— Bagian 3 · قال ﷺ: «من نقل عني حديثًا واحدًا لأمتي لتقام به … —
Bagian 3
قال ﷺ: «من نقل عني حديثًا واحدًا لأمتي لتقام به سنة أو لتثلم به بدعة فله الجنة» (¬١). قال الله ﷿: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]. المراد من هذا الحديث التعلم والإرشاد لطريق خير العباد، فلولا العلماء لصار الناس كالبهائم، فببركة العلم خرجوا من حد البهيمية إلى حد الإنسانية، ونسأل الله تعالى العلم والعمل وحسن الخاتمة عند فروغ الأجل. فإن الخاتمة والهداية ليسا بكثرة العلم والرِّواية، والعلم والخبر لا يحجزان أحدًا عن القضاء والقدر؛ ليس لها من دون الله كاشفة. قال الله ﷿: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥]، وقال ﷾: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] فيجب على العبد أن يتبرأ (¬٢) من العلم والعمل، ويجتهد في طاعة الله تعالى، ويسأله الخاتمة عند فروغ الأجل، فمن محا نفسه ولم يثبت لها علمًا ولا عملًا، أثبته الكريم الوهاب الذي يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب. قيل لرسول الله ﷺ: أيدخل أحد الجنة بعمله؟ قال: «لا». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» (¬٣). فأصغ أيها الطالب لقول سيد العلماء والعمال، فما بعد الحق إلا الضلال، ولأهل العلم باب في هذا الكتاب. نرجع إلى مسألة السنة: قال ﷺ لأبي هريرة: «علِّم الناسَ القرآنَ وتعلَّمه؛ فإنك إن متَّ وأنت
ل، فما بعد الحق إلا الضلال، ولأهل العلم باب في هذا الكتاب. نرجع إلى مسألة السنة: قال ﷺ لأبي هريرة: «علِّم الناسَ القرآنَ وتعلَّمه؛ فإنك إن متَّ وأنت
كذلك زارت الملائكة قبرك كما يزار البيت العتيق، وعلِّم الناس سنتي وإن كرهوا ذلك، وإن أحببت لا توقف على الصراط طرفة عين حتى تدخل الجنة فلا تحدث في دين الله برأيك» (¬١). وقال ﵇: «على خلفائي رحمة الله» (¬٢)، قيل: ومن خلفاؤك يا رسول الله؟ قال: «الذين يُحيون سنتي ويعلمونها عباد الله» (¬٣). ثم اعلم بأن جميع سنن النبي ﷺ عن الله تعالى لا من تلقاء نفسه. قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]، ولذلك تبرأ ﷺ ممن نبذ السنة، وقال: «من أحيَى سنتي كان معي في الجنة» (¬٤) فهي زاد التقى وسبب لوجود اللقاء، قال الله سبحانه: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] فالبدعة توجب الفرقة والقطيعة والشقاء. واسمعوا أيها المؤمنون قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، وقال ﷺ: «كلُّ الناس يدخلون الجنة إلا من أبى». قالوا: ومن أبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» (¬٥). وقال صلوات الله عليه وسلامه: «لا يؤمن أحدكم حتى
ُ الناس يدخلون الجنة إلا من أبى». قالوا: ومن أبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» (¬٥). وقال صلوات الله عليه وسلامه: «لا يؤمن أحدكم حتى
يكون هواه تبعًا لما جئت به» (¬١). وقال ﷺ: «عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (¬٢) وقال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (¬٣)، وقال: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (¬٤). فليس بعد اتباع النبي ﷺ وأصحابه السادة الكرام والطوالع العالية إلا البدع والظُّلَم المتوالية. قال ﷺ: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم» (¬٥). فكل من اتبع النبي ﷺ وأصحابه دخل (¬٦) الجنة دار القرار. والخوارج مصيرهم إلى النار؛ لما صح في الأخبار أن أمة محمد ﷺ ستفترق على
ثلاث وسبعين فرقة: فرقة ناجية والباقون إلى النار. قالوا: وما الفرقة النَّاجية يا رسول الله؟ قال: «ما كنت أنا وأصحابي عليه» (¬١)، فمن تبعهم سعد واهتدى، ومن خرج عن سنتهم أبعده الله من رحمته ولم يجمع شمله بهم فضل واعتدى. قال الفضيل لبعض أصحابه: إياك أن تصحب من فيه أدنى بدعة فيعود شؤمها عليك (¬٢).
تدى، ومن خرج عن سنتهم أبعده الله من رحمته ولم يجمع شمله بهم فضل واعتدى. قال الفضيل لبعض أصحابه: إياك أن تصحب من فيه أدنى بدعة فيعود شؤمها عليك (¬٢).
نهى الشيخ عن ذلك لكي ينقذ أخاه من البدعة القبيحة؛ لما ورد في الأحاديث الصحيحة: «إنَّ الدين النصيحة» (¬١). قال الله تعالى تكريمًا لنبيه وتعظيمًا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. اعلم رحمك الله تعالى أن إثبات الكاف في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ [النساء: ٦٥]، ونحوها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] ما قال: «كأنَّما» في فضله وشرفه كافٍ، وقال المولى تشريفًا لنبيِّه وحبيبه وتكريمًا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وفي آية أخرى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١] معناه: أي يا محمد من أطاعك أطاعني، ومن بايعك بايعني، ومن أنكرك ما عرفني. قال المؤلف لهذا الكلام: بدأت فيه وأنا نزيل مكة زادها الله تعالى تعظيمًا وشرفًا، ومتعنا وجميع المسلمين بالحج المبرور وزيارة النبي المصطفى ويجعلنا وجميع المسلمين من أهل السنة والخير والوفاء. وكنت وقت أن بدأت فيه ضعيفًا من جميع الجهات: من جهة البدن، ومن جهة العلم والعمل، والعربية، وبُعد الذهن، وقلة الكتب في هذا الفن، وما يرادفها من الأحاديث النبوية. وقد قلت بعض الأحاديث والحكايات بالمعنى، وقد جوز ذلك بعض العلماء، وفيه تيسير لمن قد حل بقلبه الغفلة والعمى، وقد قرأ خطيب مكة بعض هذا الكتاب على نزيل مكة وقاضيها، واختار بعض صلحاء مكة أن يكون لهذا الكتاب اسم فسميته كتاب: «اللمع في الحوادث والبدع». نفع الله به القائل والقارئ والناظر ومن استمع؛ وصلواته على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ما غاب نجم أو طلع.
ب اسم فسميته كتاب: «اللمع في الحوادث والبدع». نفع الله به القائل والقارئ والناظر ومن استمع؛ وصلواته على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ما غاب نجم أو طلع. اعلم يا أخي: أن الله سبحانه ندب عباده إلى الدخول في طريق توصلهم إليه بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣].
وحذَّر عن الانقطاع عنه بالدخول في طرق الأهواء والبدع فقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وهذه الآيات محكمات بإجماع المفسرين لم ينسخهنَّ شيء؛ من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار. والناس لهم طرق: الكل تُبعد عن الله تعالى، والطريق الموصلة المستقيمة هي طريق النبي ﷺ صاحب المعجزات والكرم والفضائل العميمة. قال الله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ١ - ٤] وقال المولى الغفور: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مَنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣]. فعليك أيها المؤمن بالطريق المستقيم إن اخترت الوصول. وائت البيوت من أبوابها إن أردت الدخول. واعلم رحمك الله أن طريق النبي ﷺ قريب، ويوصل إلى الحبيب، فمن عدل عنه وسلك الأوعار، يُخاف عليه من العار، ومن عذاب النار؛ لما ورد في الأخبار، أن الخوارج كلاب النار (¬١). وقال ابن مسعود ﵁: خط رسول الله ﷺ خطًّا، ثم خَطًّ إلى جانبه خطوطًا، ثم قال للخط الأول: «هذه سبيل الله يدعو إليه». وقال للخطوط: «هذه سُبُلُ الشيطان على كل سبيل شيطان يهدي إليه»، ثم قرأ: «﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ
هذه سبيل الله يدعو إليه». وقال للخطوط: «هذه سُبُلُ الشيطان على كل سبيل شيطان يهدي إليه»، ثم قرأ: «﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ
وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]» (¬١). فحذَّر من البدع ومحدثات الأمور. وروى البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم». قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ فقال: «فمن!» (¬٢). ثم اعلم بأن الله سبحانه يحب المتبع ويبغض المبتدع. قال المولى الكريم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. ومن أحبه الله تعالى أحبه من في السماوات والأرض، والمبغض بعكس ذلك، فاتبع رحمك الله ولا تخترع؛ لأن البدع اختراع الشيء من غير أصل سبق ولا مثال ولا ألف مثله. ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٠١] وقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩] معنى الآية: ما أنا أول رسول إلى أهل الأرض. وهذا الاسم يدخل فيما تخترعه القلوب، وفيما تنطق به الألسنة، وفيما تفعله الجوارح بهذا أخبرنا علماؤنا ﵃ أجمعين، فمن علامة المحبة لله تعالى اتباع أوامره، وترك ما نهى عنه. قال الفقيه أبو الليث (¬٣):
ق به الألسنة، وفيما تفعله الجوارح بهذا أخبرنا علماؤنا ﵃ أجمعين، فمن علامة المحبة لله تعالى اتباع أوامره، وترك ما نهى عنه. قال الفقيه أبو الليث (¬٣):
تَعصي الإلهَ وأنتَ تُظهر حبَّه … هذا محالٌ في الفعالِ بديعُ لو كان حبُّك صادقًا لأطعتَه … إنَّ المحبَّ لمن يحبُّ مطيعُ وعلامة محبة الرسول اتباع سنته؛ فالمحب من اتبع، والشيطان من ابتدع. افرح أيها التابع لما خصَّك الله به من الخير والمنافع؛ فقد حصل لك المطلوب، وذهبت عنك الأحزان والذنوب. الفرح هنا جائز؛ أما يفرح المملوك لهدايا الملوك؟! متى كنت متبعًا لنبيك فافرح؛ قال المولى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] ومتى كنت مبتدعًا خارجًا لا تفرح؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦] وهذا جمع بين الآيتين. أصبح بعض العصاة يومًا ونفسه تحب الطاعة وتكره المعصية، فقام من شدة فرحه يتبختر في بيته، والبيت لا يكاد يسعه، فقالت له زوجته: ما هذه المشية التي لم أرها على شمائلك من قبل؟ قال: ومن أولى منِّي بها، وقد أصبح لي مولى، وأصبحت له عبدًا. كان عبد نفسه صار عبد ربه، أما يحق له الفرح؟ فإذا كنت متصلًا (¬١) بربك فافرح ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] وإذا كنت بنفسك (¬٢) لا تفرح ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]. الثكلى لا يحق لها الفرح لفقد ولدها وإن كان لها ولدٌ غيره، فكيف يفرح من فقد ربه وما له غيره؟
تفرح ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]. الثكلى لا يحق لها الفرح لفقد ولدها وإن كان لها ولدٌ غيره، فكيف يفرح من فقد ربه وما له غيره؟
يحكى أن الشبليَّ (¬١) رأى امرأةً تصيح خلف جنازة ولدها وتقول: والله ما لي سواه. فصاح الشبلي وقال: آه! إن طردني من ليس لي سواه (¬٢). فقد علمت أن الله سبحانه علق طاعته بطاعة رسوله، وحكمه بحكمه، قال المولى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وقرن اسمه باسمه فحيث ذُكر الله تعالى، ذُكر معه: لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ وفي الأذان والإقامة إلى يوم القيامة. فلا تخرج عن طريقه أيها المؤمن وعليك بالاستقامة، فلن يقبل الله سبحانه من أحد طاعة حتى تكون موافقة لصاحب الكرم والشجاعة والشفاعة، ولا يقبل من أحد لا إله إلا الله حتى يعتقد أن محمدًا رسول الله. فمن عمل عملًا أو تكلم بكلام أو أشار بشيء لا يوافق الكتاب والسنة والخلفاء الراشدين، وإجماع المسلمين فهو بدعة وضلالة وترد على القائل أو الفاعل؛ لقوله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (¬٣). ونعوذ بالله العظيم من مكابرة العقول، ومخالفة المنقول، ونسأله الحراسة من
البدع والعمل بما نقول؛ فإن القول بلا عمل كقوس بلا وتر؛ أو كسحاب بغير مطر، وهو من حظوظ النفس وتسويل الشيطان، ومن قلة التوفيق ولزوم الخذلان؛ لأن النفس الأمارة ترى القبيح حسنًا. قال المولى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾ [فاطر: ٨] الآية. وقال من لا يخلف الميعاد: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣]. وقال بعضهم في هذا المعنى: يا غاديًا في جهله ورائحًا … إلى متى تستحسن القبائحا يا عجبًا منك وأنتَ مبصر … كيف تجنبت الطريق الواضحا والناس مكلفون إلى يوم القيامة بأن يقتدوا بمن ظللته الغمامة، ويتبعوه في أقواله وأفعاله، ويتأدبوا بآدابه. فمن فعل ذلك جعله الله تعالى من أوليائه وأحبابه. ومن أبى صرفه الله عن رحمته وطرده عن بابه، وأذاقه أليم عذابه. فمن أدركته المنَّة دخل في السنة؛ لأن المتابعة تثبت الاتصال، وعدمها يثبت الانفصال. قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦] يفهم من هذا أن من لم يتبعه ليس منه. وقوله ﷺ: «سلمانُ منَّا أهلَ البيتِ» (¬١)، ومعلوم أن سلمان من فارس لكن لمتابعة المحبوب حصل له المطلوب، وعدم المتابعة للحبيب تبعد القريب. قال المولى حكاية عن نوح ﵇: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] فأجابه الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦].
ولى حكاية عن نوح ﵇: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥] فأجابه الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦].
فالمتابعة تجعل التابع كأنه جزء من المتبوع وإن كان أجنبيًّا في النسبة إليه كسلمان ﵁. وقيل للنبي ﷺ: من آلك؟ قال: «كلُّ تقي» (¬١)، فالمتبع هو من آل محمد ﷺ، والمبتدع ليس هو من آله لقلَّة حظه ولسوء حاله. كان بعض الصالحين يبكي ويقول: إلهي لا أبكي لأجل المعصية؛ إني لا أصلح لها، لكن أبكي الذي كان هذا حظي منك. وصح أن النبي ﷺ تبرأ من أصحاب البدع، فكل من قال: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كان للمتبع نصيب من دعاء المسلمين؛ لأنه من آل محمد ﷺ؛ فإذا ثبت هذا فينبغي لمن بصَّره الله تعالى وكحَّل عيني قلبه بنور الهدى أن لا يخرج عن طريق نبيه وحبيبه ولا عن طريق أصحابه الفرقة الناجية السعداء، ويجتهد بالتمسك (¬٢) بسنتهم غاية الاجتهاد، وإن كرهت النفس ذلك وطال عليها المدى. فمن أكره نفسه اليوم على متابعة نبيه وحبيبه يكون معه في الجنة غدًا، وقد صح في الحديث والآيات أن الجنة حفت بالمكاره، وحفت النار بالشهوات (¬٣)؛ فاعمل على نجاة نفسك بالاتباع، ولا تبتدع، فتلقيها في المهالك (¬٤) والردى، وتحشر يوم القيامة مع مَنْ ضلَّ واعتدى، ونعوذ بالله العظيم من الجهل بعد العلم، ومن الضلالة بعد الهدى، ونلجأ إليه من
، فتلقيها في المهالك (¬٤) والردى، وتحشر يوم القيامة مع مَنْ ضلَّ واعتدى، ونعوذ بالله العظيم من الجهل بعد العلم، ومن الضلالة بعد الهدى، ونلجأ إليه من
مكابرة العقول ومخالفة المنقول، ونسأله الحراسة من البدع، والعمل بما يقول. فقد كان الصحابة ﵃ إذا طرأ أمر وفيه مصلحة للمسلمين يتوقفون عن إمضائه خوفًا من البدعة، وهم القدوة المستضاء بنورهم، والهداة المهتدى بهداهم الذين (¬١) أدركتهم المنَّة، وشهد لهم النبي ﷺ بالجنة: أبو بكر وعمر وغيرهم من الصحابة (¬٢)، وهم القدوة لمن اقتدى، والنجوم لمن اهتدى. ومع ذلك كله كانوا يتحرزون من إحداث شيء حتى يستشيروا فيه غيرهم، ويجتمع عليه رأيهم. روي عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: أرسل إلي أبو بكر ﵁ بعد مقتل أهل اليمامة وإذا عمر جالس عنده، فقال أبو بكر الصديق: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرَّ (¬٣) في أهل اليمامة في قراء المسلمين، وإني أخشى أن يستحر (¬٤) القتل في القراء فيذهب كثير من القرآن لا يوعى، وإني أرى أن تأمر من يجمع القرآن. فقلت لعمر: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ فقال عمر: هو والله خير. قال: فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري ورأيت الذي رآه عمر. قال زيد: [قال لي أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وكنت تكتب الوحي
ال عمر: هو والله خير. قال: فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري ورأيت الذي رآه عمر. قال زيد: [قال لي أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وكنت تكتب الوحي
لرسول الله ﷺ فاتبع القرآن فاجمعه] (¬١). قال زيد: والله لو كلفوني نقل جبل من الجبال، لكان ما أمرني به من جمع القرآن أثقل علي. قال: كيف كنتم تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال: هو والله خير. فلم يزل أبو بكر ﵁ يراجعني حتى شرح الله تعالى صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄. فتتبعت القرآن أجمعه من الرِّقاع والأكتاف، والأقتاب وصدور الرجال (¬٢). فانظر إلى مراجعتهم وقول بعضهم لبعض: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟! وقد قرن النبي ﷺ بهم الهدى لمن اقتدى وأرشد إلى سبيلهم عند اختلاف الأهواء، وتشتت الآراء بقوله ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (¬٣)، وبقوله: «اقتدوا باللذين من بعدي: أبو بكر وعمر» (¬٤). ولا يشك أحد في عظيم نفع جمع (¬٥) القرآن لأهل الإيمان. وفي زماننا هذا قد ظهر في البر والبحر الفساد، وشاعت البدع في المدائن والبلاد ولم ينكرها العباد. كما جاء في «السنن» لأبي داود: أن جماعةً دخلوا على العرباض بن سارية وكان من الذين نزل فيهم: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ
قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢]، وهو مريض. فقلنا له: جئناك زائرين وعائدين ومقتبسين. فقال عرباض: إن رسول الله ﷺ صلى بنا صلاة الغداة، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظةً بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، إن هذه موعظة مودع فما تعهد إلينا؟ قال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًّا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة» (¬١). في هذا الحديث علومٌ كثيرة لا يسع جهلها. منها: أنه أمرهم بالسمع والطاعة لمن ولي عليهم من أسود أو أبيض، حر أو عبد، ولا يمكن طاعة إلا في المعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية المولى الرؤوف. وأعلمهم أنه سيكون بعده اختلاف كثير بين الناس، فأمرهم بلزوم سنته وسنة صحابته، والخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين؛ فمن وفقه الله تعالى لزم السنة، وخالف النفس والهوى، ومن خذله دخل في البدع؛ فضلَّ وغوى. وهذا الحديث من معجزاته ﷺ؛ لأنه أخبر عما يأتي من الحوادث والبدع. وقد أمر أمته بأن يعضوا على سنته وسنة صحابته عند فساد أمته بالنواجذ؛ لينجوا غدًا من الأهوال والشدائد، والعض: هو التمسك الشديد لكي لا يفلت منه. وحذرهم ﷺ من البدع وأعلمهم بأنها ضلالة. فمن دخل في البدع فقد عصى الله تعالى، وخالف المبعوث بالرسالة. فمن خالف نبيه وإمامه تكون الجنة وراء ظهره والنار أمامه. فالجنة معدة لمن
هم بأنها ضلالة. فمن دخل في البدع فقد عصى الله تعالى، وخالف المبعوث بالرسالة. فمن خالف نبيه وإمامه تكون الجنة وراء ظهره والنار أمامه. فالجنة معدة لمن
اتبع السنة، فاقتدوا ولا تعتدوا. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤] وقد قيل لك: إن كنت تسمع اقتدِ ولا تعتدِ، وقد كُفيت؛ لأن المقتصد في السنة خير عند الله تعالى من المجتهد في البدعة. فاتبعوا الآثار؛ فبهذه الألفاظ نطقت الآيات وجاءت الأخبار. فمن سمع وأجاب حشره الله تعالى مع متبوعه، وصار من الأحباب. ومن سمع وأعرض أعرض الله عنه فتعس وخاب. ومن كان حيًّا سمع. قال الله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠] وميت القلب لا يسمع؛ قال المولى (¬١): ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [الروم: ٥٢]. وقالوا فيمن هذه صفته: لقد أسمعتَ لو ناديتَ حيًّا … ولكن لا حياةَ لمن تنادي فمن الناس أناس قد رسخت البدع في قلوبهم، وألفتها نفوسهم، ومزجت بلحومهم وعروقهم ودمائهم؛ لارتكابهم إياها على طول المدى، فلو سمع أحدهم ألف آية لم ينزل عنها أبدًا. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣] وفي آية أخرى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] فمن لطف الله به اتبع واقتدى، ومن نكبه ابتدع واعتدى، وألقى نفسه للمهالك والردى، والله سبحانه لا يحب المعتدين، ولا يهدي كيد الخائنين. والمبتدع هو خائن، ومن خان فقد هان؛ قال المولى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧]. فمن خرج عن طريق النبي ﷺ فقد خانه، فحينئذٍ يخاف على هذا الخائن أن لا يرزقه الله أمانَهُ. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]. قال المفسرون: لا تعملوا على خلاف الكتاب والسنة. وقال آخرون: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله قولًا ولا فعلًا.
يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]. قال المفسرون: لا تعملوا على خلاف الكتاب والسنة. وقال آخرون: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله قولًا ولا فعلًا.
والألفاظ مختلفة والمعنى واحد؛ أي: لا تبتدعوا في أفعالكم ولا في أقوالكم. فمن خالف وابتدع يرجع وبال البدعة عليه يوم يوقفه الحقُّ بين يديه فلا يتقبل الله أعماله ولا يزكي أقواله، ولا يرفعهما إليه؛ لأن عمل المبتدع وقوله ليس بصالح. وقد قال الله سبحانه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال صلوات الله عليه وسلامه: «لا يقبل الله لصاحب بدعة صومًا ولا صلاة ولا زكاة ولا حجًّا ولا عمرة ولا جهادًا ولا صرفًا ولا عدلًا، ويخرج من الإسلام كما يخرج السهم من الرمية، أو تخرج الشعرة من العجين» (¬١)، فالخروج عن (¬٢) الطريق هو من عدم التوفيق كما قيل: قل لمن أعرض عنا … إن إعراضك منا لو أردناك لأضحى … كل ما فيك يردنا قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨] معناه: أي يا أهل كل كتاب لستم على شيء حتى تكونوا متبعين لا مبتدعين. ولا يظن الجاهل أن المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى فقط، والوصية لهما، بل ولنا أيضًا؛ لأن الله تعالى لا ينصح اليهود والنصارى ويترك المسلمين؛ ألم تسمع قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]، ومن جملة التقوى اتباع النبي ﷺ، والمبتدع لا يعد من المتقين، بل هو من جملة الفاسقين، وأعماله مردودة عليه لقول رب العالمين: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] والمتقي مَنْ اتبع، والشيطان مَنْ ابتدع، وما نكب الله تعالى
أحدًا وخذله إلا لقلة المتابعة، فدع عنك الجدال في هذا الباب والمنازعة؛ لا يصح لأحدٍ دعوى المحبة إلا بالمبادرة لطاعة المحبوب، وببركة المتابعة حصل لهم المطلوب. قال المولى الكريم: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]. فالأصل في جميع الأعمال والأقوال والأحوال هو اتباع الرسول، فما فات السالك الوصول إلا لتضييعه الأصول؛ لأن الله تعالى لا يحب أحدًا يأتيه إلا من طريق نبيه وحبيبه ﷺ وإلا رده خائبًا. قال رسول الله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ»، وكلما اجتهد المبتدع في بدعته أبعده الله تعالى من رحمته، قال الله سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨]. وقالوا فيمن هذه صفاتهم: يا غاديًا في جهله ورائحًا … إلى متى تستحسن القبائحا يا عجبًا منك وأنت مبصر … كيف تجنبت (¬١) الطريق الواضحا وقال بعض الصحابة: أشدُّ الناس عبادة المفتون. واحتج بقوله ﷺ في الخوارج: «يحقر أحدكم صلاته في صلاته وصيامه في صيامه، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية» (¬٢).
ن. واحتج بقوله ﷺ في الخوارج: «يحقر أحدكم صلاته في صلاته وصيامه في صيامه، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية» (¬٢).
وقال حذيفة ﵁: كل عبادة لم يتعبَّدْها أصحابُ النبي ﷺ فلا تَعَبَّدُوها؛ فإن الأول لم يدع للآخر مقالًا (¬١). وقال الأوزاعي ﵀: إن من ابتدع بدعةً خلَّاه الشيطان والعبادة، وألقى عليه الخشوع والبكاء يصاد به وهذا استدراج (¬٢). قال الله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤] الآية. فما أسرع نفوس الغافلين لما (¬٣) يبعدها عن النفوذ إلى الله تعالى، وما أقعدها عن شيء يقربها إليه، وهو الخروج عن الطريقة المحمدية، والدخول في البدعة الردية، فمن خرج عن طريق سيد الأمم فقد زلَّت به القدم، وسيندم ندمًا لا آخر بعده، ولن ينفعه ذلك الندم، قال المولى الحليم: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩]، فترى العاصي والمبتدع أكثر اجتهادًا من الطائع والمتبع، فيمحق الليل كله في المعصية، والطائع لا يقدر على قيام بعضه، إلا بمعونة الله وفضله. وبعض المبتدعين يتجمع على الباطل مثل اللعب بالنرد والشطرنج والقمار والرقص على آلة الطرب: كالشبابة، أو الكف، والطار، لا يمل من هذه البدع الملعونة الخارجة عن طريق النبي ﷺ، وعن طريق الصحابة الأخيار، والمؤمنين الأبرار، وبعضهم يعطي الكثير في هوى نفسه، ولا ينفق القليل في رضى الواحد القهار خوفًا من القلة والافتقار. وعند المعاصي لا يخاف الفقر ولا يخشى القلة ولا عنده خبر من العار، ولا من عذاب النار. فانظر رحمك الله كيف يجتهد العاصي في معصيته؛ مع علمه أن الله
قار. وعند المعاصي لا يخاف الفقر ولا يخشى القلة ولا عنده خبر من العار، ولا من عذاب النار. فانظر رحمك الله كيف يجتهد العاصي في معصيته؛ مع علمه أن الله
قد سخط عليه وأبعده من رحمته، وبعض أهل الطاعة لا يستطيع المكث في المسجد ساعة، مع علمه أن الصلاة تضاعف لأجل الجماعة، وتدعو له الملائكة (¬١)، والخطأ يذهب بالخُطا، ويكون جليس الله سبحانه، ومتبعًا لصاحب المعجزات والشفاعة، والسجود يقرب لرب الأرباب، ودعاء الملائكة مستجاب، فاجتهدوا يا أولي الألباب. فالصلاة صلة بالله سبحانه، وتطهر صاحبها، ودعاء الملائكة لا يرد، جاء ذلك في حديث صحيح بلا كذب (¬٢)، واسمع قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وهي طريق الأنبياء والأولياء، وكل طالب وعابد، وفي الحديث الصحيح: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» (¬٣).
فإن قال قائل: أنا ما سمعت قط دعاء الملائكة ولا رأيتهم. يقال له: يكفيك سماع رسول الله ﷺ وتبليغه ذلك إليك صدقةً منه عليك يثقل الله تعالى بها ميزانك، وتكون نورًا يسعى بين يديك، فبالصلاة وصل العمال، وهي عند الله سبحانه من أفضل الأعمال، وقام ﷺ في خدمة مولاه حتى تورمت قدماه (¬١)، كذا جاء في الخبر. ورأى بعضهم الجنيدَ بعد موته في المنام فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: ذهبت تلك الإشارات، وتلاشت تلك العبارات، وما نفعنا إلا رُكيعات كنَّا نركعها في السَّحَر (¬٢). فقد علمت أن الصادق الأمين رأى الله تعالى وملائكته وسمع كلامهم، وكلام الروح الأمين، وسمع أيضًا كلام الملائكة بعض الصالحين، صح ذلك عن سيد المرسلين (¬٣). فكن مصدقًا بكرامات المؤمنين، ومتبعًا لخير النبيين، لكي يبعثك الله تعالى يوم القيامة من
الآمنين؛ قال ﷺ: «يقول الله ﷿: ما تقرب إليَّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، فبي يسمع وبي يبصر» (¬١). وفي حديث آخر: «كنت له سمعًا وبصرًا ويدًا ومؤيدًا» (¬٢)، وفي حديث آخر: «يقول الله تعالى: اليسير من الرياء شرك، ومن آذى لي وليًّا فقد بارزني (¬٣) بالمحاربة» (¬٤)، فإذا ثبت هذا فلا يستكثر في المؤمن التقي سماع كلام الملائكة إلا كل عبد شقي؛ لأن المؤمن يسمع بالله سبحانه ويبصر به، فلو صدق الطالب كما صدقوا لوصل كما وصلوا؛ لأن الصدق أول درجة السائرين، به ترفع الأعمال، وبسببه يكرم العمال، فما فات السالك الوصول إلا لتضييعه الأصول، وهو الصدق، واتباع الرسول. فطهر أيها المؤمن أذنك من صمم (¬٥) الهوى، وعيني قلبك من عمى المخالفة، فحينئذٍ تسمع وترى، وتحشر يوم القيامة مع النبي ﷺ وأصحابه الطائفة المباركة الخائفة، فعين زنت، وأذن للباطل واللغو والغيبة والفضول صغت، لا تصلح هذه العين لرؤيا الملائكة، ولا هذه الأذن لسماع كلامهم.
ﷺ وأصحابه الطائفة المباركة الخائفة، فعين زنت، وأذن للباطل واللغو والغيبة والفضول صغت، لا تصلح هذه العين لرؤيا الملائكة، ولا هذه الأذن لسماع كلامهم.
وقالوا في هذا المعنى شعرًا: تقول رجال الحي تطمع أن ترى … محاسن ليلى مت بداء المطامعِ وكيف ترى ليلى بعينٍ ترى بها … سواها وما طهرتها بالمدامعِ وتطمع منها بالحديث وقد جرى … حديث سواها في خروق المسامعِ فإذن لا تصلح كل عين لرؤيته، ولا كل أذن لسماع مخاطبته، ولا كل قلب لخشية الله ولمعرفته، ولا كل لسان لذكره، ولقراءة القرآن وتلاوته، ولا كل جسد لخدمته، إلا بتوفيق الله تعالى ومعونته، فمتى ما زاغ القلب عن طريق النبي ﷺ وسنته، خذله الله تعالى وأبعده عن رحمته. قال المولى الكريم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]. وقد علمت أن الله ﷿ قد أوجب على جميع العباد والعُبَّاد امتثال أمره والإمساك عن نهيه وزجره تعظيمًا له وتكريمًا. قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وقال الله سبحانه إجلالًا لقدر نبيه وحبيبه وتفخيمًا: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. فانظر رحمك الله إلى هذا الفضل العظيم، الذي خص الله تعالى به هذا النبي الكريم، فقد فضل الله سبحانه بعض الرسل على بعض، وفضل نبينا صلوات الله عليه وسلامه على الكل لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ومن رحم به غيره فهو أفضل من غيره. قال شيخنا ﵀ وجميع المسلمين: الأنبياء ﵈
تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ومن رحم به غيره فهو أفضل من غيره. قال شيخنا ﵀ وجميع المسلمين: الأنبياء ﵈
خُلقوا من الرحمة، ونبينا ﷺ عين الرحمة (¬١). ورأى الشيخ أبو الحسن النبيَّ ﷺ في منامه فقال له: يا أبا الحسن، جعلك الله رحمةً في العالمين!، فقال: ادع لي يا رسول الله أن يجعلني رحمة للعالمين. قال: ذاك أنا (¬٢). وقوله: رحمةً للعالمين: العالم عبارة عن كل شيء سوى الله تعالى وصفاته. وقوله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (¬٣) والسيد من اتصف بالصفات العليَّة، والأخلاق السَّنية. وقوله: «ولا فخر» ليعرِّف أمته منزلته، ويقطع وهم من يتوهم من الجهال أنه ذكر ذلك افتخارًا، فكان التواضع خلق النبي المختار، لا التكبر والافتخار. فلما خصه الله تعالى بهذه النعمة أمره الله تعالى بإظهارها فقال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] كقول بعض الناس: لله علينا نعم كثيرة، فهذا ما زكى نفسه ولا مدح إياه، بل أثنى على خالقه ومولاه.
ومنها قوله ﷺ: «وبيدي لواء الحمد (¬١) يوم القيامة ولا فخر» (¬٢). ومنها قوله ﷺ: «آدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر» (¬٣). وهذه الخصائص تدل على علو مرتبته على آدم وغيره. ومنها أن الله تعالى أخبره أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وما نقل أنه أخبر أحدًا بذلك؛ لأن (¬٤) كل واحد من الأنبياء إذا طلبت منه الشفاعة في الموقف ذكر خطيَّته، ويقول: نفسي نفسي. فلو علم كل واحد منهم بغفران خطيَّته لم يوجل منها في ذلك المقام، فإذا أتى الناس إلى آدم ﵇ وطلبوا منه أن يشفع لهم فذكر لهم خطيته وقال: بسبب خطيتي أُخرجتم (¬٥) من الجنة، فدلهم على نوح ﵇، ونوح دلهم على إبراهيم ﵇، وإبراهيم على موسى، وموسى على عيسى، وعيسى على النبي ﷺ وعليهم أجمعين (¬٦).
فلو وقعت الدلالة أولًا على النبي ﷺ لم يبين (¬١) من نفس هذا الحديث أن غيره لم يكن له هذه الرتبة. وأراد الحق سبحانه أن يدل كل واحدٍ على من بعده، وكل واحدٍ يقول: لست لها. مسلمًا للرتبة غير مدعٍ لها، حتى أتوا عيسى فدل على رسول الله ﷺ فقال: «أنا لها». ومنها: أنه أول شافع وأول مشفَّع (¬٢)، وهذا يدل على تخصيصه وتفضيله.
ومنها: إيثاره على نفسه؛ لأن الله تعالى جعل لكل نبي دعوة مستجابة، فكل منهم تعجل دعوته في الدنيا، واختبأ ﷺ دعوته شفاعةً لأمته (¬١)، فآثر أمته على نفسه ﷺ. قال أبو علي الدقاق (¬٢) من مشايخ الصوفية المشاهير وعلمائها النحارير وقد تكلموا في الفتوة على اصطلاحهم أنها غاية الكرم والإيثار فقال: إن هذا الخُلُق لا يكون بكماله إلا لرسول الله ﷺ؛ فإن كل واحدٍ في القيامة يقول: نفسي نفسي وهو يقول: «أمتي أمتي» (¬٣). ولما فتح الله تعالى على النبي ﷺ في حال حياته مكة وبلاد اليمن والطائف وجزائر العرب وما قرب من الشام والعراق وجلبت إليه من أخماسها وجزيتها وصدقاتها ما لا يؤتى به الملوك إلا بعضه، وهادته الملوك من الأقاليم، فما استأثر منه شيئًا، ولا أمسك منه درهمًا. بل صرفه مصارفه وأغنى به غيره وقوَّى به المسلمين وقال: «ما يسرني أن لي أحدًا ذهبًا يبيت عندي منه دينارٌ إلا دينارًا أرصده لدَيْني» (¬٤)، وأتاه مرة ذهب فقسمه (¬٥) وبقي منها ستة فدفعها لبعض نسائه فلم تأخذه، فما برح حتى قسمها وقال: «الآن استرحتُ» (¬٦).
ومات ﷺ ودرعه مرهونة على ستين صاعًا من شعير قوتًا لعياله (¬١)، واقتصر في مأكله ومسكنه وملبسه ونفقته، فكان يأكل ما حصل، ويلبس ما وجد، ويلبس في الغالب الشملة والكساء الخشن والبُرد الغليظ (¬٢)، ويقسم على من حضره أقبية الديباج المخوصة بالذهب، وغزا قومًا مرةً وكان ﷺ يقول: «إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذَرين». (¬٣) فقتلوا رجالهم وأخذوا أموالهم وجمالهم، فأعطى ﷺ لطائفة من العرب لكل واحد منهم مئة من الإبل، فشق ذلك على بعض الصحابة. فقال: «أما ترضون أن بني فلان يذهبون بالإبل وتذهبون أنتم بنبيكم إلى بيوتكم؟» (¬٤). وكان جابر بن عبد الله يقول: ما سُئل ﷺ شيئًا فقال: لا (¬٥).
لصحابة. فقال: «أما ترضون أن بني فلان يذهبون بالإبل وتذهبون أنتم بنبيكم إلى بيوتكم؟» (¬٤). وكان جابر بن عبد الله يقول: ما سُئل ﷺ شيئًا فقال: لا (¬٥).
وعن أنس أن رجلًا سأله فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى أهله وقال: أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى فاقة (¬١). وأعطى صفوان مئة من الإبل، ثم مئة، ثم مئة (¬٢)، وهكذا كان قبل أن يبعث. وردَّ على هوازن سباياها، وكانوا ستة آلاف (¬٣). وأعطى للعباس من الذهب ما لم يُطق حمله، وحُمل إليه تسعون ألف درهمًا فوضعت على حصير، فما رد سائلًا حتى فرغ منها (¬٤).
وعن أبي هريرة أن رجلًا أتى النبي ﷺ يسأله، فاستسلف له نصف وسق فجاءه الرجل يتقاضاه، فأعطاه وسقًا، وقال: «نصفه قضاءٌ ونصفه نائلٌ» (¬١). وأتاه معوذ بطبقٍ من تمر وقثاء فأعطاه ما كفاه ذهبًا وحليًّا (¬٢). وهذا طرف من مكارم أخلاقه. وأما حلمه وصبره فكان ﷺ لا يزداد مع كثرة الأذى إلا صبرًا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلمًا، ولما كسرت رباعيَّته وشُجَّ جبينه يوم أحد (¬٣) لأنه كان أشد الناس بأسًا وأشجعهم وأقربهم إلى العدو، وجاء في الحديث: ما لقي ﷺ كتيبةً إلا كان أول من يضرب (¬٤)؛ فلما شُجَّ جبينه وكسرت رباعيته شق ذلك على أصحابه، وقالوا: لو دعوت عليهم؟ فقال: «إني لم
أبعث لعّانًا، ولكني بعثت داعيًا ورحمةً: اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون» (¬١). ونام ﷺ تحت شجرة قائلًا وحده، والناس قائلون في غزاة، فلم ينتبه إلا وغورث بن الحارث (¬٢) قائم والسيف في يده. فقال: من يمنعك مني؟ فقال: «الله»، فسقط السيف من يده. فأخذه النبي ﷺ وقال: «من يمنعك منِّي؟» قال: كن خير آخذ، فتركه وعفا عنه. فجاء إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس (¬٣). وعفوه عن اليهودية التي سمَّته في الشاة بعد اعترافها (¬٤)، ولم يؤاخذ لبيد بن الأعصم حين سَحَرَه -وقد أُعلم به- ولا عَتَبَ عليه، فضلًا عن عقابه (¬٥).
وعفوه عن اليهودية التي سمَّته في الشاة بعد اعترافها (¬٤)، ولم يؤاخذ لبيد بن الأعصم حين سَحَرَه -وقد أُعلم به- ولا عَتَبَ عليه، فضلًا عن عقابه (¬٥).
وكذلك لم يؤاخذ عبد الله بن أُبي وأشباهه من المنافقين لعظيم ما نقل عنهم في جهته قولًا وفعلًا، بل قال لمن أشار بقتل بعضهم: «لا تتحدث بأن محمدًا يقتل أصحابَه» (¬١). وعن أنس قال: كنت مع النبي ﷺ وعليه بُرد غليظ الحاشية، فجبذه أعرابي جبذةً شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقه. ثم قال: يا محمد احمل لي على بعيريَّ هذين من مال الله الذي عندك، فإنك لا تحمل لي من مالك ولا مال أبيك. فسكت النبي ﷺ ثم قال: «المال مال الله، وأنا عبده». ثم قال: «ويقاد منك يا أعرابي ما فعلتَ فيَّ» قال: لا. قال: «لم؟» قال: لأنك لا تكافئ بالسيئة السيئة. فضحك النبيُّ ﷺ ثُمَّ أمر أن يحمل له على بعير شعيرٌ، وعلى الآخر تمرٌ (¬٢).
وجاء زيد بن سَعْنَةَ (¬١) قبل إسلامه يتقاضاه دينًا عليه، فجبذ ثوبه عن منكبه وأخذ بمجامع ثيابه وأغلظ له، ثم قال: إنكم يا بني عبد المطلب مُطْلٌ. فانتهره عمر وشدد له في القول، والنبي ﷺ يتبسم. وقال: «أنا وهو كنا إلى (غير هذا منك أحوج يا عمر، تأمرني بحسن القضاء وتأمره بحسن التقاضي)» (¬٢)، ثم قال: «لقد بقي من أجله ثلاث (¬٣) وأمر عمر بقضية ماله ويزيده عشرين صاعًا لما روعه، وكان سبب إسلامه» (¬٤). وجاء في الحديث أن جبريل ﵇ نزل عليه وقال له: إن الله يُقرؤُك
السلامَ، ويقول لك: إني أجعل هذه الجبال ذهبًا، وتكون معك حيثما كنت. فأطرق ساعةً ثم قال: «يا جبريل، إن الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، قد يجمعها من لا عقل له». فقال له جبريل: «ثبَّتك الله يا محمد بالقول الثابت» (¬١). قال ابن عباس ﵄: كان ﷺ يبيت هو وأهله الليالي المتتابعة طاويًا، لا يجدون عشاءً (¬٢). وقالت عائشة ﵂: لم يمتلئ جوف النبي ﷺ شبَعًا قطُّ. ولم يبثَّ شكوَى إلى أحد. وكانت الفاقة أحب إليه من الغنى. وإن كان ليظل جائعًا يتلوى طول ليلته من الجوع، ولا يمنعه صيام يومه، ولو شاء سأل جميع كنوز الأرض، وثمارها ورغد عيشها. ولقد كنت أبكي رحمةً مما أرى به، وأمسح بيدي على بطنه مما به من الجوع وأقول: نفسي لك الفداء، لو تبلغت من الدنيا بما يقوتك؟ فيقول: «يا عائشة، ما لي وللدنيا، إخواني من أولي العزم من الرسل صبروا على ما هو أشد من هذا فمضوا على حالهم، وقدموا على ربهم، فأكرم مآبهم، وأجزل ثوابهم. فأجدني أستحي إن ترفهت في معيشتي أن يقصر بي غدًا دونهم، وما من شيء هو أحب إليَّ من اللحوق بإخواني وأخلائي». قالت: فما أقام بعد إلا شهرًا حتى توفي ﷺ (¬٣).
ومن علوِّ مرتبته ﷺ: انشقاق القمر (¬١)، وكلام الشاة المسمومة، مع الشجرة وسعيها إليه (¬٢).
وكان يرى من خلفه كما يرى أمامه (¬١). وظلَّلته الغمامة (¬٢)، وكلَّمه الذئبُ والبعيرُ والأسطوانة (¬٣)، وأحيى الله
له الميت وكلَّمه، وكلمته الغزالة (¬١)، ونبع الماء من بين أصابعه حتى روي
وظلَّلته الغمامة (¬٢)، وكلَّمه الذئبُ والبعيرُ والأسطوانة (¬٣)، وأحيى الله
له الميت وكلَّمه، وكلمته الغزالة (¬١)، ونبع الماء من بين أصابعه حتى روي
الجيشُ كله بلا محالة (¬١)، ولم ينقل هذا عن أحدٍ من الأنبياء، ولا عن رسولٍ قد بعث بالرسالة. وإن كان عيسى ﵇ قد أبرأ الأكمهَ والأبرص مع بقاء عينه في مقرها، فالنبي ﷺ ردَّ العين بعد أن سالت على الخدِّ (¬٢)؛ فصار معجزةً من وجهين: أحدهما (¬٣): التمامها بعد سيلانها. والثاني (¬٤): رد البصر إليها بعد فقده منها. ومن ذلك أن الأموات الذين أحياهم النبي ﷺ من الكفر بالإيمان أكثر
عددًا ممن أحياهم عيسى ﵇ بحياة الأبدان؛ وشتان بين حياة الإيمان وحياة الأبدان (¬١). ومن ذلك أن الله تعالى يكتب لكل نبي من الأجر بقدر أعمال أمته وأقوالها وأحوالها، وأمة محمد ﷺ شطر أهل الجنة (¬٢)، وقد أخبرنا تعالى أنهم: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فلله الحمد والمنة. فمن الأنبياء من لم يرسل إلى أحد، ومنهم من أرسل إلى واحد، ومنهم من أرسل إلى قرية، ومنهم من أرسل إلى قومه خاصةً، ورسالة النبي ﷺ عامة للإنس والجن، فيأتي يوم القيامة بعض الأنبياء وقد تبعه رجل واحد، ومنهم من يتبعه رجلان، ومنهم من يتبعه رجال ونساء، ويلتفت ﷺ فيرى سوادًا عظيمًا فيقول: «ما هؤلاء؟» فتقول له الملائكة: هم أمتك، وهم قدر شطر أهل الجنة (¬٣). فإذا كان ﷺ نفع شطر أهل الجنة، وغيره من الأنبياء إنما نفع جزءً من أجزاء الشطر الآخر، فكانت منزلته في القرب على قدر منزلته في النفع، فجميع أعمال أمته وأحوالهم وأقوالهم وإيمانهم
نة، وغيره من الأنبياء إنما نفع جزءً من أجزاء الشطر الآخر، فكانت منزلته في القرب على قدر منزلته في النفع، فجميع أعمال أمته وأحوالهم وأقوالهم وإيمانهم
وصلاتهم وصدقاتهم وجهادهم، وما من عامل من خير إلا وله ﷺ مثل أجره؛ لأنه هو الذي دل عليه، والدال على الخير كفاعله كما جاء في الحديث (¬١). وقال ﷺ: «من دعا إلى هدى كان له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة» (¬٢). وقال ﷺ: «الخلق عيال الله، فأحبهم إليه أنفعهم لعياله» (¬٣). فمن عمل خيرًا أو دعا إلى خير أو سنَّ سنةً حسنةً كان للنبي ﷺ أجر ذلك كله مضمومًا إلى درجته ومرتبته. وكذلك من سنَّ سنةً حسنةً من أمته كان له أجر من عمل بذلك على عدد العاملين، ثم يكون هذا المضاعف لنبينا صلوات الله عليه وسلامه؛ لأنه دل عليه وأرشد إليه، ولأجل ذلك بكى موسى ﷺ ليلة الإسراء بكاء غبطة؛ إذ يدخل من أمة محمد ﷺ الجنة أكثر مما يدخل من أمة موسى ﷺ (¬٤)، ولم يبك حسدًا، وإنما بكى أسفًا على ما فاته من مثل تلك المرتبة. وقد
جعل الله سبحانه أمته أقل (¬١) الأمم الماضية عمرًا وأكثرهم أجرًا، وأعظمهم قدرًا. فعظم قدر هذه الأمة لرفعة قدر متبوعها، وقد حرَّم الله تعالى الجنة على جميع الأمم حتى يدخلها ﷺ وأمته. قال ﷺ: «أنا أول شافع، وأول مشفع، وأول من يأتي فيطرق باب الجنة، فيقول رضوان: من؟ فأقول: محمد. فيفتح لي، ويقول: بهذا أمرت لا يدخل أحد الجنة حتى تدخلها أنت وأمتك» (¬٢). وقال: «أنا أول من ينشق عنه القبر» (¬٣). وقال: «نحن الآخرون السابقون إلى الجنة» (¬٤). فاشكر الله أيها المؤمن على هذه المنة، وإياك إياك أن تخرج عن الكتاب والسنة؛ لأن الناس كلهم يكلفون إلى يوم القيامة أن يتبعوا النبي ﷺ ويقتدوا به في أقواله وأفعاله. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]. قال المفسرون: لا تعملوا على خلاف الكتاب والسنة. وقال السيد الجليل سهل بن عبد الله التستري: كل فعل لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل (¬٥).
فإلى أين تذهب أيها الطالب وخير الهدي هدي النبي ﷺ، وشر الأمور محدثاتها؟ فبهداه اقتده، ولا تتبع كل خارج ومبتدع وهارب؛ فإن اقتديت اهتديت، وبلَّغك الله سبحانه المأمول والمطالب، فالخروج عن الطريق هو من عدم التوفيق؛ لأنه كلما اجتهد المبتدع وسار، بعد عن الأوطان والديار. كان في عصر (¬١) الحسن البصري شاب متعبد فأتاه الحسن وقال له: يا بني، القوم سبقونا على خيل دُهم وبقينا بعدهم على حمر دبرة. فقال الشاب: يا سيدي إن كنا نتبع أثرهم فما أسرع اللحوق بهم، وإن كنا لم نقف أثرهم فلا نلحق بهم (¬٢). قال المؤلف: هذه الحكاية فيها شبه لقول الصحابة للنبي ﷺ: إنا نحب القوم ولما نلحق بهم. فقال: «المرء مع من أحب» (¬٣)، معناه: أي إذا سعيتم في أثرهم (ألحقكم الله بهم ببركة المحبة لهم أو السعي في أثرهم) (¬٤)، وإن كان عملكم قليلًا، ولا يدخل في حديث خير البرية المبتدع ولا من يترك العمل بالكلية، أمَّا المبتدع فلأجل بدعته، وأمَّا تارك العمل فلتعرضه لسخط الله ومخالفته؛ لأن الله سبحانه يحب الطائع المتبع، ويبغض العاصي والمبتدع، وإذا أحب الله عبدًا جعل صغير حسناته كبيرًا، وقليله كثيرًا، وإذا أبغضه لم يقبل منه شيئًا.
؛ لأن الله سبحانه يحب الطائع المتبع، ويبغض العاصي والمبتدع، وإذا أحب الله عبدًا جعل صغير حسناته كبيرًا، وقليله كثيرًا، وإذا أبغضه لم يقبل منه شيئًا.
وقد ثبت عند المحققين أن كل عمل لا يوافق الكتاب والسنة فهو موافق لهوى النفس التي ترى القبيح حسنًا. قال المولى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨]. وقال ﷺ: «من أحب سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة» (¬١)، فمن أراد المرافقة فعليه بالموافقة. روى البخاري في كتاب الصلاة عن أم الدرداء قالت: دخل علي أبو الدرداء مغضبًا فقلت له: ما لك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئًا من أمر محمد ﷺ إلا أنهم يصلون جميعًا (¬٢). وكان اسم أبي الدرداء عويمر، وكان من أكابر الصحابة وعلمائها، وكان قاضي المسلمين بدمشق في خلافة عثمان ﵄ وعن جميع المسلمين، وحضر فتح قبرص، وشهد مع النبي ﷺ مشاهد كثيرة، فلما قتل المسلمون الكفار بقبرص بكى أبو الدرداء فقيل له: تبكي في مثل هذا اليوم، هذا يوم عيد؟ قال: يا هذا، ما أهون الخلق على الله إذا لم يطيعوا أمره (¬٣). فأنكر هذا السيد أكثر أفعال أهل عصره، وهو الصدر الأول، فما بالك بزماننا هذا؟ وكان قد ولاه القضاء بدمشق عمر بن الخطاب ﵁ فقال يومًا لأهل دمشق: ما لي أرى علماءكم يذهبون، وجهالكم لا يتعلمون، وأراكم قد أقبلتم على ما تُكُفِّلَ لكم به وتركتم ما أُمرتم به، ألا إن قومًا بنوا شديدًا، وجمعوا كثيرًا، وأملوا بعيدًا، فأصبح بنيانهم قبورًا، وأملهم غرورًا، وجمعهم بورًا، ألا فتعلموا وعلموا، فإن العالم والمتعلم في الأجر سواء. ولا خير في الناس بعدهما (¬٤).
ملوا بعيدًا، فأصبح بنيانهم قبورًا، وأملهم غرورًا، وجمعهم بورًا، ألا فتعلموا وعلموا، فإن العالم والمتعلم في الأجر سواء. ولا خير في الناس بعدهما (¬٤).
وقال ﵁: اغد عالمًا أو متعلمًا أو متبعًا، ولا تكن الرابع فتهلك. قيل للحسن: ما الرابع؟ قال: المبتدع (¬١). ونزل به ضيف في ليلة شاتية فأرسل إليهم الطعام، ولم يرسل إليهم بلحف، فعمد أحد الأضياف إليه ليلومه، فرآه جالسًا وامرأته ما عليهما من الثياب إلا ما يستر العورة، فرجع الرجل وقال لأبي الدرداء: ما أراك إلا بت بنحو ما بتنا به؟ فقال ﵁: إن لنا دارًا ننتقل إليه قدَّمْنا لحفنا وفرشنا إليها، ولو كان عندنا منه شيء لأرسلناه إليكم، وإنَّ بين أيدينا عقبةً كؤُدًا، المخِفُّ فيها خير من المثقل، أفهمت ما أقول؟ قال: نعم (¬٢). وقيل له في مرضه الذي مات فيه: كيف تجدك؟ قال: أجد قلبي مطمئنًا بالإيمان. قالوا: فما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قالوا: فما تشتهي؟ قال: مغفرة ربي. قالوا: نأتيك بطبيب؟ قال: الطبيب أمرضني (¬٣). وقال عند وفاته: من يعمل لمثل يومي هذا؟ من يعمل لمثل ساعتي هذه؟ من يعمل لمثل مضجعي هذا؟ ثم قرأ: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠] (¬٤) فقالت زوجته: اللهم زوجنيه في الجنة. فقال لها: فلا تتزوجي بعدي. قالت: فإن احتجت بعدك آكل الصدقة؟ قال: لا، اعملي وكلي، ولما مات ﵁ وجدوا في ثوبه أربعين رقعة، وكان عطاؤه أربعة آلاف درهم. قالت: فإن ضعفت عن العمل؟ قال: التقطي الحب والسنبل وكلي. فلما توفي ووافتْ زوجته العدة خطبها معاوية فأبت، وكان لها حظ من الجمال (¬٥).
أربعة آلاف درهم. قالت: فإن ضعفت عن العمل؟ قال: التقطي الحب والسنبل وكلي. فلما توفي ووافتْ زوجته العدة خطبها معاوية فأبت، وكان لها حظ من الجمال (¬٥).
فانظر رحمك الله ما كان أحسن مقاصد القوم، وما قلت طرفًا من مكارم أخلاق هذا السيد إلا ليعرف قدره من جهله، وتبركًا للكتاب، ولنزول الرحمة على القائل والسامع من خزائن الكريم الوهاب. قال الزهري: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ قال: ما أعرف شيئًا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وقد أضيعت (¬١). وكان ﵁ من بعض خدام النبي ﷺ فخدمه سنين، فلم يقل له في شيء فعله لم فعلته، ولا في شيء تركه لم تركته؟ (¬٢). قال: وما رأيت رسول الله ﷺ فارغًا قطُّ، إما يخيط ثوبًا لأرملة، أو نعلًا لمسكين (¬٣). ودعا النبي ﷺ لأنس عند وفاته بالبركة في عمره وولده وماله (¬٤)، فعاش مدة طويلة، وصلى خلف أبي بكر في خلافته وعمر وعثمان وعلي ومن بعدهم من الخلفاء ﵃ أجمعين. وأخرج الله تعالى من ظهره مئة وثلاثين ولدًا، وكثرت الأموال والأولاد، وكان المسلمون يشدون له
الرِّحال للزيارة، ولطلب الحديث والعلم والسؤال، وكان السادات يقبلون أقدامه ويقولون: أنت سيدنا وخادم سيدنا، ومات من أولاده في طاعونٍ واحدٍ ثمانون ولدًا (¬١)، فذهبت الأموال والأولاد فقال ﵁: أهلًا بحبيبٍ جاء على فاقة، لا أفلح من ندم (¬٢). فانظر إلى حسن صفات القوم. لو مات ميت في وقتنا هذا لأحاطت به البدع من كل مكان، وبالله التوفيق وبه المستعان، وسنذكر له بابًا في موضعه إن شاء الله تعالى. ودعا أنس لرجل عطشت أرضه فجاءت سحابة فروت أرض الرجل وصهريجه ولم تسق أرض غيره (¬٣). وهذا السيد أيضًا أنكر أفعال أهل زمانه وجلس يبكي رحمةً لهم. وقال المبارك بن فضالة: صلى الحسن الجمعة ثم جلس فبكى، فقيل له: ما يبكيك يا أبا سعيد؟ فقال: تلومونني على البكاء؟ ولو أن رجلًا من المهاجرين اطلع من باب مسجدكم ما عرف شيئًا مما كانوا عليه على عهد رسول الله ﷺ أنتم اليوم عليه إلا قبلتكم هذه (¬٤). فانظر وتأمل قوله؛ فإنه من العلماء العاملين، ومن كبار التابعين؛ فإذا كان الباطل قد ظهر في زمانه حتى ما بقي يعرف من الأمر (¬٥) الذي كان عليه السادة إلا القبلة والشهادة، فما ظنك بأوقاتك هذه؟ فلو رأينا القوم لقلنا مجانين، ولو رأونا لقالوا شياطين. وقال ﷺ: «أنا في خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم،
ثم الذين يلونهم» (¬١)، وقال: «كل عام ترذلون» (¬٢). وعن ابن عباس ﵄: ما من عام إلا وتظهر فيه بدعة وتموت سنة، حتى تظهر البدع وتموت السنن. وزماننا هذا قد ظهر فيه البدع، والمتمسك (¬٣) فيه بالسنة (¬٤) له شأن عظيم عند الله سبحانه؛ لقوله ﷺ: «المتمسك بسنتي عند فساد أمتي فله أجر مئة شهيد» (¬٥). فالسنيُّ في الدنيا رشيد، وفي الآخرة سعيد، والمبتدع في ضلال بعيد. وقال المبعوث بالرسالة: «كلُّ بدعةٍ ضلالة» (¬٦)، فاحذر أيها المؤمن أن تخرج نفسك من نور السنة وتدخلها في ظلم الضلالة، فتكون من الهالكين بلا محالة. أتخرج أيها المؤمن من طريق سيد الأنبياء، وتدخل في طريق الأشقياء؟ أما سمعت قوله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (¬٧) وقال: «إن الله خلق الخلق نصفين، فجعلني في خيرهم، ثم جعلني في خير
د الأنبياء، وتدخل في طريق الأشقياء؟ أما سمعت قوله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (¬٧) وقال: «إن الله خلق الخلق نصفين، فجعلني في خيرهم، ثم جعلني في خير
الفريقين، ثم جعل القبائل فجعلني في خير قبيلة، ثم جعل البيوت فجعلني في خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسًا، وخيرهم بيتًا» (¬١). وقال: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (¬٢). «إن لي أسماء: أنا محمد وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب» (¬٣). ومن فضله الجامع: تأخُّرُ الأنبياء يوم القيامة، ويتقدم ﷺ ويقول: «أنا الشافع». ومن علو مرتبته أن الله تعالى نادى كل نبي باسمه، فقال تعالى: ﴿يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ [هود: ٤٨]، ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥]، ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص: ٣٠]، ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ [المائدة: ١١٠]، ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ [ص: ٢٦]، ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ [مريم: ٧]، ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، ﴿يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨١]. ودعا الحق سبحانه نبيه ﷺ بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]،
ا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١]، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]،
﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢]، ﴿يس (١) وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ١ - ٤]. كل هذه أسماء لهذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم (¬١). وسماه أيضًا باسمين من أسمائه ليظهر للبشر ما خصَّه به من التعظيم وهو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] (¬٢). ومن التعظيم والكرامة أن قَرَن اسمه باسمه في الأذان والأقامة إلى يوم القيامة. ولا خلاف بين الأنام أن السيد إذا دعا عبده بأفضل أسمائه، كان ذلك مبالغةً في التعظيم والاحترام. ويكون أفضل من عبيد دعاهم بأسمائهم الأعلام. (وأنشد لبعضهم: يا قوم ثأري عند زهراء … يعرفه الحاضر والنائي) (¬٣)
لا تَدْعُنِي إلا بيا عبدها … فإنه أشرف أسمائي ومن التعظيم أن الله سبحانه أقسم بحياته، فقال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]. والقسم بحياة المُقْسَم به يدل على شرف (جاهه، وعلى شرف) (¬١) حياته، وعزتها عند المقسم، ولم يثبت هذا لغيره (¬٢). ولأجل حله بمكة المشرفة قال الواحد الأحد: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١]، والمعنى: أقسم (¬٣).
ومما يدلُّك على عظيم فضل الله عليه أن الله تعالى نهى أصحابه عن التقدُّم بين يديه، وأن لا يرفع أحد صوته عليه. فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٢ - ٣]. وفي فضله ﷺ من هذا كثير. وله من المعجزات، ومكارم الأخلاق، ما لا تحصره الكتب والأوراق. فكيف يفلح من يخرج عن سنته، أو يجعل له شرعًا غير شريعته؟ وقد قرن الحق سبحانه في اتباعه الهداية والفلاح، صلوات الله تعالى عليه وعلى آله وأصحابه، وأزواجه، وأتباعه ما غاب نجم ولاح. قال الله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. فمن أراد الخير والفلاح، فعليه باتباع النبي ﷺ وأصحابه ذوي الوجوه الملاح. فمن تبعهم بدَّل ليلَه بصباح. وأثبت أنه من أهل الدين والخير والصلاح. أي بُدل ليل المعصية بنهار الطاعة، قال بعضهم: ليلي بوجهك مشرق … وظلامه في الكون (¬١) ساري والناس في سُدف الظلام … ونحن في ضوء النهار
والخير والصلاح. أي بُدل ليل المعصية بنهار الطاعة، قال بعضهم: ليلي بوجهك مشرق … وظلامه في الكون (¬١) ساري والناس في سُدف الظلام … ونحن في ضوء النهار
فمن سلك طريق القوم أحياه الله تعالى حياةً طبيِّةً في الدنيا والآخرة، وحشره معهم في الآخرة. قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، وأي حياة أطيب من اتباع النبي ﷺ، وسلوك طريقه وطريق أصحابه، ولكن حتى تكتحل البصائر بنور الهدى. وقد جعل الله تعالى لنا ميزانًا نزن به أعمالنا. وهو ما شرعه الله تعالى في كتابه العزيز، وما شرحه (¬١) النبي صلى الله وعليه وسلم في سنته. قال بعضهم: وللشرع (¬٢) ميزان فلا تك طاغيًا … فيه ولا تك تخسر الميزانا (¬٣). فزن نفسك بميزان السنة والقرآن، ولكي يتبيَّن لك الزيادة من النقصان. قال الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]. وقال خير البرية: «تركتُها بيضاءَ نقيَّةً» (¬٤)، فحُكَّ (¬٥) نفسك على محكِّ الشرع، فإن كنت خبيثًا
وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]. وقال خير البرية: «تركتُها بيضاءَ نقيَّةً» (¬٤)، فحُكَّ (¬٥) نفسك على محكِّ الشرع، فإن كنت خبيثًا
ظهر (¬١) خبثك، والطيب لا يظهر منه إلا طيب؛ فالجنة طيبة لا يدخلها خبيث. قال المولى: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]. ومرادنا بالطيب المتبع، والخبيث هو المبتدع. فإذا قرأت القرآن تبين لك هل أنت من أهل الخير واليقظة والإحسان؟ أم من أهل الشر والغفلة والطغيان؟ فقد وصف قومًا بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١٠]، وأثنى الحق سبحانه على قوم بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. اعلم رحمك الله أن الخير والفلاح موقوف على الدين والصلاح. قال الله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣ - ١١٤] فمدح هؤلاء وذم آخرين بقوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩].
ران: ١١٣ - ١١٤] فمدح هؤلاء وذم آخرين بقوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩]. ووصف قومًا بمكارم الأخلاق، وقومًا بالكفر والنفاق. فقال تعالى في حق الأولى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤]، وقال في حق الثانية: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء: ١٥١]، وقال الواحد القهار: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]. قال رب العالمين: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠]. وقال في حق المبتدعين: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى
وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. والنار جزاء لمن ظلم، وإن كان مسلمًا من خير الأمم، قال المولى إخبارًا عن قول قابيل، لما أراد قتل هابيل (¬١): ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩]. والمبتدع هو ظالم لخروجه عن الطريقة المحمدية، ودخوله في البدعة الرَّدية، فقد تعدى الحدود، وأسخط المعبود، وشؤم ذلك عليه يعود، يوم لا ينفع مال ولا بنون، ولا يجزي والد عن مولود، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] فظلمها الذي أوجب عليها غضب الجبار، وعذاب النار وذلك لعدوله عن الآيات والأخبار، ولخروجه عن طريق النبي المختار، والصحابة الأخيار، والمسلمين الأبرار، فصار الظلم (¬٢) على أقسام: الكافر ظالم، والمنافق ظالم، والمبتدع والعاصي ظالم، والكل يذهب بالتوبة. وظلم آخر يحتاج الظالم أن يرضي المظلوم في الدنيا: كضرب، وسب، وغيبة، وقتل مسلم بغير حق، وشهادة الزور، ونميمة، وبهتان، وما يشبه ذلك ويقاربه لا بد من التحلل من المظلوم، والمظلوم مرحوم، والظالم ملعون. وهذا حال من ظلم الناس لنفسه؛ وأنحس منه من ظلم الناس لغيره؛ لأن الأول أخرب آخرته لأجل دنياه، والثاني أخرب آخرته (¬٣) لأجل دنيا غيره، فصار أكبر إثمًا وأكثر بعدًا عن (¬٤) خالقه ومولاه، وكلا الطرفين ذميم. والذي أعتقده أن الحق سبحانه متى رضي عن عبدٍ، أرضى عنه خصومه، ونسأل الله العدل، والاستقامة، والأمن من فزع يوم القيامة، فمن عدل عدل به إلى الجنة، ومن جار فله النار.



