اللمع في الحوادث والبدع

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya ابن بيدكين التركماني (w. 712 H).

Bagian 15 dari 15 853 halaman

— Bagian 15 · أعدائه في هذه الدار. وتصير إن شاء الله حجابًا في… —

Bagian 15

أعدائه في هذه الدار. وتصير إن شاء الله حجابًا في الآخرة بينه وبين النار، وقد نجَّى الله تعالى نوحًا وقومه بنصف البسملة، فكيف لا ينجِّي المؤمن بكلها؟! وكان إذا قال: بسم الله. جَرَت، وإذا قال: بسم الله. رَسَت، قال الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]. واعلم أن أبناء الدنيا يجعلون أسماء ملوكهم وكبرائهم على الأشياء؛ لكي لا يطمع فيها العدو، فكان الحق سبحانه يقول: عبدي إذا شرعت في عمل، فاجعل عليه اسمي، وقل: بسم الله الرحمن الرحيم، لكي تقع بركة اسمي عليك؛ فلا يصل عدوك إليك. وفي الحديث: «من رفع قرطاسًا من الأرض فيه بسم الله الرحمن الرحيم إجلالًا لله تعالى، كتبه الله تعالى من الصديقين، وخفف عن والديه، وإن كانا مشركين» (¬١). وكان سبب توبة بشر بن الحارث الحافي (¬٢)، أنه مر بقرطاس في الطريق تطؤه الأقدام فرفعه، وإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم، فمسحه وقبَّله، وكان معه درهمان لا يملك غيرهما، فاشترى بهما غالية، وطيب بها (¬٣) القرطاس، فرأى تلك الليلة قائلًا يقول في منامه: يا بشر، رفعت اسمنا عن الطريق وطيبته؛ لأطيبن (¬٤) اسمك في الدنيا والآخرة (¬٥). ومعنى قول العبد: بسم الله الرحمن الرحيم: أي بدأت بعون الله، وبركته، وتوفيقه، وهو تعليم من الله تعالى لعبيده.

أطيبن (¬٤) اسمك في الدنيا والآخرة (¬٥). ومعنى قول العبد: بسم الله الرحمن الرحيم: أي بدأت بعون الله، وبركته، وتوفيقه، وهو تعليم من الله تعالى لعبيده.

وقوله: الحمد لله، معناه: أي كل حمدٍ أتى به أحد من الحامدين، أو لم يأت به؛ فهو لله سبحانه، فيدخل فيه جميع المحامد المذكورة على لسان النبيين والملائكة والخلائق أجمعين إلى أبد الآبدين، فكأنه ﷾ يقول: الحمد لله طاعة غير متناهية، (فلا بد من مقابلتها بنعمة غير متناهية) (¬١)، فلهذا يستحق العبد الثواب الأبدي، والخير الدائم السرمدي، إذا راعى حقوقها، ولم يتشبه بكل عبد متمرد ردي، فمن لم يراع حقوقها؛ امتنع الفضل (¬٢) اللائق بها، وينبغي أيضًا رعاية موضعها، فلا يقولها إذا أكل، أو شرب، أو لبس، أو فعل شيئًا حرامًا لا يسمي الله تعالى في أوله، ولا يحمده في آخره، فإن سمى الله تعالى وحمده في شيء من الحرام والعصيان يأثم، ويشاركه الشيطان. عن سري السقطي قال: لي ثلاثون سنة أستغفر الله من قولي مرة: الحمد لله. فقيل له: كيف ذلك؟ قال: وقع الحريق ببغداد واحترق الدكاكين والدور، فأخبروني أن دكاني لم يحترق. فقلت: الحمد لله. فأنا في الاستغفار منذ ثلاثين سنة (¬٣). فانظر؛ لمَّا فرح بشيء لا يليق في الشرع، وقال: الحمد لله. في غير موطنه، ورثه ذلك حزن ثلاثين سنة، فلا ينبغي لأحدٍ إذا فعل شيئًا محرمًا أن يسمي الله في أوله، ولا يحمده في آخره؛ إجلالًا لله تعالى أن يذكر على فعل محرم، فمن فعل ذلك شاركه الشيطان؛ وجزاؤه جهنم. فقد ذكرنا ما اتفق لبعض الأحباب، عسى تتأدب النفس بشيء من هذه الآداب، فتحشر معهم، ومع النبي ﷺ وعلى الآل والأصحاب. ثم اعلم بأن الله تعالى قصَّ علينا قصص الأنبياء والأحباب (¬٤)، فكأنه يقول: هكذا فكونوا، لأحبكم (¬٥) كما أحببتهم، وأكرمكم كما أكرمتهم.

الآل والأصحاب. ثم اعلم بأن الله تعالى قصَّ علينا قصص الأنبياء والأحباب (¬٤)، فكأنه يقول: هكذا فكونوا، لأحبكم (¬٥) كما أحببتهم، وأكرمكم كما أكرمتهم.

وقصَّ علينا أخبار أعدائه: كفرعون، وهامان، وقارون، وإبليس. وكأنه يقول: هكذا فلا تكونوا؛ فأبغضكم كما أبغضتهم، وأبعدكم كما أبعدتهم. قال الله تعالى إخبارًا عن يونس ﵇: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]. وهذه وليمة عقدت ليونس ﵇ ولم نشهدها، ولكن الله تعالى جعل لنا نصيبًا فيها؛ لأنه هو المخبر بقوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. قوله: فنادى في الظلمات، يعني: في ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت. ولم يكن ذلك نقصًا لمرتبته السنية. وأنت أيها المؤمن! متى غلبت عليك النفس، ورأيتها تجور، وتكثر من المعاصي والفجور، فنادي في ظلمة النفس، وظلمة الطبع، وظلمة الهوى، ففرق بينك وبينه. ثم اعلم بأن قول يونس ﵇: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ تنزيه، وتسبيح، واعتراف. ومن أثنى على عزيز، فقد تعرض للطلب منه، وإن لم يطلب، ولذلك أجابه (¬١) الحق ﷾ بقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٨]. قال قائلهم: إذا أثنى عليك المرء يومًا … كفاه من تعرضه الثناء كريم لا يغيره صباح … عن الخلق الجميل ولا مساء ومعنى الآية: أي من اضطر إلينا أجبناه، ومن أقبل علينا قبلناه. فاضطر أيها العبد المملوك! لمولاك، وتوكل عليه، حتى يكون الغالب على ذكرك، فإن الخلائق لن يغنوا عنك من الله شيئًا، فمن أقبل بقلبه على الله تعالى؛ أقبل الله ﷿ بقلوب العباد عليه، ونظر بعين كرمه ومعرفته إليه.

قال المؤلف عفا الله عنه: أردت أن يكون هذا الكتاب جميعه في ذكر من خرج عن الشرع وابتدع، فجعل الله سبحانه بعضه في ذكر من اتبع لنبيه وحبيبه، وذلَّ لعظمته وخضع، وليس لأحد مشيئة (¬١) ولا اختيار، وربنا يخلق ما يشاء ويختار، وقد ذكرت أوصاف القوم، موعظة لنفسي أولًا، ولغيري ثانيًا؛ فإن ذكرهم يطرب القلوب، ورؤياهم تذكر بالله علام الغيوب، وقلت: عسى أن تتخلق النفس بشيء من أخلاقهم في الدنيا؛ فتحشر معهم في الآخرة، وإلى الآن ما شممت لذلك رائحة؛ ونفسي في جهلها وغيها غادية ورائحة. قال قائلهم: أسفي أموت وليس لي … عمل به نفسي تطيب والغبن أني راحل ما … لي من التقوى نصيب فرحم الله من قرأ هذا الكتاب، ودعا لهذا العبد المفتون باليقظة وحسن الخاتمة، وما ذلك بعزيز على من يقول للشيء: «كُنْ» فيكون. وقد جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ كان يقول في دعوة المسلم لأخيه: «مستجابة، عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير؛ قال الملك الموكل به: آمين، ولك مثله» (¬٢). رواية مسلم. وفي حديث آخر: «أسرع الإجابة دعوة غائب لغائب» (¬٣) رواية الترمذي. وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: استأذنت النبي ﷺ في العمرة، فأذن لي، وقال: «لا تنسانا يا أخي من دعائك». فقال: كلمة ما

ة دعوة غائب لغائب» (¬٣) رواية الترمذي. وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: استأذنت النبي ﷺ في العمرة، فأذن لي، وقال: «لا تنسانا يا أخي من دعائك». فقال: كلمة ما

يسرني أن لي بها الدنيا (¬١)، وفي رواية: «أشركنا يا أخي في دعائك». قال الترمذي: حديث صحيح (¬٢). والدعاء بظهر الغيب هو من صفة الأنبياء وحلية الأولياء، قال الله تعالى إخبارًا عن إبراهيم الخليل ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٤١]، وعن نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: ٢٨]، وقال سبحانه في حق المؤمنين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. فإذا مات العبد مسلمًا جمع الله تعالى له أدعية النبيين والصالحين، ومن دعا بخير كان له نصيب في ذلك الخير، ويجعل الكل في ميزانه، وذلك من فضل الله وامتنانه، وكذلك استغفار الملائكة، وإيمان العبد بالغيوب؛ الكل يوضع في الميزان زيادة على ما صنعه من الطاعة، وتكفير السيئات والذنوب. ولذلك (¬٣) طلبنا من إخواننا أن يتصدقوا علينا بإيصال إحسانهم ودعائهم إلينا، فدعاء الأخ لأخيه المسلم مقبول، والأعمال ما ندري هل تقبل أم لا؟ لحب الدنيا ولخروجنا عن طريق الرسول. اعلم رحمك الله! أن جميع ما غاب عن المؤمن وآمن به يكون في ميزانه يوم القيامة (¬٤): كإيمانه بالملائكة والنبيين، والكتب المنزلة على المرسلين، وبشهادته

اعلم رحمك الله! أن جميع ما غاب عن المؤمن وآمن به يكون في ميزانه يوم القيامة (¬٤): كإيمانه بالملائكة والنبيين، والكتب المنزلة على المرسلين، وبشهادته

أنهم كانوا على الحق المبين، وبإيمانه بوجود الجن والشياطين، وبالعرش والكرسي وبالكرام الكاتبين، وأن الحق سبحانه جعلهم علينا حافظين. ونؤمن بالصراط ودقته، والميزان وخفته؛ لأن بين كفتي الميزان خمس مئة سنة (¬١)، وكذلك طول اللسان، ومع ذلك ترجحه الذرة من الإحسان، وتنقصه الذرة من الذنوب والعصيان، ويدرك العبد ببصره كفتي الميزان، ويرى ما رجح من إحسانه، وكذلك النقصان، فمن رجحت حسناته سعد سعادة لم يشق بعدها أبدًا، ومن خفَّت موازينه شقي، ووقع في الخيبة والخسران، ومن تساوت حسناته وسيئاته جعل على الأعراف، وهو مكان مرتفع بين الجنة والنيران، فمن أراد من أهل الجنة أن يكون في وقت واحد ناظرًا إلى ربه مجتمعًا بنبيه وأهله وأقاربه، وبجميع المعارف والإخوان، كان له ذلك بقدرة الواحد الديان. والقبر روضة من رياض الجنة لكل عبد شكور، وحفرة من حفر النار لكل عبد كفور، ولو جُعِلا في قبر واحد فانتبه من رقدتك أيها المغرور! وسؤال منكر ونكير ولو مئة ألف في لحظة واحدة، وذلك عليهما يسير، وكذلك ملك الموت يأخذ أرواح العباد في جميع أقطار الأرض، ولو ألف ألف في ساعة واحدة، والله على كل شيء قدير.

لو مئة ألف في لحظة واحدة، وذلك عليهما يسير، وكذلك ملك الموت يأخذ أرواح العباد في جميع أقطار الأرض، ولو ألف ألف في ساعة واحدة، والله على كل شيء قدير.

ونؤمن أيضًا بالبعث بعد الموت، وبموت من في السموات والأرض إلا من شاء الله بنفخة إسرافيل في السور، وبنفخته الثانية يقوم من في السموات ومن في الأرض، ويبعث الله سبحانه من في القبور. ونؤمن بإخراج أهل الكبائر من النار بشفاعة النبيِّ المختار، وبدوام العذاب على الزنادقة المعطلين والكفار، وبالخلود في الجنة لأهلها من الأنبياء والأولياء الأخيار، وزادهم الحق سبحانه النظر إلى وجهه الكريم؛ زيادةً على ما أعد لهم فيها من النعيم المقيم، صح ذلك في الأخبار. والمعراج حقٌّ، وقد أسري بشخص النبي ﷺ في اليقظة إلى السماء إلى حيث شاء الله من العُلى، وأكرمه بما شاء وأوحى إليه ما أوحى، وأكرمه بالحوض المورود، غياثًا لأمته من العطش الأكبر، وأنطق له الجامدات، وانشق له القمر، وكلمه الذئب والبعير والشاة المسمومة، ونزل بدعائه في الحر الشديد الغيثَ والمطر، وتفل في الماء المالح فكثر بعد قلته وصار عذبًا، صحَّ ذلك في الأخبار (¬١). ونؤمن بأخذ الإنسان كتابه من وراء ظهره، وبيمينه، وفي اليسار؛ هذا في وقت العرض. ونؤمن أيضًا بتبديل السموات والأرض، وأن الله على كل شيء قدير، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، غني عن جميع الكائنات، وكل شيء إليه فقير، استوى على العرش غير محتاجٍ إليه، فمن قال غير هذا القول فقد افترى عليه، ولا يفنى ولا يبيد، ولا يكون أبدًا إلا ما يريد. ومن وصف الحق سبحانه بمعنى من معاني البشر فقد أخطأ وكفر، واحدٌ لا شريك له، لا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره، قديم بلا ابتداء، دائم بلا انتهاء، لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام، ولا تشبهه الأنام، خالق بلا حاجة، رازق بلا مؤنة، باعث بلا مشقة، يقرب من يشاء يشاء

بفضله، ويبعد من بعدله، لا رادَّ لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا غالب لأمره. والقرآن العظيم أنزله على نبيه وحبيبه ﷺ، وصدَّقه المؤمنون، وتحققوا أنه منزل غير مخلوق، فمن زعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد أوعدَ الله تعالى سقَر لمن قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ [المدثر: ٢٥]، فمن بصَّره الله اعتبر، ومن مثَّل هذا القول انزجر. والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية. سئل أبو حنيفة ومالك رحمة الله عليهما: كيف استوى الله سبحانه على العرش؟ قالا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة (¬١). والرؤية حقٌّ؛ لقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، ولما صحَّ في الأخبار المتواترة، وما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأوِّلين بآرائنا، ولا متوهِّمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله ﷿، ولرسوله ﷺ. ونؤمن بما جاء به رسول الله ﷺ على مراد رسول الله ﷺ، فتأويل الرؤية والاستواء والنزول والكلام وكل معنى يضاف إلى الربوبية؛ ترك التأويل ولزوم التسليم على ذلك دين المرسلين وعباد الله الصالحين، فنعتقد أن الله سبحانه اتخذ إبراهيم خليلًا وموسى كليمًا. وأهل الإيمان هم أولياء الرحمن، وأكرمهم عند الله أتقاهم، وهو العامل بالسنة والقرآن، ومن خرج عن حكمهما فهو أشقاهم، قد غلب عليه الشقاء والخذلان. فطوبى لعبد قدَّر الله تعالى على يده الخير والتقى والإحسان، والويل

العامل بالسنة والقرآن، ومن خرج عن حكمهما فهو أشقاهم، قد غلب عليه الشقاء والخذلان. فطوبى لعبد قدَّر الله تعالى على يده الخير والتقى والإحسان، والويل

ثم الويل لمن قدِّر عليه الشرَّ والبدع والعصيان، ويلقى الله تعالى وهو عليه غضبان. ثم اعلم بأن الله سبحانه خلق الجنة والنار، لا تبيدان ولا تفنيان، وخلق لهما أهلًا لا يزيدان، ولا ينقصان، فترى كل أحد يعمل لما خُلِق له، وما قدر عليه في الأزل. والخير والشرُّ مقدران، كتب الله سبحانه مقادير الخلائق قبل خلق السموات والأرض حتى الكيس والمهان، والأعمال بالخواتيم. وما من أحدٍ إلا وقد كتب مقعده من الجنة أو النيران، فالسعيد سعيد، والشقي شقي، وهم من أصلاب آبائهم، وقد جفَّ القلم بما هو كائن وما كان، فمن كان من أهل السعادة فَسَيُيَسَّرُ لعمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشر والطغيان، لا يكون شيئًا بغير قضاء الله. وأن العبد غير زائل عن (¬١) قضاء الواحد الديان (¬٢)، لا حول ولا قوة إلا بالله تفسيرها: لا حول، ولا حيلة، ولا حركة، ولا تحوُّل لأحدٍ عن معاصي الله إلا بمعونة الله تعالى، ولا قوة ولا طاقة لأحد على طاعة الله إلا بالله. ولا يثبت عليها إلا بتوفيق الله سبحانه جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، غلبت مشيئته المشيئات، وغلب قضاؤه الحيل، والحذر لا يرد القضاء والقدر. ونسمِّي أهل القبلة مؤمنين، ما داموا على ما جاء به رسول الله ﷺ معترفين مصدقين بكل ما قاله، وأخبر به، لا نكفر أحدًا منهم بذنب، ما لم يستحله (¬٣)، ونرجو لمحسنهم، ونخاف على مسيئهم، ولا نؤمِّن أحدًا من أهل الطاعة، ولا نقنط أحدًا من أهل المعصية.

أخبر به، لا نكفر أحدًا منهم بذنب، ما لم يستحله (¬٣)، ونرجو لمحسنهم، ونخاف على مسيئهم، ولا نؤمِّن أحدًا من أهل الطاعة، ولا نقنط أحدًا من أهل المعصية.

ولا نخوض في الله ﷿، ولا نماري في الدين، ولا نجادل في القرآن، ونعلم أنه كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين محمد ﷺ، وعلى جميع النبيين، وعباد الله الصالحين، ولا نقول بخلقه، ولا نخالف جماعة المسلمين وأئمة الموحدين. ونحب أهل العدل والأمانة، ونبغض أهل الجور والخيانة. ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم أجمعين، ولا نُفْرِط في حبِّ أحدٍ منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الحق يذكرهم، محبتهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم نفاق وذنوب وطغيان، ونشهد لمن أدركته المنية وشهد له النبي ﷺ بالجنة، فمن أحسن القول في أصحاب رسول الله ﷺ وفي أزواجه وذرياته برئ من النفاق. وعلماء السلف ومن بعدهم من أهل الدين والأثر، والفقه والنظر لا يذكرون إلا بالجميل، فمن ذكرهم بسوء فهو مطرود عن باب الله، وهو على غير السبيل. وسُئل أبو حنيفة ومالك ﵄: مَنْ أهل السنة والجماعة؟ قالا: من قدَّم أبا بكر وعمر، وأحب عليًّا وعثمان، وأحب الحسنين، ورأى المسح على الخفين، ولم يكفر أحدًا بذنب، ولم ينطق في الله بشيء (¬١). ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء. ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم. ونؤمن بما جاء أن الله سبحانه يعجب ويغضب، ويرضى ويفرح،

. ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء. ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم. ونؤمن بما جاء أن الله سبحانه يعجب ويغضب، ويرضى ويفرح،

ويضحك، لا كأحدٍ من الورى، بل كما يليق بعظمته وجلاله، بلا مثل ولا كيف. ونؤمن بخروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ من السماء، وبطلوع الشمس من مغربها، وبخروج دابة الأرض (من موضعها) (¬١). ولا نصدق كاهنًا ولا عرافًا، ولا من يدعي شيئًا بخلاف الكتاب والسنة وإجماع الأمة. ونرى الجماعة حقًّا وصوابًا، والفرقة زيغًا وعذابًا، ودين الله في السماء والأرض واحد وهو دين الإسلام، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. ونسأل الله العظيم أن يثبتنا عليه، وعلى الوقوف بين يديه، ويرزقنا عملًا يرضى به عنا، ويوصلنا إليه، ويحرسنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الرَّدية: كالرافضة، والمشبهة، والجهمية، والجبرية، والقدرية، والمبتدعة (¬٢)، الذين ضلَّ سعيهم لمخالفتهم لخير البرية، كرماة البندق، وما شرعه كبراؤهم من الأفعال والأقوال الرَّدية، وكفتيان هذا الزمان، الذين أضافوا القبائح لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ونبرئه مما رمته به هذه الطائفة الخبيثة من المعاصي والأفعال المهوية، ونسأل الله العظيم أن يوفقنا وإياهم للطريقة المحمدية (¬٣). ونسأله السلام من جميع البدع، ومما تفعله الطائفة القرندلية، ومن طرق أهل الزيغ والبدع الموافقين لسنة (¬٤) أشياخهم، الخارجين عن السنة المضيئة الموصلة إلى حضرة الصمدية، فمنه التوفيق، ومنه التعويق لهذه القضية.

إلهي، أنت الذي تفضلت بالإحسان من قبل توجه (¬١) العابدين، وأنت الجواد بالعطاء من قبل طلب الطالبين. إلهي، اطلبني (¬٢) برحمتك حتى أصل إليك، واجذبني بمنتك حتى أقبل عليك، يا من احتجب في سرادقات عرشه (¬٣) عن أن تدركه الأبصار، يا من تجلى بكمال بهائه فتحققت عظمته، الأسرار كيف تخفى وأنت الظاهر؟ أم كيف تغيب وأنت الرقيب الحاضر؟ إلهي، بروزي في الآثار يوجب بُعد المزار، فاجمعني عليك بخدمة، توصلني إليك. إلهي، ذلي قد ظهر بين يديك، وحالي لا يخفى عليك، منك أطلب الوصول إليك، وبك أستدل عليك، فاهدني بنورك إليك، وأقمني بصدق العبودية بين يديك. إلهي، عميت عينٌ لا تراك عليها رقيبًا، وخسرت صفقة عبدٍ لم تجعل له (من حبك) (¬٤) نصيبًا. إلهي، أمرت بالرجوع إلى الآثار، فارجعني إليها بكسوة الأنوار، وهدى الاستبصار حتى أرجع إليك منها، كما دخلت منك إليها: مصون

السِّر عن النظر إليها، ومرفوع الهمة عن الاعتماد عليها، إنك على كل شيء قدير. اللَّهم، الطف بنا في قضائك، وأوزعنا شكر نعمائك، وصبرنا على بلائك، واجعلنا من أحبابك. اللَّهم، أقبل بقلوبنا عليك، واجعلنا من المستسلمين لإلهيتك، ومن الدائمين بين يديك، وأرحنا من كل تدبير لنا (¬١) معك أو عليك، وأخرج ظلمات التدبير من قلوبنا، وأشرق نور التفويض في أسرارنا حتى نعلم أنه لن يصيبنا إلا ما كتبت لنا، ولا نعطى إلا ما قسمت لنا، وأشهدنا حسن اختيارك لنا حتى يكون ما تقضيه فينا، وتختاره لنا، أحب إلينا من اختيارنا لأنفسنا. اللَّهم، إنك دعوتنا إلى الانقياد إليك، وإلى الدوام بين يديك، وإنا عن ذلك عاجزون إلا أن تُقدِّرنا، وضعفاء إلا أن تقوِّينا، فوفقنا إلى ما به أمرتنا، وأعنا على الانكفاف عما عنه نهيتنا. اللَّهم، إنك قدرت كلَّ شيء (قبل وجود كلِّ شيء) (¬٢)، وقد علمنا أنه لا يكون إلا ما تريد، وليس هذا العلم نافعًا لنا إلا أن تريد، فزدنا بعنايتك، واجعلنا من أهل ولايتك، يا خير الموالي دعاك بئس العبيد.

(¬٢)، وقد علمنا أنه لا يكون إلا ما تريد، وليس هذا العلم نافعًا لنا إلا أن تريد، فزدنا بعنايتك، واجعلنا من أهل ولايتك، يا خير الموالي دعاك بئس العبيد. اللَّهم، اسلك بنا مسالك أولي الألباب، ورقنا إلى درجة (¬٣) الأحباب، واحفظ قلوبنا من الركون إلى غيرك، واحرسها من الزيغ والارتياب، وثبِّتها على طاعتك وسنة رسولك ﷺ تسليمًا كثيرًا وعلى الآل والأقارب والأصحاب، وعلى التابعين ممن أطاع ربه وعمل بسنة نبيه وحبيبه ثم أناب. واعلم أيها المؤمن! أن الله ﷾ أمرك بخدمته، وضمن لك ما قدَّره لك من قسمته، فأهملت ما أمرك به من طاعته، وشككت فيما

ضمن لك من قسمته، ولم يكتف لك بالضمان حتى أقسم، وما اكتفى بالقسم حتى مثَّل، وخاطب عبادًا يفهمون بقوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ [الذاريات: ٢٢ - ٢٣]. وقد اكتفى بوصفه العارفون، واحتال على كرمه الموقنون، ولو لم يكن قسَمٌ ولا ضمان لوثق القوم بوجود الإحسان، والحقُّ ﷾ قد رزق أهل الجحود والكفر والطغيان، فكيف لا يرزق من أطاعه من أهل الخير والإيمان. الغارس للشجرة هو ساقيها، والممد للخليقة هو باريها، ويكفيها أنه ﷿ كافيها، أيخرجك إلى وُجُودِه، ويمنعك من جُودِه؟ أتكون في دار الضيافة وتضيع؟ الدنيا داره، وأنت فيها كالضيف الراحل عن أيام قلائل، اجعل مكان همِّك برزقه همَّك به، فهو يكفيك، وما كان لك سوف (¬١) يأتيك، فالحق ﷾ ما اكتفى لعبده المؤمن بالدنيا حتى ادَّخر له مكانًا رفيعًا في الجنة، واستقل ذلك عليه، فزاده التمتع برؤيته، وبالنظر إليه، فإذا كان أيها المؤمن! هذا من بعض أفعاله فكيف تشك في أفضاله؟! ولقد ظهرت الطريق لأهل التحقيق، وتبين معالم الهدى لأهل التوفيق، فأذعنوا لربوبيته مسلمين، وطرحوا أنفسهم بين يديه مفوِّضين، فعوَّضهم عوض ذلك راحةً في نفوسهم، ونورًا في قلوبهم، وتحقيقًا في أسرارهم.

لهدى لأهل التوفيق، فأذعنوا لربوبيته مسلمين، وطرحوا أنفسهم بين يديه مفوِّضين، فعوَّضهم عوض ذلك راحةً في نفوسهم، ونورًا في قلوبهم، وتحقيقًا في أسرارهم. أفرغ قلبك من الأغيار؛ يملأ بالمعارف والأنوار، ليس للقلب إلا وجهة واحدة، متى توجه (إليها حُجب عن غيرها) (¬٢)، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤].

لا تستنبط من الله سبحانه الجود والنوال، ولكن استنبط من نفسك وجود الطاعة والإقبال، مَنْ لم يعرف قدر النِّعم في وجدانها، عرفها بوجود فقدانها، لا يدهشك واردات النعم عن القيام بحقوق شكر (¬١) الله تعالى، فإن ذلك مما يحط من وجود قدرك. تمكن حلاوة الهوى من القلب هو الداء العظيم، لا يغسل الشهوة من القلب إلا خوف مزعج، أو شوق مقلق، كما أن الله ﷾ لا يحب العمل المشترك، كذلك لا يحب القلب المشترك، من أخلص عمله لله تعالى قبله، ومن أخلص قلبه أقبل عليه (¬٢). بوجود الإخلاص زكت الأعمال، ووصل العُمَّال، قال المولى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. متى حصل في القلب الإخلاص، وذهب منه البدع والأكدار، بُدِّل ليل فاعله بنهار، أي بدل ليل المعصية بنهار الطاعة، كان بعضهم يقول: ليلي بوجهك مشرق … وظلامه (¬٣) في الكون ساري فالناس في سدف الظلام … ونحن في ضوء النهار والأنوار على أقسام: نور أُذن له في الوصول، ونور أُذن له في الدخول (¬٤)، وربما وردت الأنوار، فوجدت القلب قد امتلأ بصور الآثار، فارتحلت من حيث نزلت، فالنور الذي أذن له بالدخول إن وجد القلب خاليًا، وإلا أزال (ما فيه من) (¬٥) الكدر ثم نزل؛ قال الله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]. يا عبد الله، طهِّر المنزِل

حتى ينزِل، يقول الله ﷿: «لا يسعني أرضي ولا سمائي، ويسعني قلب عبدي المؤمن» (¬١)، ما أحببت شيئًا وانجمعت عليه إلا كنت (¬٢) عبدًا له، والحق ﷾ لا يرضى أن تكون عبدًا لغيره، وصول العبد إلى الله تعالى أي إلى العلم به، وإلا فجَلَّ ربنا أن يتصل إليه شيء، قربك منه هو أن تكون شاهدًا لقربه؛ وإلا فمن أنت ووجود قربه؟ الحقائق تَرِد في حين التَّجلي مجملة، وبعد الوعي يكون البيان: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٨ - ١٩]، متى وَرَدَتْ الموارد الإلهية إليك، هدمت العوائد عليك: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ [النمل: ٣٤] الآية (¬٣). فإن قال قائل: نسلم أن الملك الكافر إذا دخل قرية أفسدها بعمارة الكنائس، وخراب المساجد، ويعصى الحبيب، ويظهر دين الصليب، فأما الملك المؤمن إذا دخل قرية أو مدينة سعى في العدل، وعمارة المساجد وخراب الكنائس، وأطاع المولى الرقيب، وأظهر دين الحبيب، فيقال للسائل: وهذا أيضًا فساد عند أهل الكفر والعناد: خراب الكنائس والبيع، وعمارة المساجد للصلوات الخمس والأعياد والجمع. ومثل القلب كالملك العادل: متى تحكَّم في مدينة وُجُودِ المسلم، انصلح الحال، وذهب الباطل والمحال؛ لأنه يسعى في خراب كنائس الهوى وهلاك خنازير المخالفة، فتصبح أهل المدينة مطيعة لله تعالى، وهي من سطوته خائفة، ومتى تحكمت النفس في هذه المدينة يكثر فيها الظلم والفساد، فيغضب عليها الحقُّ سبحانه، ويستوجب البُعد والعذاب.

ينة مطيعة لله تعالى، وهي من سطوته خائفة، ومتى تحكمت النفس في هذه المدينة يكثر فيها الظلم والفساد، فيغضب عليها الحقُّ سبحانه، ويستوجب البُعد والعذاب.

فمن وافق نفسه مُحِي من ديوان أهل الطاعة، ومن شُغِل بها غفل عن أهوال يوم الساعة، ومن كانت هذه بضاعته فبئس والله البضاعة، ألم تسمع قول الواحد القهار: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]. فمن سوء عادتها ونحس قاعدتها تعصي الواحد الأحد، وتبيع شهوة ساعة بنعيم الأبد؛ لأن عمر ابن آدم كساعة، ولذلك جعله الولي طاعة، فمن مَنَّ اللهُ عليه، أصلح نفسه، فتجهز للقاء ربه وسارع إليه. ثم اعلم بأن الناس في وُرُودِ المنن على ثلاثة أقسام: فَرِحٌ بالمنن لا من حيث مهديها، ولكن لوجود متعة فيها، فهذا من الغافلين يصدق عليه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤]، وفَرِحٌ بالمنن من حيث أنه شهدها منة ممن أرسلها، أو نعمة ممن وصَّلها، يصدق عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]. وفَرِحٌ بالله سبحانه لم يشغله ظاهر متعتها، ولا باطن منتها؛ بل شغله النظر إلى الله تعالى عما سواه، والجمع عليه، فلا يشهد إلا إياه، ويصدق عليه قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١]. وأوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود، قل للصديقين: بي فليفرحوا، وبذكري فليتنعموا. نسأل الله العظيم أن يجعل فرحنا به، وأن لا يجعلنا من الغافلين، وأن يسلك بنا مسالك المتقين، وأن يرزقنا ما رزقهم من الدين القيم والرضَى واليقين، وأن يفعل ذلك بجميع المسلمين؛ إنه (¬١) على كل شيء قدير (¬٢). ثم اعلم بأن الحضرة الإلهية هي مأوى قلوب المتقين، إليها يأوون، وفيها يسكنون، فإن ينزلوا إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ، فبالإذن والتمكين، والرسوخ في (¬٣) اليقين، فلم ينزلوا إلى الحقوق بسوء الأدب، والغفلة، ولا إلى الحظوظ بالشهوة، والمتعة، بل دخلوا في ذلك كله بالله،

وظ، فبالإذن والتمكين، والرسوخ في (¬٣) اليقين، فلم ينزلوا إلى الحقوق بسوء الأدب، والغفلة، ولا إلى الحظوظ بالشهوة، والمتعة، بل دخلوا في ذلك كله بالله،

ولله، ومن الله، وإلى الله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠)﴾ [الإسراء: ٨٠]. ينصرني على شهود نفسي، ويُغَيِّ بُني (¬١) على دائرة حسي؛ لأنه ما وصل إلى صريح الحرية مَنْ عليه من نفسه بقية. ثم اعلم: إن كان عين القلب تنظر إلى الله تعالى أنه واحد في منته، فالشريعة تقتضي أن لا بد من شكر خليقته. والناس على أقسام ثلاثة: غافل منهمك في غفلته، قويت دائرة حسه، وانطمست حضرة قُدسه، فنَظَرَ الإحسانَ من المخلوقين، ولم يشهده من رب العالمين، إما اعتقادًا؛ فشِركُه جَلِيٌّ، وإما استنادًا؛ فشِركُه خفيٌّ. وصاحب حقيقة غاب عن الخلق بشهوده الملك الحق، وفني عن الأسباب بشهوده مسبب الأسباب، هذا عبد مواجَهٌ بالحقيقة، ظهر عليه سَنَاها، سالك للطريقة، قد استولى على مداها؛ لكنه غريق الأنوار، مطموس الآثار، قد غلب سكره على صحوه، وجمعه على فرقه، وفناؤه على بقائه، وغيبته على حضوره. وأكمل من هذا عبدٌ شرب فازداد صحوًا، وغاب فازداد حضورًا، فلا جمع يحجبه عن فرقه، ولا فرق يحجبه عن جمعه، ولا فناء يحجبه (¬٢) عن بقائه، ولا بقاء (¬٣) يصده عن فنائه؛ يعطي لكل ذي قسط قسطه، ويوفي كل ذي حق حقه. وقد قال أبو بكر الصديق لعائشة ﵁ لما نزلت براءتها من الإفك على لسان رسول الله ﷺ: يا عائشة! قومي إلى رسول الله ﷺ. فقالت: والله لا أقوم إليه، ولا أشكر إلا الله تعالى (¬٤).

دلَّها أبو بكر على المقام الأكمل المثبت للآثار (¬١)، قال الله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]. وقال رسول الله ﷺ: «لا يشكر الله (من لا) (¬٢) يشكر الناس» (¬٣). وكانت هي ﵂ في ذلك الوقت غائبة عن الآثار، لم تشهد غير الواحد القهار (¬٤).

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فانظر رحمك الله! ماذا وهب الحقُّ سبحانه لهؤلاء العبيد، فسبحان المولى المجيد المعطي بغير حساب، الفعَّال لما يريد، فارض أيها المؤمن! بقضاء سيدك، وكن متبعًا للسنة شاكرًا لأنعمه، يأتيك من الله سبحانه الخير والمزيد، ولا تكن مبتدعًا متعرضًا، فيسخط الله عليك، يوم تأتي كل نفس معها سائق وشهيد، وكان بعضهم يقول هذه الأبيات في المعنى: كن عن همومك معرضًا … وكِل الأمور إلى القضا وأبشر بخير عاجل … يمحى به ما قد مضى فلرب خيرٍ في المضيق … ورب ضيق في الفضا ولرب أمرٍ مسخط … لك في عواقبه الرضا والله يحكم ما يريد … فلا تكن متعرضًا

غلب على بعض الصالحين الوله، فلم يشعر حتى دخل أرض العدو، فأسره بعض علوج النصارى، وجاء به لسوقهم، فبينما هم يتزايدون في ثمنه رُدَّ عقلُه إليه، فرمق بطرفه إلى السماء وقال: أوقعني حبك فيمن يزيد في موقف الذل وسوق العبيد، قد حضر البائع والمشتري، عبدك (¬١) راضٍ فافعل (¬٢) ما تريد (¬٣). فانظر أيدك الله تعالى! إلى أوصاف إخوانك، صار أحدهم كالميت

بين يدي غاسله (¬١)، لا يختار معه شيئًا (¬٢).

وأنت أيضًا تقول: كل ما يفعله الله تعالى بعبده هو خير له، وتزعم أنك من جملة العبيد، وأنت تتلون على الله سبحانه، لك في كل يوم لون جديد، فقد خالف قولك فعلك، يا من تدعي العبودية والرضَى والتوحيد، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣]. كذلك قول بعض المخذولين في ظاهر الأمر: إن الشيطان للإنسان عدو مبين، وهو صديقه في الباطن، فمثله كمثل من قال: إن العسل مسموم، ثم مدَّ يده ليأكل منه،

]. كذلك قول بعض المخذولين في ظاهر الأمر: إن الشيطان للإنسان عدو مبين، وهو صديقه في الباطن، فمثله كمثل من قال: إن العسل مسموم، ثم مدَّ يده ليأكل منه،

فمن سبَّ الشيطان بلسانه ثم ساعده بعمله، ووافقه بما يهواه فهو عبد الشيطان لا عبد خالقه ومولاه؛ قال الله سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقال الواحد المنان: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس: ٦٠]. وما كثَّرنا الكلام إلا لأن طبع الآدمي ثقيل، محتاج إلى تزويق الكلام وإلى التطويل، ولو عمل بآية من كتاب الله تعالى وهو قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]. أو عمل بحديث من أحاديث رسول الله ﷺ ما كان يحتاج إلى غيره، وهو قوله ﷺ: «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» (¬١)، فقد علمت أن النفس ثقيلة، ولذلك يعصي الله سبحانه ويخالف أوامره الجليلة. قال أبو يزيد: لو أن زمامي بيد كلب، كان أحب إليَّ من أن يكون زمامي بيد نفسي (¬٢). وقال بعض العارفين: من ذاق طعم نفسه قلَّ فلاحه. نسأل الله العظيم الذي أذاقنا طعم أنفسنا أن يذيقنا حلاوة حبه. واعلم أنه لا يجد طعم حبِّ الواحد الخلاق إلا كل عبد تقي زاهد مشتاق. تَمَّ كتاب اللمع في الحوادث والبدع (¬٣). غفر الله لمؤلفه ولقارئه ولسامعه، ولمن عمل بالسنة واتبع، ولمن أصلح شيئًا قاله المؤلف، فخرج بذلك الشيء عن السنة، وفي البدعة وقع وخالف أهل الدين والورع.

فر الله لمؤلفه ولقارئه ولسامعه، ولمن عمل بالسنة واتبع، ولمن أصلح شيئًا قاله المؤلف، فخرج بذلك الشيء عن السنة، وفي البدعة وقع وخالف أهل الدين والورع.

ووافق الفراغ من تأليفه في أشرف المكان، وأبرك الزمان (¬١)، وذلك في مكة المعظمة، وفي شهر رمضان، في أوائل القرن الثامن من الهجرة المحمدية. أعطانا الله تعالى خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وكفانا شرَّها وشرَّ أهلها وشرَّ ما فيها، وسلمنا من الأفعال والأقوال الخارجة الرَّدية. وكان اختيار المؤلف أن يكون هذا الكتاب كله في حق من خرج عن السنة وابتدع، فجعل الله تعالى ذلك فيه، وشيئًا من التفسير، والأحاديث، والزهد، وأخبار أهل الشَّره والطمع، وكنت أريد أكتب شيئًا، فيذهب الله تعالى بذلك الشيء، ويلقى في بالي غيره، ويُسهِّل عليَّ ما سمعته من الفقهاء المرضية، ومن الفقراء المتبعين لخير البرية صلى الله عليه وعلى آله وأقاربه وأزواجه وذرياته أهل الدين، والورع والأخلاق الرضية، وعلى أصحابه: أهل الشجاعة والكرم المشبهين بالنجوم المضيئة. الحمد لله الذي وفَّقني لجمعه، وأعانني عليه، وأسأله أن يجمع أمري على التقوى، ولا يجعله حجة عليَّ يوم أقف بين يديه، اللَّهم سهل لنا طريقًا توصلنا إليك، وارزقنا الراحة في قلوبنا بالتوكل عليك، مثبتين في (¬٢) خدمتك، محققين بمعرفتك، متبعين لسنة رسولك، وارثين عنه، آخذين منه يا ربَّ العالمين، وافعل ذلك بالوالدين والأقربين، وبجميع الأصحاب والأحباب والمسلمين، والله على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين وصلواته ورحمته وبركاته على سيد المرسلين، وعلى جميع النبيين، وعباد الله الصالحين. من قرأ في أول هذا الكتاب، عذر المؤلف، ولم يكثر العتاب. حيث قال المؤلف: تمسَّك بحبل الله واتَّبع الهدى … ولا تكُ بدعيًّا لعلك تفلِحُ

ولُذْ بكتاب الله والسنن التي أتتْ … عن رسول الله تنجُو وتربحُ وسافر بهذا الزَّاد تلقى سلامةً … وأمنًا وخيرًا حين تمسي وتصبحُ (¬١) غفر الله لكاتبه ورحمه برحمته الواسعة، وجعل القرآن الكريم أنيسه وشافعه ومالكه وقارئه، وسامعه، وجميع المسلمين (¬٢).

بسم الرحمن الرحيم

فصلٌ في الفتُوَّة تأليف العبد الضعيف: إدريس بن بيدكين التركماني الحنفي، عامله الله تعالى وجميع المسلمين بلطفه الخفي، وثبَّته على الدِّين الحنيفيِّ، والمذهب الحنفي، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم ما ظهر نجم وما خفي. الفتوة هي الإيمان والهداية، قال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، واتباع المبعوث بالرسالة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال: ٦٤]، وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢]، وقال سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وفي آيةٍ أخرى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١]، قال المفسِّرون: من يطع الله في فرائضه والرسولَ في سننه فقد فاز فوزًا عظيمًا. وقال تعالى تعظيمًا لمرتبة نبيه وحبيبه وتمكينًا: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]. فمن عمل بسنته فقد أطاعه، ومن خرج عنها فقد عصاه، فحينئذٍ يخاف على من عصاه أن تكون النار مأواه؛ لقوله صلوات الله عليه وسلامه: «كل الناس يدخلون الجنة إلا من

مل بسنته فقد أطاعه، ومن خرج عنها فقد عصاه، فحينئذٍ يخاف على من عصاه أن تكون النار مأواه؛ لقوله صلوات الله عليه وسلامه: «كل الناس يدخلون الجنة إلا من

أبى» قالوا: ومن أبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» (¬١)، والخروج عن الطريق هو عدم التوفيق، فاسلك الطرقَ ولو دارت؛ إن أردت الوصول، وائت البيوت من أبوابها إن أردت الدخول. والاقتصاد في السنة خيرٌ من الاجتهاد في البدعة. قال ﷺ: «عملٌ قليل في سنَّةٍ خيرٌ من كثير في بدعة». وطريق النبي ﷺ قريب وتوصل إلى الحبيب، فمن دخلها أدخله الله دار القرار، ومن عدل عنها سلك الأوعار، ويخاف عليه من عذاب النَّارِ وسخط الجبار، والخوارج كلاب النار. كذا ورد في الأخبار عن السيد المختار الكامل الأنوار ﷺ صلاةً دائمةً إلى يوم القرار. قال الله سبحانه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]، معناه: يا أهل كل كتاب لستم على شيء حتى تكونوا متبعين لا مبتدعين، والمبتدعين ليسوا من المتقين وأعمالهم مردودة عليهم لقول رب العالمين: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، فأعمالهُم أُعميَ، وأفعالهُم أفعَى لهم.

متقين وأعمالهم مردودة عليهم لقول رب العالمين: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، فأعمالهُم أُعميَ، وأفعالهُم أفعَى لهم. والفتى من اتبع، والشيطان من ابتدع، فمن يدعي الفتوة ويجمع الجموع والمردان، ويلبسهم لباسًا ويشد تكة بيده، ويسقهم ماءً وملحًا، ويمد لهم الخوان، فقد خرج عن السنة والقرآن، وخالف في فعله هذا جميع الأديان، واتبع طريق المغرورين الهالكين المبعودين عن رحمة رب العالمين؛ لأنهم خرجوا عن طريق سيد المرسلين والصحابة المكرمين والأئمة الراشدين، وأضافوا هذه القبائح لأمير المؤمنين، فهم مساكين حيارى، لا هم داخلون في طريق نبيهم، وخرجوا عن شرع اليهود والنصارى، قال الله سبحانه: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وكل أحد له سبيل أي طريق، والكل يبعد عن الله، والطريقُ الموصلة إلى من له الفضل والمنة هي الكتاب والسنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا

نَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وكل أحد له سبيل أي طريق، والكل يبعد عن الله، والطريقُ الموصلة إلى من له الفضل والمنة هي الكتاب والسنة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا

تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، وهذه الآيات محكمات بإجماع المفسرين لم يُنسخن بشيء، فمن عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار. قال صلوات الله عليه وسلامه: «المتمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مئة شهيد»، فالسني في الدنيا شهيد وفي الآخرة سعيد، والمبتدع في ضلال بعيد. قال المبعوث بالرسالة: «كل بدعة ضلالة». والفتوة التي تعمل في هذا الزمان هي من أقبح البدع، وهي مما ترضي الشيطان، وتغضب الرحمن، ما هي مذكورة في الحديث، ولا نطق بها القرآن، وقد نصحتك يا أخي والنصح من الإيمان. ثم اعلم بأنها تشتمل على معاصي كثيرة، منها: كذبهم على الله تعالى؛ لأن كبيرهم إذا وقف يقول: وقوفي لله. ووقوفه لعلَّة لا لله، ويقول: وفي طاعة الله. فكذب في الأول ولا صدق في الثاني؛ لأنه وقف يدعو الناس إلى الباطل، وبعد هذا يقول: واتباعي في هذه الفتوة لآل بيت النبوة، واللباس لفلان، والفتوة فتوة علي بن أبي طالب. والله ما هذه صفة من هو في الله ورسوله راغب؛ لأنه كذب في الأول، ولا صدق في الثاني، وأخطأ في الثالث. وجمعهم المردان وإخوان البطالة، وهذي الأخرى من الضلالة؛ لأن الشعبي وغيره من مشايخ الأشياخ، كلٌّ منهم نهى أن يحد الرجل النظر إلى الغلام الأمرد الحسن الوجه، ونهى أيضًا عن مجالسته، وأقام أمرد من بين يديه وأجلسه خلفه وقال: كانت خطيَّة داود النظر. فمن خالف قول النبي ﷺ وفعله فهو عبد محجوب إلا أن يتوب؛ فينال حينئذٍ المطلوب. قال بعضهم شعرًا: ليس الشجاع الذي يحمي مطيته … يوم النِّزال ونار الحرب تشتعل لكن فتًى غضَّ طرفًا أو ثنى قدمًا … عن الحرام فذاك الفارس البطل وقال ﷺ: «حرِّمت النار على عينٍ غضت عن محارم الله». والبدعة الأخرى شد تكة الأمرد بين جمع من المسلمين، وذلك

يوجب لهم المقت من رب العالمين، وهذه الأشياء تأتي من قلة الحياء والدين، والذي قال الصادق الأمين ﷺ وعلى آله وأصحابه صلاة دائمة إلى يوم الدين: «الحياء من الإيمان». والبدعة الأخرى شربهم ماءً وملحًا، وما يفعله إلا كل مبتدع وشيطان. يفعلون هذه المصائب ويضيفونها لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب. والفتى الصادق من كان هو لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ موافقًا. فَيَا مَنْ يدعي الفتوة وهو تارك لطريق النبوة يطعم الشبعان ويترك الجيعان ويكسو المردان ويترك العريان أفق أيها الإنسان، فقد غرك الشيطان إذ أخرجك عن طريق النبوة، فنظرك إلى الأمرد حرام، وطعامك شر طعام، وقد خرجت عن طريق النبوة فنظرك قال ﵊: «شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك المساكين». قال السيد الجليل سهل بن عبد الله التستري: سيكون في هذه الأمة أناس يقال لهم اللوطيون وهم على ثلاثة أصناف: صنف ينظرون، وصنف يصافحون، وصنف يعملون ذلك العمل الخبيث نعوذ بالله من ذلك كله. وقد ذم الله تعالى اللوطي ولعنه. والفتيان هم الذين تركوا العصيان، واجتهدوا في الطاعة والإحسان، فهم يأخذون في الزيادة، وغيرهم يأخذ في النقصان، ويكفيك في الفتوة هذا البيان: ليس الفتى من ضرب بالسكين الفتى من أطعم المسكين. قال الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ [الإنسان: ٨]، فمن أطعم اليتامى وكسا الأرامل فهو الفتى الكامل، وسيعود خير ذلك إليه في العاجل والآجل، فإن احتج أحدهم في ارتكاب هذه المحظورات لفعل الخيرات: كخلاص محبوس، أو من لزمه دين؛ وهي من أفعال البر. قال الله سبحانه: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فيمشي الكبير على أصحابه ويقول: خلصوا أخاكم في الفتوة. جوابه: اسمع يا قليل المرُوَّة، هذا كله من تلبيس إبليس؛ مراده أن يخرجك عن طريق النبوَّة؛ فيغرك كما غر أباك لتكون النار مأواك. قال سبحانه: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]،

، هذا كله من تلبيس إبليس؛ مراده أن يخرجك عن طريق النبوَّة؛ فيغرك كما غر أباك لتكون النار مأواك. قال سبحانه: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]،

ومن غش أباك لا يكون لك ناصحًا. فأخرج أبويك من الجنة فأدركتهما المنَّةُ. قال المولى القدير: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]. وقد أجمع العلماء أنه لا يحل لمؤمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتهجم على مثل هذه المحرمات لفعل الخيرات. فمن فعل ذلك فقد فعل شيئًا لم يؤمر به، وترك شيئًا أمره الله به، فيجب على المسلم ترك الكذب على آل بيت النبي ﷺ والنظر إلى ما حرَّم الله تعالى، ولا يجب عليه السعي في خلاص المحابيس المناحيس ومن بلاهم يدبرهم، فيكون مثلُ من يفعل ذلك كمثل امرأة تزني وتتصدق به، يقال لها: لو تركتي الزِّنى كان أحب إلى الله تعالى من هذه الصدقة. قال بعضهم شعرًا مناسبًا لهذا: بنى مسجدًا لله من غير حلِّه … وجاء بحمد الله غير موفَّق كمُطعِمة الأيتام من كدِّ فرجها … لك الويلُ لا تزني ولا تتصدَّقي اسع أيها المسكين! في خلاص نفسك أولًا من البدعة والهوى، ثم اسع في خلاص غيرك. قال ﷺ: «ابدأ بنفسك، ثمَّ بمَن تعولُ». ثم اعلم رحمك الله وجميع المسلمين أنه لا يحل لمسلم أن يسعى في خلاص مجرم، كمن يدعي الفتوة ويكذب على آل بيت النبوة، ويفسد أولاد المسلمين، ويضرب بالسكين. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، قال أبو حنيفة ﵀: نفيهم حبسهم. ويخاف أيضًا على من سعى في خلاص هؤلاء الأشرار أن يسجنه الله تعالى غدًا في النار.

ُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]، قال أبو حنيفة ﵀: نفيهم حبسهم. ويخاف أيضًا على من سعى في خلاص هؤلاء الأشرار أن يسجنه الله تعالى غدًا في النار. فإن قالوا: إن هذه الطريقة ما أحدثناها بل أخذها كبير عن كبير إلى الخليفة، ليس ذلك بحجة لقوله ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين». ما قال: بسنة الخلفاء الخارجين! وكان في الخلفاء الخوارج عن السنة، وقال ﷺ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، فلا تطع أيها العاقل الخليفة وتعصى الشريعة الشريفة، ولا تغتر أيها المسكين! بمن اجتمع حولك من المدبرين وبقولهم لك: يا كبير. فيحملك ذلك بأن تفسق

عن أمر ربٍّ قدير، وتخرج عن طريق البشير النذير، فحينئذٍ يخاف عليك أن تمنع من دخول جنةٍ فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولباس أهلها حرير. وهذا جزاء لمن عصى الناقد البصير. ثم اعلم رحمك الله! أن كثيرًا من الناس كان سبب هلاكهم تعظيم الخلق لهم فمنهم من مات جاحدًا، قال الله تعالى في رؤساء مكة زادها الله شرفًا: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، ومنهم من مات فاسقًا، والفاسق من يعمل المعصية جهرًا كمن يعمل «القوصرة» ويجمع الناس على شيء يقال له: «التزكرة» (¬١)، فيؤتى بأمرد سبحان من خلقه وصوره، فيخلع لباسه بين يدي من حضره ويلبسه غيره، ويشد تكته بيده، وقد حرم الشرع الخلوة معه ومسه ونظره، فتمسك أيها المسكين بالشرع الشريف، ودع عنك أفعال الفجرة. وأقبح من هذا فعله مع الرجل الكبير، وإنما يلبس الطفل لأجل صغره ثم بعد هذا البدع يشربون الماء والملح، ويضيفون هذه المصائب لآل بيت النبي ﷺ الكرام البررة ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧)﴾ [عبس: ١٧]. لقد افتروا الكذب على أمير المؤمنين، والذي خلق الإنسان فقدره، وشق سمعه وبصره، فسبحان الحليم الذي لا يعجل على عبده المدبر إذا خالفه فيما أمره، ويمهله ليومٍ عظيم يرجف قلبه، ويشخص بصره.

ويجب على ولاة الأمور المسلمين منع هؤلاء المضلين الضالين المخالفين لرب العالمين الخارجين عن طريق سيد المرسلين والصحابة والمسلمين، فمن فعل ذلك فقد غنم، ومن لم يفعل فقد أثم، ثم قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] مدح هؤلاء، وذم آخرين بقوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٩]، فمن عجز عن أمرهم وزجرهم فلا بدَّ من هجرهم، فإن فاتك الأجر الأول لا يفوتك الثاني. قال ﷺ: «المهاجر من هجر ما حرم الله». ومن لم يفعل هذه البدعة ورضي بها لم يرض الله عنه؛ لأنه رضي بشيء فيه سخط الله، وصح في الحديث: «إن من رضي بالفاحشة كمن فعلها». ويخاف على من كثَّر سوادهم أن لا يبلِّغَهم [الله تعالى] (¬١) مرادهم لقوله صلوات الله عليه وسلامه: «من كثر سواد قومٍ فهو منهم». وقال: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»؛ وهذه البدعُ كلها ضلالة. ومن أحبهم أبغضه الله تعالى وحشره معهم بلا محالة لقوله ﷺ: «المرء مع من أحب». والعبد المبارك موافق لسيده، فيحب من أحبه، ويبغض من أبغضه، ويقرِّب من قرَّبه، ويُبعد من أبعده، فقد جاء في الحديث: «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان». وقال عيسى ﵇: يا معشر الحواريين، تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي، وتقربوا إلى الله بالتباعد عنهم، والتمسوا رضا الله بسخطهم. وقال ابن مسعود ﵁: لو قام رجل بين الركن والمقام وعبد الله تعالى سبعين سنة؛ يحشره الله تعالى يوم القيامة مع من أحب. وقال صلوات الله عليه وسلامه: «يموت المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل». فسيندم من أحب مبتدعًا أو كافرًا أو فاسقًا أو جعله خليلًا ندمًا لا آخر بعده. وَ: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي

ل». فسيندم من أحب مبتدعًا أو كافرًا أو فاسقًا أو جعله خليلًا ندمًا لا آخر بعده. وَ: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي

اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨)﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٨]. وقال ﷺ لبعض أصحابه: «لا تصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي». وقال علي ﵁: لا تصحب أخا الجهل … وإياك وإياه فكم من جاهل أزرى … حليمًا حين آخاه واحذر أيها المسكين أن يغرَّك الشيطان بصحبته لتُخلِّصه مما هو فيه من البدعة والطغيان فتؤجر على ذلك، فيخاف عليك أن تصحبه لتُخلِّصه فتشتبك أنت الآخر وذلك لقلة أدبك، ولمخالفتك لله تعالى ولرسوله ﷺ وللمؤمنين، ولسماعك من الشيطان اللعين، فيكون مثلك كمثل من يدل بعومه فيرى غريقًا فينزل ليشيله من الغرق فيأخذه الغريق وينزل فيهلكا جميعًا، وقد أهلك من قوم يوشع ﵇ ألوف لتركهم الأمر بالمعروف، وذلك لقلة أدبهم، ولمخالطتهم لأهل المعاصي ومن أسي (¬١) يستوحش، قال الله ﷿: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨]، وكذلك هؤلاء الفتيان المخالفين للواحد القهار، والنبي المختار، وللمؤمنين الأخيار، لن يقبل الله تعالى يوم القيامة منهم الأعذار لما نبذوا الآيات والأخبار، وأحدثوا في الدين ما ليس منه، وكذبوا على آل بيت النبي المختار، الكامل الأنوار، صلوات الله وسلامه عليه آناء الليل وأطراف النهار. وأحدثت هذه البدعة ببغداد ثم انتشرت لبقية البلاد، فأكثر أهلها الفساد بلمسهم ونظرهم لمن لم يحل له النظر شرعًا، وبكذبهم على آل خير

العباد، فوقعوا في البدعة والقطيعة والبعاد، ومن رجع منهم بالتوبة تاب الله عليه ووصله به، وهو الكريم الجواد، فقد أوعد الله ذلك لمن تمسك بحبله واتبع سنة نبيه وهو لا يخلف الميعاد، قال بعضهم: تمسك بحبل الله واتبع الهدى … ولا تك بدعيًّا لعلك تفلح ولذ بكتاب الله والسنن التي … أتت عن رسول الله تنجو وتربح وسافر بهذا الزاد تلق سلامةً … وأمنًا وخيرًا حين تمسي وتصبح

الهدى … ولا تك بدعيًّا لعلك تفلح ولذ بكتاب الله والسنن التي … أتت عن رسول الله تنجو وتربح وسافر بهذا الزاد تلق سلامةً … وأمنًا وخيرًا حين تمسي وتصبح

تم الكتاب بحمد الله وعونه، تأليف الضعيف إدريس بن بيدكين التركماني (¬١) الحنفي عفا الله عنه وعن جميع المسلمين، (وحشرهم في زمرة خير المرسلين، صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته وأتباعه أجمعين، في يوم الأربعاء ثاني جمادى الآخرة سنة ثمان وثمان مئة) (¬٢). وقد كتب عليه السادة المشايخ المفتيون في المذاهب الأربعة (¬٣) فسح الله في مدتهم ونفع ببركتهم. فالأول للشيخ تقيُّ الدين ابن تيمية، صورة خطِّه (¬٤): الحمد لله رب العالمين. هذا الكُرَّاسُ كلامُ رجل صادق ناصح، متبع لشريعة الإسلام، ناهٍ عما نهى الله عنه من الآثام، متبع للكتاب والسنة والأثر فيما دعا إليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، محب لله ولرسوله، راغب في طريق الله وسبيله، وما أنكره من هذه الفتوة التي تنسب إلى علي بن أبي طالب ﵁ [سَقيَ] (¬٥) الماء والملح، ويتضمن من الفواحش والعدوان ما

لا يرضاه أحدٌ من أهل الإحسان، وهو فيه من أعظم المطيعين لله ولرسوله، القائمين بما أرضى الله ورسوله، ويجب على كل مسلم أن يرضى بما فعله من ذلك، ويعاونه على ذلك إذا احتاج إلى المعاونة بما يقدر عليه، وبوجود هذا وأمثاله من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر يصلح الله للمسلمين دينهم ودنياهم. وهذه الفتوة باطلة باتفاق علماء المسلمين، لا أصل لها عن علي بن أبي طالب، ولا عن أحد ممن يقتدِي به المسلمون في دينهم، وهم لو لم يجتمعوا على محرم ولا يتعاونون على إثم وعدوان لم يكن لهم أن يحدثوا عهودًا وشروطًا غير ما عهد الله تعالى إلى خلقه، وأمرهم به من كتابه وعلى لسان رسوله، بأنه يجب على كل مسلم أن يطيع الله ورسوله فيفعل ما أمر به ويترك ما نهى عنه، فمن فعل ذلك فهو من أولياء الله المتقين، وهو مستحق لكرامة الله وثوابه من الدنيا والآخرة، ولا يحتاج مع ذلك إلى ما أحدثه المبتدعون، فكيف إذا كانت فتوة الشيطان مشتملة على الإثم والعدوان من التعصب بالباطل لأصحابهم، والعدوان على من لم يكن من أحزابهم، والسعي من أسباب الفواحش والمنكرات التي هي من أعظم المحرمات، والواجب على المسلم أن يعامل المسلم بما أمر الله به ورسوله كما قال ﷺ: «لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا». وقال: «المسلم أخو المسلم، لا يسلمه، ولا يظلمه، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه». وقال: «والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه». وقال: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». وقال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا». وشبك بين أصابعه. وقال: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا». قيل: يا رسول الله أنصره مظلومًا فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: «تمنعه عن الظلم فذلك نصرك إياه».

ضًا». وشبك بين أصابعه. وقال: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا». قيل: يا رسول الله أنصره مظلومًا فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: «تمنعه عن الظلم فذلك نصرك إياه».

وقال: «خمس تجب للمسلم على المسلم: يُسلم عليه إذا لقيه، ويعوده إذا مرض، ويشيعه إذا مات، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس». فهذا وأمثاله مما أمر الله به رسوله من حقوق الآدميين بعضهم على بعض، وجلب المنفعة لهم ودفع الضرر عنهم فيه كفاية وغنى وشفاء عما يحدثه المبتدعون، ويفعله المبطلون، فالواجب على المسلمين الائتمار بما أمر الله به ورسوله، والتناهي عما نهى الله عنه ورسوله، والتعاون على البر والتقوى، وترك التعاون على الإثم والعدوان، والتواصي بالحقِّ والتواصي بالصبر، واتباع سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين، واجتناب محدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، والله سبحانه أعلم. كتبه أحمد بن تيمية. صورة خطِّ (¬١) للشيخ الإمام محمد بن عبد الصمد الشافعي المعروف بالسنباطي أحد المفتين، كان رحمه الله تعالى، وراح من الأصل في التجليد، وهذا الباقي: الفتوة أصل الأصول، منها تصاريف الوصول، واصلة بالأنبياء، شاهدة باسم العدول، فأنت رحمك الله إذا تأملت ما قاله أهل الخير والصلاح والرشد والفلاح علمت أن هؤلاء المساكين بعداء من الدين، بل هم من أكبر المبتدعين المارقين، فاجتنب مجالستهم، وابعد عن مقاعدهم، واعرب عن مقاصدهم، وامنعهم وازجرهم إن قدرت على ذلك، والله تعالى المنان أن يعصمنا من أحوال هذا الفتيان (¬٢)، وأن يمزِّقهم كلَّ ممزقٍ في جميع البلدان، وأن يعدم آثارهم من الوجدان، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ويجبُ على وليِّ

ن أن يعصمنا من أحوال هذا الفتيان (¬٢)، وأن يمزِّقهم كلَّ ممزقٍ في جميع البلدان، وأن يعدم آثارهم من الوجدان، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ويجبُ على وليِّ

الأمر دفعهم، وكسر يدهم، ومنعهم من هذا الاجتماع المفضي إلى النيران، والحمد لله رب العالمين. كتبه: محمد بن عبد الصمد الشافعي حامدًا لله تعالى على السلامة ومصليًا على نبيه محمد ﷺ وعلى آله. صورة خطِّ الشيخ فخر الدين عثمان بن إبراهيم المارديني الحنفي أحد المفتين وناظر البيمارستان المنصوري، وهو من الأعيان: اللهم وفق والطف وارحم. هذا الكلام المذكور في هذه الكراسة دالٌّ على أن قائله من الناصحين لدين الله الصالحين لهداية خلق الله، الموضحين لسنة رسول الله ﷺ، ولو انتدب من أهل الحق كما انتدب هو رجال وجاهدوا بسيف الصدق وأوسعوا المجال لما شاعت هذه البدعة وأمثالها، ولأسرع تلاشيها وزوالها، والله سبحانه قد أمرنا بذلك فقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، ومدحنا عليه فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقال تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤١]، ولعن قومًا وذمهم بتركهم لذلك فقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩]، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود: ١١٦].

لمائدة: ٧٨ - ٧٩]، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود: ١١٦]. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن ربكم تعالى يقول: إياكم والتظالم، وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تسلوني فلا أعطيكم، وتدعوني فلا أستجيب لكم، وتستنصروني فلا أنصركم». وعنه ﷺ أنه قال: «إياكم والجلوس بالطرقات» فقالوا: يا رسول الله، لا بد لنا من مجالسنا نتحدث

فيها. فقال ﵇: «فإذا أتيتم إلى المجلس فأعطوا الطريق حقه». قالوا: يا رسول الله، وما حق الطريق؟ فقال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر». وتمثيلُ النبيِّ ﵇ بالقوم الذين استهموا في السفينة معروفٌ. وما تولدت هذه الآفة وغيرها في المملكة الإسلامية إلا من فرط التهاون في إزالتها حين ظهورها، وتأخيرها من ساعتها إلى سنيها وشهورها، وقد أحسن من قال: أرى خلال الرماد وميض نار … ويوشك أن يكون له ضرام فإن النار بالعودين تذكى … وإن الحرب أوله كلام لئن لم يطفها عقلاء قومٍ … يكون وقودها جثث وهام وهذه الفتوة المعهودة الآن بين هذه الطائفة الضالة وشروطها عندهم من البدع التي تأباها قواعد الدين، ولا أصل لها في الشرع، وقد ارتكب مُدَّعوها أمورًا يقتضي بعضها التحريم، وهو نسبة هذا الأمر إلى علي بن أبي طالب ﵁ فمن نسبه إليه فقد افترى عليه، وكذا المسُّ والنظر المحرمان شرعًا، ويقتضي بعضها التكفير وهو استحلال قتل من لا يحل قتله شرعًا، فالويل لمن رضي لنفسه بالانخلاع عن الشريعة المحمدية، واطِّراحِ (¬١) ربقة الاتباع للسنة النبوية، ولكن ما أسرع النفوس إلى قبول البدعة ونبذ السنة، وما أشد تفريطها فيما هي مكلفة به ومسئولة عنه ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]، ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ [الكهف: ١٠٤]، نسأل الله تعالى توفيقًا نعرف به الحق فنتبعه، ونعرف به الباطل فندفعه، ونسأله قلبًا واعيًا للحق، ولسانًا متزينًا بالصدق، ناطقًا بالنصيحة للخلق بمنه وكرمه، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم. كتبه عثمان بن إبراهيم المارديني الحنفي حامدًا لله تعالى ومصليًا على

خلق بمنه وكرمه، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم. كتبه عثمان بن إبراهيم المارديني الحنفي حامدًا لله تعالى ومصليًا على

نبيه محمد وعلى آله وصحبه ومسلمًا. صورة خطِّ قاضي القضاة محمد المالكيِّ، الحاكم بالقاهرة ومصر المحروستين، أعزَّ الله تعالى أحكامه. يقول العبد الفقير إلى الله ﷾: الحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا دائمًا إلى يوم الدين. إن هذه المقالة بدعة وضلالة، ارتكبها أهل السخف والجهالة، يتعين على ولي الأمر منعهم من ارتكابها، وحسم هذه المفسدة وسد بابها، فإن الفتوة بذل المجهود في رضى المعبود، والإعراض عن الأكوان في رضى الرحمن، والغيرة للحق، والقيام فيما وجب له من حق مع ترك الالتفات في ذلك إلى الخلق، والتخلق بالأخلاق الجميلة، واجتناب كل رذيلة، والقيام بحقوق الإخوان بحسب الطاقة والإمكان، متابعًا في ذلك كله النبي المصطفى وحسبنا الله سبحانه وكفى. (وكتبه: العبد الفقير إلى الله وهو محمد بن أبي بكر بن عيسى الإخنائيُّ المالكي عفا الله عنه بمنه وكرمه) (¬١).

Bagian 15 dari 15