اللمع في الحوادث والبدع

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya ابن بيدكين التركماني (w. 712 H).

Bagian 6 dari 15 853 halaman

— Bagian 6 · فخذوا على أيدي سفهائكم قبل أن تهلكوا. وقد أهلك م… —

Bagian 6

فخذوا على أيدي سفهائكم قبل أن تهلكوا. وقد أهلك من قوم يوشع ﵇ ألوفٌ لتركهم الأمر بالمعروف (¬١). فمن عجز عن زجرهم، فلا بد من بغضهم وهجرهم؛ لقوله ﷺ: «المهاجر من هجر ما حرم الله» (¬٢). ورُوي: أن إبراهيم الخليل ﵇ هجر أهل حران وارتحل عنهم. وقال: إنِّي مهاجر إلى ربي سيهدين. ومن رضي بهذه الفتوة لم يرضى الله عنه، لما جاء في الحديث: «من رضي بالفاحشة كمن فعلها» (¬٣). ويخاف على من كثَّر سوادهم أن لا يبلغهم الله تعالى مرادهم؛ لقوله ﷺ: «من كَثَّرَ سواد قوم فهو منهم» (¬٤). ولقوله ﷺ: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» (¬٥).

ومن أحبهم أبغضه الله جل ثناؤه، وحشره معهم بلا محالة، كذا جاء في الخبر عن المبعوث بالرسالة، وهو قوله ﵇: «المرء مع من أحب» (¬١). والعبد المبارك يوافق سيده، يحب من أحبه، ويبغض من أبغضه، ويقرِّب من قربه، ويبعد من أبعده، قال ﷺ: «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان» (¬٢). وقال عيسى ﵇: يا معشر الحواريين، تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقربوا إلى الله بالتباعد عنهم، والتمسوا رضا الله بسخطهم (¬٣). وقال ﷺ: «يموت المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (¬٤). وقال لبعض أصحابه: «لا تصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي» (¬٥). وقال علي ﵁: لا تصحب أخا الجهل وإياك وإياه … فكم من جاهل أردى حليمًا حين آخاه فسيندم يوم القيامة من صحب مبتدعًا أو كافرًا أو فاسقًا أو ظالمًا، ندمًا طويلًا. ويقول: ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٨].

الم على يديه يقول يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٨].

وإياك أن يغرك الشيطان بصحبته، لتُخلِّصه مما هو فيه؛ فتؤجر على ذلك، فيخاف عليك أن تصحبه لخلاصه. فتشتبك أنت الآخر، وذلك لقلة أدبك، ولمخالفتك لله ولرسوله، وللمؤمنين، ولسماعك (¬١) من الشيطان اللعين، فيكون مَثلك كمثل مَنْ (¬٢) يَدِلُّ بعومه فيرى غريقًا، فينزل لينشله من الغرق، فيأخذه الغريق وينزل فيغرقا (¬٣) جميعًا. ونسأل الله تعالى أن يصلي على سيدنا محمد النبي الكريم، وأن ينشلنا من غرق البدعة والمعصية إلى ساحل الطاعة والمتابعة وهو الإله الحليم، وهو الغفور الرحيم (¬٤).

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فصل في رماة البندق (¬١) وما يبتدعون في الأفعال والأقوال والسنة الرمي بالنبال، قال ﷺ لسعد: «ارْمِ يا سعد، فداك أبي وأمي» (¬٢)، ولم يقل ذلك لأحد غيره، وكان سعد راميًا. وعن عبد الله بن مغفل أن رسول ﷺ نهى عن الخذف (¬٣)، وقال: «إنها لا تصيد صيدًا، ولا تنكأ عدوًّا، ولكنها تكسر السن، وتفقأ العين» (¬٤). رواه البخاري ومسلم. في هذا الحديث نهي عن رمي البندق وما في معناه. قال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].

مسلم. في هذا الحديث نهي عن رمي البندق وما في معناه. قال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].

وقال ﷺ: «ما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعم، وما نهيتكم عنه فانتهوا» (¬١). وقال أيضًا: «إن الله تعالى كتب الإحسان في كل شيء حتى القتل، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» (¬٢). فقد نهى النبي ﷺ عن تعذيب الحيوان، فأطع ربك بسماعك من نبيك أيها الإنسان، فتارةً تخسف البندقة صدرها، وتارة تدخل بطنها، وتارةً (¬٣) تفقأ عينها، وتارة تكسر منها الرِّجل والجناح، وليس هذه الأشياء من فعل أهل الخير والدين والصلاح؛ فيعذب هذه المسكينة ويوقعها في المرض بعد العافية. ويبارز من فعل (¬٤) هذا من لا تخفى عليه خافية؛ وقد جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ: أنَّ الرجل إذا قتل عصفورًا عبثًا يتعلق به يوم القيامة، ويقول: يا رب، سَلْ هذا لم قتلني؟ (¬٥).

قال المؤلف: هذا السؤال يكون توبيخًا للقاتل؛ لأنه يقول: قَتَلتُه عبثًا. فيعود هذا الخارج عن طريق من ظللته الغمامة، في غاية الحسرة والندامة (¬١). ثم اعلم بأن النبي ﷺ أمر ذابح البهيمة أن يُحِدَّ السكين؛ لكي لا تعذب (¬٢). فأفق من غفلتك أيها المسكين، ثم اعلم بأن الله تعالى بعث نبيه ﷺ بالشفقة والرأفة والرحمة، قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. والعالمَ هو جميع مخلوقات الله ﷿؛ ولذلك نهى ﷺ عن تعذيب الحيوان؛ رحمةً لهم، وقال ﷺ: «الرحماء يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض؛ يرحمكم من في السماء» (¬٣)، «من لا يَرْحَم لا يُرْحَم» (¬٤).

وصحَّ: أن رجلًا نزل بئرًا، وأخرج ماءً وسقى كلبًا قد عطش فغفر الله له؛ لما رحم كلبًا ﵀ (¬١). وحكي أن ظالمًا مَرَّ على كلب كاد أن يموت من العطش والجوع والبرد، فرحمه. وقال لبعض أعوانه: احمله إلى منزلي، وَضَعْ له طعامًا. فلما أكل وشرب، عاش الكلب. فرأى الظالم في منامه قائلًا يقول له: كنت كلبًا فوهبناك لكلب (¬٢). فإن صح عن الرماة أن أحدهم يقسم بغير خالقه ومولاه، فقد عظمت مصيبته، وخسرت يداه. فحينئذٍ يقال لهذا المبتدع: الإلهُ واحدٌ، قال الله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٥١]. كقول بعض المخذولين: البندق يلزمني. فيحلف (¬٣) بالتراب، ويترك القسم برب الأرباب. وقيل: إن الرَّامي يَصدُق إذا حلف بالتُّراب، ويكذب إذا حلف برب الأرباب. فإن صح هذا عنه فهو من الفسقة الكبار الذين باءوا بغضب الجبار، وعذاب النار. قال صلوات الله عليه وسلامه: «من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليذر» (¬٤).

وقال: «من حلف بغير الله فقد كفر». وفي حديث آخر: «فقد أشرك» (¬١). وتبرأ ﷺ ممن حلف بالأمانة (¬٢)، فمن حلف بالتراب يخاف عليه أن لا يرزقه الله تعالى أمانَهُ، فمن فعل هذه البدع من الرماة، فقد بعد من رحمة خالقه ومولاه، فإن تاب؛ تابَ الله عليه وجعل الجنة مأواه. ومن البدع الملعونة، الملعون فاعلها: قبول شهادة الرجل الكافر إذا رمى الواجب، وكذلك شهادة الزاني والفاسق، وردَّ شهادة من لم يرم الواجب؛ وإن كان مؤمنًا خيِّرًا مطيعًا للسيد الخالق، فيقبلون شهادة الأشقياء، ويردون شهادة الأتقياء، فمن أحب الكفرة أو مَنْ تقدَّم ذكرهم من الفجرة، وأكرمهم وأعزهم؛ حُشر معهم، ولعنه الله في الدنيا والآخرة؛ لقوله ﷺ: «المرء مع من أحب» (¬٣) ومن تاب عن هذه المصائب؛ تاب الله عليه ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]. قال صلوات الله عليه وسلامه: «اليهود والنصارى خونة، لعن الله من ألبسهم ثوب عزٍّ» (¬٤). وأي عزٍّ أكبر من تصديرهم، وإكرامهم، وقبول شهادتهم.

لمدثر: ٥٦]. قال صلوات الله عليه وسلامه: «اليهود والنصارى خونة، لعن الله من ألبسهم ثوب عزٍّ» (¬٤). وأي عزٍّ أكبر من تصديرهم، وإكرامهم، وقبول شهادتهم.

اسمع يا قليل التوفيق والسعادة!: الخائف لا يقبل له شهادة، فلا ينبغي للمؤمن أن يُعزَّهم بعد أن أذلهم الله تعالى، ولا يُكرمهم بعد أن أهانهم الله ﷿، ولا يُقرِّبهم بعد أن أبعدهم الله، ولا يؤمنهم بعد أن خونهم الله، ولا يحبهم وقد أبغضهم الله. فإن صحت هذه المصائب والبدع عن الرماة، فكل واحد منهم بعيد من رحمة خالقه ومولاه، فيجب على من يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتوب من هذه البدع وأصحابها، ولا يرافقهم ولا يوافقهم؛ فقد خرجوا عن الطريق، وذلك من قلة السعادة والتوفيق. وصحَّ أنَّ النبي ﷺ تبرأ مِنْ كل مبتدع وخارج وزنديق، ومن كل من حكم بغير حكم الله ورسوله وفعل فعلًا لا يليق. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. وقال تعالى تعظيمًا لنبيه وحبيبه وتكريمًا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. ثم اعْلَمْ أن حُكَّام رُماة البندق وضعوا من تلقاء أنفسهم أحكامًا، صاروا بها حكامًا؛ فزادوا في الدين وخالفوا أئمة المسلمين، وضعوا الباطل في الأحكام؛ فبعدوا من رحمة الملك العلام، وخرجوا عن طريق النبي عليه أفضل الصلاة والسلام. فاختاروا أربعة عشر صنفًا من بين الطيور لا يخرجها عن هذا الاسم موت ولا ذبح مجوسي؛ في مذهب هذا العبد المغرور، وهذه البدعة لا ترضي المولى الغفور، فمن رمى شيئًا من هذه الأطيار،

من بين الطيور لا يخرجها عن هذا الاسم موت ولا ذبح مجوسي؛ في مذهب هذا العبد المغرور، وهذه البدعة لا ترضي المولى الغفور، فمن رمى شيئًا من هذه الأطيار،

أدخلوه في حزبهم. وأثبتوه عندهم من الشطار؛ وإن كان الرامي مخنثًا أو كافرًا أو فاسقًا من أنحس الفجار. فإن رمى من غير هذه الأطيار شيئًا لا يؤثر عندهم، ولا يكرمون الرامي، ولا يسمونه شاطرًا (¬١)، ولا يسمون الطير واجبًا؛ وإن كان مذبوحًا طاهرًا. فمن رضي بهذه البدع خرج عن السُّنة وكان عبدًا فاجرًا؛ لأن في الشرع: الشاطر من أطاع الرحمن، ولم يخرج عن حكم السُّنة والقرآن. ثم إنهم أوجبوا في شرعهم على كل من رمى طيرًا لم يكن رماه من قبل: إما أن يأخذ الكبير قوسه، أو يعطيه دراهم تسمى بالسبق. وفرضوا لكل جماعة كبيرًا. وهذه الأشياء ليس لها أصل في الشرع، بل كبراؤهم ابتدعوها وزينها لهم الشيطان، وما أنزل الله بها من سلطان، فيأخذوا من الرامي ما فرضوه (¬٢) عليه طوعًا أو كرهًا، وسواء كان الرامي غنيًا أو فقيرًا أو يتيمًا فهؤلاء الأشرار ما يأكلون في بطونهم إلا النار. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] وكل شيء لا أصل له في الشرع فهو باطل. ونهانا الحق سبحانه عن أخذه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. فإن لم يقدر الرامي على جُعْلِ الكبير لم يُدخله في حزبهم، ولا يشهد له، وهذا أيضًا من قلة الدين والسعادة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣].

ومن شؤم عادتهم ونحس قاعدتهم: أن حُكامهم إذا حكم أحدهم بحكم قبلوه، وإن كان مخالفًا للشرع، وإن حكم أحد من قضاة المسلمين أو من ولاة الأمراء وشهدوا عندهم بشهادة لم يقبلوا حكمهم، وردوا شهادتهم؛ وإن وافق حكمهم حكم الله ﷿ وحكم رسوله ﷺ وعلى الآل والأصحاب والأقارب.

وحجتهم أن هؤلاء القضاة والولاة ما رموا الواجب، فإن صح عنهم هذه المصائب؛ فقد خرجوا عن طريق المؤمنين؛ لقول رب العالمين: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. فالخطأ يقبلونه من حكامهم، والصواب يردُّونه من غير حكامهم، فيقال لهؤلاء المعتدين الذين ضل سعيهم وما كانوا مهتدين: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] فترى أحدهم قد غرَّه الشيطان فرماه في البدع والعصيان؛ فزاد في الدين ما ليس منه، وحكم (¬١) (بغير حكم الرحمن، ويزعم أنه على شيء، وأنه صادق فيما ادَّعاه من الكذب والزور والبهتان، ونسأل الله لنا ولهم حسن الخاتمة، والله المستعان. قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]. في مذهب الرُّماة أنَّ من رمى أربعة من الطير فمتن من غير ذبح، فإذا جيء بهن إلى حلقة الرماة فطعن في طيرين ولم يمكن التمييز، وضعوا الطيور الأربعة في وسط حلقتهم، فتحمل باللفظ لا بالأيدي؛ لأجل ما طعن في البعض، ولم يمكن التمييز، فكل منهم يقول: صرعهن ورماهن، أما الطيران الحلالان من هؤلاء الأربعة على رأسي أو عندي، أي نعتد لك بهما. وإن رمى أربعة من الطير، وهي مذكاة طاهرة، فطعن في طيرين كما تقدم، يلقونهم في حلقتهم ولا يمسونهم ولا يحملونهم، بل يقولون: الطيران الحلالان نعتد لك بهما. أي

مى أربعة من الطير، وهي مذكاة طاهرة، فطعن في طيرين كما تقدم، يلقونهم في حلقتهم ولا يمسونهم ولا يحملونهم، بل يقولون: الطيران الحلالان نعتد لك بهما. أي

والطيران الآخران حرامان على اصطلاح هؤلاء الأشرار الخارجين في أفعالهم وأقوالهم عن كتاب الله وسنة النبي المختار. ثم هذه الأشياء لا يفهمها إلا من كان عالمًا بأحكامهم، راسخًا في بدعتهم، فيحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحله الله. فيقال لهم: أيها المعتدون، قال الله سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦]. وهذه القبائح لا أصل لها في الشرع، ولا يفعلها إلا كل مارق وشيطان؛ لأن كبراءهم وضعوها، وما أنزل الله بها من سلطان. وهذه البدع مخالفة لطريق سيد المرسلين، والصحابة المكرمين ولعباد الله المؤمنين، قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. وقد صحَّ أن النبي ﷺ تبرأ من أصحاب البدع، اسمع أيها العبد المغرور: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور» (¬١). وصحَّ أيضًا أن المسلمين تفترق يوم القيامة على ثلاث وسبعين فرقة: الواحدة ناجية وهي المتبعة للنبي المختار، والباقون (¬٢) إلى النار (¬٣). فلا تخرجوا عن (طريق النبي المختار، واعتبروا) (¬٤) يا أولي الأبصار؛

بعين فرقة: الواحدة ناجية وهي المتبعة للنبي المختار، والباقون (¬٢) إلى النار (¬٣). فلا تخرجوا عن (طريق النبي المختار، واعتبروا) (¬٤) يا أولي الأبصار؛

فالخوارج كلاب النار (¬١). كذا جاء في الأخبار، وتوبوا من هذه البدع؛ فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له (¬٢). صحَّ ذلك في الأخبار، ونسأل الله لنا ولهم وللمسلمين التوبة والمغفرة، وهو الكريم الغفار. فما أبعد هذه الطائفة عن طريق النبي ﷺ والأئمة المباركة السالفة وما أقربها إلى الطائفة الهالكة، التي هي لغير طريق نبيها وصحابته سالكة؛ وقد تشبهت هذه الطائفة فيما أحدثت بقومٍ كانوا يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم يقولون: هذا من عند الله؛ ليشتروا به ثمنًا قليلًا، فويل لهم مما كتبت أيديهم، وويل لهم مما يكسبون (¬٣). وقد فارقت فيما ابتدعت الجماعة، وخالفت صاحب المعجزات والشفاعة، قال صلوات الله عليه وسلامه: «من فارق الجماعة قدر شبر؛ فقد خلع ربقة الإسلام مِنْ عنقه» (¬٤). وفي حديث آخر: «لا تجتمع أمة محمد على ضلالة» (¬٥). وقال ﷺ: «يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار» (¬٦). وقال ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» (¬٧)، وهؤلاء القوم اتبعوا هواهم وخالفوا سيدهم ومولاهم.

ومن جملة بدعتهم وإدبارهم: أن أحدهم يصلي الفرض قاعدًا، ويعتذر عن القيام بتحيُّد الطير عنه. فانظر إلى دينهم! كيف يرضى بإعراض الله عنه، ولا يرضى بإعراض طير؟! ويقع في هذه المعصية (¬١) العظيمة لأمر خيالي يتوهم حصوله بمعصية الله، سبحانه خالقه ومولاه، فسبحان الحليم الذى لا يعجل على من خالفه وعصاه) (¬٢). وما أحسن قول ابن عباس ﵁ لرجل كان يصور صور الحيوان، فعرَّفه بما ورد في التصوير من النهي، فاعتذر المصور أن له عيالًا، وفعل ذلك خوفًا من ضياعهم؛ فأعرض عنه ابن عباس وسخر من قوله، وقال: هذا يزعم أنه إذا عصا الله أطعمه، وإذا أطاعه أجاعه (¬٣). وبدعة أخرى: أنَّهم لا يُنزلون الناس منازلهم، وهذه أيضًا أفعال ردية، مخالفة للشريعة المحمدية، وليس التقدم في شرعهم بالتقوى، ولا بالشرف، ولا بالعلم النافع، ولا بالعمل الصالح، ولا بطول الأعمار، ولا باتباع النبي المختار؛ ولكنَّ التقدم عندهم بكثرة رمي ما وجب من الأطيار المختصة باصطلاح (¬٤) هؤلاء الأشرار. فيتغالون في تعظيم الرامي، ويقبلون شهادته، ويتواضعون له، ويتصنتون لكلامه، ويقدمونه وإن كان الرامي فاسقًا، أو كافرًا، أو فاجرًا من

أنحس (¬١) الفجار، ومَن أنكر عليهم في ذلك قاموا عليه بأجمعهم وأخرجوه من حلقتهم ويتبرؤون (¬٢) منه، ولا ينظرون إليه، ومن أخطأ منهم من جهة الدين لا ينكرون عليه، فيغضب أحدهم لنفسه، ولا يغضب لربه، ويسخرون من (¬٣) المسلمين إذا أنكروا عليهم من جهة الدين، ويضحكون بهم، وهذه المصيبة الأخرى من صفات الكفار، ومن اتصف بهم كان معهم في النار. قال ﷺ: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (¬٤). وفي حديث آخر: «من تشبه بقوم فهو منهم» (¬٥)، صح ذلك في الأخبار. واسمع قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٠]. ولهم مصائب أُخَر، لا يحتملها (¬٦) هذا المختصر، وفي هذا كفاية، لمن أراد الله له الخير والهداية.

ا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٠]. ولهم مصائب أُخَر، لا يحتملها (¬٦) هذا المختصر، وفي هذا كفاية، لمن أراد الله له الخير والهداية.

فصل في الصيد وهو مباح، وليس على فاعله جناح إذا سَلِم من البدع: وهو تعذيب الطير، وإفساد زرع الغير. قال الله تعالى في وصف بعض (¬١) العباد: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]. فيؤلم هذا المبتدع الغزلان، وذلك من قلة التوفيق وكثرة الخذلان، ويلوح (¬٢) الحمامة، فيخرج بذلك عن سنة مَنْ ظللته الغمامة، ويعود وبالها عليه يوم القيامة، وهذا يأتي من قلة الشفقة والرحمة على خلق من أسبغ على العباد فضله وإنعامه. قال ﷺ: «الرحماء يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض؛ يرحمكم من في السماء، من لا يَرْحَم لا يُرْحَم» (¬٣). وجميع ما يذهب من زرع المسلمين تحت أرجل الناس، والجمال، والبغال، والخيل، والحمير، الجميع في ذمة الأمير، وكذلك ما يؤكل من زرعهم وما يسرق من مالهم، وإخراجهم من ديارهم في الأمطار والسيول؛ كل ذلك الأمير عنه مسئول، وكل ذلك ظلمات يوم القيامة على الفاعل

أمير، وكذلك ما يؤكل من زرعهم وما يسرق من مالهم، وإخراجهم من ديارهم في الأمطار والسيول؛ كل ذلك الأمير عنه مسئول، وكل ذلك ظلمات يوم القيامة على الفاعل

والمفعول. يقول الله ﷿ يوم القيامة: «إن فاتنى اليوم ظلم ظالم، كنت أنا ذلك الظالم» (¬١). وفي مثل هذه الأشياء إتعاب النفس والخدم والمركوب، ليس ذلك مما يُرضي المحبوب. وينبغي للمملوك أن لا يطيِّع أحدًا في مثل هذه المحرمات ولا المالك؛ إلا أن يخاف على إتلاف نفسه أو عضو من أعضائه من العقوبة والمهالك، وإن لم يُطع الرقيق سيِّدَه في كل المعاصي، فله ذلك؛ لقوله ﷺ: «لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق» (¬٢)، فإن قُتل الرقيق يموت مظلومًا مرحومًا، ويحشر قاتله في زمرة كل ظالم وهالك. حكي أن إبراهيم بن أدهم ساق خلف صيد حتى غاب عن أعين الناظرين، فسمع صوتًا من قربوص سرجه: يا إبراهيم، ما لهذا خلقت. وكان ذلك سبب توبته، وخروجه عن مملكته (¬٣). ونفس الصيد مباح، وليس على صاحبه جناح؛ إذا سَلِم مما تقدم ذكره من المحظور، فانتبه من رقدتك يا أيها المغرور، فأذية المسلمين والبهائم ذنب عظيم، من كبائر (¬٤) الأمور. قال بعض العلماء: من سافر من هؤلاء المغرورين مدة القصر لا يباح له ما يباح للمسافر من قصر الصلاة، والفطر في رمضان، وترك الجمعة والأعياد؛ لأن سفره في معصية مَنْ لا يخلف الميعاد، وفي هذه المسألة خلاف العلماء (¬٥)، ونسأل الله العظيم أن يوقظنا من هذه الغفلة والعمى.

، وترك الجمعة والأعياد؛ لأن سفره في معصية مَنْ لا يخلف الميعاد، وفي هذه المسألة خلاف العلماء (¬٥)، ونسأل الله العظيم أن يوقظنا من هذه الغفلة والعمى.

فإن مات فرسه لم يؤجر عليه؛ لأن سَوْقه لم يكن في سبيل الرحمن، وإنما هو في رضى الشيطان، وإن مات هو مات عاصيًا، فالويل ثم الويل لمن لعبت به الدنيا، وفقد قلبًا واعيًا، وطرفًا باكيًا. جاء في الأخبار أن الملائكة تقول: ليت بني آدم لم يخلقوا؛ وليتهم إذ خلقوا علموا لماذا خلقوا (¬١). كان عمر بن عبد العزيز يقول كثيرًا: أيقظان أنت اليوم أم أنت نائم … وكيف يطيق النوم حيران هائم فلو كنت يقظان الغداة لحرقت … نواعم خديك (¬٢) الدموع السواجم يغرك ما يفنى وتشغل (¬٣) بالمنى … كما اغتر باللذات في النوم حالم (¬٤) ينبغي للمؤمن أن يخاف عاقبة أمره، ولا يغتر بصفاء (¬٥) الأوقات، فإن تحتها غوامض الآفات، كما قال بعضهم: أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت … ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها … وعند صفو الليالي يحدث الكدر

قال الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٩]. وفي الحديث: «من لم يخف عاقبة (¬١) أمره فليس منا» (¬٢). وقال سفيان: ما أمِنَ أحد على دينه إلا سُلبه (¬٣). وسمع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قارئًا يقرأ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَّذْكُوراً﴾ [الإنسان: ١] فقال: ليته كان كما كان (¬٤). وسمع علي بن الفضيل بمكة قارئًا يقرأ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] فسقط على وجهه، فانتظر الناس قيامه فلم يقم؛ (حركوه، وإذا هو ميت) (¬٥)، فتسامع الناس بموته وارتفع الأصوات، وارتكب الناس الحيطان، فسمع أبوه بذلك فخرج يمشي على سكون، والناس حوله حتى بلغ إلى ولده فقال: يرحمك الله يا علي، فقد كنت أخاف عليك من هذا، سبقتنا وإنا بك لاحقون. ثم نظر إلى ازدحام الناس عليه، فرفع صوته وقال: ما العجب من موت علي حيث خُوِّفَ فخاف، إنما العجب ممن خُوِّفَ فلم يخف الله سبحانه (¬٦).

وإنا بك لاحقون. ثم نظر إلى ازدحام الناس عليه، فرفع صوته وقال: ما العجب من موت علي حيث خُوِّفَ فخاف، إنما العجب ممن خُوِّفَ فلم يخف الله سبحانه (¬٦).

وقالوا: إن الفضيل ما ضحك قط إلا عند موت ولده، فقيل له في ذلك، فقال: الحق سبحانه أحبَّ شيئًا فأحببته (¬١). تكلم منصور بن عمار بمكة المعظمة وذكر شيئًا من صفات النار، فبكى الفضيل وغُشي عليه، فلما أفاق، قال: لو خُيِّرت بين أن أعيش كلبًا، أو أموت كلبًا ولا أرى القيامة (¬٢). وقال عشية عرفة، وقد حال بينه وبين الدعاء البكاء: واسوأتاه، وافضيحتاه وإن غفرتَ لي (¬٣). وقال: إذا أحب الله عبدًا أكثر غمه في الدنيا، وإذا أبغض عبدًا وَسَّعَ عليه دنياه (¬٤). وقال: لأن أطلب الدنيا بطبل ومزمار، أحب إليَّ من أن أطلبها بالعبادة (¬٥). وقال رجل لعبد العزيز بن أبي رواد: كيف أصبحت؟ فبكى وقال: والله أصبحت في غفلة عظيمة من الموت مع ذنوب كثيرة أحاطت بي، وأَجَل يسرع كل يوم من عمري، ولست أدري ما أهجم عليه. ثم بكا وقال: من لم يتعظ بثلاث لم يتعظ بشيء: الإسلام، والقرآن، والشيب (¬٦). قال شعيب بن حرب: (¬٧) (مكث عبد العزيز أربعين سنة لم يرفع طرفه إلى السماء حياءً من الله تعالى (¬٨).

انظر يا من تعدَّى الأربعين، ولم يغضَّ طرفه عن محارم المسلمين؛ لو أحبك الله سبحانه لجمعك عليه، ولحبب إليك الطريق الموصلة إليه. ختم الله تعالى هذا الباب بشيء من صفات الأحباب.

ين، ولم يغضَّ طرفه عن محارم المسلمين؛ لو أحبك الله سبحانه لجمعك عليه، ولحبب إليك الطريق الموصلة إليه. ختم الله تعالى هذا الباب بشيء من صفات الأحباب.

فصل فيما يبتدع في المساجد والجوامع مما يفعله بعض الكبراء وجماعة من الصوفية والفقراء ونسأل الله تعالى المسامحة، وأن لا يؤاخذنا وإياهم بما جرى به القلم، وكان علينا مقدرًا؛ فيحوزون مكانًا في المسجد لبسطهم ولخرقهم، ثم يأتون وقد غص (¬١) المسجد بأهله فيتخطون رقاب المسلمين، ويمرون بين يدي المصلي جهالةً وتكبرًا، فينقرون الصلاة ويدرجون القراءة، ويخوضون في كلام الدنيا والإمام يخطب، فيقعون في خمسٍ من البدع؛ وذلك لقلة حظهم من جهة الآخرة، وكان ذلك عليهم في اللوح المحفوظ مسطرًا؛ فيحرمون أجر الجمعة والجماعة، ويخرجون عن سنة صاحب المعجزات والشفاعة. قال ﷺ: «إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة: أنصت. فقد لغوت» (¬٢)، قال الغزالي: من لغا لا جمعة له (¬٣).

وقال ﷺ: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لوقف أربعين» (¬١). والبدعة الأخرى: التخطي لرقاب المسلمين، لكي يصلي على بساطه أو على السجادة، ليُعطى أجر الصف الأول، ويعد من السابقين، ومن أهل الخير والعبادة، فلا يُعطى أجر الصف الأول، ولا يُعد من السابقين، ولا ممن لحق من أهل الخير والسعادة، فحَرَمه (¬٢) تعالى أجر هذه العطية؛ وما سلم من البدعة والخطية؛ لتهجمه على شيء نهى عنه خير البرية. والبدعة الأخرى: أنَّه حاز لنفسه مكانًا في بيت رب العالمين، وضيَّق الموضع على المسلمين، وينبغي للمؤمن أن يعظم المساجد، ويعظم كل راكع وساجد ويسامحهم، ويوسع لهم (¬٣)؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١١]. كان بعض الكبراء يعامل الناس، وكان مسرفًا على نفسه، وكان إذا عجز الرجل عن وفاء دينه يسامحه، ويقول: مسامحة، مسامحة. فمات على ذلك، فرآه بعض الصالحين في منامه، وقال له: ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني بين يديه وعرض عليَّ ذنوبي كلها، وقال: أتنكر منها شيئًا؟ أظلمك حافظاك؟ قلت: لا يا رب. قال: مسامحة، مسامحة (¬٤).

، وقال له: ما فعل الله بك؟ قال: أوقفني بين يديه وعرض عليَّ ذنوبي كلها، وقال: أتنكر منها شيئًا؟ أظلمك حافظاك؟ قلت: لا يا رب. قال: مسامحة، مسامحة (¬٤). ونسأل الله التوفيق والسماح؛ وأن يرزقنا الدين والصلاح.

وروي في الحديث الصحيح مثل هذه الحكاية: أن رجلًا يوقف بين يدي الله تعالى ويسأله، فيقول: يا رب، كنت أعامل الناس وأسامحهم. فيقول الحق سبحانه: «أنا أولى منك بذلك»، فيؤمر به إلى الجنة (¬١). وهذا معنى الحديث، ولفظه ذهب عن المؤلف، ونسأل الله تعالى مسامحة (¬٢) لهذه النفس اللئيمة، الغادية في جهلها وغيِّها رائحة. نرجع إلى مسألتنا، فالتواضع حسن، ومن الأمراء والكبراء أحسن. قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]. وقال ﷺ: «طوبى لمن تواضع في غير مسكنة» (¬٣). فمن تواضع لله ولعباده المؤمنين، وترك ما تقدم ذكره من البدع مع فرش البساط؛ رفع الله قدره في الدنيا والآخرة، وثبَّت قدميه على الصراط، فإن أبت النفس أن تكون بين يدي الله تعالى ذليلة مسكينة فإذا مُهِد له جلس على بساطه في الحال، ولا يخرج عن سنة صاحب المعجزات (¬٤) والسكينة، فإذا قام المصلي من مكانه لأجل ضرورة أو لعبادة فهو أحق بمكانه إذا غاب غيبة يسيرة. بهذا أخبرنا العلماء) (¬٥) والله أعلم بالصواب والسريرة، والغيبة

ينة، فإذا قام المصلي من مكانه لأجل ضرورة أو لعبادة فهو أحق بمكانه إذا غاب غيبة يسيرة. بهذا أخبرنا العلماء) (¬٥) والله أعلم بالصواب والسريرة، والغيبة

الطويلة فيها خلاف العلماء (¬١). وينبغي لمن يدعي الدين وقد أذهب الله تعالى عن قلبه الغفلة والعمى أن يخالف نفسه بخروجه عن خلاف العلماء، ولا خلاف بين العلماء فيمن بسط شيئًا في المسجد ولم يجلس عليه ثم غاب إنه ابتدع، وخرج عن طريق الأحباب، ويخاف على المبتدع أن تصل وبال البدعة إليه يوم يوقفه الحق بين يديه. ومما يناسب هذه البدعة الرَّدية: ما يفعله جهلة الصوفية في حَرَمِ خالق البرية، وفي الروضة المحمدية، وهذه أفعال غير مرضية؛ لخروج أصحابها عن السنة المضيَّة. ثم اعلم أن الله تعالى أضاف المساجد لنفسه بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلهِ﴾ [الجن: ١٨]، سبب الإضافة لِتُعَظَّمَ ويَحْرُم بيعها، ولا يحوز أحدٌ (¬٢) فيها مكانًا لنفسه، ويقوم فيها بأدب ومخافة، فحينئذٍ يعظم هذا العبد، ويثبت كيسًا طريفًا (¬٣) من أهل الدين والخير والعفافة، قال ﷺ: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أَتْبعَ نفسَه هواها وتمنى على الله» (¬٤). وقال بعضهم: ليس الظريف بكاملٍ في ظرفه … حتى يكون عن الحرام عفيفًا فإذا تورع عن محارم ربه … فهناك يدعى في الأنام ظريفًا

ه هواها وتمنى على الله» (¬٤). وقال بعضهم: ليس الظريف بكاملٍ في ظرفه … حتى يكون عن الحرام عفيفًا فإذا تورع عن محارم ربه … فهناك يدعى في الأنام ظريفًا

فمن أراد الخير كله؛ فليسأل ربه أن يدخله في سنة نبيه وحبيبه ﷺ، فمن تبعه في الدنيا ألحقه الله تعالى به في الآخرة، ومَن أبَى طرده الله سبحانه عن بابه، وصرفه عن رحمته بقدرته القاهرة؛ لأن من شرط المرافقة الموافقة؛ لأن النبي ﷺ تبرأ من أصحاب البدع، وقال: «سلمان منا أهل البيت» (¬١)، وذلك لأنه أطاع الله تعالى، ولنبيه وحبيبه اتَّبع. وقد كره العلماء تعليم القرآن في المساجد لمن لم يبلغ الحلم من الصبيان، فما بالك بمن يجعل هذا المكان المبارك كالحانوت والدكان؟! وهذه البدعة لا يرضى الحق سبحانه عن فاعلها حيث كان، وأين كان؛ لأنها مخالفة للسنة والقرآن، ويجب على ولاة الأمر ومن قدر على إخراج هذه البدعة من بيت الكريم المنان إخراجها؛ وزجر هذا العبد المهان. قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]. وقال ﷺ لمن يبيع في المسجد: «لا أربح الله لك تجارتك». ولمن ينشد الضالة: «لا ردها الله عليك، ما بنيت المساجد لهذا» (¬٢)، وهذا نهي فاسمعوا وعوا قول المولى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. دخل رجل لبعض المساجد فقيل له: قم من مكان الأمير؛ أنت من أي البلاد؟ قال: أنا من بلدِ المساجد التي هي لله تعالى (¬٣). ومن البدعة الخارجة عن سنة النبي ﵊ ما يفعله بعض المجاورين بالمسجد الحرام، فيبسطون في الحرم الشريف الخرق والمرقعات والسجادة، ثم يغيبون غيبةً طويلةً، وهذه البدعة تخالف السنة، ولا ترضي عالم الغيب والشهادة، فمن علم بذلك وعليها أقام، مَثَلُه مَثَلِ من

الخرق والمرقعات والسجادة، ثم يغيبون غيبةً طويلةً، وهذه البدعة تخالف السنة، ولا ترضي عالم الغيب والشهادة، فمن علم بذلك وعليها أقام، مَثَلُه مَثَلِ من

قال: ربي الله. وما (¬١) استقام، ونسأل الله الاستقامة والأمن من فزع يوم القيامة. والبدع عند مقام إبراهيم الخليل لا ترضي المولى الجليل، وليس هذا العلم بنافع إن لم يدرك العبد المولى الغفور؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]؛ ولأن النفس يشق عليها ترك المألوف؛ وإن كان ذلك لا يرضي المولى الرؤوف. وبسط السجادة مع رؤيا العبادة من شهوات النفس الأمارة، ومن أصلح الله تعالى نفسه لا يحب ذلك ولا يختاره، ولا يخرج عن طريق نبيه وحبيبه، ولا يخالف أخباره، همه في الدنيا الطاعة والحُرَق، لا تزويق الملابس والخِرَق، قليل الراحة، كثير الخوف والقلق. شغلته العبادة عن تلفيق (¬٢) (المرقعات والسجادة، فإن أردت اللحوق بهؤلاء السادة فمهد لنفسك بالتمسك بسنتهم؛ لتكون لك (¬٣) ذخرًا عند عالم الغيب والشهادة، فمن تشبه بالقوم في ملابسهم، ولم يتخلق بأخلاقهم يقال له: هذه الخرقة، فأين الاجتهاد والحرقة؟ كما قيل في الأمثال: هذه العمائم فأين الرجال؟ فيصير زيًّا حسنًا بلا مباني (¬٤)، فتنخرم عليه القواعد والمباني، كما قيل: أما الخيام فإنها كخيامهم … وأرى نساء الحي غير نسائها لا والذي حجت قريش بيته … مستقبلين الركن من بطحائها ما أبصرت عيني خيام قبيلةٍ … إلا بكيت أحبتي بفنائها اعلم أن الحق سبحانه لا ينظر لقالب ابن آدم، بل ينظر لقلبه؛ متى كان خاليًا من البدع والأكدار، ملئ من الحكمة والأنوار، ومعنى هذا الكلام

قد ورد في الأحاديث والأخبار، قال ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى لباسكم ولا لصوركم، ولكن ينظر لقلوبكم وأعمالكم» (¬١)، فمن خشَّن ثوبه، ولم يخشِّن حاله؛ فليس بشيء. قال الشيخ أبو سليمان الداراني ﵀: يلبس أحدهم عباءة بثلاثة دراهم، وشهوته في بطنه بخمسة دراهم (¬٢). ورأت عجوز شبابًا عليهم ثياب الصوف وهم جلوس يتضاحكون، فقالت: سبحان الله! زي الصالحين وأفعال الجاهلين. أنكرت عليهم لقلة التناسب. ثم اعلم بأن لبس ما خشن من الثياب له أصل في الشرع، وكذلك لبس الصوف والمرقعات، من الصحابة من فعل ذلك لحاجة، وهم أهل الصُّفَّة، ومنهم من فعله من غير حاجة، بل تواضعًا لعظمة الله سبحانه؛ وهو عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، ومن تابعهما من أولي الألباب، ﵃ أجمعين ما طلع نجم وغاب. فمن فعل ذلك ولم يبتدع بل فعله إهانةً لنفسه، لكي لا تلبس الجديد وتخالفَ المولى المجيد، وتأكل الطعام اللذيذ ثم تصرفه في معصية الله تعالى وفيما لا يريد. فمن كانت هذه نيته جعله الله تعالى من عباده المتقين، وألحقه بالطائفة المباركة عن يقين. وأما التشبه بالظاهر فقط فلا. وأنشد (¬٣): إذا المرء لم يلبس ثيابًا من التقى … تقلب عريانًا وإن (¬٤) كان كاسيًا وخير خصال العبد طاعة ربه … فلا خير فيمن كان لله عاصيًا

ومن البدعة والآثام: مُكث المرأة في المسجد الحرام في طول الليالي والأيام؛ لأن بدن الحرة كله عورة، وقد يبدو شيء من عورتها للناظرين، ورفع صوتها ونومها ووضوئها فيه مع غَسل ما تحتاج إليه والآنية؛ مجموع ذلك يكون وبالًا عليها وداهية. وهذه الأشياء تعد من الذنوب؛ لقلة التعظيم لبيت علام الغيوب، وقد صحَّ أن عائشة ﵂ نصبت لها خيمةً في المسجد لتعتكف فيه في أواخر شهر رمضان، فنهاها ﷺ عن ذلك، وأمرها بالاعتكاف في بيتها، مع علمه بيقظتها وتعظيمها لشعائر الله تعالى (¬١). وما تقدم ذكره من الإثم على المرأة الطاهرة. وأما مُكث المرأة الحائض أو النفساء فيه، فهي على الحقيقة مدبرةٌ فاجرةٌ، فإن استحلَّت ذلك كفرتْ وخسرتِ الدنيا والآخرة (¬٢)، ونسأل الله العظيم لنا ولهم ولجميع المسلمين المسامحة والحراسة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

فاجرةٌ، فإن استحلَّت ذلك كفرتْ وخسرتِ الدنيا والآخرة (¬٢)، ونسأل الله العظيم لنا ولهم ولجميع المسلمين المسامحة والحراسة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.

وهذا المكان الشريف هو موضوع لحطِّ الذنوب لا لحملها، وأمر الذنب بمكة شديد؛ لكونه في حضرة الله تعالى وفناء بيته، وأي شيء أعظم من مبارزة الملك في حَرَمه (¬١)، ومخالفته في محلِّ حضرته! لكن ما أسرع نفوس الغافلين في قبول البدعة، ونبذ السنة) (¬٢)، وما أشد تفريطها فيما هي مكلفة به ومسؤولة عنه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. قال ابن مسعود ﵁: ما من بلدٍ يؤاخذ العبدُ فيه بالهمَّة من غير فعلٍ إلا مكة (¬٣). قال المولى الكريم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. وكان يقول ﵁: السيئات تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات (¬٤). فمكث المرأة في المسجد حرام بغير سترة في الليل والنهار، وفعلها ما تقدم آنفًا بدعة ومصيبة في دينها، ولا يُرضي الواحد القهار؛ وقد جاء في الأخبار: «إن النساء أكثر أهل النار». وشهد عليهن الصادق الأمين بأنهن

ناقصات عقل ودين (¬١)، فإن أضافت لهذه البدعة ترك النكاح فقد خرجت عن طريق أهل الخير والدين والصلاح؛ لأن الشرع أمرها بالسترة، ونهى عن التبتل في الأحاديث الصحاح، وهذه البدعة فيها تشبه بمن ترهب من أهل الكتاب، وهي مخالفة لسنة نبينا وحبيبنا محمد ﷺ وعلى الآل والأصحاب. ولا ينبغي لأولي الألباب التشبه بأهل الكتاب خوفًا من قوله ﷺ: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (¬٢). ولقوله: «النكاح سنتي فمن رغب عن سنتنا فليس منا» (¬٣).

ب. ولا ينبغي لأولي الألباب التشبه بأهل الكتاب خوفًا من قوله ﷺ: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (¬٢). ولقوله: «النكاح سنتي فمن رغب عن سنتنا فليس منا» (¬٣).

ثم اعلم بأن النكاح سنة عند أكثر أهل العلم، وبعض العلماء يقول بوجوبه، واستدل بقوله ﷺ: «تناكحوا تناسلوا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة» (¬١). وفائدة النكاح نَسَمة تَذْكُرُ الله تعالى وتوحِّده، وتجاهد في سبيله، ويباهى بها الأمم يوم القيامة؛ ولذلك كان من سنن النبيين ومن شعائر الصالحين. وقد أفردت للنكاح بابًا في هذا الكتاب. نرجع إلى ما كنا عليه: وتكره المجاورة في المساجد للغافلين؛ لقول الصادق الأمين: «المساجد بيوت المتقين» (¬٢). ولم يقل بيوت الغافلين،

والغفلة في غير المساجد مصيبة عظيمة، فما بالك في المسجد! وإن اتفق ذلك في مكة فيكون أشد مقتًا؛ لتضاعف السيئات فيها؛ لأنها من الأماكن الشريفة، والغافل لا يقدر على إقامة الوظيفة. وقد ترك المجاورة بمكة عبد الله بن عباس وهو من خيار الناس، وكان ﵁ يقول: ما لي ببلد تضاعف فيها السيئات كما تضاعف الحسنات (¬١). ولما حجَّ عمر بن الخطاب ﵁ نهى الناس عن المجاورة (¬٢). وكره المجاورة جماعة من العلماء، ومن جملتهم أبو حنيفة ﵀ (¬٣)، ونسأل الله اليقظة والمسامحة بقدرته اللطيفة فكرهوا المجاورة لخوف قصورهم عن القيام بحقها، ومن التضجر، وزوال عظمتها من قلوبهم، فيحجبون لأجل ذلك عن محبوبهم، ولم يصلوا إلى مطلوبهم. قال بعض المشايخ لأصحابه حين قدموا إلى مكة المشرفة: لا يصلح دخول هذا البيت إلا لمن عرف صاحبه. ونسأل الله العظيم أن يجعلنا من أهل المعرفة، ويرزقنا اليقظة والمجاورة والوقوف بعرفة، فاليقظة في هذه الأماكن أجر كريم، والغفلة فيها خطر عظيم، فالحق سبحانه ما أضاف المساجد لنفسه إلا للتعظيم، تعالى الله سبحانه أن يحتاج إلى بيت أو مكان، أو أن تحصره الأكوان. كان الله تعالى قبل خلق السماوات والأرض غنيًّا عن المكان والزمان، وهو الآن على ما عليه كان (¬٤). أيخلق شيئًا ويحتاج إليه؟ فمن اعتقد ذلك فقد افترى عليه. فلما

أضاف المولى المساجد لنفسه صارت خير البقاع، فتنزه عن دخول الصبيان والمجانين، ولا يقام فيها الحدود، ولا يعمل فيها من معايش الدنيا، ولا يقام أحد ويجلس مكانه، ولا يحوز مكانًا لنفسه ببَسْطِ البسط والخرق والرقاع، ولا يكثر كلام الدنيا ويغتاب، أو يرقص، أو يغني في المساجد إلا من أعمى الله قلبه وفرغه من التقوى والاطلاع، ولا ينشد فيها الضالة، ولا ما ذهب له من المتاع؛ بل يتحسر العبد على ما ذهب من عمره في الغفلة والبدعة وضاع، ولا يبيع العبد في بيت سيده ولا يشتري، فإن فعل فهو عبد خارج عن السنة مفتري، وسلعته بائرة؛ لأن المساجد من أسواق الآخرة، ولذلك قال المولى الغفور: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩]. فمن انتهى عن ما تقدم ذكره عظمه الله تعالى، وحصل له المطلوب، وتعظيم المساجد من تقوى القلوب. روى الصحابة أن النبي ﷺ كان إذا دخل وقت الصلاة كأنه لم يعرفنا ولم نعرفه (¬١).

وكان يقول: «أرحنا بها يا بلال» (¬١). وكره أبو الليث ﵁ جميع أعمال الدنيا في المساجد (¬٢). ولا يكره للماكث فيه والمعتكف أن يصلح فيه شأنه؛ كخياطة ثوبه، أو نعله، وإن اتكأ ونام لا يخرج عن سنة النبي عليه أفضل الصلاة والسلام. وأباح البيع والشِّرى للمعتكف في المسجد من غير أن تكون السلعة حاضرة، وكره لغير المعتكف، بهذا جاءت السنة الطاهرة والأخبار المتواترة (¬٣).

لاة والسلام. وأباح البيع والشِّرى للمعتكف في المسجد من غير أن تكون السلعة حاضرة، وكره لغير المعتكف، بهذا جاءت السنة الطاهرة والأخبار المتواترة (¬٣).

وصح أيضًا أن النبي ﷺ نهى عن البصاق في المسجد (¬١)، وقال المولى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. فإن قال قائل: أنا أتفل فيه وأدفنه؛ لما ورد أن كفارة البصاق في المسجد دفنه (¬٢)، ألا لا تفعل؛ فإن ذلك من قلة التوفيق والأدب لمخالفة الحديث. ولقلة التعظيم للمساجد يقع الإنسان في البدع والعطب، قال ﷺ: «من لا أدب فيه لا خير فيه» (¬٣). ثم اعلم يا أخي وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين بقدرته القاهرة أن ترك الذنب أولى من فعله، ثم يتوب منه ويطلب من الله تعالى العفو والمغفرة. قال بعض الصالحين: لي كذا وكذا سنة لم أتكلم في المسجد بكلام الدنيا، ولا مددت فيه قدمي، ولا أسندت ظهري إلى شيء منه. فإن قال قائل: هذا جائز في الشرع؛ مسلَّم به، لكن الأدب والتعظيم هو من شعائر الصالحين.

قال ﷺ: «أدبني ربي فأحسن تأديبي» (¬١)، وقال: «من لا أدب فيه لا خير فيه» (¬٢). وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ بنى رحبة خارج المسجد وقال: من أراد أن ينام أو ينشد شعرًا أو يتكلم بكلام الدنيا فليذهب إلى الرحبة (¬٣). وقال بعض العلماء: من جلس في المسجد فإنما يجالس ربه فلا يقول إلا خيرًا. جلس ابن أدهم يومًا وقد مدَّ رجله فسمع قائلًا يقول: أهكذا تجالس الملوك؟! (¬٤)

فصل في النكاح وما يسن فيه ويبتدع ويباح اعلم رحمك الله! أن النكاح من سنن المرسلين؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]. وهو أيضًا من شعائر الصالحين؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢]. وقال ﷺ: «تناكحوا تناسلوا؛ فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة حتى السقط والرضيع» (¬١). وقال ﷺ: «تخيَّروا لنطفكم الأكفاء، وأنكحوا اليتيم» (¬٢).

ور: ٣٢]. وقال ﷺ: «تناكحوا تناسلوا؛ فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة حتى السقط والرضيع» (¬١). وقال ﷺ: «تخيَّروا لنطفكم الأكفاء، وأنكحوا اليتيم» (¬٢).

وروى أبو أمامة الباهلي عن النبي ﷺ: «ما استفاد المسلم فائدة بعد تقوى الله ﷿ خيرًا له من زوجة صالحة؛ إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله» (¬١). وقال ﵇: «أيها الشباب عليكم بالزواج، فمن لم يستطع فعليه

بالصوم فإنه له وجاء» (¬١). وقال: «تزوجوا الودود الولود» (¬٢). وقال: «من تزوج فقد ستر شطر دينه، فليتق الله في الشطر الآخر» (¬٣).

وقال: «من استطاع منكم الباءة (¬١) فليتزوج» (¬٢). وقال: «النكاح سنتي، فمن رغب عن سنتنا فليس منا» (¬٣). اعلم رحمك الله أن أقل أحوال النكاح أن يكون سنة لمن قدِر على المال والحال. وقال بعض العلماء بوجوبه؛ لأن النبي ﷺ أمر به، فمن تركه مع القدرة كان مبتدعًا، خارجًا عن طريق النبيين والصحابة المكرمين، وعباد الله الصالحين؛ لما ورد أن الأنبياء تزوجوا بأجمعهم. ويعقوب ﵇ تزوج في حزنه (¬٤). ويحيى ﵇ لم يتزوج؛ لأنه كان حصورًا (¬٥)، والحصور الذي

لا يأتي النساء في قول (¬١). وقيل: إنه تزوج. ذكر ذلك البغوي (¬٢) عن بعض الأكابر إما ابن عباس أو غيره، والله أعلم. وفي الخبر أن عيسى ابن مريم ﵇ يتزوج إذا نزل من السماء (¬٣). وقال ﷺ لعكاف: «ألك زوجة؟» قال: لا. قال: «ألك جارية؟» قال: لا. قال: «وأنت موسر!» قال: وأنا موسر. قال: «إذًا أنت من إخوان الشياطين، لو كنت من النصارى لكنت من رهبانهم، إن سنتنا النكاح، شراركم عزابكم، وأراذل (¬٤) موتاكم عزابكم». والحديث فيه طول وآخره: «ويحك يا عكَّاف، تزوج وإلا فأنت من المدبرين» (¬٥). رواه ابن الجوزي. وقال أبو عبيدة: ليس العزوبية من أمر الإسلام في (¬٦) شيء؛ لأن خير هذه الأمة كان أكثرها نساء (¬٧)، وحث عليه ونهى عن التبتل فقال: «لعن الله

المتبتِّلين، والمتبتِّلات، التاركين النكاحَ» (¬١). وقال سعد بن أبي وقاص ﵁: أراد عثمان بن مظعون يتبتل فنهاه رسول الله ﷺ، ولو أجاز له ذلك لاختصينا. رواه البخاري ومسلم (¬٢). والتبتل هو الانقطاع للعبادة، وقيل لمريم: البتول؛ لانقطاعها للعبادة عن النكاح (¬٣). طلب بعض الصالحين أن يدعو الله أن يزيل شهوة النساء من قلبه، فاستحيا من رسول الله ﷺ أن يفعل؛ لكون النكاح طريقه وطريق أصحابه.

قال: فأصبحت لا أبالي وجدت امرأة أو حائطًا. فانظر إلى بركة الأدب؛ كيف حصل له مطلوبه بغير تعب. وقال بعض العلماء: ترك النكاح أفضل للتخلي للعبادة. قال المؤلف: فلو عمل الناس بقول هذا العالم لهدم الدين؛ لقلة التناسل، ولتلاشى العالم. فيقال له: عملت على النافلة ولم ترحم نفسك الآفلة (¬١) لخروجك عن طريق القوم، فتزود بسنتهم لكي تلحق القافلة؛ لأن النبي ﷺ حث على النكاح، ونهى عن التبتل، وقال: «حبب إليَّ من دنياكم ثلاث: الطيب، والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة» (¬٢). فمن رغب عن قول النبي ﷺ وفعله فهو على غير الحق. وقال ﷺ: «تناكحوا تناسلوا توالدوا؛ فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة حتى السقط، والمولود (¬٣) من أمتي أحب إليَّ من الدنيا وما فيها» (¬٤).

لى غير الحق. وقال ﷺ: «تناكحوا تناسلوا توالدوا؛ فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة حتى السقط، والمولود (¬٣) من أمتي أحب إليَّ من الدنيا وما فيها» (¬٤).

وقال: «من تزوج فقد أحصن نصف دينه، فليتق الله في النصف الآخر» (¬١). ففي التزويج من مقتضى هذا الحديث خمس فوائد: الأول: امتثال أمر النبي ﷺ حين قال: «تناكحوا». قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وقال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. الثانية: رفع علم الإسلام؛ لقوله: «إني مكاثر بكم الأمم». الثالثة: إدخال السرور على قلب رسول الله ﷺ؛ لقوله: «والمولود (¬٢) من أمتي أحب (¬٣) إليَّ من الدنيا وما فيها». الرابعة: فضل التناكح حين أضافه إليه وإلى النبيين من قبله؛ لقوله ﵇: «النكاح سنتي» (¬٤)، ولقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]. الخامسة: حراسة الدين وتحصينه. ومن باشر أمرًا يحصل له منه امتثال أمر النبي ﷺ وطاعته، ورفع علم الإسلام، وإدخال السرور على قلب نبيه وحبيبه باتباع سنته، فحقيق يرجى له أن يدخله الله تعالى في رحمته. ثم اعلم بأن أكثر العلماء على أن التخلي للنكاح (عندهم أفضل من التخلي للعبادة؛ لأن نفع العبادة قاصر على فاعلها، ونفع النكاح) (¬٥) متعدي: وهو نفقة المال على العيال، وإظهار نسمة (¬٦) تعبد الله تعالى، وتوحده في

من التخلي للعبادة؛ لأن نفع العبادة قاصر على فاعلها، ونفع النكاح) (¬٥) متعدي: وهو نفقة المال على العيال، وإظهار نسمة (¬٦) تعبد الله تعالى، وتوحده في

الدنيا، ويباهى بها الأمم في الآخرة، وتخميد هذه النفس الفاجرة. يحكى أن السلطان صلاح الدين أثخن بالجراح في غزوة، وقُتِل من المسلمين جماعة، ثم انتصروا، فدخل الملك إلى خيمته غضبان يُهَمْهِم، فقال له وزيره وكان الوزير حنفي المذهب: هذا يوم عيد أيها الملك. فقال: مذهبكم يقول: إن النكاح أفضل من هذا، كيف يكون هذا؟! قال الوزير: لولا النكاح ما كنت أيها الملك ولا أحدٌ من حاشيتك. فأعجب الملك وسكن غضبه (¬١). وروي أن الصحابة قالوا للنبي ﷺ: كَثُر النِّساء فادع عليهم. فدعا لهم، وقال: «كيف أدعو على شجرة أنتم ثمارها» (¬٢). ثم اعلم رحمك الله بأن الله تعالى حسَّن المحسنات وكثَّر ألوانهن، وخلق في الإنسان الضعف والميل؛ فقال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]. وفي آية أخرى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: ١٢٩]. فجعل في النِّساء من هي بيضاء بحلية سوداء تؤدي إلى الصفرة، وأخرى علاها البياض بحلية زرقاء تؤدي إلى الشقرة، وواحدة ما اتصفت بالأولى ولا تشبهت بالثانية، قد علاها السمرة، وامرأة قد صبغها رب العباد وحلاها بالسواد؛ فسبحان من له هذه القدرة. فلما زين الحقُّ هؤلاء الأربعة بهذه الزينة أباحهن في الحلال لهذه النفس المسكينة، فأباح الشرع للمسلم أربع زوجات في الحلال، وجميع ما يملكه بشراء أو هبة وصدقة وميراث، أن يطأها إن لم يكن وطئها الأب ولا الأخ والعم والخال. وقد أباح الحقُّ سبحانه لهن الزينة والتحلي بالذهب والفضة والحرير، وجعلهن ناقصات عقل ودين، فترى الغالب عليهن نسيان الآخرة؛ فَهَمُّها (¬٣)

العم والخال. وقد أباح الحقُّ سبحانه لهن الزينة والتحلي بالذهب والفضة والحرير، وجعلهن ناقصات عقل ودين، فترى الغالب عليهن نسيان الآخرة؛ فَهَمُّها (¬٣)

ما أنعم (¬١) من اللباس والزينة، والأطعمة الفاخرة. فانظر ماذا لطف الله بك بقدرته القاهرة حتى تنجمع النفس على ما أحل لها، وتكون عن الحرام نافرة. وقد أباح الشرع النظر إلى المخطوبة لدوام الصحبة، وأن لا يعصي المحب محبوبه. وقد أباح الحق سبحانه لنبينا ﷺ تسع زوجات في وقت واحد، ولداود صلى الله عليه مئة، ولولده سليمان ﵇ ثلاثمئة زوجة، وكان له سبعمئة سرية. وشرح ذلك يطول، والقصد في هذا بأن تعلم أن الأنبياء ﵈ كانوا يرغبون في النكاح؛ لكي يأتي من ظهورهم من يعبد الله تعالى ويجاهد في سبيله. فمن رغب عن النكاح مع القدرة على الحال والمال فقد خالف الأنبياء والأولياء، وتشبه بمن ترهَّب من الأشقياء، وقال ﷺ: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (¬٢)، وقال: «لا رهبانية في الإسلام» (¬٣)، وفي حديث آخر: «لا تتشبهوا بأهل الكتاب» (¬٤). فاعتبروا يا أولي الألباب. وليس لهم حجة في قوله ﷺ: «إذا أحب الله عبدًا لم يشغله بزوجة

ولا ولد» (¬١). الحديث غير صحيح، وإن صحَّ كان فيه احتمال أن المؤمن يؤدي حق العيال (ويشتغل بالكبير) (¬٢) المتعال؛ فيؤدي حق الزوجة والولد، ثم يجتهد في طاعة الفرد الصمد. ولم يتزوج أحدٌ ببنتين لنبيٍّ عظيم غير عثمان، فلما ماتتا قال ﷺ: «لو كان لنا ثالثة لزوجناك يا عثمان!» (¬٣). ومن ترك النكاح لعذر فله أجر المتأهل؛ لأجل النية، وكذلك لو نوى المؤمن أن يفعل خيرًا ولم يقدر فله ذلك الأجر، مثاله يقول في نفسه: لو كان لي مثل مال فلان لعملت كما يعمل من الخيرات والإحسان. هما في الأجر سواء. ومن الناس من يتزوج لأجل الله سبحانه، ومنهم من يتزوج لأجل السنة، ومنهم من يتزوج لأجل الدنيا، ومنهم من يتزوج لمعصية الله تعالى. فالمتزوج لله سبحانه هو رجل تزوج بامرأة قليلة المال، كثيرة العيال، وليس لها حظ من الحسن والجمال، وهذا في الناس قليل. ورجل تزوج بكرًا أو ثيبًا ينوي به الدخول في السنة، والخروج عن المعصية. وطالب المال هو رجل تزوج امرأةً رغبةً في مالها، ولم يلتفت لقلة دينها ولسوء حالها؛ فاته الأجر الأول، ولم يلحق بالثاني، وآخر تزوج بامرأة ناويًا أكل مالها، فإذا فرغ المال طلقها وأرخى حبالها. وهذا زواج معلول، وصاحبه قد تعرض لمقت الله وغضبه، وخرج عن طريق الرسول ﵇، وفي الخبر أنه يعدُّ من الزناة لأجل ما نواه (¬٤)، والزوجة عند الرجل أمانة، فمن خانها لم يرزقه الله تعالى أمانة.

فقد بيَّن سيد الحكماء أمراض العباد بقوله ﷺ: «تنكح المرأة لأربع: لجمالها، ولمالها، ولحسبها، ولدينها». وقال للسائل: «عليك بذات الدين تربت يداك» (¬١). وهذا الحديث نُصحٌ للأمة؛ لأن الدين يبقى، والمال والجمال والحسب والنَّسب يفنى. أي: لا تكثروا الالتفات إلى هذه الملونات؛ فهي كالظل الزائل عن أيام قلائل. قال المولى جل وعلا: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]. تدبر هذه الآيات ترى عجبًا؛ فقوله تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه:

دُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١]. تدبر هذه الآيات ترى عجبًا؛ فقوله تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه:

١٣١] أي: يا عبدي لا ترضى إلا بما عندي، جنة عرضها السماوات والأرض، وأوسع من ذلك المغفرة. أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟ أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ شبه المولى زينتها بالزهرة، فلا تشغلك زهرتها عن طريق المصطفى، فهذه الزهرة لا بد لها من الانطفاء. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٧ - ٨]. الجرز: هو اليابس. أذهبت القدرة تلك الخضرة فقوله تعالى: ﴿زينة لها﴾ لم يقل (¬١): زينةً لك، قال ﷺ: «زينة المؤمن الطاعة» (¬٢). والأحمق من يفرح بزينة غيره، ويترك ما يزيِّنه عند الله تعالى. وقوله: ﴿لنبلوهم﴾ أي: لنختبرهم بها؛ هل يحبونها أو يحبونه؟ وهو أعلم بهم. فإذا زوى الله تعالى عنك الدنيا، فقد زوى عنك ما يشغلك عنه، فإياك أن تمد عينيك إلى مَنْ أُعطي عطاءً وشُغل (¬٣) به عن الله لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١]. وَقُلْ كما قال نبي الله: ﴿فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ﴾ [النمل: ٣٦] ولا تحسدن أحدًا (¬٤) على دنياه، وارحمه على ما فاته مِنْ خالقه ومولاه. وفي الحديث: «إذا أحب الله عبدًا، زوى عنه الدنيا وابتلاه» (¬٥).

زوى عنه الدنيا: ليخفِّف عنه حسابه، ولتكون الجنة مأواه، وابتلاه: لينجمع على سيِّده وخالقه ومولاه. أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: العافية تجمعك عليك، والبلاء

عنه الدنيا: ليخفِّف عنه حسابه، ولتكون الجنة مأواه، وابتلاه: لينجمع على سيِّده وخالقه ومولاه. أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: العافية تجمعك عليك، والبلاء

يجمعك عليَّ، وبلاء يجمعك عليَّ خيرٌ من عافية تجمعك على شر (¬١). ثم اعلم بأن كل أحد يود يوم القيامة أن لو كان فقيرًا مبتلى في جسمه، معافى في دينه؛ لما يرى من تخفيف الحساب، وجزيل الثواب، وليس للعبد أنفع في الدنيا من الفقر والبلاء والخمول؛ لكي يشغل بذلك عن الخروج عن طريق الرسول. وقد جاء في الحديث: «الدنيا سجن المؤمن» (¬٢). والفرح لا يليق بالمسجون، ولا يفرح فيه إلا كلُّ عبدٍ مفتون، واسمع قول الصادق الأمين: «إن الله يحب كل قلب حزين» (¬٣)، ومن عادة المسجون أن يحدق بعينيه ويصغي بأذنيه متى يدعى فيجيب. كان بعض الصالحين كثير الالتفات، فقيل له في ذلك فقال: أنتظر ملك الموت من أين يأتيني. وكان بعضهم يقول: عجبت لمن يدوم له السرور … ويعلم أن مسكنه القبور ومن يمسي ويصبح (¬٤) في أمان … وقد نسي القيامة والنشور وفي الخبر أن رجلًا قال للنبي ﷺ: إني أحب الله. فقال له: «اعتدَّ للبلاء». وقال رجل آخر للنبي ﷺ: إني أحبك. فقال له: «اعتد للفقر» (¬٥).

وقال ﷺ: «إن الله يحمي وليَّه من الدنيا، كما يحمي أحدكم مريضه أو سقيمه من الطعام والشراب» (¬١).

وفي حديث آخر: «إن هذا الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم، وهما مهلكاكم» (¬١). وقال أيضًا: «إن لكل أمة فتنة وعِجْلًا، وإن فتنة أمتي وعجلها المال» (¬٢). اسمه مال: أي مال بأهله عن الطاعة والأذكار، والدينار آخره نار، والدرهم آخره هم. وأنشد (¬٣): النار آخر دينار نطقت به … والهم آخر هذا الدرهم الجاري والمرء ما دام مشغوفًا بحبهما … معذب القلب بين الهم والنار فإذا أراد الله لك الفقر فقد خصَّك بما خصَّ به الأنبياء والأحباب؛ ليهون عليك العرض والحساب، فمن السعادة خفة الظهر، فإذا رزقك الله ثوبًا فلا تحسد صاحب ثوبين، وقل: عسى الملابس هيئت لي في الآخرة. قال محمد بن واسع: رأيت كأني أنا وفلانًا سماه نستبق إلى

الجنة، فسبقني إليها، فقلت: بماذا سبقني؟ فقيل لي: كان له ثوب واحد ولك ثوبان (¬١). وإذا رزقك الله تعالى كسرة يابسةً، فاشكره الذي يبَّس كسرتك، ولين قلبك. وفي الخبر: يقول الله تعالى في بعض كتبه المنزلة: يا عبدي، إذا سقت لك كسرة تسد جوعتك، وخرقة تواري عورتك، وجعلت الحساب على غيرك، فما اصطنعت معك إلا معروفًا (¬٢). قال ابن السمَّاك: غنيمة المؤمن ما فاته من الدنيا (¬٣). وقال يحيى بن معاذ: العاقل المصيب من ترك الدنيا قبل أن تتركه، وبنى قبره قبل أن يدخله، وأرضى خالقه قبل أن يلقاه (¬٤). وقال الحسن البصري: المؤمن في الدنيا كالغريب، لا يجزع من ذُلِّها، ولا ينافس في عزها، للناس حال وله حال (¬٥). وبذلك وصَّى الحبيبُ: «كُنْ في الدنيا كأنك غريب» (¬٦).

وفي حديث آخر: «الغربة شهادة» (¬١). وفي «صحيح مسلم»: «فطوبى للغرباء» (¬٢). وقال: «طلب الحقِّ غربة» (¬٣). ثم اعلم بأن الغربة ليس هي الأسفار من مكان إلى مكان، والتشتت

الغربة شهادة» (¬١). وفي «صحيح مسلم»: «فطوبى للغرباء» (¬٢). وقال: «طلب الحقِّ غربة» (¬٣). ثم اعلم بأن الغربة ليس هي الأسفار من مكان إلى مكان، والتشتت

في البراري والبلدان والنفس معه، فمن رحل والنفس معه ما رحل، والرجل من رحل عن نفسه، يا لها من رحلة توصلك إلى الحبيب، والرحلة عن النفس هجران عاداتها المذمومة. قال ﷺ: «المهاجر من هجر ما حرم الله» (¬١). قال سري السَّقطيُّ: رأيت الحقَّ في المنام، فقلت: يا رب، كيف الطريق إليك؟ فقال: دع نفسك وتعال (¬٢). وكان شيخنا رحمة الله عليه يقول في قول الشاعر: تغرَّبْ عن الأوطان في طلبِ الغِنَى (¬٣) يقول: تغرَّبْ عن أوطان عاداتك وشهواتك. إذا أراد الإنسان أن يدخل بستانًا في الدنيا لا يدخله حتى يفارق وطنه وأهله، فتريد أنت الدخول لبساتين الغيب بغير مفارقة! سافر تجد عوضًا عمن تفارقه، من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، «من ترك شيئًا لله عوضه الله أمثاله»، وفي حديث آخر: «ما هو خيرٌ منه» (¬٤).

قد طال هذا الباب، وليس هو من مقصود الكتاب، لكن يطيب للنفس ذكر الأحباب، وتتحسر على ما فاتها من هذه الخيرات والثواب. وأيضًا فإنها تملُّ من اللون الواحد، فذكرنا لونًا آخر من صفات أهل الخير والفلاح. ثم نرجع إلى ذكر التأهُّل والنكاح: قال ﷺ: «خير متاع الدنيا المرأة الصالحة» (¬١). فاحذر أيها المؤمن أن تنكح المرأة الصبيحة، صاحبة الأخلاق القبيحة، فتندم يوم القيامة، وتبقى في خجل وفضيحة، واقبل منِّي هذه النصيحة، ولا خير في وجهٍ صبيح وفعلٍ قبيح (¬٢).

ن تنكح المرأة الصبيحة، صاحبة الأخلاق القبيحة، فتندم يوم القيامة، وتبقى في خجل وفضيحة، واقبل منِّي هذه النصيحة، ولا خير في وجهٍ صبيح وفعلٍ قبيح (¬٢).

وقوله: «تزوجوا الودود الولود … » الحديث (¬١). فسوداءُ وَلُودٌ خَيرٌ مِنْ بيضاءَ عقيمٍ، والأبكار أعذب أفواهًا، وأنتق (¬٢) أرحامًا، وأرضى باليسير، وكذلك ينبغي للمراة أن تختار الرجل الصالح، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها. ولا يزوج الرجل ابنته الصغيرة للشيخ الكبير، ولا لرجل دميم؛ لأن نفس الشابة لا تحبهما، ولا يقيم الإنسان مع من يكرهه إلا أن يكون صالحًا راضيًا بما قسم الله تعالى له، كما قيل: إن رجلًا تزوج، فلما خلا بزوجته ما أعجبته، فانعزل عنها، فلما أراد الخروج إلى الصلاة صلاة الصبح تعلقت به، وقالت: أنت (¬٣) لما أردت زواجي ما استخرت الله تعالى؟ قال: بلى (¬٤). قالت: فالله سبحانه اختارني لك، أما ترضى أنت بذلك؟ فقال: رضيت. وواقعها (¬٥)، فجاءت بولدٍ، وهو مالك بن أنسٍ، صاحب المذهب ﵀. ولا يزوِّجُ الإنسان ابنتَه أو كريمته من فاسق. قال بعض الصحابة: من زوَّج كريمته لشارب خمر؛ فكأنما ساقها للزِّنى. وقال الشعبي: من زوج كريمته لفاسق فقد قطع رحمها (¬٦). ومن السنة أن لا تؤخَّر المخطوبة البالغة إذا خطبها الكفؤ، وهو المسلم التقي القادر على الكسوة والنفقة؛ لأن الزواج ستر للنساء والبنات، وللتأخير آفات.

والوليمة سنة ولو بشاة، أو ما تيسر من الطعام للعجز، ويسمِّي الرجل عند المجامعة ويستعيذ من الشيطان، فإن خلق الله تعالى منه نسمة لم يضرها الشيطان، وتنشأ مباركة طائعة. ومن السُّنة: تحسين الاسم وهو ما حُمِّد وما عُبِّد (¬١)، وهذا حسن؛ فإن سماه باسم نبي فهو أحسن (¬٢)؛ لأنه يدعى يوم القيامة باسمه واسم أبيه (¬٣)، ويعلمه الأدب؛ فإنه يسأل عن ولده يوم القيامة. ومن السُّنة: أن يحسن الإنسان خُلقه مع أهله، ففي الخبر أن خَيرَ النَّاس أحسنهم خُلقًا مع أهله، وأنفعهم لعياله (¬٤)، والسعي على الأرامل والمساكين هو جهاد في سبيل الله تعالى، وأفضل من قيام الليل وصيام

النهار (¬١)، كذا جاء في الأخبار، فانظر إلى هذه المنَّة، واسمع قوله ﷺ: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة»، وأشار بإصبعيه ﷺ (¬٢). فقد تقدم أنَّ الشرع نهى عن زواج المرأة الصبيحة، صاحبة الأفعال القبيحة (¬٣). وأشرُّ من ذلك: مَنْ زنا بامرأة ثم تزوجها؛ ذهب بعض العلماء أنه لا يجوز، وجوَّزه الباقون (¬٤). وكذا من تزوج ابنته من الزِّنَى حرَّمه جماعة، وجوَّزه الباقون (¬٥). وكذلك المحلِّل، يزوَّج بشرط التحليل، جوَّزه جماعة (¬٦)، وحرَّمه (¬٧) الذي حرم نكاح الابنة من الزِّنَى، فهو أبو حنيفة ﵁ (¬٨)، وكان من المحتاطين في دين الله، والذي أباح ذلك فهو الشافعي ﵁ والباقون (¬٩)، وتركنا الدليل خوفًا من التطويل.

الابنة من الزِّنَى، فهو أبو حنيفة ﵁ (¬٨)، وكان من المحتاطين في دين الله، والذي أباح ذلك فهو الشافعي ﵁ والباقون (¬٩)، وتركنا الدليل خوفًا من التطويل.

ولا يجوز النكاح إلى بعض الأيام، أو إلى بعض الشهور والأعوام، كما فعله في طريق الحجاز بعض العَوام، فيتزوج المرأة إلى فروغ الحج والإحرام، فيقع بجهله في الباطل والحرام، وهذا زواج معلول؛ لخروج فاعله عن طريق الرسول (¬١)، وهو دليل على قلَّة قبول الحجِّ، والطرد وحرمان الوصول. ومعنى قوله ﷺ: «تلاعبها وتلاعبك» (¬٢). اعلم أن اللعب كمين (¬٣) في الحيوان والآدمي، فإذا أخرجه الإنسان فيما أحلَّ الله له فيستغني بذلك عن ما حرم الله عليه. فيجوز اللعب مع الزوجة والأولاد والمرح (¬٤) مع العباد، إلا أن يكون غلامًا حسن الوجه، أو امرأةً أجنبية فيحرم، ويكره المرح (¬٥) مع الظَّلَمة وأعوانهم، والفسقة وإخوانهم، وإن أمكن أن لا ينظر المسلم لهم فليفعل؛ لأنهم ساقطون من عين الله تعالى. وكان بعض المشايخ يخرج بمريديه إلى البستان، ويقول لهم: تفرَّحوا (¬٦)، فكانوا يمزحون ويرقصون ويترامون بقشور البطيخ، فقيل للشيخ: لم تأمرهم بهذا؟ قال: حتى يخرج اللعب في شيء أبيح لهم، ولا يخرج في شيء حرم عليهم، ولكي لا تملَّ النفس من العبادة؛ فيعمل لهم هذا في بعض الأحيان. وقال ﷺ: «كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل، غير ثلاث: ملاعبة

الرجل أهله، وتأديبه لفرسه، ورميه عن قوسه» (¬١)، فهذا وما كان في معناه هو من الحق، وتحضره ملائكة رب العالمين، واللهو والباطل تفرُّ منه الملائكة وتحضره الشياطين. وكان ﷺ في بعض الأحيان يلاعب الأهل، ويمزح مع الإخوان؛ تبيينًا لجواز ذلك إذا كان حقًّا، وكان في أكثر أوقاته قد شُغل عن ذلك كله بخوف الرحمن، فلم يُرَ ضاحكًا قطُّ. وكان إذا سمع أو رأى ما يعجبه تبسَّم، فكان ضحكه تبسُّمًا (¬٢). فيا حسرة من عصى الله وضحك، وخالف الواحد المنان. وروي أن النبي ﷺ لم يتزوج بكرًا غير عائشة ﵂ (¬٣). وكانت من أحب نسائه إليه (¬٤)، وأعلم بأحكام الشرع، فلما كانت ليلة عائشة

ه وضحك، وخالف الواحد المنان. وروي أن النبي ﷺ لم يتزوج بكرًا غير عائشة ﵂ (¬٣). وكانت من أحب نسائه إليه (¬٤)، وأعلم بأحكام الشرع، فلما كانت ليلة عائشة

دخل معها ﷺ الفراش (¬١)، فلما لصق جسده بجسدها استأذنها وقام للوضوء، وبكى حتى بلَّ الأرض، وأطال السجود حتى ظنت عائشة أن الله سبحانه قد قبض نبيه، ثم دخل عليه بلال فوجده يبكي، فقال: أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال ﷺ: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (¬٢). هذا فعل السيد المعصوم، وأنت تعصي وتضحك يا أيها المحروم. ويكره للمرأة أن تتزيا بزيِّ الرجال، ويكره أيضًا للرجل التشبه بالنساء؛ لقوله ﷺ: «لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء» (¬٣). مثل ذلك كامرأة تترك الخمار والقناع، وتلبس أقبية (¬٤) الرجال والأقباع (¬٥). وجاء في «صحيح مسلم»: أن النبي ﷺ قال: «صنفان من أمتي من (¬٦)

أهل النَّار لم أرهما: رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها النَّاس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» (¬١). وهاتان البدعتان (¬٢) المشؤُومتان أخبر ﷺ عنهما قبل ظهورهما بستِّ مئةِ سنةٍ وكسور من الهجرة المحمدية؛ ونسأل الله تعالى السلامة من البدع والأفعال الرَّدية. وينبغي أيضًا للرجل أن لا يتشبه بالنساء: كلُبْسِ الثوب المعصفر، والسراويل القزواني، ويحرم عليه التقنُّع، ويكره الطيلسان لكل إنسان، ويباح لمن به عذر. ولعن ﷺ عشرًا: الواصلة، والمستوصلة، والنامصة، والمتنمصة، والواشمة، والموشومة، والناشرة، والمتنشرة (¬٣). فالواصلة: هي التي تصل شعرها بشعر غيرها ليكثر. والنامصة: هي التي تنتف حواجبها لترققها. والواشمة: هي التي تجعل الحبر في ذراعيها وخديها. والناشرة (¬٤): هي التي تنشر أسنانها لتصير فلجًا.

Bagian 6 dari 15