلا لحاجة ضرورية، فافهم ما أقول. قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦]؛ قال بعض العلماء: الباقيات الصالحات هنَّ البنات (¬٣). وقد جاء في الكتاب العزيز والخبر في أجرهن ما لا يحتمله هذا المختصر، فاقبل أيها المملوك هدايا الملوك، واعلم وتحقق أنه لو اجتمع كل عالم وعارف، وحكيم وولي، وكل مبتدع وفيلسوف وشقي لن يخلقوا ذبابة، ولعجزوا عن جبر كسر رجل نملة، ولن يصلوا جناح بعوضة، ولو جمع أحدهم مجهوده كله ودأبه. مرَّ بعض الصالحين بكلبٍ فاستقذره، فنودي في سرِّه: أن اخلق مثله! فما سخر بعدها من شيء. وقال بعض (¬٤) المشايخ: أخاف أن أسخر من كلب فأحوَّل كلبًا (¬٥).
مرَّ بعض الصالحين بكلبٍ فاستقذره، فنودي في سرِّه: أن اخلق مثله! فما سخر بعدها من شيء. وقال بعض (¬٤) المشايخ: أخاف أن أسخر من كلب فأحوَّل كلبًا (¬٥).
فسبحان من له الخلق والتصوير، والحكم والإشارة (¬١) والتدبير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، نعم المولى ونعم النصير. نرجع إلى مسألة المرأة: قال ﷺ: «إذا صلَّت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وأطاعت بعلها، وأحصنت فرجها، تدخل من أي أبواب الجنة شاءت» (¬٢). وقال ﷺ: «إذا حبلت المرأة من بعلها فأجرها كأجر من صام النهار وقام الليل، وغزا (¬٣) في سبيل الله، ولها بكل طلقة عتق رقبة (¬٤)، وبكل رضعة عتق رقبة (¬٥)، فإذا فطمته ناداها منادٍ من السماء: كُفيتِ العمل فيما مضى، فاستأنفي العمل فيما بقي» (¬٦). والسُّنة أن يسمى المولود (¬٧) يوم السابع (¬٨)، وإن سماه يوم وُلد لا يخرج عن السنة.
واختلف العلماء في العقيقة، وربُّنا أعلم بالحقيقة (¬١). ويستحب تسمية السَّقط؛ لحديثٍ ورد فيه (¬٢). ولا يسمى باسم قبيح؛ لأنه يدعى يوم القيامة باسمه (¬٣)، وكان النبي ﷺ يغيِّر الاسم القبيح إلى ما هو أحسن منه، ورد هذا في حديثٍ صحيح (¬٤). مسألة تتعلق بالنكاح: وهي الخُطْبة قبل النكاح، وأقلُّها: الحمد لله والصلاة على رسول الله ﷺ، أوصي بتقوى الله، والله أعلم.
فإن لم يأت بالخُطبة صحَّ النكاح (باتفاق العلماء، وقال بعض العلماء: لا يصح النكاح إلا بالخطبة) (¬١). ولا معتبر بقوله (¬٢). ويُسن أيضًا إعلان النكاح عند أكثر أهل العلم، وقال بعضهم بوجوبه في هذا الباب، والله أعلم بالصواب (¬٣). عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: علَّمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة: الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (¬٤). ويستحب إذا فرغ من الخطبة أن يقول: أزوجك على ما أمر الله عز
وجل به من إمساكٍ بمعروفٍ أو تسريح بإحسان (¬١).
َوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] (¬٤). ويستحب إذا فرغ من الخطبة أن يقول: أزوجك على ما أمر الله عز
وجل به من إمساكٍ بمعروفٍ أو تسريح بإحسان (¬١).
فصل فيما يُبتدع من جِلاء العروسة في بعض القرى والريف على كلِّ حُرٍّ وعبدٍ وفاسقٍ وكثيفٍ اعلم أيها العبد المتعوس! أنَّ بدعتك هذه لا تُرضي الملك القدوس، لما فيها من البدعة والتَّشبه بالمجوس، ويكره فعلها اليهود والنصارى، واستحبتها هذه الطائفة الضالة الحيارى، لأن الفاحشة تسخط رب الأرباب، ولم يرض بها أحدٌ من أهل الكتاب، فاعتبروا يا أولي العقول والألباب، فتزيَّن العروسة ثم تجلا على الكبار والصغار، ويدخلون بها على زوجها التَّيس المستعار، قبَّح الله رجلًا لا يغار، وهذه فاحشة كبيرة، وهي تأتي من قلة الدين والغيرة، قال صلوات الله عليه وسلامه: «الغيرة من الإيمان» (¬١). فمن كثرت غيرته كثر إيمانه، ومن قلَّت غيرته قلَّ إيمانه، ومن لا غيرة له لا إيمان له. دخل ابن أم مكتوم على النبي ﷺ فأمر عائشة بأن تختبئ، فقالت: إنه
أعمى وكان ممن أعمى الله عينيه ونوَّر قلبه فقال لها: إن كان هو ما يراك فأنت ترينه (¬١). فمن فعل هذه الفاحشة أو رضي بها؛ لم يرض الله عنه. ورأى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه امرأةً تمشي في سوق البصرة فغضب على أهلها، وقال: أما يستحي أحدكم أن يترك زوجته أو كريمته تعالج الرجال في الأسواق، قبَّح الله رجلًا لا يغار (¬٢). وقيل لسعد: لو رأيت رجلًا مع امرأتك؟ قال: كنت أضربه بالسيف غير مصفح. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «أتعجبون من غيرة سعد؟ والله أنا أغير منه، وربي أغير مني، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن» (¬٣). فكلُّ عبدٍ لا يغار هو مبتدع، خارج عن طريق النبي المختار، والصحابة الأخيار، والمؤمنين الأبرار، داخل في طريق الفجار، قد رضي لنفسه بعذاب النار، وسخط الجبار، فإن تاب تاب الله عليه وهو العزيز الغفار. فأهل العروس والعروسة ومن رضي بهذه الفاحشة، الكل قد اشتركوا في الذنوب والعصيان، وتعاونوا على الإثم والعدوان، قال المبعوث
الله عليه وهو العزيز الغفار. فأهل العروس والعروسة ومن رضي بهذه الفاحشة، الكل قد اشتركوا في الذنوب والعصيان، وتعاونوا على الإثم والعدوان، قال المبعوث
بالرسالة: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» (¬١). وهؤلاء القوم قد اجتمعوا على ضلالة، وعصوا الله تعالى بلا محالة. ولا تجلا العروس على خصيِّ؛ لأنه (¬٢) في حكم الرجال، وإنْ قُطِع ذَكَرُه لم تُقطع نفسه، فخلوته بالنساء واختلاطه بهم من خلو دينه، ومن قلة غيرة سيده، ومن عدم مروءة زوجته، الكل قد خالفوا المولى اللطيف، وخرجوا عن الشرع الشريف. دخل خصيٌّ على بعض الخلفاء وزوجته إلى جانبه، فغطَّت وجهها منه، فقال الخليفة: إنه خصيّ. فقالت: يا أمير المؤمنين، مُثْلَتكم هذه أباحت له ما حرم الله؟! فأمره بأن لا يدخل بعدها على حرمه (¬٣). ثم اعلم بأن فاسق الخُدَّام يحب المرأة الحسناء، ويعشق الغلام، ودَيِّنُهُم يتزوج ويتسرى، ويجتهد في دينه ويتحرى، والخصي في حكم الشرع رجل؛ لأنه يرث ميراث الرجال من ميِّته، ويقف مع صفِّ الرجال في الصلاة، ويقدم على المرأة في القبر الواسع، وفي الصلاة (¬٤). ولا يحل لخصيٍّ، ولا مجبوب، ولا لخنثى، ولا مخنث الدخول على النساء، ولا يحل للنساء (أن يظهرن) (¬٥) عليهم؛ لأنهم يَشتهون ويُشتهَوْن. قال ﷺ: «مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة إلا أن يكون ذا محرم أو زوج» (¬٦). وعن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: «إن الله تعالى لعن أربعة فأمَّنت عليهم الملائكة: رجل تحصَّر ولم يجعله الله حصورًا، وامرأة تذكَّرت
وإنما جعلها الله امرأة، ورجل تخنث (¬١) والله تعالى خلقه ذَكرًا، والذي يُضلُّ الأعمى عن الطريق» (¬٢). وفي الحديث: «ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والناكح المتعفف، والمُكاتب يريد الأداء» (¬٣). فقد علمت أن المرأة لا تظهر على مَنْ تقدم ذكرهم، ولا على الرَّجل الضرير، فإن فعلت خرجت عن طريق البشير النذير، وعصت المولى القدير. دخل خصيٌّ على زوجة بعض الكبراء، وكانت قد كشفت رأسها، فطلبت حجَّامةً، وحلقت رأسها، وقالت: لا حاجة لي بشعر رآه غير بعلي (¬٤). فانظر إلى قلوب هؤلاء النِّسوة كيف هي بخوف الله تعالى عامرة، وقد جمع الله لهنَّ بين خيري الدنيا والآخرة. ومن البدعة أيضًا (تحلية المرأة للفرح) (¬٥)، والاختلاط بالنَّاس،
والرَّقص في السماع والأعراس، وهذه بدعة منكرة، وفاعلها فاسق خارج عن طريق البررة، قد خالف الحق تعالى فيما أمره؛ لوقوف زوجته مع الأجانب والمغاني (¬١) والزُّمرة، خرج عن طريق النبوة، وهو قليل الدين والغيرة والمروة، كما يفعله بعض فسقة التركمان، فترقص المرأة مع الرجل وقد أحاط بهم الرجال من كل مكان. ومن البدع أيضًا هروب العريس من (¬٢) أبي العروسة إلى حين دخول بيته، ثم يعمل العريس لأجل اجتماعه بصهره وليمة، وهذه أعمال ذميمة. ومن سنَّتهم استتار العروسة من أبي العريس وأمه، وتكليمها لهما بالإشارة، والمسلم المتبع لا يفعل هذا، ولا (¬٣) يختاره، ولا يخالف نبيه ولا أخباره.
ذميمة. ومن سنَّتهم استتار العروسة من أبي العريس وأمه، وتكليمها لهما بالإشارة، والمسلم المتبع لا يفعل هذا، ولا (¬٣) يختاره، ولا يخالف نبيه ولا أخباره. فانظر ماذا يجتمع في حلال واحد من بدع وحرام، ويريد مع ارتكاب هذه الآثام أن يأتي من ظهره ذرية صالحة، ويكون في الجنة مع بدر التمام، فلا تَعْرِض أيها الغافل! حريمك على قلوب فارغة من خوف الله تعالى فتنتقش صورتها في قلبه، فيبتلى بحبها، فتورثه تلك النظرة بلاءً وحسرة، وتزرع في قلبه شيئًا لا تحصده المنَاجل، فيقابلك الله تعالى بذلك في العاجل والآجل؛ لأنك كنت السبب في فساد قلب مؤمن، أو ترى هي من يشغل (¬٤) قلبها؛ لأن شهوتها أغلب، فإذا رأى الرجل ما يعجبه لا يتمالك، وهي أيضًا كذلك، فتسعى في الطلاق والتفريق، أو تفعل معه فعلًا لا يليق، ويكون أيضًا خطيئتهما في رقبتك، لأنك كنت السبب في ذلك، لولا أنها رأته ورآها ما خالفت النفس سيدها ومولاها، كما يقال في المثل: عين لا ترى، قلبٌ لا يحزن!
ومن قلة دين المرأة أنها لا تلبس أفخر ثيابها لزوجها، وتتجمل ببدلتها إذا خرجت من بيتها، فتفتن قلوب العباد، وتوقعهم في الذنوب والفساد، ولذلك كنَّ أكثر أهل النار (¬١)، وشهد عليهن الصادق الأمين بأنهن ناقصات عقل ودين. ومن البدع ما يفعله بعض الأشرار، (فيشترون الجَوار ويعلمونهن) (¬٢) الغناء والأشعار، والضرب بالكف والطار، لأجل حطام هذه الدار، أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار. وقال ﵊: «كسب المغني والمغنية حرام» (¬٣). فمن فعل ذلك بطلت شهادته، وسقطت روايته، وثبت سفهه، ولا يحل سماع غناء الجارية مكشوفة كانت أو مغطية. قال الشافعي رحمة الله عليه: إذا جمع سيد الجارية الجموع وأمرها أن تغني لهم؛ بطلت عدالته، وسقطت روايته، ويكون ديوثًا (¬٤). قال القاضي أبو الطيب: إنما جعل ديوثًا فاسقًا؛ لأنه دعا الناس إلى الباطل (¬٥). وقال الشعبي: لعن المغنِّي والمغنى له (¬٦). اعلم رحمك الله أن الوقت عزيز، ومن عزته لا عِوَض لما فات منه، فلا تذهبه في الباطل والغناء، فتقع في الحسرة والعناء، والعاقل لمَّا عَلِم أن الأجل قريب تزوَّد بالأعمال الصالحة (¬٧) للقاء الحبيب.
عِوَض لما فات منه، فلا تذهبه في الباطل والغناء، فتقع في الحسرة والعناء، والعاقل لمَّا عَلِم أن الأجل قريب تزوَّد بالأعمال الصالحة (¬٧) للقاء الحبيب.
وأشرُّ مما تقدم ذكره ما يفعله المالك، ويسقط بفعله من عين مالك الممالك، فيشتري الجارية الولود، ويرضى بالفاحشة هذا المبعود من رحمة المولى الودود، فتزيد دنياه، ويسقط من عين خالقه ومولاه، ولا خير في دنيا تزيد مع نقصان الآخرة، وهذا من الفسقة الكبار، المتعرضين لسخط الجبار، وهو نوع من القيادة، وذلك من قلة التوفيق والسعادة، ويُخاف على فاعلها من أن يحرمه الله تعالى عند الموت الإيمان والشهادة؛ لخروجه عن طريق السادة، ولقلة حيائه من عالم الغيب والشهادة. قال ﷺ: «الحياء من الإيمان» (¬١)، وفي حديث آخر: «الحياء خير كله» (¬٢). الحياء لا يأتي إلا بخير، فمن فاته الحياء فقد فاته الخير كله. مرَّ بعضُ الصحابة بوادٍ فيه قردة، ورآهم قد اجتمعوا ورجموا قردةً زنت، فرجمها معهم (¬٣). فانظر أيها المبعود، من رحمة الملك المعبود! هذا الذي تحبه أنت، يكرهه القرود. لا تكن أيها المؤمنُ! البهيمةُ أفقه منك، وأحسن حالًا؛ تكره الفاحشة وأنت تحبها، قال المولى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] الآية. كلُّ عليلٍ يمكن العلاج فيه إلا عليلًا يعجبه مرضه، وقلوب هؤلاء القوم قد كادها باريها، فملئت بحب الدنيا والكدر، ونسأل الله لنا ولهم ولجميع المسلمين اللطف والتدبير في القضاء والقدر.
فصل فيما يبتدع من المزح، وما يباح منه، وما يقاربه ويناسبه من البدع الفعلية والقولية اعلم أن قليلَ المزح إن كان حقًّا فهو مباح، ولا يحمد كثير المزح؛ لخروج صاحبه عن طريق أهل الدين والخير والصلاح، لكن لا يأثم الفاعل، وليس عليه جناح؛ لأن له أصلًا في الشرع كما ورد في الأحاديث الصحاح. فمنه ما يباح، ومنه ما يكره، ومنه ما يحرم، ومنه ما يكفر به الإنسان، ونقولها إن شاء الله في مواضعها (¬١) ببيان، فيكره الإكثار منه لأجل قساوة القلب، ولتضييع الوقت والزمان ولمخالفة الأخبار. والكاذب في مزحه قد وقع في البدعة والعار، وخرج عن طريق الأخيار، وهو ملعون في الكتاب المكنون، قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] أي: لعن الكاذبون. والكذب ليس هو من صفة العبد الصالح، ويروى أنه ملعون ولو أنه مازح (¬٢).
وأعظم الخطايا اللسان الكذوب، ومن تحلَّى به في جِدٍّ أو هزل فقد فاته المطلوب، قال ﷺ: «إنِّي لأمزح ولا أقول إلا حقًّا» (¬١).
وقد ميَّز ﷺ الموافق من المنافق بقوله: «المؤمن إذا حدَّث صَدق، وإذا وعد لم يُخلف، وإذا اؤتمن لم يخن» (¬١). ووصف المنافق بعكس ذلك؛ قال: «وإن صام (¬٢)، وصلَّى، وزعم أنه مؤمنٌ» (¬٣).
بقوله: «المؤمن إذا حدَّث صَدق، وإذا وعد لم يُخلف، وإذا اؤتمن لم يخن» (¬١). ووصف المنافق بعكس ذلك؛ قال: «وإن صام (¬٢)، وصلَّى، وزعم أنه مؤمنٌ» (¬٣).
وفي الحديث أيضًا: «إنَّ العبدَ لا يزال يَصدُق، ويُكرِّر في الصدق حتى يُكتب عند الله صديقًا» (¬١). وقال المولى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] فجاء الصدق بعد النبوة، وكاد الصدِّيق أن يكون نبيًّا لعظم منزلته عند الله تعالى، ولذلك حرَّض عباده عليه ليقربهم إليه بقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] وقال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩]. فالصدق يهدي إلى الجنة، وإلى رضا الرب الغفور، والكذب يهدي إلى النار وإلى الفجور؛ فاحذره أيها العبد المغرور، وفي الحديث: «لا يزال العبد يكذب ويكرر في الكذب حتى يُكتب عند الله كذابًا». (¬٢) قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥]. وفي الكذب ما يؤجر العبد عليه، وكذلك في الخيانة، وفي قلة رد الأمانة. أما الكذب الذي يثاب عليه: كذب ليخلص مظلومًا من ظالم فيقول: ما هو عندي. وهو عنده، أو يقول: لا أعرفه. وهو أعرف الناس به، ويكذب ليصلح بين الرجلين أو القبيلتين، أو ليصلح أهله ويسكن غضبهم
ص مظلومًا من ظالم فيقول: ما هو عندي. وهو عنده، أو يقول: لا أعرفه. وهو أعرف الناس به، ويكذب ليصلح بين الرجلين أو القبيلتين، أو ليصلح أهله ويسكن غضبهم
بقوله: اليوم أكسيك، أو أعطيك. أو: ما أحب أحدًا كمحبتي فيك. وإن أحب غيرها أكثر منها؛ لأن المحبة بيد الله تعالى لا بيد المخلوقين، وقول الإنسان لولده: يا بابا. أو: يا سيدي. وهو ليس بوالده ولا بسيده. ويكذب المؤمن لقتل الكافر في دار الحرب؛ فيقلُّ الكفر والفساد، وتستريح منه العباد والبلاد (¬١). وأما الخيانة التي يؤجر المسلم عليها: كمن اؤتمن على (خمرٍ فيخون) (¬٢) بإراقة ذلك الخمر إن لم يخف من سطوة صاحبه (¬٣)، فتجب هذه الخيانة، ويرجى لفاعلها أن يدخله الله تعالى الجنة ويرزقه أمانَهُ. وكذلك إذا غصب الرجلُ شيئًا وأمَّنك عليه؛ ادفعه لصاحبه الأول، يقربك الحق إليه، يقال في الثاني كما قيل في الأول: إن لم يخف من سطوة صاحبه (¬٤). ومن وعد آخر بأن يجتمعَا (¬٥) على معصية فيجب أن يخلف هذا الوعد، فإن وفَّاه نقص قدره عند خالقه ومولاه. ثم اعلم بأن المزح جائز مع القريب والغريب إلا أن يكون غلامًا
بأن يجتمعَا (¬٥) على معصية فيجب أن يخلف هذا الوعد، فإن وفَّاه نقص قدره عند خالقه ومولاه. ثم اعلم بأن المزح جائز مع القريب والغريب إلا أن يكون غلامًا
جميلًا أو امرأة شابة أجنبية فيحرم عليه ذلك، ويسقط الفاعل من عين مالك الممالك. والمزح جائز مع العجائز، ويكره المزح مع المبتدع والظالم والفاسق؛ لأنهم خرجوا عن الشرع الشريف، وأسخطوا المولى اللطيف، ولا ينظر المسلم لمن قد تكبَّر قلبُه، ولا إلى ما يناسبه. قال الفضيل ﵀: نظر المؤمن للمؤمن جلاء للقلب، ونظر المؤمن لصاحب بدعة يورث العمَى (¬١). وقال لرجل: لا تصحب مَنْ فيه أدنى بدعة فيعود شؤمها عليك (¬٢). ومن البدع القولية: مزح الإنسان بشيء من كتاب الله تعالى؛ مما يكفر فاعله أو يذم قائله. أمَّا الذي يكفر فاعله كمن يصعد في مكانٍ مرتفع والناس تحته، فيتشبَّه بالواعظ والخطيب، ويتلو كلام الحبيب، ثم يأخذ في مدِّ صوته وهزِّ رأسه بقوله: أيها الناس. وهم تحته يتضاحكون، كفروا كلهم أجمعون (¬٣). وكذلك المدْبِرُ (¬٤) الذي يصلي تحت الواعظ على البشير النذير، الكل قد سقطوا من عين الملك القدير، وتجهزوا بهذا الزاد لجهنم وبئس المصير (¬٥). قال رجل لبعض الفقهاء: إن الملائكة لتضع أجنحتها رضًى لطالب العلم. فقال الفقيه وهو مازح: لأجل ذلك سمَّرت قبقابي لكسر
أجنحتهم. فما كان إلا قليلًا حتى وقع في تهمةٍ، فأمر الحاكم بقطع رجليه (¬١). ومن البدع التي يكره فعلها: أن يكذب الرجل في مزحه ليضحك القوم ومن حضر، فالويل ثم الويل ثم الويل لهذا، كما صحَّ في الخبر (¬٢). واعلم أن ويلًا هو وادٍ في جهنم، وكذلك: سَقَر. وإذا رجع العبد إلى الله تعالى بالتوبة تاب الله عليه وغفر له، وإذا تكلم الإنسان بكلمة الكفر يجدد التوبة على الفور، ثم يأتي بالشهادتين، ولا يزال نادمًا إلى ما يلقى الله تعالى، فحينئذٍ يرجى له الخير والفلاح، ويحشر مع أهل الدين والصلاح؛ لما ورد أن «النَّدم توبة» (¬٣)، و «التائب من الذنب
كمن لا ذنب له» (¬١). في الأحاديث الصحاح. اعلموا أهلَ الإيمان! أنَّ آفة الإنسان هو اللسان، وسيأتي ذكره في باب الغيبة ببيان. قال ﷺ: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالًا فيهوي بها في جهنم (¬٢) سبعين خريفًا» (¬٣). وفي حديثٍ آخر: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت؛ يكتب الله تعالى له بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى وما كان يظن أن تبلغ ما بلغت؛ يكتب الله تعالى له بها سخطه إلى يوم القيامة» (¬٤). وهذا حديث صحيح. وقال ﷺ: «ويلٌ للذي يتحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويلٌ له، ويلٌ له» (¬٥). وفي حديث آخر: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك فيها جلساءه؛
¬٤). وهذا حديث صحيح. وقال ﷺ: «ويلٌ للذي يتحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويلٌ له، ويلٌ له» (¬٥). وفي حديث آخر: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك فيها جلساءه؛
يهوي بها في النار أبعد من الثريا» (¬١). رواه أبو هريرة. ومثله والله أعلم ما يفعله حمري من حماري (¬٢) هذه الأمة، فيؤلِّف كلامًا كذبًا على الناس وعلى بعض الأئمة، ليُضحك جلساءه في وقت فرحهم (¬٣) وحلقهم، فينقلب ضحكهم بكاءً في جهنم وغمة. قال ﷺ: «من عصى الله وهو يضحك؛ دخل النار وهو يبكي» (¬٤) فلا يفتري الكذب على العلماء إلا من حلَّ بقلبه الغفلة والعمى. قال إبراهيم: من اتَّقى الله تعالى لم يدر ما يقول، كأنه يخاف من كل شيء يقوله من الخير والشر، إن تكلم بالخير خاف المقت أن يقول ما لا يفعل، وإن تكلم بالشر خاف العقوبة والسؤال (¬٥). عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم إلى المسجد، فإذا قوم يتحدثون ويضحكون، فوقف فسلم عليهم، ثم قال: «اذكروا هادم اللذات». فذكرهم بالموت لكي يقل ضحكهم وكلامهم، وخرج مرةً أخرى ورأى قومًا يضحكون فقال: «أما والذي نفسي بيده لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا» (¬٦).
وروى العلماء: أن ضحك النبي ﷺ كان تبسمًا (¬١). وكثرة البكاء من خشية (¬٢) الله تعالى يدل على يقظة قلب صاحبه، ويذهب بالذنوب، وكثرة الضحك تدل على غفلة فاعله، وتقسي القلوب. ثم اعلم بأن كثرة المزح والضحك فاعلهما مفتون، والضحك من غير عجب نوع من الجنون. حكي أن الفضيل بن عياض ما ضحك إلا عند موت ولده عليَّ، فقيل له في ذلك، فقال: إن الله تعالى أحب شيئًا فأحببته (¬٣). ولما أمر بعض الظَّلمة بقتل سعيد بن جبير ضحك، فقال له (القاتل (¬٤): بلغني أنك لم) (¬٥) تضحك قط، فما سبب ضحكك الآن؟ قال: أعجبني كيف شرُّك إلى الله صاعدٌ، وحلمه عليك واردٌ! (¬٦).
سعيد بن جبير ضحك، فقال له (القاتل (¬٤): بلغني أنك لم) (¬٥) تضحك قط، فما سبب ضحكك الآن؟ قال: أعجبني كيف شرُّك إلى الله صاعدٌ، وحلمه عليك واردٌ! (¬٦).
وكان لسعيد ديك إذا أذن في الليل يقوم سعيد لخدمة المولى المجيد، فنام الديك ليلةً إلى الصبح، فقام الشيخ سعيد وقد فاته قيام ليلته (¬١)، فقال: ألا ما له ضرب الله عنقه، فطارت رقبة الديك (¬٢). فإن قال قائل: ما باله دعا على الديك ولم يدع على القاتل له ظلمًا؟ قيل: غضب سعيد على الديك لأجل ربه، ولم يغضب على قاتله لأجل نفسه، ولولا القصاص لقتل الصالحون أنفسهم إذا خالفت أو غفلت، لكن قتلوها بالمجاهدة، فأحيى الله قلوبهم بالمشاهدة. قيل لعبيدة بنت أبي كلاب: ما تشتهي؟ قالت: الموت. قال: ولم؟ قالت: لأني والله في كل يوم أصبح أخشى أن أجني على نفسي جناية يكون فيها عطبي أمام الآخرة (¬٣). وقفتْ عجوزٌ على شبابٍ عليهم ثيابُ الصوف، وهم يتضاحكون، فقالت: سبحان الله! زِيُّ الناسكين وفعل الغافلين! (¬٤) أنكرت عليهم لقلة المناسبة. ذكرنا شيئًا من صفات الأحباب، ثم نرجع إلى مقصود الكتاب: قرأ رجل من أهل العراق آية: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: ١٢ - ١٣]، فقال بعض المفتونين مازحًا: (والله ما هذا إلا) (¬٥) كرمٌ عظيمٌ! فأمر إمام من الأئمة بضرب رقبته، فقال الخليفة: بأي دليل كفَّرت هذا وضربت رقبته؟ قال: بقوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم
ا: (والله ما هذا إلا) (¬٥) كرمٌ عظيمٌ! فأمر إمام من الأئمة بضرب رقبته، فقال الخليفة: بأي دليل كفَّرت هذا وضربت رقبته؟ قال: بقوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم
ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦] (¬١). وشفع بعضُ العدول لفقيهٍ عند القاضي بكَّار وقال: يا مولانا، أنت تعلم أن الفقيه هو سيد فاضل، راسخ في العلوم، وهو قليل المعلوم فيشتهي أن تعدَّ له. فأبى القاضي، وقال: حضرنا يومًا في مكان وبين أيدينا قصعة طعام، في (وسط القصعة) (¬٢) سَمْنٌ، فطرق بعض الحاضرين للسَّمن طريقًا ليأتي إليه، فقال هذا الفقيه وهو يمزح: ﴿أخرقتها لتغرق أهلها﴾ فسقط من عيني (¬٣). فهذه الأشياء وأمثالها يتداولها الجهال بينهم، فتارة يكفر القائل، وتارة يفسق، ويحسب هذا اللئيم أنه هيِّنٌ وهو عند الله عظيم. فترى بعضهم يقول إما في مزحه أو غضبه: لو جاء جبريل أو النبي الكريم عليهما الصلاة والتسليم لم يفعل أو يفعل، أو كقول الجاهل المرتاب لغيره: إذا دخلت الجنة فرد الباب. وكذلك في جواب الجاهل لمن يأمره بالخير والمعروف ليقربه للرب
الرؤوف فيقول للآمر: قتلتنا بدينك، كل شاة معلقة بعرقوبها، ثم يستدل هذا المخذول الخارج عن طريق الرسول بقوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، فلم يفهم معنى الآية، وتفسيرها بعكس ما يقول. فوقع بجهله في بدعتين: الأولى: أنه فسر القرآن برأيه؛ وصح في الأخبار أن مَنْ قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار (¬١). والبدعة الأخرى قوله لمن أمره بالخير: عليك بنفسك. وهذه كلمة خبيثة برزت من رجل خبيث، يكرهها الله ورسوله؛ لقوله ﷺ: «إن أحب الكلام إلى الله أن يقول العبد: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. وإن أبغض الكلام إلى الله أن يقول العبد) (¬٢) لأخيه: اتق الله. فيقول: عليك بنفسك» (¬٣). واسمع قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦].
وكذلك قولُ بعض من خذله الله سبحانه في مزحه: الشيخُ عَديٌّ شيء آخر! فيصير فاسقًا، وإن قالها معتقدًا يصير كافرًا كما يفعله بعض جهلة الأكراد ممن يتغالَى في الشيخ عدي، فيصدِّق بعلو مرتبة النبي ﷺ ويقول: لكن الشيخُ عَديُّ شيء آخر. فمن اعتقد ذلك في الشيخ عدي فهو عبدٌ كافر معتدي (¬١). قال ﷺ: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (¬٢). ومن ذلك ما يتمَرَّدُ العبدُ بمزحه على الله تعالى، ويضيفه إلى ابن
د ذلك في الشيخ عدي فهو عبدٌ كافر معتدي (¬١). قال ﷺ: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (¬٢). ومن ذلك ما يتمَرَّدُ العبدُ بمزحه على الله تعالى، ويضيفه إلى ابن
الراوندي، وهل قاله ابن الراوندي أم لا؟ كقولهم: إنه خرج ذات يوم وبيده زِبْدِيَّةٌ (¬١)، فوقع عليها بَرَدَةٌ (¬٢) فكُسرتْ، فدخل بيته ثم خرج بهاونٍ وألقاه للمطر والبَرَد، وقال: إن كنت شاطرًا فاكسر هذا (¬٣). ويحكون أيضًا عنه أنه أتى الحمام فرأى شابًّا جميلًا عليه ثياب دنسة، وهو يعمل في مستوقد الحمام، ثم رأى عبدًا أسود قد خرج من الحمام وعليه ثياب جميلة، والمسك يفوح من بين ثيابه وقد ركب بغلة ثمينة، فلما خرج من الحمام شم رائحة الهوى ومسح العرق عن وجهه، ثم قال: سافر الله! مراده استغفر الله. فقال ابن الراوندي: يا عبد النحس (¬٤)، لو لم يسافر الله ما كنت أنت تتقلب في هذه السعادة والإنعام، وهذا الشاب الجميل يعمل في مستوقد الحمام (¬٥). ومثل هذا كثير يتداوله الفسقة بينهم حين يمزحون، ومن الدين يمرقون، وعن طريق نبيهم يخرجون، ومن عين مليكهم يسقطون، ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]. وقد قلت بعض ما يقولون حاكيًا لأجل النصح، لا مازحًا، ولا
معتقدًا، وليعلم الفاعل كذلك أنه مرق من الدين، وخرج عن طريق سيد المرسلين، وقال ﷺ: «حاكي الكفر ليس بكافر» (¬١). فلا يحل لمسلم أن يمزح بشيء من كتاب الله تعالى ولا بشيء من أحاديث رسول الله ﷺ، كقول بعض من خذله الله في مزحه بالحديث: إن مغربيًّا رمدت عينه، فافتكر الحديث المروي: «شفاء أمتي في ثلاث: آية من كتاب الله، أو لعقة من عسل، أو مشراط من حجام» (¬٢). فقرأ المغربي آية فلم تبرأ عينه، ولعق العسل فلم يصح، فشرطها فورمت. فعند ذلك قال: يا حبيبي يا رسول الله، إذا لم تكن تعرف الطب فلم تتكلم فيه. فانظر إلى هؤلاء المفتونين كيف يرمون نبيهم بالجهل حين يمزحون. ويروى أن طبيبين دخلا على النبي ﷺ الواحد يهودي والآخر
ذا لم تكن تعرف الطب فلم تتكلم فيه. فانظر إلى هؤلاء المفتونين كيف يرمون نبيهم بالجهل حين يمزحون. ويروى أن طبيبين دخلا على النبي ﷺ الواحد يهودي والآخر
نصراني، فتكلما في الطب، فلما خرجا من عند النبي ﷺ قال لأصحابه: «لولا الغيبة لقلت لكم أيهما أطب من صاحبه» (¬١). وهذا بعض ما يمزحون به من أنواع الخزي، ولا يفعله إلا كل عبد مطرود، وشؤم ذلك عليه يعود، لتشبهه بالكافر المبعود؛ لأني سمعت أن اليهود لعنهم الله ينتخبون مثل هذه الأشياء، ثم يمزحون بها فيستهزئون بالآيات والأخبار؛ لأنهم باءوا بغضبٍ من الجبار، وهم أيضًا وقود النار، فلا ينبغي للمؤمن أن يمزح بشيء يسخط ربه، ويخالف أوامره، فيضحك القوم ويبكي هو في الآخرة. يا من يشق عليه أن يفعل شيئًا يصير به مضحكةً بين أبناء جنسه، ولا يشق عليه وقد صار مضحكة للشيطان، قال ﷺ: «إن للموسوسين شيطانًا يضحك بهم يقال له الولهان» (¬٢). فإذا كان الشيطان يضحك بأهل الوسوسة، أمَا يضحك بأهل البدع والعصيان؟! وإذا علم المؤمن بأن الطاعة ترضي الله تعالى، والمعصية فيها سخط رب العالمين، وهو يسارع في المعصية، أما يصير مضحكة للشياطين؟! لا تكن الثكلى أفقه منك أيها المعرض عن الله! المتعرض لسخطه، قد شُغلت بفقد ولدها عن الأفراح والأعياد، الناس في أعيادهم وأفراحهم والتزاور، وهي منطرحة تبكي في المقابر. هذا حال من فقد ولدًا له (¬٣) (وقد يجد ولدًا غيره، والغافل قد فقد ربه، وليس له إلا هو وهو يضحك، لا جرم أنه يدخل النار وهو يبكي.
رأى الشِّبلي امرأةً خلف جنازة ولدها وهي تصيح: والله ما لي سواه. فصاح الشِّبلي: وامصيبتاه إن طردني من ليس لي سواه (¬١). واعلم أن من بكى على شيء فاته من أمر الدنيا يسأل عنه يوم القيامة؛ لأنه ضيع دمعه في غير مصلحة، قال الله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]. أي من أمر الدنيا؛ لأنها كالظل الزائل عن أيامٍ قلائل. والسفيه لا يكون سفيهًا بتضييع الكثير من المال، بل لو وضع فلسًا في غير مصلحةٍ يكون سفيهًا؛ لأن الفلس مال، وقد نهى الشرع عن إضاعة المال، فإذا سئل العبد عن إضاعة ماله في غير مصلحة، أفما (¬٢) يسأل عن إضاعة عمره في غير مصلحة! كان بعضهم ينشد هذه الأبيات: كم يذهب هذا العمر في خسران … ما أشغلني عنه وما ألهاني ضيعت زمانًا ما له من عوضٍ … هل بعدك يا عمري من عمرٍ ثاني وأنشدوا أيضًا (¬٣): سهر العيون لغير وجهك باطل … وبكاؤهن لغير هجرك ضائع فالويل، ثم الويل لمن فقد قلبًا واعيًا، وطرفًا باكيًا، واعلم رحمك الله بأنَّ جميع الكائنات لها شبه ونظير، والحق سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فإذا علمت أنَّ الحقَّ ﷾ لا مِثل له؛ فلا تضيع وقتك بالاشتغال بالأشكال والأمثال والرسوم والأطلال، فلا تطلب إلا إياه، ولا
كمثله شيء وهو السميع البصير. فإذا علمت أنَّ الحقَّ ﷾ لا مِثل له؛ فلا تضيع وقتك بالاشتغال بالأشكال والأمثال والرسوم والأطلال، فلا تطلب إلا إياه، ولا
تؤثر هواك على رضاه، فتحمُّل المشقات في طلب مَنْ لا مِثل له حسنٌ جميل، وإتعابُ النفس في طلب ما له أمثال كثيرة خسران وبيل. كان بعضهم ينشد: أتوب إلى الذي أضحى وأمسى … وقلبي يتقيه ويرتجيه تشاغل كل مخلوق بشغل … وشغلي في محبته وفيه سمع هذه الأبيات سفيان الثوري فبكى، وقال: نعم الشغل شغلك. قال علماء الحنفية (¬١): إذا بكى العبد في صلاته من خشية الله تعالى تمت صلاته، وكثرت حسناته، وإن بكى مِنْ نزول مصيبة أو مِنْ فَقْد شيءٍ من الدنيا فسدت صلاته؛ وذلك لأن الله تعالى ما أخذ منه شيئًا إلا ويريد أن يعوضه ما هو خير منه، وأمره بالصبر، فلما لم يصبر ولم يثق بوعد الله تعالى فقد خالف الله، فبطلت صلاته، وهذا إذا ارتفع البكاء، فإن لم يرتفع بكاؤه لم تبطل صلاته، والله أعلم. كان شيخُنا رحمة الله عليه يقول: إن عُمرًا ضُيِّع أوله لجدير أنْ يُحفظ آخره. وكان يقول: ما أقلَّ بركة مالٍ وقع فيه أيدي الناهبين. إياك أيها المؤمن! أن تخرج من الدنيا وما ذُقت أطيب شيء فيها، وهي حلاوة حب الله سبحانه؛ فما أحب الصالحون البقاء في الدنيا لجمع المال، ولا لغرس الأشجار، ولا لجري الأنهار، ولكن لظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ولطلب العلم، ولتحصيل الطاعة والأذكار. فالمؤمن الصَّادق لا يفرح إلا بالله، ولا يحزن إلا على ما فاته من معاملة الله، وهذا مراد الحق من عبده. قال المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ أي: من الدنيا. ﴿ولا تفرحوا بما آتاكم﴾ [الحديد: ٢٣] أي: بما أعطاكم الله
قال المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ أي: من الدنيا. ﴿ولا تفرحوا بما آتاكم﴾ [الحديد: ٢٣] أي: بما أعطاكم الله
منها. لكن ينبغي للعبد المقبل أن يفرح لإقباله على مولاه، قال الله سبحانه: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]. وينبغي للعبد المُدْبِر أن يطيل الحزن على ما فاته من معاملة الله سبحانه، كما قال بعضهم: فوا حزني أني مقيم ببلدةٍ … وأنت بها ما لي إليك وصول) (¬١) كالعيس في البيداء يقتلها الظما … والماء فوق ظهورها محمول وكان أبو حنيفة يكثر من قوله: كفى حزنًا أن لا حياة هنيئة … ولا عمل يرضى به الله صالح وقال الشافعي ﵀ في مرضه الذي مات فيه، وقد سأله المزني: كيف حالك؟ فقال ﵁: أصبحت في الدنيا راحلًا، ولإخواني مفارقًا، ولسوء أعمالي ملاقيًا، ولا أدري أنا من أهل الجنة فأُهنَّأ، أم من أهل النار فأُعزَّى. وأنشد فقال: أسفي أموت وليس لي … عمل به نفسي تطيب والغبن أني راحلٌ ما … لي من التقوى نصيب (¬٢) فقد علمت تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] أي: بما أعطاكم الله من الدنيا. وقد جاء في الحديث: «إذا أحب الله عبدًا زوَى عنه الدنيا» (¬٣). فما زواها عنه بخلًا عليه، بل رحمةً منه إليه، ليخفف حسابه، وليتفرغ لخدمة الله، وللوقوف بين يديه، ثم طلب منه الصبر، أي اصبر، فالعوض
عنه الدنيا» (¬٣). فما زواها عنه بخلًا عليه، بل رحمةً منه إليه، ليخفف حسابه، وليتفرغ لخدمة الله، وللوقوف بين يديه، ثم طلب منه الصبر، أي اصبر، فالعوض
على من صبر على ذهاب دار الفناء حَصُلْتُ له أنا، فمنهم من ترك الدنيا باختيار موافقةً للنبي المختار ولمن تابعه من الأخيار (¬١)، كما قيل: إن الخليفة رأى الفُضيلَ ودفع له كيسًا فردَّه، وقال: أنا ما أرضى الدنيا لكم فكيف آخذها منكم؟! وورث بعضُ مشايخ «الرسالة» من أبيه مالًا كثيرًا، ففرقه كلَّه على إخوانه صررًا، فلاموه فيما فعل، فقال: أنا أريد لإخواني الآخرة فكيف أبخل عليهم بالدنيا؟! كل ذلك خوفًا لكي لا تدخل الدنيا عليهم فتفسد قلوبهم كما أفسدت قلوبنا. كان للصالحين قلوب خافوا على فسادها، ومن لا قلب له على أي شيء يخاف؟ (¬٢) البصير يخاف على بصره من العمى والرمد، والأعمى قد أهمل هذه الأمور، قال المولى الغفور: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. وقال ﷺ: «إن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسدُ كله ألا وهي القلب» (¬٣). ومن العباد من زوى الله سبحانه عنه الدنيا بغير الاختيار، وعوضه ما هو خير منها، وهو الكريم الغفار، أنفق بعض الصالحين جميع ماله على إخوانه، وما بقي يقدر على ما يواري به عورته، فقال له بعض الشَّامتين: جاء في الحديث: «من ترك شيئًا لله عوضه الله ما هو خير منه» (¬٤) فماذا
عوضك؟ قال: عوضني الرضى عنه (¬١). وجاء في الحديث: «يؤجر المرء على رغم أنفه» (¬٢)، وهذا هو خير، والأول أفضل منه وخير. وقد يزوى الرجل عن مريضه ما لا يساوي فلسًا ما بخل به عليه، بل شفقة منه عليه، وقد تصعط (¬٣) الوالدة ولدها الصَّبر وهي تحبه وتواليه، والوالد يؤلم ولده بالضرب وهو مغرمٌ فيه؛ فالولد لا يتَّهِمُ والديه؛ لعلمه أنهما عملا ذلك مصلحة له وشفقة عليه. وكذلك الدابة، لما علمت أن عنانها بيد مالكها سلمت جميع أمورها إليه، فربما جاءت إلى باب منزلها تعبانةً، فلوى المالك عنانها فسارت مسرعةً راضية غير غضبانة.
فلا يكن أيها المؤمن! الطفلُ والدَّابةُ أفقه منك، الولد لا يتهم أبويه، (والدابة لا تتهم) (¬١) مالكها، وقد علمت وتحققت أن الله سبحانه أعلم بمصلحتك منك، وأن عنانك بيده، فإياك إياك أن تتهم أو تتعرض على مولاك، فتكون النار مأواك، وكن من جملة العبيد، فلا يكون أبدًا إلا ما يريد. دخل بعض الصالحين على أخٍ له في الله، فوجد الوليدات يستتر بعضهم ببعض من العري، فقال له: لم لا تدعو الله لهم؟ قال: هو أعلم بمصالح عباده، دعهم عسى يراهم فيرحمهم (¬٢). وقد ذكرت في كل باب شيئًا من صفات الأحباب، تبركًا لهذا الكتاب، ولنزول الرحمة على القارئ والقائل والمستمع من خزائن الكريم الوهاب، الذي لا يخشى الفاقة، ويعطي بغير حساب.
فصل: فيما ابتدعت طائفة من القرندلية (¬١) فحلقوا ذُقونَهم وحواجبهم، وثقبوا إحليلَهم، وهذه أفعال رديَّةٌ، ومصيبة في الدين وبليَّةٌ؛ لمخالفتهم الحقَّ سبحانه، ولخروجهم عن طريق خير البرية قال ﷺ: «قصُّوا الشارب، وأعفوا اللِّحَى» (¬٢). فقد نهانا الشرع عن حلق اللحية، وأمرنا بقصِّ الشارب، فاتبع الشرع أيها الطالب، لتُرفع إلى أعلى المنازل والمراتب. قال الله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. وهذه البدعة الملعونة فيها تشبه بالمجوس وبأهل الكتاب، وهي طائفة من الإفرنج، فانتهوا يا أولي الألباب، فمن تشبه بهم في الدنيا حشر معهم في الآخرة؛ فنكب وخاب. قال ﷺ: «من تشبه بغيرنا فليس منا». وفي الحديث الآخر: «فهو منهم» (¬٣).
فانتهوا يا أولي الألباب، فمن تشبه بهم في الدنيا حشر معهم في الآخرة؛ فنكب وخاب. قال ﷺ: «من تشبه بغيرنا فليس منا». وفي الحديث الآخر: «فهو منهم» (¬٣).
فقد تبرأ الرسول من الحالق المخذول، فحُرِم الخير والوصول؛ لخروجه عن السنة ولتضييعه الأصول. وفي الخبر: «أن الملائكة تقول: سبحان من زيَّن الرجال باللِّحى» (¬١). وكذلك تكبل أحدهم بالسلاسل والحديد بدعة لا ترضي المولى المجيد، ولا يفعلها إلا كل شيطانٍ مريد؛ لأنها بدعة ردية، تخالف القرآن والسنة المحمدية؛ قال الله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧١ - ٧٢]. ورأى النبي ﷺ رجلًا في إصبعه حلقة من حديد، فقال: «ما لي أرى عليك حلية أهل النار؟» (¬٢). قال ﷺ: «إذا رأيتم أهل البلاء اسألوا العافية» (¬٣). فهؤلاء المخذولون قد خرجوا عن طريق نبيهم، وخالفوا الرحمن، واتبعوا أوامر الشيطان؛ لأن الله تعالى لما طرد الشيطان قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣]. فأجابه الحق سبحانه بقوله: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ
الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣]. فأجابه الحق سبحانه بقوله: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ
مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٤ - ٨٥] فأخبر عنه بقوله تعالى: ﴿وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]. ومن حلق لحيته وحواجبه وشواربه فقد غير خلق الله، وكذلك الواشمة وما يشبه ذلك، الكل خارجون عن السنة، داخلون في طريق كلِّ مبتدع وهالك، فإن احتج أحدهم بخروجه عن طريق النبي المختار والصحابة الأخيار والمؤمنين الأبرار باتباعه لشيخه فقد وافق الكفار، ومن وافقهم في الدنيا حشره الله تعالى معهم في النار. وتشبه هؤلاء المعتدون بقومٍ تركوا طرق أنبيائهم وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]. وهذه البدع مخالفة لطريق سيد المرسلين، والخلفاء الراشدين، ولأئمة المسلمين، ولم يرض بهذه البلية إلا هذه الطائفة الرَّدية المعروفة بالقرندلية؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. ونقول مسألة مناسبة: رجل غصب مملوكًا أمرد، فطلعت لحيته عنده، فرفعه صاحب المملوك إلى الشرع، وقال: هذا غصب مملوكي وهو أمرد، وكانت قيمته ألف درهم، والآن يساوي خمسمئة درهم لطلوع لحيته. قال بعض العلماء: يأخذ مملوكه ويرجع على الغاصب بما نقص من ثمنه (¬١). وقال أبو حنيفة ومن تابعه من العلماء: لا يرجع عليه بشيء؛ لأنه زاد قوة وزينة في الشرع، ونقص عند أهل الفسق، فلا يعتبر ذلك (¬٢).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصل في الحياء وغض البصر ومن البدعة أيضًا: دخول الحمام أو غيره من البحار والغدران بغير مئزرٍ بحضرة الآدميين، وهذا يأتي من قلة الحياء والدِّين، وهو حرام بإجماع المسلمين. ثم اعلم بأن الحياء من صفات الأنبياء، وهو طريق الأولياء، وبه وصلوا إلى محبوبهم وبلغهم الله سبحانه إلى مطلوبهم، فمن استحيا من الله تعالى راجيًا (¬١) ثوابه؛ استحيى الله تعالى يوم القيامة من توبيخه وعذابه، قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧]. وقال ﷺ: «إن الله يستحيي أن يعذب شيبةً شابت في الإسلام» (¬٢).
فيجب على هذا الشيخ المسكين أن يعرف قدر هذه النعمة، ويستحي من الله تعالى أن يخرج عن طريق سيد المرسلين. ثم اعلم بأن الحياء على وجهين: حياء فيما بينك وبين الله، وحياء فيما بينك وبين الناس. فأمَّا الحياء الذي بينك وبين الله تعالى فهو أن تعرف نعمه، وأياديه فتستحيي منه أن تعصيه. فأعظم الناس مقتًا عند الله تعالى مَنْ جعل نعمه فيه، وهو يمحقها في مخالفته ومعاصيه؛ يقول الله ﷿ في بعض كتبه المنزلة: يا عبدي، إذا كنت أقلبك في نعمتي، وأنت تتقلب في معصيتي، احذر لا أصرعك. واسمع قول السميع البصير: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨]. وأما الحياء الذي بينك وبين الناس: أن لا تظهر لهم شيئًا من عورتك، وتغض بصرك عن عورات المسلمين والكافرين ومحاسنهم، وسواء كان المنظور إليه من الإناث أو الذكور، متى ما استحلت النفس بالنظر، وجب غض البصر، وسواء كان المنظور إليه بنت شهرين أو ابن سبعين سنة، فالسن ليس هو معتبرًا، فمن غضَّ بصره عما حرَّم الله عليه فتح الله تعالى بصيرته في الدنيا، ومتَّعه في الآخرة بالنظر إليه.
ه بنت شهرين أو ابن سبعين سنة، فالسن ليس هو معتبرًا، فمن غضَّ بصره عما حرَّم الله عليه فتح الله تعالى بصيرته في الدنيا، ومتَّعه في الآخرة بالنظر إليه. ثم اعلم بأن الحياء على قدر الإيمان، فمن كثر إيمانه كثر حياؤه، ومن قلَّ إيمانه قلَّ حياؤه، ومن لا حياء له لا إيمان له. وهذه الألفاظ مأخوذة من الخبر عن سيدنا محمد ﷺ ما غاب نجم أو ظهر (¬١). وقال صلوات الله عليه وسلامه: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت» (¬٢). وفي حديث آخر: «الحياء من الإيمان، الحياء خير كله، الحياء لا يأتي إلا بخير» (¬٣).
قال العلماء: إن عثمان بن عفان ﵁ كان إذا أراد الاغتسال دخل بيتًا وأغلق بابه وشد المئزر في وسطه، وكان يمنعه الحياء أن يقيم صلبه (¬١). ويجوز الاغتسال بغير مئزرٍ للرجل والمرأة إذا خلا المكان عن أعين الناظرين؛ لأن النبي ﷺ اغتسل هو وعائشة بغير مئزر في إناءٍ واحدٍ (¬٢). فبان بذلك أن الإنسان يجوز له الاغتسال بغير مئزرٍ إذا خلا عن أعين الناظرين (¬٣). والثاني: يجوز للرجل أن ينظر لجميع بدن زوجته وجاريته، وهما (¬٤) أيضًا كذلك (¬٥). وفي الحديث: إن أحدًا ما رأى فَرْجَ رسول الله ﷺ (¬٦)، ولا شيئًا من
غائطه، بل كانت الأرض تنشق وتبلعه (¬١)، ولم يترك الصحابة شيئًا من وضوئه ولا ما يتفله يقع على الأرض، بل كانوا يتمسحون به تبركًا (¬٢)، واحتجم مرةً فابتلع دمه بعض أصحابه، عمل ذلك لوجع كان في بطنه فأذهب الله تعالى وجعه (¬٣). والثالث: أن الماء لا يستعمل إذا أدخل الجنب يده فيه. والسترة أفضل؛ لأن الله تعالى معك حيث كنت وأين كنت. قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]. وعمل ﷺ ما ذكرته بيانًا للجواز (¬٤). قال العلماء: كان موسى ﵇ إذا أراد الاغتسال أبعد عن أعين
تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]. وعمل ﷺ ما ذكرته بيانًا للجواز (¬٤). قال العلماء: كان موسى ﵇ إذا أراد الاغتسال أبعد عن أعين
بني إسرائيل، حتى ظنوا أنه يفعل ذلك لسوء في بدنه، فخرج يومًا للاغتسال وحط حجرًا على ثوبه، فسار الحجر بثوبه نحو بني إسرائيل فخرج من الماء، وأسرع في سعيه، فلم يلحق ثوبه، فصار يقول: حجر ثوبي. فأنطق الله سبحانه الحجر إذ أنه مأمور بذلك؛ فلما لحقه أخذ يضرب الحجر فأوحى الله تعالى إليه: لا تضربه وأكرمه، فإن الله برَّأك بذلك من العيب، وأمره الله تعالى بحمل الحجر، فحمله موسى، وهو الحجر الذي كان يتفجر منه الأنهار حين وقع بنو إسرائيل في التيه. فرأى بنو إسرائيل جسد موسى ﵇، وليس فيه عيب. قال الله تعالى: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]. فعلم بنو إسرائيل أنَّ بعده عن أعينهم لشدَّة (¬١) حيائه لا من عيب في جسده (¬٢). فقد علمت أن الحياء من سنن المرسلين، ومن شعائر الصالحين، فمن أراد المرافقة فعليه بالموافقة. فمن حرم هذا التوفيق فليس هو لأنبياء الله تعالى وأوليائه برفيق، فمن كشف عورته (بمرأى من) (¬٣) الناس أو بالحمام، فقد ارتكب الذنوب والآثام، وخرج عن طريق النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، فلا يخرج عن الشرع الشريف إلا كل عبد معتدٍ كثيف.
دخل أبو حنيفة يومًا الحمام، فرأى رجلًا مكشوف العورة، فغمض الإمام عينيه حتى ظن (الرجل أن) (¬١) الإمام قد عمي، فقال لأبي حنيفة ﵀: متى عميت يا إمام؟ فقال له: منذ هتك الله تعالى سترك (¬٢). ودخل (إنسان إلى حمام) (¬٣) في وسط سوق فرأى رجلًا مكشوف العورة، فحمله ورمى به على باب الحمام. فقال: أما تستحي ترميني بين هؤلاء الناس؟ قال له: والذي في الحمام (ما هم بأناس) (¬٤)؟! ودخل المؤلف يومًا الحمامَ، فجاء رجل وجلس على جُرْنِ الحمام (¬٥)، والناس تحته ينظرون إليه، فرمى الفوطة مِنْ وسطه، فقال مؤلف هذا الكتاب له: يا أخي، قال ﷺ: «الحياء من الإيمان» (¬٦) فلم يلتفت لقوله ولم يصلِّ على النبي ﷺ؛ فأخذ المؤلف الفوطة وستر عورته فأخذها بغيظ، ورمى بها ثانيًا، وقال: هذا يجوز في مذهب مالك بن أنس! فغضب المؤلفُ لمقالته ولقلة حيائه، وقال له: ذكرتُ لك النبي ﷺ فلم تصل عليه، وتفتري الكذب على العلماء! البعيد زنديق، إن رميت الفوطة مرة أخرى قتلتك، ودعني أُقتل لأجلك! فتحوَّلَ إلى غير ذلك الجرن. ثم إنَّ المؤلف ندم على قوله له: «أنتَ زنديقٌ»؛ لأنه قرأ القرآن، واطلع على العلوم، وهو من الخيرات محروم، فما مضى إلا مدة يسيرة (حتى شهد) (¬٧) المسلمون بزندقته، وضرب القاضي رقبته (في: بَيْنَ القَصْرَيْنِ، بالقاهرة. وهو قاضي المالكية لَمَّا نَسَبَ الباطِلَ إليه؛ سلَّطه الله
عليه. وقال بعض جيرانه: إنَّه سبَّ أمَّه بشيء قبيحٍ، فدعت عليه بسوء الخاتمة؛ أجارنا الله منها) (¬١).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] فمن غضَّ بصره حياء من المولى الغفور، فهو عبد مؤمن مأجور، وفي الخبر: «لُعنَ النَّاظرُ والمنظور» (¬١). والناس في النظر المحرَّم على أقسام: منهم من غضَّ بصره حياءً من الخلائق، فإذا خلا بنفسه، ولم يكن إلا الله تعالى مدَّ بصره؛ وهذا فعل غير لائقٍ. قال الله تعالى فيمن هذه صفته: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨]. وهذا عبد محقور لتعظيمه نظر مخلوق مثله، ولم يفعل ذلك مع المولى الغفور. قال ﷺ: «من لم يكن له ورعٌ يَحجُزُه عن محارم الله إذا خلا؛ لم يعبأ الله بشيء من عمله» (¬٢). يقول الله ﷿ في بعض كتبه المنزلة: «يا عبادي، إن كنتم تعلمون أني لا أراكم فالخلل في دينكم، وإن كنتم تعلمون أني أراكم، فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟!» (¬٣).
﷿ في بعض كتبه المنزلة: «يا عبادي، إن كنتم تعلمون أني لا أراكم فالخلل في دينكم، وإن كنتم تعلمون أني أراكم، فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟!» (¬٣).
والثاني: غضَّ بصره حياءً من الله لا من غيره. وآخر: جهر بهذا النظر، ففسق عن أمر ربه، وخالف القرآن والخبر. وأكثر ما يقع في هذه المصائب الجالس بغير حاجة على الطريق والأسواق والمصاطب، ويخاف على هذا المبتدع المواظب من كثرة فتح عينيه إلى ما حرم الله عليه، أن لا يُلْحِقه الله بنبيه ﷺ؛ لخروجه عن طريقه، فيفوته الخير والمطالب. قال ﷺ: «كل عين باكية يوم القيامة إلا عينًا بكت من خشية الله تعالى، أو عينًا سهرت في سبيل الله، أو عينًا غضت عن محارم الله» (¬١). فكل عين نظرت إلى غير ربها العمى أولى بها، كما قال بعضهم شعرًا: إذا غاب عن عينيَّ يومًا حبيبها … جعلت البكاء يا قوم مني نصيبها وأحرمتها طيب المنام وهكذا … جزاء كل عين غاب عنها حبيبها فمن شغل بالنظر إلى حلاله عن خدمة ربه وجلاله فلا بد أن يعود شؤم ذلك عليه ووباله، فما بالك بمن شغل قلبه بحرام؟! يقول الله ﷿ في بعض كتبه المنزلة: «حرام على قلب يسكنه غيري أن يسكنه حُبِّي» (¬٢). وإياك أنْ يغرَّك الشيطان بتسويله أن هذا ذنب صغير، فقد جاء في الأخبار: «لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار» (¬٣).
غيري أن يسكنه حُبِّي» (¬٢). وإياك أنْ يغرَّك الشيطان بتسويله أن هذا ذنب صغير، فقد جاء في الأخبار: «لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار» (¬٣).
والشيطان لعنه الله ما مراده بوسوسته لابن آدم: هذا ذنب صغير نصحًا له، بل ليهوِّنه عليه؛ لكي يعمي الله قلب فاعله، ويُسقط جاهه حين يوقفه بين يديه، والصغير بالمداومة يصير كبيرًا، وقد جاء في الخبر: أنَّ زنَى العين النظر (¬١). فمن تعمد النظر إلى عورات المسلمين، أو إلى محاسن امرأة أجنبية، أو إلى غلام أجنبي، فهو عبد ممقوت؛ لمخالفته للحي الذي لا يموت، وأشد مقتًا وأكثر إثمًا النظر إلى أحد من المحارم بشهوة؛ وهو من فعل المجوس، ولا يفعله إلا كل عبد متعوس، ولا ينبغي للمؤمنين الأخيار أن يتصفوا بصفات الفجار وأهل النار. قال الفضيل: خمس من علامات الشقاء: قسوة (¬٢) القلب، وجمود العين، وقلة الحياء، والرغبة في الدنيا، وطول الأمل (¬٣). وقال ابن عثمان: من تكلم في الحياء، ولم يستحي من الله تعالى فهو عبد مستدرَجٌ (¬٤). قال علماء التفسير: إن آصف بن يرخيا كان وزيرًا لسليمان ﵇، وكان مسرفًا على نفسه في حضرة النبوة حتى تعلم أن أحدًا لا ينقذ أحدًا، قال المولى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]. فنزل جبريل ﵇ على سليمان وقال له: ربك يسلم عليك، ويقول لك: قل لوزيرك آصف: إلى متى خيري عليه وارد،
وشره إليَّ صاعد. إن لم يخف عقوبتي أما يستحيي من إلاهيتي؟ فلما أخبره سليمان بذلك خرج من عنده ذليلًا خائفًا، فأتى إلى مزابل المدينة، فترجل عن جواده وصار يحثو التراب على رأسه، ثم يبكي ويقول: إلهي، أنت أنت، وأنا أنا، وكلٌّ يعمل على شاكلته، يا رب قد تبت إليك فخذ بيدي، فليس لي من ينقذني مما أنا فيه غيرك، وإن لم تأخذ بيدي لأعودن ولأعودن. فلما فعل ذلك تاب الله عليه، وقربه إليه، وعلمه الاسم الأعظم (¬١). روي عن ابن عباس ﵄؛ أنه هو الذي دعا إلى الله تعالى باسمه الأعظم، فجاء بعرش بلقيس إلى بين يدي سليمان قبل أن يرتد إليه طرفه (¬٢). قال ابن عباس: خرج عرش بلقيس من تحت كرسي سليمان ﵇ من ساعته؛ كرامةً له ومعجزةً لنبيه ﵇، قال: وكان العرش ثلاثين ذراعًا في ثلاثين، وطوله في الهواء ثلاثون، فتعجب سليمان وقال: رب، وعدتني بملك لا ينبغي لأحد من بعدي، وهذا وزيري عمل شيئًا لا أقدر عليه. فأوحى الله تعالى إليه: أليس هو في خدمتك؟! فانظر رحمك الله، إلى بركة التوبة، فما توقفت الأشياء علينا إلا لتوقفنا نحن. كان حبيب العجمي يقول: نعم الربُّ ربُّنا، لو أطعناه ما عصانا (¬٣).
خدمتك؟! فانظر رحمك الله، إلى بركة التوبة، فما توقفت الأشياء علينا إلا لتوقفنا نحن. كان حبيب العجمي يقول: نعم الربُّ ربُّنا، لو أطعناه ما عصانا (¬٣).
فمن أعرض أعرض الله عنه، ومن جاء فما غاب، وصار من جملة الأحباب، بكل ذلك جاءت السنة والكتاب، فينبغي للمعرض عن الله تعالى أن يبكي على نقصان حظه من الإيمان، فمن كثر إيمانه قلَّ عصيانه، وكان بعضهم يبكي ويقول: إلهي، لا أبكي لوجود المعصية، إني لا أصلح لها؛ بل أبكي الذي كان هذا حظي منك (¬١). فيا من يكثر الطاعة ولا يجد لعبادته حلاوةً في قلبه، وما ذلك إلا لإصراره على الذنوب، ولقلة حيائه من علام الغيوب؛ لأن العاصي قد علت (¬٢) على أرض قلبه سباخ البدعة والسيئات، فلا ينتج فيه النبات ولا يفلح فيه أبدًا. قال المولى جل وعلا: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]. فتضرع أيها المؤمن إلى الله سبحانه، فليس لها إلا هو، ولن ينقذ أحدٌ أحدًا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]. قال بعضهم: نزلت بي ضرورة وفاقة، فكلما هممت بالدعاء تفكرت قبح حالي، فرددت يدي حياءً من الله تعالى، فأقمت على ذلك مدة، فدخلت يومًا إلى مجلس عبد الواحد بن زيد، فسمعته يقول: أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه أن قل لعبادي يستغفروني فإني غفور رحيم، ولا يبارزوني بالمعاصي فإن عذابي عظيم، ولا يتأخروا عن مسألتي فإني غني كريم، أنا المعروف بالمعروف. قال: فما قمت حتى دعوت ربي ففرج عني (¬٣). أحرم بعض الصالحين فلم يلب ولم يدع الله تعالى، فقيل له في ذلك، فقال: أخاف أن أقول: لبيك. فيقول: لا لبيك ولا سعديك. فقيل له: لا بد لك من التلبية لأن التلبية سنةٌ في مذهب الشافعي، وعند أبي



