— Bagian 2 · فهو تقسيمٌ باطلٌ، لأنَّ الأمرَ الحادثَ: إما أن ي… —
Bagian 2
فهو تقسيمٌ باطلٌ، لأنَّ الأمرَ الحادثَ: إما أن يكون له مستندٌ شرعيٌّ من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس فهو أمرٌ مشروعٌ، ولا يُسمَّى بدعةً، وإما أن لا
يكون له مستندٌ شرعيٌّ؛ فهو بدعةٌ ولا بدَّ، وقد أخبر رسول الله ﷺ أنَّ كلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النَّار. وأول من ذهب إلى تقسيم البدعة إلى الأحكام الخمسة الفقيهُ العزُّ ابنُ عبد السَّلام الشافعيُّ (ت: ٦٦٠) ﵀ في كتابه: «قواعد الأحكام في مصالح الأنام»، وتبعه تلميذُه: القرَّافي المالكيُّ (ت: ٦٨٤) ﵀ في كتابه: «الفروق»، وفصَّل الشاطبيُّ المالكيُّ (ت: ٧٩٠) ﵀ القولَ في ردِّ هذا التقسيم في كتابه العظيم: «الاعتصام»، فليراجعه من أحبَّ دراسة المسألة. ومهما يكن؛ فإن لابن بيدكين عباراتٍ جيِّدةً في إطلاق البدعة على كل أمر حادثٍ مخالف للكتاب والسنة، وأنها مذمومة مردودة. فنجده يقول -مثلًا-: «فمن عمل عملًا، أو تكلَّم بكلام، أو أشار بشيء؛ لا يوافق الكتاب والسنة والخلفاء الراشدين، وإجماع المسلمين: فهو بدعة وضلالة، وتردُّ على القائل أو الفاعل؛ لقوله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». ويقول أيضًا: «وهذه الأشياء بدعة مخالفة لسنة النبي ﷺ وسنة صحابته، وسنة السلف الصالح من أمته، وكل بدعة ضلالة، وشر الأمور محدثاتها» ثم يستدلُّ بالحديث السابق. أما المنكرُ فهو في اللغة اسم مفعول من أنكر، وهو: خلاف المعروف. والمنكر: الأمر القبيح. وأنكرت عليه فعله إنكارًا: إذا عبته ونهيته، وأنكرت حقَّه: جحدته. والمنكر شرعًا: ما ليس فيه رضا الله ﷿ من قول أو فعل. والمعصية لغةً هي الخروج من الطاعة ومخالفة الأمر، يقال: عصاه معصية وعصيانًا: خرج من طاعته، وخالف أمره، فهو عاص وعصَّاء وعصي. وهي شرعًا: مخالفة الأمر قصدًا. قال البزدويُّ: المعصية اسم لفعل حرام مقصود بعينه.
والعلاقة بين المنكر والمعصية أنَّ المنكر أعمُّ من المعصية (¬١). ويتبيَّن ممَّا سبق أن البدعة أخصُّ من المعصية، فالبدعة ما كان في أمر الدِّين بمعنى التقرُّب إلى الله ﷿ والتعبُّد والتديُّن، أما المعصية: فكل خروج عن أمر الشارع الحكيم ونهيه. لهذا فكل بدعة معصيةٌ، ولا يلزم أن تكون كلُّ معصية بدعةً، فالاحتفال بالمولد النبوي: بدعة ومعصية، والقتل والزِّنَى وشرب الخمر: معصيةٌ، وليست بدعةً. والمنكرُ أعمُّ منهما، فكلٌّ من البدعة والمعصية منكرٌ، مخالف للمعروف من السنة والشريعة. وإن لوحظ في «المنكر» أصل هذه الكلمة، وأنها مفعول من أنكَرَ؛ فيمكن القول بأنَّ المنكر ما يجب إنكاره وتغييره، وهو بهذا المعنى أخصُّ من المعصية وأعمُّ من البدعة، لأن كثيرًا من المعاصي تكون سرًّا بين العبد وربِّه، فلا يقع الإنكار. أما كونه أعمَّ من البدعة؛ فلأنَّ ما ينكر قد يكون بدعة، مثل تعظيم قبور الصالحين والبناء عليها تديُّنًا، وقد لا يكون بدعة لعدم قصد التديُّن فيه؛ مثل البناء على قبور الأقارب وتزيينها وإضاءتها، والله تعالى أعلم.
مقدمة التحقيق ترجمة المؤلِّف من خلال مؤلَّفِه. وصف النسخ الخطيَّة. وصف النسخة المطبوعة. نماذج من النسخ الخطية.
ترجمة المؤلِّف من خلال مؤلَّفِه ابن بيدكين الذي لم يترجم له أحد: ليس لنا أن نقف في كتب التاريخ والطبقات والتراجم على ترجمة لابن بيدكين إلا في إشارة غير وافية عند حاجي خليفة (ت: ١٠٦٧ هـ) في كتابه: «كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون»، فقد ذكر كتابنا هذا فقال: «اللمع في الحوادث والبدع، لإدريس بن بيدكين التركماني الحنفي، ذكره ابن الشحنة في «هامشه» هكذا» (¬١). ولكلمة «هكذا» دلالتها، فابن الشحنة لم يذكر عن ابن بيدكين أكثر من هذا، مما يؤكد إغفال المؤرخين لترجمته، وليس في إشارة ابن الشحنة كبير فائدة، لأنه قيَّدها في غالب الظن عن نسخة من كتاب ابن بيدكين، واستند إليه حاجي خليفة لعدم اطلاعه على الكتاب. وابن الشِّحنة هو أبو الفضل محمد بن محمد الثقفي الحلبي، المعروف بابن الشحنة الصغير (ت: ٨٩٠)، له هوامش على «الجواهر المضية في طبقات الحنفية» لأبي محمد عبد القادر بن محمد القرشي (ت: ٧٧٥)، وقد جوَّد الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو ﵀ تحقيقه، معتمدًا على عدة
لى «الجواهر المضية في طبقات الحنفية» لأبي محمد عبد القادر بن محمد القرشي (ت: ٧٧٥)، وقد جوَّد الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو ﵀ تحقيقه، معتمدًا على عدة
نسخ خطيَّة ليس في شيء منها هوامش ابن الشِّحنة، وعُني تقي الدين بن عبد القادر التميمي الغزي (ت: ١٠١٠) في كتابه: «الطبقات السنية في تراجم الحنفية» بهوامش ابن الشحنة، فقيَّد جملةً من فوائدها، ورغم ذلك فقد أغفل إفراد ابن بيدكين بترجمة، مع أنه خصَّص فصلًا لمن اسمه: (أحمد شاذ، وإدريس، … ). لن نكون أكثر سعادة بإشارة أخرى نجدها عند إسماعيل بن محمد الباباني البغدادي (ت: ١٣٣٩ هـ/ ١٩٢٠ م) في: «هدية العارفين أسماءَ المؤلفين وآثار المصنِّفين»، فمن المؤكِّد أنَّه اطلع على كتب ابن بيدكين أو قيَّد المعلومات عنها من فهارس المكتبات التي اطلع عليها، وأخطأ في تسميته فقال: «ابنُ التركمانيِّ: إدريسُ بن عبد الله المارديني القاهريُّ، صدر الدين الحنفيُّ، المعروف بابن التركمانيِّ. من تصانيفه: «الحجة والبرهان على فتيان هذا الزمان» في تحريم السماع، «كتاب الفتوة»، «اللمع في الحوادث والبدع».» (¬١). فهذا وهم بلا شكٍّ، ابن التركماني هذا شيخ آخر متأخر، ترجم له النجم الغزي (ت: ١٠٦١) في «الكواكب السائرة في أعيان المئة العاشرة»، فقال: «إدريس المؤرخ المارديني: إدريس، الشيخ الفاضل، العالم المؤرخ المنشئ صدر الدين الماردينيُّ القاهريُّ. توفي بها في سنة سبع بتأخير الموحدة وعشرين وتسع مئة» (¬٢).
ابن بيدكين في دمشق: وبعد يأسنا من الوقوف على ترجمة لابن بيدكين يسوغ لنا أن نجتهد في صياغة ترجمته من خلال الإشارات العابرة في ثنايا كتابه:
ئة» (¬٢).
ابن بيدكين في دمشق: وبعد يأسنا من الوقوف على ترجمة لابن بيدكين يسوغ لنا أن نجتهد في صياغة ترجمته من خلال الإشارات العابرة في ثنايا كتابه:
أما اسمه فلا تختلف النسخ في أنه: إدريس بن بيدكين بن عبد الله التركماني الحنفي. وهو كما يدلُّ عليه نسبه من التركمان، وكانت مواطنهم في ذلك العصر في شمال العراق وبلاد الشام، خاصة في كركوك والموصل وحلب وماردين، فلعله ولد ونشأ في إحدى هذه المدن، وقد يكون من مناطق التركمان الأعجمية، أو من قبائلها الرحَّل في أذربيجان وما بعدها حتَّى وسط آسيا، وبهذا الاحتمال يمكن أن نفسِّر ضعفه في اللغة العربية، وليس من الصواب أن نستنتج من هذا أنه نشأ مشركًا وأسلم في وقت متأخر، فمن المعروف أن التركمان دخلوا في الإسلام سنة (٣٤٩ هـ/ ٩٦٠ م) (¬١)، واندمجوا سريعًا في المجتمع المسلم، وبرز لهم حضور واضح في التاريخ الإسلامي، وكان منهم أمراء وقضاة وفقهاء. والعبارة التي التقطها د. صبحي لبيب للاستدلال على تأخر إسلام ابن بيدكين ليست صريحة في تأييد هذه الدعوى، فقد كان ﵀ يخاطب قارئ كتابه بقوله: «فاشكر أيها المؤمن! الذي منَّ عليك بخلعة الإيمان بعد سبع مئة سنة وكسور من الهجرة، وأحرمها غيرك وهو في الحضرة» (ص: ٥٩٧). وهذه المنَّة تصدُق على من نشأ في أسرة مسلمة، وعلى من أسلم بعد ذلك. لقد نشأ ابن بيدكين بين قومه، ثم اختار طلب العلم، فتوجَّه إلى الحواضر الإسلامية العربية، فنجده يستحضر بعض التقاليد السيئة التي رآها أيام نشأته فيقول: «كما يفعله بعضُ فسقة التركمان فترقصُ المرأة مع الرجل وقد أحاط بهم الرجال من كل مكان» (ص: ٣٢٥). وهذه الرقصة ما زالت موجودة وتسمَّى في فلسطين: (الدبكة)، وقد يكون فيها اختلاط باصطفاف الرجال والنساء في صف واحد، بين كل رجلين امرأة، أو في صفين متقابلين صف للرجال وآخر للنساء كما في تركيا، وقد تكون من غير اختلاط. نلتقي بابن بيدكين لأول مرةٍ في مدينة دمشق، حيث نجده يسجِّل بعض يومياته هناك فيقول: «وكان للمؤلف أخٌ صادق في حب الله ورسوله،
أخذ بعض التتار ماله، (وذلك كله في دولة الملك الظاهر ملك مصر والشام، فلما أخذ ماله) (¬١) وجعله راعيًا لخيله قال: فطلبت الهروب .... » وساق القصة، وفيها دخول صاحبه إلى حلب، ثم تعرُّفه على شيخ صالح انتقل لاحقًا إلى دمشق بصحبة إسماعيليٍّ، أسلم على يديه، ولزم خدمته، ودفن من بعده بجواره، ثم قال: «وكان صاحب المؤلف يقرأ على هذا الشيخ، وانتفع عليه، .. وابتلي في آخر عمره بالفقر وبالأمراض، حتى يبست أصابع يديه ورجليه، وكان مع ذلك كله صابرًا شاكرًا ذاكرًا … »، ثم قال: «وكان قد ابتلَى الله تعالى هذا الشيخ العالم ببلاءٍ آخر، وهو شيطانٌ من الجن رد على الشيخ في قراءته، فلعنه الشيخ وكذَّبه، فأخذ الشيخ في عين المعاداة، فكان الشيطان لعنه الله إذا دخل الليل يرجف قلوبهم ويرمي عليهم الأحجار، فشكا ذلك للمؤلف، فإنه كان من جنسه ومن طلبته، قال: يا بني، يرمي علينا كل يوم قفتين. قال له: فكان يكسر شيئًا من الأواني أو يصيبكم أنتم؟ قال: لا، ولكن مراده أن يرجفنا. ويرميهم بالأحجار في وسط الدار، وكان للشيخ سُلَّمٌ، وفيه مسمار كبير، فقومه (¬٢) وأخرجه ورمى به في وجوههم، قال الشيخ: وكان عندي صندوق مقفول وفيه كتب، ففتح الصندوق ورمى كل ما فيه في وجوهنا، وكان يأخذ الغزل من بين يدي الزوجة ويغيب، ثم يرمي به على وجوهنا. قال المؤلف: فقلت له: أنا وفلان نجيء إلى بيت سيدي ونقرأ شيئًا من كتاب الله تعالى. فجئنا وقرأنا البقرة بكمالها، ثم دعونا الله سبحانه؛ فصدَّ الحقُّ الشيطانَ ببركة القرآن، وبعد ذلك ما قرب الدار» (¬٣) (ص: ٧٣٤ - ٧٣٩). قلتُ: هذه تفاصيل مهمة، لكن ابن بيدكين ضنَّ علينا بذكر الزمان والمكان، فلا ندري متى توفي الشيخ؟ وأين؟ لكنَّنا سنرجِّح بظنٍّ غالب أنه أقام في دمشق حتى توفي هناك ﵀، وشهد ابن بيدكين وفاته ثم
ضنَّ علينا بذكر الزمان والمكان، فلا ندري متى توفي الشيخ؟ وأين؟ لكنَّنا سنرجِّح بظنٍّ غالب أنه أقام في دمشق حتى توفي هناك ﵀، وشهد ابن بيدكين وفاته ثم
وفاة خادمه الذي دفن بجانبه رحمهما الله. لقد أدرك ابن بيدكين ذلك الشيخ العالم، وربَّما تعرَّف عليه بوساطة صاحبه وأخيه في الله، وكان تركمانيًّا أيضًا، فطلب العلم عنده، كما يدلُّ عليه قوله: «فشكا ذلك للمؤلف، فإنه كان من جنسه ومن طلبته». إن الوصف الذي ذكره ابن بيدكين عن حال الشيخ التركمانيِّ في أيامه الأخيرة يدلُّنا على أنه مات عن سنٍّ عالية، وهذا يتوافق مع تاريخ الحادثة التي وقعت لصاحبه، فالملك الظاهِر هو بَيْبَرْس العلائي البندقداري الصالحي (٦٢٥ - ٦٧٦ هـ) لُقِّب أيضًا بركن الدين، تولى سلطنة مصر والشام سنة (٦٥٨ هـ)، وله الوقائع الهائلة مع التتار والإفرنج الصليبيين، وفي أيامه انتقلت الخلافة العباسية إلى الديار المصرية سنة (٦٥٩ هـ)، توفي في دمشق. فحادثة صاحب المؤلِّف وقعت بعد سنة (٦٥٨). وربما يكون الانتقال إلى دمشق وقع قبل سنة (٦٧٦)، وهناك التقى ابن بيدكين بذلك العالم التركماني، وبدأ بطلب العلم، ومخاطبة الشيخ له بقوله: «يا بني!»، يدلُّ على أن إدريس كان في ذلك الوقت في سنِّ الشباب.
ابن بيدكين في فلسطين: وبعد سنوات نلتقي بابن بيدكين في مدينة الخليل (¬١) فقد سجَّل لنا قصة مجذوب من مجاذيب الصوفية فقال: «رأيت رجلًا قد وَلِهَ بحبِّ الله تعالى، لا يزال يقول: لا إله إلا الله. ملء رأسه، ولا كان يسعه إلا رؤوس الجبال، فإذا أذن المؤذن العصر دخل الخليل وصلَّى مع المسلمين، وجلس ينتظر سماط الخليل ﵇، وما كان له شيء من الدنيا غير الرَّغيفين اللذين يأخذهما من سماط الخليل، فشكاه الناسُ لشيخ حَرَمِ الخليل ﵇ ويُعرف بالجَعْبَري، وقالوا: هذا الفقير يؤذينا من قوة ذكره. قال الشيخ: لا تعطوه الخبز … » (ص: ٧٠٢).
من سماط الخليل، فشكاه الناسُ لشيخ حَرَمِ الخليل ﵇ ويُعرف بالجَعْبَري، وقالوا: هذا الفقير يؤذينا من قوة ذكره. قال الشيخ: لا تعطوه الخبز … » (ص: ٧٠٢).
والجعبريُّ هو الشيخ الإمام العالم المقرئ شيخ القرَّاء برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل الجعبري ثم الخليلي الشافعي (٦٤٠ - ٧٣٢) ﵀. وقد ذكر ابن كثير في ترجمته أنه اشتغل ببغداد، ثم قدم دمشق وأقام ببلد الخليل نحو أربعين سنة يُقرئ الناس، ودفن ببلد الخليل. فيظهر لنا من هذا أن ابن بيدكين دخل مدينة الخليل بعد سنة (٦٩٠)، فربما دخلها وهو في طريقه إلى مكة المشرَّفة، وقد يكون دخلها قبل ذلك وهو في طريقه من الشام إلى مصر.
ابن بيدكين في مصر: ابن بيدكين لا يتوخَّى الدقة والتفصيل فيما يذكره، فقد ذكر جعبريًّا آخر، لكن إقامته في القاهرة، وهو الشيخ الزاهد إبراهيم بن مِعضاد بن شداد الجعبري، ولم يصرِّح بالسماع منه (ص: ١٦٠)، وصرَّح في موضع بالرواية عنه بواسطة من يثق به (ص: ٦٤٥)، فلا ندري هل أدركه صاحبنا أم لا؟ فقد توفي ابن معضاد في محرم سنة (٦٨٧) ﵀، وعدم معرفتنا بهذه التفاصيل الدقيقة يعيق رسم خريطة طريق واضحة لتنقلات التركماني. فقد يكون أقام في فلسطين ثم انتقل إلى مصر، وقد يكون الصواب عكس هذا، ولن نزعم أنه خلال ذلك أقام في الإسكندرية، وإن كان أبرز شيوخه إسكندرانيًّا، فمن المؤكد أنه التقى به في القاهرة، هذه المدينة التي حوت النشاط الأوسع من حياة ابن بيدكين، ففيها لقي الأشياخ، وجالس العلماء، ودخل في مناقشات مع بعض الفقهاء وغيرهم، كما كانت له صلات قوية بمجتمعه، وهذا جملة ما أذن لنا ابن بيدكين أن نطَّلع عليه: شهد التركماني في القاهرة جهدًا محمودًا من أحد الولاة في القضاء على بدعة عيد الشهيد، فقال: «ولقد رأيت رجلًا يقال له: الخيَّاطُ، وكان متولِّي القاهرة، نهى النصارَى عن رمي شهيدهم في نيل مصر، ونهى المسلمين عن الذهاب إليه، وعن ذلك الاجتماع المذموم، والاختلاط، وهي والله مثوبةٌ عظيمةٌ تكون لفاعلها نورًا يوم القيامة، وجوازًا على الصراط. فلما توفي متولِّي القاهرة وطال الأمر، وتولى أمور المسلمين هذه الطائفة
المسْلِمَانيَّة؛ أظهروا المواسم والأعياد على رؤوس الأشهاد» (ص: ٥٦٦). إن هذا النص يفيدنا أن التركماني استوطن القاهرة مدَّة، ولم يدخلها زائرًا عابرًا، فمتولي القاهرة المذكور هو الأمير علم الدين سنجر المسروري، توفي سنة (٦٩٥) أو (٦٩٨)، وكان بهذا المنصب قبل سنة (٦٨٦)، وقد بيَّنتُ في تعليقي المطول على هذا الموضع من الكتاب أن عيد الشهيد استمر العمل به حتى أبطله الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير المنصوري سنة (٧٠٢)، ثم أعاده الملك الناصر محمد بن قلاوون سنة (٧٣٨)، وتمَّ القضاء عليه نهائيًّا سنة (٧٥٥) بأمر الملك الصالح صلاح الدين بن الملك الناصر محمد بن قلاوون (ت: ٧٦١) رحمهم الله تعالى. ولم يذكروا في شيء من أخبار الخيَّاط ما يتعلق بأمر هذا العيد، فلعله تمكن من القيام بمنع جزئيٍّ لبعض مفاسده، فلما مات توسَّع الناس فيه مجدَّدًا، فاستوجب الأمر تدخل الأمير بيبرس، فأبطله بعد سنوات قليلة من وفاة الخياط ﵀. وقد شهد ابن بيدكين جهود الخيَّاط في محاربة ذلك المنكر، ونرجِّح أنه غادر القاهرة قبل وفاة الخيَّاط، ونَمَتْ إليه أخبار التوسِّع في الاحتفال بعيد الشهيد، فسجَّل ذلك في كتابه، ولم يتمكن من تسجيل إبطاله سنة (٧٠٢) من قبل الملك المظفَّر، لأنه انتهى من كتابه بعد ذلك بقليل، ربما في سنة (٧٠٣). وفي القاهرة أيضًا وقعت للمؤلف ﵀ حادثة مهمة تزيدنا قناعة بأنه مكث فيها مدَّة طويلة، يطلب فيها العلم، فقد قال ﵀: «ودخل المؤلف يومًا الحمامَ، فجاء رجل وجلس على جُرْنِ الحمام، والناس تحته ينظرون إليه، فرمى الفوطة مِنْ وسطه، فقال مؤلف هذا الكتاب له: يا أخي، قال ﷺ: «الحياء من الإيمان». فلم يلتفت لقوله، ولم يصلِّ على النبي ﷺ؛ فأخذ المؤلف الفوطة وستر عورته فأخذها بغيظ، ورمى بها ثانيًا، وقال: هذا يجوز في مذهب مالك بن أنس! فغضب المؤلفُ لمقالته ولقلة حيائه، وقال له: ذكرتُ لك النبي ﷺ فلم تصل عليه، وتفتري الكذب على
غيظ، ورمى بها ثانيًا، وقال: هذا يجوز في مذهب مالك بن أنس! فغضب المؤلفُ لمقالته ولقلة حيائه، وقال له: ذكرتُ لك النبي ﷺ فلم تصل عليه، وتفتري الكذب على
العلماء! البعيد زنديق، إن رميت الفوطة مرة أخرى قتلتك، ودعني أُقتل لأجلك! فتحوَّلَ إلى غير ذلك الجرن. ثم إنَّ المؤلف ندم على قوله له: «أنتَ زنديقٌ»؛ لأنه قرأ القرآن، واطلع على العلوم، وهو من الخيرات محروم، فما مضى إلا مدة يسيرة حتى شهد المسلمون بزندقته، وضرب القاضي رقبته في: بَيْنَ القَصْرَيْنِ، بالقاهرة. وهو قاضي المالكية، لَمَّا نَسَبَ الباطِلَ إليه؛ سلَّطه الله عليه. وقال بعض جيرانه: إنَّه سبَّ أمَّه بشيء قبيحٍ، فدعت عليه بسوء الخاتمة؛ أجارنا الله منها» (ص: ٣٦٣). قلتُ: طالب العلم المبتدئ تكون عنده حماسة زائدة، وقد يطلق ألفاظًا لا يدرك لوازمها، فإذا تدرج في طلب العلم زاد علمًا بجهله، فندم على ما كان منه. وهذا لا يكون إلا بمضيِّ سنوات، ونستطيع فهم هذا من قوله عن نفسه: «لأنه قرأ القرآن واطلع على العلوم»، وكان قبل ذلك: «من الخيرات محروم»، وهذا ما حمله على الندم لاتهام ذلك المتهتِّك بالزندقة، لكن لم يطل ندمه، فقد اتُّهم بالزندقة فعلًا، وانتهى الأمر بحكم القاضي عليه بالقتل. ولم يذكر ابن بيدكين اسمه، لكن وفَّقنا الله تعالى للتعرف عليه، فهو: أحمد بن محمد البقَقِيُّ المصريُّ، يلقب بفتح الدين، وقد ذكرت ترجمته وقصته مطولًا في موضعه، وتمَّ قتله في يوم الاثنين الرابع والعشرين من ربيع الأول سنة (٧٠١)، والقاضي المالكي هو ابن مخلوف (ت: ٧١٨). وهذا التاريخ يورد علينا إشكالاً حول تاريخ الانتهاء من تأليف الكتاب في مكة لا القاهرة، وسنحقق القول فيه لاحقًا. ويذكر ابن بيدكين بعض الأخبار من يومياته، ولا يحدد زمانها ولا مكانها، وهي في الأرجح وقعت له أيام إقامته في القاهرة، منها قوله: «ولقد قال لمؤلِّف هذا الكتاب رجلٌ معه طرفٌ من العلم: أخبار الصالحين كالجن؛ نسمع بهم ولا نراهم. قال له المؤلف: أنت يا أخي من الصالحين؟ قال: لا … » (ص: ٧٢٠).
قال لمؤلِّف هذا الكتاب رجلٌ معه طرفٌ من العلم: أخبار الصالحين كالجن؛ نسمع بهم ولا نراهم. قال له المؤلف: أنت يا أخي من الصالحين؟ قال: لا … » (ص: ٧٢٠). ويذكر في موضع آخر ما يدل على منزلته الاجتماعية وسمعته الطيبة: «وكان لي أخٌ من جنس النظر، وكان يتَّبع الأثر، ويحب القرآن والخبر،
فطلب مؤلفَ الكتاب عند النزع، وقال للحاضرين: اقرؤوا القرآن حتى أسمع، … » (ص: ٢١٣). وقد يذكر المكان ولا يحدد الزمان فيقول: «قال مؤلف الكتاب: صليت الجمعة بجامع الأزهر بالقاهرة، فقال رجل لفقيه: إن رجلًا دخل على شيخه، انفتح له الحائط فدخل منه، وسلم على الشيخ، فلما خرج عاد الحائط إلى ما كان عليه. فقال الفقيه: آه، الله ينفعنا بالشيخ. فقلت له: كيف ينفعك الله به وأنت تهزأ به؟! … » (ص: ٧٢١).
ابن بيدكين في مكة المشرَّفة: وأخيرًا نلتقي بابن بيدكين في المسجد الحرام، وقد قدم للحجِّ واصطحب معه أهله، وطابت له الإقامة فاختار المجاورة: «وكان مؤلفُ الكتاب مجاورًا بمكة المشرَّفة هو وعيالُه» (ص: ٣٧٣). ولم يحتج إلى وقت طويل حتى يتعرف على البيئة المكية، فقد التقى بعلمائها، ورصد عوائد العامة فيها، فوجد فيها كثيرًا من المخالفات، فصحَّت نيته في تأليف كتابه هذا في موضوع اهتمَّ به، وجمع بعض مادته أثناء إقامته في القاهرة، يقول ﵀: «وهذا حديث صحيح، لكن قلته بالمعنَى؛ لأنِّي نسيتُ أن أنقله على الوضع، وكثير من حكايات الصالحين ذكرتهم بالمعنى، وقد جوز هذا بعض العلماء، وهو تيسير لمن حل بقلبه الغفلة والعمى؛ فإني ألَّفته بمكة المشرفة، وليس هي بمعدن لما يريده الإنسان من الكتب» (ص: ٤٩٦)، إنه يعقد هنا مقارنة بين مكة والقاهرة في النشاط العلمي والاهتمام بالكتب.
إني ألَّفته بمكة المشرفة، وليس هي بمعدن لما يريده الإنسان من الكتب» (ص: ٤٩٦)، إنه يعقد هنا مقارنة بين مكة والقاهرة في النشاط العلمي والاهتمام بالكتب. ويُشعرنا ابن بيدكين أنَّ السنَّ قد تقدَّمت به، فمن المؤكد أنه الآن قد جاوز الخمسين حيث يقول: «ونسأل الله حسن الخاتمة بقدرته اللطيفة، فقد قرَّب الآجالَ، وبعَّد الآمالَ»، وفي نسخة: «فقد قرُب الأجلُ، وبعُد الأملُ» (ص: ٤٠٨)، وهذا يتوافق مع تاريخ التقائنا به في دمشق وهو شاب بين عامي (٦٦٠) و (٦٧٠)، إنه الآن في أوائل القرن الثامن، فنجده يختم كتابه بهذا الكلمات: «ووافق الفراغ من تأليفه في أشرف المكان، وأبرك الزمان، وذلك في مكة المعظمة، وفي شهر رمضان، في أوائل القرن الثامن من الهجرة المحمدية».
ونجد في ثنايا الكتاب توريخين مختلفين: الأول في قوله: «فاشكر أيها المؤمن! الذي منَّ عليك بخلعة الإيمان بعد سبع مئة سنة وكسور من الهجرة» (ص: ٥٩٧). والثاني في قوله وقد ذكر حديث: «صنفان من أمتي من أهل النار لم أرهما: … »: «وهاتان البدعتان [وفي نسخة: الخصلتان] المشؤُومتان أخبر ﷺ عنهما قبل ظهورهما بستِّ مئةِ سنةٍ وكسور من الهجرة المحمدية» (ص: ٣٠٨). والحقيقة أن لا تعارض بينهما، فالأول خطاب للقارئ حال تصنيف الكتاب، والثاني إخبار عن ظهور تلك الخصلتين. إن بنية ابن بيدكين الفكرية، وتكوينه الثقافي لا يُشعره بأهمية تحديد السنة، فيرضى بكلمتي: «كسور» و «أوائل»، وهما تدلَّان بصيغة الجمع هذه على عدد من السنوات تبدأ من السنة الثالثة فصاعدًا، ولا يمكن بحالٍ أن تدلَّا على رأس المئة الثامنة تحديدًا؛ كما ذهب إليه صبحي لبيب. ونستنتج من هذا أن مجاورة ابن بيدكين امتدَّت إلى سنة (٧٠٣) على الأقل، وربَّما زادت على ذلك قليلًا. أما أول قدومه إلى مكة فكان قبل ذلك بمدة يسيرة لا نعرف قدرها، ودليلنا على ذلك قوله: «وقد قرأ خطيب مكة بعض هذا الكتاب على نزيل مكة وقاضيها» (ص: ٧٨). وقد وقفنا على ترجمة الخطيب والقاضي من خلال النظر في كتب التراجم: أما خطيب مكة: فهو تقي الدين عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن محمد ابن إبراهيم الطبري، كانت له عناية بالفقه، ولِيَ خطابة مكة سنين كثيرة، وتوفي سنة (٧٠٤) ﵀ (¬١).
بد الله بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن محمد ابن إبراهيم الطبري، كانت له عناية بالفقه، ولِيَ خطابة مكة سنين كثيرة، وتوفي سنة (٧٠٤) ﵀ (¬١).
وقاضي مكة هو حفيد العلامة الفقيه الشافعيُّ الشهير محبُّ الدين الطبري (٦١٥ - ٦٩٤): نجم الدِّين أبو حامد محمدُ بنُ محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن إبراهيم الطبريُّ، ولد سنة (٦٥٨)، ووَليَ قضاءَ مكةَ في سنة (٦٩٤)، وهي السنة التي توفي فيها والده: جمالُ الدين محمد ﵀، فحمدت سيرته، واستمر إلى أن مات في جمادى الآخرة سنة (٧٣٠). وكان بارعًا في الفقه، وانتهت إليه رئاسة الفتوى في البلد الحرام، ﵀ (¬١). وكان والده أيضًا فقيهًا فاضلًا، له نظم حسن، وتأليف في المناسك، ولِيَ قضاء مكة سنين كثيرة، بعد القاضي عمران الشيباني وأصابه الفالج في آخر عمره، مات بمكة، بعد والدِه: محبِّ الدين (¬٢). وخطيب مكة وقاضيها يلتقيان في النسب كما ترى في عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن إبراهيم، وفي قول التركماني: «نزيل مكة» إشارة إلى أنَّ أصله غير مكيٍّ، وهذا صحيح، لكن إطلاق وصف النزيل عليه غير دقيق، لأنَّ استقرار هذه الأسرة في مكة يرجع إلى جدهم عبد الله، أو قبله، فقد ذكروا أن محب الدين الطبري ولد في مكة، والله أعلم.
عودة ابن بيدكين إلى مصر: القراءة التحليلية للمعلومات الضئيلة التي نمتلكها عن ابن بيدكين تدلُّنا على أنَّه عاد إلى مصر بعد رحلة الحجِّ التي طالتْ، لأنَّه اختار المجاورة هناك لسنواتٍ يمكن تقديرها في ظنِّنا بما يزيد على ثلاث سنوات، حيث نلتقي به في مصر وقد استخرج من كتابه «اللمع» فصل الفتوَّة، وأفردها في رسالة صغيرة، أجرى القلم فيها بالحذف والتغيير والزيادة، ثم التمس من أشهر المفتين في المذاهب الأربعة التقريظ عليها، تأييدًا لمادتها، ونصرة
وأفردها في رسالة صغيرة، أجرى القلم فيها بالحذف والتغيير والزيادة، ثم التمس من أشهر المفتين في المذاهب الأربعة التقريظ عليها، تأييدًا لمادتها، ونصرة
لمؤلفها في قيامه بين العامة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقرَّظ له أربعة، هم: السنباطي الشافعي (٦٥٣ - ٧٢٢)، وابن تيمية الحنبلي (٦٦١ - ٧٢٨)، وابن التركماني المارديني الحنفي (٦٦٠ - ٧٣١)، والإخنائي المالكي (٦٥٨ - ٧٥٠)، وبهذا اكتسب ابن بيدكين «الشرعيَّة» في إنكاره بين العامة. وهؤلاء العلماء كلهم مصريون، حاشى ابن تيمية، فإنه شاميٌّ، دخل مصر في تواريخ معلومة، وهذا ممَّا يعيننا على تحديد تاريخ تأليف الرسالة، ونتأكد من خلال ذلك أن ابن بيدكين قد عاد إلى القاهرة بعد رحلة الحجِّ: لقد طُلب شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀ إلى مصر في رمضان سنة (٧٠٥) بمكيدة من بعض خصومه من الصوفية والأشاعرة، فسجن في القاهرة حتى شهر صفر سنة (٧٠٧)، ثم أعيد إلى السجن في شوال من هذه السنة، ثم نفي إلى الإسكندرية في صفر (٧٠٩)، وبقي محبوسًا هناك حتى شوال (٧٠٩) إذ أفرج عنه، وأعيد إلى القاهرة، ومكث فيها إلى أن رجع إلى دمشق آخر شهر شوال سنة (٧١٢)، فكانت مدَّة إقامته في مصر سبع سنوات. ورغم أنَّه ﵀ قد واصل وهو في السجن نشاطه العلمي في التأليف والفتيا، فإنه لم يحضَ بالتقدير اللائق به إلا بعد إعادته من الإسكندرية بأمر الملك الناصر محمد بن قلاوون (٦٨٤ - ٧٤١)، الذي تغلَّب على مصر سنة (٧٠٩)، وكان محبًّا لابن تيمية، عارفًا بمكانته وفضله، لهذا عجَّل بالأمر بإخراجه من السجن، واستقبله باهتمام وتكريم كبير. قال علم الدين البرزالي ﵀: ولما دخل السلطان إلى مصر يوم عيد الفطر، لم يكن له دأب إلا طلب الشيخ تقي الدين ابن تيمية من الإسكندرية معززًا مكرمًا مبجَّلًا، فوجَّه إليه في ثاني يوم من شوال، بعد وصوله بيوم أو يومين، فقدم الشيخ تقي الدين على السلطان في يوم ثامن الشهر. وخرج مع الشيخ خلق من الإسكندرية يودِّعونه، واجتمع بالسلطان يوم الجمعة، فأكرمه، وتلقَّاه، ومشى إليه في مجلس حفل، فيه قضاة المصريين والشاميين، وأصلح بينه وبينهم، ونزل الشيخ إلى القاهرة، وسكن
بالقرب من مشهد الحسين، والناس يترددون إليه، والأمراء والجند وكثير من الفقهاء والقضاة، منهم من يعتذر إليه، ويتنصَّل مما وقع منه، فقال: أنا حاللتُ كلَّ من آذاني. وقال القاضي جمال الدين ابن القلانسي وكان حاضرًا في ذلك المجلس: إن السلطان لما قدم عليه الشيخ تقي الدين ابن تيمية نهض قائمًا للشيخ أول ما رآه، ومشى له إلى طرف الإيوان، واعتنقا هناك هنيهة، ثم أخذه معه ساعة إلى طبقة فيها شباك إلى بستان، فجلسا ساعة يتحدَّثان، ثم جاء ويد الشيخ في يد السلطان، فجلس السلطان وعن يمينه ابن جماعة قاضي مصر، وعن يساره ابن الخليلي، والوزير، وتحته ابنُ صَصْرَى، ثم صدر الدين علي الحنفي، وجلس الشيخ تقي الدين بين يدي السلطان على طرف طراحته … ثم إن الشيخ بعد اجتماعه بالسلطان نزل إلى القاهرة، وعاد إلى بثِّ العلم ونشره، وأقبلت الخلق عليه، ورحلوا إليه يشتغلون عليه، ويستفتونه، ويجيبهم بالكتابة والقول، وجاء الفقهاء يعتذرون مما وقع منهم في حقه فقال: قد جعلت الكلَّ في حلٍّ (¬١). قلتُ: يتبيَّن لنا من هذا أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قد حظي بالمكانة اللائقة به في مصر مدة ثلاث سنوات فقط من شوال (٧٠٩) إلى أن غادرها متوجِّهًا إلى الشام في آخر شوال (٧١٢). وخلال هذه المدَّة توثَّقت صلة ابن بيدكين بشيخ الإسلام، خاصة أن شيخه الأول ابن عطاء الله؛ كان قد توفي قبل هذا التاريخ في جمادى الآخرة (٧٠٩). ويظهر أثر تلك الصلة في تقريظ ابن تيمية لرسالة «الفتوة»، وفي التعديلات التي أدخلها ابن بيدكين على رسالته متأثرًا بالتوجه العلمي لشيخه الجديد.
(٧٠٩). ويظهر أثر تلك الصلة في تقريظ ابن تيمية لرسالة «الفتوة»، وفي التعديلات التي أدخلها ابن بيدكين على رسالته متأثرًا بالتوجه العلمي لشيخه الجديد.
صلات ابن بيدكين بالعلماء والمشهورين في عصره: ١ - التركماني، شيخ عالم من حلب، انتقل إلى دمشق، ومات فيها، أخذ عنه ابن بيدكين، ولم يعرِّف به. ٢ - الشيخ الإمام العالم المقرئ شيخ القرَّاء برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن إبراهيم بن خليل الجعبري ثم الخليلي الشافعي (٦٤٠ - ٧٣٢) ﵀. التقى به التركماني في مدينة الخليل بعد سنة (٦٩٠). ٣ - الشيخ الزاهد إبراهيم بن مِعضاد بن شداد الجعبري (٥٩٧ - ٦٨٧) ﵀، لم يصرِّح بالسماع منه، ولعله لم يدركه. ٤ - تاج الدين أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله الإسكندريُّ المالكي (ت: ٧٠٩)، صوفيٌّ شاذليٌّ، أخذ عنه التركماني في القاهرة، ولازمه، وتأثر به. ٥ - القاضي زين الدين علي بن مخلوف النويري المالكي (ت: ٧١٨)، ذكره في قصة المقتول على الزندقة أحمد بن محمد البقَقِيُّ المصريُّ في الرابع والعشرين من ربيع الأول سنة (٧٠١). وابن مخلوف ﵀ هو صاحب الكلمة المشهورة: «ما رأينا أفْتَى من ابن تيمية؛ سعينا في دمه، فلما قدر علينا عفا عنَّا». ٦ - خطيب مكة: تقي الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن إبراهيم الطبري (ت: ٧٠٤) ﵀. ٧ - قاضي مكة: نجم الدين أبو علي محمدُ بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكرٍ الطبري (٦٥٨ - ٧٣٠) ﵀. ٨ - ابنُ المرحِّلِ: الفقيه الأصولي النظَّار محمد بن عمر بن مكي، أبو عبد الله صدر الدين، المعروف بابن الوكيل (٦٦٥ - ٧١٦ هـ) ﵀، عاصره التركماني في القاهرة، وأثنى عليه بقوله: «شيخٌ
أصولي النظَّار محمد بن عمر بن مكي، أبو عبد الله صدر الدين، المعروف بابن الوكيل (٦٦٥ - ٧١٦ هـ) ﵀، عاصره التركماني في القاهرة، وأثنى عليه بقوله: «شيخٌ
راسخٌ في علوم الإسلام» (ص: ١٤٢)، ولم يصرح بالأخذ عنه. ٩ - شيخ الإسلام أبو العبَّاس ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام النُّميري الحراني الدمشقي الحنبلي (٦٦١ - ٧٢٨) ﵀. كتب لابن التركماني تقريظًا على رسالته في الفتوة. ١٠ - الفقيه الشافعيُّ قطب الدين محمد بن عبد الصمد بن عبد القادر السنباطي (٦٥٣ - ٧٢٢) ﵀. كان فقيهًا كبيرًا تخرَّج به المصريون، أفتَى ودرَّس، وتصدر للإشغال، وانتفع به الطلبة، وكان كثير النقل حافظًا للفروع ساكنًا متدينًا، وناب في الحكم في القاهرة، وولي الوكالة بالديار المصرية (¬١). كتب لابن التركماني تقريظًا على رسالته في الفتوة. ١١ - العلامة الفقيه أبو عمرو عثمان بن إبراهيم بن مصطفَى المارديني (٦٦٠ - ٧٣١)، ويقال له: ابن التركماني. كان عالمًا بارعًا، متفننًا، تصدَّر للإفتاء والتدريس سنين، وكان شيخ الحنفية في زمنه في الديار المصرية، وصنَّف في فقه الحنفية (¬٢). وهو ممَّن قرَّظ ر سالة التركماني أيضًا. ١٢ - تقي الدين محمد بن أبي بكر بن عيسى الإخنائي المالكي (٦٥٨ - ٧٥٠)، أخذ عن العلماء في القاهرة، واشتغل بالفقه على مذهب مالك وغيره، وتقدم وتميز، ثم ولي قضاء الديار المصرية للمالكية، مات في الطاعون العام ﵀ (¬٣). قرَّظ رسالة الفتوة أيضًا. ١٣ - نجم الدين أيوب الكردي، شيخ صوفيٌّ مخلِّطٌ، انتقل من مناطق الأكراد إلى دمشق سنة (٦٨٧)، وتحول إلى غزة سنة (٦٩٩)، ثم
تحول إلى مصر. وقتل في معركة شَقحَب أو معركة مرج الصُفر، في رمضان (٧٠٢ هـ) تجاوز الله عنه. ذكر ابن بيدكين من خبره، وأثنى عليه فقال: «وكان الشيخ صالحًا عارفًا بالعلوم» (ص: ٦١٢)، وهذا يدلُّ على معرفته به. ١٤ - الشيخ الزاهد الفقيه الواعظ الأديب عبد العزيز بن أحمد بن سعيد الدميري المعروف بالديريني الشافعي (٦١٢ - ٦٩٤) ﵀. كان فاضلاً، عالمًا بالنحو واللغة والأصلَيْن، وله في كل فنٍّ فضل، وكان مع ذلك راضيًا ببذاذة الحال، توفي ببلدته ديرين في غربية مصر، ودفن فيها. وقد ذكر ابن بيدكين بعض أخباره (ص: ٤٥٨ - ٤٦٠)، ووصفه بالسيِّد. وسياق كلامه يدل على معرفته به. ١٥ - الشيخ الصوفي الضال أبو فارس عبد العزيز بن عبد الغني بن سرور بن سلامة المنوفيُّ الحسنيُّ (٦٠٧ - ٧٠٣)، أصلُه من الينبع، وانتقل سلفه إلى الإسكندرية، وسكن الصعيد مدة، وتعانى التصوف، فتقدَّم فيه، وروى عن المشايخ الذين لقيهم، وأخذ عن ابن عربي الصوفي، وكان على طريقته، صاحب أقوال منكرة. ذكر ابن بيدكين حكاية عنه في رؤيا علي بن أبي طالب، صدرها بلفظ: «يُحكَى عن السيد شرف الدين الكليمي: أَنَّهُ رأى عليَّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه في منامه، فسأله عن حقيقة الفقر، فقال ﵁: قد سألني عن ذلك عبد العزيز المنُوفيُّ! … » ولم يبيِّن إن كان قد رآه أو سمع منه، فقد أدركه في مصر. (ص: ٦٨٧). ١٦ - القاضي شرف الدين إبراهيم بن عثمان الكُلِيني. لا نعرفُ ترجمته، وإنما له ذكر في بعض الكتب كما ذكرته في موضعه (ص: ٦٨٧)، وقد ذكره ابن بيدكين في الحكاية السابقة، والله أعلم بحاله وخبره.
ابن بيدكين بين ابن عطاء الله وابن تيمية: يمكن عدُّ ابن عطاء الله السكندريُّ (ت: ٧٠٩) أبرز شيوخ ابن
دكين في الحكاية السابقة، والله أعلم بحاله وخبره.
ابن بيدكين بين ابن عطاء الله وابن تيمية: يمكن عدُّ ابن عطاء الله السكندريُّ (ت: ٧٠٩) أبرز شيوخ ابن
بيدكين، وهو صوفيُّ اشتهر بكتابه: «الحِكَم»، وُلد ونشأ في الإسكندرية، وأخذ التصوف عن أبي العباس المرسي (ت: ٦٨٦)، وانتقل ربَّما قُبيل هذا التاريخ إلى القاهرة، فاستوطنها، وتصدَّر للتدريس والوعظ، ومات بها سنة: (٧٠٩)، ولا يُعرف تاريخ مولده، لكن ذكروا أنَّه مات كهلًا، والكهل من جاوز الثلاثين إلى نحو الخمسين. يظهر من عبارات التركماني أنَّه كان شديد الإعجاب بابن عطاء الله والتقدير له، وأنه تأثر به تأثرًا بالغًا جذبَه إلى التصوف، وربطه برؤيتها ومصادرها، فنجده محسِّنًا للظنِّ فيهم، مدافعًا عنهم، ومع ذلك فقد تعمَّد عدم تسميته، والاكتفاء بوصفه: «شيخنا ﵀» (ص: ٤٤٣)، أو: «شيخنا رحمة الله عليه» (ص: ٣٠٠، ٣٤٦، ٤٩٧)، أو: «شيخنا ﵀ وجميع المسلمين» (ص: ٩٥). وهذا الترحم يورد إشكالًا، لأن ابن عطاء توفي سنة (٧٠٩)، وقد انتهى ابن بيدكين من كتابه نحو سنة (٧٠٣)، فإما أنه كان يترحم عليه لأنه لم يعلم بأخباره بعد نُقلته إلى مكة، أو أنه أدخل عبارات الترحم في الإخراج الأخير لكتابه، خاصة بعد أن رجع إلى القاهرة كما سنشرحه. لقد وفَّقنا الله تعالى إلى اكتشاف شيخ التركماني هذا من خلال صلتنا بكتب ابن عطاء الله، فبعض نقولات التركماني يرد بحروفه في كتب ابن عطاء الله، خاصة: «لطائف المنن في مناقب الشيخ أبي العباس وشيخه أبي الحسن» (¬١)، وكذلك: «الحكم العطائية»، وقد بيَّنا ذلك في مواضعه (¬٢)،
فه في كتب ابن عطاء الله، خاصة: «لطائف المنن في مناقب الشيخ أبي العباس وشيخه أبي الحسن» (¬١)، وكذلك: «الحكم العطائية»، وقد بيَّنا ذلك في مواضعه (¬٢)،
ولاحظنا أن التركماني قد يخطأ أحيانًا في النقل، فينسب ما نقله ابن عطاء عن غيره إلى ابن عطاء نفسه، وهذا مفهومٌ في ضوء افتقار التركماني للدقة العلمية. إن تعمُّد ابن بيدكين في إخفاء هويَّة شيخه له أسباب وجيهة، فهو لم يبلغ مرتبة من العلم تمكِّنه من تجاوز شيخه هذا، ولا تمكِّنه أيضًا من الدفاع عنه ومحاججة منتقديه؛ إذا ما أشهر اسمه، فعُرف به، ونسب إليه. ولعلَّ ابن بيدكين كان يدرك أيضًا أن ابن عطاء لا يسلم في سلوكه على الأقل من بعض المؤاخذات، فقد كان متحاملًا وباغيًا في خصومته لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨) رحمه الله تعالى، وظنُّنا أن ابن بيدكين كان يتابع أخبار تلك الخصومة، ويتأمل في وقائعها، حيث كانت في تصاعد، حتى حمي وطيسها في شهر شوال من سنة (٧٠٧)، إذ اتفق ابن عطاء مع شيخ الصوفية في القاهرة، ومعهما نحو الخمس مئة من المريدين على تحريض الدولة ضدَّ شيخ الإسلام ﵀، لكلامه في ابن عربي الضالِّ وغيره، فرُدَّ الأمر في ذلك إلى القاضي الشافعي، وعقد له مجلس، وادَّعَى عليه ابنُ عطاء بأشياء لم يثبت شيء منها. ومع ذلك انتهى الأمر بحبس ابن تيمية لإنكاره الاستغاثة بالنبي ﷺ (¬١). ولعل ابن بيدكين قد شهد هذه الواقعة بعد عودته من رحلة الحجِّ. لقد كان في شخصيَّة كلٍّ من الرجلين ما يجذب ابن بيدكين، فابن عطاء واعظ مؤثر، كان له رواج بين العامة. قال الذهبيُّ ﵀: كانت له جلالة عجيبة، ووقع في النفوس، ومشاركة في الفضائل، ورأيت الشيخ تاج الدين الفارقي لما رجع من مصر معظمًا لوعظه وإشارته، وكان يتكلم بالجامع الأزهر فوق كرسي بكلام يروِّح النفوس، ومزج كلام القوم بآثار السلف وفنون العلم؛ فكثر أتباعه، وكانت عليه سيما الخير. ويقال: إن ثلاثة
قصدوا مجلسه فقال أحدهم: لو سلمتُ من العائلة لتجردت. وقال الآخر: أنا أصلي وأصوم ولا أجد من الصلاح ذرة. فقال الثالث: إن صلاتي ما ترضيني فكيف ترضي ربي؟ فلما حضروا مجلسه قال في أثناء كلامه: ومن الناس من يقول … فأعاد كلامهم بعينه! (¬١) فلا عجب أن يتأثر به صاحبنا، وهو في عداد متعلِّمي العامة، ونجده يستذكر بعض تلك المجالس التي تركت في أعماقه أبلغ الأثر، فيقول: «وقال شيخُنا ﵀ مرةً شيئًا غريبًا حتى أطرَب السامعين، وأخرق عقولَهم، ولقد رأيتُ في مجلسه من حُمِلَ في كساءٍ إلى بيته، فلمَّا تكلم وفرغ، قال بعض الفقراء: يا سيدي! هذا الكلام الذي قلتَه لم أسمعه منك، بل من الله تعالى! فقال الشيخ عن نفسه: اذهب بهذه القفَّة العظام من الوسط، فالمتكلم هو الله تعالى جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤه!» (ص: ٧٠٦). ولا شكَّ أن ابن بيدكين لم يكن يدرك ما وراء هذه الكلمة من معانٍ خطيرة! (¬٢) أما ابن تيمية؛ فللتركماني عوامل أخرى في الانجذاب إليه، إنه كان يرَى فيه نموذج العالم الربَّاني المصلح، الذي تميَّز بانفراده بين علماء عصره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (¬٣)، لا يخشى في الله لومة لائم، فكان يلحظ الفرق بينه وبين غيره من علماء عصره الذي اختاروا الساكوتة على منكرات الولاة والعامة، وربما وافقوهم في عوائدهم. لقد تملَّكت التركماني حماسةٌ قويَّة في الإصلاح، ورغبة عارمة في تغيير واقع
الذي اختاروا الساكوتة على منكرات الولاة والعامة، وربما وافقوهم في عوائدهم. لقد تملَّكت التركماني حماسةٌ قويَّة في الإصلاح، ورغبة عارمة في تغيير واقع
المجتمع الذي أنهكته البدع والمنكرات والفواحش، ولم تكن له ولاية شرعية، ولا مكانة اعتبارية تعينه على القيام بهذه المهمة، فكان يرَى في شخصية شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ نموذج القدوة والأسوة في مسيرة الإصلاح والتجديد. لقد وجده في كل ميدان: في دمشق مجاهدًا في معركة شقحب (٧٠٢)، ورآه بين العامة وفي الأسواق منكرًا على أصحاب البدع والفسوق من شاربي الخمور ولاعبي الشطرنج، ورفع إليه بصره في مصر فإذا هو أمام داعية إصلاحٍ يُعتدى عليه، ويحارب بالإشاعات والأكاذيب والدعاوى الباطلة، ويُسجن مراتٍ وهو صابر محتسب، لا ينقطع نفعه لأمته حتى وإن غُيِّب خلف أسوار السجن، فيرجع إليه الأمراء والعلماء فيما يشكل عليهم من النوازل، ويقرُّ له المنصفون من خصومه بالإمامة في العلوم، ويشهدون له بالخير والصلاح، والعدل والإنصاف، وعلوِّ الهمة، وسموِّ الأخلاق. لا شكَّ أن هذا الجانب العملي من حياة ابن تيمية هو الذي جذب ابن بيدكين إليه، وربَّما عُني ببعض كتبه ورسائله المتعلقة بمسائل العبادة والاتباع والتزكية والسلوك، لكنه بيقينٍ لم ينفذْ إلى تلك المساحات العميقة من علوم ابن تيمية، فما له وللصفدية والأصفهانية وبغية المرتاد وبيان تلبيس الجهمية ودرء تعارض العقل والنقل، إذ يكفيه من ابن تيمية ما هو وثيق الصلة بمجتمع العامة، فلا عليه إذن أن يستلهم من ابن تيمية الردَّ على القلندرية أو المرازقة، أو ينسخ بعض رسائله في العبادات والسلوك. نقف في مكتبة لايدن بهولندة على رسالة صغيرة تحمل الرقم (٢٢٨٩)، وتقع في سبع ورقات، عنوانها: «قاعدة في أفعال الحج تصنيف الشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵁ وأرضاه»، وكتب إلى اليمين من هذا العنوان: «هذه الرسالة بخط العلامة بيدكين بن التركماني الحنفي، تلميذ ابن تيمية الحرَّاني». وقد شُطب على هذه الجملة، ولعلها كتبت لاحقًا ثم شطب عليها بقلم حديث. وفي آخرها: «تمت بحمد الله تعالى وعونه في ليلة يُسفر صباحها عن سادس جمادى الآخرة، سنة ثمان وثمان مئة».
لة، ولعلها كتبت لاحقًا ثم شطب عليها بقلم حديث. وفي آخرها: «تمت بحمد الله تعالى وعونه في ليلة يُسفر صباحها عن سادس جمادى الآخرة، سنة ثمان وثمان مئة».
ونقف على رسالة أخرى في المكتبة نفسها، برقم: (٢٢٩٠)، في خمس صفحات، عنوانها: «قاعدة في الصبر للشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀ ورحم جميع أموات المسلمين»، وإلى اليمين من العنوان كتب أيضًا: «هذه الرسالة بخط العلامة بيدكين التركماني، تلميذ ابن تيمية، مؤلف هذه الرسالة». وشطب عليها أيضًا (¬١). وثمَّةَ مخطوطة أخرى في لايدن، وهي لرسالة «الفتوة» للتركماني وسيأتي الكلام عليها وفي صفحة العنوان منها وصف ابن بيدكين بأنه: «من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني، وقد قرَّظ له شيخه على هذه الرسالة». ولم يشطب عليه! وخطوط هذه المخطوطات الثلاث التي نجد فيها إصرارًا على وصف ابن بيدكين بتلميذ ابن تيمية متشابهةٌ؛ ممَّا يدلُّ على أن ناسخها واحد، كما أن مصدرها واحد، فقد كانت في حوزة الشيخ الرحَّالة أمين بن حسن الحلواني المدني (ت: ١٣١٦ هـ/ ١٨٩٨ م) ﵀، ثم باعها ضمن ما باع من النفائس في هولندة لدار بريل الشهيرة، وهي محفوظة حاليًّا في مكتبة جامعة لايدن. وهي ليست بخط ابن بيدكين، لكنها فيما أرجِّح بظنٍّ قويٍّ نُقلت من نسخة ابن بيدكين نفسه، وكتب عليها ما يصدُق على تلك النسخة الأصلية، فاقتضى ذلك شطب ما لا يصدق على النسخة المنقولة، وتاريخها صحيح (٨٠٨)، فهي كتبت بعد ابن بيدكين بنحو قرن من الزمان. وربما يكون الشطب لأن النسبة إلى ابن تيمية كانت سبب تهمة في تلك العصور! وفي صفحة العنوان لرسالة «الفتوة» من مخطوطة دار الكتب المصرية نجد تأكيدًا آخر على وصف ابن بيدكين بتلميذ ابن تيمية: «هذه الرسالة في الفتوة للعلامة إدريس بن بيدكين التركماني الحنفي، وهو من تلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني، وقد قرَّظ له شيخه على هذه الرسالة، … ».
ربما يكفينا تقريظ شيخ الإسلام ابن تيمية رسالةَ التركماني لنسلكه في عداد تلاميذه، وهذا ما صنعه الدكتور عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي في كتابه: «شيخ الإسلام ابن تيمية وجهوده في الحديث وعلومه»، فقال في ذكر تلاميذه ١/ ١١٨: «وإدريس بن بيدكين بن عبد الله التركي [كذا!] الحنفي مؤلف كتاب «اللمع في الحوادث والبدع» تتلمذ على شيخ الإسلام». ثم أحال إلى كتابنا هذا، وقال: وفي آخره تقريظ لشيخ الإسلام على رسالة صاحب اللمع: «الفتوة». وقد تكون في عبارة «تتلمذ على شيخ الإسلام» بعض المجازفة، ولكن ينبغي أن لا نُشدِّد في شروط التلمذة عندما يتعلق الأمر بمثل ابن بيدكين، فتلك التلمذة لم تصنع منه فقيهًا ولا قاضيًا ولا عالمًا مبرَّزًا، إنه طالب علم مشارك، وحسبه أن ينال من التلمذة على شيخ الإسلام ما يناسب مرتبه. لقد قدَّم لنا ثلاثة نصوص مهمة هي موضع اهتمام ابن تيمية: الأول: عن القرندلية أو القلندرية. والثاني: عن المرازقة. والثالث: عن الفتوة. أما القرندلية: فقد أوجز التركماني القول فيهم، ولا أدري ما الذي منعه من التوسع في البحث رغم شدَّة بغضه لهم، وفي «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» ٣٥/ ١٦٣ - ١٦٦، مادة جيِّدة لم يقتبس منها التركماني شيئًا، وذكر أنهم «طائفة من الإفرنج»، ولا أدري مستنده في ذلك. ومهما يكن فقد وجد التركماني في ابن تيمية قدوة في مواجهة بدعة القلندرية، وقد قال العلامة ابن ناصر الدين الدمشقي في «الرد الوافر» في ترجمة: الشيخ الإمام العلامة القاضي أبي البقاء محمد ابن سوار الأنصاري الخزرجي السبكي الشافعي (٧٠٧ - ٧٧٧ هـ): حكى بعض من لقيته من الشيوخ العلماء أنه حضر مرةً مع قاضي القضاة أبي البقاء شيخ الشافعية درسًا ألقاه بالمدرسة الرواحية، وهي داخل باب الفراديس من دمشق، فجاءه جماعة من طائفة القلندرية يسألونه، فأمر لهم بشيء، وكان إذ ذاك حاكمًا بدمشق على القضاء بها، ثم جاءه طائفة أخرى من الحيدرية وهو يتوضأ على بركة
ق، فجاءه جماعة من طائفة القلندرية يسألونه، فأمر لهم بشيء، وكان إذ ذاك حاكمًا بدمشق على القضاء بها، ثم جاءه طائفة أخرى من الحيدرية وهو يتوضأ على بركة
المدرسة المذكورة فسألوه، فأمر لهم بشيء، ثم جاء فصلى ركعتين، ثم قال: رحم الله ابن تيميةَ، كان يكره هؤلاء الطوائف على بدعهم. قال: فلما قال ذلك ذكرت له كلام الناس في ابن تيمية، فقال لي وكان ثم جماعة حاضرون، قد تخلفوا بعد الدرس يشتغلون عليه: والله يا فلان ما يُبغض ابن تيمية إلا جاهل أو صاحب هوى، فالجاهل لا يدري ما يقول، وصاحب الهوى يصده هواه عن الحق بعد معرفته به. قال: فأعجبني ذلك منه، وقبلت يده، وقلت له: جزاك الله خيرًا. وأما المرازقة: فقد أفرد لهم ابن بيدكين فصلاً مطوَّلًا، وذكر تفاصيل مهمة عنهم، ولابن تيمية بحث مطول فيهم نقلته في موضعه، ويظهر من المقارنة بين كلامهما أن ابن بيدكين لم ينقل عبارات ابن تيمية بحروفها، لكنه استفاد منها، وزاد عليها، وأعاد صياغتها بأسلوبه، إذ نجد عندهما جملة كبيرة من الأفكار المتشابهة حول: تذبذبهم في الانتساب إلى الشافعية أو الحنابلة، وتركهم الجمعة والجماعات، وعدم قبولهم توبة الرافضي، واحتجاجهم في ذلك بحديث باطل، والإنكار عليهم بطاعة شيخهم والتعصب له في مخالفة الكتاب والسنة وأقوال الأئمة، وغلوهم في الاستثناء، وتكفيرهم لمخالفيهم واستحلالهم لدمائهم وأموالهم. وأما الفتوة: فسنفردها بالبحث عند كلامنا على رسالة التركماني فيها، لكن نشير هنا إلى أن ابن تيمية قد استفتح تقريظه لها بثناء حارٍّ على ابن بيدكين فقال: «هذا الكراس كلام رجل صادق ناصح، متَّبع لشريعة الإسلام، ناهٍ عمَّا نهى الله عنه من الآثام، متبع الكتاب والسنة والأثر فيما دعا إليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، محب لله ولرسوله، راغب في طريق الله وسبيله … وهو فيه من أعظم المطيعين لله ولرسوله، القائمين بما أرضى الله ورسوله، ويجب على كل مسلم أن يرضى بما فعله من ذلك، ويعاونه على ذلك إذا احتاج إلى المعاونة بما يقدر عليه، وبوجود هذا وأمثاله من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر يُصلح الله للمسلمين دينَهم ودنياهم».
ويعاونه على ذلك إذا احتاج إلى المعاونة بما يقدر عليه، وبوجود هذا وأمثاله من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر يُصلح الله للمسلمين دينَهم ودنياهم». إن هذا الثناء يدلُّ بوضوح على معرفة شيخ الإسلام لابن بيدكين
وحسن ظنِّه في حاله وصفته، كما يدلُّ على أن شيخ الإسلام قد أعجب بحماسة ابن بيدكين في الأمر والنهي، ودعا إلى إعانته فيما هو بسبيله، وهذا يمثل نموذجًا من صلة ابن تيمية بعامة المجتمع، وبمجتمع العامة. وراجع ما كتبته في المقارنة بين كلام ابن تيمية وابن بيدكين في الفتوة، وما ظهر من أثر لابن تيمية في رسالة الفتوة المفردة، وهي الإخراج الأخير لبحث ابن بيدكين في هذه المسألة، والله أعلم.
وفاة ابن بيدكين: كما ذكرتُ سابقًا: فإن صلة ابن بيديكين بابن تيمية امتدَّت لثلاث سنوات (٧٠٩ - ٧١٢)، كان ابن تيمية خلال تلك المدَّة أحد المفتين الرسميِّين في مصر، ومن هنا فإننا نقدِّر أن ابن بيدكين كان حيًّا في مصر بعد سنة (٧٠٩)، ولن نخوض بظنِّنا في تاريخ ومكان وفاته، ونكتفي بالتوجه إلى الله ﷿ بالدعاء أن يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جناته، بمنِّه وكرمه.
وصف النسخ الخطيَّة ١ - نسخة دار الكتب المصرية (ق): تحمل رقم (٧٠١) تصوف، وتقع في (١٩٦) ورقة، وفيها في مواضع عدةً سقط بمقدار ورقة في كل موضع، نبَّهنا عليه في مواضعه. وهي بخط نسخ جميل ومقروء، ليس عليها اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ، لكنها نسخت قبل سنة (٧٧٩ هـ/ ١٣٧٨ م). في صفحة العنوان: «كتاب اللمع في الحوادث والبدع، جمع العبد الراجي عفو الله ﷿ إدريس بن بيدكين التركماني الحنفي، عفا الله عنه بكرمه، آمين»، ثم صورة تملُّك كتبها: «عبد الله بن محمد بن أحمد الحنفي لطف الله به وبالمسلمين، سنة ٨٥٠ هجرية». وفي آخر الكتاب: «تم كتاب اللمع بحمد الله تعالى ومنِّه، غفر الله لمؤلفه وكاتبه والواقف عليه ولوالديهم، ولجميع المسلمين، آمين. وصلى الله على محمد خير خلقه وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا». وفي طرف الصفحة تقييد لم أتمكَّن من قراءته لسوء التصوير، في آخره تاريخ: (٨٨٧). وفي ظهر هذه الورقة: «وُلِد الولد المبارك إن شاء الله عبد الرحمن … صالحًا، يوم السبت الخامس والعشرين من رمضان سنة تسع وسبعين وسبع مئة … وتوفيت والدته في تلك الليلة، رحمها الله تعالى». وتحته بخطٍّ مغاير: «بحمد الله وحده. طالع في هذا الكتاب الفقير إلى الله تعالى الراجي عفوه ومغفرته: محمد بن عبد اللطيف بن أحمد
الشهير بابن عبد السيد، غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين، في ثالث عشر ذي الحجة الحرام، سنة إحدى وتسعين وسبع مئة، … ». وهذا تقييدٌ مهمٌّ، وهو لتاريخ المطالعة، وليس النسخ خلافًا لما فهمه صبحي لبيب، فالنسخة أقدم من هذا التاريخ بسنوات اللهُ أعلم بها، فهي قديمة، وقريبة العهد بالمصنِّف، ولعلها نسخت من نسخة المصنف، فسياق العنوان يدلُّ على أنه من كلام المؤلف الذي وصف نفسه بالعبد الراجي عفو الله ﷿. كما أن هذه النسخة تخلو من التذييل القصير الذي استدركه المصنف في آخر كتابه بعد قوله: «تم كتاب اللمع»، فذكر مكان وزمان التأليف وبعض الدعاء.
فو الله ﷿. كما أن هذه النسخة تخلو من التذييل القصير الذي استدركه المصنف في آخر كتابه بعد قوله: «تم كتاب اللمع»، فذكر مكان وزمان التأليف وبعض الدعاء.
٢ - نسخة مكتبة برلين بألمانيا (ب): وهي من مجموعة المخطوطات الشرقية، برقم (١٦٨١)، وتقع في (٢٠٤) ورقاتٍ، وهي بخطِّ نسخ جميل ومقروء. في صفحة العنوان: «كتاب اللمع في الحوادث والبدع. تأليف العبد الضعيف إدريس بن بيدكين ابن عبد الله التركماني الحنفي، عامله الله تعالى وجميع المسلمين بلطفه الخفي، وغفر له بعفوه وكرمه وهو القادر الوفي، وصلوات الله ورحمته وبركاته على سيدنا محمد ما ظهر نجم أو خفي. قال المؤلف: ألَّفتُ هذا الكتاب على القافية خوفًا من اللَّحن، ونسأل الله لنا ولجميع المسلمين العفو والعافية». وتحته صورة تملك نصها: «ملَكَه من فضل الله العميم، الراجي عفو ربه الكريم: إسحاق بن إسماعيل بن عبد العظيم بن علي بن عمر … السبكي بلدًا، الشافعي مذهبًا، الأنصاريُّ نسبًا، عفا الله عنه، وغفر له، ولوالديه … من أحمد الخطابيِّ الكتبيِّ، بالقاهرة المحروسة، في جمادى الآخرة سنة تسع وثمانين وسبع مئة». وكلمة (وثمانين) غير واضحة. ولم أجد ترجمة السبكي، أما الكتبي، فقد ذكره ابن حجر، فقال: أحمد بن عبد الله الخطابيُّ الكتبيُّ، الناسخُ، كتب عنه ابن رافع من نظمه:
الراحمون لمن في الأرض يرحمهم … من في السماء فباعد عنك وسواسا وقل أعوذ برب الناس منه إذا … لا يرحم الله من لا يرحم الناسا (¬١) قلتُ: يظهر أن الخطَّابي نسخ هذه النسخة، ثم باعها للسبكي. وفي هذه الصفحة صورة تملك آخر هذا نصها: «ملك العبد الفقير محمد الجمال القادري، سبط معروف الكرخي البابلي عفا الله عنه، في ذي الحجة سنة ١٠٣١». ويخلو نهاية الكتاب من أيِّ تعليق للناسخ. وفي الورقة الأخيرة تعاليق مختلفة بالتملك، وبالمطالعة، وبالنسخ عنها في سنة (٩٦٨)، وآخرُ في (١٠٠٩). وعن هذه النسخة نُسخت المخطوطة التركية؛ كما صرَّح ناسخها في تعليقةٍ قيَّدها في آخر هذه النسخة، كما سيأتي.
وبالنسخ عنها في سنة (٩٦٨)، وآخرُ في (١٠٠٩). وعن هذه النسخة نُسخت المخطوطة التركية؛ كما صرَّح ناسخها في تعليقةٍ قيَّدها في آخر هذه النسخة، كما سيأتي.
٣ - نسخة متحف مولانا (خ): هذه النسخة محفوظة في قسم المخطوطات بمتحف مولانا في مدينة قونية بتركية، برقم: (١٤٥٦) (¬٢)، عدد أوراقها (٢٦٩) ورقة. وخطها حسن مقروء. وهي متأخرة، فقد فرغ منها ناسخها: أبو بكر بن الخطيب في: ١٠/ ١٢/ ٩٦٨ هـ، الموافق: ٢٣/ ٨/ ١٥٦١ م. ولم أقف على ترجمة الناسخ، لكنه ذكر أنه نسخها في قرية تيزَر، وهي من قرى سَرْمين، غربَ حلب على مسافة خمسين كيلو مترًا منها. في صفحة العنوان: «كتاب اللمع في الحوادث والبدع. تأليف العبد الفقير إدريس بن بيدكين بن عبد الله الحنفي، عامله الله تعالى وجميع
المسلمين بلطفه الخفي، وغفر له بعفوه وكرمه، وهو القادر الوفي، وصلوات الله ورحمته وبركاته على سيدنا محمد ما ظهر نجم أو خفي. قال المؤلِّف: ألَّفتُ هذا الكتاب على القافية، خوفًا من اللَّحن، ونسأل الله لنا ولجميع المسلمين العفو والعافية». وختم الناسخُ الكتاب بقوله: «وذلك برسم السيد موسى الهندي بن عبد الله، وكان الفراغ من نسخه نهار السبت العاشر من شهور ذي الحجة سنة (٩٦٨)، وكاتبه: بو بكر بن الخطيب بقرية تيزر الشافعيُّ مذهبًا، غفر الله له ولوالديه ولمن قرأ في هذا الكتاب ورأى فيه خللًا وسدَّه، آمين». وهذه النسخة منقولة عن النسخة الألمانية، فإنَّ الناسخ نفسه كتب في ظهر تلك النسخة ما نصُّه: «نسخ هذا الكتاب المبارك الفقير موسى بن بو بكر بن محمد الخطيب القناطري، الساكن يومئذٍ بقرية تيزر، بمدينة سرمين، خادم بني نوى، وكان بتاريخ سلخ شهر ذي الحجة من شهور سنة ثمان وستين وتسع مئة، غفر الله له ولوالديه ولمن كان السبب فيه، ولكافة المسلمين، آمين». قلت: هذا موافق لما ذكره ياقوت في «معجم البلدان»: من أن «تيزر» قرية كبيرة من أعمال «سرمين» ولا اختلاف في تاريخ النسخ في التعليقتين، وإنما وقع الاختلاف في اسم الناسخ، والله أعلم بصحة ذلك.
٤ - نسخة الخزانة التيمورية (ت): وهي لرسالة «الحجة والبرهان»؛ تقع في جزء مفرد في (٨) ورقات، وهي من الخزانة التيمورية الملحقة بدار الكتب المصرية، ورقمها: (٦٤). في صفحة العنوان: «هذه الرسالة في الفتوة للعلامة إدريس بن بيدكين التركماني الحنفي، وهو من تلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية الحرَّاني، وقد قرَّظ له شيخه على هذه الرسالة، وكذلك قرظ له عليه جميع مفاتي مصر القاهرة، في ذلك التاريخ سنة: ٨٠٨».
وكُتب على العنوان بخطٍّ آخر: «الحجة والبرهان على فتيان هذا الزمان». وفي آخر الرسالة: «بلغ مقابلةً على أصله». ولم يُذكر اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ، لكن في الغلاف الخارجي تقييد ولادة طفل في: ١٠/ ٩/ ١١١٠، وآخر في: ١٧/ ٩/ ١١١٢، ويظهر من نوع الخطِّ أن النسخة أقدم من هذا التاريخ بكثيرٍ.
تاريخ النسخ، لكن في الغلاف الخارجي تقييد ولادة طفل في: ١٠/ ٩/ ١١١٠، وآخر في: ١٧/ ٩/ ١١١٢، ويظهر من نوع الخطِّ أن النسخة أقدم من هذا التاريخ بكثيرٍ.
٥ - نسخة مكتبة لايدن بهولندة (ل): وهي أيضًا لرسالة: «الحجة والبرهان»، محفوظة في مكتبة جامعة لايدن، برقم: (OR ٢٩٩٤)، وتقع في خمس ورقات، وخطها حسنٌ مقروء. ليس فيها اسم الناسخ، ولا تاريخ النسخ. وهي واحدة من ثلاث مخطوطات متشابهة في الخطِّ، انتقلت إلى هولندة من مصدر واحد، وهو الشيخ أمين المدني، وقد شرحت هذا فيما سلف. في صفحة العنوان: «هذه الرسالة في الفتوة للعلامة إدريس بن بيدكين التركماني الحنفي، وهي بخطِّه، وهو من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية الحرَّاني، وقد قرَّظ له شيخه على هذه الرسالة، وكذلك قرظ له عليه جميع مفاتي مصر القاهرة، في ذلك التاريخ سنة: ٨٠٨». وقط شُطب على: «وهي بخطِّه». والنسختان المصرية والهولندية متشابهتان تمامًا، بل متطابقتان، حتى في الأخطاء والبياضات ونحوها، ويظهر لي من خلال المقارنة بينهما أن المصرية منقولة من الهولندية، والله تعالى أعلم.
متشابهتان تمامًا، بل متطابقتان، حتى في الأخطاء والبياضات ونحوها، ويظهر لي من خلال المقارنة بينهما أن المصرية منقولة من الهولندية، والله تعالى أعلم.
وصف النسخة المطبوعة طبع الكتاب طبعة وحيدة فيما علمتُ في القاهرة، سنة (١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٦ م)، بتحقيق: صبحي لبيب، وصدر عن قسم الدراسات الإسلامية بالمعهد الألماني للآثار في القاهرة، ضمن سلسلة مصادر تاريخ مصر الإسلامية التي كان يصدرها المستشرق هانز رويمر. وقد وقع كتاب «اللمع» في مجلدين، الأول: في (٧٠٠) صفحة، فيها مقدمة المحقق، ونصُّ الكتاب كاملاً، ورسالة الفتوة، ومقدمة باللغة الألمانية. والثاني: في (٥٦٣) صفحة للفهارس التفصيلية للكتاب. ذكر المحقِّق أنه حصل على منحة دراسية من هيئة البحوث الألمانية عام (١٩٦٢ م)، فبدأ باستنساخ مخطوطة برلين، وأعد دراسة عن الكتاب شارك بها في المؤتمر الدولي للدراسات الشرقية الذي عقد بمدينة دلهي عاصمة الهند عام (١٩٦٤ م)، ولم يتمكن من الحصول على مصورة نسخة دار الكتب إلا في عام (١٩٨٠ م)، أما نسخة قونية فلم يطلع عليها، ولم يشر إليها. بدأ صبحي لبيب مقدمته بالكلام على مسألة البدع، وظهورها في التاريخ الإسلامي، واستعرض عددًا من المؤلفات في معالجتها. ولم يحسن البحث، لأنَّه أجنبيٌّ عن هذا الميدان الشرعي. ثم انتقل إلى الكلام عن النسختين التي اعتمدهما في طبعته، وهي مخطوطة دار الكتب المصرية، ومخطوطة برلين.
سن البحث، لأنَّه أجنبيٌّ عن هذا الميدان الشرعي. ثم انتقل إلى الكلام عن النسختين التي اعتمدهما في طبعته، وهي مخطوطة دار الكتب المصرية، ومخطوطة برلين.
وتكلَّم عن المؤلف، فذكر: (عدم عثوره على ترجمة لحياة التركماني، وبذلك أصبح من الضروري أن يجمع أخبار المؤلف من كتاباته)، ثم ساق جملة من النصوص الصريحة المتعلقة بالحوادث والأعلام الدالة على العصر الذي عاش فيه، ولم يحسن التعرف على كثير من الدلائل التي لم يصرح بها التركماني، مثل خطيب مكة، والقاضي فيها، وشيخه ابن عطاء الله السكندري الذي أكثر النقل عنه، إلى غير ذلك مما ذكرناه مفصلًا في ترجمتنا للمؤلف ﵀. ثم تكلم عن موقف التركماني من البدع، ومنهجه في التأليف، وشرع في التعريف بفصول الكتاب، واستعراض موادها، مع شيء من المقارنة بجهود العلماء الآخرين. لقد بذل الدكتور صبحي لبيب جهدًا مشكورًا في إخراج الكتاب، بمقابلته على المخطوطتين، وضبط نصِّه، ووقعت له جملة كبيرة من الأخطاء بسبب عدم تخصصه في العلوم الشرعية، فلم يُحسن قراءة بعض الكلمات، ولم يرجح بين اختلاف النسختين في أكثر المواضع، ولم يُعن بتخريج الأحاديث والآثار، بل اكتفى بالإشارة في فهرس الأحاديث إلى مواضع ما ورد منها في «المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي». ولم يكن من همنا تتبع أخطائه، لكني أشير إلى نماذج ثلاثة منها: الأول: قول التركماني: «فكان أمير المؤمنين أبو بكر ﵁ يقول: ليت أم عمر لم تلده» (ص: ٧٠). وعلق عليه بقوله: «ذكر الاسم (أبو بكر) في الهامش في مخطوط برلين، ولم يرد في مخطوط القاهرة»! وهذا وهم، والحقيقة أنه لم يرد في مخطوطة برلين أيضًا، وأن الإشارة الموجودة في حاشية الورقة تتعلق بالسطر اللاحق، والسياق يدل على أن المراد هو عمر بن الخطاب، وذلك ما ورد في مصادر الأثر، ولبيب لا يرجع إلى شيء من المصادر لضبط الأحاديث والآثار والأقوال ومقارنتها. الثاني: قول التركماني: «في الأخبار: أن الجوارح عذاب النار» (ص: ٧٩)، وعلق عليه: «وردت في مخطوط برلين: «الخوارج كلاب … ».».
ولم يزد على هذا، مع أن ما في نسخة برلين هو الصواب، وهو حديث مشهور معلوم. الثالث: وهو في قول التركماني: «ولا يجوز النذر للستِّ نفيسة؛ فما بالك بالنَّذر للديورة والبيع والكنيسة» (ص: ٥٤٨). فأقحم الدكتور صبحي لبيب في الجملة: (إلا)، لتصبح: «ولا يجوز النذر إلا للست نفيسة؛ … »، وهذه الزيادة ليست في النسخ، ولم يشر صبحي لبيب إلى اختلاف فيها في إثباتها، بل أثبتها قولاً واحدًا، وبنى على ذلك: (لا يجوز النذر إلا للستِّ نفيسة)، وجعل هذا عنوان الصفحة، وأعاد الكلام فيه في مقدمته، مع أن قوله: (فما بالك … ) كافٍ في الدلالة على عدم صحة هذه الزيادة. ومهما يكن؛ فليس لنا أن نبالغ في نقد عمله، لأنَّ وجهته في إخراج الكتاب كانت غير وجهتنا، فقد حاول أن يخرجه على طريقة المستشرقين في ضبط النص وفي الدراسة والفهرسة، وحاولنا أن نخدم الكتاب بما نراه أقرب إلى خدمة العلم الشرعي الشريف، وذلك بتخريج الأحاديث والآثار، والتعليق على ما يلزم من المسائل في المعتقد أو غيره، والله من وراء القصد.
نماذج من النسخ الخطية
١ - صفحة العنوان لمخطوطة دار الكتب المصرية (ق)
٢ - أول كتاب «اللمع» في مخطوطة دار الكتب المصرية (ق)
٣ - الصفحة قبل الأخيرة من مخطوطة دار الكتب المصرية (ق)
٤ - الصفحة الأخيرة من مخطوطة دار الكتب المصرية (ق)
٥ - ظهر الورقة الأخيرة من مخطوطة دار الكتب المصرية (ق)
٦ - صفحة العنوان لمخطوطة متحف مولانا في قونية (خ)
٧ - أول كتاب «اللمع» في مخطوطة متحف مولانا في قونية (خ)
٨ - الصفحة الأخيرة في مخطوطة متحف مولانا في قونية (خ)
٩ - صفحة العنوان لمخطوطة برلين (ب)
١٠ - الصفحة الأولى من مخطوطة برلين (ب)
١١ - الصفحة الأخيرة من مخطوطة برلين (ب)
١٢ - ظهر الورقة الأخيرة من مخطوطة برلين (ب)
١٣ - صفحة العنوان لرسالة «الفتوة»، مخطوطة لايدن (ل)
١٤ - الصفحة الأولى من رسالة «الفتوة»، مخطوطة لايدن (ل)
١٥ - آخر رسالة «الفتوة» وفيه تقريظ ابن تيمية، مخطوطة لايدن (ل)
١٦ - الصفحة الأخيرة من مخطوطة «الفتوة» في مكتبة جامعة لايدن (ل)
١٧ - صفحة العنوان لرسالة «الفتوة»، مخطوطة دار الكتب المصرية (ت).
مخطوطة لايدن (ل)
١٦ - الصفحة الأخيرة من مخطوطة «الفتوة» في مكتبة جامعة لايدن (ل)
١٧ - صفحة العنوان لرسالة «الفتوة»، مخطوطة دار الكتب المصرية (ت).
١٨ - الصفحة الأولى من رسالة «الفتوة»، مخطوطة دار الكتب المصرية (ت)
١٩ - الصفحة الأخيرة من رسالة «الفتوة»، مخطوطة دار الكتب المصرية (ت)
٢٠ - تقريظ ابن تيمية لرسالة «الفتوة»، مخطوطة دار الكتب المصرية (ت)
٢١ - الصفحة الأخيرة من مخطوطة «الفتوة»، دار الكتب المصرية (ت)
٢٢ - صفحة العنوان لمخطوطة «قاعدة في أفعال الحج لابن تيمية» في مكتبة لايدن، وقد كتب على اليسار: (هذه الرسالة بخط العلامة بيدكين التركماني الحنفي، تلميذ ابن تيمية الحراني)، ثم شطب عليها.
٢٣ - صفحة العنوان لمخطوطة «قاعدة في الصبر لابن تيمية»، وكتب على اليسار: «هذه الرسالة بخط العلامة بيدكين التركماني، تلميذ ابن تيمية مؤلف هذه الرسالة»، ثم شطب عليها.
كتاب اللمع في الحوادث والبدع
تأليف: العبد الضعيف إدريس بن بيدكين بن عبد الله التركماني الحنفي عامله الله تعالى وجميع المسلمين بلطفه الخفي، وغفر له بعفوه وكرمه وهو القادر الوفي، وصلوات الله ورحمته وبركاته على سيدنا محمد ما ظهر نجم أو خفي.
قال المؤلف: ألفتُ هذا الكتاب على القافية خوفًا من اللحن، ونسأل الله لنا ولجميع المسلمين العفو والعافية.
﷽
بركاته على سيدنا محمد ما ظهر نجم أو خفي.
قال المؤلف: ألفتُ هذا الكتاب على القافية خوفًا من اللحن، ونسأل الله لنا ولجميع المسلمين العفو والعافية.
﷽
[مقدمة المؤلف الأُولى] الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والتَّسليم على سيدنا محمد خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وعلى جميع عباد الله الصَّالحين. قال المؤلِّفُ إدريس بن بَيْدَكِينَ بن عبد الله التركمانيُّ الحنفيُّ عامله الله تعالى وجميع المسلمين بلطفه الخفي، وغفر له بعفوه وكرمه وهو القادر الوفي، وصلوات الله ورحمته وبركاته على سيدنا محمد ما ظهر نجم أو خفي: سألني بعض الأصحاب أنْ أذكر له شيئًا من البدع المحدَثة، الخارجة عن طريق المسلمين، المخالفة للسُّنة والكتاب، فأجبته إلى ذلك، وسألت الله تعالى الكريم الوهَّاب الذي يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب أنْ يهديني إلى الحق والرُّشد والصَّواب، وأنْ يجعله خالصًا لوجهه الكريم ليحصل به النَّفع والخير والثَّواب، وعليه توكلت وإليه المرجع والمآب، وسميتُه كتابَ: «اللُّمع في الحوادث والبدع». غفر الله تعالى لقارئه ولمؤلفه، ولمن نظر فيه، وللسامعين، ولمن سدَّ خللًا وُجِد فيه إن اطلع، وكشَط شيئًا قاله المؤلفُ، فخرَجَ بقوله عن الكتاب والسنة ووقع؛ لأنَّ المؤلف قليل العلم، كثير الجهل، غافل عن أهوال يوم المُطَّلَع، فرحم الله من دعا له بحسن الخاتمة، وأن يجعله ممن أطاع ربه، وذلَّ لعزته وعظمته وخضع (¬١): يا ناظرًا في كتابي حين تقرؤه … عدِّل هُديتَ بلا حيفٍ ولا شطَطِ إن مرَّ سهوٌ فلا تعجل بسبِّك لي … واعذر فلست بمعصومٍ من الغلطِ
[مقدمة المؤلف الثانية] الحمد لله ذي الطَّول والمِنَّة، والحول والقوة والمُنَّة، الذي شهدت بأحديته وفرديته السماوات والأرض ومن فيهن، وكلٌّ يسبح بحمده، ولكن لا تفقهنَّه، الذي أوجبَ محبَّتَه ورضوانه ومغفرته لمن أطاعه وتمسك بالكتاب والسنة، الذي عهد لجميع أنبيائه ورسله ليؤمننَّ بنبيه وحبيبه ﷺ ولينصرنَّه (¬١)، وأخذ ميثاق الذين أوتوا الكتاب بأن لا يكتموه؛ وليبيننَّه. (¬٢) وأعدَّ سبحانه لمن اتَّبع نبيَّه بما لا عينٌ رأتْ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب أحدٍ من الإنس والجِنَّة، وحشره مع متبوعه فأقر بذلك عينه، وجبر قلبه، وأضحك سِنَّه. وهذا الخيرُ كلُّه لمؤمنٍ عمل صالحًا وأحسن بالله ظنَّه، واتبع ما فرضه الله تعالى عليه وسَنَّه، وقضى على أهل الزيغ والبدع بالخذلان والبعد واللعنة، فتبرأ منهم الرسولُ وحُرموا الخيرات والوصول، والجود والمنَّة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً توجب لقائلها
رضى الله والجنة، وتكون له يوم الفزع الأكبر وقايةً من النار وجُنَّة. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المبعوث بالرأفة والرحمة والحنَّة (¬١)؛ أرسله والقلوب القاسية قد أطلقت في ميادين كُفرها وبدعها للأزمة والأعنة، والأنفس الأمَّارة بالسوء إلى غير الحق والرشاد مطمئنة، فجاهدهم ﷺ بسيف الصدق ورماح الحق والسِّهام والأسنة، فدخلوا في الدين، واتبعوا ما فرض الله عليهم وسنَّه، وسارَعوا لمَّا سمعوا قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. فلو رأيت أحدهم إذا أظلم عليه الليل وجنَّه، من شدة خوفه كأن به وَلهًا أو جِنَّة؛ فكان أمير المؤمنين ﵁ يقول: ليتَ أمَّ عمرَ لم تلدْهُ (¬٢). وقال علي كرَّم الله وجهه: ليتني لم أكُ شيئًا (¬٣). ورأى أبو بكر الصديق ﵁ تبنة، فقال: ليتني كنت هذه التبنة (¬٤).
يقول: ليتَ أمَّ عمرَ لم تلدْهُ (¬٢). وقال علي كرَّم الله وجهه: ليتني لم أكُ شيئًا (¬٣). ورأى أبو بكر الصديق ﵁ تبنة، فقال: ليتني كنت هذه التبنة (¬٤). فانظر رحمك الله إلى خوف هؤلاء القوم مع صحبتهم للنبي ﷺ واجتهاده في الدين، وجهادهم بين يديه، وبشارته لهم بالجنة. فيا حسرة من لعبت به الدنيا، وفاتته هذه الخيرات والمنة، ويا خيبة عبدٍ ادعى محبة الله ورسوله، ثم خرج عن حكم الكتاب والسنة، ويا سعادة عبد تخلَّق بأخلاق القوم وجعل سنة نبيه وحبيبه دأبه وفنَّه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، جُنَّة التوحيد وحصنه، صلاة تصلنا بهم وتدخلنا معهم الجنة.
اعلم رحمك الله تعالى وإيانا وجميع المسلمين، أن البدع على أقسام: مباح، وثواب، ومكروه، وحرام. فالمباح: ليس على فاعله جناح، والثواب: يقرب لرب الأرباب، وتارك المكروه عليه يثاب، وفاعل الحرام هو عبد مُدبِر مذموم، بالبعد والحرمان موسوم (¬١)، والذي يُذكر في هذا الكتاب هو من البدع الذي يُذم فاعله، ولا يحمد قائله؛ لأن البدع تارة تكون في الأفعال، وتارة تكون في الأقوال. قال الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]. قال المفسرون: الكلم الطيب والعمل الصالح هو الموافق للسنة، وإلا فهو خبيث لا يرفعه الله إليه، ولا يضع كنفه عليه. ونسأل الله تعالى الخاتمة والمسامحة إذا وقفنا بين يديه، فقد علمت رحمك الله أن الكلم الطيب والعمل الصالح ما كان موافقًا للسنة، فمن أدركته المنَّة دخل في السنة، قال ﷺ: «من أحيى سنتي كان معي في الجنة» (¬٢). فمن أراد المرافقة فعليه بالموافقة، ومن أحب أن يكون وليًّا لله سبحانه صاحبَ كشف واطلاع فعليه بالاتباع (¬٣).
ﷺ: «من أحيى سنتي كان معي في الجنة» (¬٢). فمن أراد المرافقة فعليه بالموافقة، ومن أحب أن يكون وليًّا لله سبحانه صاحبَ كشف واطلاع فعليه بالاتباع (¬٣).
قال المولى الكريم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] فقد تبين لك أن الخير كله والشفاء في اتباع النبي المصطفى، وقد نصحتك فيما قلته وكفى. قال صلوات الله عليه وسلامه: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة» (¬١)، فمن ترك النصيحة يخاف عليه في عرصات القيامة من الحسرة والفضيحة، وقد جاء في الأخبار: «من كتم علمًا نافعًا ألجمه الله
بلجام من نار» (¬١). واسمع قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، فحينئذٍ يجب على كل من علم علمًا نافعًا أن يبينه ولا يكتمه؛ قال الله سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] فيجب على العلماء بالله والقادرين على الأمر بالمعروف وإعزاز الدين، وإخماد المبتدعين عملًا بقول رب العالمين. فجهاد العلماء بالعلم واللسان، وجهاد الملوك بالسيف والسِّنان، وكما لا يجوز للملوك إغماد أسلحتهم عن المشركين والملحدين، كذلك لا يجوز للعلماء إغماد ألسنتهم عن الزائغين والمبتدعين، فمن فعل ذلك (¬٢) حرسه الله تعالى بعينه التي لا تنام، وطهره من الذنوب والآثام. فليس شيء أفضل عند الله تعالى من رد العبيد إلى الرب المجيد. قال ﷺ: «يا علي، لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك مما طلعت عليه الشمس» (¬٣). ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض (¬٤). فسبحان من رضي عن المتبعين فقرَّبهم منه وأدناهم، وسخط على المبتدعين فأبعدهم وأقصاهم، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.



