— Bagian 1 · ـ[الحجج الباهرة في إفحام الطائفة الكافرة الفاجرة… —
Disusun dari indeks kitab digital SantriOnline.
Bagian 1
ـ[الحجج الباهرة في إفحام الطائفة الكافرة الفاجرة]ـ المؤلف: جلال الدين محمد بن أسعد الدواني الصديقي المتوفى ٩٢٨ هـ تحقيق ودراسة: د. عبد الله حاج علي منيب الناشر: مكتبة الإمام البخاري الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
- بسم الله الرحمن الرحيم - الحمد لله محكم أحكام الجمهور بمذاهب السنة، رافض حكم بدعة الرفض بأحكام الكتاب والسنة. والصلوات الطيبات على نبيه محمد أشرف المخلوقات من البشر والملك والجن، فصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه مصابيح أهل الجنة في الجنة. أما بعد، فإنه لم ظهر دين الإسلام على الأديان كلها تحقيقا لما وعده الله تعالى بقوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ﴾ ونحو ذلك، امتدت إليه الأبصار فأصابته عيون الحساد.
حتى ظهرت هذه الفرقة المعارضة المسماة بالرافضة على رأس المائة الرابعة من خلافة بني العباس، فأحدثت فيه أقوالا. بعضها مبني على الكذب الظاهر. وبعضها مبني على التأويل الفاسد. وبعضها مبني على السخرية والضحك ونحو ذلك. وكان الأولى أن نعاملهم بالإهمال بأن نضرب عنهم الذكر صفحا بعدم الرد عليهم، كمعاملة أعداء الإسلام من أهل الكتاب في بلاد الإسلام، لكون حقيقية الإسلام وبقائه وبطلان اليهودية والنصرانية بقيا قطعيتين. وكذلك مذهب الجمهور ومن خالفه.
ولأنهم تجري عليهم أحكامنا، وتحت أيدينا وسلطاننا، بالخصوص في مشهد علي ﵁ وفي الحلة اللذين هما تحت الرفض.
لكن حيث كان لهم في بعض الأماكن من عراق العرب ظهور وجدال، لترخص أهل العراق وسلاطينهم في الدين، احتجنا إلى الرد عليهم بسؤال من لسؤاله حق من الإخوان. وإني ملتزم أن لا أحتج بالحديث إلا نادرا، لكون متنه مظنونا يجوز للخصم دفع الاحتجاج به بدعواه الكذب له. بل إما أحتج بالقرآن لكونه مقطوع المتن أو بالمعقول المقطوع الدلالة أو بما شاهدته منهم رأي العين، حين ابتليت عندهم بالأسر ومكثت عندهم قريبا من ثماني سنين، وذلك عند سياحتي لطلب العلم.
المتن أو بالمعقول المقطوع الدلالة أو بما شاهدته منهم رأي العين، حين ابتليت عندهم بالأسر ومكثت عندهم قريبا من ثماني سنين، وذلك عند سياحتي لطلب العلم.
وعلم الله وكفى به عليما أني لا أستعين في ذلك بكتاب بل بديهة. وإني معتذر إلى أمير المؤمنين علي ﵁ وإلى مجموع أهل البيت ﵈، بما يوهم التجري به من الحق الذي كان الإغماض عنه أولى، وإن كان الرافضة سببه، وإن كان جائزا كونه حقا. وأهل البيت لا يجزعون من الحق، لأن الله تعالى أجاز بمثله عمن هو أفضل من علي ﵇، وهو عيسى ﵇ حين غالت النصارى به وبأمه: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ أي كانا يخرجان لقضاء الحاجة. ورتبته على مقدمة وسبعة فصول.
أما المقدمة ففي خلافة الخلفاء قبل علي رضي الله عنه
(إمامة أبي بكر) أما إمامة أبي بكر ﵁ فالدليل عليها من وجوه.
الأول قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ أجمع المفسرون أنها نزلت في أبي بكر ﵁. وإذا ثبت أنه الأتقى ثبت أنه الأكرم عند الله تعالى لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وحينئذ فيثبت فيه استحقاق التقديم على كل أحد غيره، لكونه دونه بالتقوى والكرامة عند الله تعالى، كما هو مفهوم الآية. الثاني: قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾
يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾
وهذا الداعي -هو الموعود على طاعته حسن الثواب وعلى مخالفته أليم العقاب- ليس هو النبي ﷺ لكونه ﵊ مأمورا بنهي المخلفين من الأعراب عن اتباعه بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ فامتنع أن يكون هو الداعي. وليس هو عليا ﵁ لأنه لم يقاتل في أيام خلافته الكفار وإنما كان حربه مع المسلمين. فتعين أن يكون الداعي هو الصديق ﵁، لأنه دعاهم إلى قتال بني حنيفة أهل الردة في اليمامة، وهو أولو بأس شديد، كانوا ثمانين ألفا. ولقوة بأسهم
أشار إليه علي ﵁ بالقعود عنهم فقال: هؤلاء أصحاب شوكة، وهذا أول عسكر يخرج لنا بعد موت النبي ﷺ، نخاف أن ينكسر فلا يقوم لنا بعده قائم. فما وهن الصديق ﵁ ولا ضعف. ثم جهز العسكر وخرج معه مرحلة حتى تسمّع الناس بخروجه، وأمّر عليهم سيف الله خالد بن الوليد ﵁، فظفر بهم وقتلهم وقتل أميرهم مسيلمة الكذاب
ورجع بالغنائم والسبي. ومن سبيهم تسرّى علي ﵁ الحنفية أم ولده محمد، واستقر الإسلام في اليمامة. وكانت تلك أسا لبناء الإسلام بعد النبي ﷺ.
الثالث قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ والنبي ﷺ لم يأخذ غير جزيرة العرب، وتوفي ﵊ ولم يظهر دينه على كل الأديان إلا في خلافة الصديق
رضي الله عنه وخلافة صاحبيه بعده ﵃، لأنهم أجلسوا ملوك الأديان المخالفة لٌلإسلام من اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم على التراب وسلبوا ممالكهم وخزائنهم وخلعوا تيجانهم. ومن سلم من سيوفهم ولم يُسلم ضربوا عليه الجزية. واسترقوا الأطفال والنساء، حتى أخذوا شاه زنان -ابنة كسرى الذي كانوا يسمونه الأعاجم شاه شاهان- رقيقة. فتسراها الحسين ﵁ من سبي عمر ﵁. ولا دليل أظهر من هذا على حقية الخلفاء الثلاثة. إذ الدين الذي سماه الله تعالى بالهدى ودين الحق كان ظهوره على الأديان كلها بإمامتهم.
الرابع قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ ومعنى رؤية آيات الله سبحانه في الأفاق، كما نقل صاحب الكشاف، هو انتشار هذا الدين في أقطار. ومعنى رؤيتها في أنفسهم تمليك الضعفاء من المسلمين ممالك الأغنياء من الملوك، وملكوا ممالكهم وهم عرب قرية، يعني أهل مكة. حتى حكم سلمان ﵁ في مملكة كسرى، وهو فارسي غريب مملوك.
والمغيرة بن شعبة ﵁ في مملكة النعمان بن المنذر، الحيرة وأعمالها. ومعاوية ﵁ في الشام، مملكة هرقل ملك الروم، وهو من صعاليك العرب.
وعمرو بن العاص في مصر مملكة فرعون. حتى آل الأمر بعد ذلك إلى أن كان المأمون يقرأ حتى وصل إلى قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ فصاح بالخصيب، وكان عبدا مولاه علي الوزير أبو المنصاة، فأجابه، قال: وليتك مصرا، استصغارا لما استعظمه عدو الله فرعون. وأمثال ذلك. ولا دليل أبلغ من ذلك على حقية هذا الدين وحقية إمامة الثلاثة، إذ كانوا أصله.
الخامس قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ
ذا الدين وحقية إمامة الثلاثة، إذ كانوا أصله.
الخامس قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ
الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ والمراد بالركوع هاهنا التواضع والخضوع، من قول الشاعر: لا تهن الفقير علك أن تر ... كع يوما والدهر قد رفعه وبذلك فسره صاحب الكشاف، فهو قوله تعالى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ وفي هذه الآية دليل واضح على إمامة الثلاثة: الصديق وصاحبيه. إذ
شروط الولاية في الآية حاصلة وصالحة لهم؛
لوجود الجُمع وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والخضوع. أما الولاية والجُمع وإقامة الصلاة فظاهر عليهم. وأما إيتاء الزكاة فلا شك أنهم كانوا أصحاب أموال. وأما الخضوع، هو عدم التكبر، فقد ثبت أن الصديق ﵁ كان أرأف الصحابة وألينهم جانبا. وعمر كان يلبس المرقّع، وكان عليه رداء فيه إحدى وعشرون رقعة، واحدة منها قطعة جراب. وكان يحمل الطعام على عاتقه للضعفاء. وكان يعمر القناطر ويحمي القوافل بنفسه وأمثال ذلك. هذا وهو ملك الدنيا ومالك ملوكها بالقهر، وقد طبقت راياته وعساكره الأقطار، وترجف من سطوته ملوك الأرض من غير منازع في إمامته. وعثمان ﵁ كان على مثل ذلك بالسطوة والحكم، وصبر
لقتله ولم يدم من المسلمين مثل محجمة من دم عند حصاره، وقال: لا أكون أول من خلّف محمدا في أمته بالسيف. وهذا دليل متضح على صحة إمامتهم. ادعت الرافضة [لعنهم الله] أن هذه الآية في علي ﵁ خاصة دون غيره. واحتجوا بها أنه ﵁ تصدق بخاتمه على سائل وهو راكع.
ويمتنع ذلك من وجوه: الأول أن الذين ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ لفظ جمع، ويمتنع حمل الجمع على الواحد في لغة العرب. قالوا: للتعظيم. قلنا: التعظيم هاهنا مدفوع لعلي ﵁، إذ الله ورسوله ذكرا في الآية من غير مقارنة تعظيم، فكيف يذكر التعظيم له دونهما.
لواحد في لغة العرب. قالوا: للتعظيم. قلنا: التعظيم هاهنا مدفوع لعلي ﵁، إذ الله ورسوله ذكرا في الآية من غير مقارنة تعظيم، فكيف يذكر التعظيم له دونهما.
الثاني أن الرافضة يدّعون أن عليا ﵁ طلق الدنيا وأنه لا مال له، كان يلبس القصير ويأكل الشعير. والآية فيها ذكر الزكاة، والزكاة لا تكون إلا ممن له مال. فتنافيا. الثالث أن الله مدح الخاشع في الصلاة. وكون إنسان يشغل جوارحه في الصلاة بنزع خاتم وإشارة إلى سائل وقذفه إليه ويشغل قلبه بنية الزكاة ليس من الخشوع. وحاشا أمير المؤمنين من مثل ذلك، إذ هو بحر علم لا يدرك قعره. الرابع أن الزكاة تطلق على صدقة الفرض ولا تكون إلا من الأنفع للمستحق. وأي نفع في قطعة فضة يجوز عليها احتمال الجهالة في القدر والغش في الجنس عن مال مضروب معلوم خالص. وهل نسبة مثل هذا إلى عالم زمانه إلا سفه من الرافضة. الخامس أن الله تعالى وصف الحزب الذي يتولاه هذا الإمام بأن يكون
غالبا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ولم يُر غالبا إلا أهل السنة الذين هم أتباع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. والرافضة الذين يزعمون أنهم أتباع علي منذ ظهروا إلى الآن، بل إلى آخر الزمان، لم يزالوا مغلوبين تحت الحكم والقهر. وهذه أدلة راجحة تمنع اختصاص علي بالإمامة دون أصحابه. والله أعلم.
السادس قوله تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ والثلاثة الشروط التي في الآية خطاب للصحابة. وقد حصل للأئمة الثلاث الاستخلاف وتمكين الدين وأبدل الخوف -الذي حصل بموت النبي ﷺ حين ارتدت أهل اليمامة وتبعت مسيلمة الكذاب- بالأمن. وكان أصل تمكين من تمكن وأمن من أمن فيما بعد خلافتهم.
السابع قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ الآية. أجمع المفسرون أن بعض الحديث المسر قول النبي ﷺ لزوجته حفصة بنت عمر: "إن أباك وأبا بكر يليان أمر أمتي من بعدي" وأن البعض المعرض عنه أمر خلافتهما.
الثامن أن الله تعالى جعل إثبات الحق بشاهدين عدلين أو بتسليم الخصم. وكلاهما حصل للصديق ﵁. أما التسليم فعلي ﵁ -على تقدير كونه مدّعي الإمامة- حينئذ لم ينازع. وأما الشهادة فقد شهد للصديق ثمانون ألفا عدول. لأن أولئك صدر
الأمة. وقد عدّلهم الله تعالى بأن جعلهم شهودا على الناس وجعل النبي ﷺ مزكيا لهم بقوله ﷾: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ فالطاعن في شهادتهم من الرافضة بدعوى التعصب منهم للصديق، فقد رد قوله الله تعالى. وكفى بذلك كفرا وتجرؤا على الله تعالى. وطعن الخصم أو المتعصب له في الشهود لا يسمع، ولا حاصل له على التعصب غير استهزاء الحكم به.
د رد قوله الله تعالى. وكفى بذلك كفرا وتجرؤا على الله تعالى. وطعن الخصم أو المتعصب له في الشهود لا يسمع، ولا حاصل له على التعصب غير استهزاء الحكم به.
التاسع أن النبي ﷺ توفي عن أمته وهم من الآل والأصحاب مائة وعشرون ألفا، والجميع اتفقوا على إمامة أبي بكر ﵁، ثمانون ألفا حضروا بيعته، أربعون ألفا كانوا متفرقين في البلاد وقد حضروا بعد البيعة ووافقوا. وصورة الاجتماع أن النبي ﷺ لما توفي أنكر عمر ﵁ وفاته وقال: ما ينبغي لمحمد أن يموت، والله ليبعثنه والله ليقطعن أيدي رجال وأرجلهم. وكان أبو بكر غائب في حائط له، فجاء ودخل على النبي ﷺ وكشف
عن وجهه فرآه ميتا، فقبله وقال: بأبي طبت حيا وميتا. ثم أنشد شعرا: كنت السواد لناظري ... وعليك يبكي الناظر من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر ثم خرج [إلى] الناس وتلا على عمر قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ فقال عمر: والله لقد كنت أتلوها، وكأنها الآن لم تمر على قلبي. ثم نادى أبو بكر في الناس: ألا من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ثم باشر غسله علي والعباس
وواحد من الأنصار يفيض الماء عليه. ثم كفن وصلت الناس عليه فرادى.
واختلفوا في موضع دفنه. فقال الصديق: ما من نبي مات إلا دفن موضع موته. فاعتمدوا على ذلك. ثم حُول فراشه الذي مات عليه وحفر قبره موضع الفراش ودفن فيه في حجرة زوجته عائشة ﵂. ثم بعد دفنه اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليقيموا سيدهم سعد بن عبادة أميرا على الناس.
فجاء أبو بكر وعمر إليهم. فقام خطيبهم فحمد الله وأثنى عليه وقال في خطبته: نحن كتيبة (١) الإسلام ونحن آوينا رسول الله ﷺ ونصرناه، ونحن أحق بالإمامة. قال عمر ﵁: وكنت هيأت مقالة لأقدمها بين يدي أبي بكر، فلما هممت بالكلام منعني أبو بكر فقال: على رسلك يا عمر. ثم تكلم بديهم أحسن ما كنت لفقته، فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم أهله، ولكن الإمامة لا تصل إليكم. فقالوا: منا أمير ومنكم أمير. قال أبو بكر ﵁: قال النبي ﷺ: «الأئمة من قريش». فلم يقم أبو بكر ﵁ من مجلسه حتى بايعه مجموع الأنصار. فوعك
مة لا تصل إليكم. فقالوا: منا أمير ومنكم أمير. قال أبو بكر ﵁: قال النبي ﷺ: «الأئمة من قريش». فلم يقم أبو بكر ﵁ من مجلسه حتى بايعه مجموع الأنصار. فوعك
سعد، فقال قائل: قتلتم سعدا، قال عمر: قتله الله. فلم تدر عليه سنة حتى بال في جحر من الأرض فخرج منه سهم رمته الجن به فمات به. وسُمع قائل ينشد شعرا: قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ورمينا بسهمين فلم نخطِ فؤاده ثم بعد بيعة الأنصار هرع مجموع من كان حاضرا من الآل والصحب إلى بيعته، وجاء مجموع من كان غائبا وبايع. والجميع انقادوا
لأمره ونهيه، حتى لو رمى أحدا منهم في النار لطرح نفسه اعتقادا منه لوجوب طاعته. واستمروا له إلى موته من غير معارض ولا منازع. ثم انقادوا بعده أيضا لمنصوصه عمر ﵁. ثم انقادوا بعد عمر ﵁ لمنصوص منصوصه في الشورى عثمان كما سيجيء. وعلي حاضر ﵁ ولم يدع إمامة لنفسه. ولا شك أن المتفق عليه المتصرف أولى من الساكت المسلّم. ولم يزل الصديق على التمكن مدة أيام خلافته إلى أن مات ودفن مع النبي ﷺ في حجرة ابنته عائشة ﵂، ولما قربت جنازته من الحجره وكان بابها مقفولا فتح من غير فاتح وسمع فيها صوت: أدخل الحبيب إلى الحبيب. وكانت مدة خلافته سنتين ونصف، ومدة عمره ثلاثا وستين سنة، كعمر النبي ﷺ.
(خلافة عمر) وأما خلافة عمر ﵁ فالدليل عليها أيضا من وجوه:
الأول قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الآية. الثاني أيضا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الآية. الثالث أيضا قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ الآية. الرابع قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ﴾ الآية. الخامس أيضا الاتفاق من غير منازع وعدم القائل بغيره حينئذ. وكل ما قيل في الآيات الخمس في الصديق فهو له.
السادس تنصيص الخليفة الأول الذي أثبتنا بالأدلة القاطعة صحة خلافته، وهو الصديق ﵁، مع انقياد جميع الناس لهذا التنصيص بالسمع والطاعة. ولم يزل كذلك حتى قُتل ﵁. قتله أبو لؤلؤة عبد المغيرة بن شعبة. وكان سبب قتله أن أبا لؤلؤة كان نصرانيا يحمي لسبي النصارى من الروم وغيرهم إذا وصلوا إلى المدينة، ويحسن إلى الأسارى منهم. ثم إنه جاء إلى عمر يشكو على سيده المغيرة فقال: يا أمير المؤمنين، إن المغيرة ضرب علي كل يوم ثلاثة دراهم وأنا عاجز عنها، فقال: ما تحترف؟ قال: إني نجار أعمل الرحى تدور في الهواء، فقال عمر: ما أرى هذه الضريبة كثيرة عليك مع احترافك هذا. فوجد عليه أكثر من الأول وعزم على
ا، فقال: ما تحترف؟ قال: إني نجار أعمل الرحى تدور في الهواء، فقال عمر: ما أرى هذه الضريبة كثيرة عليك مع احترافك هذا. فوجد عليه أكثر من الأول وعزم على
قتله ليريح النصارى أهل دينه، فقال: يا أمير المؤمنين إني إريد أن أعمل لك رحى تدور في الشرق والغرب، فقال: أوعدني العبد! فانصرف وهو عازم على قتله. ثم هيأ له سكينا قبضتها في وسطها وطرفاها محددان. فجاء كعب الأحبار إلى عمر قبل ضربه فقال: يا أمير المؤمنين تهيأ للموت فإنك ميت بعد ثلاث، فقال: وما يدريك؟ قال: وجدت ذلك في التوراة، فقال: أوعمر مذكور في التوراة؟ قال: لا، ولكن نعتك فيها، وصاحب هذا النعت لم يبق من أجله غير ثلاثة أيام، فقال: يا هذا لا أجد فيّ علة، قال: هو كذلك. فلما كان أول الثلاث تخفى أبو لؤلؤة ودخل الجامع مع المصلين ووقف قريبا منه في الصف الذي يليه مغيرا هيئته حتى لا يعرف. فلما ركع ضربه. وكان عمر جهوري الصوت يسمعه آخر صف، فاختفى صوته وأكب الناس على أبي لؤلؤة، فضرب يمينا وشمالا بحدي سكينه التي في يده، فقتل سبعة
غير عمر، فنشر أحد الناس برنسا كان معه وحذفه عليه، فغطى بصره وتكربل به، فقبضوه. قيل إنه قتل نفسه، وقيل بل قتلوه سريعا في المسجد وعمر حي حينئذ، ولم ينتظروا موت عمر حيث كان كافرا. فقال عمر: انظروا من ضربني، فقالوا: أبو لؤلؤة عبد المغيرة. فقال: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على يد مسلم. ثم أتي إلى عمر بطبيب يختبر جرحه، فسقاه نبيذا فطلع من جوفه.
فقال: أوص يا أمير المؤمنين، إنك ميت. فأوصى بالمسلمين والأنصار وبلزوم الدين والتقوى؛ ثم قال: فاذهبوا إلى أم المؤمنين عائشة ﵂ وسلوها أن أدفن مع صاحبيّ. فلما جاءها الرسول قالت: كنت هيأته لنفسي، وإني اليوم أوثر به أمير المؤمنين. فأعلم بذلك عمر، فقال: ما كان علي أهم من ذلك، ولكن لا تكتفوا بهذا الإذن فإني حي الآن -يعني عين الحي
يستحي من الحي- بل إذا مت فمروا بجنازتي على بابها فإن أذنت وإلا ردوني إلى مقابر المسلمين. فلما مُر بجنازته على بابها واستؤذنت له فأذنت ودفن مع صاحبيه إلى جانب أبي بكر ﵄. وكانت مدة خلافته عشر سنين، ومدة عمره ثلاثا وستين سنة كعمر صاحبيه.
ن. فلما مُر بجنازته على بابها واستؤذنت له فأذنت ودفن مع صاحبيه إلى جانب أبي بكر ﵄. وكانت مدة خلافته عشر سنين، ومدة عمره ثلاثا وستين سنة كعمر صاحبيه.
(خلافة عثمان) وأما خلافة عثمان ﵁ فالدليل عليها أيضا من وجوه: وهو ما سبق من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾
وقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فهذه أربعة. والوجه الخامس تنصيص عبد الرحمن بن عوف الحكم في قصة الشورى.
وذلك لما ضرب عمر ﵁ قيل له: يا أمير المؤمنين استخلف. قال: إن أترك الاستخلاف فقد تركه من هو خير مني -يعني النبي ﷺ فإنه لم يستخلف أحدا- وإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني -يعني أبا بكر، فإنه استخلف عمر- وإن كانت شرا فقد كفانا ما حملنا منها، بل الأمر في هذه الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو راض عنهم. عدّ عليا وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف
وسعيد بن زيد بن الخطاب، لكن أخرجه عمر منهم لكونه ابن عمه. وقال: يحضره عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء، فمن ارتضت الأمة من هذه الستة كان حاكما. فلما دفن عمر امتدت الرقاب إلى الستة تريد الإمامة لها. فقال عبد الرحمن: الأمر يطول بين ستة، أيكم ينزل عن حقه فيجعله لصاحبه حتى يقرب الاختيار؟
فقال الزبير: جعلت حقي لعلي. وقال طلحة: جعلت حقي لعثمان. وقال سعد: جعلت حقي لعبد الرحمن. فقال عبد الرحمن: صار الأمر لثلاثة، فأيكم ينزل عن حقه لصاحبه تقريبا للأمر حتى يبقى في اثنين نختار واحدا منهما؟ فأمسك الشيخان، يعني عليا وعثمان. فقال عبد الرحمن: أنزل لكما وتحكّماني في أمركما ولكما الله علي أن لا آل الأمر عن أفضلكما؟ فقالا: حكمناك. فقال: حقي لكما.
ثم صبر ثلاثة أيام يشاور الناس ليلا ونهارا، والأبصار والرقاب ممتدة إليه، لا يوطأ عقب علي ولا يوطأ عقب عثمان، بل عاكفون عليه ومترددون إليه. ثم إن الناس في اليوم الثالث اجتمعوا في مسجد النبي ﷺ ينظرون وينتظرون ما يحكم به عبد الرحمن. ثم إن عبد الرحمن خطب الناس وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا عثمان، آلله عليك إن أمّرتك لتعدلن وإن أمرت عليك لتسمعن وتطيعن؟ فقال: الله علي. فقال: يا عثمان مد يدك لأبايعك. ثم التفت إلى علي وقال: يا علي لا تجعل لنفسك عليها سبيلا، فإني والله منذ ثلاثة أيام أشاور الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان أحدا. فبايع عثمانَ
وانقاد الناس إليه انقيادهم لصاحبيه. حتى جاء أهل مصر وشكوا عنده عبد الله [بن سعد] بن أبي سرح، وكان حاكما عليهم من قبل عثمان، وهو أخ لعثمان ﵁ من الرضاع، فقال: ما يريضيكم؟ قالوا: اعزله.
. حتى جاء أهل مصر وشكوا عنده عبد الله [بن سعد] بن أبي سرح، وكان حاكما عليهم من قبل عثمان، وهو أخ لعثمان ﵁ من الرضاع، فقال: ما يريضيكم؟ قالوا: اعزله.
قال: عزلته عنكم، من تختارون أولي عليكم؟ قالوا: محمد بن أبي بكر. فولاه ونفذه معهم. وسيّر معه جمعا من الصحابة. وخرجوا متوجهين إلى مصر. فبينا هم على نحو مرحلة من المدينة إذا بشبح يلوح على بعد، فركبت الخيل إليه، إذا هو عبد لعثمان. فقالوا: أين تريد؟ قال: أريد حاكم مصر، قالوا: هو عندنا. فلما جاءوا به إليه ورآه قال: لا أريد هذا، أريد الأمير الذي بمصر. ففتشوه إذا معه إداوة فيها كتاب. فكسروا الإداوة، إذا فيها مكتوب: من عثمان، عليه ختم عثمان، إلى عبد الله بن [أبي] سرح، إذا وصل إليك محمد بن أبي بكر ومن معه اقتل الجميع واستمر على حكمك. قالوا: أمير المؤمنين يسعى في قتل أصحاب رسول الله ﷺ. فرجعوا وذكروا لعثمان، فأنكر وحلف.
فقالوا: لا نقبل لك هذه العثرة، عبدك وبعيرك وخاتمك، إن كنت بريئا فالغريم مروان، أخرجه إلينا. وكان مروان كاتبا له والخاتم عنده. فقال: لا أخرجه إليكم، إن أخرجته تقتلنه قبل أن يثبت عليه شيء.
فتغلظ الأمر. وجاء أهل مصر في أربع فرق عليها أربعة أمراء، عبد الرحمن بن عديس وكنانة بن بشر الليثي وسودان بن حمران،
والمقدم على الكل الغافقي بن حرب. وكانوا ستمائة. وقيل ألفا. وقيل ألفين.
وأهل الكوفة في أربع فرق، عليهم زيد بن صوحان العبدي ومالك الأشتر النخعي وزياد بن نضر الحارثي وعبد الله بن [الأصم]. وعددهم كعدد الأول.
وأهل البصرة أربع فرق، عليهم حكيم بن جبلة العبدي وذريح بن عباد العبدي وبشر بن شريح بن الحكم و [ابن محرش] بن عمرو الحنفي. وعددهم كعدد الأول. فأهل مصر يشتهون عليا أميرا. وأهل البصرة يشتهون طلحة. وأهل الكوفة يشتهون الزبير.
بشر بن شريح بن الحكم و [ابن محرش] بن عمرو الحنفي. وعددهم كعدد الأول. فأهل مصر يشتهون عليا أميرا. وأهل البصرة يشتهون طلحة. وأهل الكوفة يشتهون الزبير.
وجاءت أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي ﷺ على بغلة لها. فضربوا وجه بغلتها فسقطت، فأخذوها وذهبوا بها إلى بيتها. وتجهزت عائشة ﵂ خارجة للحج هاربة من المدينة خائفة من انتشار الشر إليها. فجاءها مروان متخفيا فقال: يا أم المؤمنين لو تقفين لمراقبة عثمان حتى تنفك الفتنة. فقالت: أتريدون أن يصنع بي كما صنع بأم حبيبة؟ وخرجت. ورأى عثمان ليلة قتله النبي ﷺ وهو يقول: "يا عثمان الليلة فطورك عندنا".
واشتد الحصار عليه. فسأل الصحابة عثمان الخروج للجهاد فقال: يا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار. ودخل عليه علي ﵁ وهو مقلد بسيفه فقال: يا أمير المؤمنين، إن النبي ﷺ لم يلحق هذا الأمر حتى ضرب بالمقبل المدبر، وإن في الباب فئة منصورة، مرنا فلنقاتل. فقال عثمان: الله الله في من رمى بسببي مثل محجمة من دم. فخرج علي وهو يقول: اللهم إنك تعلم أن منا المعذور. فهرعت الناس إليه للصلاة فقال: لا أصلي بكم والإمام محصور. ودخل عليه أبو هريرة يستأذنه في القتال، قال: فأقسم أن ألقي سيفي، فألقيته، والله لا أعلم من أخذه.
ودخل عليه المغيرة بن شعبة فقال: إن القوم قاتلوك وإني مشير عليك بأحد ثلاثة أمور، فقال: ما هي؟ قال: أفتح لك بابا تخرج به إلى حرم مكة. قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يلحد بالحرم رجل عليه نصف عذاب أهل النار»، ولا أكون ذلك الرجل إن شاء الله تعالى. قال: تخرج إلى الشام فإن بها معاوية ينصرك. قال: المدينة دار هجرتي ولا أفارق دار هجرتي. قال: اخرج نقاتل هؤلاء. قال: لا أكون أول من خلف محمدا في أمته بالسيف. وقال لعبيده: من أغمد سيفه فهو حر. وبعث إلى علي يطلب الماء. فنفذ إليه ثلاث قرب مملوءة ماء والحسن معها. فرمى القوم بالسهام، فقطعت منها قربتين، وأصاب الحسن سهم فأدمى وجهه.
فلما رأى محمد بن أبي بكر وجه الحسن داميا قال لأصحابه: فات الأمر الذي تبغونه، الساعة بنو هاشم يرون وجه الحسن داميا فيرفعونكم عن غرضكم ويهزمونكم. فأخذ منهم الغافقي وسودان بن حمران، وتسلقوا عليه من دار من دور الأنصار كانت في جواره، ودخلوا عليه من غير علم أحد بهم، وما عنده غير زوجته، فصاحت زوجته فلم يسمعها أحد. فجذب محمد بن أبي بكر بلحيته حتى سمع وقع أضراسه، فقال عثمان: لقد أخذت مأخذا ما كان أبوك ليأخذه. فخرج وقال: إني بريء من قتل عثمان.
وضربه الغافقي بحديدة على ركبته، وضرب المصحف برجله. وجاء سودان بن حمران ليضربه بالسيف، فأكبت عليه زوجته نائلة بنت الفرافصة فأصابها بالسيف في يدها، فنحاها عنه، وضرب عثمان فقتله. أما صاحب العصا فإن الأكلة وقعت في رقبته حتى أكلت جميع بدنه. وأما صاحب السيف فقتل بالسيف.
وأما محمد بن أبي بكر فأدخل في مصر في بطن حمار وأحرق هو والحمار. ثم إن القوم ندموا على قتله. وقيل ندمهم لعلي فقال علي: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾ الآية. وقال سعد: أولئك ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ كانت مدة حصاره اثنين وعشرين يوما. وقيل قتل بين عصر ليلة الجمعة ومغربها، ودفن بين مغربها وعشائها.
َّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ كانت مدة حصاره اثنين وعشرين يوما. وقيل قتل بين عصر ليلة الجمعة ومغربها، ودفن بين مغربها وعشائها.
وهرعت الناس إلى علي يطلبون أميرا، فقال: ليس ذلك إليكم، ذاك إلى أهل بدر، أمّروا غيري فإني أكون وزيرا لكم خيرا من أن أكون أميرا عليكم. وخرج إلى باب عثمان، فلقي طلحة والزبير فغلظ لهما وقال: يُقتل أمير المؤمنين وأنتم ممسكون عنه؟ فقالا: لو أخرج إليهم مروان ما قتلوه. ولقي ابن طلحة وابن الزبير كانا في الباب، فانتهرهما، ولطم ابنيه
الحسن والحسين، أحدهما على صدره والآخر على وجهه. فاعتذر جميع من كان في الباب لحراسته أن لا علم لنا بقتله. والقاعدون عنهم من الصحابة بعضهم لتخذيله وبعضهم غيظا عليه حيث لم يُخرج مروان. وكان مدة خلافته اثنتي عشرة سنة، وعمره خمس وثمانون سنة. ودفن في البقيع.
وبويع علي. وأرسل إلى طلحة والزبير للبيعة فتقاعدا. فسلّ مالك الأشتر سيفه وقال لطلحة: والله لتبايعن أو لأضربن به ما بين عينيك. والمتأهلون للإمامة من أهل الشورى بايعوا مكرهين. قال سعد: بايعته واللحى علي. فقال: والله ما هو أحق بها مني بقميصي هذا.
(إمامة علي) وأما إمامة علي ﵁ فلم يكن لها سبب غير البيعة. ولم يكن الإجماع عليه من كل الأمة، بل كانت الناس معه على ثلاثة أقسام:
قسم له، وقسم عليه،
وقسم لا له ولا عليه. ثم إن عائشة ﵂ كانت في الحج. فلما قدمت وجدت عثمان
قد قتل، قالت: مصيتموه كما يمص الثوب ثم درتم فقتلتموه. وضربت مخيمها خارجا عن المدينة وقالت: لا أدخل بلدا يقام فيه على أمير المسلمين فيقتل بغير ثبوت حق إلا أن يقتل علي غرماء عثمان. فقال علي: هذا ابتداء أمري، لا أوقع فيه الدماء. وكان المتفق على قتل عثمان مع سوادهم نحوا من عشرين ألفا قد
ل بغير ثبوت حق إلا أن يقتل علي غرماء عثمان. فقال علي: هذا ابتداء أمري، لا أوقع فيه الدماء. وكان المتفق على قتل عثمان مع سوادهم نحوا من عشرين ألفا قد
التموا إلى جملة عسكر علي داخلين فيه. فلما امتنع من قتلهم رحلت تريد البصرة ساخطة من علي، فخرج معها معظم الصحابة تعظيما لها وطلبا لإرضائها. فلم يتحمل علي ﵁ لسخطها ومفارقتها المدينة. فاستشار الحسن للخروج وارءها فأشار إليه أن لا يخرج، قال له: إن المدينة دار الهجرة والخلفاء قبلك لم يفارقوها فاستقام أمرهم. فلم يقبل شوره. وخرج بعسكره لإرضائها. فلم تزل ترحل ويرحل وتنزل وينزل ويتراسلان، وهي تأبى على الرجوع إلا بتعجيل قتل الغرماء وهو يأبى إلا التأخير،
حتى نزل البصرة. فلم ير علي بدا من إجابتها إلى ما تريد، فاتفق معها على قتلهم من الغد. فعرف الغرماء جمع أمرهم على قتل قتلة عثمان، فأجمعوا أمرهم على إيقاع الفتنة وبيتوا ذلك الرأي. فلما كان الغد ركبوا حاملين على عسكر عائشة ﵂، فرأى طلحة والزبير ومن كان عارفا بالاتفاق حمل طرف من عسكر علي عليهم، قالوا: غدر علي -وكان الاتفاق دخلا- فحملوا دفعا عن أنفسهم. فرأى ذلك علي فقال: كان اتفاق عائشة وطلحة والزبير دخلا، فحمل دفعا عن نفسه. والتحم العسكران ووقعت الفتنة بغير قصد أحد منهم.
ورأى الزبير عليا في لجة الحرب فحمل عليه، وكان علي ﵁ يعرف قول النبي ﷺ: «بشر قاتل ابن صفية بالنار» فكف علي يده عنه، فلم يزل الزبير حتى خط الرمح في ترقوة علي، فلما رأى عليا لم يرفع يده عليه بل صرف الرمح عنه فقال له علي: أنسيت يا زبير قول النبي ﷺ لك: "ستحاربه وأنت له ظالم" فلما سمع الزبير ذلك وتذكره حطم رمحه ورجع موليا. فتبعوه فقتلوه. وجرح طلحة في فخذه، فراح إلى وادي السباع، فتبعوه وقتلوه.
فلما قتل طلحة والزبير وهن أصحاب عائشة، وعقر جملها، وكانت في هودجها فبرك، وتباركت الناس عنده وجندلت الأبطال وتطايرت الكفوف دفعا عنها. وعظم على الناس وعلى علي أمرها لكونها واجب أن لا تسأل حاجة إلا من وراء حجاب، وهي حينئذ يطوف بها أعداؤها كالمسبية. فلما رأى علي ذلك وفات الأمر من يده كشف الناس عن الجمل وضرب عليه القبة. واستدعى بأخيها محمد بن أبي بكر فقال: أنت محرمها وما لأحد غيرك حد أن يقرب منها.
فمضى وحط يده على كتفها فقالت: يد من هذه حرقها الله بالنار، قال: يا أختاه نار الدنيا. وكان عاقتبه كما ذكرنا أنه شق بطن حمار وأدخل فيه وأحرق هو والحمار في مصر. ثم جاء غريم الزبير إلى علي فقال: قتلت الزبير. فقال علي: سمعت النبي ﷺ يقول: «بشر قاتل ابن صفية بالنار» فقال: إن قاتلناك قلت أنتم في النار، وإن قاتلنا لك قلت أنتم في النار. ثم اتكأ على سنان رمحه فقتل نفسه. ثم بعد ذلك قعد علي وعائشة وبكيا ندما على ما وقع بينهما. والتم الباقي من العسكرين ورجعوا إلى المدينة.
أنتم في النار. ثم اتكأ على سنان رمحه فقتل نفسه. ثم بعد ذلك قعد علي وعائشة وبكيا ندما على ما وقع بينهما. والتم الباقي من العسكرين ورجعوا إلى المدينة.
ثم إن عليا ﵁ لما رجع إلى المدينة استدعى ابنه الحسن واستشاره في عزل معاوية، فلم يشر به. وكان معاوية أميرا على الشام من قبل عثمان ورعيته راضون عنه. فأبى علي إلا عزله. فقال له: إن تكن لم تسمع شوري ولا بد أن تعزله فلا تعجل وابعث له حكما وتوليه على الشام حتى ينقاد لإمامتك ويستقر عقدك وعهدك في عنقه وذمامه بحيث لم يعد يمكنه المخالفة، ثم اعزله، وإن فعلت غير ذلك تتعب. فأبى علي إلا عزل معاوية، فكتب إليه: "من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد فإذا وصل إليك كتابي فأنت معزول". فلما وصل الكتاب إلى معاوية استدعى عمرو بن العاص ودفع إليه الكتاب، فلما قرأه وفهم ما فيه قال: اكتب إليه: "من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب، أما بعد فمن الذي ارتضاك وجعلك أمير المؤمنين حتى يصل عزلك إلي". فلما وصل الجواب إلى علي استدعى الحسن ودفعه إليه. فلما قرأه قال: هذا ما حذرتك منه، خذ الآن من معاوية ومن أهل الشام ما تكره.
وامتد الشر والنزاع بينهما حتى قتل في صفين سبعون ألفا، خمسة وعشرون من أصحاب علي وخمسة وأربعون من أصحاب معاوية. فلما طال الشر بينهما أجمع رأي العسكرين على تحكيم حكمين يتفقان على عزل واحد منهما ويحكم الآخر. فاختار علي من أصحابه أبا موسى الأشعري.
واختار معاوية عمرو بن العاص. فخرج الحكمان من العسكرين إلى خلاء لا أحد فيه غيرهما. وكانت الدهاة من العرب حينئذ خمسة: عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان وأبو الأسود الدؤلي والمغيرة بن شعبة وإياس بن معاوية. واختار معاوية عمرو بن العاص.
انت الدهاة من العرب حينئذ خمسة: عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان وأبو الأسود الدؤلي والمغيرة بن شعبة وإياس بن معاوية. واختار معاوية عمرو بن العاص.
فدعا عمرو أبا موسى قبل الخوض في بحث النصب والعزل فقال: يا أبا موسى ادن مني لأسارك. فقرب منه ولقاه أذنه، فقوي عزمه على كلامه. (١) فقال عمرو: يا أبا موسى، ما تقول في هذين الاثنين؟ فقال أبو موسى: بل قل أنت. فقال: أنت أكبر مني عند رسول الله ﷺ وعند كل أحد، ولا يجوز لي أن أتقدمك. قال: لا بأس في ذلك نحن وحدنا فقل. قال عمرو: إني أرى الإسلام والمسلمين وهنوا بين هذين الاثنين -يعني عليا ومعاوية- كان السيف في أيام الخلفاء قبلها مغمودا عن المسلمين مشهورا على الكافرين، وفي أيام هذين انعكس الأمر، إلا أن معاوية أحلم من علي وأعرف بأمور الخلافة، وقد تولى الشام من الخلفاء والناس عنه راضون، وهو ابن أبي سفيان عم النبي ﵇، فإن كان علي صاهره وسبقه إلى الإسلام فمعاوية أسلم هو ووالده، ووالد علي مات كافرا، وكان معاوية كاتب وحيه، وقال النبي ﷺ: "اللهم اهد قلبه"، وإني أرى خلع علي من الخلافة وإثباتها في معاوية أو في
عبد الله بن عباس ابن عم النبي ﷺ. فقال أبو موسى: هذا هو الرأي. ومال قلب أبي موسى إلى ابن عباس وقلب عمرو إلى معاوية ﵃. فرجعوا ووقفوا بين الصفين. وامتدت إليهم العيون والرقاب، وما أحد ملتفتا لا إلى علي ولا إلى معاوية. فقال أبو موسى: يا عمرو تقدم وتكلم. فقال: حاشا لله، أنت كبيري ومخدومي، إن أتقدمك في الخلاء فلا يسعني أن أتقدمك في الملإ.
فتقدم أبو موسى وخطب، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني أرى الإسلام قد وهن والمسلمين قد نقهوا بين علي ومعاوية، كان السيف في أيام الخلفاء قبلهم مشهورا على الكفار مغمودا عن أهل القبلة، وبين هذين انعكس الأمر، أشهدكم علي أن عزلت عليا ومعاوية عن الخلافة وأثبتها في ابن عم النبي ﷺ عبد الله بن عباس. ثم قعد. فقام عمرو بن العاص وقال بعد حمد الله والثناء عليه: أشهدكم علي أن عزلت عليا عن الخلافة كما عزله صاحبه وأثبتها في معاوية. (١)
وقفل العسكران على ذلك، معاوية إلى الشام ينادى أمير المؤمنين، وعلي إلى العراق على الندم والشقاق من أصحابه. وحينئذ انفرد الخوارج عنه وفارقوا عسكره وقالوا: أنت على حكم
المخلوق والله تعالى يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ فإن أشهدت عليك بالتوبة وإلا لم نعد إليك. فقال علي: حاشا لله اعتراف بمعصية بعد طاعة. فبعث إليهم عبد الله بن عباس وناظرهم. فقال علي: لي أسوة بالنبي ﷺ فإنه نزل بني قريظة على حكم سعد
بن معاذ وقتلهم بحكمه. فلم يلتفتوا إلى ذلك. واشتغل علي بقتالهم. وترك قتال معاوية. وكان حرب النهروان حربا مشهورا. فلما طال ذلك الأمر بينهم اجتمع ثلاثة من الخوارج: البرك بن عبد الله
وعمرو بن بكر التميمي وعبد الرحمن بن ملجم، ودار بينهم أن الإسلام والمسلمين قد وهنا بين هذه الثلاثة علي ومعاوية وعمرو بن العاص، ينبغي أن كلا منا يتقبل بواحد منه يقتله ويتقرب إلى الله ويريح المسلمين. فتقبل عمرو بن بكر التميمي بقتل عمرو، وتقبل البرك بن عبد الله بقتل معاوية، وتقبل ابن ملجم بقتل علي ﵁.
وكان ابن ملجم نكح قطام من الخوارج، فشرطت عليه ثلاثة آلاف دينار وقينة ومهرا وقتل علي، فتقبل بقتل علي. وفي ذلك قال الشاعر: ولم أر مهرا ساقه متزوج ... كمثل قطام من فصيح وأعجم ثلاثة آلاف ومهر وقينة ... وقتل علي بالحسام المجذم ثم تواعدوا إلى ليلة تاسع عشرة من شهر رمضان، كل يروح إلى صاحبه يقتله بها. فصاحب عمرو راح إلى مصر، فلم يخرج عمرو إلى الصلاة بل
وقتل علي بالحسام المجذم ثم تواعدوا إلى ليلة تاسع عشرة من شهر رمضان، كل يروح إلى صاحبه يقتله بها. فصاحب عمرو راح إلى مصر، فلم يخرج عمرو إلى الصلاة بل
أخرج مكانه واحدا غيره فقتل. ومعاوية خرج تلك الليلة إلى الصلاة فضربه صاحبه على إليتيه فقدّها بالسيف أربع قطع، فلم يمت بتلك الضربة بل استدعى الطبيب ليلمها له، فقال: هذه لا تلحم إلا بالنار، فقال معاوية: لا طاقة لي بالنار. فداواها حتى اندملت، وهي أربع فلذ على حالها. وكان بعد ذلك يسمى معاوية أبا الألايا. وابن ملجم راح إلى الكوفة فضرب عليا تلك الليلة ضربة كان فيها قتله. وقبض ابن ملجم إلى حين موت علي ثم قتلوه. وكانت مدة خلافته خمس سنين، وعمره ثلاثا وستين سنة، كعمر النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ﵄.
ودفن موضع قتله في مسجد الكوفة بين قصر الإمارة وبين القبلة، متشبها بالنبي ﷺ، فإنه جعل قبره موضع فراشه الذي مات عليه. وكذلك سائر الأنبياء تكون قبورهم كما نقل.
الفصل الأول في رد حججهم وفي جواب إمامة علي ﵁ دون من تقدمه من الثلاثة احتجت الرافضة على إمامة علي من وجوه
(الاحتجاج بآية إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) الأول: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا﴾ الآية. وقد عرف رد قولهم بها للوجوه المقدم ذكرها من كون الآية للجمع وعلي واحد، وذكر الزكاة وعلي حينئذ لا مال له، ومن عدم الخشوع فعل الزكاة في الصلاة، ومن إخراج خاتم في الصلاة عن زكاة مال، ومن كون الرافضة حزبا مغلوبا.
(الاحتجاج بآية وأنفسنا وأنفسكم) الثاني قوله تعالى: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ ادعوا أن عليا نفس النبي ﷺ -
حين أتى بنفسه وبه عند المباهلة. قلنا: لا معارضة في أن قرابة الإنسان نفسه، وجميع إخوة علي والعباس وأولاده كذلك، ولا قيل بإمامة واحد منهم. وقد قال الله تعالى لمجموع قريش: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ فتخصيص علي لذلك بالإمامة دونهم تحكم. مع أن لا دلالة في مثل ذلك على الإمامة.
(الاحتجاج بحديث أنت مني بمنزلة هارون من موسى) الثالث قول النبي ﷺ: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»
دونهم تحكم. مع أن لا دلالة في مثل ذلك على الإمامة.
(الاحتجاج بحديث أنت مني بمنزلة هارون من موسى) الثالث قول النبي ﷺ: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»
قلنا: لا دليل فيها على إمامة علي من وجوه أيضا: الأول إنما قيل تسلية لعلي، لا تنصيصا عليه، لأنه ﷺ حين خرج إلى تبوك لم يترك في المدينة رجلا يصلح للحرب ولم يترك غير النساء والصبيان والضعفاء، فاستخلف عليا عليهم. فطعنت المنافقون في علي فقالوا: ما تركه إلا لشيء يكرهه منه. فخرج إلى النبي ﷺ باكيا، فقال: أتذرني مع النساء والصبيان؟ فقال النبي ﷺ تسلية: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى». وقد استخلف النبي ﷺ ابن أم مكتوم على المدينة إحدى عشرة مرة، وهو أعمى لا يصلح للإمامة. الثاني: أن في هذا الحديث دلالة على عدم استحقاق علي للإمامة لأن
هارون مات قبل موسى، ولم يكن له بعد موسى أمر، فيلزم الرافضة أن يقولوا: ليس لعلي بعد النبي ﷺ أمر. الثالث أن الرافضة لو عقلت ما ذكروا هذا الحديث حجة على استخلاف علي، لأنه شبهه بهارون في الاستخلاف، ولم يحصل من استخلاف هارون إلا الفتنة العظيمة والفساد الكبير بعبادة بني إسرائيل العجل، حتى أخذ موسى برأس أخيه يجره إليه. وكذلك حصل من استخلاف علي أيضا لما عرفت من قتل المسلمين يوم الجمل وفي صفين، ووهن الإسلام حتى طمعت فيه الأعداء. ولم يكن لوم على علي ﵁ في ذلك لكونه صاحب الحق. لكن لو لم يكن في خلافته مثله لكان أولى.
(الاحتجاج بحديث من كنت مولاه فعلي مولاه) الرابع: قول النبي ﷺ: «من كنت مولاه فعلي مولاه».
قلنا: لا دلالة في هذا على إمامة علي، لأنه جاء بسبب نزاع زيد بن حارثة عبد النبي ﷺ مع علي حين قال له: أتنازعني وأنا مولاك. فشكى زيد ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال له النبي ﷺ: «من كنت مولاه فعلي مولاه». ولا شك أن أقارب الإنسان موالي عتيقه. وقد يراد بالمولى الناصر. ولا دلالة فيه أيضا على الإمامة. فالمولى لفظ مشترك بين المعتق والعتيق والناصر. وإن كان فلا دلالة فيه
على الخلافة. ولم يأت لفظ المولى للحكم. فبطل الاستدلال به على الإمامة.
(دعوى الوصية لعلي) الخامس: دعوى الرافضة بالوصية لعلي ﵁. قالوا ذلك في موضعين: أحدها في كتب السنة. ذكره الفراء في تفسيره المسمى بمعالم التنزيل عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال: قال علي ﵁: لما نزلت هذه الآية أمرني رسول الله ﷺ أن أجمع بني عبد المطلب فجمعتهم وهم حينئذ أربعون رجلا يزيدون واحدا أو ينقصونه. فقال لهم بعد أن أضافهم برجل شاة وبعس من لبن، شبعا وريا، وإن كان أحدهم ليأكله ويشربه: "يا بني عبد المطلب، إني قد جئتكم بخيري الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يوازرني عليه فيكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا؟ "
لمطلب، إني قد جئتكم بخيري الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يوازرني عليه فيكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا؟ "
فقاموا يضحكون وقالوا لأبي طالب: أمرك أن تسمع لابنك وتطيعه. قلنا: الجواب عن ذلك من وجوه: الأول: أن يقال هذه الرواية مكذوبة عن علي. والدليل عليه أن هذه الآية، أي ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، أمر للنبي ﷺ بمجرد الإنذار
الخاص لمجموع أقرباء عشيرته، ولم يؤمر بطلب مؤازرة واحد منهم أو إنذاره. فكيف يخص بها واحدا منهم دون الباقين. الثاني: أن الإيصاء والاستخلاف على ناس لا يكون إلا بعد الانقياد والطاعة منهم، وهم حينئذ على خلاف ذلك، فكيف يستحسن من أكمل الناس رأيا فعله. الثالث: أن من يتحقق من واحد رد حكمه عليه وهو أصل، فكيف يجعل تابعه حاكما عليه ويأمره بالسمع والطاعة، وهل ذلك إلا سفه، كالمثل المضروب بين الناس، وهو: من قال لآخر أعطني دينارين بعلامة ما طلب أستاذي منك فلسا ما أعطيته. الرابع أن صاحب المعالم ذكر عنه في تفسير هذه الآية أربع روايات، واحدة عن علي ﵁ وفيها ما ذكرتم من الوصية والاستخلاف، والثلاث الأخر عن غيره، اثنتان عن ابن عباس
عن النبي ﷺ، والأخرى عن أبي هريرة عن النبي ﷺ. وليس في الثلاث شيء مما روي عن علي ﵁. فروايته معارضة بهن. الخامس أن الروايات المذكورة عن غير علي مقدمة راجحة على الرويات المذكورة عنه، لأن الآية آمرة بالإنذار، والثلاثة منذرة بقوله ﷺ: "إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". والرواية عن علي ﵁ مبشرة بقوله ﷺ: "يا بني عبد المطلب قد جئتكم بخيري الدنيا والآخرة"، وبقوله: "أيكم يوازرني عليه فيكون خليفتي". والثلاث مطابقة مقصود الآية، وهذه مضادة وضعيفة. السادس أن صاحب المعالم لم يسند الرواية عن علي ﵁ إلى نقله بأن يقول أخبرنا ونحوه، بل نسبها إلى نقل غيره غير متصل به. قال: "روى محمد بن إسحاق".
وضعيفة. السادس أن صاحب المعالم لم يسند الرواية عن علي ﵁ إلى نقله بأن يقول أخبرنا ونحوه، بل نسبها إلى نقل غيره غير متصل به. قال: "روى محمد بن إسحاق".
ونسب الثلاث المعارضة لها إليه: "أخبرنا عبد الواحد المليحي". فوجب العمل بهن دون تلك. ولم يقم علينا بها حجة، لأنها جاءت مجيء النقل من المكتوب طريق التواريخ والحكايات، ومحمد بن إسحاق الناقل معروف بذلك. فسقط الاحتجاج بها. فإن قيل: كيف نقلها هذا العالم منكم -يعني صاحب المعالم- وهو يعرف أنها غير صحيحة؟ قلت: نقلها ونقل ما يعارضها حتى [يتبين] الزيف من الخالص فيسقط احتجاج الغير بها، فلا بأس عليه في ذلك، إذ هو دأب العلماء في محل
الخصام. وأيضا ذكر الروايات الضعيفة والموضوعة هو دأب المفسرين الكبار. ألا ترى ما أورده البيضاوي من الأحاديث الموضوعة في أواخر السور وفي سورة هل أتى وغيرها. السابع أن الرافضة يدعون أن عليا ﵁ لم يزل مسلما. والذي تدل عليه الرواية عنه أن النبي ﵁ إنما طلب المؤازرة من أقاربه الكفار. فما معنى جواب علي ﵁ وهو ليس منهم في الاعتقاد ولم يتناوله الطلب ولا الخطاب. الثامن أن عليا ﵁ كان قد أسلم وآمن قبل ذلك، وهو المأمور بجمع الكفار من بني عبد المطلب على حسب روايته. والرافضة يدعونه أبلغ البلغاء. ومقالته هذه لا تطابق هذا المقام. وحاشا مثله. وهو بليغ في مثلها.
التاسع أن الخطاب بطلب المؤازرة المرتب عليه الوصية والاستخلاف المذكوران إنما كان للكفار. وحينئذ فلا يستقيم للرافضة حجة بذلك إلا إذا زعموا أن عليها كان حينئذ على مثل ما هم عليه. وحاشاه من مثل ذلك اتفاقا. فبطل الاحتجاج. العاشر أن من شروط الوصية والاستخلاف الجزم بهما. وتعليق استحقاقهما بوجود شيء ينافي ذلك. الحادي عشر: أن الوصية والاستخلاف يكونان لمعين مقطوع به اتفاقا. وطلبه من واحد من جماعة متعلق بصفة واحدة توجد به يوجب الجهالة. فتعين البطلان به. الثاني عشر أن الخطاب بالصفة هو لواحد يكون فيه. فلو وجدت من اثنين أو أكثر دفعة واحدة أو مرتبا وقع الشقاق. فاستحال. الثالث عشر أن من شروط الموصي والمستخلف العلم بما ينص عليه بهما. وطلبه من جماعة بصفة محمول على جهالة الموصي والمستخلف به. فتنافيا. الرابع عشر أن الاستخلاف لا يكون إلا لبالغ، وعلي ﵁ كان صبيا، والصبي محجور من مثله فامتنع. الخامس عشر أن عليا ﵁ كان صبيا ولم يكن أحد أبويه مسلما حتى يحكم بإسلامه تبعا لأصله، ولم يكن إسلامه إلا باعتقاده وإقراره وهو بالغ وكامل. فكيف يسوغ الأمر لكاملين بالسمع والطاعة. ولهذا نقل الراوي ضحك المجموعين من هذا الكلام.
بعا لأصله، ولم يكن إسلامه إلا باعتقاده وإقراره وهو بالغ وكامل. فكيف يسوغ الأمر لكاملين بالسمع والطاعة. ولهذا نقل الراوي ضحك المجموعين من هذا الكلام.
السادس عشر أن دعوى النبي ﷺ حتى يؤلف ويستخلف جميع من دعاه إلى الإيمان. وقوله في الرواية: "أيكم يؤازرني فيكن وصيي وخليفتي فيكم" إذا أجيبت من واحد يوجب منافرة الباقين. فاستحال. السابع عشر أن ترغيب النبي ﷺ يجب أن يكون بثواب يعم جميع من يؤمن به، كالجنة في الآخرة والتمكين في الدنيا مثلا. وقوله: "أيكم يؤازرني فيكن وصيي وخليفتي فيكم" لا يختص ثوابه إلا بواحد، وما يبقى فائدة للباقين. وهل يوجب ذلك إلا عدم الرغبة في الإيمان وانعدامه. الثامن عشر أن الوصية بالاستخلاف، فأحدهما عين الآخر. وقد ذكرا في الرواية أحدهما معطوفا على الآخر. والعطف يوجب المغايرة والترادف. وكلاهما يمتنعان في التبليغ. التاسع عشر: المؤازرة المرتب عليها الوصية والاستخلاف كانت ثابتة لعلي ﵁ قبل الخمسة المذكورة لتقدم إيمانه عليها اتفاقا. فما معنى طلب النبي ﷺ لها من غيره بعد ذلك. وهذان حالان متناقضان. العشرون: إن كان غرض النبي ﷺ ثبوت الوصية والاستخلاف لغير علي من الجماعة المخاطبين، فاستحال أن يكون له. وإن كان غرضه ثبوتها لعلي فهو تحصيل الحاصل لتقدم إيمانه ﵁ على ذلك. ومثله لا يصلح من حكيم.
لاستخلاف لغير علي من الجماعة المخاطبين، فاستحال أن يكون له. وإن كان غرضه ثبوتها لعلي فهو تحصيل الحاصل لتقدم إيمانه ﵁ على ذلك. ومثله لا يصلح من حكيم.
الحادي والعشرون: أن بعض هؤلاء المجموعين المخاطبين من بني عبد المطلب من أسلم كالعباس وغيره وبايع أبا بكر وتابعه وانقاد لمنصوصه عمر بن الخطاب ﵁. وهذا مما يؤيد كذب هذه الرواية. الثاني والعشرون: أن يقال هذه الرواية عن علي ﵁ صحيحة على سبيل التسليم للجدال، ولكنها لا تقوم حجة علينا ولا على ثبوت وصية واستخلاف لعلي قبل أصحابه المتقدمين عليه ﵁ من وجهين: أحدهما أنها لم توجد إلا من نقله ولم توجد من نقل أحد غيره، فهي من قبل شهادة المرء لنفسه. فلم تقبل على الأخصام في محل الخصام. ولا يمنع جواز أن يطلب الخلافة لنفسه على ظن استحقاقه لها اجتهادا بالطلب إذا استحقت لغيره، إذ هو ليس بمعصوم. ثانيهما: أن الآية آمرة بالإنذار الخاص لعشيرة النبي ﷺ الأقربين، والخطاب بالوصية والاستخلاف لعلي ﵁ هو عليهم وفيهم دون غيرهم في عشيرته البعيدة وغير عشيرته. ولا يدخل غيرهم في ذلك. ألا ترى أنهم قالوا لأبي طالب: "أمرك أن تسمع لابنك وتطيع" وهم
يضحكون.
(غدير خم) وأما الثاني، وهو ما ذكره الرافضة من النص على علي في غدير خم.
ي ذلك. ألا ترى أنهم قالوا لأبي طالب: "أمرك أن تسمع لابنك وتطيع" وهم
يضحكون.
(غدير خم) وأما الثاني، وهو ما ذكره الرافضة من النص على علي في غدير خم.
فالجواب أيضا من وجوه. وكل منها يصلح أن يكون جوابا عن المتقدم. الأول: أنه ثبت أن العباس قال لعلي: مدّ يدك لأبايعك حتى يقول الناس بايع ابن عم النبي عمه، فلا يختلف عليك اثنان. فقال علي ﵁: ليس ذلك إلا لأهل بدر. وطلب البيعة لعلي ممن يُدعى له أنه نص النبي فيه يدل على عدم النص وكذب الدعوى. الثاني: أن عليا ﵁ لم يحكم إلا بالمبايعة من باقي الصحابة. وطلب البيعة من علي ومد يده لها اعتراف وإقرار منه ودليل ظاهر على عدم النص فيه وعدم استحقاقه لها بغير الإجماع والمبايعة. الثالث أن أبا بكر ﵁ بويع، ولم يدّع أحد لعلي ﵁ نصا ولا هو لنفسه. فدل على عدم النص فيه. الرابع أن الأنصار طلبوا الحكم لسيدهم سعد بن عبادة وقالوا لقريش: "منا أمير ومنكم أمير". وهذا يدل على عدم النص فيه ﵁ أو غيره. وإلا ادعاه المنصوص به عليه واحتج به. ولم يقع شيء من ذلك. فامتنع. الخامس أن أبا بكر ﵁ احتج على الأنصار حين قالوا: "منا أمير ومنكم أمير" بحجة عامة، وانقطعوا بها وسلموا وبايعوا أبا بكر ﵁. وهو قوله: إن النبي ﷺ قال: «الأئمة من قريش». ولو كان
نص خاص في علي أو غيره لاحتج به عليهم، وكان أولى من العام وأقوى في الاحتجاج. وإذ لم يحتج به يثبت عدمه. السادس أن أبا بكر ﵁ نص على عمر ﵁، وانقاد الآل والصحب له، ولم يعارض أحد في ذلك. ولا ادعى علي أيضا نصا لنفسه. فثبت عدم النص به. السابع أن عمر ﵁ جعل الأمر شورى في ستة. وعلي منهم. ودخل في الشورى معهم من غير دعوى النص به منه أو من غيره. فدل على عدمه فيه. الثامن أن عليا حكم الحكمين بينه وبين معاوية. واتفق على ذلك مجموع العسكرين. ولا دليل أقوى من ذلك على عدم النص به. التاسع أن الحسن ﵁ بايع معاوية وسلم الأمر إليه.
والرافضة يدعون أنه منصوص [أبيه] المنصوص له. وهذا مما يدل على عدم النص بهما. وإلا توجه الخطأ بزعم من يدعي له النص فضلا عن العصمة. العاشر أن الرافضة يدعون أن الخلافة لعلي ﵁ واجبة لأنه موصى له بها، ويدعون أنه لا يخل بواجب، لأنه معصوم. ولا خلاف أنه تركها على الخلفاء قبله وترك نزاعهم عليها. وهذا يدل على أحد شيئين: إما إخلاله بالواجب أو عدم الوصية. والأول باطل اتفاقا، فتعين الثاني. الحادي عشر أن ترك الخلافة من علي ﵁ إما تقية مع وجود الوصية له أو بقوة لعدم الوصية. والأول باطل لأن التقية إنما
تكون من الكفار لخوفهم على النفس عند العجز، وهؤلاء صدور الأمة وخيارها، ولا يخاف على نفس علي منهم. ولا يجوز لعلي التقية من مسلم يرتكب باطلا، بالخصوص مثل مسألة الإمامة التي هي أصل كبير في الدين. فتعين الثاني أي عدم الوصية به. الثاني عشر: نسلم جواز التقية من المسلمين عند خلافة الخلفاء ﵃ جدلا. فهلا اتقى من معاوية لخوف وقوع الفساد في الدين جدلا، ثم نقول: فهلا اتقى علي ﵁ من حرب عائشة يوم الجمل وعقر
لتقية من المسلمين عند خلافة الخلفاء ﵃ جدلا. فهلا اتقى من معاوية لخوف وقوع الفساد في الدين جدلا، ثم نقول: فهلا اتقى علي ﵁ من حرب عائشة يوم الجمل وعقر
جملها ووقوعها بين أعدائها يطوفون بها كالمسبية، وهي زوجة رسول الله ﷺ ومحبوبته وابنة صديقه والمأمور بحرمتها بضرب الحجاب عليها والمبرأة بالقرآن والمحرم نكاحها على الأمة، وقتل خيار الصحابة مثل طلحة والزبير، وتطاير أيدي كثير من المسلمين عند بروك جملها. وهلا اتقى من حرب يوم النهرون، وقد قتل خلق كثير من القراء والمسلمين وغيرهم في حرب الخوارج، وهلا اتقى حرب معاوية، ولا فساد أكثر مما وقع في نزاعهما حتى قتل بينهما في صفين سبعون ألفا من المسلمين فيهم من خيار الصحابة وكان ذلك طاعون الدين. وذلك مما يوجب أحد شيئين: إما خطأ الإمام علي على تقدير الوصية لتناقض فعله، أو صوابه على تقدير عدمها لثبوت حق المتروك نزاعهم (وهم الخلفاء الثلاثة) عليه وثبوت حقه على المتنازع.
والأول باطل. فتعين حقية الثاني. الثالث عشر: أن الله تعالى عدّل هذه الأمة وزكاها بقوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ وقد شهدوا لأبي بكر ﵁. فدل على عدم النص في غيره. الرابع عشر: أن النبي ﷺ قال: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، وقد اجتمعت على أبي بكر ﵁. فلا وصية لغيره. الخامس عشر: ثبت أن عليا ﵁ بايع أبا بكر ﵁، إما مع إجماع الأمة وإما بعده بستة أشهر كما نقل. وذلك دليل عدم الوصية. السادس عشر: أن تأخير البيعة من علي ﵁ ووقوعها بعد ستة أشهر يدل على اجتهاد منه في هذه المسألة. والاجتهاد منه ينافي النص فيه. السابع عشر: أن الله تعالى وعد مخالفة الإجماع بقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ الآية. والرافضة
ن الله تعالى وعد مخالفة الإجماع بقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ الآية. والرافضة
يدعون أن عليا ﵁ لم يبايع أبا بكر أصلا وخالف إجماع الأمة فيه. هذا مما يدل إيقاع الوعيد عليه أو كذب الرافضة. وأي الآيتين ثبت له دل على عدم النص فيه. وحاشاه من إيقاع الوعيد عليه ومخالفته سبيل المؤمنين، إذ مثل ذلك يرفع الأمانة والتقوى، فضلا عن استحقاق الخلافة. فتعين كذب الرافضة. الثامن عشر: ادعت الرافضة أن النبي ﷺ وصى عليا أن لا يوقع بعده فتنة ولا يجذب بعده سيفا. ولا دليل أكبر من ذلك على عدم الوصية وعلى استحقاق أصحابه المتقدمين عليه الخلافة دونه، إذ نهي عن نزاعهم. التاسع عشر: أن عليا ﵁ نكح في أيام إمامة المتقدمين عليه بالخلافة وتسرّى من سبيهم. والحسين ﵁ تسرى بنت كسرى من سبي عمر ﵁. وهذا دليل منهما يشعر باستحقاق من تقدمهما الإمامة وبأن لا نص [لغيرهم]. العشرون: أن عليا ﵁ كان مباشرا أشوار الخلفاء قبله في
إنفاذ العساكر ومنعها وفيما يهم من أمر الأعداء. والحسن والحسين رضي الله
عنهما كانا ملازمين مجلس عثمان ﵁ -الذي هو مختار الشورى من وصية عمر الذي هو منصوص أبي بكر ﵁ ومباشرين ما يأمر به من إقامة الحدود وغيرها. وفي هذا دليل على حقية الخلفاء المذكورين وأن لا نص لغيرهم. الحادي والعشرون: أن عليا ﵁ أنكح عمر ابنته أم كلثوم من
فاطمة ﵁ في إمامته وأولدها زيد بن عمر. وهذا مما يدل على الوداد بين علي وعمر ﵄ وصحة إمامة عمر ﵁ الذي هو منصوص أبي بكر ﵁، وأنهما لم يكونا على باطل. وإذ ثبت ذلك فلا وصية لغيرهما. الثاني والعشرون: أن غدير خم والنص الذي ادعته الرافضة لعلي فيه زور لا يعرفهما أحد من المسلمين، غير الرافضة الذين يدعونه. وحينئذ فدعواعم كالعدم إذ لا مستند لهم من غيرهم. الثالث والعشرون: أن الوصية لعلي ﵁ جهلها الآل والصحب
وبايعوا أبا بكر ﵁ وانقادوا له ولمنصوصه ولمنصوص منصوصه بالشورى. وما جهله من هو مصاحب النبي ﷺ حضرا وسفرا ومشاهد للوحي ونزول جبريل ﵇ كيف عرفها الرافضة الذين جاءوا وحدثوا بعد ذلك بمئات سنين؟ وأيهما أعرف الحاضر أو الغائب أو الموجود أو المعدوم؟ الرابع والعشرون: لم لم تدّع فاطمة رضي الله تعالى عنها الوصية؟ وأي تقية يحتمل في حقها؟ وهل كان أحد يقدر على مخالفتها، خصوصا بعد علمها بقرب موتها حيث أخبرها والدها الصادق المصدوق ﷺ ورضي عنها. وهل كانت تخون والدها ﷺ بكتمان وصيته ونصه؟ وهل
يحتمل عليها وعلى عم النبي ﷺ وأزواجه الطاهرات وأصحابه الكرام من المهاجرين والأنصار وأهل الصفة وغيرهم أن يخونوا نبينا عند موته ويصروا على خيانتهم إلى موت عثمان ﵁ وهم الذين بذلوا في محبته ونصرة دينه أموالهم وأرواحهم وهجروا أوطانهم وأهلهم وتركوا راحتهم ورياستهم. وهل اعتقاد ذلك في حقهم إلا كفر وضلال.
(حديث سأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله) السادس: وأما تأمر علي ﵁ في فتح خيبر وقول النبي ﷺ: «سأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه» فبات كل يترجاها، فلما أصبح أعطاها عليا، وكان أرمد فبصق في عينيه فبرئت في الحال. قلنا: لا دلالة في ذلك على استحقاق علي الإمامة قبل أصحابه الثلاثة.
ه» فبات كل يترجاها، فلما أصبح أعطاها عليا، وكان أرمد فبصق في عينيه فبرئت في الحال. قلنا: لا دلالة في ذلك على استحقاق علي الإمامة قبل أصحابه الثلاثة.
أما التأمر فإن النبي ﷺ أمّر الصديق أول حجة في الإسلام. وأمر كثيرا من أصحابه على كثير من الغزوات، بل كل غزوة خرج بها أو لم يخرج كان عليها أمير من أصحابه. وأما قوله: «يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» فليس هو من خواص علي ﵁. هذه صفة المؤمنين جميعا كما قال الله تعالى عمن حضر القادسية من عساكر عمر: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾
وأما الفتح فقبح الله الرافضة، يفتخرون لعلي ﵁ -وهو صاحب المفاخر والمناقب العالية- بفتح قرية فيها يهود أصحاب حرف، إما صاغة أو غير صاغة. وأهل السنة لم يفتخروا لأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ بممالك الملوك العظام أصحاب التيجان والعساكر والهمم العالية والعدد والعدد، مثل كسرى والعراق الذي كان بريده بينه وبين عسكره صفا من دجلة إلى الفرات يتراسلان في ساعة واحدة، والعسكران منه ومن عمر يتحاربان،
ومثل قيصر وهرقل والشام والروم وغيرها. وهل كان فارس من هؤلاء إلا كجمع اليهود، وهل بعض قرية من هذه الأقاليم إلا كخيبر. وأين يوم خيبر من أيام القادسية مثل البويب الذي عد فيه قتلى الكفار مائة ألف وبقيت عظام القتلى دهرا طويلا، ومثل يوم عماس والهرير وأغواث وأرماث واليرموك الذي كان فيه أهل الروم أربعمائة ألف مقاتل،
والصحابة ثلاثين ألفا. وغير ذلك من المعارك المهولة التي لو عددنا ذكرها لطال. هذا صنيع أئمة أهل السنة وأتباعهم وهم لم يفتخروا بشيء من ذلك ولم يجعلوه لأصحابهم بتعظيم أمر. والرافضة يجعلون الجرو كلبا. فقد صح بهم المثل المضروب وهو قول الناس: الكسرة البيضاء في يد المكدي عجب.
وأما براءة عين علي ﵁، فإن ذلك من معجزات النبي ﷺ. وجاء قتادة الخزرجي وقد أصيبت عينه بسهم وهي سائلة على خده حابسها بيده، فقال: يا رسول الله، إن تحتي امرأة حبها فاسأل الله أن يرد علي عيني، فردها النبي ﷺ بيده، فعادت أحسن ما كانت. وفيها قال ولده حين دخل على عمر بن عبد العزيز للعطا فقال له: انتسب، فقال:
أة حبها فاسأل الله أن يرد علي عيني، فردها النبي ﷺ بيده، فعادت أحسن ما كانت. وفيها قال ولده حين دخل على عمر بن عبد العزيز للعطا فقال له: انتسب، فقال:
أنا ابن الذي سالت على الخد عينه ... فردت بكف المصطفى أحسن الرد فعادت كما كانت لأحسن حالها ... فبوركت من عين وبوركت من يد فقال عمر: من أراد أن ينتسب فلينتسب مثل هذا.
(النسب) السابع: النسب، وهو قول الرافضي لسني عامي: إذا مات الواحد من أحق بميراثه: الأجنبي أو ابن عمه؟ فيقول العامي، إذ لا علم له بالأدلة: ابن عمه. قلنا: الجواب من وجوه: الأول: أن الحكم ليس بالميراث، إذ الميراث يقسم على مجموع الورثة، والحكم يختص به واحد منهم فتنافيا.
الثاني: أن النبي ﷺ لم يخصص بالإمامة الأقرب إليه حتى سقط الاحتجاج بالأبعد، بل قال: «الأئمة من قريش»، والقرشية في علي ومن ساواه من المتقدمين عليه واحد، وقد ترجح المتقدمون بترجيح الأمة. ويؤيد ذلك أن موسى ﵇ استخلف بعده يوشع بن نون ﵇، وأولاده وأولاد هارون موجودون لم يستخلف أحدا منهم. الثالث: إن كان الحكم للأقرب لزم الرافضة أن يقولوا: ليس لعلي بعد النبي ﷺ حكم، إذ العباس أقرب منه كونه عما وعلي ابن عمه. وكل من أبي بكر وعمر وعثمان أفضل من عباس.
(العلم) الثامن: العلم. احتجوا أنه أعلم الصحابة بوجوه: الأول: قول النبي ﷺ: "أقضاكم علي" والقضاء لا يكون إلا عن
علم. وكل ما ثبت أنه أقضى ثبت أنه أعلم. والأعلم تجب له الإمامة. والجواب عنه أيضا من وجوه: منها أن نسلم أن عليا أعلم الصحابة جدلا، ثم لا نسلم أن الأعلم تجب له الإمامة بدليل قصة الخضر وموسى ﵉، كان صاحب الإمامة والنبوة العامة موسى، والخضر دونه ومن رعيته. وقد سأل موسى الخضر أن يعلمه فعلمه. ومنها قصة الهدهد وسليمان بقوله ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ الآية.
ومنها قصة سليمان وداود ﵉ في حكم الغنم والحرث، وداود صاحب النبوة والإمامة العامة وسليمان من أتباعه. وقد قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾. ومنها أن عمر ﵁ حين عزم الخروج إلى العراق ولى عليا ﵁ القضاء على المدينة، وعمر صاحب الإمامة العامة. والرافضة يدعون أن عليا أعلم، وقد تولى القضاء من جهة عمر ﵁. الثاني: حديث: "أقضاكم علي" ورد مع جملة خصائص في غيره من الصحابة، لأن النبي ﷺ قال: "أقضاكم علي، أفرضكم زيد، أقرأكم أبي، أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، أرفقكم في دين الله أبو بكر، أشدكم عمر".
وحينئذ فثبت أن معاذا أعلم من علي بالحلال والحرام. والعلم بالحلال والحرام يعم سائر الأحكام، والقضاء مندرج تحته. فإن رضيت الرافضة بذلك بطل احتجاج الرافضة أنه أعلم. وإن لم يرضوا كانوا ممن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض. ولا ينفعهم ذلك بل يسقط احتجاجهم على رغم منهم. الثالث: أن نقول: لا نسلم أن عليا أعلم الصحابة لأن الأمة اجتمعت على كل من أبي بكر وعمر وعثمان بالتقديم. والمجمع على تقديمه مجمع على أنه أعلم ممن بعده.
الرابع: أن أبا بكر قُدم في الصلاة حياة النبي ﷺ على جميع الآل والصحب وصلوا وراءه. والصلاة بنص جميع الفقهاء الأعلم مستحق للتقديم فيها. وقد قدم، فثبت أنه الأعلم.
الخامس: أن الصديق كان يفتي في حضرة النبي ﷺ ويقر فتواه. وبيّن موته بعد إنكار من أنكره وموضع دفنه فلم ينازع. ولا خولف لا في إمامته ولا في مسائل الفروع والأصول، فدل على علمه بالأدلة التي تقطع النزاع.
فتواه. وبيّن موته بعد إنكار من أنكره وموضع دفنه فلم ينازع. ولا خولف لا في إمامته ولا في مسائل الفروع والأصول، فدل على علمه بالأدلة التي تقطع النزاع.
وعلي ﵁ خولف في مسألة بيع أم الولد وفي مسألة ابن السنابل مع سبيعة بنت الحارث من أن الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد بأقصى الأجلين، وغير ذلك. ونوزع في مسألة الإمامة، وتغلظ النزاع حتى تضاربوا بالسيوف، ولم يقطع عنه احتجاج عمرو بن العاص. وعمر ﵁ مع علمه فإنه وافق القرآن في جملة مواضع:
منها قوله تعالى ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. ومنها آية ضرب الحجاب على نساء النبي ﷺ. ومنها ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ ومنها أسارى بدر، وهي قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية.
وعثمان ﵁ جمع القرآن. وهو على تأليفه إلى يوم القيامة. ورأى بعض أصحابه امرأة أجنبية ثم دخل عثمان فرأى وجهه فقال: أيزني أحدكم ويدخل علي. قال: يا أمير المؤمنين أبعد رسول الله وحي؟
قال: لا وإنما هي فراسة.
وأمثال ذلك عن الخلفاء ﵃ أجمعين. السادس: أن جميع الأمة، عليا وغيره، كانت تبع أبي بكر وصاحبيه أيام خلافتهم، يرجعون إليهم في المسائل في دين ودنيا، ولا يسألون غيرهم، عليا كان أو غيره. ولو كان أحد أعلم منهم لسألته الناس. ولم يثبت شيء من ذلك فتعينت الأعلمية لهم. الثاني من وجوه الرافضة بالعلم حديث: "أنا مدينة العلم وعلي بابها".
والجواب عنه أيضا من وجوه: أحدها: أن هذا الحديث يتضمن ثبوت العلم لعلي ﵁. ولا شك أنه بحر علم زاخر لا يدرك قعره. إلا أنه لا يتضمن ثبوت الرجحان على غيره، بدليل ثبوت العلم لغيره على وجه المساواة بقول النبي ﷺ عن مجموع الأصحاب: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم". فثبت العلم لكلهم.
ت الرجحان على غيره، بدليل ثبوت العلم لغيره على وجه المساواة بقول النبي ﷺ عن مجموع الأصحاب: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم". فثبت العلم لكلهم.
ثانيها: أن بعض أهل السنة يقولون زيادة على هذا القدر، وذلك قوله: إن النبي ﷺ قال: "أنا مدينة العلم وعلي بابها وأبو بكر وعمر وعثمان حيطانها وأركانها"، والباب فضاء فارغ والحيطان والأركان طرف محيط. فرجحانهن على الباب ظاهر. ثالثها: وقع في تأويل "علي بابها" أي مرتفع، وعلى هذا يبطل الاحتجاج به للرافضة. وأيضا ورد في صحيح البخاري أن النبي ﷺ رأى أمته في المنام وعليهم القمصان، فمنهم من قميصه إلى ركبتيه ومنهم إلى ساقيه ومنهم أقصر، ورأى عمر ﵁ وعليه قميص يجره، فقالوا: بم أولت يا رسول الله؟ فقال: «بالعلم». فثبت أعلمية عمر على علي
بحيث يخشى على منكره الكفر. الثالث من وجوه احتجاجهم بالعلم: قولهم: إن عليا ﵁ يأخذ بقوله العلماء والحكماء والمنجمون والمداح، يقصون أخبار علمه، كقصة الخاتم والسبع واليهودي، وأنه جاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين أين جبريل؟ فنظر عن يمينه وشماله وفوقه وأسفله فقال: نظرت في السماوات السبع والأرضين السبع والغرب والشرق فلم أر جبريل، إن يكن فأنت هو! وأنه يعلم عدد الرمال والجبال والأوراق وقطر الغمام. ونحو ذلك.



