اللمع في الحوادث والبدع

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya ابن بيدكين التركماني (w. 712 H).

Bagian 14 dari 15 853 halaman

— Bagian 14 · ا من المجرمين» (¬٣). —

Bagian 14

ا من المجرمين» (¬٣). فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام أشدُّ بلاءً من الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل، فقومٌ لما ظلموا لم يلجؤوا إلى الله ﵎ في طلب الانتقام

ممن ظلمهم، ولكن فوَّضوا أمرهم إلى الله تعالى فكان هو المختار لهم، وقومٌ وهي الطبقة العليا وهم الذين إذا ظُلموا رحموا من ظلمهم، قال الله تعالى في حقهم: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧]، وقال ﷾: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. ومن ذلك ما اتفق لإبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: أن جنديًّا سأله عن العمران، فدلَّه إبراهيم على المقابر، فظن الجندي أن إبراهيم يهزأ به، فضربه بالدبوس فشجه، فطأطأ رأسه وقال: اضرب رأسًا طالما عصت الله. فقيل للجندي: هذا إبراهيم زاهد خراسان. فأقبل على رجليه يقبلها ويعتذر إليه، فقال له إبراهيم: والله ما رفعت يدك إليَّ لتضربني إلا وأنا أسأل الله لك المغفرة؛ لأني علمت أن الله يثيبني على ما فعلت بي، فاستحييت أن يكون حظي منك الخير، وحظك مني الشر (¬١). قال بعض الصالحين: آذاني إنسان مرة فضقت بذلك ذرعًا، فنمت، فرأيت قائلًا يقول لي: من علامة الصديقية كثرة أعدائها، ثم لا تبالي بهم (¬٢). فقد علم الله ﷾ ما يقال في الأنبياء والأولياء والصالحين والصديقين، فبدأ بنفسه فقضى على قوم بالإعراض عنهم، فنسبوا إليه الزوجة (¬٣) والولد، وأضافوا لنبيه ﷺ الكذب والسحر والجنون، وأظهروا له العداوة والحسد، وقالوا في أزواجه الطاهرات ما قالوا، فكذَّبهم الواحد

فنسبوا إليه الزوجة (¬٣) والولد، وأضافوا لنبيه ﷺ الكذب والسحر والجنون، وأظهروا له العداوة والحسد، وقالوا في أزواجه الطاهرات ما قالوا، فكذَّبهم الواحد

الأحد، فإن قيل في وليٍّ شيئًا من ذلك فضاق منه؛ يقال له: الذي قيل فيك هو وصفك، لولا (¬١) حلم الله ﷿ وفضله عليك. وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ [النور: ٢١]. وقد قال الخلق في الخالق ما لا يستحقه جلاله. ونرجع إلى مسألة من يجمع المال لأفعال البر: قال بعض العلماء: تركه أبرُّ. فالأول هو خير، والثاني هو أفضل وخير (¬٢). قال المؤلف: لأن الأول ممدوح بلسان الشرع هو ودنياه، وهو قريب من سيده ومولاه. قال ﷺ: «السخيُّ قريبٌ من الله، قريبٌ من الناس، قريبٌ من الجنة، بعيد من النار، والبخيل بعيدٌ من الله، بعيدٌ من الناس، بعيد من الجنة، قريبٌ من النار» (¬٣). لأن الكرم هو صفة من صفات الله تعالى، من اتصف بها قربه الله إليه، وأسبغ نعمه عليه، والبخل ليس هو من صفات الأخيار، ولذلك بَعُدَ صاحبه من الله تعالى ومن الناس، وقَرُبَ من النار. واعلم أنه قد جاء في الحديث أن الصدقة تدفع عن صاحبها سبعين بابًا من السوء (¬٤). تنوِّر قبره في الدنيا، وتكون نورًا يسعى بين يديه يوم

القيامة. وتثقل الميزان، وتكون ظلًّا لصاحبها يوم الطامة (¬١). وتكفر الذنوب (¬٢)، وتطفئ غضب علَّام الغيوب (¬٣)، وهي أفضل الأعمال (¬٤)، وبها نجا العُمَّال. وكان الحبيب ﷺ إذا تكلم في فضائل الأعمال يقول: «والصدقة شيء عجيب» (¬٥).

¬٢)، وتطفئ غضب علَّام الغيوب (¬٣)، وهي أفضل الأعمال (¬٤)، وبها نجا العُمَّال. وكان الحبيب ﷺ إذا تكلم في فضائل الأعمال يقول: «والصدقة شيء عجيب» (¬٥).

قال المؤلف: ما صارت الصدقة من أفضل الأعمال إلا لكونها نفع متعدي (¬١)، وتدخل السرور على قلوب الفقراء والمساكين، وهي من أخلاق الصالحين. ومما يدلك على عظيم قدر الصدقة أن الله سبحانه أفرد بابًا في الجنة يدخل منه المتصدقون يعرف بباب الصدقة، وأهل الصلاة والصيام والذكر وغيره كثيرون، وأهل الصدقة قليلون (¬٢)؛ لأنه إذا عظم الشيء قلَّ فاعله، والصلاة والصوم والذكر نفعه على فاعله فقط، والصدقة نفعها على فاعلها وعلى غيره. والصدقة تأتي من الرحمة والشفقة، وقد جاء في الحديث: «الرحماء يرحمهم الرحمن؛ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، من لا يَرحم لا يُرحم» (¬٣). وأهل الخير يطلبون من الله تعالى لإخوانهم الآخرة، فكيف يبخلون عليهم بهذه الدنيا الداثرة. يحكى عن بعض الصالحين (- وقد ذهب عني اسمه -) (¬٤) أنه كان يعمل في صنعته كل يوم بدينار يتصدق به، ويُدَرْوِز (من بابين ثلاثة) (¬٥) كسيرات (يتعشى بهم وينام) (¬٦). واعلم أن الأولياء لم يحبوا البقاء في الدنيا لأجل التمتع، بل لأجل التزود، فتزودوا بالصدقة والإيثار، (والطاعة والأذكار) (¬٧)، والذلِّ والانكسار؛ شوقًا إلى الله ﷿، وخوفًا من عذاب النار، ومن شرِّ يومٍ تتقلب فيه القلوب والأبصار، فوقاهم الله شرَّ ذلك اليوم، فتمتعوا بالخلود في الجنة، وبالنظر إلى الله العزيز الغفار.

فمن عرف قدر هذه العطايا والامتنان؛ اجتهد في الطاعة والإحسان، وفارق الذنوب والعصيان، لكن ليس كل قلب يصلح لمعرفته، ولا كل بدن يليق لخدمته. يا من ترمد عينه ثلاثة أيام، فيسعى في علاجها، وترمد بصيرته أربعين سنة، فما (¬١) يعالجها، وما سبب ذلك إلا أنه ذاق لذة الدنيا، فيسرع في معالجة بصره، لكي لا يفوته النظر إلى مستحسناتها ومحرماتها، ولو ذاق طعم المعرفة ولذاتها وحلاوة النفوذ إلى الله تعالى لأسرع في معالجة بصيرته. والقلوب على ثلاثة أقسام: قلب به رمد، ونسأل الله رب الأرض والسماء أن يسلمه من العمى؛ لأنه يخاف على من تمرَّد على الله تعالى بكثرة العصيان من ذهاب الإيمان، لما جاء في الحديث: «إنَّ المعاصي بريدُ الكفر» (¬٢). وقلب قد قضى عليه سيد الحكماء بالقطيعة والعمى وهو قلب الكافر، وآخر قد منَّ عليه المولى الكريم، وجاء إلى الله بقلبٍ سليم هداه للإيمان، وسلمه من الكفر والفسوق والعصيان، قال في حقه المولى الكريم: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]. فمن أحب الفوائد هجم على الشدائد، ومن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، ومن علم بقرب رحيله سعى في تحصيل الزاد؛ حياءً من الله تعالى، وخوفًا من مشقة الطريق، ومن الفضيحة يوم المعاد، ومثل الإيمان مع المؤمن العاصي كشمس مكسوفة منع نورها الكسوف، أو كسراج قد غُطِّي بصحفة، فإذا منَّ الله عليه بالعطاء زال هذا الغطاء، فلو عرف الإنسان قدر الإيمان لفارق العصيان، يا من إذا اطلع على خيانة وكيله عزله، وقد اطلعت على خيانة نفسك، فاجتهد في عزلها، وضيِّق عليها المسالك، إن أردت حسن الخاتمة والنجاة من الشدائد والمهالك.

من إذا اطلع على خيانة وكيله عزله، وقد اطلعت على خيانة نفسك، فاجتهد في عزلها، وضيِّق عليها المسالك، إن أردت حسن الخاتمة والنجاة من الشدائد والمهالك.

(مراد المؤلف من هذا الكلام: أي لا ترضى عن من سخط الله عليه) (¬١). قال العلماء: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود عاد نفسك وودني (¬٢). ورأى بعض الصالحين الحق سبحانه في منامه، فقال: يا رب بم يتقرب إليك المتقربون؟ قال: دع نفسك وتعال (¬٣). فمثل من كان له نفس مخالفة خائنة وهو يشهيها في المأكل والملبس، كمثل رجل له زوجة وقد اطلع على ما تفعل من الخيانة والفجور، وهو يكرمها على ممر السنين والشهور، فحينئذٍ لا يكرمه الحق سبحانه ولا يسلمه من أهوال يوم النشور؛ لأن الملك يغضب على عبده إذا أكرم عدوه. عدوك أيها المؤمن! معك، وجميع الأعداء يعملون على أذيتك، أو على ذهاب دنياك، والنفس تريد أن تقطعك عن سيدك ومولاك، فهي أولى بالمعاداة، فمن جعل له عدوًّا غير نفسه فهو أحمق، قال المولى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]. وبنوا آدم مع النفس على أربعة أقسام: القسم الأول: من استولت عليه فهي تلسعه في ليله ونهاره، وهذا حال المطرودين عن باب الله تعالى؛ لأن الحق سبحانه انتخب لحضرته من يصلح لها، ومن لم يصلح رماه للكائنات، والنفس هي دهليز الشيطان. القسم الثاني: أرباب المجاهدة، يكرون عليها وتكر عليهم، فتارةً يغلبونها، وتارةً تغلبهم. القسم الثالث: قومٌ تمكنوا منها، فأمسكوا برأسها كما يمسك على

ن. القسم الثاني: أرباب المجاهدة، يكرون عليها وتكر عليهم، فتارةً يغلبونها، وتارةً تغلبهم. القسم الثالث: قومٌ تمكنوا منها، فأمسكوا برأسها كما يمسك على

خناق الحية، وهذا حال أهل المراقبة، ولكن يخافون أن يغفلوا عنها فتهلكهم. الرابع: قومٌ مُنَّ عليهم فقتلوها، فلم يبق لها حركة، فلما مات عدوهم طاب عيشهم، قال المولى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]. وأي حياة أطيب ممن قد مات عدوه، فمن قتل نفسه بسيف المجاهدة أحيَى الله قلبه بالطاعة والمشاهدة. والنفس لا تفارقك أبدًا، والشيطان يفارقك في رمضان؛ لأنه يُغلُّ في شهر رمضان، وقد رأينا من يسرق ويزني ويقتل في رمضان، فهذه المصائب من النفس؛ لأن الشيطان مغلول، قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، وقال ﷾: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾ [المائدة: ٣٠]. فمن تغرَّب عن الأوطان وساح في الأرض إلى بلاد الحجاز والسند والهند واليمن وديار مصر والمغرب والشام والروم وعراق العجم ونفسه معه ما رحل؛ لأن المضر معه، والراحل (¬١) من رحل عن نفسه، يا لها من رحلة ما أبركها؛ توصلك إلى الحبيب، ورحلة النفس هي هجران أخلاقها المشئومة وعاداتها المذمومة. واختلف أهل الطريق فيمن يخطر له الذنب، ويجاهد نفسه ولم يفعله؛ وآخر لم يخطر له الذنب أيهما أتم؟ قالوا: الأول أتم؛ لأنه جاهد نفسه فهو أكثر أجرًا، والآخر أكثر نورًا. سئل أبو سليمان الداراني عن الفقير (المتجرد المتوكل، والفقير) (¬٢) المتسبب أيهما أفضل؟ قال: المتوكل أكثر (¬٣) نورًا، والمتسبب أكثر أجرًا (¬٤). ففيهم الفاضل، وفيهم الأفضل، ونعم الله تعالى متفاوتة المراتب.

والنفس موجودة، لكن منعنا من الشهود عدم وقوفنا على الحدود، وكثرة اشتغالنا بهذا الوجود؛ لأن العروس لا تجلى على فاجر، والأمر لا يخفى على قادر. فمن تحققت ذلَّته وهب له الحق نصرته: فينصر القلب على النفس، والعقل على الهوى، والملك على الشيطان، والشرع على الطبع؛ لأن الدولة صارت للقلب، فانصلحت مدينة البدن: إذ تولاها ملك عادل، والناس على دين الملك. وإذا أراد الله تعالى بعبدٍ خيرًا أصلح قلبه، وجعل الدولة له؛ قال رسول الله ﷺ: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهو القلب» (¬١). اللهم أصلح قلوبنا، واغفر ذنوبنا. مثل الجوارح كالغنم، والطاعة والمعصية كالمراعي، والقلب كالراعي؛ فإذا أطلقها في الطاعة فقد جنبها المرعى الرديء؛ (فيكون ذلك سبب نجاتها، ومن أطلقها في المعصية فقد سيَّبها في المرعى الرديء) (¬٢)، فما أسرع هلاكها إلا من رحم الله، ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣]. فمثل الجوارح كالجوارح التي يصطاد بها، فمن أطلق جارحة نفسه على معصية كان كمن أطلق كلبه على خنزير، أو كمن أطلق بازه على جيفة منتنة، وثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «كلكم راعٍ وكلكم (¬٣) مسؤُول عن رعيته» (¬٤).

كان كمن أطلق كلبه على خنزير، أو كمن أطلق بازه على جيفة منتنة، وثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «كلكم راعٍ وكلكم (¬٣) مسؤُول عن رعيته» (¬٤).

لا تكن الدابة أفقه منك أيها الإنسان، يرجعها إلى مالكها الإحسان، وأنت لا تعرف ما فعل الله معك من الجود والامتنان، فترى الطير مع بهيميته يمسك الصيد، وينتظر مجيء صاحبه، ويرضى لنفسه بالضيق والقيد، فلو فهم قول من قال له: ما الذي أرجعك (إلى القيد) (¬١)؟ لكان يقول: أرجعني إحسان سيدي. ومن وجد الإحسان قيدًا تقيدا، فلما تعلم هذا الإحسان أكل ما جرحه من الحيوان، وإن مات قبل أن يدركه الإنسان (¬٢). فمن الناس من رجع إلى الله تعالى شوقًا إلى دار القرار، ومنهم من يرجع إلى الله تعالى خوفًا من عذاب النار، ومنهم من أرجعه الإحسان؛ لأنه رأى نفسه لا تترك المخالفة والعصيان، والحق سبحانه لا يقطع عنه الخير والامتنان؛ فاستحيا من الكريم الوهاب، وفي التنزيل: إن من جاء ما غاب، وصار من جملة الأحباب. قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. سمع بعض الصالحين قارئًا يقرأ: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨]، فاستعادها من القارئ وقال: كم أقول لها: ارجعي. فلا ترجع! وصرخ صرخةً، وخرَّ ميتًا. متى وردت إلى العبد الموارد الإلهية هانت عليه الشدائد، وهدمت ما كان عليه من العوائد؛ لأن الوارد يأتي من حضرة قهار، فما وجد من الأكدار أدمغه وأخرجه من الدار، قال الله سبحانه: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]. واعلم أن ورود الإِمْداد على حسب الاستعداد، وإذا أراد الحق أن يخرج عبده من القطيعة والحيرة عرَّفه كيف يخرج، نسأل الله العظيم أن

هِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]. واعلم أن ورود الإِمْداد على حسب الاستعداد، وإذا أراد الحق أن يخرج عبده من القطيعة والحيرة عرَّفه كيف يخرج، نسأل الله العظيم أن

يخرجنا من ذل المعصية إلى عز الطاعة، ويدخلنا في (¬١) سنة صاحب المعجزات والشفاعة، وحكم الله تعالى قبل خلق السموات والأرض أن يعزَّ من أطاعه ويُذلَّ من عصاه، وإن خفق على رأسه البنود وسارت (¬٢) حوله العساكر والجنود، وفي الخبر يقول الله ﷿ كل يوم: «أنا العزيز، من أراد عز الدارين فليطع العزيز» (¬٣). ويروى أيضًا: أنه ما من يوم يأتي إلا وهو يقول: ابن آدم، أنا يومٌ جديد، وأنا على ما تعمل شهيد (¬٤). نسأل الله تعالى أن يجعله شاهدًا لنا لا علينا. قال العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ [الزلزلة: ٤]: أخبارها: شهادتها على بني آدم بما عملوا عليها (¬٥).

وكذلك شهادة الملائكة وشهادة الأعضاء كلها، وكفى بالله شهيدًا، وما كثر (¬١) الشهود إلا لكثرة (¬٢) الجحود. فإن (¬٣) بعض من خذلهم الله تعالى: ينكرون الأعمال، ويكذبون الشهود، فحينئذٍ يختم على أفواههم؛ ويشهد عليهم أعضاؤهم؛ قال تعالى إخبارًا عنهم: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١]. فانظر رحمك الله! كيف انعكس الحال حتى غفل أحدنا عن هذه الأهوال، ومن أحبك نبَّهك، وإذا أبغضك قال: دعوه نائمًا. يا جبريل، أقم فلانًا، وأنم فلانًا … الحديث. ولو لم ينل العصاة من العقاب سوى بعدهم من الله ﷾ لكفى، فكيف وقد فاتهم نعيم الجنة، ومرافقة النبي المصطفى، واختلاطهم في جهنم مع من سخط الله عليه! فخالف وجفا، واسمعوا قول رب العالمين: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، فهذه الآية خوفت قلوب الصالحين، فكلٌّ منهم باكٍ حزين، والغافل يعصي ويضحك ويزعم أنه من الآمنين.

وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، فهذه الآية خوفت قلوب الصالحين، فكلٌّ منهم باكٍ حزين، والغافل يعصي ويضحك ويزعم أنه من الآمنين. وأعقل الناس محسن خائف، وأحمق الناس مسيء آمن، هل رأيت صاحب عَمْلة يأمن؟ فكم لك من عملةٍ؟ قال المولى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]. وقال سبحانه: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢]. وقال المولى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤]. والثكلى لا يحسن (¬٤) لها الفرح، فالناس في أعيادهم وهي منطرحة في

المقابر، تبكي على فقد ولدها (¬١). رأى الشبلي امرأة خلف جنازة وهي تصيح: والله ما لي سواه. فصاح الشبلي: وامصيبتاه إن طردني من ليس لي سواه. قال المؤلف: خرج بعض أصحابه إلى الجبانة فرأى جارية على قبر سيدتها تبكي، وتحثو التراب على رأسها، وتقول: واسيدتاه. فجلس هو الآخر يحثو التراب على رأسه ويبكي ويقول: واسيداه. لمَّا رآها تبكي على فقدها لمخلوق (¬٢)؛ بكى هو لفقده للخالق. ليس التائه من تاه في البرية، التائه من تاه عن سبيل الهدى، وخرج عن طريق خير البرية، وأعظم الناس مقتًا عند الله سبحانه: من جعل نعمه فيه وهو يمحقها في مخالفته ومعاصيه، فترى هؤلاء الفاقدين ما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين، فلو أيقظ الله تعالى قلوبهم لكان أحدهم يراقب شمسه لكي لا تغيب، ولأسرع في الأعمال الصالحة التي ترضي الحبيب. كان شيخنا ﵀ يقول: موت الولد المدبر نعمة من الله عليه، وراحة لأبويه. ومن العناء أن يطول عمرك مع الجناية (¬٣)، فلا الجناية (¬٤) تفرغ ولا الموت يحجز، أتريد أيها المؤمن! أن تبيع نفسك برخيص، وثمنك الجنة؟! بل لم يكتف لك بالجنة، حتى زادك النظر إلى وجهه الكريم، فانظر إلى هذه المنة؛ قال الله سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. قال ابن عباس ﵄: الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم العظيم (¬٥).

ه سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. قال ابن عباس ﵄: الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم العظيم (¬٥).

فلا تكن أيها المؤمن! كالفَرَاش؛ لا يزال يحوم حول النار، حتى يقع فيها، فلو أردت السير إلى الله تعالى لتركت (¬١) المحارم، و (لغدوت على) (¬٢) الأعمال الصالحة عازم، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾ [التوبة: ٤٦]، وأنشدوا: رأيتك تسعى دائمًا في قطيعتي … ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني إنما تعيش لتأكل، وتأكل لتعيش، فإن فعلت ذلك فمثلك على المذاود كثير، وأسبق الخيل ما ضمر، وما فجع الإنسان إلا لفقده صبر ساعة، ولخروجه عن طريق صاحب الحوض والشفاعة. عمرك أيها المؤمن! كالنفس الواحد، فاحرص أن يكون لك لا عليك، ومن لم يُرد الله فلاحَه لن تنفعه الأقوال، قال تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]. فلو كان أحدنا حيًّا لسمع، أما (¬٣) جاء في التنزيل: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]. وقال بعضهم: لقد أسمعت لو ناديت حيًّا … ولكن لا حياة لمن تنادي فيا خيبة عبدٍ ينتخب لنفسه المآكل الطيبة؛ بل لا يرضى لدابته العلف الرديء، ولا ينتخب عملًا صالحًا لربه، (فيقلب عشرين بطيخة لتصلح له واحدة، لدهليز مرحاضه) (¬٤)، ويعامل الله سبحانه بالمجازفة، (وربما جلس

ى لدابته العلف الرديء، ولا ينتخب عملًا صالحًا لربه، (فيقلب عشرين بطيخة لتصلح له واحدة، لدهليز مرحاضه) (¬٤)، ويعامل الله سبحانه بالمجازفة، (وربما جلس

متربعًا وطوَّل في أكله) (¬١)، فإذا صلى نقرها نقرًا (وطواها طيًّا) (¬٢) مع الغفلة والوسواس، (وإذا صام اغتاب ونظر لحريم الناس) (¬٣)، فمثل من يمكِّن نفسه من كل شيء تشتهي (من المأكل والمشرب والملبس والمنكح) (¬٤)، كمثل من في بيته حية لا يزال يسمِّنها حتى تلسعه فتقتله، أرأيت أحدًا يسمِّن عدوَّه؟ قال ﷺ: «إن الله يبغض الحبر السَّمين» (¬٥). ومن سوء عادة النفس إذا مكنتها من كل المباحات تجرُّك إلى الحرام، وتخرجك عن طريق النبي عليه أفضل الصلاة والسلام. وكان الصحابة رضوان الله عليهم إذا رجعوا من الغزاة يقولون: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. يعني: جهاد النفس (¬٦). وقال ﷺ: «المجاهد من جاهد هواه» (¬٧). فمن جاهد هواه كانت الجنة

مأواه، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١]، واسمع قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، ولأن الجهاد مؤقت، وجهاد النفس على الدوام، فإسراع الرجل في صلاته هو من شهوات النفس لكي تتفرغ لحظوظها، ويدل ذلك على قلة المحبة، وهل يطول مجلس إلا مع الحبيب؟ فلو كنت أيها المؤمن! كيِّسًا فطنًا لكانت حقوق الله سبحانه عندك أحظى من (حظوظ نفسك) (¬١)، ولتركت مرادك لمراد سيدك، فمن أعطى نفسه حظها من المآكل والمشارب حتى يبقى (¬٢) بيت خلاء، ثم يريد أن يطلع على الأسرار (كيف له بذلك؟) (¬٣) لا يطلع على الأسرار إلا أمين، هب أنك لم تفعل شيئًا من ذلك، بل أحببت الدنيا ومن أحبها فقد خان؛ ومن خان لا يطلعه الملك على أسراره (¬٤). قال ﷺ: «حب الدنيا رأس كل خطيئة» (¬٥). وفي حديث آخر: «الدنيا سجن المؤمن» (¬٦). ولم يقل: سجن ابن آدم. فترى المؤمن قد سجن نفسه، واستأنس بربه، وانجمع عليه لا يمشي إلا لحاجة ضرورية أو لصلاة جماعة، أو لشيء يقرِّبه الحق إليه (¬٧).

وقوله ﷺ: «لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب» (¬١). فقال: جوف ابن آدم. ولم يقل: جوف المؤمن؛ لأن الغالب على بني آدم حب (التكاثر من) (¬٢) الدنيا؛ فخرج الحديث على الغالب، وأما جوف المؤمن فقد ملئ بحب الله تعالى، فما بقي فيه وسع لغيره. افهم يا من دُهي في عمره وعقله، وقد أنذره الشيب، وصافحته المنايا، وهو لا يترك اللعب والذنوب والخطايا. أما تستحيي ممن يستحيي منك؟ فقد جاء في الحديث عن خير الأنام: «إن الله يستحيي ممن شاب شيبة في الإسلام» (¬٣). ما أقبح انتقاش العجوز، ولعب الشيخ؛ لأنهما صارا بذلك مضحكة للشيطان؛ لأنه جاء في الحديث الصَّحيح: «إن للموسوسَيْن شيطانًا يضحك بهم، يقالُ له: الوَلْهان» (¬٤). فالشيطان يضحك بأهل الوسوسة، أفما يضحك بأهل (¬٥) المعصية طالما تمرَّغت في مواطن المحن؟ فتمرغ في محابِّ الله، لا تكن كالمرأة المجنونة؛ الذي قد مات ولدها وهي تضحك، وهذا صفة من نكب في طاعة الله ﷿، ويبست أعضاؤه عن فعل الخير وهو لا يتألم، وما ذاك إلا أن الغفلة قد أماتت قلبه؛ لأن الحي يؤلمه نَغْزُ إبرةٍ، ولو قطع الميت بالسيوف لا يتألم. فعليك أيها المؤمن! بالتوبة ومجالس الحكمة، فإن وسوس لك

ذاك إلا أن الغفلة قد أماتت قلبه؛ لأن الحي يؤلمه نَغْزُ إبرةٍ، ولو قطع الميت بالسيوف لا يتألم. فعليك أيها المؤمن! بالتوبة ومجالس الحكمة، فإن وسوس لك

الشيطان: ما فائدة توبتك وأنت تنقضها؟ وتسمع كلام الحكمة، ولا تعمل بها؟ فقل: قد (¬١) أتوب ولا أنقض، قد (¬٢) أتوب وأموت، على الرامي أن (¬٣) يرمي، إن لم يصب اليوم أصاب في غد، وأنشد بعضهم: وكم من بعيد الدار نال مراده … وآخر جار (¬٤) الدار وهو بعيد ولو لم يكن في سماع الحكمة إلا الندم لكفى، ومن عصى وفرح فهو أشد مقتًا ممن عصى وندم، قال موسى ﵇: يا رب، إذا كان البلاء منك والشفاء منك، فما فائدة الطبيب؟ قال: يا موسى، يأكلون أرزاقهم، ويطيبون قلوب عبادي (¬٥). يا من إذا سمع كلام من يحبه، أو سمع منادي الملك: يا معشر الناس. ألقى إليه سمعه، وربما بطَّل شغله، ويسمع كلام الله تعالى، ولا يلقي له بالًا، ثم يدعي محبة الله هذا المنكوب! ولو كان محبًّا صادقًا لأطربه كلام المحبوب. لو أسمعك الله حقائق (¬٦) كلامه لتعطلت عن زوجتك ومأكلك ومشربك، ولكن أراد الحق ﷾ أن يوفي هذه الدار حقها، ويعطيها قسطها، أما سمعت أخبار المتيمين كمجنون ليلى، وجميل بثينة في قوله: لو يسمعون كما سمعت كلامها … لخروا لعزته ركعًا وسجودًا وقال الآخر وهو صاحب ليلى: وأفرح من ليلى بما لا أناله … ألا كل ما قرت به العين صالح

نة في قوله: لو يسمعون كما سمعت كلامها … لخروا لعزته ركعًا وسجودًا وقال الآخر وهو صاحب ليلى: وأفرح من ليلى بما لا أناله … ألا كل ما قرت به العين صالح

إذا كان هؤلاء يتحسرون على ما فاتهم (من النصيب) (¬١) من محبوب مخلوق، أفما تتحسر أيها المؤمن! على ما فاتك من الخالق؟! فهم لو علموا لبكوا على ما فاتهم من النصيب الوافر، ولكن صغرت عقولهم. أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود، اغسل لي وجهك ويديك وقلبك. فقال: يا رب، قد علمت بما أغسل يدي ووجهي، فبماذا أغسل قلبي؟ فقال: بالبكاء على ما فاتك مني ويفوتك. يعني (¬٢): أن تعطى مقام النبي المصطفى ﷺ (¬٣). وفي الخبر (¬٤): أن موسى ﷺ بكى ليلة الإسراء بكاء غبطة لا بكاء حسد (¬٥). كيف يدخل الجنة من أمة محمد ﷺ أكثر من أمته؟ كيف جاؤوا بعدهم ثم سبقوهم إلى الجنة؟ لأن الله تعالى حرَّم الجنة على جميع الأمم حتى يدخلها النبي ﷺ هو وأمته، فقد عظم قدر هذه الأمة لرفعة قدر نبيها (¬٦). دخل رجل من أهل الإسكندرية يعرف بالمكين الأسمر (¬٧) وكان من

الأولياء إلى زيارة دانيال النبيِّ ﵇، فكُشِف له، فرأى النبي وهو واقف يصلي، فقال المكين: أصلي مأمومًا. والنبي تأخر وقال: يا مكين الدين (¬١) أنتم من أمة نبي لا ينبغي لنا التقدم عليكم. قال المكين: فقلت له: فبحقه (¬٢) عليك إلا ما صليت بي؟ قال: فلما قلت: فبحق (¬٣) محمد عليك قرَّب فمه من فمي حتى يدخل هواء اسم النبي ﷺ (¬٤) في فمه (¬٥). وقد يرفع قدر العبد لرفعة قدر سيده، ومن أكرم عبدًا فكأنما أكرم سيده، ولذلك قال ﷺ: «من أكرم مؤمنًا أكرمه الله» (¬٦)، بشرط أن يكون قد

(¬٤) في فمه (¬٥). وقد يرفع قدر العبد لرفعة قدر سيده، ومن أكرم عبدًا فكأنما أكرم سيده، ولذلك قال ﷺ: «من أكرم مؤمنًا أكرمه الله» (¬٦)، بشرط أن يكون قد

أكرمه لأجل الدين، لا لأجل شيء آخر؛ ولا لأجل دنياه، ولكل امرئ ما (كمن في نفسه ونواه) (¬١)، وما فعله دانيال ﵇ مع المكين الأسمر هو من آداب الأولياء عليهم الصلاة والسلام، وإلا فالنبي الواحد أفضل من جميع الصحابة ﵈ ومن التابعين ومن جميع المسلمين؛ وإن لم يكن النبي مرسلًا، ولا نزل عليه جبريل ﵇، فانظر إلى هذه السعادة والتفضيل. قال ﷺ: «أدَّبني ربي فأحسن تأديبي» (¬٢). فالعاقل المصيب من يبكي على نفسه من قبل أن يبكى عليه، ويتحسر على ما فاته من الحبيب، فكل أحد يبكي على ما فاته (منك، وأنت أيضًا) (¬٣) فابك على ما فاتك من الله تعالى، فقد (¬٤) عاملك بالوفاء وعاملته بالجفاء، وأمرك بالاتباع فخرجت عن طريق النبي المصطفى، قال بعضهم: ولدتك أمك باكيًا مستوحشًا (¬٥) … والناس حولك يضحكون سرورًا فاجهد لنفسك أن تكون إذا بكوا … في يوم موتك ضاحكًا مسرورًا هب أن الله تعالى قد غفر لك، أما فاتك ثواب المحسنين؟ وثواب رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه؟ وثواب المصلين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ وثواب الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله؟ وثواب

قوم يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون، ويخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار؟ ثم اعلم بأن الخوف على قدر المعرفة، ولذلك كان ﷺ متواصل الحزن، طويل الفكرة، ولم ير ضاحكًا قط، بل كان ضحكه تبسمًا (¬١). قال أبو حفص: الخوف سراج القلب، يبصر به ما فيه من الخير والشر (¬٢). قيل للفضيل: ما لنا لا نرى خائفًا؟ فقال للقائل: لو كنت خائفًا لرأيت الخائفين، إن الخائف لا يراه إلا الخائفون، وإن الثكلى هي التي تحب أن ترى الثكلى (¬٣). قال شاه الكرماني: علامة الخوف الحزن الدائم (¬٤). قال الصادق الأمين: «إن الله يحب كل قلبٍ حزين» (¬٥). وكان رسول الله ﷺ يقول قول الشاعر: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا … -ويأتيك بالأخبار من (¬٦) لم تزود (¬٧)

وكان أبو علي الدقَّاق ينشد كثيرًا هذه الأبيات: أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت … ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها … وعند صفو الليالي يحدث الكدر قيل: لما ظهر على إبليس ما (¬١) ظهر؛ طفق جبريل وميكائيل ﵉ (زمانًا طويلًا) (¬٢) يبكيان، فأوحى الله تعالى إليهما: ما بالكما تبكيان كل هذا البكاء؟ فقالا: يا رب، لا نأمن مكرك. قال الله تعالى: لا تأمنا مكري، ثم كونا هكذا (¬٣). وفي الخبر: إذا احتضر ابن آدم شخصت له ملائكة السماء بماذا يختم له، فإذا ختم له بخير فتحت لروحه باب السماء، فتقول الملائكة: عجيب لهذه الروح، كيف سلمت في دار هلك فيها خيارنا؟ يعنون هاروت وماروت (¬٤). فكن أيها المؤمن! على حذر، واسأل الله تعالى اللطف في القضاء والقدر، ولا تغتر بصفاء الأوقات، فإن تحتها غوامض الآفات، ولا تغتر أيضًا بموضع صالح، ولا مكان أصلح من الجنة، وقد لقي آدم ﵊ فيها ما لقي. ولا مكان أفضل من مكة المشرفة، وفي الخبر: + أن رجلًا وامرأة زنيا في الكعبة ومُسخا صنمين، فجعلوا أحدهما على الصفا، والآخرة على المروة؛ ليعتبر بهما (¬٥).

ا مكان أفضل من مكة المشرفة، وفي الخبر: + أن رجلًا وامرأة زنيا في الكعبة ومُسخا صنمين، فجعلوا أحدهما على الصفا، والآخرة على المروة؛ ليعتبر بهما (¬٥).

ولا تغتر بكثرة العبادة؛ فإن إبليس لعنه الله مع طول عبادته لقي ما لقي، ولا بكثرة علم؛ فإن بلعام كان يحسن الاسم الأعظم، ويرى من الفرش إلى العرش، فانظر ماذا لقي؟ فأما إبليس فإنه صار بعد الملكية (¬١) شيطانًا ملعونًا آيسًا من رحمة الله تعالى، وأما بلعام فإنه بعد أن كان سيدًا عظيمًا من أولي الألباب، أصبح وقد سُلب العلوم والإيمان، وشُبِّه بالكلاب. ولا تغتر أيضًا برؤية الصالحين، فلا شخص أعظم من المصطفى ﵊، ولم ينتفع به أقاربه، ولا أعداؤه، وبعضهم صحبه ثم مات على غير دين الإسلام، وسبب ذلك كله من المعاصي والآثام، فلا كانت المعاصي ولا ساعتها. فمن أطاع الله تعالى واجتهد في ترك المخالفة والأوزار، ثم أوقعه الشيطان في ذنب؛ رجع إلى الله تعالى بالتوبة والاستغفار؛ أدخله الله الجنة، ووقاه عذاب النار. قال المؤلف: من علامة خوف الله تعالى أن يكون العبد على حذر، فإن أوقعه الشيطان رجع إلى الله تعالى بالتوبة واعتذر، فعفا الله عنه وغفر، وقد قلنا شيئًا من صفات الخائفين عسى أن نتخلق بشيء من صفاتهم، ونغتم على ما فاتنا من مقاماتهم. رافق بعض الفقراء قافلة، فخرج عليهم قطاع الطريق، وأخذوا

وقد قلنا شيئًا من صفات الخائفين عسى أن نتخلق بشيء من صفاتهم، ونغتم على ما فاتنا من مقاماتهم. رافق بعض الفقراء قافلة، فخرج عليهم قطاع الطريق، وأخذوا

متاعهم، وفتحوا جرابًا فوجدوا فيه من المأكل، فجلسوا يأكلون إلا كبيرهم، قال: فقلت له: لم لا تأكل؟ قال: أنا صائم. فقلت له: تصوم وأنت على هذا الحال؟ فقال: نسد الطاقات جميعًا، ما نخلي بيننا وبين الله طويقة. قال الفقير: ثم سافرت بعد (ذلك بمدة) (¬١) إلى مكة المعظمة، فوجدت ذلك الحرامي وقد تغير حاله وجاور بمكة؟ فقلت له: ألست فلان كبير القوم؟ قال: نعم. توسعت تلك الطويقة ودخلنا منها. وكذلك أنت أيها المؤمن! إذا كنت عاصيًا نادمًا باكيًا عسى أن يراك مولاك فيرحمك، وإن كنت عاصيًا ضاحكًا، يخاف عليك أن يراك الله سبحانه على تلك الحالة، فيغلق أبواب الرحمة دونك (¬٢)، ويمقتك، فمن عصى الله تعالى وبكى (¬٣) يرجى له الخير، وهو أخف ذنبًا ممن عصى وضحك، ومن عصى واستتر أخفُّ ذنبًا ممن عصى وجهر، وهذا أخف ذنبًا ممن عصى وافتخر، وليس شيء أنحس من هذا العبد إلا عبدٌ أشرك وكفر، ومنهم من حفظه الله تعالى، وهوَّن عليه العبادة، فأطاع ربه سبحانه وشكر. والمحفوظون على طبقات: محفوظ عن الشرك والكفر بالهداية؛ ومحفوظ عن الكبائر والصغائر بالعناية، ومحفوظ عن الخطرات والغفلات بالرعاية. قال الشيخ أبو مدين (¬٤): اطرح الدنيا على من أقبل عليها، وأقبل على

الهداية؛ ومحفوظ عن الكبائر والصغائر بالعناية، ومحفوظ عن الخطرات والغفلات بالرعاية. قال الشيخ أبو مدين (¬٤): اطرح الدنيا على من أقبل عليها، وأقبل على

مولاك، (من تفرغ من أشغال الدنيا أقامه الحق في خدمته، من لم يخلع العذار، لم ترفع له الأستار. قال المؤلف في قول الشيخ: «اطرح الدنيا على من أقبل عليها، وأقبل على مولاك») (¬١) لأن العبد إذا أقبل على مولاه حصل له كل شيء، وحرسه وتولاه، فإذا أقبل على الدنيا أعرض عن خالقه، فحرم خير الدنيا والآخرة، وخسرت يداه؛ لأن القلب له جهة واحدة، متى توجه لشيء حجب عن سواه، وصفة هذا المخذول هو الذي شغل بها عن فرائض الله تعالى، وخرج عن طريق الرسول، قال الله سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ [هود: ١٥ - ١٦]. فهؤلاء عبيد الدنيا، قال النبي المختار: «تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار» (¬٢). قال العلماء: عبد الدرهم والدينار هو مانع الزكاة، وقالوا أيضًا: إن قارون كان قرابة لموسى ﵇، وكان أعلم الناس بعلم التوراة من بعد موسى وهارون، فمنع الزكاة وأقبل على دنياه، فأعرض الله عنه، وخسف به وبماله وبجداره، وجعل النار مأواه (¬٣). فمن هذا القبيل زهد الأولياء في الدنيا؛ لكي لا تفسد قلوبهم، ويصيبهم ما أصاب هؤلاء الأشقياء. فمن علم أن الله تعالى قد أصلح نفسه، والدنيا في يده لا في قلبه، وهو يعمل على زيادتها، ولا يفتخر بها، ولا يتكبر على خلق الله تعالى، (ولا يتهجم على محارمه، ويخرج حق الله تعالى) (¬٤)، ويتصدق على الفقراء والمساكين، ولا يتخلف عن الصلاة في جماعة المسلمين، ومع هذا الاحتياط العظيم يقول: ربِّ سلِّمْ، ربِّ سلِّم!

لكي لا تغره الدنيا كما غرت غيره فيكون من الهالكين. قال ﷺ: «هلك الأكثرون، إلا من قال في عباد الله هكذا وهكذا، وقليلٌ ما هم» (¬١). وجاء في حديثٍ آخر: «إن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، ولا يعطي الآخرة إلا لمن يحب» (¬٢). وكان في الصحابة الأغنياء، وكانت الدنيا في أيديهم لا في قلوبهم، فتعطَّفوا بها على إخوانهم ونفقوها في سبيل الله، فأخذ الله بأيديهم؛ فسلموا من عثراتها، وبلغهم إلى مطلوبهم. وبعضهم غرق في بحر الدنيا؛ لقلة عومه، فبعد أن كان عبدًا لله وهو من الصحابة الموافقين، أصبح وقد أبعده الله من نبيه وحبيبه وصحابته، وصار من جماعة المنافقين. والدنيا كالبحر العميق، ولا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، فمن وسَّع الله عليه الدنيا، ورزقه الكرم والاتباع لخير الأمم، فقد أحسن الله إليه، وأسبغ عليه النعم، الذي جعل فيه صفة من صفاته، وخصصه بالاتباع لخير المخلوقات والأمم. ولذلك جاء في الحديث الصحيح: «أن السخي

قريبٌ من الله» (¬١). وفي حديث آخر: «نعم المال الصالح مع الرجل الصالح» (¬٢). وفي حديث آخر: «الدنيا مطية المؤمن عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشرِّ» (¬٣). فما أحب الصالحون الدنيا إلا لفعل الخيرات والطاعة، والعمل بسنة صاحب المعجزات والشفاعة، فتزودوا بهذه البضاعة، فوصلوا لمواطنهم، وسلموا من قُطَّاع الطريق، ونجوا من أهوال يوم الساعة. فإن كنتَ أيها الغنيُّ! على هذه الصفات المباركة، فهي دنيا مباركة عليك التي بسببها وصل خير الآخرة إليك فالزم، واشكر الله تعالى لكي يزيدك من فضله، ويجعل هذه الخيرات نورًا يسعى بين يديك، وإياك أن يغرك الشيطان بقوله. اعمل بما جاء في الحديث: «ازهد في الدنيا يحبك الله» (¬٤). واعمل

كي يزيدك من فضله، ويجعل هذه الخيرات نورًا يسعى بين يديك، وإياك أن يغرك الشيطان بقوله. اعمل بما جاء في الحديث: «ازهد في الدنيا يحبك الله» (¬٤). واعمل

على التجريد يهوِّن الله عليك الأمور، ويبلغك إلى ما تريد، وتكون موافقًا (¬١) لسيد الموالي والعبيد صلى الله عليه صلاة دائمة إلى يوم القيامة، يوم تأتي كل نفس معها سائق وشهيد، فيكون قد طاب وقت هذا العبد لمعاملته لله، ولشفقته على خلق الله، فيترك الدنيا بنفسه، فحينئذٍ يتغير حاله فكان يعطي صار يستعطي، وكان همه الرازق، صار همه طلب الرزق، فينتحس الحال لأجل الطلب من الناس ولذل (¬٢) السؤال؛ لأنه قام بنفسه، ومن قام بنفسه سقط، ومن أقامه الحق ثبت. وهذه الأشياء وما يقاربها من تلبيس إبليس، ثم يدخل يوسوس هذا الشيطان المريد على رجل قد انصلح حاله في الزهد والتجريد، وفي خدمة المولى المجيد فيقول: ليس الرجل من ينتظر من يطعمه، الرجل من يعمل ويأكل ويطعم، ويروي له ما كان على ذهن الرجل من الأحاديث كقوله ﷺ: «أحل ما أكل المرء من كسب يمينه، وإن داود نبيَّ الله كان يأكل من كسب يمينه» (¬٣)، وما جاء عن المشايخ المتسببين كإبراهيم بن أدهم، وسري السقطي، وإبراهيم الخواص، وغيرهم، فيترك التجريد، واعتزال الخلق، ثم يدخل في أسباب الدنيا، ويختلط بأهلها، فيتكدر عليه وقته بعد أن كان صافيًا، فإنه جاء في الحديث الصحيح، يقول الله تعالى: «إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك» (¬٤).

الصحيح، يقول الله تعالى: «إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك» (¬٤).

وكان عبد الله بن عمر ﵄ يقول: والله أنا ممن لا يصلحني إلا الغنى (¬١). كان خلقه جميل، وعطاؤه جزيل (¬٢)، كريم الشمائل، يكرم الضيف، ولا يرد السائل. رُوي أنه نزل به ضيف، فأمر عبده أن يذبح رأسًا من الغنم، ويأتي به مشويًّا لضيفه، ففعل، وأخذ العبد الرأس مشويًّا على طبلية (¬٣) وحمله على رأسه، فعثر العبد من على السلم، ولعبد الله ولد يلعب تحت السلم، فوقع العبد (¬٤) والطبلية على رأسه، فمات، فخرج عبد الله ورأى العبد قد اصفرَّ من الخوف، وولده قد مات والخروف قد تمعر في التراب فلم يغضب، وقال لعبده: لا بأس عليك هذا قضاء الله، وأنت حرٌّ لوجه الله. فأعتق عبده، وأكرم ضيفه، ولم يخبر أحدًا حتى ذهب الضيف لكي يهنأ له طعامه (¬٥). فمن كان صحابي الهمة فالدنيا في يده لا في قلبه، لا يفرح لوجودها، ولا يحزن لفقدها؛ بل ينفقها كما جاء في الحديث المتقدم (فإن فعل) (¬٦) نجا، وإن لم يفعل هلك، وكثر همه وغمه. ومراد المؤلف بهذا الهم: همُّ الدنيا، وهو في الشرع مذموم، وفاعله من خير الآخرة محروم، وأما همُّ الآخرة والحزن عليها فمحمود،

يفعل هلك، وكثر همه وغمه. ومراد المؤلف بهذا الهم: همُّ الدنيا، وهو في الشرع مذموم، وفاعله من خير الآخرة محروم، وأما همُّ الآخرة والحزن عليها فمحمود،

ويقرب للمولى الودود؛ وقال سيد المرسلين: «إن الله يحب كل قلب حزين» (¬١). وفي التوراة: إذا أحب الله عبدًا نصب في قلبه نائحة، وإذا أبغض عبدًا جعل في قلبه مزمارًا (¬٢). واعلموا أهل الإيمان! أن نبيكم ﷺ كان مع وجود العبادة وكثرة (¬٣) الإحسان دائم الفكرة، متواصل (¬٤) الأحزان، فيجب على المؤمن أن يكون صاحب خوف ووجل؛ فبسببها حصل لأهل الجنة ما حصل، فمن أراد المرافقة فعليه بالموافقة: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال: ٦٤]. فما فات السالك (¬٥) الوصول إلا لتضييعه الأصول، وهو طاعة الله سبحانه، واتباع الرسول؛ قال المولى الكريم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١] فلو كان المريد في ابتداء أمره متبعًا لصار صدِّيقًا، ولحصل له ما يريد. فاعلم أيها المملوك! أن ليس كل أحد يصلح لمجالسة الملوك، وإياك أيها المؤمن! أن تخرج من هذه الدار وما ذقت أطيب شيء فيها، وهو حلاوة حب الله ورسوله، وليس حلاوة حبهما في المأكل

والمشرب (¬١)، الذي يشارك فيهما الأنعام والدواب، أرأيت آدميًّا يرضى لنفسه أن يكون هو والدابة سواء؟! فمن علامة المحبين طاعة الله سبحانه، والجمع عليه، واتباع النبي ﷺ والشوق إليه، وكثرة الصلاة عليه. وهذه الأشياء لا يشارك المؤمن فيها إلا النبيون والصالحون والملائكة المقربون، ولو فتح لك أيها المؤمن! باب التودد، لرأيت العجائب؛ لكن الحق سبحانه انتخب لحضرته من يصلح لها، ومن لم يصلح رماه للكائنات، ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥]، قال ﷺ: «ما سبقكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة، ولكن بشيء وقره الله في صدره» (¬٢). وقال بعض الصالحين: والله لا أبكي لأجل المعصية، إني لا أصلح لها، ولكن أبكي (الذي كان هذا) (¬٣) حظي من الله تعالى. وقيل لبعض الصالحين عند النزع: ما تشتهي؟ قال: قطعة كبد مشوية (¬٤). ليس المراد أن يأكلها، لكنه يشتهي قلبًا محترقًا على ما ضيعه في عمره. وكذلك كانوا يوَرُّون في إشاراتهم بسُعْدَى، ولُبْنَى، والرَّباب، وزينب، وليلى. والمراد أنهم كانوا يصونون ذكر حبيبهم ويذكرون غيره (¬٥)، كما قيل

عن بعض الخلفاء أنه لما رأى مكة شرَّفها الله تعالى ترجَّل عن جواده، وخرَّ لله ساجدًا على التراب، وأنشد:

يصونون ذكر حبيبهم ويذكرون غيره (¬٥)، كما قيل

عن بعض الخلفاء أنه لما رأى مكة شرَّفها الله تعالى ترجَّل عن جواده، وخرَّ لله ساجدًا على التراب، وأنشد:

ونحن ملوك الأرض شرقًا ومغربًا … وعند حمى (¬١) ليلى أقل عبيدها فسجود هذا السيد مع جلالة قدره وتعفير وجهه على التراب، هو تعظيم لرب الأرباب، والوجه هو من أعز (¬٢) الأعضاء وأشرفها، وقد أهانه (¬٣) في الدنيا، عسى أن يكرمه (الله تعالى) (¬٤) في الآخرة، ويجعله من قوم قال في حقهم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. ثم اعلم بأن السجود يقرب إلى الرب المعبود لقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، ولقوله ﷺ: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا (¬٥) من الدعاء» (¬٦). يا هذا، إذا فتح أهل الدنيا أكياسهم، وأنفقوا في سبيل الرحمن؛ افتح أنت أيضًا (هميانَ قراءةِ القرآن، وكثرة التضرع إلى الرحمن، وأَكْثِرْ) (¬٧) من ذكر الملك المعبود، وأطل الركوع والسجود، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة، وحطَّ عنك بها خطيئة، فمن ذكر الله ذكره وبلَّغه المقصود.

رْ) (¬٧) من ذكر الملك المعبود، وأطل الركوع والسجود، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة، وحطَّ عنك بها خطيئة، فمن ذكر الله ذكره وبلَّغه المقصود.

فمن أراد أن يعرف حاله عند الله تعالى، فلينظر إلى صلاته: إن أسرع إليها وواظب عليها، ودخل فيها بخشوع، واطمأن (¬١)، وأتم السجود والركوع، فإذا فرغ من صلاته انتهى عن جميع سيئاته (¬٢)، فهذه الصلاة تقرب المؤمن من خالقه ومولاه؛ لأن من جلس إلى صاحب مسك عبق عليه من ريحه. والصلاة هي مجالسة المؤمن لله تعالى، فمن جالس ربه ولم يحصل له ما تقدم ذكره من الجمع في صلاته، والتدبر في قراءته، والترك لسيئاته، وأتم الركوع والسجود، واطمأن في القيام والقعود، ولم يسبق الإمام ليست بصلاة؛ لما خالطها من الغفلة والخروج عن السُّنَّة والآثام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ فإن لم تنه (¬٣) صاحبها عن ذلك فليست بصلاة، فترى الغافل إذا دخل في الصلاة أخذه الوسواس، وإذا صام اغتاب الناس، فيدرج القراءة، ولا يطمئن في قيامه، ولا في ركوعه وسجوده، ويعبث بثوبه وببدنه، فيدخل الخلل في صلاته، ويخرج عن طريق خير الناس. ومن البدع: نظر المصلي إلى ثيابه وأعطافه، ولم ينظر إلى قدرة الله تعالى وألطافه، وكذلك نظر المصلي إلى اليمين واليسار، وهو واقف بين يدي الله تعالى؛ يخاف عليه أن يحول وجهه وجه حمار. وهذه الألفاظ مأخوذة مما صح في الأخبار (¬٤).

طافه، وكذلك نظر المصلي إلى اليمين واليسار، وهو واقف بين يدي الله تعالى؛ يخاف عليه أن يحول وجهه وجه حمار. وهذه الألفاظ مأخوذة مما صح في الأخبار (¬٤).

فلا تبخل على نفسك أيها العبد الشحيح بالعمل بالحديث الصحيح، فأبخل البخلاء من سرق من صلاته وخالف ربه، ولم يعمل على مرضاته. عن زيد بن وهب قال: رأى حذيفة ﵁ رجلًا لا يتم الركوع ولا السجود، فقال له: ما صليت، ولو مُتَّ؛ مُتَّ على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدًا ﷺ (¬١). فمن صلى ولم يطمئن في ركوعه وسجوده، ويعتدل في قيامه؛ تُكره صلاته عند جماعةٍ من العلماء، وتبطل عند آخرين (¬٢). ويكره العبث في الصلاة (عند جماعة) (¬٣) وإن (¬٤) قلَّ، وإن كثر العبث بطلت صلاته عند جماعة، وتكره عند آخرين (¬٥). فإن اضطر المصلي إلى النظر فلينظر بمُؤَقِ (¬٦) عينيه من غير أن يلتفت ويقتفي الآثار، ولا يخرج عن سنة النبي المختار، والمؤمنين الأخيار. فيا أيها المملوك، ما (¬٧) هكذا يتأدب بين يدي الملوك، كان علي بن أبي طالب كرم الله وجهه إذا وقف في الصلاة تغير لونه، ولا يتغير (¬٨) عند ملاقاة الأبطال، فقيل له في ذلك، فقال: أما تعلمون بين يدي من

أقوم؟! (¬١)، فمن لم يتأدب بين يدي خالقه، ويعظم شعائره فهو عبد محروم، وبالبدعة والغفلة موسوم. رأى النبي ﷺ رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: «لو خشع قلبه لخشعت جوارحه» (¬٢). فشهد عليه الصادق الأمين أنه (¬٣) من الغافلين، نسأل الله تعالى اليقظة (وحسن العاقبة) (¬٤) والخاتمة، وأن يوفقنا لطريق السعداء، ويجنبنا البدعة والردى. ومن البدعة سبق المأموم إمامه؛ لقوله ﷺ: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده. فقولوا: ربنا ولك الحمد. وإذا سجد فاسجدوا» (¬٥). والفاء في هذا الحديث كله للتعقيب، فاسمع وأجب إن كنت محبًّا صادقًا لقول الحبيب، ولا تخالفه حياءً من المولى الرقيب، الذي هو معك حيث كنت وأين كنت، حاضرٌ لا يغيب، قال الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، وقال

تعالى: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١]. فمن لقيته عواصف الشوق أسرع إلى منازل الحبيب، قال قائلهم في المعنى: والله ما جئتكم زائرًا … إلا وجدتُ الأرض تطوى لي ولا انثنى عزمي عن بابكم … إلا تعثرت بأذيالي فطاعة الحبيب تخفف الأثقال، فابك على نفسك إذا جررت رجليك إلى الصلاة جرًّا، وهي صفة من صفات المنافقين، قال الله تعالى في حقهم: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: ١٤٢]. فترى الغافل إذا فرغ (¬١) من صلاته أسرع في خروجه كأنه كان في حبس، قد طال فيه مكثه، فيبطئ في دخوله إلى المسجد، ويسرع في خروجه، فيخرج ومناجاة الحق في أذنيه، وهي قوله ﷿: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]، ومناجاة الرسول ﷺ، وهو قوله: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. فمن قال هذا فقد سلم على النبي ﷺ وعلى كل ولي لله تعالى في السموات والأرض (¬٢)، ثم يخرج بعد هذه النعم إلى الخروج عن طريق خير

وعلى عباد الله الصالحين. فمن قال هذا فقد سلم على النبي ﷺ وعلى كل ولي لله تعالى في السموات والأرض (¬٢)، ثم يخرج بعد هذه النعم إلى الخروج عن طريق خير

الأمم، فيجلس على رأس الحارات والدروب، ويكثر من الخطايا والذنوب، ويطلق نظره لمعصية علام الغيوب. خرج رجلٌ في زمن مالك بن أنس ﵁ ليصلي في المسجد مع الجماعة، فرأى محرَّمًا، فدعا على نفسه بالعمى، فعمي، فكان ولده يقوده إلى المسجد، فشغل يومًا الصبي باللعب، وأخذ الرجل بطنه فخاف الفضيحة، فدعا الله تعالى يرد بصره؛ (فردَّه الله تعالى عليه) (¬١)، قال الإمام مالك: رأيته بصيرًا ثم أعمى ثم بصيرًا (¬٢). اعلم رحمك الله تعالى أن الجماعة ربحٌ؛ ولذلك قال المولى الغفور: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩]. والربح لا يكون إلا بسلامة رأس المال. كان بعضهم يبيع الثلج، فذاب الثلج، فجلس يبكي، ويقول: ارحموا من ذاب رأس ماله (¬٣). وقد ذهب رأس عُمُرِ الغافل وهو يضحك، وضحك هذا المفتون مع هذه المصائب نوع من الجنون، فمثله كمثل المرأة المجنونة الذي مات ولدها، وهي تضحك. (كان بعض الصالحين لا يزال باكيًا فقيل له: أنت طول دهرك باكيًا؟ قال: فبكى وقال: يحق لأهل المصائب أن يكونوا هكذا) (¬٤). فإياك أيها المؤمن! أن تتهاون في النظر، واسأل الله تعالى اللطف في القضاء والقدر، وإياك أن يهونه الشيطان عليك ليصل شؤمه ووباله إليك بقوله: هو ذنب صغير؛ فإن الصغير بالمداومة يصير كبيرًا، ولا تنظر الذنب،

عالى اللطف في القضاء والقدر، وإياك أن يهونه الشيطان عليك ليصل شؤمه ووباله إليك بقوله: هو ذنب صغير؛ فإن الصغير بالمداومة يصير كبيرًا، ولا تنظر الذنب،

بل انظر لمن عصيت (¬١)، وجاء في الحديث: «لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار» (¬٢). اعلم أنه يشق على النفس ترك المألوف، وإن كان ذلك لا يرضي المولى الرؤوف، ومن سوء عادة النفس إذا مكنت من الذنب الصغير تجر إلى الذنب الكبير: أمارة بالسوء؛ ولا ينبئك مثل خبير، لا تسمع منها إذا قالت: اسع في زيارة الإخوان فتؤجر! وتروي لك الأخبار: لا تلقي نفسك في النار! ما هذا زمن اجتماع، قلَّ أن يجلس الرجل مجلسًا لا يعصي الله فيه، هذا زمانُ: اخف مكانك، واحفظ لسانك، وابك على خطيتك. ولا تغبط من يكون معه من العبادة الظاهرة: كالعلم والزهد، وكثرة الصلاة، والصوم، والذكر وغيره؛ وعوائد (¬٣) الجلوس في الطرق والأسواق؛ لخروجه عن السنة، وعن طريق كل عبد صالح ومشتاق؛ لأن هذه الأشياء لا تغني المؤمن ولا يحتاج إليها. وقال صلوات الله عليه وسلامه: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (¬٤)، فلو حسن إسلام المرء ما تعرض للمحن، ولا خرج عن السنن، وقد صح في الحديث: «إن الأسواق مجالس الشياطين» (¬٥)، فلذلك كرهها الله تعالى لعباده الصالحين.

ثم اعلم بأن الخير كله في جمع القلب على الله تعالى، والشرَّ كله في التفرقة عنه، والجلوس بغير حاجة في أبواب الحارات والأسواق أو الطرق والدروب؛ ففي ذلك تفرقة للقلوب، ولا ترضي علام الغيوب. وقد أفتى الشيخُ محيي الدين النَّواويُّ (¬١) لسائل سأله: هل الانقطاع في برية أو قرية أفضل، أم الإقامة في المدن لأجل حضور الجماعة والجمعة، وأعياد المسلمين وشعائرهم، وحلق ذكرهم أفضل؟ فقال ﵁: أي مكان رأيت نفسك انجمعت فيه على الله تعالى، فالإقامة فيه أفضل: (في البرية أو القرية أو المدينة) (¬٢). فإن خاف الضرر على دينه في المدينة لا يسكنها، فإن أمن فسكنى المدينة أفضل؛ (لشهود ما تقدم ذكرهم، وحينئذٍ) (¬٣) لا يجالس من يخاف منه ضررًا في دينه لبدعته، أو لترغيبه في الدينا وشهواتها، أو يغتاب عنده مسلمًا أو (¬٤) غير ذلك من المفاسد: كمجالسته من تتحلى النفس بمجالسته، لعلو مرتبته أو لحسن صورته، وذلك من أنحس المقاصد. فقد تبين لك أن (الجمع هو الأصل في العبادات) (¬٥)، فما فات السالك الوصول إلا لتضييعه الأصول، فمتى حصلت العبادة، ولم يحصل معها الجمع، فإنما هو من عدم صدق، أو مرض في القلب، أو بدعة، أو عدم أدب، أو عجب ورياء، أو كبر. قال المولى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] فاعتبروا يا أولي الألباب بإبليس: كيف صيَّره الله سبحانه عدوًّا لأجل تكبره، وصرفه عن درجة

َكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] فاعتبروا يا أولي الألباب بإبليس: كيف صيَّره الله سبحانه عدوًّا لأجل تكبره، وصرفه عن درجة

الأحباب، كان ملكًا عظيمًا، فصار شيطانًا رجيمًا (¬١)، فإن عوَّق المسلم عن الصلاة بالكلية، فقد ابتلي بمعصية عظيمة وبلية، وخالف الحق سبحانه، وخرج عن طريق خير البرية، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١]، وقال ﷺ: «بين أمتي والشرك والكفر ترك الصلاة» (¬٢). وقد صحَّ أيضًا في الخبر: «من ترك الصلاة عامدًا متعمدًا فقد كفر» (¬٣). فانظر رحمك الله! إلى هذا التهديد والتوكيد الشديد، ومع ذلك كله لا ينتفع الغافل به؛ لأن القلوب بيد الله تعالى، فلا يكون أبدًا إلا ما يريد. قال بعضهم: قل لمن أعرض عنَّا … إن إعراضك منَّا لو أردناك لأضحى … كلُّ ما فيك يردنا ولهذا الترك سبب: وهي ذنوب سبقت؛ لأن المعاصي تسود القلب،

وتيبس الأعضاء، وتعوقها عن الطاعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. وأيُّ مصيبةٍ أعظمُ من ترك الصلاة، والمخالفة لله تعالى، ومن تفرُّقِ العبد عن سيده وخالقه ومولاه. ويجب على المسلم المواظبة على الجمعة والجماعة، ليهوِّن الله عليه أهوال يوم الساعة، ويحشره مع صاحب المعجزات والشفاعة. اعلموا أهل الإيمان! أنَّ الجمعة والجماعة هي طريق رسول الله ﷺ، وطريق الصحابة، والتابعين لهم بإحسان. سئل ابن عباس ﵁ عن رجل يصوم النهار، ويقوم الليل؛ إلا أنه لا يأتي الجماعة ولا الجمعة، فقال: هو في النار (¬١).

ه ﷺ، وطريق الصحابة، والتابعين لهم بإحسان. سئل ابن عباس ﵁ عن رجل يصوم النهار، ويقوم الليل؛ إلا أنه لا يأتي الجماعة ولا الجمعة، فقال: هو في النار (¬١). عن ميمون بن [أَبي] شبيبٍ قال: تهيأت للذهاب إلى الجمعة زمن الحجاج، فقلت: أين أذهب، أصلي خلف هذا؟ فقلت مرة: أذهب، ومرة: لا أذهب، فأجمع رأيي على الذهاب، فناداني منادٍ من زاوية البيت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، قال: وجلست مرةً أكتب كتابًا، فعرض لي شيء، إن أنا كتبته زيَّن كتابي؛ وقد كنت كذبت، وإن أنا لم أكتبه، كان في كتابي بعض القبح؛ وقد كنت صدقت، فقلت مرة: أكتب، ومرة: لا أكتب. فأجمع رأيي على تركه، فتركته فناداني منادٍ من زاوية البيت: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] (¬٢). ولا ينبغي للمؤمن أن يتهاون بالصلاة في الجماعة؛ لأجل العيال، ويحيلهم على الكبير المتعال، لكي لا يدخل الخلل في كسبه؛ ويخرج عن

َةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] (¬٢). ولا ينبغي للمؤمن أن يتهاون بالصلاة في الجماعة؛ لأجل العيال، ويحيلهم على الكبير المتعال، لكي لا يدخل الخلل في كسبه؛ ويخرج عن

سنة نبيه فينعكس الحال، ولا يعول همهم، ويكون همه الآخرة (¬١)، فيكفيه (¬٢) الحق سبحانه هم الدنيا والآخرة، كما جاء في الأخبار المتواترة: يا عبد الله، إذا كان المخلوق أبخل البخلاء، وإذا استخدم أحدًا أطعمه، أفتخدم مولاك (وهو خالق الكرم) (¬٣) ويتركك؟! أيشبع الكافر وتجوع؟! أتكون في دار الضيافة وتضيع؟! الدنيا داره وأنت فيها كالضيف الراحل عن أيام قلائل، وقد وصانا الحق سبحانه بإكرام الضيف. والمولى الجليل هو أولى بهذا الخلق الجميل، وكان بعضهم يقول: اللهم إن كنت أعول همًّا غير هَمِّ الآخرة، فلا تؤمنِّي منه (¬٤). أين ذهب عقل من شُغل بهمِّ الدنيا عن هموم الآخرة؟ شغله همُّ ما يفنى، عن همِّ ما يبقى، فمثله كمثل من جاءه أسد ليفترسه، فشغل عنه بضرب (¬٥) هرٍّ. فالعاقل المصيب همُّه ما فاته من الحبيب، لكي لا يعامله (¬٦) الله تعالى بالوفاء ويعامله هو بالمخالفة والجفاء، فعجبٌ لمن يعصى حبيبًا محسنًا بعد معرفته بأياديه وإحسانه، ويطيع عدوًّا لعينًا بعد معرفته بعداوته وطغيانه. اعلم رحمك الله! أن لله ﷾ عبادًا غيرك لا يعلمهم إلا الله تعالى كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وقال تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] وأنت ليس لك رب غيره، وهو يربيك كأنه ليس له عبد سواك، وأنت تعرض عنه، كأن لك ربًّا غيره يحرسك في ليلك ونهارك من الجن، والشياطين، والحشرات، ومن جميع

البلايا والآفات، بعد معرفته بارتكابك أنواع المعاصي والسيئات. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢] فلولا الحراسة من رب العالمين، لاختطف الآدميَّ الجنُّ والشياطينُ، قال الله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]. عن ذي النون المصري قال: حصل لي همٌّ، فخرجت إلى شاطئ النيل، فرأيت عقربًا ركبت (¬١) ضفدعًا، فتبعتها إلى الشاطئ (¬٢) الآخر فنزل العقرب يمشي، وإذا شاب نائم تحت شجرة وأفعى تقصده؛ فلدغت العقرب الأفعى، والأفعى العقرب؛ فماتا جميعًا، وسلم الشاب، وكان سكرانًا، فأيقظه ذو النون، وعرفه بالقضية، فبكى، وقال: إلهي، هذا فعلك بمن عصاك، فكيف بمن أطاعك؟ فكان ذلك سبب توبة الشاب (¬٣). (عجب مِنْ ربٍّ (¬٤) يُقبِل، ويتحبب لعبده بنعمته، ومن عبد يدبر، ويتبغض إلى الله لمخالفته) (¬٥)، فمن رزقه الله تعالى إيمانًا وعقلًا، ثم صرف ذلك في موافقة الطبع ومخالفته الشرع؛ لا الإيمان يعقله، ولا العقل (¬٦) يعقله، فالمجنون أحسن حالًا من هذا؛ لأن المجنون من أهل الجنة، والقلم مرفوع عنه، ويثاب، وهذا العاقل يعاقب ويعاب فليته كان مجنونًا، ولم يكن عاقلًا مفتونًا، وهذه العقول أكادها (¬٧) باريها، فلو كمل عقل ابن آدم؛ لكان يراعي شمسه لكي لا تغيب؛ ولأسرع في دوام الشكر، وفيما يرضي الحبيب؛ لأن الله تعالى قد أسبغ عليه النعم: حفظ قلبه من الكفر، وصان وجهه عن السجود للصنم، وأكرمه بالاتباع لسيد الأمم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، أهل الجود والدين والشجاعة والكرم، قال الله ﷿: ﴿الْيَوْمَ

لكفر، وصان وجهه عن السجود للصنم، وأكرمه بالاتباع لسيد الأمم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، أهل الجود والدين والشجاعة والكرم، قال الله ﷿: ﴿الْيَوْمَ

أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. قال بعض اليهود لعمر بن الخطاب ﵁: لو أنزلت هذه الآية علينا؛ لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت (فيه هذه الآية) (¬١) على رسول الله ﷺ: عشية عرفة في يوم جمعة، فاجتمع في ذلك اليوم عيدان (¬٢). فاشكر الله أيها المؤمن! الذي مَنَّ عليك بذلك، وجعلك من خير الأمم، ولا تكثر المعاصي خوفًا من زوال هذه الخيرات والنعم؛ لأن الشكر هو العمل الصالح، قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]. ولما عوتب صلوات الله عليه وسلامه على كثرة اجتهاده وبكائه؛ وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟» (¬٣). وقال الله سبحانه في حقِّ نوح ﵇: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣] قال المفسرون: كان يشكر الله على (¬٤) كل حال من نفع أو ضرٍّ (¬٥). وقال ﷺ: «ينادى يوم القيامة: ليقم الحمادون، فتقوم زمرة، فينصب لهم لواء ويدخلون الجنة». وقيل: وما الحمادون؟ قال: «الذين يحمدون الله على كل حال» (¬٦).

وقال ﷺ: «ينادى يوم القيامة: ليقم الحمادون، فتقوم زمرة، فينصب لهم لواء ويدخلون الجنة». وقيل: وما الحمادون؟ قال: «الذين يحمدون الله على كل حال» (¬٦).

فالعاصي لا يعد من الشاكرين وإن أكثر من قول الحمد لله رب العالمين، قال المولى جل وعلا: ئي اتى. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨]. وكذلك حال من أكثر من الذكر وقراءة القرآن؛ وقلبه مُصر على المخالفة والعصيان، قال صلوات الله عليه وسلامه: «من أطاع الله فقد ذكر الله؛ وإن قلَّت صلاتُه وصيامُه، وتلاوتُه القرآن، ومن عصى الله فقد نسي الله وإن كثرت صلاتُه وصيامُه وتلاوته القرآن» (¬١). ثم اعلم بأن مثل الشيطان كالكلب الجائع: متى نهرته اندفع، فإذا كان عندك لحم هجم، ولم يندفع، فالشهوة إذا غلبت على القلب، استقر الشيطان فيه. واندفع الذكر إلى جوانبه وحواشيه، فلا يطمعن طامع باندفاع الشيطان عنه بمجرد الذكر، كما اندفع عن عمر بن الخطاب، فمن ظنَّ ذلك فقد أخطأ في ظنه وما أصاب. قال ﷺ: «ما سلك عمر فجًّا، إلا سلك الشيطان فجًّا غيره» (¬٢). وذلك لأنهم طهروا قلوبهم من الغِلِّ، والحسد، والكبر، وحب الدنيا، والخيانة، والرئاسة، والبخل، والحرص، ومن جميع الأغيار؛ فحينئذٍ صلحت لنزول الأنوار، فلمَّا تقربوا إلى الله تعالى بهذه العبودية؛ أبعد الله عنهم الشيطان. قال الله ﷿: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، والأصل في ذلك كله: تقوى الله ﷿، فما فات السالك الوصول، إلا لتضييعه الأصول.

ال الله ﷿: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، والأصل في ذلك كله: تقوى الله ﷿، فما فات السالك الوصول، إلا لتضييعه الأصول.

والتقوى حِمْيَةٌ تجْلي القلب من الشهوات الفاسدة، فإذا انجلى القلب، تمكن الذكر منه، فإذا تمكن منه ذكر الحبيب، لم يبق للشيطان فيه نصيب. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١]. فقلوب المتقين يطرقها الشيطان، إذا غفلوا عن ذكر الرحمن، فإذا ذكروا خنس، ولا يندفع بمجرد الذكر عن من استحوذ عليه الشيطان؛ لغفلته عن عزة الربوبية، وذلة العبودية. قال أبو هريرة ﵁: التقى شيطان المؤمن وشيطان الكافر، فإذا شيطان الكافر سمين دهين، وإذا شيطان المؤمن (مهزول أشعث عارٍ) (¬١)، فقال شيطان الكافر لشيطان المؤمن: ما لك؟ قال: أنا مع رجل إذا أكل سمى؛ فأظل جائعًا، وإذا شرب سمى؛ فأظل عطشانًا، وإذا ادهن سمى؛ فأظل شعثًا، وإذا لبس سمى؛ فأظل عريانًا. فقال شيطان الكافر: إني مع رجل لا يفعل شيئًا مما ذكرت؛ فأنا أشاركه في شرابه، وطعامه، ولباسه (¬٢). فانظر إلى بركة أسماء الله تعالى إذا ذكرت على شيء بورك (في ذلك الشيء) (¬٣)؛ ولم يكن للشيطان فيه نصيب؛ لعظمة اسم الحبيب. وفي الخبر: أن اسم الله تعالى يصير حجابًا لذاكره من الجن، إذا دخل الخلاء والأماكن المخيفة (¬٤). فسبحان مَنْ مَنَّ على عباده بهذه الخيرات اللطيفة، فانظر إلى بركة الأسماء كيف صارت حجابًا بين المؤمن وبين

Bagian 14 dari 15