— Bagian 4 · ن الحق سبحانه متى رضي عن عبدٍ، أرضى عنه خصومه، و… —
Bagian 4
ن الحق سبحانه متى رضي عن عبدٍ، أرضى عنه خصومه، ونسأل الله العدل، والاستقامة، والأمن من فزع يوم القيامة، فمن عدل عدل به إلى الجنة، ومن جار فله النار.
ومراد المؤلف بالاستقامة: الاتباع لمن ظللته الغمامة؛ لأن الحق سبحانه قد لطف بالمتَّبِع، فعمل بكتاب الله تعالى وعلى السُّنة أقام فاستوجب محبة الله تعالى والجنة له مقام. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]. ذهب أكثر المفسرين إلى أن الاستقامة لزوم الكتاب والسنة. فاعرض أيها العامل أفعالك وأقولك، على سنة رسول الله ﷺ، وسنة خلفائه الراشدين فإن حصلت الموافقة لهم، فأنت من المهتدين. وإن عكست فأنت من المعتدين. قال ﷺ: «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديم اهتديتم» (¬١)؛ فهي الفرقة الناجية التي (¬٢) أمرنا أن نعض عليها (¬٣) بالنواجذ، لننجو غدًا من الشدائد. فعليك أيها المؤمن بإماتة البدع، وإحياء السنة؛ فقد جاء في الحديث: أن من أحيى سنته كان معه في الجنة (¬٤). وقال صلوات الله عليه وسلامه: «من أمات بدعة أحيَى الله قلبه» (¬٥). وفي حديث آخر: «إذا مات صاحب بدعة، كان فتحًا في الإسلام» (¬٦)، وقال صلوات الله عليه وسلامه: «من أعرض عن صاحب بدعة بغضًا له في الله ملأ الله قلبه أمنًا وإيمانًا؛ ومن انتهر صاحب بدعة، رفع الله له في الجنة مئة درجة، ومن سلَّم على صاحب
بدعة أو لقيه بالبشرى واستقبله بما يسره فقد استخف بما أُنزل على محمد ﷺ» (¬١). وقال: «من مشى إلى صاحب بدعة ليوقره، فقد أعان على هدم الإسلام» (¬٢). وفي حديث آخر: «من أهان صاحب بدعة أمنه الله يوم الفزع الأكبر» (¬٣). وقال سفيان: من اتبع جنازةَ مبتدعٍ لم يزل في سخط الله حتى يرجع (¬٤). وقال ﷺ: «من غش أمتي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين».
لفزع الأكبر» (¬٣). وقال سفيان: من اتبع جنازةَ مبتدعٍ لم يزل في سخط الله حتى يرجع (¬٤). وقال ﷺ: «من غش أمتي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين».
قالوا: يا رسول الله، وما غِشُ أمتك؟ قال: «أن تبتدع بدعة تحمل الناس عليها» (¬١). وروي أن رجلًا دعا ابن مسعود ﵁ إلى وليمةٍ فلما بلغ المنزل سمع عندهم لهوًا فرجع فتبعه صاحب المنزل وقال: يا صاحب رسول الله، ما بالك رجعت؟ قال: سمعت عندكم (¬٢) لهوًا، وسمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كثَّر سواد قومٍ فهو منهم، ومن أحب عمل قومٍ خيرًا كان أو شرًّا كان كمن عمله أو كان شريكًا له» (¬٣) فلما اجتمع القوم على بدعة تركهم وسار. وكان سيدًا جليلًا عارفًا بالتفسير والأخبار. وصح أن النبي ﷺ تبرأ من أصحاب البدع، فقال: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (¬٤). وتبرأ من الصالقة والحالقة والشَّاقة (¬٥).
وقال ﷺ: «أهل البدع هم شرُّ الخلق والخليقة» (¬١). وفي حديث آخر: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (¬٢). فانظر رحمك الله إلى هذا التوكيد وشدة الوعيد لمن خالطهم أو واكلهم أو سلَّم عليهم، أو وقَّرهم واستبشر في وجوههم. فكيف يكون حال من فعل بفعلهم، أو صار في بدعة يقتدي الجاهل (¬٣) به؟ وكيف حال من دعا الناس إلى بدعته وحثَّهم عليها وحسَّنها لهم؟ وكيف من زعم أنها قربة إلى الله تعالى ويثاب عليها؟ كل هذه درجات بعضها أسفل من بعض، وظلمات بعضها فوق بعض، ونعوذ بالله العظيم من الجهل بعد العلم، ومن الضلالة بعد الهدى، وأن يرزقنا اتباع السنة، ويجنبنا البدعة والردى. وإذا شاء الله تعالى وفَّق الجاهل وخذل العالم، وإن شاء عكس، وإن شاء وفقهم جميعًا، وإن شاء خذلهما جميعًا، والقدرة صالحة لكل شيء: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. والجهل مصيبة في الدين؛ لقول رب العالمين لسيد المرسلين: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩].
وأكثر ما يقع العباد في البدع من جهلهم وقلة علمهم، فيدخل عليهم الشيطان -لعنه الله- من جهة الجهل، فيغويهم ويضلهم. قال علي بن أبي طالب ﵁: قصم ظهري رجلان: جاهل ناسك، وعالم فاسق (¬١). قال المؤلف: فالعالم الفاسق ينفر الناس عن (¬٢) علمه، ويكون حجة عليه، يوم يوقفه الحق بين يديه، ويقال: إذا ضلَّ عالِمٌ ضلَّ العالَم. والعلم والخبر لا يحجزان أحدًا عن القضاء والقدر، كما تقدم ذكره في القرآن والخبر. والجاهل الناسك يُضل الناس لجهله ولخلوه من نور العلم، فمثله كالأعمى، والأعمى لا يهدي نفسه إلى الطريق، فكيف يهدي غيره؟ ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢]، فيأمر الناس بجهل فيَضل ويُضل. ألا ترى ما يفعله بعض المبتدعين تبعًا لأشياخهم فيحلقون ذقونهم ويوصلون شعورهم، ويكوون أبدانهم ويوشمونها، فينقش عليها (¬٣) اسم المحبوب، ثم يدخل السقاية بهذا المكتوب (¬٤). ولقد رأيت فقيرًا بمكة قد وشم على ساعده آية الكرسي بكمالها، ثم يدخل بها المستراح هذا القليل الدين والصلاح، فكلما مسّ آية الكرسي بغير وضوء أثم، وإذا مسه وهو جنب يكون (¬٥) ملعونًا آثمًا، وترى بعضهم يثقب أذنه، وآخر يثقب إحليله، ومنهم من يتكبل بالسلاسل والحديد، فيدخلون في البدع ويخالفون المولى المجيد، وبعضهم يعملون في رقابهم الأطواق، وهي صفات أهل النار في النار، ولا ترضي الواحد الخلاق، قال الله
اسل والحديد، فيدخلون في البدع ويخالفون المولى المجيد، وبعضهم يعملون في رقابهم الأطواق، وهي صفات أهل النار في النار، ولا ترضي الواحد الخلاق، قال الله
تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧١ - ٧٢]، ورأى النبي ﷺ رجلًا في إصبعه خاتم حديد، فقال: «ما لي أرى عليك حلة (¬١) أهل النار؟» (¬٢). وبعض المبتدعة يُلَبِّدُ شعره فلا يزال جنبًا؛ لأن الماء لا يصل إلى أصول شعره، وقد أمرنا الشرع (¬٣) بإيصال الماء إلى أصول الشعر، ومن وصل من المبتدعة شعره قطعه الله من رحمته، وأدخله في لعنته. قال ﷺ: «لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة» (¬٤). فإذا لعنت المرأة لأجل ما وصلت، أو وشمت زينةً لزوجها؛ فكيف من يفعل ذلك من الرجال بطرًا وعبثًا؟! فيكون ملعونًا بطريق الأولى. فهؤلاء الأشقياء اتصفوا بصفات الأولياء، وزعموا أنهم فقراء، فقنعوا بالاسم، وما نالوا منه وطرًا، فصار الاسم على غير المسمى، وكان ذلك عليهم مقدورًا مقدرًا، وبه القلم في اللوح المحفوظ جرى. والحق سبحانه يقبل من جاء منهم تائبًا معتذرًا. ونعوذ بالله من كل البدع والطغيان، ومن أُخوَّة النسوان، ومرافقة المردان، والاشتغال عن الذكر والقرآن، بشيء من اللهو والهذيان؛ كالرقص على ضرب الدف والكف والغناء والألحان، وتضييع الوقت والعمر فيما يرضي الشيطان، فلو كان هؤلاء المبتدعون الذين تقدم ذكرهم ممن
ء من اللهو والهذيان؛ كالرقص على ضرب الدف والكف والغناء والألحان، وتضييع الوقت والعمر فيما يرضي الشيطان، فلو كان هؤلاء المبتدعون الذين تقدم ذكرهم ممن
يدعي الفقر والدين، عملوا بحديث سيد المرسلين الصادق الأمين، ﷺ وعلى أصحابه أجمعين، ما وقعوا في شيء من البدع وهو قوله: «تفقهوا ثم اعتزلوا» (¬١). كمن مضى من مشايخنا وسادتنا ﵃ أجمعين، تفقهوا ثم دخلوا في العبادة، فوقفوا للعلم والعمل والزهد في الدنيا، فاستراحوا وأراحوا، واهتدوا بنور العلم وهُدوا، فكان قولهم يصدع القلوب، وزيارتهم تذكر بالله (¬٢) علام الغيوب. وأهل البدع لما فاتهم نور العلم، وقعوا في ظلام الجهل، ففاتهم نور السنة ووقعوا في ظلام البدعة؛ فضلُّوا وأضلُّوا، وبجهلهم استدلوا، وقال هؤلاء المعتدون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] وجدوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون، فلو سمع أحدهم ألف حديث وكل آية، لم يخرجوا عن طريق آبائهم ومشايخهم إلا من أدركه الله برحمته، وأنقذه من البدعة والضلالة بقدرته، لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، ولأن البدع قد رسخت وطبعت على قلوبهم، وألفتها واستحسنتها نفوسهم. قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨]. كما قال بعضهم: يا غاديًا في جهله ورائحًا … إلى متى تستحسن القبائحا يا عجبًا منك وأنت مبصر … كيف تجتنب الطريق الواضحا قال المولى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، فقد استحسنت البدع هذه الطائفة، ليس لها من دون الله كاشفة.
ِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، فقد استحسنت البدع هذه الطائفة، ليس لها من دون الله كاشفة.
وإذا أراد الله أن يخرج عبده من الضلالة عرَّفه كيف يخرج. فإن قيل لأحدهم من جهة التذكرة والنصح والأمر بالمعروف: إن هذه الطريقة التي أنت سالكها ما هي طريق نبيك، ولا طريق أصحابه، ولا طريق التابعين؛ فإن خرج عنها فهو صديق، وإن لم يخرج عنها فهو قليل التوفيق. وإن جحد السنة فهو زنديق؛ وقد تشبه بالكفار. ومن تشبه بهم في الدنيا، حُشر معهم يوم القيامة في النار؛ ولأجل ذلك تبرأ منه النبي المختار صلى الله عليه صلاةً دائمة إلى يوم القرار بقوله: «من تشبَّه بغيرنا فليس منَّا» (¬١) فاعتبروا يا أولي الأبصار. فلما عرَّفهم الأنبياء ﵈ الطرق التي توصلهم إلى الله ﷾، وكان عليها المؤمنون وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]. فعجل الله تعالى دمارهم وخرب ديارهم؛ فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا. وما انتشرت وتولدت هذه الآفات والبدع، وأمثالها في الملة المحمدية إلا لقلة إنكارها، ولتخلية أولي الأمر هذه البدع من شهورها لسنيها، ومن غدوها لأبكارها، فلو قاموا بما أمروا به من إزالة المنكر، وجاهدوا بسيف الصدق لما شاعت هذه المصائب وأمثالها؛ ولأسرع تلاشيها وزوالها، والله سبحانه أمرنا بذلك فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقد شهد العليم الفتاح لمن يأمر بالمعروف بالخير والفلاح، فقال المولى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وقال الملك الغفور: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١].
الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١]. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن ربكم تعالى يقول: إياكم والتظالم،
وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تسألوني فلا أطيعكم، وتدعوني فلا أستجيب لكم وتستنصروني فلا أنصركم» (¬١). وتمثيل النبي ﷺ بالقوم الذين استهموا في السفينة معروف (¬٢). وقد أهلك من قوم يوشع ﵇ ألوف لتركهم الأمر بالمعروف (¬٣). ثم اعلم بأن الأمر بالمعروف هو من قواعد الدين، وطريق سيد المرسلين ويقرب لرب العالمين، فمن ترك الأمر بالمعروف مع القدرة فقد خالف الرب الرؤوف، ووقع في أمر مخوف. قال بعض العلماء: الأمر بالمعروف على ثلاثة أقسام: باليد للأمراء، وباللسان للعلماء، وبالقلب للعوام. وهذا قول حسن؛ لأن العوام لا يعرفون العلم فيقولون باللسان، ولا يقدرون على إزالة المنكر بالسيف والسنان، وهذا أضعف الإيمان.
وقال بعض العلماء: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل من قدر عليه. فمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فقد أحيَى السنة. ومن أحياها غفر الله له وأدخل مع النبي ﷺ الجنة. وقد تقدَّم شيءٌ في مدح الأمرين. وقد ذم الله تعالى قومًا آخرين بقوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨ - ٧٩]. وقال أهل التفسير: إن طائفةً من بني إسرائيل مسخت قردة وخنازير لخروجهم عن طريق نبيهم ولمخالفتهم للمولى القدير: الشباب صاروا قردة، والشيوخ خنازير، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦]. ثم إن بني إسرائيل افترقت على فرقتين: الفرقة الواحدة أَمَرت، والثانية لم تأمر، فأنجى الله تعالى الطائفة الآمرة، وأهلك التي لم تأمر بقدرته القاهرة، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥].
ِرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥]. وقد جاء في مواضع كثيرة في القرآن والخبر في مدح من أمر بالمعروف، وفي ذم من لم يأمر به، ما لا يحتمله هذا المختصر، وفي هذا كفاية لمن رزقه الله تعالى التوفيق والهداية. قال المفسرون: لما أراد الله تعالى أن يُهلك من قوم يوشع ﵇ ستين ألفًا من أشرارهم، وأربعين ألفًا من أخيارهم، قال يوشع ﵇: يا رب هذا للأشرار فما بال الأخيار؟ فأوحى الله سبحانه إليه: يا يوشع؛ لأن الأخيار لم يغضبوا لغضبي، وواكلوهم وشاربوهم
وجالسوهم (¬١). وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية تضعونها على غير موضعها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقابه» (¬٢). قال عمر بن عبد العزيز: إن الله تعالى لا يعذب العامة بعمل الخاصة، ولكن إذا ظهرت المعاصي ولم ينكروها استحق القوم جميعًا العقوبة (¬٣). وقال نبي الله ﷺ: «من رأى منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (¬٤)، رواه مسلم. فقد تبيَّن (¬٥) أن من ترك الأمر بالمعروف مع القدرة عاصٍ مبتدع، والبدعة في الدين خطر عظيم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ
» (¬٤)، رواه مسلم. فقد تبيَّن (¬٥) أن من ترك الأمر بالمعروف مع القدرة عاصٍ مبتدع، والبدعة في الدين خطر عظيم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ
سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]؛ فمعناه: أي حط عنا خطايانا، فقالوا: حنطة، فأرسل الله عليهم رجزًا من السماء وظلمةً وطاعونًا فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفًا، وذلك لقلة أدبهم واستخفافهم بأمر الله تعالى. وابتدعوا بزيادتهم حرفًا في الكلمة فعرفهم أن الزيادة في الدين والابتداع في الشرع خطر عظيم، وهذه البدعة هي في القول، وتارةً تكون البدعة في الفعل، وكلا الطرفين ذميم. وقد كثر في زماننا هذا البدع في الأفعال والأقوال. ونسأل الله الإقالة، وهو القدير المتعال. فصار السنيُّ بين الناس كالغريب، ولا عليه بعدما صار معروفًا عند الحبيب، كما قال بعضهم: إذا رضيتْ عنِّي كرام عشيرتي … فلا برحت غضبَى عليَّ لئامها عن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله ﷺ قال: «إن الدين بدأ غريبًا، ويرجع غريبًا فطوبى للغرباء، الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي» (¬١). ولمسلم: «بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء». معنى الحديث: أنه لما جاء الله تعالى بالإسلام فكان الرجل إذا أسلم في حيه وقبيلته فهو غريب بينهم مستخفٍ بإسلامه، قد جفاه الأهل والأصحاب، واتصل لرب الأرباب كما قال بعضهم: إذا كنتَ لي … ما ضرَّني من عدمته
فكان يكون بينهم ذليلًا حقيرًا خائفًا يتجرَّع (¬١) جرع الأذى والجفاء محبة في دين النبي المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أهل الخير والجود والوفا، فيعود غريبًا لكثرة الأهواء المضلة، والمذاهب المختلفة حتى يبقى أهل الحق غرباء في الناس لقلتهم وخوفهم على أنفسهم من قلة الأنصار وكثرة الفجار. وقد تقدم في حديث العرباض قوله ﷺ: «من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا (¬٢)، فعليكم بسنتي» (¬٣) الحديث، رواه البخاري في «صحيحه» (¬٤) عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع النبي ﷺ قِبَل خيبر ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها ينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال لهم رسول الله ﷺ: «الله أكبر. هذا كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]؛ لتركبن سنن من كان قبلكم» (¬٥). فانظر رحمك الله أي مكان وجدت سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمون أمرها، ويرون البرء والشفاء من قبلها، وينوطون بها المسامير والخرق فهي ذات أنواط، فإن قدرت فاقطعها يصلك الله تعالى به، فجميع العبادات القولية والفعلية لا يثاب العبد عليها إلا إذا كانت موافقة للسنة والكتاب؛ فاعتبروا يا أولي الألباب.
ألا ترى أن الإنسان كيف يصوم وهو من الأجر محروم؛ كصيام يوم الشك، ويوم الجمعة فقط، وصوم يوم السبت وحده، وصوم العيدين وأيام التشريق. روى مسلم في «صحيحه»: أن النبي ﷺ نهى عن صيام يوم الجمعة، وعن قيام ليلتهم، فقال: «لا تخصُّوا ليلة الجمعة بقيام ولا يوم الجمعة بصيام» (¬١). وروى البخاري أيضًا: أن النبي ﷺ نهى أن يصام يوم الجمعة إلا أن يصله بصيام قبله أو بعده (¬٢). والحديث: «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام». هو حجة على قوم يجتمعون لصلاة الرغائب لورود النهي. وقد روى الغزاليُّ حديثًا في صلاة الرغائب (¬٣)، وهو غير صحيح، اقترأه (¬٤) لا افتراه. والحديث الضعيف لا
حجة على قوم يجتمعون لصلاة الرغائب لورود النهي. وقد روى الغزاليُّ حديثًا في صلاة الرغائب (¬٣)، وهو غير صحيح، اقترأه (¬٤) لا افتراه. والحديث الضعيف لا
ينسخ الحديث الصحيح، ولا قول اللطيف وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. قال ﷺ: «ما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فانتهوا» (¬١). قال بعض العلماء: يأثم الإنسان بفعلها كالنَّفل بعد الصبح، وبعد العصر بلا سبب. فإن قال قائل: أيعاقب المسلم على الصلاة؟ قال: لا، ولكن يعاقبُ لمخالفته للحديث. ولا يثاب العبد على عبادةٍ قط إلا أن تكون موافقة للكتاب والسنة، ألا ترى لو وقف واحد بعرفة في غير يوم عرفة واجتهد في الدعاء إلى غروب الشمس، ثم نفر إلى المشعر الحرام، وصلى الفجر بغلس، ووقف ودعا، ثم جاء لمنًى (¬٢)، ورمى الجمرة كما فعل النبي ﷺ، ثم جاء وطاف بالبيت الحرام وسعى، وأتى بجميع المناسك، فهو عاصٍ لله ولرسوله، وليس بناسك؛ لأنه شرع في الدين ما ليس منه. وهو عبدٌ مخالف للسنة هالك؛ لأن النبي ﷺ ما فعل هذه الأشياء إلا في مكانٍ مخصوص، وفي وقتٍ مخصوص. فلا بدَّ من الزمان والمكان، لذلك لو طاف طائف بغير مكة المشرفة، أو سعى أو رمى الجمرات في غير أشهر الحج لم يؤجر وعليه السيئات، كرجل يصلي الخمس صلوات قبل دخول الأوقات فلا تقبل منه، ولا يدخل تحت قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]؛ لأن استباق الخيرات وضع الأشياء في محلها. وتكلم العلماء في قوله ﷺ: «من سبَّح عقيب كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمده ثلاثًا وثلاثين، وكبره ثلاثًا وثلاثين، وقال تمام المئة: لا إله
لأشياء في محلها. وتكلم العلماء في قوله ﷺ: «من سبَّح عقيب كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمده ثلاثًا وثلاثين، وكبره ثلاثًا وثلاثين، وقال تمام المئة: لا إله
إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معط لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، حطت خطاياه ولو كانت مثل زَبَد البحر» (¬١)، قالوا: يعطى المسلم هذا الأجر إذا فعل هذا، لا يزيد عليه ولا ينقص. فلو سبَّح الله تعالى مئة، وحمده مئة، وكبره مئة. قال جماعة من العلماء ومنهم: ابنُ المرحِّلِ شيخٌ راسخٌ في علوم الإسلام، والقاضي ابنُ عبد السلام سيِّد العلماء ومفتي الأنام (¬٢): يحرم هذا الأجر العظيم؛ لقلة عمله بحديث النبي ﷺ؛ لأن الله تعالى لا يعظم الأعمال لكثرتها إذا لم تكن (¬٣) موافقة للسنة. وقال المولى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧، الملك: ٢]، ولم يقل (¬٤): أكثر عملًا. والعمل الحسن ما كان موافقًا للسنة. وجاء في الحديث: «عملٌ قليل في سنة، خير من كثير في بدعة» (¬٥)، وليس قدر من أهدى الملك جوهرتين كقدر من
أهدى له حمل تين (¬١) أو ماء تين (¬٢). ولا ينبغي أن يهدي الإنسان لمبتدع أو ظالم هدية لإكرامهما، أو لما يؤمل منهما من العطية، وله أن يكرمهما خوفًا أن يصيبه من جهتهما مصيبة أو بلية. فإن لم يخف يعرض عنهما؛ لأن الله تعالى قد أعرض عنهما لخروجهما عن طريق خير البرية، ولدخولهما في الأفعال الردية. كان لبعضهم شجرة تين تطرح التين في غير أوانه، فعبَّى طبق تين، وأهداه لبعض الظلمة، وجلس على بابه ينتظر شيئًا من عطائه، وإذا بنائب ذلك الظالم جاء له بجماعة يضرب رقابهم. فعدوهم عند الباب فنقص منهم واحد. فربطوا صاحب التين مكانه، فلما دخلوا بهم على الأمير وطلب السيف، صرخ صاحب التين وقال: أنا صاحب التين. فقال: ما حملكم على مسك (¬٣) هذا؟ قال: هرب من الجماعة واحد فكملناهم به خوفًا منك. فأمر بإطلاقه وقال لصاحب التين: تمنَّ عليَّ. قال: أريد ثلاثة دراهم. فقال: ويحك تمن. قال: ما أريد غيرها، ولو كنت أملكها ما طلبت منك شيئًا. فقال: وما تصنع بالثلاثة؟ قال: أشتري به ما أقطع به الشجرة التي كانت السبب في معرفتي لك. ودخل متولي المدينة على حاتم الأصم وقال له: يا شيخ تمنَّ عليَّ! قال الشيخ: أتمنى عليك أن لا تراني ولا أراك. وقال الواحد القهار: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]. فالنار لمن جالسهم. فكيف يكون حالهم هم؟ وله باب في غير هذا المكان، وبالله المستعان.
نُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]. فالنار لمن جالسهم. فكيف يكون حالهم هم؟ وله باب في غير هذا المكان، وبالله المستعان.
فصل فيما يبتدع في قراءة القرآن اعلم رحمك الله تعالى أنَّ قراءة القرآن العظيم عبادة، وهي من جملة التوفيق والسعادة؛ لأن القارئ حبيب لعالم الغيب والشهادة. وقد أدرجت النبوة بين كتفيه، إلا أنه لا يوحى إليه، ويقال له يوم القيامة: اقرأ وارقَ! فيصعد إلى أعلى الدرجات، وله بقراءة كل حرف عشر حسنات، فيحصل له هذا الخير والمنة، إذا كانت قراءته موافقة للكتاب والسنة، فإن قرأه جُنُبًا، أو زاد فيه، فهذه القراءة تخرجه عن السنة، وفي جهنَّم تهويه (¬١)، كمدِّ بعض جهلة القراء (¬٢) في مكانٍ لا مدَّ فيه، فيزيد في كلام الخالق؛ فينقص عند الله هذا الجاهل الفاسق، فإن رضي بهذه البدعة الحاضرون فكلهم في الإثم واقعون، وعن الشرع الشريف خارجون، والتكرار يسقطهم من عين الواحد القهار إلا أن يكون بخشوع وتدبر، وبغير زيادة عن المقدار، فحينئذٍ يبلغ العبد بقراءته إلى منازل الأخيار، ويكون من أهل الله تعالى وخاصته، كما جاء في الأخبار عن النبي المختار الكامل الأنوار، صلوات الله تعالى عليه وسلامه آناء الليل وأطراف النهار.
الأخيار، ويكون من أهل الله تعالى وخاصته، كما جاء في الأخبار عن النبي المختار الكامل الأنوار، صلوات الله تعالى عليه وسلامه آناء الليل وأطراف النهار.
ومن جملة البدع ما يفعله بعض الإخوان من ترك القرآن قبل تمام السورة، ثم يأخذون في تجديد الأحزان بنشدهم (¬١) الأشعار، وبروايتهم الأخبار. كل ذلك لأجل حطام هذه الدار: [أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار]؛ وذلك لخروجهم عن طريق النبيِّ المختار، والصحابة الأخيار، ومن تابعهم من المؤمنين الأبرار. والنار لمن ابتدع وجار، وقد صحَّ أن النبي ﷺ نهى عن تجديد الأحزان (¬٢)، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. فأطع ربك بسماعك من نبيك أيها الإنسان. ثم اعلم بأنه يجوز ترك القراءة قبل تمام السورة، إذا سأل العبد ربه الجنة عند ذكر الجنة، وكذلك التعوذ من النار، وأن يدخله في شفاعة النبي المختار. وله أن يسأل الله تعالى الاستقامة، وأن يؤمنه من فزع يوم القيامة، وهذا ما يناسبه له أصل في الشرع، فإن قرأ رجل بصوت حسن فقال جاهل: والله طيبٌ. ما مراده إلا الصوت والأنغام، وعليهما يطرب العوام،
نه من فزع يوم القيامة، وهذا ما يناسبه له أصل في الشرع، فإن قرأ رجل بصوت حسن فقال جاهل: والله طيبٌ. ما مراده إلا الصوت والأنغام، وعليهما يطرب العوام،
فإن كانت القراءة خارجة عن السنة والسامع عالمٌ بذلك، ثم قال: والله طيبٌ! فيفسق القارئ والسامع. فإن كانت القراءة ملحونة (¬١) مبدَّلة فقال السامعُ: والله طيبٌ. وهو عالم بذلك اختلف العلماء في السامع، وقال بعضهم: يكفُر ويكفُر القارئ أيضًا، إذا تعمَّد اللحن والتبديل. والله سبحانه أعلم بالجملة والتفصيل. وأشد تحريمًا ممن تقدم ذكرهم من الإخوان: إجلاس الأمرد الحسن الوجه والنغم في صدر المكان، ثم يجلس الرجال حوله فيقرءون القرآن، ويزيدون في كلام الرحمن، ويساعدون الصبي في طلوعه ونزوله وينظرون إليه، فيشاركون في الإثم والعدوان: الصبي ومن تابعه، ومن نظر إليه بعين شهوة، ومن كان السبب في جمعهم، ومن حضر من المستمعين في ذلك المكان، والقراءة إذا كانت على هذه الصفة تحيط بها البدع ولا تصل إلى الميت، ولا يؤجر القارئ والسامع، ويخاف على من أصر على هذه البدع وجعلها له عادةً أن يحرم عند الموت الخير والشهادة. ومن البدع المخالفة للسنة والكتاب، القراءة بين يدي الجنازة، وفي الأسواق، وعلى الأبواب، وكذلك الجهر بالقراءة في الطريق، والحمام، وفي مجالس الفُسَّاق، وعند قومٍ لا يستمعون كلام الواحد الخلاق. وأكثر ما يقال في هذا الكتاب (¬٢) هو من البدع المستجدة مما شاهدناه، وما شَهِدنا إلا بما علمنا، والزمان باقٍ والتكليف قائم، وأيُّ قرنٍ أو عصرٍ يخلو بلا بدع؟ وقد قال ﷺ لأصحابه: «من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا» (¬٣). وقال: «المتمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر مئة شهيد» (¬٤).
وفي حديث آخر: «يأتي على أمتي زمان يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر» (¬١). وقال عبد الله بن مسعود ﵁: كيف أنتم إذا ظهرت فيكم البدع، وعمل بها حتى يربُو فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، ويسلم فيها الأعاجم، حتى يعمل الرجل بالسنة فيقال بدعة. قالوا: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثرت أمراؤكم وقلت أمناؤكم، وكثرت قراؤكم، وقلت فقهاؤكم، وتفقه لغير الدين، وأبيعت الدنيا بعمل الآخرة (¬٢). فيجب على المسلم أن يتبرأ من أصحاب البدع؛ لأن النبي ﷺ تبرأ منهم. قال يونسُ بن عبد الأعلى: قلت للشافعيِّ: إنَّ الليث بن سعد يقول: لو رأيتُ صاحبَ بدعة يمشي على الماء ما قَبِلته. فقال الشافعي: قَصَّرَ، لو رأيتُه يمشي على الهواء ما قَبِلته (¬٣).
وقال الشيخ أبو مدين (¬١) ﵃ أجمعين: مخالطة أهل البدع تُميت القلب؛ من كان فيه أدنى بدعة، احذر مجالسته لكي لا يعود شؤمها عليك ولو بعد حين. وقال ﷺ لبعض أصحابه: «لا تصحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقيٌّ» (¬٢). وأهل البدع هم أشقياء لا أتقياء، فسيندم من صحبهم يوم القيامة ندمًا طويلًا، ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧]. وقال ﷺ: «يموت المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (¬٣). وفي حديث آخر: «إذا أراد الله بعبد خيرًا رزقه الله جليسًا صالحًا، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه» (¬٤).
المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» (¬٣). وفي حديث آخر: «إذا أراد الله بعبد خيرًا رزقه الله جليسًا صالحًا، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه» (¬٤).
والآدمي ضعيف، ويصحب شيطانًا من شياطين الإنس، فيزين له القبيح ظاهرًا، وشيطان الجن باطنًا، فيوقعانه في البدع والمخالفة، فيبعده الله من رحمته فتهلك هذه النفس الخبيثة التالفة؛ لأن النفس خبيثة، ثقيلة. ولذلك يعصي الله تعالى ويخالف أوامره الجليلة، فيصحب ثقيلًا آخر، فتصير نفسه فاجرة، وينسى الله تعالى والدار الآخرة. قال بعض العلماء: اطلعت على ثمانية آلاف عيب في نفس ابن آدم، فهي مأوى كل شرٍّ، مشُومة (¬١) في الطاعة، فكيف إذا عصت؟ كثيرة الخداع والتلون، تفرحك بالطاعة في أول النهار، وتحزنك بالمعصية في آخره، تراها في وقت رجعت إلى الله تعالى تائبةً، وفي وقت قد أعرضت مدبرةً هاربةً؛ كثيرة الألوان، أكثر تلونًا من حرباء. وأروغ من ثعلب، وأنوم من فهد، وأدْخَس (¬٢) من حمار، هذا بعض صفاتها، ولا يعلم حقيقتها إلا الله تعالى الواحد القهار، خالقها وموجدها (¬٣). وقد أخبر عنها بقوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]. تجرها للطاعة تجرك للمعصية، تحب ما يبغضه الله تعالى وتكره ما يحبه الله، وهي قرينة الشيطان؛ تتكاسل في الطاعة، وتسارع في العصيان. تراها في الشبع كالسبع الكثيف، وفي الجوع كالطفل الضعيف. وفي الغضب مثل الملوك والجبابرة. وفي الشهوة مثل البهيمة، وفي الخوف مثل الهرة، وفي الأمن مثل النمر والأسد. ومن سوء عادتها تخاف الفقر ولا تخاف الله تعالى وأليم عذابه، وهي مسخرة
بابرة. وفي الشهوة مثل البهيمة، وفي الخوف مثل الهرة، وفي الأمن مثل النمر والأسد. ومن سوء عادتها تخاف الفقر ولا تخاف الله تعالى وأليم عذابه، وهي مسخرة
للشيطان (¬١)، ولها أعوانٌ وأنصار؛ مثل الدنيا وزهرتها والهوى والشيطان. ولكل واحد من أعوانها جنود ووفود، وخيل وحشم من زينة الحياة الدنيا؛ مثل كثرة النوم والأكل والضحك وحكايات أبناء الدنيا وسلاطينها، وأفعال عشاقها وشياطينها، وحب الغنى والدنيا والكبر، والحسد والغيبة والنميمة، والعداوة والمدح لهذه النفس اللئيمة (¬٢)، وارتكاب المعاصي والملاهي، والاشتغال بكل ما لا يعنيها، وبجمع المال، وطول الأمل، والتهاون في صالح العمل، والأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، وقلة الحياء من المولى الرؤوف، والتمنِّي والغرور، واللهو والسرور، وشهادة الزور، ونسيان الموت والقيامة والنشور، والعادات (¬٣) والتجارات، وتحسين القبيح، وهتك الستر، ومجاوزة الحدِّ، وإنكار الحق، وتعظيم أبناء الدنيا، وتحقير أبناء الآخرة. هذه الأشياء من بعض صفات النفس الأمارة بالسوء. فمن أراد الله تعالى له بخير بصره بعيوبها، وأعانه على تسخيرها، ومعرفة مكايدها، فيلجمها بلجام الورع والتقوى، ويقيدها بسلاسل الذل والانكسار، وتكليفات الشرع، واتباع النبي المختار ﷺ آناء الليل وأطراف النهار، ويسلط عليها الجوع والعطش والسهر، ويخالفها في كل شيء إلا في الطاعة. ويقتلها بسيف المجاهدة لكي يحيي الله تعالى قلبه بالمشاهدة، ويذمها في جميع أحوالها، ولا يغفل أبدًا عن تأديبها ورياضتها إلى الموت؛ فإنها مشومة إذا أقبلت، فكيف إذا أدبرت؟ ويجعل العقل عقالها والشرع سجنها، والعبادة سجانها، وذكر الموت طعامها وشرابها، وبعد هذا الاحتياط يتضرع العبد المسكين إلى خالقها وموجدها أن يعيذه من كيدها وسوء عاداتها، وغلبتها على عقله. ومثل العقل والنفس كمثل عدوين، وبيد كل واحد منهما سيف مجرد ينتظر غفلة صاحبه ليقتله، ومَن غُلب سُلب.
وقد تقدَّم أن من قتل نفسه بسيف المجاهدة أحيى الله تعالى قلبه بالمشاهدة، فينجو من شرها وكيدها وخداعها. قال الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢]، والظلم عليها منعها من الشهوات الفاسدة، واللذات الفانية، والأماني الباطلة، والآمال الكاذبة، وحب العلو والشرف والمال، ويكرهها على اتباع الكتاب والسنة، ويحرضها على ذكر الموت وحب الآخرة، ويخاف من مكرها في الزهد والعبادة. فإن خداعها في الطاعة أكثر من المعصية. وإن لها في الطاعات لشربًا وعيشًا طيبًا، أحب إليها من ركوب المعاصي؛ مثل تزيين الطاعة، ورؤية العبادة، وقيمة العمل، والرياء والنفاق، وحب إقبال الخلق والزيارة (¬١)، وتقبيل اليد والتبرك، وحسن الصيت، وثناء الخلق، ورغبة الملوك، وتردد أبناء الدنيا، وحضور السماع، وتخريق الخرق والتصنع، وإظهار الصوم والصلاة، وقلة الأكل لرؤية الناس، والبكاء الكاذب، وتحريك الشفة، والإشارة بالعين، والتخشع بلا خشوع القلب، ورؤيا المنامات، ولبس المرقعات، والمؤاخاة (¬٢)، والحكم على الماضي والمستقبل، والمبالغة في الطاعات عند رؤية العاجزين؛ وإذا خلا توانى في خدمة رب العالمين، والترفع والتصدر في المجالس، وأن يقام بين يديه وهو جالس وكثرة أصحاب الإرادة، وأكل الأطعمة اللذيذة. ويرضى في حالِهِ بنطِّه (¬٣) في السَّماع؛ بحضور المردان، ونظارة النسوان. ونعوذ بالله من شر النفس والشيطان؛ لأن هذه الأشياء في الحقيقة أشر من شرب الخمر.
رضى في حالِهِ بنطِّه (¬٣) في السَّماع؛ بحضور المردان، ونظارة النسوان. ونعوذ بالله من شر النفس والشيطان؛ لأن هذه الأشياء في الحقيقة أشر من شرب الخمر.
فأفق من سكرتك أيها الإنسان، واعلم أن أهل السماع نزهوه عن حضور الفسقة والنسوان (¬١) والمردان. وشرطوا له المكان والإمكان والإخوان، وجميع هذه الأقوال والأفعال ليس لها أصل في الشرع، وما أنزل الله بها من سلطان. فلا تستبدل الهوى بالضلالة، والطاعة بالمعاصي والخسران، ونعوذ بالله العظيم من مكابرة العقول، ومخالفة المنقول، ومن تسويل النفس والشيطان. فانظر رحمك الله تعالى إلى بعض أوصاف النفس الأمارة، ومن أصلح الله نفسه لا يفعل شيئًا يكرهه الشرع، ولا يختاره، ولا يسعى في رضى نفسه، ويخالف نبيه ﵇ وأخباره (¬٢)، فمن أرضى نفسه أسخط خالقه؛ لرضاه عنها مع فعلها الأشياء التي هي غير لائقة. ثم اعلم رحمك الله أن أصل كل معصية وغفلة وشهوة الرضا عن النفس، وأصل كل طاعة وعفة ويقظة عدم الرضا منك عنها؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]؛ ولأن يصحب الإنسان جاهلًا لا يرضى عن نفسه، خيرٌ له من أن يصحب عالمًا يرضى عن نفسه. وأي جهل لعبد لا يرضى عن نفسه؟ وأي علم لعالم يرضى عن نفسه؟ اخرجْ -رحمك الله تعالى- من أوصاف البشرية، عن كل وصف يناقض العبودية لتكون لنداء الحق مجيبًا، من حضرته قريبًا، أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود، عادِ نفسك وودَّني (¬٣). وينبغي أن لا يركن المؤمن لنفسه أبدًا على طول المدى، ولا يغتر بصيامها وقيامها وتكمشها. فهي كالحية إذا أرادت أن تلسع أحدًا تكمشت. فعدوك معك، فكن على حذر، اسأل الله تعالى اللطف في القضاء والقدر، فليس على العبد المؤمن أضر من نفسه، تراه يجتهدُ في خدمتها
أرادت أن تلسع أحدًا تكمشت. فعدوك معك، فكن على حذر، اسأل الله تعالى اللطف في القضاء والقدر، فليس على العبد المؤمن أضر من نفسه، تراه يجتهدُ في خدمتها
وتشهِّيها في المأكل والملبس، ومن كل ما تريد؛ مع علمه لمخالفتها للمولى المجيد، أرأيت أحدًا يسمِّن عدوه؟ أما سمعت قوله ﷺ: «إن الله يبغض الحبر السمين» (¬١). نرجع إلى مقصود الكتاب وهو ما ابتدع في القرآن من التطريب والألحان؛ لأنه يشبه الغناء. قال الله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]، يعني فصِّله تفصيلًا وبيِّنه تبيينًا، وقد روي أن قراءة سيدنا رسول الله ﷺ كانت مرتلة مبينة حرفًا حرفًا (¬٢). وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون القراءة بتطريب، وكانوا إذا قرءوا القرآن قرؤوه حذرًا، مرتلًا، وبحزن (¬٣). وقال عبد الله بن عمر: يقال للقارئ يوم القيامة: اقرأ وارق ورتل كما
كنت ترتل في الدنيا (¬١). وقال حذيفة ﵃ أجمعين: إذا قرأتم القرآن فاقرؤوه بحزن، ولا تجفوا عنه، وتعاهدوه، ورتلوه ترتيلًا (¬٢). وقال محمد بن سيرين: أصوات القرآن محدثة (¬٣). وقال أبو داود: سمعتُ رسول الله ﷺ يتخوَّف على أمته قومًا يتخذون
جفوا عنه، وتعاهدوه، ورتلوه ترتيلًا (¬٢). وقال محمد بن سيرين: أصوات القرآن محدثة (¬٣). وقال أبو داود: سمعتُ رسول الله ﷺ يتخوَّف على أمته قومًا يتخذون
القرآن مزامير، يقدِّمون الرجلَ يؤمهم، ليس بأفقههم، ليس إلا ليغنِّيهم (¬١). وقال سليمان: خطبنا علي ﵁ فذكر خطبة له طويلة وذكر فيها فتنة وقال فيها: تضيع حقوق الرحمن، ويتغنَّى بالقرآن ذو الطرب والألحان (¬٢). فهذه الأشياء ابتدعوها وما أنزل الله بها من سلطان. فالتالي منهم والسامع لا يقصدون فهم معانيه. من أمر، أو نهى، أو وعد ووعيد، وما يخوفهم ويقربهم للمولى المجيد. بل يقصدون اللذة والطرب، والنغمات والألحان كنقر الأوتار، وأصوات المزامير، وبالله المستعان. وأولياء الله تعالى يسمعون كلام الله سبحانه بالتدبر، والخشوع، والخوف، والوجل، لكي يؤجروا، وليرزقهم الله سبحانه حسن الخاتمة عند فروغ الأجل. قال ربُّ الأرباب: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، وقال الواحد المنان: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ﴾ [محمد: ٢٤]. وقال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]. وهذه الآيات تمنع أن يقرأ الإنسان بما يشبه الأغاني المطربة، والألحان؛ لأن ذلك يثمر ضد (¬٣)
الخشوع والخوف والوجل، وكذلك قوله تعالى: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣]، بكوا لما عرفوا من معانيه، لا من نغمات القارئ، وإياك أن تغتر بقوله ﷺ: «ليس منَّا من لم يتغن بالقرآن» (¬١). تفسيره: الاستغناء. هكذا رواه البخاري. وقال سفيان (¬٢)، وأبو عبيدة (¬٣): وهو من الاستغناء يستغنى به. وكذا جاء في اللغة، وإنه لكنز عظيم، يغني صاحبه يوم القيامة غنى لا فقر بعده، وينجيه من عذابٍ أليم. وقال ﷺ: «حسنوا أصواتكم بالقرآن» (¬٤). وتفسيره: إقرؤوه ترتيلًا (¬٥) مبينًا، بلا زيادة ولا نقصان. وهذا لا حجة فيه لمن يقول بالنغمات والألحان، فيستحب تحسين الصوت وهو الترتيل والخوف والتحرز مما تقدم ذكره؛ لما روي قال: سئل أنس: كيف كانت قراءة النبي ﷺ؟ فقال: كان يمد مدًّا. ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يمد
باسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم (¬١). فيجب على القارئ أن يتبع هذا النبي الكريم، ويقرأ بالترتيل والتعظيم، ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويؤمن بمتشابهه. قال بعض أهل العلم والصلاح: والله ما آمن بالقرآن من استحل محارمه (¬٢). وقال الحسن البصري: لقد قرأ هذا القرآنَ عبيدٌ وصبيان لا علم لهم بتأويله، وحفظوا حروفه، وأضاعوا حدوده. يقول أحدهم: لقد قرأت القرآن كله ما وَضَعتُ منه حرفًا واحدًا. ولقد وضعه كلَّه، والله ما هو بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]. وإقامتها: فهم معانيها، والعمل بما فيها. فمَثَل من يقرأ القرآن ولم يفهم معانيه، ولا يعمل بما فيه، كمثل حمار يحمل أسفارًا (¬٣).
ِّكُمْ﴾ [المائدة: ٦٨]. وإقامتها: فهم معانيها، والعمل بما فيها. فمَثَل من يقرأ القرآن ولم يفهم معانيه، ولا يعمل بما فيه، كمثل حمار يحمل أسفارًا (¬٣).
وقراءة آية يتدبرها الإنسان ويعمل بها، خير له من قراءة ختمة بغير تدبر ولا عمل، وقد شبه الواحد القهار هذا القارئ وأمثاله بالحمار الذي يحمل على ظهره الكتب والأسفار. قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]. ونسأل الله سبحانه أن لا يجعلنا ممن رضي بالعلم دون العمل، وبالقول دون الفعل. فالعلم بغير عمل كقوس حسن بغير وتر، أو كسحاب كثير بغير مطر، أو كشجر غزير بغير ثمر. والقول بغير فعل أشد بلاءً، وصاحبه على خطر. ونسأل الله تعالى اللطف فيما قدره، وأن يجعلنا ممن ينزجر بزواجر القرآن ويتبع أوامره. فالنفوس قد ترامت على البدع، وهي عن السنة نافرة، والقلوب غافلة غير حاضرة، والأعين لا تعتبر، وللحرام ناظرة، والألسن قد شغلت بكلام الدنيا وعيوب أهلها، وليست بذاكرة، والأبدان لا شاكرة ولا صابرة، ولا عاملة على رضى مَنْ هي إليه صائرة. فالأذن لا تسمع، والقلب لا يخشع، والعين لا تدمع، والبطن لا تشبع، والسلعة بائرة، والأحوال قد حرمت الاستقامة؛ وهي حائرةٌ. وكذلك الأفعال والأقوال قد خالفت السنة المباركة الطاهرة، ونسأل الله العظيم الاستقامة والخاتمة بقدرته القاهرة، وما ذلك بعزيز على من يحيي العظام الداثرة. ثم اعلم بأن فضل القرآن ومن تعلمه، وعلمه بغير منة ولا ملالة، لا يعلمه إلا الله سبحانه. قال ﷺ: «خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه» (¬١). وفي
لعظام الداثرة. ثم اعلم بأن فضل القرآن ومن تعلمه، وعلمه بغير منة ولا ملالة، لا يعلمه إلا الله سبحانه. قال ﷺ: «خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه» (¬١). وفي
حديث آخر: «فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه» (¬١). وهو حبل الله المتين لا تنقضي عجائبه، ولا تحصى غرائبه: من قال به صدق، ومن عمل به أجر. ومن حكم به عدل، ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم، ومن سنة القراءة أن يكون عزم القارئ إيناس وحشة البلوى، وجلاء كربة الدنيا، والشوق للقاء المولى، ومعرفة أحكام العبودية، وضبط آداب الخدمة، فمن قرأه كذلك كان إمامه وشفيعه وحجة له، ومن أعرض عن هذه المواجب وتركه خلفه ساقه إلى النار؛ وكان حجة عليه يوم يوقفه الحق بين يديه؛ لأن القرآن العظيم لم ينزل إلا لتدبر آياته ومعانيه، والعمل بجميع ما فيه. قال قتادة ﵁: لم يجالس هذا القرآن أحدٌ إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، قضى الله قضاءً: جعله شفاء ورحمة للمؤمنين، ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا (¬٢). وفي الحديث: «إن الماهر بالقرآن مع الكرام البررة، ومن قرأه وهو عليه شاق فله أجران» (¬٣) وَ: «مَنْ استظْهَرَ القرآنَ منزلتُه في أعلى الجِنان،
ويخَفَّف عن والديه العذابُ، ولو كانا مشركينَ» (¬١). ومن السنة أن يميز القارئ من بين أشكاله وأمثاله وأخلاقه وأفعاله، بحمل الأذى وترك الردى، ووجود الراحة. وكان القارئ يعرف بين الصحابة بصفرة لونه، ونحول جسمه، وكثرة بكائه، يبكي إذا الناس يضحكون، ويحزن إذا الناس يفرحون، ويصوم إذا الناس يفطرون، للناس حالٌ وله حالٌ (¬٢). ومن أدب القراءة أن يتخلَّل القارئ ويستاك، ويتجمل بثيابه ويتطيب، ويستقبل القبلة، ولا يقرأ متكئًا ولا مستندًا، ولا ممدود الرجل، ويمسك عن القراءة إذا تثاءب، وإذا بدأ بقراءة سورة لم يقطعها حتى يختمها، ولتكن أطرافه وسماعه عند القراءة ساكنة، لا يضرب فخذه، ولا يمزق ثوبه، ولا
يصيح، ولا يلطم خده؛ فقد كانت الصحابة أخشع الناس قلوبًا، وأرق أفئدة، ولم ينقل عنهم أنهم فعلوا شيئًا من ذلك. وليفرغ القارئ قلبه ليتدبر آياته، وللوقوف على معانيه، ويرى كأنه يتلى عليه الوحي، أو كأنه سمعه من رب العالمين كفاحًا، أو يقرؤه على حال من يراه الله تعالى. فإن لم تكن تراه فإنه يراك. ليكن القارئ طاهرًا من الحدث، ويزين القرآن بصوته، فإن حلية القرآن الصوت الحسن، وحسنه أن يرى السامع له أنه يخشى الله تعالى بغير زيادة حرف ولا نقصان حرف؛ لكي لا يخرج عن سنة النبي ﷺ، وهو بإجماع المسلمين حرام. ويقرأ بحزن ووجد، فإن لم يكن له حزن فليتشبه بالحزين وبالباكي؛ قال المولى: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، وقال ﷺ: «يا أيها الناس ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا» (¬١)، أمرهم بالتشبه لأن من تشبه بقومٍ حشر معهم، وكذلك قال ﷺ: «من تشبه بغيرنا فليس منا» (¬٢). ويجتنب الإنسان أصوات الفسقة الذين يحرفون القرآن، ويدخلون فيه الزيادة والنقصان؛ لأن ذلك فتنة على القارئ والسامع، ولا يصل إلى الميت. ويستعيذ القارئ بالله تعالى أن لا يلقى في قراءته شرًّا وفتنة. ثم يستعيذ من الشيطان الرجيم، ثم يسمي الله تعالى ويستعين به على حفظ معانيه،
ورعاية حقوقه، والقيام بموجبه، ولا يرفع صوته جدًّا، وخفض الصوت أولى لخشوع القلب، ولجمع السِّر والعقل، ولبعد الرِّياء والسُّمعة. وقد ورد في الحديث الصحيح: «المُسِرُّ بالقرآن كالمُسرِّ بالصدقة» (¬١). وروي أنَّ صدقة السِّر تضاعف على صدقة العلانية بسبعين ضعفًا (¬٢). فإن لم يخف الرِّياء والسُّمعة فالجهر أفضل عند بعضهم بشرط (¬٣) أن لا يؤذي غيره من مصلٍّ أو نائم، أو طائف. واستدل بأن الجهر أكثر عملًا؛ ولأنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همه وسمعه إليه، ويطرد نومه وينشطه، ويوقظ غيره من نائم وغافل متى حصل في النية هذا وأمثاله، فالجهر أفضل، ويسأل الله تعالى عند آية الرحمة، ويتعوذ به عند آية العذاب، ويسبح الله تعالى عند ذكر جلاله وعظمته وكبريائه؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك (¬٤).
لجهر أفضل، ويسأل الله تعالى عند آية الرحمة، ويتعوذ به عند آية العذاب، ويسبح الله تعالى عند ذكر جلاله وعظمته وكبريائه؛ لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك (¬٤).
ويعرب القرآن؛ ففي الحديث: «من أعرب القرآن كان له بكل حرف عشر حسنات» (¬١). وإعرابُه: أن يبين حروفه، ويفصل بين الكلمات، ولا يبهمه، وله أن يكرر بعض الآي لتحريك فكره لفهم معانيه، وتنبيه قلبه لاقتباس أنواره، فقد كان النبي ﷺ يكرر آية واحدة في ليلته (¬٢). ومن السنة أن يتعاهد القرآن لكي لا ينساه (¬٣). وقيل: ما نسى المؤمن شيئًا من القرآن إلا بذنبٍ جناه؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن. قال ﷺ: «عرضتْ عليَّ ذنوب أمتي فلم أر فيها شيئًا أعظم ممن حفظ القرآن ثم نسيه» (¬٤).
وفي حديث آخر: «من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله تعالى يوم القيامة أجذم» (¬١). واسمع قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٥ - ١٢٦] (¬٢). ومن البدعة ما يعمل عند القرآن من الحركة والتخبط والاضطراب وضرب الصدر، وجر اللحية، وتخريق الثياب. لا يفعله العقلاء ولا أولوا الألباب لمخالفة السنة والكتاب. قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ الله﴾ [الحشر: ٢١]. أي: ذليلًا خاضعًا متضرعًا (¬٣)، أي: خائفًا. وقال المولى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. فلين القلب بالمحبة والأشواق. ولين الجسد بالطاعة والإنفاق (¬٤). والاقشعرار (¬٥) هو شيء يحرك القلب فيصل تأثيره إلى الجلود، وهو
ْرِ اللهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. فلين القلب بالمحبة والأشواق. ولين الجسد بالطاعة والإنفاق (¬٤). والاقشعرار (¬٥) هو شيء يحرك القلب فيصل تأثيره إلى الجلود، وهو
خدمة الملك المعبود، فيضطرب الجسد من الخوف. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]. قال العلماء: حقيقة الوجل سكون الجوارح من خوف الله، وهو أن يدخل القلب من أنوار الذكر، فتندرج فيه الأعضاء والجوارح، وتسكن في خلو ذلك النور، فلا يحس جليسه باضطرابه، وهكذا كانت الصحابة عند سماع القرآن، وكذلك التابعون لهم بإحسان. وافهم قول عرباض بن سارية، قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظةً بليغة، زَرَفَتْ منها العيون، ووجلت منها القلوب (¬١). ولم يقل: صرخنا من موعظته، ولا رقصنا، ولا ضربنا بأيدينا، ولا بصدورنا، ولا شققنا ثيابنا، ولا جبذنا لحانا، ولا أطرقنا برؤوسنا؛ لأن الخشوع هو في القلب، لا في الرأس. فمن تخشع بقالبه دون قلبه، هو منافق لا موافق. قال أبو الدرداء ﵁: تعوذوا بالله من خشوع النفاق. قالوا: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يخشع الجسد والقلب ليس بخاشع (¬٢). كما يفعله الجاهلون والمبتدعون، فيصرخون عند المواعظ وقراءة القرآن، ويتخبطون ويتغاشون، وهذه الأشياء وما يقربها من الشيطان.
وصح في الحديث أن للموسوسين شيطانًا يضحك بهم، يقال له الولهان (¬١). روي أن ابن عمر ﵄ مر برجل من أهل العراق وهو ساقط. فقال: ما بال هذا؟ فقالوا: إنه إذا سمع القرآن وذكر الله سقط. فقال ابن عمر: إنا لنخشى الله ولا نسقط. ثم قال: إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم، ما كان هذا صُنع (¬٢) أصحاب رسول الله ﷺ (¬٣). فلو كان هذا حقًّا أو يثاب فاعله، لشاع في السابقين المتشرعين؛ كما فشا في المتأخرين المبتدعين: فقد علمت أن قراءة القرآن بالتدبر والتفكر والخشوع، مع سكون الجوارح والأركان، يورث القارئ رضى الرحمن، والفوز بالجنان. ولا تكن من الخارجين فتسقط من عين رب العالمين. وانظر ماذا مَنَّ الله عليك به بقدرته القاهرة بأن ورثك كنزًا من كنوز الآخرة. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢]. فإذا فرح المغرور بما ورث من درهم ودينار، افرح أنت بما ورثك الله
تعالى من الآيات والأذكار، واقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]. فافرح أيها المملوكُ بهدايا الملوك، وقل: ما آتاني الله خير مما آتاكم. أعطاهم شيئًا فانيًا، وخصك بما يبقى. ثم اعلم بأن الله تعالى شبه القرآن العظيم بالميراث؛ ألا ترى أن بعضهم يرث من ميته جميع ماله، ومنهم من يرث النصف، ومنهم من يأخذ الربع، وآخر نصيبه الثلث، ومنهم من يرث السدس، وآخر يأخذ الشيء اليسير، وبذلك كله حكم المولى القدير، ومنهم من لا يأخذ شيئًا. كذلك القرآن العظيم؛ فلو تعلم القارئ أحكام القرآن ما وقع في ظلمات الجهل وكان حبيب الباري. فإن احتج أحدٌ من هؤلاء المبتدعين الذين يتواجدون (¬١) عند ذكر الله تعالى وتلاوة كتابه؛ فيقومون ويصرخون ويتمايلون أو يرقصون بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [السجدة: ١٩١]، يقال لهم: جهلتم تفسير الآية، ليس هذا الدليل يرضي المولى الجليل. وتفسيرها قوله ﷺ لعمران بن حصين، وكان به بواسير فسأل النبي ﷺ فقال: «صلِّ
لسجدة: ١٩١]، يقال لهم: جهلتم تفسير الآية، ليس هذا الدليل يرضي المولى الجليل. وتفسيرها قوله ﷺ لعمران بن حصين، وكان به بواسير فسأل النبي ﷺ فقال: «صلِّ
قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» (¬١). فإن قالوا: حال يعترينا. يقال لهم: الحال ينقسم إلى قسمين: حال رباني وحال شيطاني، ولكل منهما قرينة. فأما الحال الرباني فاستغراق الشخص الإنساني، وغيابه في شهود المعاني، بحيث لا يعرف القاصي من الداني، ولا يظهر منه ما يخالف الشرع، وقواعد المباني (¬٢). وأما الحال الشيطاني فإنه يظهر التخبط والرقص، وما تقدم ذكره من الهذيان والدعاوي وهو واعي. وكذلك التواجد على النغمات والألحان، هو استماع معلول؛ لأنه استمع على الصوت المطرب، لا على حقيقة القول، وهذا يدل على فراغ القلب من خوف الله تعالى، وفيه أيضًا تشبه بالكفرة، ولم ينقل مثل هذا عن السادة البررة. قال الله تعالى في صفة أعدائه: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]. قال علماء التفسير: كانوا يطوفون بالكعبة ويصفقون ويرقصون (¬٣).
﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]. قال علماء التفسير: كانوا يطوفون بالكعبة ويصفقون ويرقصون (¬٣).
ويخاف على من خرج عن طريق النبي المختار، والصحابة الأخيار، وتشبه بالكفار أن يلقى معهم في النار. ومثل أحدهم كالكوز الفارغ الذي يتدحرج يمينًا وشمالًا فارغًا من التقوى والورع والإخلاص. ولو كان هذا ملآن لكان ثابت الأركان، فقد تبين أن هذه الأشياء ما هي من صفات الخائفين، ولا طريق عباد الله الصالحين. قال بهز بن حكيم: صليت خلف زرارة بن أوفى فقرأ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] فخر ميتًا، فكنت ممن حمله إلى منزله (¬١). وسمع عمر بن الخطاب ﵁ آيةً من رجل يقرؤها، فخر مغشيًّا عليه، ومرض شهرًا (¬٢). فهذه صفة الأولياء لما كانت القلوب واعيةً أثَّر فيها القرآن. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]. أي قلب واعٍ (¬٣)، فاسلك مسالكهم، وانهج مناهجهم، والق عصاك فهذا جانب الوادي. فإن قال قائل: من أين لي اللحوق بهؤلاء الأقوياء وأنا ضعيف، يقال له: فلا تخرج عن طريقهم تقع وتقوم وأنت تقفو الأثر. فتلحق بهم كما جاء في الخبر؛ وهو قول بعض الصحابة: يا رسول الله إنا نحب القومَ ولمَّا
نلحق بهم. قال: «المرء مع من أحب» (¬١). فإن قالوا: إن هذا الأمر قد شاع بين العباد في جميع الأماكن والبلاد! جوابُه: شيوع البدع وانتشارها، وقلة إنكارها لا يدل على جوازها، كما أن كتمها لا يدل على منعها، ألا ترى أن إسبال الثوب للرجل تحت الكعبين حرام، وقد شاعَ في جميع بلاد الإسلام، وكذلك الطيلسان بغير عذرٍ يكره لكلِّ إنسان (¬٢).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومثل هذه البدعة كثير، لا يحتمله هذا المختصر فلا يحتج به ولا يعتبر. عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: إذا وافق ختم القرآن أول الليل صلت الملائكة عليه حتى يصبح، وإن وافق ختمه آخر الليل صلَّت
عليه الملائكة حتى يمسي (¬١). وكان أنس بن مالك ﵁ إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا (¬٢). وروي في «الصحيح»: أن الرحمة تنزل عند خاتمة القرآن (¬٣)؛ فيستحب (¬٤) الدعاء عَقِيب الختم استحبابًا (¬٥) مؤكدًا. وروي أنَّ مَنْ قرأ القرآنَ ثم دعا أمَّن على دعائه أربعةُ ألف ملك (¬٦). وينبغي أن يلح في الدعاء بالأمور المهمة من مصالح الدنيا والآخرة له وللمسلمين. ويستحب إذا فرغ من الختم شرع في أخرى متصلًا؛ لما جاء في
الحديث: «إن خير الأعمال الحل والرحلة». قيل: وما هما؟ قال: «افتتاح القرآن وختمه» (¬١). ومن حصل له التدبر والفكر، وجمع القلب بقراءته من حفظه فهو أفضل من قراءته في المصحف بغير تدبر وجمع. وإن حصل ما تقدم ذكره من جمع القلب والتدبر في قراءته من المصحف فهو أفضل، وإن استويا فالقراءة من المصحف أفضل. قال السيد الجليل صاحب الكرامات والمواهب والمعارف إبراهيم الخوَّاص ﵁: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين (¬٢).
فصل فيما يُبتدع من السماع والذي يحصل بسببه الخير والانتفاع (¬١) أما ما يبتدع من السماع، فقد انتشر في جميع الأقطار، فترى أهله يتواجدون على سماع الأشعار، ويطربون على ذكر الخدِّ والقدِّ والعِذَار (¬٢)، ويرقصون على ضرب الكفِّ والقُضُبِ (¬٣) والطَّار (¬٤). فتُضَرُّ المساجد والزوايا لنَطِّهم، وتتلاشى الحُصُرُ وينكسر البلاط والأحجار، فيخرجون بقولهم وفعلهم عن طريق النبي المختار، والصحابة الأخيار والتابعين الأبرار.
المساجد والزوايا لنَطِّهم، وتتلاشى الحُصُرُ وينكسر البلاط والأحجار، فيخرجون بقولهم وفعلهم عن طريق النبي المختار، والصحابة الأخيار والتابعين الأبرار.
وقد حرم هذا السماع أبو حنيفة، وأحمد، ومالك (¬١)، فلا تلق نفسك أيها الراقص في البدعة والمهالك فتهلك هذه النفس المسكينة لخراب المساجد، ولخروجها عن طريق صاحب المعجزات والسكينة. وقال الشافعي في كتاب «أدب القضاء»: إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل والمحال. من استكثر منه فهو سفيه. وقال أيضًا: أكره من جهة الخبر اللعب بالنَّرْد، ولا أحب اللعب بالشطرنج، وأكره كل ما يلعب به الناس؛ لأن اللعب ليس من صنعة أهل الدين ولا المروءة (¬٢). وكان ﵁ يكره الطقطقة بالقضيب ويقول: وضعته الزنادقة، واشتغلوا به عن القرآن (¬٣).
وقد ذمَّ الله تعالى قومًا اتخذوا دينهم لهوًا ولعبًا، ولقد أحسن مَنْ قال: النَّقرُ بالطَّار والتشبيب بالقصب … شيئان قد عُرفا للهو واللعب والمطربون فلا تسمع لقولهم … فالشرع قد حرَّم الإصغاء للطرب إن حركوا الطَّار أمسوا يرقصون له … شِبْهَ الذباب، ألا سُحقًا لمرتكب قوم لقد أحدثوا في ديننا بدعًا … وخالفوا الحقَّ دين الهاشمي العربي تبًّا لمن أحدثوا في الدين وابتدعوا … ما ليس منه بلا علم ولا أدب ويدعي الصدق في التصويف جاهلهم … ويربط الناس بالبهتان والكذب يا مدعي الزور يا شر الورى خَلَفًا … هل أنزل الله نقر الطار في الكتب أو أرسل الله صدِّيقًا بطقطقة … على الوسادة إنْ تابعتهم تخب ما صفَّق القوم يومًا، لا ولا رقصوا … وما لهم في الغنا والرقص من أرب بل كان القوم في خوفٍ وفي وجل … ما بين باكٍ وأوَّاهٍ ومنتحِب فاتَّبِع القومَ أيها العابدُ لتحشر معهم (¬١)، وتنجوَ من الكرب
لهم في الغنا والرقص من أرب بل كان القوم في خوفٍ وفي وجل … ما بين باكٍ وأوَّاهٍ ومنتحِب فاتَّبِع القومَ أيها العابدُ لتحشر معهم (¬١)، وتنجوَ من الكرب
والشدائد واجتنب الأكل الزائد، ودع النطَّ والتمايل والتواجد، ولا تخرب بنطِّك الزوايا والمساجد. واعلم أن طريق الآخرة لا تنقطع بالنطِّ، وقد ندب الحق تعالى عباده إلى الدخول في طريق توصلهم إليه، بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ وحذَّر عن الانقطاع عنه بالدخول في طريق الأهواء والبدع، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلكم وصَّاكم به﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقد بين ﷺ الصراط المستقيم بقوله: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور» (¬١). وهذه الأشياء بدعة مخالفة لسنة النبي ﷺ وسنة صحابته، وسنة السلف الصالح من أمته، وكل بدعة ضلالة، وشر الأمور محدثاتها؛ لقوله ﷺ في حديثٍ آخر: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (¬٢). وقال ﷺ: «لستُ من دَدٍ، ولا الدَّدُ منِّي» (¬٣). والدد في اللغة والددن والددأ هو اللعب واللهو (¬٤). ولا يقبل في ذلك عذر من اعتذر بأن الحامل على هذه الحالة محبة الله تعالى، وذلك لوجهين؛ أحدهما: من جهة النقل، والثاني: من جهة العقل. أما الأول: فإن الحق سبحانه جعل عنوان محبته في اتباع نبيه ﷺ
فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]. وفي آيةٍ أخرى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. فمن لم يتبع النبي ﷺ في أفعاله وأقواله لا يصح منه دعوى المحبة، فإذا انتفت المحبة الرَّبانية تعيَّن أن تكون هذه الأفعال من حظوظ النفس وتسويل الشيطان وتمويهه؛ لأن علامة المحبة المبادرة إلى طاعة المحبوب، والمسارعة إلى كل ما يرضيه، والتَّحرز من أسباب سخطه. وأمَّا من جهة العقل: فإنَّ أحدهم لو لم يكن محجوبًا بالهوى لاستفتى قلبه، وراجع عقله، ولو فعل لظهر له ببديهة عقله أن هذا الرَّقص الموزون، الموافق لتوقيعات الألحان، وآلات الطرب، ومراعاة التصنع في الحركات، يستقبح من النساء وأهل المجانة، فكيف يستحسن من أهل الزهد والمحبة والدِّيانة. فنعوذ بالله من مكابرة العقول، ومخالفة المنقول. وأما فِعْل ذلك في المساجد فأشدُّ بلاءً؛ لما فيه من إظهار البدعة في بيوت الله تعالى؛ لأن المساجد ما بنيت إلا للصلاة ولذكر الله؛ قال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]، وقد وجب تنزيهها من المباحات كالبيع والشراء، ونشدان الضالة، كما ثبت في الحديث الصحيح، وهو قوله ﷺ لمن يبيع في المسجد: «لا أربح الله تجارتك». ولمن ينشد الضالة: «لا ردَّها الله» (¬١). فتنزيهها من البدع المستنكرة وإعلان المعصية بطريق الأولى.
قوله ﷺ لمن يبيع في المسجد: «لا أربح الله تجارتك». ولمن ينشد الضالة: «لا ردَّها الله» (¬١). فتنزيهها من البدع المستنكرة وإعلان المعصية بطريق الأولى.
وأما فعل ذلك في البيوت فإن كان بإذن أربابها فقد شاركهم الإذن في الإثم وسقط الضمان؛ لما أخربوه (¬١) من السقف والحيطان، وإن كان بغير إذن فحرام انضم إلى حرام، ويجب ضمان الناقص بفعل الراقص. فعليك أيها المؤمن بالسماع، الذي يحصل به الخير والانتفاع، وهو القرآن العظيم، سماع من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين والعارفين. سمع صوفيٌّ قارئًا يقرأ: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨] فاستعادها من القارئ. وقال: كم أقول لها ارجعي ولا ترجع، وصرخ صرخةً خرجت فيها روحه. فانظر إلى قلوب أوليائه، لما كانت واعية أثَّر فيها القرآن، طهَّروا قلوبهم من الأغيار؛ فصلحت لنزول الأنوار، طهِّر المنزلَ لشَرَفِ مَنْ يَنزلُ (¬٢)؛ يقول الله ﷿: «لا يسعني أرضي ولا سمائي، ويسعني قلب عبدي المؤمن» (¬٣). ومن حصل له الساكن، طابت له المساكن، ومن لم تفتح له المنازل رضي بالمزابل، وكان بعضهم يقول: إن بيتًا أنت ساكنه … غير محتاج إلى السُّرُج ومريضًا أنت عائده … قد أتاه الله بالفرج وجهك المأمول حجتنا … يوم يأتي الناس بالحجج وكان الشبلي ينشد على سور عسقلان (¬٤): اطلبوا لأنفسكم … مثل ما وجدت أنا قد (¬٥) وجدت لي سكنًا … ليس يشبه السكنا
المأمول حجتنا … يوم يأتي الناس بالحجج وكان الشبلي ينشد على سور عسقلان (¬٤): اطلبوا لأنفسكم … مثل ما وجدت أنا قد (¬٥) وجدت لي سكنًا … ليس يشبه السكنا
إن دنوت قرَّبني … أو بعدت عنه دنا قال بعض الصالحين: البيت إذا خلا من الساكن خربَ، والقلب إذا خلا من خوف الله خرب. وقد أجمع العلماء والإجماع من أقوى الحجج؛ لقول المبعوث بالرسالة: «لا تجتمع أمَّتى على ضلالة» (¬١) أجمعوا على مدح من يقبل على سماع كتاب الله تعالى وعلى ذم من أعرض عنه، كما يفعله بعض المفتونين وقت اجتماعهم لسماعهم ورقصهم، فيقرأ القارئ العشر فإنْ طوَّله، لوَّحوا له أنْ قَصِّر (¬٢). وبعضهم يصرخ ويقول: طوَّلت علينا. ويقول بعض المخذولين: اقرأ عُشر المسافرين، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. فيا خيبة قوم يستثقلون القرآن، ويستريحون بالرقص والغناء والألحان. هؤلاء والله من حزب الشيطان، ومن أعداء الرحمن؛ قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ» [الزمر: ٢٢]. وقال ﷺ: «من لم يشفه القرآن لا شفاه الله» (¬٣). فهذه قلوب كادها باريها، وهي غافلة غير حاضرة. والويل لمن يجتمع عليه فقر الدنيا وعذاب الآخرة، قال الله سبحانه: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٤٩ - ٥٠]. وقال المولى: ﴿ومن أظلم
خرة، قال الله سبحانه: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ﴾ [المدثر: ٤٩ - ٥٠]. وقال المولى: ﴿ومن أظلم
ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون﴾ [السجدة: ٢٢]. أفٍّ لقوم يعرضون عن كلام الرحمن، ويقبلون ويطربون على مزامير الشيطان، وهذا دليل على الطرد والحرمان، وهذه الأشياء تأتي من حظوظ النفس وتسويل الشيطان؛ لأنه أول من ناح، وأول من غنى. لو اتبع السنة المريد، لانتفع وحصل له ما يريد. وما فاته الوصول، إلا لتضييعه الأصول، وهو طريق الرسول. فإنْ قال أحدهم: إن هذا السماع جعلناه شبكة نصطاد به قلوب الغافلين! (¬١) صدق الشيخ في قوله؛ لأن جماعة منهم جعلوه شبكة لأجل أكل التراث وجمع الحطام؛ موافقة لليهود عليهم اللعنة من الملك العلام قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [التوبة: ٣٤]. وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمة الله عليه في قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]: نزلت في اليهود ومَن كان من فقراء هذا الزمان مُؤْثرًا للسماع بهواه، آكلًا مما حرَّمه مولاه، فهي نزعة يهوديةٌ؛ لأنَّ القوَّالَ يذكُر العشقَ وما هو بعاشق، ويذكر المحبةَ وما هو بمُحبٍّ، والوَجدَ وما هو بمتواجد. فالقوَّال يقول الكذبَ، والمستمعُ سمَّاعٌ له. ومن أكل من الفقراء طعامَ الظَّلَمة حين يُدعَى إلى السَّماع؛ فهو ممن يَصْدُق عليه قوله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] (¬٢). فمن قال: إنا جعلنا السَّماع شبكةً!



