— Bagian 13 · لبه لا يتأسف على عمى عينه، (كما كان بعضهم يقول) … —
Bagian 13
لبه لا يتأسف على عمى عينه، (كما كان بعضهم يقول) (¬٤): إذا كنت لي ما … ضرَّني من عدمته فمن أراد أن ينور الله تعالى قلبه، ويكرمه في الدار الآخرة وهنا،
ويبلغه الله المقصود والمنى، فليتبع السنة، وليكن الفقر والذل أحب إليه من العز والغنى، وقد قيَّدنا الفقر باتباع السنة وبالذل؛ ليرتقي المؤمن إلى منازل السعداء، فإن لم يتبع الفقير السنة، ويكون ذليلًا مسكينًا بين يدي خالقه؛ ضل واعتدى، وتاه في ميادين الغفلة والقطيعة وما اهتدى. قال المولى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧]. فحينئذٍ يجتمع على هذا الفقير الضالِّ فقرُ الدنيا وعذاب الآخرة؛ لكبره، ولخروجه عن السنة المباركة الطاهرة، قال رسول الله ﷺ: «الدِّين ديني، والسنة سنتي، من ابتدع بدعة فعليه لعنة الله» (¬١). والمتكبر هو من أثقل الجماعة الخارجين عن سنة صاحب المعجزات والشفاعة، وما قلنا إنه من أكبر المبتدعين إلا لقوله سبحانه: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠]. وفي الحديث النبوي: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذابٌ أليم: أمير مُسلَّط، وذُو ثروة من المال لا يؤدي الزكاة، وفقير فخور» (¬٢). ويكفي لمن بلاه الله بهذه المصائب والتعكيس ما جرى للَّعين إبليس، فالمتواضع محبوب عند الله تعالى وعند العباد، والمتكبر يبغضه الله تعالى ومن في السموات والأرض، وهو في قطيعة وبعاد، وهو مريض لا يعاد،
رى للَّعين إبليس، فالمتواضع محبوب عند الله تعالى وعند العباد، والمتكبر يبغضه الله تعالى ومن في السموات والأرض، وهو في قطيعة وبعاد، وهو مريض لا يعاد،
فمعصية يصحبها الذل والانكسار، خيرٌ من طاعةٍ يصحبها العجب والاستكبار. فانظر ماذا في الطاعات من المهالك والآفات، لا يحتاج الفاعل معها لشيء من السيئات، فإذا كان السيد عظيمًا عزيزًا، فينبغي للعبد أن يكون حقيرًا ذليلًا. قال بعضهم: إذا رمت عز الوصل ذل لمن تهوى … فكم عزة قد نالها المرء بالذل إذا كان من تهوى عزيزًا ولم تكن … ذليلًا له فاقرَا السلام على الوصل وأنشد بعضهم مخبرًا عن حاله: حبيب أرتجيه وإن جفاني … ويعلم ما لقيت من الصدود ويظهر في الهوى عز المعالي (¬١) … فيلزمني له ذل العبيد ويكفي من الأدلة قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، فإذا دعوت الله تعالى أيها المؤمن! بأن يطيِّب عيشك في الدنيا، ويرزقك العزَّ والجاه والغنى، ولم تجد ذلك فلا تحزن؛ لأن عيش الدنيا ليس بطيب؛ فإنَّ آخره الموت، فإذا متَّ زالت الدنيا، ومات عزُّك وجاهك، فإن أخَّر الله تعالى دعوتك إلى الآخرة ووَسَّعها عليك فقد أسبغ نعمه عليك، ونظر بعين كرمه إليك، وأقامك في مقام الأحباب، وأمَّنك (¬٢) من شدة الحساب، وجعل لك أسوة بنبيه وحبيبه ﷺ، وعلى الآل والأقارب والأصحاب، وكان ذلك مقدَّرًا عليك في أم الكتاب، فلا تقل: دعوت الله تعالى وما رأيت الإجابة، فقد جاء في الحديث: «كل داعٍ يجاب ولكن لا تشعرون» (¬٣).
أَتَدعُو أيها المؤمن! كريمًا ولا يجيبك؟! وترفع يديك لغني لا يخشى الفاقة ويردك خائبًا؟! لا تظنَّ في الله تعالى ذلك، ولو كنت عاصيًا والخلل في أحوالك؛ لأنَّ الله ﷾ قد أجاب دعوة إبليس مع تمرده، وما كان فيه من المخالفة والتعكيس، فاسمع قوله تعالى: ﴿﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾ [الأعراف: ١٤ - ١٥] (¬١). كان يحيى بن معاذ الرازي يقول: إلهي كيف أدعوك وأنا عاصٍ؟! وكيف لا أدعوك وأنت كريم؟! (¬٢) فالمؤمن الموفق إذا طلب من الله سبحانه شيئًا من الدنيا ولم يعطه ترك مراده لمراد الله تعالى، ورأى المنع عطاءً، ويقول: عسى أن يكون في التأخير مصلحة؛ لأنَّ (¬٣) السيد أعلم بمصلحة عبده. وقد تؤخر الإجابة (¬٤) لمصلحة يعلمها الله في التأخير، ويجاب أو يُدفع عن الداعي بلاءً، أو يدَّخر له عند الله سبحانه، فيكون قد طلب شيئًا فانيًا فيعطى شيئًا باقيًا فلا يقول الإنسان: دعوت وما رأيت الإجابة. لا تظنَّ بالله
ذلك فتلقي نفسك بسوء ظنها في البدعة والمهالك، ولا تتعرض وكن من جملة العبيد، وسلِّم لربوبيته، فلا يكون أبدًا إلا ما يريد، فإذا فعلتَ ذلك أتاك من الله الخير والمزيد، ولو أعطى الحق سبحانه لكل أحدٍ ما طلب لهلكوا، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)﴾ [الشورى: ٢٧]، وقال الحق سبحانه: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١]. وقد يزوي الإنسان عن مريضه ما يطلبه وإن كان شيئًا يسيرًا مع محبَّتِه له، فما فعل ذلك بخلًا عليه؛ ولكن خوفًا من ضرر يصل إليه.
فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١]. وقد يزوي الإنسان عن مريضه ما يطلبه وإن كان شيئًا يسيرًا مع محبَّتِه له، فما فعل ذلك بخلًا عليه؛ ولكن خوفًا من ضرر يصل إليه. قال ضرارُ بن ضَمُرة: إنَّ عليًّا ﵁ كان غزير الدمعة طويل الفكرة، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، ويعجبه من اللباس ما خَشُن، (ومن الطعام ما جَشُنَ) (¬١)؛ يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل (¬٢) وظلمته، وأشهد بالله لرأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سجوفه (¬٣)، وغارتْ نجومه، وقد مثل في محرابه قابضًا على لحيته، يتمثل تمثل السليب، ويبكي بكاء الحزين، وكأنِّي أسمعه، وهو يقول: يا دنيا، يا دنيا، إليَّ تعرضت أم إليَّ تشوفت؟ هيهاتَ هيهاتَ، غُرِّي غيري، قد طلقتك ثلاثًا، لا رجعة لي فيك، فعُمرك قصير، وعيشك حقير، وخطرك كبير، آهٍ من قِلَّةِ الزاد، وبُعد السفر، ووحشة الطريق. قال الراوي: فذَرَفَتْ عينا معاويةَ على لحيته فَمَا تَمَلَّكَها، وقد اختنق القومُ بالبكاء (¬٤).
يُحكَى عن السيد شرف الدين الكليمي: أَنَّهُ رأى عليَّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه في منامه، فسأله عن حقيقة الفقر، فقال ﵁: قد سألني عن ذلك عبد العزيز المنُوفيُّ! قال الشريف: فما قلتَ له يا أمير المؤمنين؟ قال: قطع الأمل، قطع الأمل، قطع الأمل. قال الشريف: فلما استيقظت جئت إلى عند الشيخ عبد العزيز وقلت له: رأيتَ الإمام علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه قَطُّ؟ قال: نعم. قال: قلت: فما سألته؟ قال لي: يا بُطَيْطيلُ! جئت لتقول لي منامك، إذا خرجوا هؤلاء من عندي. وكان عنده جماعة من الجند، فلما خرجوا من عنده جئت إليه فقال: أنت لا تقدر على قطع الأمل ولا أنا، هذا مما لا يُقدر عليه (¬١).
قال المؤلف عفا الله عنه: قِصَر الأمل: ترك الدنيا، والاجتهاد في اتباع السنَّة، مع إصلاح العمل. فاغسل قلبك بماء الندم على حبِّ الدنيا، وعلى ما فاتك من الحبيب، واستدرك ما بقي؛ فكل آتٍ قريب، فيا حسرة
ا، والاجتهاد في اتباع السنَّة، مع إصلاح العمل. فاغسل قلبك بماء الندم على حبِّ الدنيا، وعلى ما فاتك من الحبيب، واستدرك ما بقي؛ فكل آتٍ قريب، فيا حسرة
من هو عالم بقلة الإقامة، وقد لعبت به الدنيا وأذهلته عن أهوال يوم القيامة. قال صلوات الله عليه وسلامه: «نجا أوَّلُ هذهِ الأمَّة باليقين والزهد، ويهلك آخرها بالبخل والأمل» (¬١). (حديث صحيح. قال المؤلف لهذا الكلام عفا الله عنه، وعن جميع المسلمين، وأدخلنا الجنة بسلام -) (¬٢): آهٍ على خلوِّ القلب من الآمال، وخلوِّ النفس من المكر والرياء والغدر والمحال، وخلوِّ اللسان من كلامٍ يسخط الملك الديان، ومن كلام الدنيا، ومن القيل والقال، وخلوِّ اليد من المال، والرضَى عن الله ﷾ في كل حال، وليس ذلك بعزيز على الكبير المتعال، (فرحم الله من دعا لنا بذلك ورزقه هذه الخصال) (¬٣). قال الربيع بن خثيم: من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن طال أمله ساء عمله (¬٤). فقد تبين لك أن أعظم الطاعات لمن لم يزل الإخلاص في العمل والزهد وقصر الأمل، نسأل الله التوفيق لذلك، وحسن الخاتمة عند فروغ الأجل، وما قلنا إنَّ الزهد وقصر الأمل هما أفضل الأعمال، وبهما وصل العمال، إلا لأن الله ﷾ خصَّ نبيه وحبيبه محمدًا ﷺ بهما، كما تقدم أنه اختار الفقر على الغنى (¬٥).
وقال ابن عباس ﵁: كان ﷺ إذا أهريق الماء يتيمم بالتراب فأقول: يا رسول الله، إن الماء منك قريب. فيقول: «لعلي لا أدركه» (¬١)، وباع زيدٌ جملًا له إلى شهر فقال ﷺ: «ما أطول أمل زيد، والله ما وضعت قدمًا إلا وظننت أني لا أضع الآخر» (¬٢). وروي أنه ﷺ نام على شريط فأثر الشريط في جنبه، فبكى عمر ﵁، فقال له: «ما يبكيك؟» قال: تذكرت كسرى وقيصر وما هما فيه، وأنت رسول الله وقد أثر هذا الشريط في جنبك. قال: «ثكلتك أمك يا عمر، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة! ما أنا إلا كراكب استظل تحت شجرة فسار وتركها» (¬٣).
قال إبراهيم بن أدهم: الزهد ثلاثة أصناف: زهد فرض، وزهد فضل، وزهد سلامة. فالفرض: الزهد في الحرام. والفضل: الزهد في الحلال. والسلامة: الزهد في الشبهات (¬١). ثم اعلم رحمك الله أنَّ الزهد هو أفضل الأعمال؛ لأنه طريق النبيِّ ﷺ، ووَصَّى به لبعض أصحابه بقوله ﷺ: «ازهد في الدنيا يحبك الله» (¬٢). ثم اعلم أنَّ الزُّهد هو الذي ينوِّر قلب المؤمن، ويورثه قصر الأمل، ويطرد عنه التهاون في الطاعات والكسل، ويرزقه الله تعالى القوة على الطاعة والإخلاص في العمل، ويقل عليه هموم الدنيا لكثرة هموم الآخرة، وقد ملأ قلبه الرضا، لا يحزن على فقد الدنيا، ولا يحزن على مكروهٍ أصابه، ولا يتأسف على ما مضى، ما همه إلا التجهز للقاء الحبيب؛ لعلمه أنه يموت
الآخرة، وقد ملأ قلبه الرضا، لا يحزن على فقد الدنيا، ولا يحزن على مكروهٍ أصابه، ولا يتأسف على ما مضى، ما همه إلا التجهز للقاء الحبيب؛ لعلمه أنه يموت
عن قريب، فلا تراه قط معرِضًا. والحريص بعكس ذلك كله: قد نسي الآخرة، وأظلم قلبه من قوة (¬١) حرصه، فلا تراه قط أبيضًا. قال المؤلف لهذا الكتاب: كان عندي رجل من أولياء الله تعالى، وكان إذا صلى ورده في الليل ثم فرغ ينشد (هذه الأبيات ويبكي، وهي هذه الكلمات) (¬٢): إلى كم يراك الله يا عبدُ عاصيًا … حريصًا على الدنيا وللموت ناسيًا ودمعك لا يجري وقلبك قاسيًا … (ما ذاك إلا من عصيان نفسك) (¬٣) قاسيًا مَرَّ عيسى ابن مريم ﵇ برجل نائم تحت ظل شجرة، فوكزه برجله وقال له: يا هذا، قم فاعبد الله. فقال: يا نبي الله، قد عبدت الله بأفضل العبادات. قال: وما هي (¬٤)؟ قال: تركت الدنيا لأهلها. قال له: إذَنْ فنَمْ (¬٥). وفي الخبر أيضًا: أنًّ عيسى ﵇ رأى الدنيا على صورة عجوز شمطاء، (بياض شعرها يخالطه سواده) (¬٦)، فسألها فقالت: أنا الدنيا. فقال لها: فأين أبناؤك؟ قالت: قتلتُ البعضَ، وأنا آخذة في قتل الآخرين (¬٧).
ومر عيسى ﵇ بثلاث نفر وهم موتى، وعندهم طوبتان من ذهب، فقال عيسى لأصحابه: قتلتهم الدنيا، هؤلاء الثلاثة وجدوا هاتين الطوبتين (فدخلوا ليقتسموهما، فخرج) (¬١) أحدهم ليأتي بطعام فسولت له نفسه فجعل في الطعام سمًّا ليأخذ الذهب وحده، وهما أيضًا اتفقا على قتله ليأخذ كل واحدٍ طوبة، فلما أقبل بالطعام قتلاه، ثم أكلا من الطعام فماتا (¬٢). كان بعضهم ينشد هذه الأبيات: قل لمن فاخر بالدنيا وحامى … قتلتْ قبلك سامًا ثم حاما ندفن الخل وما في دفننا … بعده شك ولكن نتعامى إن قدامك يومًا لو بهِ … هُدْدت شمس الضحى صارت (¬٣) ظلاما فانتبه من رقدة النوم وقم … وانف عن عيني تماديك المناما فالعظيم القدر لو شاهدته … لم تجد في قبره إلا عظاما قال بعض (علماء المحققين) (¬٤): حقيقة الزهد ترك ما سوى الله تعالى (¬٥). وأنشد لبعضهم (¬٦): لأخلعن (¬٧) عذاري في محبتكم … بحولكم لا بحولي لا ولا حيلي
قال بعض (علماء المحققين) (¬٤): حقيقة الزهد ترك ما سوى الله تعالى (¬٥). وأنشد لبعضهم (¬٦): لأخلعن (¬٧) عذاري في محبتكم … بحولكم لا بحولي لا ولا حيلي
(وأترك الكون حيًّا لبغيتكم) (¬١) … (أَنَّى أريد لذاك) (¬٢) الترك من قبلي الخلق خلقكم والأمر أمركم … فأي شيء أنا لا كنت من ظُلل الحق قلتم وما في الكون غيركم (¬٣) … أعوذ بالله من علمي ومن عملي (¬٤) قال المؤلف في استعاذة هذا الرجل من علمه وعمله: أي أعوذ بالله أن أُثبتَ لنفسي علمًا أو عملًا (¬٥)؛ لأنَّ الذي جهله الآدمي أكثر مما علمه. قال المولى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. فقد ذكر الحقُّ سبحانه أنَّ جميع من في السماوات ومن في الأرض ما أُعطوا من العلم إلا شيئًا يسيرًا، فماذا أخذتَ أنت وحدك يا من يدَّعي العلم؟! وأما العمل: فلو عاش المسلم ألف سنة يصوم النهار ويقوم الليل ما يساوي مكثَه في الجنة ساعة مع النبيين، ونظرةً لرب العالمين. قال رسول الله ﷺ: «لن يدخل الجنة أحدٌ بعمله». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته» (¬٦). هذا وقد قام رسول الله ﷺ في خدمة مولاه حتى
«لن يدخل الجنة أحدٌ بعمله». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته» (¬٦). هذا وقد قام رسول الله ﷺ في خدمة مولاه حتى
تورَّمت قدماه (¬١). وجاهد في سبيل الله تعالى وما بخلت قط يداه (¬٢). قال أبو سليمان الداراني: سمعت الرَّبيع يقول: كنت مقيمًا ببيت المقدس أجمع المباحات من الجبال، وكان لي أخوان بالرملة أزورهما في كل عام مرتين، فلما كان في بعض السنين خرجت لزيارتهما، فلمَّا صرت بين الجبال والأودية على ثلاثة أميال من بيت المقدس سمعت صوتًا محزونًا، وهو يقول: ما أبعدَ الطريق على من لم تكن أنت دليله، وأوحشها على من لم تكن أنت أنيسه. فقفوت الصوت واتبعت أثره، وإذا أنا بجارية وعليها خمار من صوف ومدرعة من شعر، وفي رجليها نعل من ليف، فقلت: سبحان الله، مثلك في هذا المكان بغير مَحرم! فقالت: ما أحب من يشغلني عن طاعة ربي. قال: فَرقَّ لها قَلبِي، وكان معي دريهمات فقسمتها شطرين وناولتها أحدهما، فلما رأت لمعان الدراهم تبسمت، وقالت: يا أبا الربيع، من أين لك هذه الدراهم؟ فقلت لها: إني أجمع المباحات من جبال بيت المقدس وأبيعها في المدينة. فقالت: كسب حلال لرجل ضعيف. فقلت لها: كيف تصفيني بالضعف وأنا قوي البدن؟ فقالت: أنت ضعيف اليقين لا ضعيف البدن. فقلت: فكيف السبيل إلى القوة؟ فقالت: تضع موازين القسط على جوارحك حتى يخرج كل شيء كان لغير الله، ويبقى القلب صافيًا، فيطَّلع الحق عليه فلا يرى فيه مذكورًا ولا محبوبًا سواه؛ وإذا كنت كذلك نوديت: قف بالباب، فقد كتبناك من الأحباب، وأمرنا الخزان أن لا يعصوا لك أمرًا. قلت: فما بيان ذلك؟ فقبضت كفها في الهوى، وفتحتها ووضعت في كفي دنانير. فقلت: سبحان الله ما أحسنه من كفٍّ! فسمعت قائلًا يقول:
من أطاع الله مولاه أعطاه ما تمناه (¬١). وقد جاء في الأخبار: يقول الله ﷿: من أطاعني في كل شيء أطعته في كلِّ شيء (¬٢). قال أحمد بن أبي الحواري: حدثتني امرأتي رابعة فقالت: دخلت على أخت لي عاتقٍ بالموصل يقال لها: راهبة. فقالت: هل تدرين ما قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩]؟ قلت: لا. قالت: القلب السليم الذي يلقى الله تعالى وليس فيه شيء غير الله تعالى. قالت: فحدثت به أبا سلمان، فقال: ليس هذا كلام راهبة، هذا كلام الأنبياء ﵈ (¬٣). عن محمد بن الحسين قال: سمعت بعض أصحابنا يقول: كانت عزيزة امرأة أبي علي تقول: كيف لا أرغب في تحصيل ما عندك، وإليك مرجعي؟! وكيف لا أحبك وما لقيت خيرًا إلا منك؟! وكيف لا أشتاق إليك وقد شوقتني إليك؟! وحكي عنها أنها قالت: لا ينتفع العبد بشيء من أفعاله كطلب قوته من حلال (¬٤).
قال سعيد المقدسي وكان من الأولياء -: خرجت من المسجد الأقصى طالبًا السياحة، فلما صرت بين الجبال رأيت امرأةً عليها ثوب من شعر وخمار من صوف، فظننت أنها راهبة، فقلت لها: أنت مسلمة؟ فقالت: يا سعيد ما هذا الكلام؟ فقلت لها: ما الذي أخرجك إلى هذا المكان؟ قالت: خوف القطيعة والأحزان. ثم رفعت طرفها إلى السماء، وقالت منشدة: يا سروري إذا عدمت سروري … أنت في سر خاطري وضميري أنت أنت الرجاء جُد لي بعفوٍ … وأجرني من حر نار السعير
لأحزان. ثم رفعت طرفها إلى السماء، وقالت منشدة: يا سروري إذا عدمت سروري … أنت في سر خاطري وضميري أنت أنت الرجاء جُد لي بعفوٍ … وأجرني من حر نار السعير ثم قالت: لا اعتراض عليك، اللَّهم إن كان عذابي من رضاك فعذِّب، وإن كان العفو أحب إليك فاعف. قال: فسألتها عن مسكنها رغبةً في زيارتها. فقالت: ما لي على الأرض دار، ولا لي فيها قرار. ولو وجدت سبيلًا إلى الخروج منها ما أقمت فيها فلا خير في دار لا تدوم لذتها. فقلت لها: أوصيني بشيء أنتفع به. فقالت: يا سعيد، إن أمكنك أن تخطو إلى الآخرة خطوة فافعل، وإن نالك في ذلك مشقة، فما تُنال الدرجات إلا بالصبر على المشقات. يا سعيد، ورد في الخبر أن نبينا محمدًا ﷺ دخل على فاطمة ﵂، فوجدها تطحن، فلما رأته بكت، فقال لها: يا فاطمة ما يُنال ما عند الله إلا بالصبر على المكاره (¬١). ثم قالت: يا سعيد، لو باشرت الآخرة بقلبك لهان عليك ما ترى من أمور الدنيا، يا سعيد، عليك بمحبة الله والخوف من قطيعته. ثم ولت وهي تقول: يا من به وبفضله … طاب النعيم لأهله
كل الوصال محرمٌ … إلا إرادة وصله إن سرني فبفضله … أو ساءني فبعدله ما شاء يفعل إنني … أرضى بسائر فعله قالت رابعة بنت إسماعيل الشامية: إن العبد إذا عمل بطاعة الله ﷿ أطلعه الجبار على مساوئ عمله، فتشاغل به دون خلقه (¬١). قال أحمد بن أبي الحواري زوج رابعة: جلست لآكل، فجعلت تذكِّرني فقلت لها: دعينا، يهنينا طعامنا. فقالت: ليس أنا وأنت ممن ينغص عليه الطعام عند ذكر الآخرة (¬٢). وقال أحمد: كان لرابعة أحوال شتى، فمرة يغلب عليها الحب، ومرة يغلب عليها الأنس، ومرة يغلب عليها الخوف، فسمعتها تقول في حال الحب: حبيبٌ غاب عن بصري وشخصي … ولكن عن فؤادي ما يغيب وسمعتها في حال الأنس تقول: ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي … وأبحت جسمي من أراد جلوسي فالجسم مني للجليس مؤانسي … وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي (¬٣) وسمعتها في حال الخوف تقول: وزادي قليلٌ ما أراه مبلغي … أللزاد أبكي أم لطول مسافتي أتحرقني بالنار يا غاية المنى … فأين رجائي فيك أين محبتي (¬٤)
(¬٣) وسمعتها في حال الخوف تقول: وزادي قليلٌ ما أراه مبلغي … أللزاد أبكي أم لطول مسافتي أتحرقني بالنار يا غاية المنى … فأين رجائي فيك أين محبتي (¬٤)
انظر رحمك الله! إلى أحوال هؤلاء النسوة، كيف آنسهم الحق به فاستوحشوا من غيره، قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وقد تعطى المرأة ويحرم الرجل، وقد يصيب العبد ويخطئ السيد. خرج بعضهم من الإسكندرية وعبده خلفه، فجلس السيد على مصطبة وأمر عبده بأن يأتي بحاجة نسيها، وكان قد كشف لبعض الأولياء، فرأى علمًا من نور فوق رأس السيد وعبده ولم يعلم لمن هو، فلما ولى العبد ذهب النور معه (¬١). قال المولى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٧٤]. وقال المولى الغفور: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. وقد يناله الصغير ويحرم الكبير. كان أمير البلدة على باب حاتم الأصم، فطلب ماءً فجاؤوا له بماء بارد، فرمى لهم شيئًا من الدنيا، فوافقه أصحابه، ففرح من في البيت، وكان لحاتم ابنة فبكت، فقيل لها: ما بالك تبكي؟ فقالت: هذا مخلوق أقبل علينا فاستغنينا به، فكيف لو أقبل الخالق علينا (¬٢). وقالت رابعة يومًا: من يدلنا على محبوبنا؟ فقالت جاريتها: هو معنا، لكن حَجَبَنا عنه حب الدنيا (¬٣). وقد قلت ما اتفق لهؤلاء النسوة والجواري والأطفال؛ ليعلم الجاهل أن الله سبحانه يختص برحمته من يشاء، وتوبيخًا لكثير من الرجال، ولمن يدعي الأهلية وقد شغل بالدنيا والأماني والمحال، ولم يخف من شديد المحال، فمن تفرغ من حب الدنيا وهمومها؛ أقامه الحق بين يديه، ونظر بعين كرمه إليه. قال بعض المحبين: قلبٌ أحب سواك لا نال المنى … وجنت عليه يد الصدود بما جنى
كيف التعوض عن هواك بغيره … وبنا إليك الفقر لا عنك الغنى يا من تجلى في الوجود لناظري … فرأيته من كل شيء أحسنا سل عاشقًا هجر الكرى وجفا ال … ورى ورأى المحبة دينه فتدينا كان الشبلي ينشد على سور عسقلان: اطلبوا لأنفسكم … مثل ما وجدت (¬١) أنا قد وجدت لي سكنًا … ليس يشبه السكنا إن دنوت قربني … وإن بعدت عنه دنا وكان بعضهم ينشد مخبرًا عن حاله: وحقكم ليس لي في غيركم غرض … لأنني لم أجد لي عنكم عوض فحبكم جوهر في القلب مسكنه … وكل شيء سوى حبي لكم عرض ومن جنوني بكم قالوا به مرض … فقلت لا زال عني ذلك المرض وقال بعض المحبين شعرًا: قلبي يراك على بعد من الدار … وأنت في الحب في ذكري وتذكاري إن غاب شخصك عن عيني فلم أره … فإن حبك معقود بإضماري فإن تكلمت لم ألفظ بغيركم … وإن سكتُّ فأنتم عقد إضماري ولقد أحسن من قال: رسول أتاني مخبرًا برضاكم … عليّ وقلبي آمنٌ من جفاكم فأوجد روحي راحةً ومسرةً … وقد كان قلبي خائفًا من سطاكم أسأنا وأحسنتم إلينا تكرمًا … وخنَّا وما خنتم وبان وفاكم وما زال حسن العفو منكم سجية … يجازى به من بالذنوب أتاكم
مسرةً … وقد كان قلبي خائفًا من سطاكم أسأنا وأحسنتم إلينا تكرمًا … وخنَّا وما خنتم وبان وفاكم وما زال حسن العفو منكم سجية … يجازى به من بالذنوب أتاكم
إذا نحن خفناكم لجأنا إليكم … وليس لنا من نرتجيه سواكم لقد خاب من يسعى إلى باب غيركم … وفاز الذي والاكم واصطفاكم وما راق لي إلا بديع جمالكم … ولا هزني إلا نسيم هواكم وإن كان جسمي غائبًا عن خيامكم (¬١) … فإن فؤادي حاضرٌ في حماكم عليكم سلام الله إني لبعدكم … سقيم وما أُشفَى بغير لقاكم مر الشبلي بصغار يضربون رجلًا بالأحجار، فنهاهم، فقالوا: دعنا يا شيخ نقتله فإنه كافر بالله تعالى يزعم أنه يرى الله ويتكلم معه. فجاءه الشبلي فرآه يمسح الدم عن وجهه ويطرق، ثم يرفع طرفه نحو السماء ويقول: هذا جميل منك؛ تسلط عليَّ هؤلاء الصغار! (فقلت في نفسي: هو مجنون. فقلت له: ماذا يقول عنك الصغار؟) (¬٢)، فنظر إلى الشبلي وقال: ما يقولون يا شبلي؟ فلما افترسني (¬٣) قلت: هو والله وليُّ الله تعالى. فقلت: يقولون عنك أنك تقول: إنك ترى الله وتخاطبه (¬٤). فقال: والله يا شبليُّ لو احتجب عنِّي طرفة عينٍ لتقطعت من ألم البين، ثم ولَّى وهو يقول: خيالك في وهمي وذكرك في فمي … وحبك في قلبي فكيف (¬٥) تغيب (¬٦) وكان بعض المحبين لا يزال يقول: الله! الله! فوقع سهم شجَّ جبينه، فجرى الدمُ فكتب على الأرض: الله! الله! (¬٧).
قال المؤلف: رأيت رجلًا قد وَلِهَ (¬١) بحب الله تعالى، لا يزال يقول: لا إله إلا الله. ملء رأسه، ولا كان يسعه إلا رؤوس الجبال، فإذا أذن المؤذن العصر دخل الخليل (¬٢) وصلى مع المسلمين، وجلس ينتظر سماط الخليل (¬٣) ﵇، وما كان له شيء من الدنيا غير الرَّغيفين اللذين
ا رؤوس الجبال، فإذا أذن المؤذن العصر دخل الخليل (¬٢) وصلى مع المسلمين، وجلس ينتظر سماط الخليل (¬٣) ﵇، وما كان له شيء من الدنيا غير الرَّغيفين اللذين
يأخذهما من سماط الخليل، فشكاه الناسُ (¬١) لشيخ حَرَمِ الخليل ﵇ ويُعرف بالجَعْبَري (¬٢)، وقالوا: هذا الفقير يؤذينا من قوة ذكره. (قال الشيخ: لا تعطوه الخبز) (¬٣). فمرَّ به المفرِّقُ ولم (يدفع له خبزه، فقال الفقير) (¬٤): لم لا تعطوني العَلَفَ؟ قالوا: الشيخ أمرنا بذلك. قال: ولم أمركم بهذا؟ قالوا: لأنك (تذكر الله وتصرخ) (¬٥). قال: أعطوني خبزي وأنا من اليوم أذكر الله تعالى ولا أصرخ! ثم قال: والله أنا كنت أذكر الله تعالى في القدس أقوى من هذا الذِّكر ولم ينهوني عن ذلك. ثم جاء ثاني ليلة فمسك نفسه فلم يقدر وقال: لا إله إلا الله. رافعًا صوته، ثم أيس من الرغيفين، وقال لهم: أنتم في حِلٍّ من الرغيفين! فمن الناس من بكى لكلامه، ومنهم من ضحك. فمن عمل ذلك عامدًا يكون خارجًا عن السنة مبتدعًا، ومن غلب عليه الحال يعذَرُ، (لا يكون خارجًا عن السنة) (¬٦)، فصدِّق أحوالَ الرِّجال، ودع
منهم من ضحك. فمن عمل ذلك عامدًا يكون خارجًا عن السنة مبتدعًا، ومن غلب عليه الحال يعذَرُ، (لا يكون خارجًا عن السنة) (¬٦)، فصدِّق أحوالَ الرِّجال، ودع
عنك المراء والجدال (¬١). قال المؤلف: جاءني بعضُ الأصحاب وكان من المشايخ، ومعه إجازةٌ بالقراءات السَّبع، فقال لي: (سكنتُ مرةً بجانب الجامع الحاكمي بالقاهرة المعزِّية) (¬٢) وأنا صبيٌّ (دون البلوغ) (¬٣)، فانتبهت في الليل، فسمعت صوتًا يقول: الله! الله! ويمدُّ صوته، فقلت في نفسي: هذا صوت مريض أو محب. فلما جاء (¬٤) الصبح طرقتُ الباب الذي سمعت منه الصوت، فدخلت فإذا هو شيخ صالح فقلت له: يا سيدي لمَّا سمعتُك البارحة تقول: الله! الله! قلت في نفسي: هذا صوت مريض أو محب (¬٥). فصرخ الشيخ، وقال: يا بني، أنا مريض ومحب. فبينما الشيخ جالس، وإذا برسول القاضي وقد جاء وقال: يا شيخ قم كلِّم القاضي. فقد عقد لك مجلسًا؛ (لأنه بلغه أنك قلت: أنك ترى الله. فخرج) (¬٦) فسمع قائلًا يقول: يا شيخُ! إذا قيل لك: هل رأيت الله؟ فقل لهم: الأعمى هو الذي لا يرى الظاهر. فإن قالوا: فكيف رأيته؟ فقل لهم: الأحمق هو الذي يكيف. فلما دخل (¬٧) الشيخ أجلسه القاضي إلى جانبه وقال له: يا شيخ، أنت رأيت الله؟ قال الشيخ: الأعمى
هو الذي لا يرى الظاهر. فسكت القاضي، فقال رجل من الفقهاء: كيف رأيته؟ قال الشيخ: الأحمق هو الذي يكيِّفُ. فقام القاضي وقبَّل يدَ الشَّيخ وشيَّعه (¬١). وقد جاء في الحديث الصحيح: «الإحسانُ أن تعبد الله كأنَّك تراه، فإنْ لم تكن تراه فإنه يراك» (¬٢).
وقال شيخُنا ﵀ مرةً شيئًا غريبًا حتى أطرَب السامعين، وأخرق عقولَهم، ولقد رأيتُ في مجلسه من حُمِلَ (في كساءٍ) (¬١) إلى بيته، فلمَّا تكلم وفرغ، قال بعض الفقراء: يا سيدي! هذا الكلام الذي قلتَه لم أسمعه منك، بل من الله تعالى! فقال الشيخ عن نفسه: اذهب بهذه القفَّة (¬٢) العظام من الوسط، فالمتكلم هو الله تعالى جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤه! وكان ﵁ يقول: لقد ظهرتَ فلا تخفى على أحدٍ … إلا على أكمهٍ لا يعرف القمرا ثم استترتَ عن الأبصار يا صمدُ … فكيف يعرف من بالعزَّة استترا (¬٣)
وقال بعض العارفين: لو كُلِّفت أن أرى غير الله تعالى لما استطعت (¬١). وقال ﵁: من ذاق شيئًا من خالص حب الله تعالى؛ ألهاه ذلك عن ما سواه (¬٢). قال رسول الله ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ رسولًا» (¬٣). قال المؤلف: من رضي بالله ربًّا؛ وحَّده في الأفعال والأقوال، قال المولى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]، ثم يتوكل في جميع أموره عليه ولا ينظر إلا إليه. سُئل أبو يزيد ﵁ عن رفع اليدين في الصلاة، فقال: هي سنة من سنن رسول الله ﷺ؛ ولكن اجتهد أن ترفع قلبك إلى الله تعالى فهو أولى (¬٤). فسبحان من رفع قلوب أوليائه إليه، ورزقهم حسن الأدب بين يديه، فهم له طالبون، وفي جناته (¬٥) راغبون، وعن ما سواه راحلون، وعلى باب
تعالى فهو أولى (¬٤). فسبحان من رفع قلوب أوليائه إليه، ورزقهم حسن الأدب بين يديه، فهم له طالبون، وفي جناته (¬٥) راغبون، وعن ما سواه راحلون، وعلى باب
خدمته واقفون، فهم في الشدة صابرون، وفي النعمة شاكرون، وفي الصلاة خاشعون، وعن اللغو معرضون، ومن خشيته مشفقون، ومن هيبته مطرقون، ولعظيم كبريائه متواضعون إلى الله سبحانه افتقارهم، وبه افتخارهم، وعليه اعتمادهم، فلما أعرضوا عن غيره؛ أقبل عليهم وجعلهم للعبودية أهلًا، فهو وليهم، وسيدهم، وناصرهم وعزهم، وذخرهم وفخرهم، ومعبودهم ومقصودهم، ومعلومهم ومدبرهم، وما خاب عبد كان الله له مدبرًا، ولا خذل قطُّ من كان له منتصرًا ما عرف الله سبحانه من لم يفوض أمره إليه، ولقد جهله من لم يتوكل (في جميع أموره) (¬١) عليه، لا تجتمع عبودية واختيار (¬٢)، ولا ظلم وأنوار، ولا توجه العبد لله وتوجهه للآثار، فإما الله لك، أو أنت لنفسك، فاختر على بيان، ولا تستبدل (¬٣) الهدى بالخسران. العجب كل العجب لمن يهرب مما لا انفكاك له عنه، ويطلب ما لا بقاء معه؛ ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، ولا ترحل من كون إلى كون، فمن رحل والمُضِرُّ معه ما رحل، فتكون كحمار الرحى يسير؛ والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل عنه، ولكن ارحل من الكون إلى المكون، وإلى ربك المنتهى، واسمع قوله ﷺ: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (¬٤)» افهم قوله ﷺ: «فهجرته إلى ما هاجر إليه». وتأمل هذا الأمر إن كنت من ذوي الأفهام، واعمل على الرجوع إلى الملك العلام، فإن فاتك مقام السابقين فعسى
(¬٤)» افهم قوله ﷺ: «فهجرته إلى ما هاجر إليه». وتأمل هذا الأمر إن كنت من ذوي الأفهام، واعمل على الرجوع إلى الملك العلام، فإن فاتك مقام السابقين فعسى
أن تكون من اللاحقين، وإلا فكن في آخر الركب، أو اتبع الأثر، ولا تكن من المنقطعين فتخالف الآية والخبر، فإن منَّ عليك بالوصلة كان، وإلا فمُتْ في الطلب فتحشر مع الطالبين، وفي زمرة المشتاقين، فتكون داخلًا في قول رب العالمين: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠]. فإن لم تصلح لشيء من ذلك فاقعد على الباب، فإن طردوك فاقعد قبالته. سمع ثلاثةٌ قائلًا يقول: يا زَعتَر، بَرِّي. فتواجدوا على ذلك، فأما أحدهم فكان من الواصلين، والآخر متوسط وقد طالت عليه الطريق، والآخر مبتدئ فأسمعَ الله تعالى كل واحد شيئًا ترويحًا لقلبه: فأما الواصل فسمع: ما أوسعَ بِرِّي. وسمع المتوسط: السَّعَةَ ترَى بِرِّي. وسمع المبتدئ: اسْعَ ترَى بِرِّي. فكان ذلك ترويحًا لقلوبهم، وسمعوا على قدر مشروبهم (¬١). كان بعض الصالحين يقول: والله ما جئتكم زائرًا إلا … وجدت الأرض تطوى لي ولا انثنى عزمي عن بابكم … إلا تعثرت بأذيالي
وبهم، وسمعوا على قدر مشروبهم (¬١). كان بعض الصالحين يقول: والله ما جئتكم زائرًا إلا … وجدت الأرض تطوى لي ولا انثنى عزمي عن بابكم … إلا تعثرت بأذيالي
من لقيته عواصف الشوق أسرعت به إلى منازل الحبيب، ومن عرف الحق سبحانه شاهده في كل شيء، ومن فنى به غاب عن كل شيء، ومن أحبه لم يؤثر عليه شيئًا، إنما حجب الحق سبحانه عنك شدة قربه منك، فاحتجب لشدة ظهوره، واحتجب عن الأبصار لعظيم نوره. كان بعض الصالحين ينشد: ليلي بوجهك مشرق … وظلامه في الكون سار فالناس في سدف الظلام … ونحن في ضوء النهار فإذا أردت أيها المؤمن! أن تعرف قدرك عند الله سبحانه، فانظر (ماذا يقيمك فيه) (¬١)، فإن رزقك الطاعة والغنى به عنها؛ فقد أسبغ نعمه عليكَ، وليس العارفُ من إذا أشار وجد الحقَّ أقرب من إشارته؛ بل العارف من لا إشارة له؛ لفنائه في وجوده، وانطوائه في شهوده (¬٢). والحزن على فقدان الطاعة مع عدم النهوض إليها من علامة الاغترار، والرجاء ما قاربه عمل، وإلا فهو أمنية، ويخاف على من يقول: إني لأرجو الله سبحانه وأخافه، وأظن به خيرًا. وهو لا يجتهد في الأعمال الصالحات (¬٣)، (ونفسه غادية في جهلها ورائحة) (¬٤)، فيقال له: كذبت، لو كنت صادقًا فيما ادعيت، لجرَّك ذلك إلى أعمال الصالحين: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [فصلت: ٢٣]. ومثل هذا كمثل من يدعي المحبة؛ وهو على الدوام يخالف ربه، وقد
استولى عليه الشح فلا تراه يسمح (¬١) بحبه، قال أبو الليث رحمة الله عليه (¬٢): تعصي الإله وأنت تظهر حبه … هذا محال في الفعال بديع لو كنت فيه صادقًا لأطعته … إن المحب لمن يحب مطيع فمن عمل بالكتاب والسنة، فهو محب صادق خائف، قد أحسن بالله ظنه، واستوجب محبة الله والجنة. ومن لم يعمل بالكتاب والسنة خُذِل، ونُكِب، وفاته ما تقدم ذكره من الخيرات والمنة؛ لأن الكتاب والسنة من مفاتيح الجنة، فمن عمل بهما وهو خائف حزين فالجنة مقامه، وهو عند الله من الآمنين، قال الصادق الأمين ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين: «إن الله يحبُّ كلَّ قلبٍ حزينٍ» (¬٣). فقد أخبر الله سبحانه عن أهل الجنة بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]. وقال الحي القيوم: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الطور: ٢٥ - ٢٧]. سمعتْ عائشة ﵂ قارئًا يقرأ هذه الآية فبكتْ، وقالتْ: ربِّ مُنَّ عليَّ وقني عذاب السَّموم (¬٤). ثم اعلم أنَّ الخالقَ سبحانه ما خوَّف عباده الصالحين إلا ليجمعهم عليه، وليؤمنهم يوم الوقوف بين يديه. كان مالك بن دينار إذا صلى ورده في الليل يقول: اللَّهم خلقت
َّ الخالقَ سبحانه ما خوَّف عباده الصالحين إلا ليجمعهم عليه، وليؤمنهم يوم الوقوف بين يديه. كان مالك بن دينار إذا صلى ورده في الليل يقول: اللَّهم خلقت
دارين، وخلقت لكل دارٍ أهلًا، ولا أدري من أي الدارين أنا، اللَّهم حرم شيبة مالك على النار (¬١). قال الفضيل: بكى ابني عليٌّ، فقلت: يا علي، ما يبكيك؟ قال: يا أبتي، أخاف أن لا تجمعنا القيامة (¬٢). وقال العلماء: لما اجتمع يعقوب بيوسف عليهما الصلاة والسلام، قال يوسف: يا أبت، بلغني أنك بكيت على فراقي حتى عميت، أما علمت أن الله تعالى يجمعنا يوم القيامة! قال يعقوب: يا بني خفت أن تموت على غير ملة آبائك فلا أجتمع بك في الدنيا ولا في الآخرة. فحينئذٍ قال يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١] (¬٣). ثم اعلم بأن الخوف على قدر إيمان العبد، ومعرفته بالله ﷿؛ ولذلك كان النبي ﷺ أعرف الناس بالله تعالى، وأكثرهم خوفًا منه، فقد روي أنه ما ضحك قهقهةً قط، بل كان ضحكه تبسمًا (¬٤)، وكان إذا بكى يبل الأرض من دموعه (¬٥).
قال عبد الله بن عمر: من بكى من خشية الله غفر الله له، ومن تباكى ولم يبك أعطاه الله أجر المصاب الحزين (¬١). وقال ﷺ: «يا أيها الناس ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا» (¬٢)، أمرهم بالتشبُّه؛ لأن من تشبَّه بقوم فهو منهم، وفي الحديث: «من تشبه بغيرنا فليس منَّا» (¬٣). ليس كل أحدٍ يقدر على البكاء؛ لقساوة قلبه، ولكن يقدر على التشبه، قال المولى: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]. وقال ﷺ: «كل عين باكية يوم القيامة إلا عين بكت من خشية الله، حرمت النار على عين سهرت في سبيل الله، حرمت النار على عين غضت عن محارم الله» (¬٤). ورُوي: بينما عبد الله بن عمرو بن العاص يصلِّي وهو يبكي، وقد شبَّ القمر، إذ مرَّ به العلاء بن طارق، فوقف يسمع، فقال: ما يوقفك يا ابن أخي؟ أتعجب منِّي أن أبكي؟ فو الله إن هذا القمر يبكي من خشية الله، أما والله لو تعلمون علم اليقين، لبكى أحدكم حتى ينقطع صوته، وسجد حتى ينقطع صلبه (¬٥). قال كعب: إن العبد لا يبكي حتى يبعث الله ملكًا فيمسح كبده، فإذا مسح كبده بكى (¬٦).
ون علم اليقين، لبكى أحدكم حتى ينقطع صوته، وسجد حتى ينقطع صلبه (¬٥). قال كعب: إن العبد لا يبكي حتى يبعث الله ملكًا فيمسح كبده، فإذا مسح كبده بكى (¬٦). وقال الفضيل بن عياض: والله ما فاضت عينا عبد قط حتى يضع الله
يده على قلبه، وما بكت عيناه إلا من فضل رحمة الله (¬١). قال جارٌ لمسعر بن كدام (¬٢): بكى مسعر فبكت أمُّه، فقال: ما يبكيك يا أماه؟ قالت: يا بني، رأيتك تبكي فبكيت. قال: يا أماه، لمثل ما نهجم عليه غدًا فليَطُل البكاء. قالت: وما ذاك؟ فانتحب وقال: القيامة وما فيها. ثم غلب عليه البكاء فبكى، فكان إذا دخل بكى، وإذا خرج بكى، وإن صلى بكى (¬٣). قال مصعب بن المقداد: رأيت النبي ﷺ في المنام، وسفيان الثوري آخذٌ بيده، وهما يطوفان، فقال الثوري: يا رسول الله، مات مسعر بن كدام؟ قال: نعم، واستبشرت به أهل السماء (¬٤). ولما احتضر سفيان الثوري صار يجود بنفسه ويبكي فقيل له: ما يبكيك؟ عليك بالرجاء. قال له: كأني أبكي على الذنوب، والله لو علمت أني أموت على الإسلام ما باليت ما ألقاه من الذنوب (¬٥). قال عبد الرحمن بن مهدي: توضأ سفيان ليلة موته ستين مرة، فلما كان وجه السحر قال لي: يا ابن مهدي، ضع خدي على الأرض؛ فإني ميت يا ابن مهدي، ما أشدُّ كُرَب الموت. قال: خرجت لأُعْلِمَ حماد بن زيد وأصحابه، وإذا هم قد استقبلوني وقالوا: آجرك الله. فقلت: ومن
أعلمكم؟ فقالوا: ما منا من أحدٍ إلا أُتي البارحة في منامه وقيل له: ألا إن سفيان الثوري قد مات (¬١). عن محمد بن يوسف قال: تأملت سفيان ليلة بكى حتى أصبح، فقلت له: أبكاؤك على الذنوب؟ قال: لا، بل خوفًا أن أسلب الإيمان (¬٢). قال كعب الأحبار: من بكى خوفًا من الله من ذنب غفر الله له ذلك الذنب، ومن بكى اشتياقًا إلى الله تعالى أباحه النظر إليه متى شاء (¬٣). قال بعض المحبين: سهر العيون لغير وجهك باطل … وبكاؤهن لغير هجرك ضائع وقال قائلهم: إذا غاب عن عيني يومًا حبيبها … جعلت البكاء يا قوم مني (¬٤) نصيبها وأحرمتها طيب المنام وهكذا … جزاء كل عين غاب عنها حبيبها يا من يريد الوصول إلينا، أين بكاؤك علينا، أتريد أن تقبل بقلبك علينا، وما هو (¬٥) مشتاق إلينا، أتريد نزول الأنوار بغير أذكار، هل رأيت مطرًا بغير سحاب، ولو شاء لفعل ذلك رب الأرباب، لكن هكذا اقتضت حكمته، أن جعل لكل شيء سببًا، قال بعضهم: تقول رجال الحي تطمع أن ترى … محاسن ليلى مت بداء المطامع
وكيف ترى ليلى بعين ترى بها … سواها وما طهرتها بالمدامع (وتطمع منها بالحديث وقد جرى حديث سواها في خروق المسامع) (¬١) ثم اعلم بأن عمَّال الله تعالى على قسمين: منهم من وصل، ومنهم من هو في الطريق؛ فالواصل يبكي (خوفًا أن يصدر منه شيء) (¬٢) يكون بسببه من المنقطعين، والمنقطع يبكي رجاء (¬٣) أن يكون من جملة الواصلين. وفي الجملة: إن البكاء من خشية الله هو من طرق الأنبياء، ومن صفات الأولياء، ومن تشبه بهم في الدنيا حشر معهم في الآخرة، والضحك مع التخليط هو طريق الأشقياء، قال بعضهم: ليس من لوح بالوصل له … كالذي سير به حتى وصل لا ولا الواصل عندي كالذي … قرع الباب وفي الدار حصل لا ولا الحاصل عندي كالذي … سارروه فهو للمسير (¬٤) محل لا ولا من سارروه كالذي … صار إياهم فدع عنك العلل أخذوه منه عنه فامتحى … واثبتوه فإذا هو لم يزل
لا ولا الحاصل عندي كالذي … سارروه فهو للمسير (¬٤) محل لا ولا من سارروه كالذي … صار إياهم فدع عنك العلل أخذوه منه عنه فامتحى … واثبتوه فإذا هو لم يزل عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ: «إن الله ﵎ قال: من آذى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى (أحبه، فإذا) (¬٥) أحببته كنت (¬٦) سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن (قبض نفس عبدي
المؤمن) (¬١)، يكره الموت وأنا أكره مساءته». رواه البخاري في صحيحه (¬٢). وفي «صحيح مسلم»: قال صلوات الله عليه وسلامه: «يقول الله ﷿: ما تقرب إليَّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، فبي يسمع وبي يبصر» (¬٣). وفي حديث آخر: «كنت له سمعًا وبصرًا ويدًا ومؤيدًا» (¬٤). (هذا أيضًا حديث نبوي صحيح) (¬٥). فانظر رحمك الله! ماذا قد منَّ الله به على عبده المؤمن المطيع حتى صار لهذه المرتبة أهلًا، ومما يدلك على عظيم قدر المؤمن قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقوله سبحانه فيما يحكيه عنه رسوله ﷺ: «لا تسعني أرضي ولا سمائي، ويسعني قلب عبدي المؤمن» (¬٦). وكان بعض الصالحين ينشد: إن بيتًا أنت ساكنه … غير محتاج إلى سُرُج (¬٧) ومريضًا أنت عائده … قد أتاه الله بالفرج وجهك المأمول حجتنا … يوم يأتي الناس (¬٨) بالحجج
قال بعض العارفين (¬٩): إن لله عبادًا كلما اشتدت ظلمة الوقت؛
ومريضًا أنت عائده … قد أتاه الله بالفرج وجهك المأمول حجتنا … يوم يأتي الناس (¬٨) بالحجج
قال بعض العارفين (¬٩): إن لله عبادًا كلما اشتدت ظلمة الوقت؛
كلما (¬١) قويت أنوار قلوبهم، فهم كمثل الكواكب كلما قوي ظلمة الليل قوي إشراقها، وأين أنوار الكواكب من أنوار قلوب أوليائه (¬٢)؟! أنوار الكواكب تتكدر، وأنوار قلوب الأولياء لا انكدار لها، وأنوار الكواكب تهدي في الدنيا، وأنوار قلوب الأولياء تهدي إلى الله تعالى (¬٣). قال رسول الله ﷺ: «يا عليُّ، لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك مما طلعت عليه الشمس». وفي حديث آخر: «خير لك من الدنيا وما فيها». وفي حديث آخر: «خير لك من حمر النعم» (¬٤). قال صوفي يومًا بحضرة فقيه: إن لله عبادًا هم في أوقات المحن، والمحن لا تضرهم. فقال ذلك الفقيه: هذا ما لا أفهمه. فقال الصوفي: أنا أريك مثال ذلك: الملائكة الموكلون بالنار (¬٥) هم في النار، والنار لا تضرهم قال تعالى: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]. فكأن من آمن بالله تعالى بصدْقٍ: جاء لعند إبراهيم (¬٦) ﷺ، ولم (¬٧) تضرَّه النار، ومن كان كاذبًا احترق (¬٨). ورُوي (¬٩) عن المسافرين أنهم رأوا طيرًا له ريش أبيض من الثلج، وأنعم من الحرير، وهو يبيض في النار، ويخرج الفرخ فيها، والنار تقد دائمًا في بعض الجزائر بقدرة الله تعالى (بغير شيء يهيجها) (¬١٠)، فهذه بهيمة حرسها الله تعالى من المحن وهي في المحن، (فالحق سبحانه حفظ بهيمة؛
أفما يحفظ وليه؟!) (¬١). وفي الحديث النبوي: «يا معاذ، احفظ الله يحفظك» (¬٢). والأولياء ﵈ حفظوا الله تعالى فيما استودعه إياهم وفرضه عليهم؛ فحفظهم، أي حفظ قلوبهم من البدع والأغيار، ومن الركون إلى هذه الدار، وفي الآخرة من عذاب النار، وأما البدن فقد يبتلى وقد لا يبتلى، وقد فوض القوم أمرهم إلى الله تعالى؛ إن أعطاهم شكروا، وإن ابتلاهم صبروا. قال رسول الله ﷺ: «من عُوفي فشَكَر، وابتلي فصبَرَ، فقد استكمل الإيمان» (¬٣). ولقد ابتليت هذه الطائفة بأذى الخلق لهم خصوصًا أهل العلم الظاهر، فقلَّ أن تجد منهم من شرح الله صدره بالتصديق لوليٍّ معيَّنٍ؛ بل يقولون: نَعَمْ الأولياءُ هم موجودون، ولكن أين هم؟ (¬٤).
ولقد قال لمؤلِّف هذا الكتاب رجلٌ معه طرفٌ من العلم: أخبار الصالحين كالجن؛ نسمع بهم ولا نراهم. قال له المؤلف: أنت يا أخي من الصالحين؟ قال: لا. قال (¬١) له: فأنت مشتاق إليهم؟ قال: لا. (قال فقلت) (¬٢) له: فأنت لا صالح ولا مشتاق، فكيف تراهم؟ ثم قلت له: قال شيخنا رحمة الله عليه: أولياء الله عرائس، ولا يرى العرائسَ المجرمون (¬٣). قال بعض العلماء: نخاف على من أنكر وجود الأولياء من سوء الخاتمة (¬٤).
قال مؤلف الكتاب: صليت الجمعة بجامع الأزهر بالقاهرة، فقال رجل لفقيه: إن رجلًا دخل على شيخه، انفتح له الحائط فدخل منه، وسلم على الشيخ، فلما خرج عاد الحائط إلى ما كان عليه. فقال الفقيه: آه، الله ينفعنا بالشيخ. فقلت له: كيف ينفعك الله به وأنت تهزأ به؟! أنا أقول لك مسألة في الفقه: ألست (¬١) تؤمن أن الله ﷾ يشق الحائط للشيطان، ويجري من ابن آدم مجرى الدم؟ قال: نعم. قلت: أفتؤمن بهذا (¬٢) في عدو من أعداء الله، وتستنكره (¬٣) في حبيبٍ من أحبابه، وتقول بكرامات الأولياء بلسانك، فإذا سمعتها أذنك أنكرها قلبك (¬٤). وسئل بعض العارفين عن أولياء العدد (¬٥) أينقصون في زمن؟ قال: لو
في حبيبٍ من أحبابه، وتقول بكرامات الأولياء بلسانك، فإذا سمعتها أذنك أنكرها قلبك (¬٤). وسئل بعض العارفين عن أولياء العدد (¬٥) أينقصون في زمن؟ قال: لو
نقص منهم واحد ما أرسلت السماء قطرها، ولا أبرزت الأرض نباتها (¬١). قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥٠]. فلولا الصالحون لهلك الطالحون، وفساد الوقت لا يكون بذهاب أعدادهم، ولا بنقص إمْدَادهم، ولكن إذا فسد الوقت كان مراد الله سبحانه وقوع اختفائهم مع وجود بقائهم، فإذا كان أهل الزمن معرضين عن الله تعالى، لا تنفعهم الموعظة، ولا توقظهم (¬٢) التذكرة، ولم يكونوا أهلًا لظهور أولياء الله فيهم. وكذلك قالوا: أولياء الله عرائس، ولا يرى العرائس المجرمون. وقد قال ﷺ: «لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم» (¬٣)، فإذا كان الحق سبحانه وصّانا على لسان رسوله ﷺ أن لا نؤتي الحكمة غير أهلها، فهو أولى بهذا الخلق الجميل منا. قال صلوات الله عليه وسلامه: «إذا رأيت هوىً مطاعًا، وشحًّا متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك» (¬٤).
فسمعوا وصية رسول الله ﷺ فآثروا الخفاء، بل آثر الله لهم ذلك؛ مع أنه لا بد أن يكون منهم في الوقت أئمة ظاهرون (قائمون بالحجة) (¬١)؛ لقوله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من ناوأهم إلى قيام الساعة» (¬٢). وروى سهل بن سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في أصلاب أصلاب رجال من أصحابي رجالًا ونساءً يدخلون الجنة بغير حساب، ثم تلا: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٣ - ٤]» (¬٣). وفي حديث آخر: «في كل قرنٍ طائفة من أمتي سابقون» (¬٤). نرجع إلى ما كنا عليه من عظيم قدر المؤمن عند الله سبحانه: قال بعض العلماء: لو كشف لك عن نور المؤمن العاصي لطبق ما بين السماء والأرض، فما بالك بنور المؤمن الطائع (¬٥).
ليه من عظيم قدر المؤمن عند الله سبحانه: قال بعض العلماء: لو كشف لك عن نور المؤمن العاصي لطبق ما بين السماء والأرض، فما بالك بنور المؤمن الطائع (¬٥).
وإشارة الشيخ بنور العاصي والله أعلم هو نور لا إله إلا الله. (عن محمد بن علي الترمذي (¬١) قال: يأتي العبد يوم القيامة فلا يجد لا إله إلا الله) (¬٢) في ميزانه فيقول: لِمَ لا أجدها في ميزاني؟ فيقال له: إن الميزان لا يسعُها، ولا تسعها السماواتُ ولا الأرض (¬٣). بدليل قوله ﷺ: «وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض». لأنه قال: «والحمد لله تملأ الميزان» (¬٤). فإذا امتلأ بالحمد لله لم يسع ما بعدها. وهي المخمِّدة لنار جهنم؛ لقوله ﷺ: «أخرجوا من النار من قال: لا إله إلا الله» (¬٥). وهي
أيضًا توجب لقائلها الجنة، قال ﷺ: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (¬١). يا من يدَّخر الفصوصَ، ومعه الكنز الأعظمُ، ولم يعرف قدْرَه، وهي: «لا إله إلا الله» التي تجدها أمامك في الشدائد عند سؤال منكرٍ ونكيرٍ، وعند اللقاء، وعند الميزان، وعند تطاير الصحف، وعند الصراط. فإذا طالبتك نفسك بما يبعدك من الله سبحانه فأكثر من قول: «لا إله إلا الله»، فمن قالها في موطنها ألبسه الله تعالى لباسًا يقيه من معصيته؛ لأنك قد استجرت بالله، ومن استجار بالله أجاره الله، وهو الذي يجير ولا يجار عليه. وقد جاء في الخبر: أن المهدي يأتي إلى القسطنطينية العظمى ولا شك فيه فيقول: لا إله إلا الله. فينشقُّ سورها، فيدخلها ويأخذها (¬٢). فلا كانت الذنوب ولا ساعاتها، فماذا فيك أيها المؤمن! من الأسرار والودائع وأنت غافل؟ فلو أراد الحق ﷾ استخراج ما فيك من الأنوار والأسرار لانكسف لها نور الشمس والقمر. قال الله تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١]. ولو استخرج ما فيك من
الكمائن (¬١) لاندرج في ذلك ظلمة الليل، فجعلك صندوقًا لا يعرف ما فيك، ولا فائدة في ملء الصندوق وهو مغلوق. قال بعض المريدين لشيخه: أجد بابًا يفتح في قلبي أسمع حسه، كما يسمع (باب قلعة عظيم) (¬٢) إذا فتح، ويدخل عليَّ منه ملَكٌ ويقول لي كذا وكذا (¬٣). وتصديق ذلك قوله ﷺ: «إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا جعل له واعظًا من قلبه» (¬٤). فلو فتح باب قلبك لرأيت العجائب والمدائن والحصون، قال الله ﷿: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. وكُشف لبعض الأولياء فرأى شيطانًا دخل على الفقراء فخرج من صدر فقيرٍ منهم سهم من نور فأحرق الشيطان، وقد قال ﷺ: «ما سلك عمر فجًّا إلا أخذ الشيطان فجًّا آخر» (¬٥). وللسُّهْرَوَرْدِيِّ ﵀ (¬٦):
دواؤك فيك وما (¬١) تشعر … وداؤك منك وتستكثر وتزعم أنك جزء لطيف … وفيك انطوى العالم الأكبر ولا (¬٢) حاجة لك في خارج … وفهمك منك هو المظهر وأنت الكتاب المبين الذي … بآياته ينطق المضمر (¬٣)
ستكثر وتزعم أنك جزء لطيف … وفيك انطوى العالم الأكبر ولا (¬٢) حاجة لك في خارج … وفهمك منك هو المظهر وأنت الكتاب المبين الذي … بآياته ينطق المضمر (¬٣)
ولعبد القادر الكيلاني رحمة الله عليه (¬٤): انظر إلى سر أسراري تجدني فيك … واستغن عن كل شيء إنني أكفيك ترى عجائب جميع الكون أجمع فيك … أنت الحجاب فلولا أنت لم يخفيك قال المؤلف: مراد الشيخ والله أعلم في قوله: «أنت الحجاب» أي:
لو أخلصت عملك ومحوت نفسك لأثبتك رب الأرباب، ولأذهب عنك هذا الحجاب. وقد جاء في الحديث: «من أخلَصَ لله أربعين صباحًا تفجَّرت ينابيعُ الحكمة من قلبه فأجراها الله على لسانه» (¬١)، فسمع هذا الحديث بعض الناس فقال في نفسه: أنا أعبدُ الله أربعين صباحًا وأخلص في عبادتي لكي أصير حكيمًا. فأخلص في العبادة ولم يعط هذه السعادة، فقال في نفسه: يكون هذا الحديث غير صحيح. فرأى النبي ﷺ في منامه وقال له: الحديث صحيح وأنا قلته. انظر إلى لفظ الحديث: من أخلص لله، وأنت ما أخلصت لله، بل أخلصت لتكون (¬٢) حكيمًا (¬٣). قال المؤلف: لو جعل التقصير من نفسه بأنها هي الكاذبة فلو صلحت لذلك لفتح عليها وصار حكيمًا، فإن الله ﷾ لا يحب أحدًا يثبت لنفسه علمًا ولا عملًا، فخير الناس من جاء إلى الله سبحانه بالذل
ه بأنها هي الكاذبة فلو صلحت لذلك لفتح عليها وصار حكيمًا، فإن الله ﷾ لا يحب أحدًا يثبت لنفسه علمًا ولا عملًا، فخير الناس من جاء إلى الله سبحانه بالذل
والإفلاس. وفي الخبر أنه كان في زمن بني إسرائيل من عبد الله تعالى وأخلص في عبادته أربعين سنة ظللته الغمامة (¬١)، فعبد رجل منهم أربعين سنة فلم (تظلله الغمامة) (¬٢)، فرجع يلوم نفسه بقوله: لو علم الله فيك خيرًا لظللتك الغمامة. فخرج في حاجته فظللته الغمامة، وأوحى الله تعالى إلى نبي ذلك الزمان أن قل لهذا العابد: توبيخه لنفسه هذه الساعة خير من عبادة أربعين سنة (¬٣). قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي ﵀: كنت أنا وصاحب لي آوينا إلى مغارةٍ نطلب الوصول إلى الله تعالى، فكنا نقول: غدًا يفتح لنا، بعد غدٍ يفتح لنا، فدخل علينا رجلٌ له هيبة فقلنا له: من أنت؟ قال: فقال: عبد الملك. فعلمنا أنه من أولياء الله تعالى، فقلنا له: كيف حالك؟ فقال: (كيف حالك؟ كيف حالك؟) (¬٤)، كيف حال من يقول: غدًا يفتح لي؟ بعد غدٍ يفتح لي؟ فلا وَلاية ولا فلاح يا نفس، لِمَ لا تعبدين الله لله؟ قال: فتفطَّنا من أين دخل علينا، فتبنا واستغفرنا الله تعالى ففتح لنا. وقال أيضًا: سمعت الحديث المروي عن رسول الله ﷺ: «من سكن خوفُ الفقر قلبَه قلَّ ما يُرفع له عمل» (¬٥)، فمكثت سنةً أظن أنه لا يرفع عملي أقول: ومَن يسلم من هذا؟ فرأيت الرسول ﷺ في المنام وهو يقول: يا مبارك، أهلكت نفسك، فرقٌ بين سكن وخطر. نرجع إلى ما كنا عليه من أحوال الصالحين، وما أعد الله سبحانه في الآخرة للبكائين: قال صلوات الله عليه وسلامه: «سبعةٌ يظلهم الله في ظله … » وذكر من جملتهم: «ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» (¬٦). وعن عقبة بن عامر الجهني قال: فيم النجاة يا رسول الله؟ قال:
«أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيتك» (¬١). وعن عبد ربه القيسي وكان قرابةً لرياحٍ القيسيِّ، قال: كنت أدخل عليه المسجد وهو يبكي، وأدخل عليه بيته وهو يبكي، ورأيته في الجنازة وهو يبكي، فقلت له يومًا: أنت دهرك في مأتم؟ قال: فبكى ثم قال: يحق لأهل المصائب والذنوب أن يكونوا هكذا (¬٢). قال حمزة الأعمى: ذهبت بي أمي إلى الحسن فقالت: يا أبا سعيد، ابني هذا أحببت أن يلزمك لعل الله أن ينفعه بك. قال: فكنت أختلف إليه فقال لي يومًا: يا بُني، أَدِمِ الحُزْنَ على خير الآخرة لعله أن يوصلك إليه، وابك في ساعات (¬٣) الخلوةَ لعل مولاك يطلع عليك؛ فيرحم عبرتك فتكون من الفائزين. قال: فكنت أدخل عليه منزله وهو يبكي، وآتيه مع الناس وهو يبكي، وربما جئت وهو يصلي فأسمع بكاءه ونحيبه. قال: فقلت له يومًا: يا أبا سعيد، إنك لتكثر من البكاء. قال: فبكى ثم قال: يا بني، ما يصنع المؤمن إذا لم يبك؟ يا بني، إن البكاء داعٍ إلى الرحمة، فإن استطعت أن لا
تكون عمرك إلا باكيًا فافعل؛ لعله يراك على حالتك فيرحمك بها فإذا أنت قد نجوتَ من النار (¬١). وعن الربيع بن صبيح قال: ما دخلت على الحسن إلا وجدته مستلقيًا يبكي (¬٢). وعن عبد الواحد بن زيد: لو رأيت الحسن إذا أقبل لبكيت لرؤيته من قبل أن يتكلم، ومن ذا الذي كان يقدر يملك نفسه عن البكاء عند رؤيته؟ ثم بكى عبد الواحد بكاءً شديدًا (¬٣). وعن أبي مودود قال: بلغنا أن عمر بن عبد العزيز قرأ ذات يوم: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ [يونس: ٦١]. فبكى بكاءً شديدًا حتى سمعه أهل الدار، فجاءت فاطمة فجلست تبكي لبكائه، وبكى أهل الدار لبكائهما، فجاء عبد الملك ودخل عليهم وهم على تلك الحالة يبكون، فقال: يا أبت ما يبكيك؟ قال: خيرًا يا بني، ودَّ أبوك أنه لم يعرف الدنيا ولم تعرفه، والله يا بني لقد خشيت أن أكون من أهل النار (¬٤).
تلك الحالة يبكون، فقال: يا أبت ما يبكيك؟ قال: خيرًا يا بني، ودَّ أبوك أنه لم يعرف الدنيا ولم تعرفه، والله يا بني لقد خشيت أن أكون من أهل النار (¬٤). وعن فضيل بن عبد الوهاب قال: حدثتني أختي وكانت أكبر من محمد قالت: كان لمحمد بن عبد الوهاب صديق من بني تميم، فربما زاره بكرة فيأخذان في البكاء حتى ينادى لصلاة الظهر. قالت: ربما قلت لمحمد: يزورك أخوك فتبكيان (فلا يسمع أحد منكما حديث الآخر) (¬٥). فيقول: ويحك اسكتي، ليست الدنيا دار سرور ولا متعة تدوم، إنما خيرها لمن اتخذها بلغةً إلى الآخرة، والله لولا البكاء فإنه راحة للقلوب لظننت أن
قلبي سينشق في دار الدنيا من طول غمي من كثرة التفريط. قالت: فأبكاني والله (¬١). وعن أبي زياد قال: اعتمَّ يحيى بن أبي مسلم البَكَّاء بعمامة وأدارها على حلقه وجعل لها طرفين، فكان يبكي وينتحب حتى يبل هذا الطرف، ثم يبكي وينتحب حتى يبل الطرف الآخر، ثم يحلها من رأسه ويبكي حتى يبل العمامة بأسرها، ثم يبكي وينتحب حتى يبل أردانه (¬٢). وعن سفيان قال: كان سعيد بن السائب الطائفي لا تكاد تجف له دمعة طول دهره، فعاتبه رجل على ذلك، فبكى ثم قال: إنما ينبغي أن تعذلني وتعاتبني على التقصير والتفريط؛ فإنهما قد استوليا عليَّ. فانصرف الرجل وتركه (¬٣). وعن ابن ذكوان قال: كان يزيد الرقاشي إن دخل بيته بكى، وإن شهد جنازةً بكى، وإن جلس إليه (¬٤) إخوانه بكى وأبكاهم. فقال ابنه يومًا: يا أبت، إلى كم تبكي؟ والله لو كانت النار خلقت لك وحدك ما زدت على هذا البكاء. فقال: ثكلتك أمك يا بني، وهل خلقت النار إلا لي ولأصحابي ولإخواننا من الجن؟ أما تقرأ ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١)﴾ [الرحمن: ٣١]، أما تقرأ يا بني: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥)﴾ [الرحمن: ٣٥]. قال: فجعل يبكي ويقرأ حتى انتهى إلى قوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ [الرحمن: ٤٤]. قال: فجعل يجول في الدار ويصرخ ويبكي حتى غشي عليه. فقالت أم الفتى: يا بني، ما أردت بهذا من أبيك؟ قال:
ْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ [الرحمن: ٤٤]. قال: فجعل يجول في الدار ويصرخ ويبكي حتى غشي عليه. فقالت أم الفتى: يا بني، ما أردت بهذا من أبيك؟ قال:
إني والله إنما أردت أن أهوِّن عليه، لم أرد أن يقتل نفسه (¬١). فانظر رحمك الله تعالى! ماذا أسكن الله تعالى في قلوب هؤلاء القوم (¬٢) من عظمته ومخافته، ونحن نرجو أن نكون معهم في الجنة مع معصية الله تعالى ومخالفته، ومع محبة هذا القلب للدنيا وقساوته. يقال إن إبراهيم بن الحارث ما رآه أحدٌ قط رافعًا بصره إلى السماء، ولا رآه أحدٌ يخوض في أمور الدنيا (¬٣). هؤلاء القوم صاروا من أبناء الآخرة، ما بقي لهم غرضٌ في الدنيا. أما سمعت أن أبا حنيفة ﵀ كيف ضُرب وحُبس وأهين؟ (¬٤) فجاءت أمه إليه وهو في الحبس والترسيم (¬٥) فقالت: يا بني، ما كنا نريد هذا العلم. قال: يا أماه، عرضوا عليَّ الدنيا فأبيت. فلما (كسر كلام الخليفة في قوله للإمام: خذ القضاء. فأبى؛ فعزت نفسه وغضب، وسقاه سمًّا؛ فمات منه) (¬٦)، ومن عادة الملوك إن أحبوك استخدموك، وإن كرهوك قتلوك، (وجعل الخليفة قبل موته في حلٍّ، وذهب إلى الله سبحانه وهو طاهر من تخاليط الدنيا) (¬٧)، ومذهبه ﵁: من لا يأخذ ولا
يعطي خيرٌ ممن أخذ وأعطى. وسئل بعض العلماء في رجل يجتهد في جمع المال لأفعال البر، قال: تركه أبرُّ (¬١). قال ﷺ: «اللَّهم من أحبَّني فارزقه العفاف والكفاف» (¬٢). وقال: «اللهم اجعل رزق آل محمدٍ كفافًا» (¬٣). (قال المؤلف: فترى) (¬٤) أكثر المحبين فقراء، قد استجيبت فيهم دعوة (النبي ﷺ (¬٥). ولقد رأيت بعض المحبين سافر بتجارة إلى بلاد التتار، فسلَّط الله عليه بعض أمرائهم، فأخذ جميع ما معه وجعله أسيرًا، ثم خلَّصه الله تعالى منه، ودخل بيت المقدس (¬٦)، وعبَد الله تعالى حتى مات بها. وكان إذا فضل من إقامة صورته شيئًا آثَرَ (¬٧) به (خوفًا من فتنة المال، ومن تغير الحال) (¬٨). وكان للمؤلف أخٌ صادق في حب الله ورسوله، أخذ بعض التتار ماله، (وذلك كله في دولة الملك الظاهر ملك مصر والشام، فلما أخذ ماله) (¬٩)
وجعله راعيًا لخيله قال: فطلبت الهروب. قال: فخفت، فصرت أقول (في نفسي) (¬١): غدًا أهرب، أو بعد غدٍ أهربُ. وإذا برجلٍ دخل عليَّ وسلم وجلس، وقال لي: إن أباك كان يحسن إليَّ، وأنا أريد أعمل معك خيرًا، لا تقل: غدًا أهرب ولا بعد غد. أي وقت هربت أخذوك، فاصبر إلى حيث آتيك. وذهب، ثم جاء بعد أيام وقال لي: إن هربت الساعة نجوت، فتح الله بالطريق. قال: فتركت الخيل في الدشار (¬٢) وهربت. فكنت أسير في الليل، وأختبئ (¬٣) بالنهار في المغاير وبين الشجر، (وهذه سنة الهارب عندهم. قال) (¬٤): وابتليت بالجوع؛ فذهب بصري، وقلَّ سمعي، وارتخت مفاصلي وركبي. قال: فتوجهت نحو القبلة، وتشاهدت (¬٥) وقلت (في نفسي) (¬٦): ما بقي بعد هذا إلا الموت. فنمت ورأيت في منامي كأن باب السماء قد فتح،
وارتخت مفاصلي وركبي. قال: فتوجهت نحو القبلة، وتشاهدت (¬٥) وقلت (في نفسي) (¬٦): ما بقي بعد هذا إلا الموت. فنمت ورأيت في منامي كأن باب السماء قد فتح،
ونزل منه قصعة تطماج (¬١)، وهي تدور في الهواء وهي نازلة، وحطَّت بين يدي. قال: فجلست وأكلت حتى شبعت، ولم أر أطيب من ذلك الطعام، فانتبهت (ورأيت بطني ملآن من ذلك الطعام، وقويت ركبي، وانفتح عيني وسمعي) (¬٢)، فشكرت الله تعالى (الذي جعل المنام يقظةً) (¬٣)، ومشيت بقوة (¬٤) ذلك الطعام سبعة أيام إلى أن دخلت حلب، (وأنا كل يوم أتجشأ من قوة الشبع) (¬٥)، فدخلت مدرسة وفي المدرسة رجلٌ صالح وهو مدرسها، فاشتغلت عليه، فجاء الجابي له بمائتي درهم، فقال المدرس وكان غريبًا، قال: ما هذه الدراهم؟ قال (الصيرفي: هذه) (¬٦) جامكية المدرس. فقال المدرس: هذه البلاد رخية، وأنا ما لي غير زوجة، اعزل لنا عشرة دراهم ورد الباقي إلى الناظر يصرفه في مصالح المدرسة. فعادى الشيخ بعض الناس، وأعطي لبعض الإسماعيلية دراهم لكي يقتل الشيخ، فجاء بعض المحبين وقال للشيخ: إن بعض الناس يريد قتلك. فقال: يا بني، أنا ما أخاف من القتل، (وإنما أخاف) (¬٧) أن يقتلوا قاتلي، فيصير أولاده يتامى، أبصر لي بهيمة تحملني (¬٨) إلى دمشق. وكان للإسماعيلي بهيمةً فجاء بها إلى الشيخ، (وأعطاه الشيخ) (¬٩) أجرته (¬١٠) وقال له: لا تصحب (¬١١) معك شيئًا من الزاد، فإن معي كفايتك (¬١٢).
لى دمشق. وكان للإسماعيلي بهيمةً فجاء بها إلى الشيخ، (وأعطاه الشيخ) (¬٩) أجرته (¬١٠) وقال له: لا تصحب (¬١١) معك شيئًا من الزاد، فإن معي كفايتك (¬١٢).
فجاءه بحمار، وحمل عليه خُرجه وحوائجه، وركَّب زوجته، ومشى هو والإسماعيلي، فجاؤوا لمكان خالٍ من الناس وبعيد من البلدان، فنوى الإسماعيلي قتل الشيخ، فقال: يا سيدي، ما ننزل هاهنا نأكل شيئًا وتشرب الدابة من هذا الماء؟ فطلبه الشيخ وقال: يا بني، ما هذا موضع القتل، هذا قفل كبير جَيْ (¬١)، ومع التاجر مماليك بقسي ونشاب يروا قتيلًا فيقتلوك. فبهت الإسماعيلي، فبعد ساعة (أقبل القفل) (¬٢) كما أخبر الشيخ، فبكى الإسماعيلي (وقال للشيخ: اعرض عليَّ الإسلام) (¬٣). فجدد إسلامه (وأتى بالشهادتين، وعلمه الشيخ) (¬٤) الوضوء والصلاة، وغيَّر الله ذلك الحال ببركات الرجال، فلما دخلوا دمشق قال له الشيخ: (امض إلى) (¬٥) أهلك. فقال: يا سيدي أكفرٌ بعد إيمان؟! (إذا رحت لهناك أفعل ما يفعلون، وقد عاهدت الله تعالى وقت أسلمت لا أفارقك إلى الموت) (¬٦)، وصار خادمًا للشيخ (إلى أن مات رحمه الله تعالى) (¬٧) (¬٨)، (فلما مات الشيخ خدم قبره حتى مات، فدفن الإسماعيلي بجانب الشيخ رحمة الله عليهما. وكان صاحب المؤلف يقرأ على هذا الشيخ، وانتفع عليه، وكان يقول خلاف الأربع أئمة، وحساب الفرائض على طرف لسانه، وإذا اشترى حوائج من السوق تعجم عليه حسابهم، وكان إذا تكلم بكلامٍ من كلام الدنيا لا يفهم الكثير من كلامه، وإذا تكلم في العلم يفهم كلامه كله، وابتلي في آخر عمره بالفقر وبالأمراض، حتى يبست أصابع يديه ورجليه، وكان مع
من كلام الدنيا لا يفهم الكثير من كلامه، وإذا تكلم في العلم يفهم كلامه كله، وابتلي في آخر عمره بالفقر وبالأمراض، حتى يبست أصابع يديه ورجليه، وكان مع
ذلك كله صابرًا شاكرًا ذاكرًا، وهذه علامة المحبين: صبروا على ما قضى عليهم المحبوب، فأثبتهم في مقام المحبة، وبلغهم المطلوب) (¬١). وقد جاء في الحديث: أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني أحبك. (قال للرجل) (¬٢): «فاعتدَّ للفقر» (¬٣). وقال آخر: يا رسول الله، إنِّي أحبُّ الله. فقال له: «اعتدَّ للبلاء» (¬٤). (¬٥) (وكان قد ابتلى الله تعالى هذا الشيخ العالم ببلاءٍ آخر، وهو شيطانٌ من الجن رد على الشيخ في قراءته، فلعنه الشيخ وكذَّبه، فأخذ الشيخ في عين المعاداة، فكان الشيطان لعنه الله إذا دخل الليل يرجف قلوبهم ويرمي عليهم الأحجار، فشكا ذلك للمؤلف، فإنه كان من جنسه ومن طلبته، قال: يا بني، يرمي علينا كل يوم قفتين. قال له: فكان يكسر شيئًا من الأواني أو يصيبكم أنتم؟ قال: لا، ولكن مراده أن يرجفنا. ويرميهم بالأحجار في وسط الدار، وكان للشيخ سلم، وفيه مسمار كبير، فقومه (¬٦) وأخرجه ورما به في وجوههم، قال الشيخ: وكان عندي صندوق مقفول وفيه كتب، ففتح الصندوق ورمى كل ما فيه في وجوهنا، وكان يأخذ الغزل من بين يدي الزوجة ويغيب، ثم يرمي به على وجوهنا. قال المؤلف: فقلت له: أنا وفلان نجيء إلى بيت سيدي ونقرأ شيئًا
من كتاب الله تعالى. فجئنا وقرأنا البقرة بكمالها، ثم دعونا الله سبحانه؛ فصدَّ الحقُّ الشيطانَ ببركة القرآن، وبعد ذلك ما قرب الدار) (¬١). وجاء في الحديث: «لو كان المؤمن بذروة جبل لقيَّض الله له شيطانًا يؤذيه» (¬٢). فكيف من يكون بينهم؟! ثم اعلم بأن تسلط الخلق على الأولياء في مبدأ طرقهم سنة الله في أحبابه، والدليل على ذلك من الكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ [يوسف: ١١٠]، وقوله ﷿: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقوله سبحانه: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥]. والآيات في هذا المعنى كثير. وأما السنة فقوله ﷺ: «ما أُوذي نبيٌّ ما أوذيتُ، وقد جعل الله تعالى لكل نبيٍّ عدوًّا من المجرمين» (¬٣). فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام أشدُّ بلاءً من الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل، فقومٌ لما ظلموا لم يلجؤوا إلى الله ﵎ في طلب الانتقام



