— Bagian 1 · الرصف لما روي عن النبي ﷺ من الفعل والوصف —
Disusun dari indeks kitab digital SantriOnline.
Bagian 1
الرصف لما روي عن النبي ﷺ من الفعل والوصف ويليه شرح الغريب
تأليف العلامة محمد بن محمد بن عبد الله العاقولي (٧٣٣ هـ - ٧٩٧ هـ)
[الجزء الأول]
﷽
الرَّصْفُ لِما رُويَ عَنِ النّبِيّ ﷺ مِنَ الفِعْلَ وَالوَصْفِ [١]
حُقُوقُ الطَّبْعِ مَحْفُوظَةُ لِمُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَةِ وَلا يَحقّ لأيّ جهَةٍ أَن تَطبَعَ أَو تُعطِي حَقّ الطّبْعَ لِأحَدٍ سَوَاء كانَتْ مُؤسَّسَةً رَسْميَّةً أَو أفرَادًا
الطَّبْعَةُ الأولى ١٤١٤ هـ - ١٩٩٤ م
مؤسسة الرسَالَة للطباعة والنشر والتوزيع بَيْروت - شَارِع سوريَا - بنَاية صَمَدي وَصَالحَة هَاتف: ٦٠٣٢٤٣ - ٨١٥١١٢ - صَ. بَ: ٧٤٦٠ - بَرقيًا: بيُوشرَان
المقدمة الحمد لله تعالى على عظيم نعمه، والشكر له سبحانه على عميم فضله، والصلاة والسلام كثيرًا على محمد خاتم الأنبياء والرُّسل، الذي أرسله ربُّ العالمين إلى النّاس رحمةً، فقال تعالى فيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ وبعد: فأودُّ أن أقدِّم كلمةً موجزةً لتعريف القارئ على القصد من اختياري هذا الكتاب ونشره، وعدم ذكر أسماء العلماء المحققين الذين قاموا بتحقيق نصه، وتخريج أحاديثه، والتدقيق فيها، والتعليق عليها، حتى خرج بجهدهم المشكور بهذه الصورة التى نترك الحكم فيها للقارئ، وندعو الله لهم بخير الجزاء، وأن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم. أما السبب الذي حدا بي إلى اختيار كتاب "الرصف" من بين كتب السيرة العطرة، فلكونه قد جمع فيه مؤلفه رحمه الله تعالى ما أمكن له الجمع من السنة القولية والفعلية، نقلًا عن الكتب الصحاح، من غير تطويل مُمِلّ، أو اختصار مُخِلٍّ، الأمرُ الذي قل أن يوجد له نظير فى موضوعه فى المكتبات فى حدود اطلاعي. ولقد كان لأحد الكتاب - وهو باحث محقق - ولاطلاعه على مكتبة (الفاتح) فى استانبول، فضل التعريف بالكتاب، والإشارة إليه في إحدى المجلات الإسلامية. كما أن لنسخة الشيخ الطاهر بن عاشور التي سمح - جزاه الله خيرًا - بأخذ صورة عنها من مكتبته، فائدة كبيرة بمقارنتها مع نسخة استانبول، واعتمادها في الطبع لكونها مصححة ومضبوطة، والخطأ فيها قليل، وقد أثبت عليها إجازة المؤلف، أو خطه.
ا من مكتبته، فائدة كبيرة بمقارنتها مع نسخة استانبول، واعتمادها في الطبع لكونها مصححة ومضبوطة، والخطأ فيها قليل، وقد أثبت عليها إجازة المؤلف، أو خطه.
ومما زادني قناعة ورضى بهذا الكتاب فيما بعد، أن قرأت مقالًا منشورًا في إحدى المجلات الثقافية بعنوان: إحياء تراث السيرة، لأحد الكتاب أيضًا، وله اطلاع واسع بالمخطوطات العربية، وهذا نص ما نقلته من مقالته: وهذا الكتاب جامع، جاء في آخره: كتب على يد الفقير إلى الله تعالى إسماعيل بن موسى بن علي الجرجاني، ولم يذكر تاريخ كتابته: كان المؤلف مدرس المستنصرية ببغداد كأبيه وجده، ودرَّس أيضًا بالنظامية كأبيه، وكان عالم بغداد، ورئيس العلماء بالمشرق. وهناك سير عديدة أخرى لا مجال لتعدادها الآن، وبينها ما يوافق مختلف الرغبات، بين مختصر ومتوسط ومفصل، وليس لنا إلا أن ندعو في هذا السبيل إلى أمر يصرف الناس عن النزعات الضالة والمضلة، وأن يميلوا إلى معرفة خير من خدم البشر في الإصلاح والتقوى، وفي الدعوة إلى السلوك المرضي. وأملنا من المؤسسات الإسلامية في مختلف الأرجاء، الالتفات إلى أمر جليل، وهو إحياء تراث سيرة الرسول ﵊، لتكون قدوة في الإِصلاح، وطريقًا في النهج الحق، ووسيلة لتهذيب الخلق الإسلامي السامي في الفلاح وخير العمل، فإن النفوس في أكثر قد شذت عن الغرض، وصرفت عن المطلوب، وصارت على سِيَر غير محمودة، ولا مرضية، وليس لنا إلا أن نهتم بتحقيق هذه السيرة الجليلة تحقيقًا علميًا، يتيسَّر لكل أحدٍ اقتناؤها، حتى ترجع النفوس عن غيّها، ولنعيد ذكريات الرسول ﵊ في حياته الخاصة والعامة، ولنجعلها قدوة للعمل المشترك لخير الإنسانية. وأما عن إغفال ذكر المحققين، فمهما كان من سبب، فلا أظن أنه سيشفع لي، لما للمحققين من الحق أن ينسب إليهم ما يقومون به من ضبط وتحقيق وتخريج، كذلك للقارئ حق آخر، وهو الاطلاع على من خدموا في هذا الكتاب السنة المطهرة، وإذا لم يكن العذر مقبولًا على كل حال في هذا عند كثير من الناس، فلا أقل من تبيان الداعي إلى ذلك، وهو أن يبقى هذا العمل خالصًا لله تعالى، وليس فيه مَظِنَّة لشُهْرَةٍ، أو انتفاع بدعاية، والله ولي التوفيق. النّاشر
، فلا أقل من تبيان الداعي إلى ذلك، وهو أن يبقى هذا العمل خالصًا لله تعالى، وليس فيه مَظِنَّة لشُهْرَةٍ، أو انتفاع بدعاية، والله ولي التوفيق. النّاشر
ترجمة المؤلف هو أبو المكارم غياث الدين محمد بن صدر الدين محمد بن محي الدين عبد الله بن أبي الفضل محمد بن علي بن حماد بن ثابت الواسطي ثم البغدادي الشافعي المعروف بابن العاقولي. ولد ببغداد سنة ٧٣٣ هـ ونشأ بها، وسمع من والده وجماعة، وأجاز له جماعة. قال ابن قاضي شهبة في طبقاته: صدر العراق، ومدرس بغداد، وعالمها، ورئيس العلماء بالمشرق. وقال الحافظ شهاب الدين بن حِجي: كان مدرس المستنصرية ببغداد كأبيه وجده، ودرس أيضًا بالنظامية كأبيه، ودرس هو بغيرهما، وكان هو وأبوه وجده كبراء بغداد، وانتهت إليه الرياسة بها في مشيخة العلم والتدريس، وصار المشار إليه، والمعوّل عليه، تهرع القضاة والوزراء إلى بابه، والسلطان يخافه، وكان بارعًا في الحديث والمعاني والبيان. وقال الحافظ برهان الدين الحلبي: كان إمامًا علامة، متبحرًا في العلوم، غاية في الذكاء، مشارًا إليه، وكان دخله كل سنة زيادة على مائة ألف درهم، وكلها ينفقها. وقال السيوطي في "بغية الوعاة": برع في الفقه والأدب والعربية والمعاني والبيان، وشارك في الفنون، وانتهت إليه رياسة المذهب هناك، سمع من السراج القزويني،
وأجاز له الميدومي وغيره، وكان عند أهل بلده شيخ الحديث في الدنيا، وكان فهمًا جيدًا مفرط الكرم، ديِّنًا، حسن الشكل والأخلاق، حدث بمكة والمدينة والشام، وصنف "شرح المصابيح"، و"شرح منهاج البيضاوي"، و"الغاية القصوى"، وغيرها. وقال ابن حجر: ولما دخل تيمورلنك هرب منها مع السلطان أحمد بن أويس فنهبت أمواله وسبيت حريمه. قال ابن قاضي شهبة: ولما رجع السلطان إلى بغداد رجع معه فأقام دون خمسة أشهر في بغداد. توفي ﵀ في بغداد سنة ٧٩٧ هـ. وقال السيوطي: ٧٩٨ هـ ودفن بالقرب من معروف الكرخي بوصية منه.
راموز الصفحة الأولى من نسخة الطاهر بن عاشور
راموز الصفحة الأخيرة من نسخة الطاهر بن عاشور
راموز الصفحة الأولى من النسخة الاستنبولية
راموز الصفحة الأخيرة من النسخة الاستنبولية
﷽ وما توفيقي إلا بالله الحمد لله الذي بعث محمدًا ﷺ رحمةً للأنام، ونعمةً أغنت عن مُنْهَلِّ الغمام، ونورًا أخجل نَوْرَ الزهر، وأخرج الأمة من الظلام، وشاهدًا على الأمم بتبليغ الأحكام، ومبشِّرًا بما أعدّهُ الله تعالى في دار السلام، ونذيرًا أنذرهم يوم الآزفة إِذِ القُلُوبُ لدى الحَنَاجِر من دَهَشِ الاصطِلام، وداعيًا إلى الله بإذنه وإلى مأدُبةِ الإِكرام، وسراجًا منيرًا سالمًا من القَتَامِ. أحمده والتوفيقُ لحمدِه مِنْ أعظم نِعَمِه الجِسام، وأشكره شكرًا يتكفَّلُ بالمزيد من إمداد الإِنعام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهًا وجَبَ في بَدَاهَةِ العقول تنزُّهُه عن سِمَة الحَدَث والانفصَامِ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله نبيًا اختاره للدَّعوة العامة قبل وجود الخاصِّ والعامِّ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه مشرِّبي هامِ الطَّغامِ (١) غِرار الصوارمِ والأبطال في لُجَجِ الاصطِدامِ، صلاةً دائمةً باقيةً مَا اقترنَ اسمُه باسمِه في الأَذان والإقامة والخُطَبِ وشهادة الإِسلام، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
رمِ والأبطال في لُجَجِ الاصطِدامِ، صلاةً دائمةً باقيةً مَا اقترنَ اسمُه باسمِه في الأَذان والإقامة والخُطَبِ وشهادة الإِسلام، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فهذا كتابٌ مختصَرٌ جامعٌ لكثيرٍ من أوصاف رسول الله ﷺ وأفعاله، وجُملٍ من أقواله، حملنا على تأليفه أنّا مكلَّفون بالإِيمان به ﷺ، وذلك يقتضي معرفته ليصادف تصديقُنا محلَّه، وكمال التّعريف يحصل بذكر الاسم والنَّسبِ والوصفِ والأفعالِ والأقوالِ. أما الاسم، فلأنّه السِّمة الدَّالّة على مسمَّاه متى ما أطلق فُهِم منه، قال الله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]. وأما النَّسبُ، فلأنَّ الله تعالى قسم بني آدم إلى ما قسمهم إليه من الشعوب والقبائل لذلك، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣]. وأما الصّفات، فلأنَّها تُزيْلُ ما يبقى من الجهالة بعد التَّعريف بالاسم والنَّسب، وتجعل المنعوت كالحاضر، فإذا كانت صفاتُه جميلةً حقّقت محبّته في سُويداء القلب. وأما الأفعال، فلأنّها شواهِدُ الرِّجال، ولهذا كان العالم معرِّفًا للخالق تعالى. وأما الأقوال، فلأنّها المعرِّف الواضح لعلم القائل وكماله، ولهذا قيل: "المَرْءُ مَخْبوءٌ تحتَ لِسَانِه" وعامة الكتب النَّقلِيَّة موضوعة لضبطها. أما الأفعال، فلم نرَ من اعتنى بجمعها مفصّلةً قبل كتابنا هذا، وإنّما تُذْكَرُ في أثناء الأقوال، وذلك لأن القول عندهم أدلُّ من الفعل، وهو كذلك إلا أن لفعل القائل زيادة تأكيد ليست للقول وحده خصوصًا، وقد قال رسول الله ﷺ فيما رواه البخارى ومسلم رحمهما الله عن عائشة ﵂:
أدلُّ من الفعل، وهو كذلك إلا أن لفعل القائل زيادة تأكيد ليست للقول وحده خصوصًا، وقد قال رسول الله ﷺ فيما رواه البخارى ومسلم رحمهما الله عن عائشة ﵂:
"ما بَالُ أقْوامٍ يتَنَزَّهون عَنِ الشَّيءِ أَصْنَعُهُ، فَوَالله إنِّي لَأعلَمُهُم بالله، وأشَدُّهُم له خَشيَةً" (١). واعتمدنا من كتب السُّنَن الجامعة ما جمعه الشيخ العلامة الثِّقة مجدُ الدِّين مباركُ بنُ الأَثِير الجزري (٢) في كتابه "جامع الأصُول" (٣) ونقلنا منه غالبَ ما عَزَوناه إلى أصوله. وكتاب "الجمع بين الصحيحين" تأليف الشيخ ضياء الدين أبي حفص عمر بن بدر بن سعيد الموصلي (٤)، وكِتاب سنن أبي عبد الله محمد بن يزيد المعروف بابن ماجه (٥) , ومن كتب الأوصاف: كتاب "دلائل النبوة" تأليف الإِمام المجتهد أبي بكر البيهقي (٦)، وكتاب "الشفا" تأليف
القاضي السعيد عياض بن موسى اليحصبي (١)، وكتاب "النعت" تأليف أبي عبد الله محمد بن علي بن الحسن الحكيم الترمذي (٢)، وكتاب "الطبقات" تأليف أبي عبد الله محمد بن سعد بن منيع (٣) كاتب الواقدي. وهذه الكتب هي الأصول المعتمد عليها عند علماء هذا الشأن المتلقّاة بالقبول، وطرق روايتنا لها بينة في كتاب مشيختنا المسمى بـ "الدّراية في معرفة الرواية" ورتَّبنا كتابنا هذا على سبعة عشر فصلًا.
الفصل الأول: في ذكر أسمائه الشريفة، ونسبه، وأحواله، وما يتعلق بذلك، وبالنبوة، والهجرة الفصل الثاني: في ذكر أوصافه وأخلاقه الفصل الثالث: في ذكر لباسه وألوان ثيابه الفصل الرابع: في الزينة وما يتعلق بها الفصل الخامس: في ذكر الكراع وآلة الحرب الفصل السادس: في ذكر إبله وماشيته الفصل السابع: في ذكر مواليه وخدمه ورسله ومؤذِّنيه الفصل الثامن: في ذكر مساكنه ومسجده الشريف، وذكر المدينة المنورة الشريفة
الفصل التاسع: في ذكر العبادات الفصل العاشر: في ذكر المعاملات وما يجري معها الفصل الحادي عشر: في ذكر المناكحات والزوجات الفصل الثاني عشر: في الجنايات والحدود وأحكامها الفصل الثالث عشر: في ذكر الأطعمة والصيد والذبائح وما يتعلق بذلك الفصل الرابع عشر: في الطب والرق الفصل الخامس عشر: في ذكر الأدب الفصل السادس عشر: في ذكر ما يكون بعده من الفتن وإخباره بالمغيبات
الفصل السابع عشر: في ذكر مرضه ﷺ ووفاته وأحواله الشريفة بعد الموت وأردفنا الفصول بشرح ما عساه يشكل من ألفاظها، وأسماء بعض الرواة نقلًا من كتاب "نهاية الغريب" للشيخ مجد الدين المبارك بن الأثير، وكتاب "الصحاح" للجوهري (١) وكتاب "الاستيعاب" للشيخ الحافظ أبي عمر بن عبد البرّ المغربي (٢). ورسمناه بـ "الرصف لما نقل عن النبيّ ﷺ من الفعل والوصف" وإلى الله تعالى الرغبة في النفع به، وإعادة بركته على مؤلفه، والمشتغل به، والمسلمين أجمعين. وبالله تعالى العون والعصمة، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
الفصل الأول: في ذكر أسمائه الشريفة ونسبه ١ - عن جُبير بن مُطْعِم قال: قال رسول الله ﷺ: "لي خمسة أسماء: أنا مُحَمَّد، وأنا أَحمَدُ، وأَنَا المَاحِي الذي يَمْحُو الله بي الكُفْرَ، وأَنَا الحَاشِرُ الَّذي يُحْشَرُ النَّاس على قدمَيَّ، وأنا العَاقِبُ الذي ليسَ بَعْدَهُ نبِيٌّ" أخرجه البخاري ومسلم (١). ولرسول الله ﷺ أسماء كثيرة، قال الشيخ النواوي: قال الإمام الحافظ القاضي أبو بكر بن العربي المالكي (٢) في كتابه: " [عارضة] الأحوذي" (٣) في شرح الترمذي. قال بعض الصوفية: لله تعالى ألف اسم، وللنبي ﷺ ألف اسم،
م الحافظ القاضي أبو بكر بن العربي المالكي (٢) في كتابه: " [عارضة] الأحوذي" (٣) في شرح الترمذي. قال بعض الصوفية: لله تعالى ألف اسم، وللنبي ﷺ ألف اسم،
فأما أسماء الله تعالى، فهذا العدد حقير فيها، وأما أسماء النبي ﷺ، فلم أُحصِها إلا من جهة الورود الظّاهر بصيغة الأسماء البينة فوعيت (١) منها أربعة وستين اسمًا، ثم ذكرها مفصّلة مشروحة، فاستوعب وأجاد، ثم قال: وله وراء هذه الأسماء. وقد ذكر الشيخ شرف الدين الطيبي (٢) في كتابه "الكاشف" وغيره أيضًا هذه الأسماء، وهي: محمد، وأحمد، ومحمود، والماحي، والحاشر، والعاقب، والمُقَفَّي، ونبي الرحمة، ونبي الملاحم، والشَّاهِدُ، والمبشِّرُ، والنذير، والضحوك، والمتوكِّل، والفاتح، والأمين، والمصطفى، والخاتم، والرَّسول، والنَّبيُّ، والأمِّيُّ، والقيِّم، ونبي التوبة، والقاسمُ، والعبدُ، وعبد الله، والمزَّمِّلُ، والمدَّثِّرُ، والشَّفيعُ، والشَّافع، والمشفَّع، والحبيب، والخطيبُ، والحيي، والخليل، والدَّاعي، والسراج المنير، وحريصٌ عليكم، ورؤوفٌ رحيم، والطيب، وذو العزم، والصاحب، والصالح، والسيد، والقائد، والإِمام، والحِرز، والنور، والأزهرُ، والأجودُ، والشَّكورُ، والحق المبين، والكريم، والعظيم، والجبَّار، والخبير، والولي، والمقدَّس، وطه، ويس. وبعضها لم يذكره الطيبي، وذكره القاضي عياض (٣).
الأجودُ، والشَّكورُ، والحق المبين، والكريم، والعظيم، والجبَّار، والخبير، والولي، والمقدَّس، وطه، ويس. وبعضها لم يذكره الطيبي، وذكره القاضي عياض (٣).
ذكر نسب رسول الله ﷺ واصطفائه قال البخاري في ترجمة باب مبعث النبي ﷺ (١): هو محمدُ بنِ عبدِ الله بنِ عبْدِ المُطَّلبِ بنِ هَاشِم بنِ عَبدِ مَنَاف بنِ قُصيِّ بن كلاب بنِ مُرَّة بنِ كَعبٍ بنِ لؤيِّ بنِ غَالِبِ بنِ فِهْرِ بنِ مَالِكِ بنِ النَّضْرِ بنِ كِنانَةَ [بنِ خزيمة] بنِ مُدْرِكَةَ بنِ إلياس بنِ مضر بنِ نِزار بنِ معدِّ بنِ عدنانَ. قال الشيخ النواوي: إلى هنا إجماع الأمة، أما بعده إلى آدم، فمختلف فيه أشد الاختلاف، قال العلماء: ولا يصح فيه شيء يعتمد. وقُصَي، بضم القاف، ولُؤي، بالهمز وتركه، وإلياس بهمزة وصل، وقيل: همزة قطع. ٢ - عن أبي هريرة قال: قالَ رسُول الله ﷺ "بُعثْتُ مِنْ خَيْرِ بنِي آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا حتّى كُنْتُ مِنَ القَرنِ الَّذي كُنْتُ مِنْهُ" أخرجه البخاري (٢). ٣ - عن واثِلَةَ بنِ الأسْقَعِ قالَ: سمعْتُ رسول الله ﷺ يقولُ: "إنَّ
الله اصطفى كِنَانَةَ منْ وَلَدِ إسْماعِيلَ، واصطَفَى قُرَيْشًا مِن كِنانَةَ، واصطفَى مِن قُريشٍ بَني هَاشِمٍ، واصطَفانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ" أخرجه مسلم والترمذي (١). ٤ - عن المطلب بن أبي وَدَاعَةَ قَال: جاءَ العبّاسُ إلى رَسول الله ﷺ وكأنَّه سَمِعَ شيْئًا، فقامَ النَّبيُّ ﷺ على المِنْبَر، فقال: "من أنا؟ قالوا: أنت رسولُ الله، قالَ أنا محمَّد بنُ عَبْدِ الله بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ: إنَّ الله خَلَقَ الخَلْقَ فجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِم ثُمَّ جَعَلَهُم فِرقَتَيْنِ (٢) فجَعَلَنِي فِي خَيْرِهم فِرْقَةً، ثُمَّ جَعَلَهُم قَبَائِلَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِم قَبِيْلَةً، ثم جَعَلَهُم بيُوتًا، فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِم بَيْتًا وخَيْرِهِم نَفْسًا" أخرجه الترمذي (٣).
عَلَهُم قَبَائِلَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِم قَبِيْلَةً، ثم جَعَلَهُم بيُوتًا، فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِم بَيْتًا وخَيْرِهِم نَفْسًا" أخرجه الترمذي (٣). ٥ - عن عبد الله بن عمر قال: كُنا جلُوسًا ذاتَ يومٍ بفِناءِ رسول الله ﷺ، إذ مرَّت امرأةٌ من بناتِ النبيِّ ﷺ فقال أبو سفيان: ما مثل محمَّدٍ فِى بني هاشم إلا مثلُ الرَّيحانة في وَسَطِ النتن، فسمعتْ ذلك المرأةُ، فأبلغت رسولَ الله ﷺ فخرج - قال الراوي: أحسبه قال - مغضبًا، فصَعِد المنبر فقال: "ما بال أقوامٍ تبلغني عن أقوامٍ، إن الله ﷿ خَلَقَ سماوات سبعًا فاختار العلياءَ، وأسْكَنَ سَمَاواتِهِ مَنْ شَاءَ مِن خَلْقِهِ، ثمَّ اختَارَ مِنْ خَلْقِهِ، فاخْتَارَ بَنِي آدَمٍ، واختار من بني آدم العرب، واختَارَ من العرَبِ مُضَر، واختار من مُضَرَ قُرَيشًا،
واختار من قريش بني هاشمٍ، واختارني من بني هاشم، فَلَم أزَل خِيارًا من خِيار، فَمَن أحبَّ العَرَبَ فَبِحُبِّي أحبَّهم، ومن أبغَضَ العَرَبَ فبِبُغضي أبغَضَهُم" أخرجه البيهقي في كتاب "مناقب الشافعي" (١). ٦ - عن سلمان قَالَ: قَالَ لِي رسُوْلُ الله ﷺ: [يَا سَلْمانُ] "لا تُبْغِضْنِي فَتُفَارِقَ دِيْنَكَ" قلتُ: يا رسولَ الله كَيْفَ أُبغِضُكَ وبِكَ هَدَانِي الله؟ ! قالَ: "تُبغِضُ العَرَبَ فَتُبغِضُنِي" أخرجه الترمذي (٢). ٧ - عن عثمان ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ غَشَّ العَرَبَ لَمْ يَدْخُلْ فِي شَفَاعَتِي ولم تَنَلْهُ مَوَدَّتي" أخرجه الترمذي (٣).
وقالت عائشة في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] هذه للعرب خاصة (١). عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] (قال): يُقَالُ مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ فَيُقَال: مِنَ العَرَبِ، فَيُقَال: من أيِّ العَرَبِ؟ فَيُقَالُ: مِنْ قرَيْش (٢). ٨ - عن أبي هريرة أن سُبيعة بنت أبي لهب جاءت إلى النبي ﷺ، فقالت: يا رسولَ الله إنَّ النَّاس يَصِيْحُونَ بِي يقُولُونَ: إنِّي ابْنَةُ حَطَبِ النَّار، فقامَ رسولُ الله ﷺ وهو مُغْضَبٌ شَدِيْدُ الغضَبِ، فقالَ: "ما بال أقْوامٍ يُؤْذُونَنِي في قَرَابتي، مَن آذَى قَرَابَتِي فَقَد آذانِي، ومَن آذانِي فقد آذى الله ﷿" أخرجه البيهقي في "المناقب" (٣).
ذكر تزوج عبد الله بن عبد المطلب والد رسول الله ﷺ آمنة بنت وهب والدة رسول الله ﷺ - ٩ - عن محمَّد بن علي بن الحسين ﵃ قال: كانت آمنة بنت وهب بن عبد مناف [بن زهرة بن كلاب] في حجر عمها وهيب بن عبد مناف بن زهرة،
وهب والدة رسول الله ﷺ - ٩ - عن محمَّد بن علي بن الحسين ﵃ قال: كانت آمنة بنت وهب بن عبد مناف [بن زهرة بن كلاب] في حجر عمها وهيب بن عبد مناف بن زهرة،
فمشى إليه عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بابنه عبد الله بن عبد المطَّلِب أبي رسول الله ﷺ، فخطب عليه آمنة بنت وهب، فزوَّجها عبد الله بن عبد المطلب، وخطب إليه عبد المطلب بن هاشم في مجلسه ذلك ابنته هالة بنت وهيب على نفسه، فزوجه إياها، فكان تزوجُ عبد المطلب بن هاشم وتزويج (١) عبد الله بن عبد المطلب في مجلس واحد، فولَدَت هالة بنت وهيب لعبد المطلب حمزة بن عبد المطلب، فأرضعت رسول الله ﷺ وحمزة ثويبَةُ جارية أبي لهب، فكان حمزة عمَّ رسول الله ﷺ وأخاه من الرضاعة. أخرجه محمّد بن سعد (٢).
ذكر حمل آمنة برسول الله ﷺ ومولده ١٠ - عن يزيد بن عبد الله بن زمعة عن عمته قالت: كنَّا نسمع أن رسول الله ﷺ لما حملت به آمنة بنت وهب كانت تقول: إنّي ما شَعرْتُ أني حملتُ به، ولا وجَدتُ له ثِقلًا [كما تجد النساء] إلا أني أنكرت رفع حيضتي، وربما كانت ترفعني وتعود، وأتاني آت وأنا بين النّائم واليقظان، فقال: هل شعرتِ أنكِ حَمَلْتِ، فكأنِّي أقول: ما أدري، فقال: إنّكِ قد حمِلتِ بسَيِّد هَذِهِ الأمة ونبيّها، وذلك يوم الاثنين. أخرجه ابن سعد (٣). وقال: والمعروف عند أهل العلم أنه لم تلد آمنة بنت وهب، ولا عبد الله بن عبد المطّلب غير رسول الله ﷺ. ١١ - قال ابن عبد البر: قال الزبير: حملت به أمُّه ﷺ أيام التشريق في شِعبِ أبي طالب عند الجمرة الوسطى، وولد رسول الله ﷺ بمكة في الدار
غير رسول الله ﷺ. ١١ - قال ابن عبد البر: قال الزبير: حملت به أمُّه ﷺ أيام التشريق في شِعبِ أبي طالب عند الجمرة الوسطى، وولد رسول الله ﷺ بمكة في الدار
التي تدعى لمحمد بن يوسف أخي الحجاج، وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان. قال وقيل: بل يوم الاثنين في شهر ربيع الأول لليلتين خلتا منه، وقيل: لثمان خلت منه. وقيل: إنه أول اثنين من ربيع الأول، وقيل: لاثنتي عشرة ليلة خلت منه عام الفيل، قال: ولا خلاف أنه ولد عام الفيل. قال: "وعن ابن عباس أنه قال: ولد رسولُ الله ﷺ يوم الفيل، وهذا يُحتمل أن يكون أراد اليوم الذي حَبَس الله فيه الفيل عن وطء الحرم. قال: وقيل بعد قدوم الفيل بشهر، وقيل: بأربعين يومًا، قال: وكان مقدم الفيل لثلاث عشرة ليلة بقيت من المحرم. قال: وقيل: إنه كان يوم الأحد وولد بعد ذلك بخمسين يومًا، يوم الاثنين لثمان خلت من شهر ربيع الأول، وذلك يوم عشرين من نيسان. ١٢ - عن ابن عباس أن آمنة بنت وهب قالت: لقد علقتُ به، تعني رسول الله ﷺ، فما وجدتُ له مشقّةً حتى وضعتُه، فلما فصل مني، خَرَجَ معهُ نورٌ أضاء له ما بين المشرقِ والمغربِ، ثم وقع [على] الأرض معتمدًا على يديه، ثم أخذ قبضةً من تراب فقبضها ورفع رأسه إلى السماء. أخرجه ابن سعد (١). ١٣ - عن ابن عباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال: وُلد النبي ﷺ مختونًا مسرورًا، قال: وأعجَبَ ذلكَ عبد المطَّلب، وحَظِي عنده، وقال: ليكونَنَّ لابني هذا شأنٌ، فكان له شأنٌ. أخرجه ابن سعد (٢). ١٤ - قال الشيخ النواوي: وولد رسول الله ﷺ عام الفيل، وقيل: بعده بثلاثين سنة. قال الحاكم أبو أحمد (٣): وقيل: بعده بأربعين سنة، وقيل:
بعده بعشر سنين، رواه الحافظ أبو قاسم ابن عساكر (١) "في تاريخ دمشق" والصحيح المشهور أنه عام الفيل (٢). ونقل إبراهيم بن المنذر الحزامي شيخ البخاري (٣) وخليفة بن خياط (٤) وآخرون الإِجماع عليه. وأرضعته ﷺ ثُوَيبة - بضم المثلثة - مولاة أبي لهب أيامًا ثم أرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب عبد الله بن الحارث السعدية، وروي عنها أنها قالت: كان يَشِبُّ في اليوم شبابَ الصَّبيِّ في شهر. ونشأ ﷺ يتيمًا يكفُلُهُ جَدُّهُ عبد المُطَّلِب ثمَّ عَمُّهُ أبو طالب
ذكر وفاة عبد الله وآمنة وضم عبد المطلب رسول الله ﷺ إليه ووصيته به إلى أبي طالب ١٥ - قال ابن عبد البر: ومات أبوه عبد الله بن عبد المطلب وأمه حامل به، قال وقيل: توفي أبوه بالمدينة والنبي ﷺ ابن ثمانية وعشرين شهرًا، وقبره بالمدينة في دار من دور بني النجار، وكان خرج إلى المدينة يمتار تمرًا، وقيل: بل خرج به إلى أخواله زائرًا وهو ابن سبعة أشهر، وقيل: بل توفي أبوه وهو ابن شهرين، وكَفَلَهُ جَدُّهُ عبد المطَّلب، قال: وفي رواية: مات أبوه وأمُّهُ وكَفَلَهُ جَدُّهُ عبد المطَّلب، قال وتوفِّيت أمه بالإِبواء بين مكة والمدينة وهو ابن ست سنين، وقيل: سبع سنين، وقيل ثمان سنين. وتوفي جده عبد المطلب بعد ذلك بسنة وأحد عشر شهرًا سنة تسع من أول عام الفيل، وقيل: بل توفي جده وهو ابن ثلاث سنين، وأوصى به إلى أبى طالب فصار في حجر عمه أبي طالب حتى بلغ خمس عشرة سنة، وكان أبو طالب شقيق أبيه (١). ١٦ - عن عبد الله بن عباس قال: كان رسول الله ﷺ مع أمه آمنة بنت وهب، فلما بلغ ستَّ سنين خرجت به إلى أخواله بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهُم [به] ومعه أم أيمن تحضنه، وهم على بعيرين، فنزلت به في دار النابغة، فأقامت [به] عندهم شهرًا، فكان رسول الله ﷺ يذكر أمورًا كانت في مُقامه ذلك، لما نظر إلى أطُم بني عدي بن النجار عرفه، وقال: كنت ألاعب أنيسة جارية من الأنصار على هذا الأُطم [وكنت] مع غلمان من أخوالي نطيِّر
كانت في مُقامه ذلك، لما نظر إلى أطُم بني عدي بن النجار عرفه، وقال: كنت ألاعب أنيسة جارية من الأنصار على هذا الأُطم [وكنت] مع غلمان من أخوالي نطيِّر
طائرًا كان يقَعُ عليه، ونظر إلى الدار، فقال: ها هنا نزلت بي أمي، وفي هذه الدار قبر أبي عبد الله بن المطلب، قال: وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار، قال: وكان قوم من اليهود يختلفون ينظرون إليه، فقالت أم أيمن: فسمعت أحدهم يقولُ: هو نبيُّ هذه الأمة، وهذه دارُ هجرته، فوعَيْتُ ذلك كلَّه من كلامه، ثم رَجَعَتْ به أمه إلى مكة، فلما كانوا بالأبواء توفيت أمُّه آمنة بنت وهب، فقبرها هنالك، فرجعت به أمُّ أيمن على البعيرين اللَّذينِ قدموا عليهما إلى مكة، وكانت تحضنه مع أمه، ثم بعد أن ماتت. أخرجه ابن سعد (١). ١٧ - عن نافع بن جبير وغيره قالوا: كان رسول الله ﷺ يكون مع أمه آمنة بنت وهب، فلما توفيت قبضَهُ إليهِ جدُّه عبد المطلب، وضمَّه ورقَّ عليه رقَّة لم يَرِقَّها على ولد [٥] وكان يُقرِّبه منه ويُدنيه، ويدخل عليه إذا خلا، وإذا نام، وكان يجلس على فراشه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك: دعوا ابني إنه لَيُؤْنِسُ مُلكًا. وقال قوم من بني مُدلِج لعبد المطلب: احتفظ به فإنَّا لم نر قَدَمًا أشْبه بالقَدَمِ التي في المقام منه، فقال عبد المطلب لأبي طالب: اسمع ما يقول هؤلاء، فكان أبو طالب يحتفظ به، فلما حضرت عبد المطلب الوفاةُ أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله ﷺ وحِياطته، ومات عبد المطلب فدفن بالحجُون (٢) وهو يومئذٍ ابن اثنتين وثمانين سنة، ويقال: ابن مئة وعشرين سنة، أخرجه ابن سعد (٣).
١٨ - عن ابن عباس أنه لما توفي عبدُ المطلب قَبَضَ أبو طالب رسول الله ﷺ[إليه] فكان يكون معه، وكان أبو طالب لا مالَ له، وكان يُحِبُّه حبًّا شديدًا لا يحبُّه ولده، وكان لا ينام إلا إلى جنبه، ويخرج فيخرج معه، وكان يخصُّه بالطعام، وكان إذا أكل عِيال أبي طالب جميعًا أو فرادى لم يشبعوا، فإذا أكل معهم رسول الله ﷺ شبعوا. وكان الصبيانُ يُصبحُونَ رُمْصًا (١) شُعثًا، ويصبح رسول الله دَهيْنًا كحيلًا، أخرجه ابن سعد (٢).
أو فرادى لم يشبعوا، فإذا أكل معهم رسول الله ﷺ شبعوا. وكان الصبيانُ يُصبحُونَ رُمْصًا (١) شُعثًا، ويصبح رسول الله دَهيْنًا كحيلًا، أخرجه ابن سعد (٢).
حفظ الله تعالى رسوله ﷺ من نقائص الجاهلية في نشوئه ١٩ - قال الشيخ النواوي: عن علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "ما عَبَدْتُ صَنَمًا، ولا شَرِبْتُ خَمْرًا، وما زِلْتُ أَعْرِفُ أنَّ الَّذي هُمْ عَلَيْهِ كُفْر (٣). وكان يُعرَف في قومه بالأمين لما شاهدوه من أمانته وصدقه وطهارته، فلما بلغ ثنتي عشرة سنة خرج مع عمِّه أبي طالب إلى الشام حتى بلغ بصرى، فرآه بَحِيْرى الراهب، فعرفه بصفته، وجاء فأخذ بيده، وقال: هذا سَيِّدُ العالمين، هذا رسول ربِّ العالمين، هذا يبعَثُه الله حجَّةً للعالمين. قالوا: فَمِن أين عَرَفْتَ هَذا؟ قال إنَّكم حين أقبلتُم من العقبة لم تبق صخرة ولا حجر إلا
خرَّ ساجدًا، ولا يسجد إلا لنبيّ، وإنا نجده في كُتبنا، وسأل أبا طالب أن يردَّهُ خوفًا من اليهود (١). ثم خرج ﷺ ثانيًا إلى الشام مع ميْسَرَة غلام خديجة في تجارة لها قبل أن يتزوجها حتى بلغ سوق بصرى، فلما بلغ خمسًا وعشرين سنة تزوج خديجة. ٢٠ - عن ابن عباس ﵄ عن أبيه أنه كان ينقل الحجارة إلى البيت حين بنت قريش البيت، قال: وأفردت قريشُ رجلين رجلين: الرجال ينقلون الحجارة، والنساء تنقل الشِّيْد قال: وكنت أنا وابن أخي، وكنا نحمل على رِقابِنا وأزُرُنا تحت الحجارة، فإذا غَشِينا النّاسُ، اتَّزرْنا، فبينا أنا أمشي ومحمد ﷺ أمامي، قال: فخرَّ وانبطح على وجهه، قال فجئتُ أسعى، وأَلْقَيتُ حجرى وهو ينظر إلى السماء، فقلت: ما شأنُك؟ فقام فأخذ إزاره، وقال: "نُهِيتُ أن أمْشِي عُرْيانًا" فكنت أكتمها الناس مخافة أن يقولوا: مجنون. أخرجه البيهقي (٢).
٢١ - عن زيد بن حارثة قال: كان صنمٌ من نحاس يقال له: إساف أو نائلة يتمسَّح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله ﷺ، وطفت معه، فلما مررت مسحتُ به، فقال رسول الله ﷺ لا تَمُسَّهُ، قال زيد فطفنا، فقلت في نفسي: لأمسنَّه حتى أنظر ما يقولُ، فمسحتُه، فقال رسول الله ﷺ: ألم تُنْهَ؟ ! قال زيد: فوالَّذي هو أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ما استلم صنمًا حتى أكرمه الله بالذي أكرمه وأنزل عليه. أخرجه البيهقي (١). ٢٢ - عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي ﷺ يَشْهَدُ مع المشركين مشَاهِدَهُم، قال فسمع ملكين خلفه وأحدهما يقول لصاحبه: اذهب بنا حتى نقومَ خَلْفَ رسول الله ﷺ، قال: كيف نقومُ خلْفَه وإنما عهدُه باستلام الأصنام قريب (٢) قال: فلم يعد بعد ذلك أن يشهد مع المشركين مشاهدهم. أخرجه البيهقي (٣)، وقال: قال أبو القاسم الطبراني: تفسير قول جابر: "وإنما
باستلام الأصنام قريب (٢) قال: فلم يعد بعد ذلك أن يشهد مع المشركين مشاهدهم. أخرجه البيهقي (٣)، وقال: قال أبو القاسم الطبراني: تفسير قول جابر: "وإنما
عهدُه باستلام الأصنام قريب" يعني أنه شهد من استلم الأصنام، وذلك قبل أن يُوحى إليه. ٢٣ - عن جبير بن مطعم قال: لقد رأيت رسول الله ﷺ وهو على دين قومه وهو يقف على بعير له بعرفات من بين قومه حتى يدفع معهم توقيفًا من الله ﷿. أخرجه البيهقي (١). وقال: "على دين قومه" معناه: على ما كان قد بقي فيهم من إرث إبراهيم وإسماعيل في حجهم ومناكحتهم وبيوعهم دون الشرك، فإنه لم يشرك بالله ﷿ قطُّ.
مقدمات النبوة ومبدأ البعث وتصديق ورقة وإسلام خديجة ﵂ ٢٤ - عن عائشة قالت: تُوفي رسولُ الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين. وفي رواية: أنه أقام بمكة ثلاث عشرة سنة يُوحى إليه، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين. وفي رواية: أنه أقام بمكة خمس عشرة سنة يسمع الصوت ويرى الضوء، ولا يرى شيئًا سبع سنين، وثماني سنين يُوحى إليه، وأقام بالمدينة عشرًا، وتوفي وهو ابن خمس وستين سنة، وفي أخرى: أنزل الله عليه وهو ابن أربعين، فمكث ثلاث عشرة سنة، ثم أُمِرَ بالهجرة، فهاجر إلى المدينة فمكث بها عشر سنين، ثم توفي رسول الله ﷺ. أخرجه البخاري ومسلم (٢).
٢٥ - عن عائشة ﵂ قالت: أوّلُ ما بُدِئ به رسول الله ﷺ من الوحى الرُّؤيا الصَّالحةُ في النَّومِ، فَكَانَ لا يَرَى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَقِ الصُّبح، وحُبِّبَ إليه الخَلاءُ، وكان يَخْلُو بغارِ حِراء فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ (وهو التعبُّد اللَّيالي ذَوات العَدَد) (١) قَبْلَ أن يَنْزِعَ إلى أهْلِه، ويتَزوَّد لِذلكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِها حتَّى جاءه الحقُّ (وفي رواية: حتَّى فَجِئَهُ الحقُّ) (٢) وهو في غار حِراء فجَاءهُ المَلَك فَقَالَ: "إِقْرأ" قال: ما أنا بِقارئٍ، قالَ: فأخَذَنِي
ِها حتَّى جاءه الحقُّ (وفي رواية: حتَّى فَجِئَهُ الحقُّ) (٢) وهو في غار حِراء فجَاءهُ المَلَك فَقَالَ: "إِقْرأ" قال: ما أنا بِقارئٍ، قالَ: فأخَذَنِي
فغَطَّنِي حتَى بَلَغَ منِّي الجهْدُ (١) ثم أرسَلَنِي فقالَ: "إِقْرأ" فَقُلْتُ: ما أنا بقارئٍ، فأخَذَني فَغَطَّني الثَّالِثَة حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثمَّ أرسَلَني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فرجَعَ بِهَا رسُول الله ﷺ يَرجفُ فُؤادُهُ، فَدَخَلَ عَلى خَدِيْجَة بِنْتِ خُوَيْلِد، فَقَال: "زَمِّلونِي زَمِّلونِي" فزَمّلوهُ حَتَّى ذهَبَ عَنهُ الرَّوعُ، فَقال لِخَدِيجَة وأَخْبَرَها الخَبَرَ: لَقَد خَشِيْتُ على نفْسي، فقالَت لهُ خَدِيجَةُ: كَلَّا أَبْشِر، فوَالله ما يُخْزيكَ الله أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِم، وتَصْدُقُ الحَدِيْث، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ على نَوائبِ الحَقِّ. فانطَلَقَت بِه خَدَيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بهِ عَلَى وَرَقةَ بنِ نَوفَلَ بنِ أَسَدِ بنِ عَبْدِ العُزَّى بنِ قُصَيِّ وهو ابن عمِّ خَدِيجَة أَخِي أبِيها وكَان امْرأَ تنَصَّرَ في الجاهِلِيَّة وكانَ يَكْتُبُ الكِتابَ العِبْرانيَّ، فَيَكْتُبُ منَ الإِنجيْلِ بالعِبْرانيَّة ما شاءَ الله أن يَكْتُبَ، وكانَ شَيخًا كَبيْرًا قَدْ عَمِيَ، فَقالتْ لهُ خَدِيجةُ: يا ابنَ عمِّ (٢) اسْمَعْ مِن ابْنِ أَخِيكَ، فقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يا ابنَ أخِي مَاذا تَرى؟ فأخْبَرَهُ رسُول الله ﷺ خَبَرَ ما رأى، فَقَالَ له وَرَقةُ: هذا النَّاموسُ الَّذي نُزِّلَ على مُوسى، يا ليتني فيها جَذعًا (٣)، ليتني أكونُ فِيها حيًّا إِذْ يِخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقَالَ رسولُ الله ﷺ: أوَ مُخْرِجِيَّ هُم؟ قال: نعَمْ لَم يَأتِ رَجُلٌ قَطُّ بمثلِ ما جِئتَ به إلا عودِيَ،
وإن يُدْرِكْني يَوْمُكَ حيًّا أنصُرُكَ نصْرًا مؤزَّرًا، ثُمَّ لَم يَنْشَب وَرَقَةُ أن تُوُفِّيَ وفَتَرَ الوَحيُ فَتْرَةً حَتّى حَزِن رسُول الله ﷺ فِيمْا بَلَغَنا (١) حُزْنًا غَدا منهُ مِرارًا حَتَّى (٢) يتَرَدَّى من رؤوس شواهِقِ الجِبَالِ، فَكُلَّما أوفَى بِذَروَةِ جَبَلٍ لكي يُلقِي نَفسَهُ تَبَدَّى لَهُ جبريلُ ﵇ فقال: يا محَمَّد إنَّك رسولُ الله حقًّا فيسكُنُ لِذلك جأشُهُ، وَتَقِرُّ نفْسُهُ، فَيَرْجِعُ، فَإذَا طَالَت عَلَيْهِ فَتْرَةُ الوَحْيِ غَدا لِمِثْل ذَلِك فَإذا أوفى بذروة جبلٍ (٣) تبدَّى له جبريل فقال له مثل ذلك. أخرجه البخاري ومسلم (٤). ٢٦ - وأخرجه البيهقي، وقال: عن ابن شهاب وهو الزهري قال: حَدَّثني عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: توفي رسول الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين. ٢٧ - قال ابن شهاب وحدَّثَني مِثْلَ ذَلِك سَعِيد بن المسيب. وكان فيما بلغنا: أول ما رأى أنَّ الله ﷿ أراه رؤيا في المنام، فشق ذلك عليه، فذكرها رسول الله ﷺ لامرأته خديجة بنت خويلد بن أسد، فعصمها الله ﷿ من التكذيب، وشرح صدرها بالتصديق، فقالت: أبشر فإن الله ﷿ لن يصنع بك إلا خيرًا، ثمَّ إنه خَرَجَ مِن عِندِها، ثم رجَعَ إِلَيْها، فأخْبَرَها أنّه رأى
﷿ من التكذيب، وشرح صدرها بالتصديق، فقالت: أبشر فإن الله ﷿ لن يصنع بك إلا خيرًا، ثمَّ إنه خَرَجَ مِن عِندِها، ثم رجَعَ إِلَيْها، فأخْبَرَها أنّه رأى
بطنه شُقَّ ثمَّ طُهِّرَ وغُسِّل، ثمَّ أُعيد كما كان، قالت: هذا والله خير فأبشر، ثم اسْتَعْلَنَ له جِبْريلُ ﵇ وهو بأعلى مكة، فأجْلَسَهُ على مَجْلِسٍ كَرِيمٍ مُعْجِبٍ كان النبي ﷺ يقولُ أجْلَسَني على بِساطٍ كهيئة الدُّرْنوك (١)، فيه الياقوت واللؤلؤ، فبشره برسالة الله ﷿ حتى اطمأن النبي ﷺ، فقال له جبريل ﵇: "اقرأ" فقال كيف أقرأ؟ قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فَفتَحَ جِبرِيلُ عَينًا من ماء فتوضأ ومحمد ﷺ ينظر إليه، فوضأ وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح برأسه ورجليه إلى الكعبين, ثم نضح فرجه، وسجد سجدتين مواجهةَ البيت، ففعل محمَّد ﷺ كما رأى جبريل يفعل (٢). ٢٨ - قال ابن شهاب: وكانت خديجة أوَّل مَن آمن بالله وصَدَّق رسول الله ﷺ قبل أن تُفرَض الصلاة، قال: فقبِل الرسول ﷺ رِسالَة ربه ﷿، واتَّبع الَّذي جاءه به جبريل ﵇ مِن عند الله، فلمّا قَبِلَ الَّذي جاءه من عِند الله، وانصرف مُنْقَلِبًا إلى بيته جعل لا يمرُّ على شجر ولا على حجر إلا وسلم عليه، فرجع مسرورًا إلى أهله موقنًا، قد رأى أمرًا عظيمًا، فلما دخل على خديجة قال: أرأيتكِ (٣) الَّذي كنتُ أحَدِّثكِ أنِّي رأيته في المنام، فإنَّه جبريل عليه
السَّلام استَعلَن لِي، أرسلَه إلَّي رَبِّي، فَأخبرها بالَّذي جاءهُ من الله ﷿ وما سمع منه، فقالت: أبشر فوالله لا يفعل الله بك إلا خيرًا، فاقْبَلِ الذي جاءك من الله، فإنه حق وأبشر، فإنك رسول الله ﷺ (١). ٢٩ - قال البيهقي: والذي ذكر فيه من شق بطنه يحتمل أن يكون حكاية منه لما صنع به في صباه، ويحتمل أن يكون شق مرة أخرى، ثم مرة أخرى، ثم مرة ثالثة حين عُرِجَ به إلى السماء.
والذي ذكر فيه من شق بطنه يحتمل أن يكون حكاية منه لما صنع به في صباه، ويحتمل أن يكون شق مرة أخرى، ثم مرة أخرى، ثم مرة ثالثة حين عُرِجَ به إلى السماء.
أول ما نزل من القرآن المجيد وآخر ما نزل منه ٣٠ - عن يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤمنين إذ جاءها أعرابي فقال: أيُّ الكفن خيرٌ؟ قالت: ويحك وما يضرُّك؟ قال: يا أم المؤمنين أرينى مصحَفَك، قالت: لِمَ؟ قال: لعلِّي أؤلِّف القرآن عليه، فإنَّه يُقرأ غَيرَ مؤلَّف، قالت: وما يضُّركَ أيَّهُ قرأت قبْلُ، إنما أنزلت أوَّلَ ما نزلت سورةٌ من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثابَ النَّاس إلى الإِسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزلَت أوَّل شيء: لا تشرَبُوا الخمرَ، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا، لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجاريةٌ ألعبُ ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده، قال: فأخرجت له المصحف فأمْلَت عليه آي السُّور. أخرجه البخاري (٢).
٣١ - عن ابن شهاب قال: أخبرني محمد بن عباد بن جعفر المخزومي أنه سمع بعض علمائهم يقول: كان أول ما أنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فقالوا: هذا صدرها الذي أنزل على رسول الله ﷺ يوم حراء، ثم أنزل آخرها بعد ذلك بما شاء الله. أخرجه البيهقي (١).
﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فقالوا: هذا صدرها الذي أنزل على رسول الله ﷺ يوم حراء، ثم أنزل آخرها بعد ذلك بما شاء الله. أخرجه البيهقي (١). ٣٢ - عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن، قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ قال أبو سلمة سألت جابرًا عن ذلك، وقلت له مثل الذي قلت، فقال لي جابر لا أحدِّثك إلا ما حدَّثنا رسول الله ﷺ، قال: جاورت بحراء شهرًا، فلما قضيتُ جوارى هبطتُ فنوديت، فنظرتُ عن يميني، فلم أر شيئًا ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي، فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة، فقلت: دثِّروني، وصبوا عليَّ ماءً باردًا، فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ وذلك قبل أن تفرض الصلاة، ثم حَمِي الوحيُ وتتابعَ. أخرجه البخاري ومسلم (٢). وهذا يشبه أنَّ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أول ما نزل بعد فترة الوحي، بدليل قوله: ثم حمي الوحي وتتابع.
٣٣ - عن البراء قال: إن آخر سورة نزلت تامةً سورة التوبة، وإن آخر آية نزلت آية الكلالة. أخرجه البخاري ومسلم (١). ٣٤ - عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: قال ابن عباس: تدري آخر سورة من القرآن نزلت جميعًا؟ قلت: نعم ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال: صدقت. أخرجه البخاري ومسلم (٢). ٣٥ - وعن ابن عباس قال: آخر آية نزلت على النبي ﷺ آية الربا. أخرجه البخاري (٣).
ذكر أول من اتبع رسول الله ﷺ وآمن به ٣٦ - عن ابن إسحاق قال: كان أول من اتبع رسول الله ﷺ خديجة بنت خويلد زوجته، ثم كان أول ذكرٍ آمن به علي بن أبي طالب وهو يومئذٍ ابن عشر سنين، ثم زيد بن حارثة، ثم أبو بكر الصّدِّيق، وكان أبو بكر رجلًا تاجرًا مألوفًا لقومه محبَّبًا سهلًا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خيرٍ وشر، وكان رجلًا تاجرًا ذا خُلُقٍ ومعروف، وكان جُلُّ قومه يأتونه لغير واحد من الأمر: تجارتِهِ وحسنِ مجالسته، فجعل يدعو إلى الإِسلام
مَن وَثِقَ به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم على يديه: عثمان بن عفان, وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف، فانطلقوا حتى أتَوا رسول الله ﷺ ومعهم أبو بكر، فعرض عليهم الإِسلام، وقرأ عليهم القرآن، وأنبأهم بحق الإِسلام، فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا إلى الإِسلام, فصلَّوا, وصدَّقوا رسول الله ﷺ، وآمنوا بما جاء من عند الله (١). وهذا الذي ذكره من تأخر إسلام أبي بكر هو أحد الأقوال، وقال الشيخ النواوي وغيره: هو أول من آمن بالنبي ﷺ في أحد الأقوال، وقال: وهو مذهب ابن عباس، وعمرو بن عَبَسَةَ وحسان بن ثابت الصحابيين، وإبراهيم االنخعي وغيرهم (٢) قال: وقيل أولهم عليُّ، وقيل: خديجة، وادعى الثعلبي الإِجماع فيه، وأن الخلاف إنما هو في أولهم بعدها، قال: وأسلم على يده خلائق من الصحابة منهم خمسة من العشرة وهم: عثمان، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن، وسعد بن أبي وقاص، قال: وصحب رسول الله ﷺ من حين أسلم إلى أن توفي رسول الله ﷺ، فلم يُفارقه في حَضَرٍ ولا سَفَرٍ.
: عثمان، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن، وسعد بن أبي وقاص، قال: وصحب رسول الله ﷺ من حين أسلم إلى أن توفي رسول الله ﷺ، فلم يُفارقه في حَضَرٍ ولا سَفَرٍ.
ذكر إظهار رسول الله ﷺ الدعوة إلى الإِسلام وابتدائه بإنذار عشيرته ٣٧ - قال ابن إسحاق: وكان ما أخفى النبي ﷺ أمره واستسرّ به إلى أن أمر بإظهاره ثلاث سنين من مبعثه.
٣٨ - عن علي ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال رسول الله ﷺ: عرفت أني إن بادأت بها قومي رأيت منهم ما أكره، فصمتُّ عليها، فجاءني جبريل ﵇، فقال: يا محمد إنَّك إن لم تَفْعَل ما أَمَرَكَ به ربُّك عَذَّبَك ربُّك. قال عليٌّ فدعاني، فقال يا عليُّ إن الله قد أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فعرفت أني إن بادأتهم بذلك رأيت منهم ما أكره، فصمتُّ عن ذلك ثم جاءني جبريل فقال: يا محمد إن لم تفعل ما أمرْتَ به عذَّبك ربُّك، فاصنع لنا يا عليُّ رِجل شاةٍ على صاع من طعام، وأعِدَّ لنا عُسَّ لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب، ففعلتُ، فاجتمعوا له وهم يومئذٍ أربعون رجلًا، يزيدون رجلًا أو ينقصونَه، فيهم أعمامه أبو طالب وحمزةُ والعباس وأبو لهب الكافر الخبيثُ، فقدَّمت إليهم تلك الجفنة، فأخذ رسول الله ﷺ منها جذبة (١) فشقّها بأسنانه، ثم رمى بها في نواحيها، وقال: كلوا باسم الله، فأكل القوم حتى نهلُوا عنه ما يرى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل منهم يأكل مثلها، ثم قال رسول الله ﷺ: اسقهم يا علي، فجئت بذلك القعب، فشربوا به حتى نهلوا جميعًا، وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله ﷺ أن يكلّمهم، بَدَرُه أبو لهب إلى الكلام، فقال: لَهَدَّ ما سحَرَكُم صاحبكم، فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله ﷺ، فلما كان الغد، قال رسول الله ﷺ: يا عليُّ عُدْ لنا بمثل الذي كنت صنعت لنا بالأمس من الطعام والشراب، فإن هذا الرجل قد بدرني إلى ما قد سمعت قَبْلَ أن أُكلم القوم ففعلتُ، ثم جمعتهم له، فصنع رسول الله ﷺ كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نهلوا عنه، ثم سقيتهم فشربوا من ذلك القُعب حَتَّى نهلوا عنه،
ت قَبْلَ أن أُكلم القوم ففعلتُ، ثم جمعتهم له، فصنع رسول الله ﷺ كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نهلوا عنه، ثم سقيتهم فشربوا من ذلك القُعب حَتَّى نهلوا عنه، وايمُ الله إن كان
الرجل ليأكل مثلها، ويشرب مثلها، ثم قال رسول الله ﷺ: يا بني عبد المطلب إني والله ما أعلم إنسانًا من العرب جاء قومَهُ بأفضلَ مما جئتُكم به، إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة. أخرجه البيهقي (١). ٣٩ - عن الشافعي ﵁ قال: لما بعث الله ﷿ نبيه ﷺ أنزل عليه فرائضه كما شاء لا معقب لحكمه، ثم أتبع كل واحد منها فرضًا بعد فرض في حين غيرِ حينِ الفرض قبله، قال: ويقال - والله أعلم -: إن أول ما أنزل الله ﷿ من كتابه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ثم أنزل عليه بعد ذلك ما لم يؤمر أن يدعو إليه المشركين، فمرت لذلك مدة، ثم يقال: أتاه جبريل عن الله ﷿ بأن يعلمهم نزول الوحي عليه، ويدعوهم إلى الإِيمان به، فكَبُرَ ذلك عليه وخاف التكذيب، وأن يتناول، فنزل عليه ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ قال: فقال: يعصمك من قتلهم أن يقتلوك حتى لا تُبَلِّغَ ما أُنزِلَ إليك، فبلَّغ ما أُمِرَ به ﷺ. أخرجه البيهقي (٢). ٤٠ - عن أبي الزناد، عن ربيعة بن عباد - رجل من بني الدِّيل كان جاهليًا فأسلم - أنه رأى رسول الله ﷺ بذي المجاز وهو يمشي بين ظهراني الناس يقول: "يا أيُّها النَّاسُ قولوا: لا إله إلا الله تُفْلِحوا" وإذا وراءه رجلٌ ذو غَدِيرتين يقول: إنه صابئٌ كاذبٌ، قال فسألت عن ذلك الرَّجُل الذي وراءه، فقيل لي: هذا أبُو لهَبٍ عمُّ رسول الله ﷺ. أخرجه البيهقي (٣).
٤١ - عن الأشعث بن سليم السلمي، عن رجل من كنانة قال: رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز وهو يقول: "يا أيُّها النَّاسُ قُولوا: لا إلَه إِلا الله تُفْلِحُوا" وإذ رجل خَلْفَه يَسْفي عليه الترابَ، فإذا هو أبو جهل، وإذا هو يقول: يا أيُّها النَّاسُ لا يَغُرَّنَّكم [هذا] عن دينكم، فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزَّى. أخرجه البيهقي (١).
وعظ رسول الله ﷺ عمه حمزة بن عبد المطلب وقبوله ذلك وإسلامه ٤٢ - عن محمد بن إسحاق قال: حدثني رجل من أسلم وكان واعيةً أن أبا جهل اعترض رسول الله ﷺ عند الصفا، فآذاه وشتمه، ونال منه ما يكره من العيب لدينه، فذكر ذلك لحمزة بن عبد المطلب، فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه، رفع القوس، فضربه بها ضربة شجه منها شجة منكرة، وقامت رجال من قريش من بني مخزوم، إلى حمزة لينصروا أبا جهل [منه] فقالوا: ما نراك يا حمزة إلا قد صبأتَ، فقال حمزة: وما يمنعني وقد استبان لي منه، أنا أشهدُ أنه رسول الله، وأن الذي يقول حق، فوالله لا أنزعُ، فامنعوني إن كنتم صادقين. فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة فإني والله لقد سببت ابن أخيه سبًا قبيحًا، فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله ﷺ قد عز وامتنع، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه. وقال حمزة في ذلك شعرًا، ثم رجع حمزة إلى بيته فأتاه الشيطانُ، فقال. أنت سيد قريش اتَّبعتَ هذا الصابئ، وتركت دين آبائك، لَلْموت خيرٌ لك مما صنعت، فأقبل على حمزة بثُّه فقال: ما صنَعتُ؟ ! اللهم إن كان رشدًا، فاجعل تصديقَهُ في قلْبِي، وإِلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجًا، فبات بليلة لم يَبِت بِمِثْلِها مِن وسْوَسَة الشيطان حتى أصبح،
ُ؟ ! اللهم إن كان رشدًا، فاجعل تصديقَهُ في قلْبِي، وإِلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجًا، فبات بليلة لم يَبِت بِمِثْلِها مِن وسْوَسَة الشيطان حتى أصبح،
فغدا على رسول الله ﷺ, فقال: يا ابن أخي إني قد وقَعْتُ في أمرٍ لا أعرفُ المخرَج منه، وإقامة مثلي على ما لا أدري، أرشدٌ هو أم غي؟ فحدَّثني حديثًا، فقد اشتهيت يا ابن أخي أن تحدّثني، فأقبل رسول الله ﷺ، فذكَّرَهُ ووعظه وخوفه وبشره، فألقى الله في نفسه الإِيمان بما قال رسول الله ﷺ، فقال: أشهد إنك لصادق، فأظهِر يا ابن أخي دينك، فوالله ما أحبُّ أن لي ما أظلَّتهُ السَّماء وإني على ديني الأول، فكان حمزة رضي الله تعالى عليه ممن أعز الله به الدين، أخرجه البيهقي (١).
أخذ رسول الله ﷺ بمجامع ثوب عمر بن الخطاب فأسلم ٤٣ - عن أنس بن مالك قال: خرج عمر بن الخطاب متقلَّدَ السيف، فلقيه رجل من بني زُهرَة، فقال له: أين تَعْمدُ يا عمر؟ فقال: أريدُ أن أقْتُل محمَّدًا، فقال: وكيف تأمنُ في بني هاشم وبني زُهرة وقد قَتَلْتَ محمدًا؟ قال: فقال عمر: ما أراك إلا قد صبوتَ وتركتَ دينك الذي أنت عليه، قال: أفلا أدلُّك على العجب إن خَتَنَكَ وأُختكَ قد صَبَوا، وتركا دينك الذي أنت عليه. قال: فمشى عمر ذامِرًا حتى أتاهما، وعندهما رجل من المهاجرين يقال له: خبَّاب, قال: فلما سمع خباب بحس عمر، توارى في البيت، فدخل عليهما، فقال: ما هذه الهينمةُ التي سمعتُها عِندَكم، وكانوا يقرؤون ﴿طه﴾ فقالا: ما عدا حديثًا تحدّثناه بيننا، قال: فلعلكما قد صبوتُما، فقال له خَتَنَهُ: يا عمر إن كان الحقُّ في غير دينك؟ ! قال: فوثب [عمر] على خَتَنِهِ فوطئه وطءًا شديدًا، قال: فجاءت أخته لتدفعه عن زوجها، فنفحها نفحةً بيده، فدمى وجهها، فقالت
إن كان الحقُّ في غير دينك؟ ! قال: فوثب [عمر] على خَتَنِهِ فوطئه وطءًا شديدًا، قال: فجاءت أخته لتدفعه عن زوجها، فنفحها نفحةً بيده، فدمى وجهها، فقالت
وهي غضبي: إن كان الحق في غير دينك؟ ! إني أشهدُ أن لا إِلَه إلا الله، وأشْهَدُ أن محمدًا رسول الله، فقال عمر: أعطوني الكتابَ الذي عندكم، فقالت: إنَّك رِجسٌ، وإنَّه لا يمسُّه إلا المطهَّرون، فقم واغتسل وتوضأ. قال: فقام عمر فتوضأ ثم أخذ الكتاب، فقرأ ﴿طه﴾ حتى انتهى إلى ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ قال: فقال عمر: دلُّوني على محمَّد، فلمَّا سمع خبَّاب قول عمر، خرج من البيت، فقال: أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوةُ رسولِ الله ﷺ لك ليلة الخميس: "اللهم أعِزَّ الإِسلامَ بِعُمَرَ بنِ الخطَّاب أو بِعمرو بن هِشَام" وكان رسول الله ﷺ في الدار التي في أصل الصفا، قال: فانطلَق عمر حتى أتى إلى الدار حمزةُ وطلحة، وناس من أصحابِ رسول الله ﷺ، فلما رأى حمزةُ وَجَلَ القَومِ مِن عُمَر، قال: هذا عمر، فإن يرد الله بعُمر خيْرًا يُسلِم، فَيَتَّبع النبي ﷺ، وإن يُرِد غيرَ ذَلك يكُنْ قَتْلُه علينا هيِّنًا، قال: والنَّبيُّ ﷺ داخل يوحى إليه، قال: فخَرَج رسول الله ﷺ حتى أتى عمر، فأخَذَ بمَجامِعِ ثوبهِ، وحمائل سيفه، فقال: "ما أنت بمُنْتَهٍ يا عُمَرُ حتى يُنزِلَ الله ﷿ بك من الخِزيِ والنَّكالِ ما أنزَلَ بالولِيد بن المُغِيرَة، فهَذا عمر بن الخطَّاب، اللهمَّ أعزَّ الإِسلام أو الدِّين بِعُمَر بن الخطَّاب فقال عمر: أشهَدُ أن لا إله إلا الله، وأنَّك عبدُ الله ورسولُهُ، وأسلم، وقال: اخرُج يا رسول الله. أخرجه البيهقي (١).
انشقاق القمر بمكة ٤٤ - عن أنس بن مالك قال: إنَّ أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يُرِيَهُمْ آيةً، فأراهم انشقاق القَمَرِ مرَّتَيْن (١). ٤٥ - عن عبد الله بن مسعود قال: انشَقَّ القمرُ على عَهْد رسولِ الله ﷺ بشِقَّتَيْنِ، فقال رسول الله ﷺ: "اشهَدُوا اشهَدُوا". أخرجه البخاري ومسلم. ٤٦ - وفي رواية لمسلم: بينما نحن مع رسول الله ﷺ بِمِنى إذ انفَلَقَ القمرُ فلْقَتَين: فِلقَةً وراء الجبلِ، وفلقةً دونَه، فقال لنا رسول الله ﷺ: اشهَدُوا". ٤٧ - وفي أخرى لمسلم: فَسَتَر الجبَلُ فِلْقَةً، وكانت فِلْقَةٌ فوق الجَبَل (٢). ٤٨ - وفي أخرى لمسلم: أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يُرِيَهم آيةً فأراهُم انشِقاقَ القَمَرِ (٣).
صبر رسول الله ﷺ على أذى المشركين وتحمله ما نزل به وبأصحابه ﵃ منهم ٤٩ - عن عائشة قالت: قُلتُ للنبي ﷺ: هل أتى عليكَ يومٌ كان أشدَّ عليكَ من يوم أُحُد؟ قال: لقد لقيتُ مِن قومِكِ، وكان أشَدُّ ما لَقِيتُ [منهم] يوم العقبة، إذ عَرضْتُ نفْسي على ابْنِ عَبْدِ يا ليلِ ابنِ عَبدِ كُلال، فلم يُجِبنِي إلى ما أرَدْتُ، فانطلقتُ وأنا مغمومٌ على وجهي، فَلَم اسْتَفِق إلا وأنا بِقَرنِ الثَّعالِبِ (١) فرَفَعتُ رأسي، وإذ أنا بسَحَابَة قد أظَلَّتني، فنظَرتُ فإذا فِيها جِبْرِيلُ، فناداني، فقال: إنَّ الله قد سَمِع قول قومِكَ وَما رَدُّوا عَلَيكَ، وقد بَعَثَ إِلَيكَ مَلكَ الجِبَالِ لِتَأمُرَه بِما شِئتَ فِيْهِم، فَنَاداني مَلَكُ الجِبالِ، فسَلَّم عَلَيَّ، ثمَّ قال: يا محمَّد إن الله قد سَمِعَ قَولَ قَومِكَ لَكَ، وأنا مَلَكُ الجِبَال وقَدْ بَعَثني رَبُّكَ إِلَيكَ لِتَأمُرَنِي بِما شِئتَ، إن شِئتَ أطبَقْتُ عَلَيْهِمُ الأَخشَبَيْنِ (٢)، قالَ رسولُ الله ﷺ: بل أرجو أنْ يُخْرِجَ الله مِن أصْلابِهِم مَن يَعْبُدُ الله وحْدَهُ لا يُشْرِكُ به شَيئًا. أخرجه البخاري ومسلم (٣). ٥٠ - عن عبد الله بن مسعود قال: أوَّلُ من أَظهَرَ إِسلامَهُ سَبْعَةٌ: النبيُّ
ن يَعْبُدُ الله وحْدَهُ لا يُشْرِكُ به شَيئًا. أخرجه البخاري ومسلم (٣). ٥٠ - عن عبد الله بن مسعود قال: أوَّلُ من أَظهَرَ إِسلامَهُ سَبْعَةٌ: النبيُّ
- ﷺ, وأبو بَكْرٍ، وعمَّارٌ، وأمُّه سُمَيَّة، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، والمِقْدادُ. أخرجه البيهقي (١). ٥١ - عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ مَرَّ بِعَمَّارَ وأَهْلِهِ وهُم يُعَذَّبون، فقال: أبشِروا آل عَمَّارٍ أو آل ياسرٍ، فإنَّ مَوْعِدكُمُ الجَنَّةُ (٢).
بعث رسول الله ﷺ أصحابه إلى النجاشي وإذنه لهم في الهجرة إلى الحبشة مرتين ٥٢ - عن عبد الله بن مسعود قال: بعثنا رسولُ الله ﷺ إلى النجاشي ونحن ثمانون رجلًا، ومعنا جعْفَرُ بن أبي طالِب، وعُثمانُ بن مظعون، وبعثت قريش عمارة وعمرو بن العاص، وبعثوا معهما بهدية إلى النجاشي، فلما دخلا عليه سجدا له، وبعثا إليه بالهدية، وقالا: إن ناسًا من قومنا رَغِبُوا عن ديننا وقد نزلوا أَرضك، فبعث إليهم النجاشي، ققال جعفر: أنا خطيبكم اليوم، فاتَّبعوهُ حتى دخلوا على النجاشي، فلم يسجدوا له، فقالوا: ما لكم لا تسجدون للملك، فقال: إن الله ﷿ بعث إلينا نبيه ﷺ، فأمرنا أن لا نسجد إلا لله ﵎، فقال النجاشي: وما ذاك؟ فأخبِرَ، قال عمرو بن العاص: إنهم يخالفونك في عيسى. قال: ما تقولون في عيسى وأمه؟ قالوا: نقول كما قال الله ﷿: هو روح الله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البَتُول التي لم يَمسَّها بشر، ولم يفترضها (٣) ولد، فتناول النجاشي عودًا، فقال: يا
معشر القسِّيسين والرُّهبان ما تزيدون على ما يقول هؤلاء ما يَزِنُ هذه، فمرحبًا بكم، وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه نبي، ولَودِدْتُ أني عنده فأحمل نعليه، أو قال: أخدمه، فانْزِلوا حيثُ شئتُم مِن أرضي، فجاء ابن مسعود، فبادر، فشهد بدرًا. أخرجه البيهقي (١). ٥٣ - عن أسماء بنت أبي بكر عن النبي ﷺ أنه قال حين هاجر عثمان بِرُقيَّة: "والَّذي نفسي بِيَدِه إنَّه لأوَّلُ مَن هَاجَرَ بَعْدَ إِبْراهِيم وَلُوط". قال النواوي: رويناه في "تاريخ دمشق" في أحوال بنات النبي ﷺ (٢).
بِرُقيَّة: "والَّذي نفسي بِيَدِه إنَّه لأوَّلُ مَن هَاجَرَ بَعْدَ إِبْراهِيم وَلُوط". قال النواوي: رويناه في "تاريخ دمشق" في أحوال بنات النبي ﷺ (٢).
عرض رسول الله ﷺ نفسه على القبائل وقبول الأنصار ﵃ له ٥٤ - عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ قال: لَبِثَ رسول الله ﷺ عشر سنين يتبع الحاج في منازلهم في الموسم مِجَنَّة وعُكاظ ومنازلَهم بمنى: من يُؤويني وينصُرُنِي حتى أُبَلِّغَ رسالات رَبِّي [وله الجنة] فلا يجد أحدًا يؤويه، ولا ينصره، حتى إن الرجل يَرحَلُ صاحِبُه مِن مُضَر أو اليمن، فيأتيه قومُه أو ذو رَحِمِه، فيقولون: احذر فتى قريش لا يفتنك، يمشى بين رحالهم يدعوهم إلى الله ﷿ يشيرون إليه بأصابعهم، حتى بعثنا الله له من يثرِب، فيأتيه الرجل منا، فيؤمنُ به ويُقرئه القرآن، فينقَلِبُ إلى أهْلِه، فيُسْلمون بإسلامه حتى لم يبق دارٌ من يثربَ إلا وفيها رَهْطٌ من المسلمين يظهرون الإِسلام، ثم بعثنا الله ﷿، وائتمرنا، واجتمعنا سبعين رجلًا منا، فقلنا: حتى متى نَذَرُ رسولَ الله ﷺ يطوف في جبال مكة ويخافُ، فرحلنا حتى قَدِمنا عليه في الموسم، فواعدنا شِعبَ العَقَبة، فاجتمعنا فيه من رجل ورجلين حتى توافينا
عنده، فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال: "تُبَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ والطَّاعَة في النَّشاط والكَسَلِ، وعلى النفقة في اليُسر والعُسر، وعلى الأمرِ بالمَعْروف والنَّهيِ عن المنكَرِ، وعلى أن تقُولُوا فِي الله لا تأخُذُكُم لَوْمَة لائِم وعلى أن تنصروني إذا قدمتُ عَلَيْكُم يَثْرِب، تمنعُوني مما تمنعُون منهُ أنْفُسَكُم وأزواجَكُم وأبناءَكُم ولَكُم الجَنَّة" فقمنا نبايعه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغر السَّبعين رجلًا إلا أنا، فقال: رويدًا يا أهلَ يَثرِب إنا لم نضرب إليه أكباد المَطِيِّ إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، إن إخراجه اليوم مفارقةُ العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تَعَضَّكُمُ السُّيوفُ، فإما أنتم قومٌ تصبرونَ على عض السيوف إذا مسَّتكم، وعلى قتل خياركم، وعلى مفارقة العرب كافة، فخذوه وآجركم الله عليه، وإما أنتم تخافون من أنفسكم جَنَفَةً، فَذَروه، فهو أعذر لكم عند الله ﷿، فقلنا: أمِط يَدَك يا أسعد بن زرارة، فوالله لا نذر هذه البيعة، ولا نستقيلها، فقمنا إليه نبايعه رجلًا رجلًا يأخذ علينا شرطه، ويُعطينا على ذاك الجنة. أخرجه البيهقي (١).
الإِسراء برسول الله ﷺ - ٥٥ - عن شداد بن أوس قال: قلنا: يا رسول الله كيف أُسرِيَ بِك؟ قال: صلَّيتُ لأصحابي صلاة العَتَمَةِ بمكَّةَ مُعتِمًا، فأتاني جِبْريلُ بدابَّةٍ بيضاءَ فَوْقَ الحمارِ ودُونَ الْبَغْلِ، فقال: اركبْ فاسْتَصْعَبْت علَيَّ، فَرَازَها (٢) بأُذُنِها. ثمَّ حملني عَلَيْها، فانطَلَقْت تَهْوِي بِنا يَقَعُ حافِرُها حَيثُ أدرَكَ طَرْفُها، حتى
، فقال: اركبْ فاسْتَصْعَبْت علَيَّ، فَرَازَها (٢) بأُذُنِها. ثمَّ حملني عَلَيْها، فانطَلَقْت تَهْوِي بِنا يَقَعُ حافِرُها حَيثُ أدرَكَ طَرْفُها، حتى
بَلَغْنا أرضًا ذاتَ نَخْلٍ، فأنْزَلَنِي، فقال: صَلِّ، فصَلَّيتُ ثمَّ ركِبْنا، فقالَ: أتَدْرِي أيْنَ صَلَّيتَ؟ قُلتُ: الله أعلم، قال: صَلَّيتَ بِيَثرِب، صَلَّيتَ بِطَيْبَةَ, فانطَلَقَتْ تهوي بِنا يَقَعُ حافِرُها حَيْثُ أدرَكَ طَرْفُها، ثمَّ بلَغنا أرضًا فقال: انزِلْ، فَنَزَلْتُ ثمَّ قال: صلِّ، فصَلَّيتُ، ثُمَّ ركِبنا، فقال: أتَدرِي أين صَلَّيت؟ قلت: الله أعْلَمُ، قال صلَّيتَ بِمَدْيَن، صَلَّيتَ عِندَ شَجَرَةِ مُوسَى ﵇، ثمَّ انطَلَقَتْ تهوي بنا يَقَعُ حَافِرُها حَيْثُ أدرَكَ طَرفُها، ثمَّ بَلَغْنا أرضًا بَدَتْ لَنا قُصُورُ الشَّام، فَقَالَ: انزِلْ، فَنَزَلْتُ، فقالَ: صلِّ، فصَلَّيتُ، فقالَ: أتَدْري أينَ صَلَّيتَ؟ قُلْتُ الله أعْلَمُ، قال: صَلَّيتَ بِبَيْتِ لَحْمٍ حَيْثُ وُلِدَ عيسى ﵇ المسيح بن مريِم، ثم انطَلَقَ بِي حَتَّى دَخَلنَا المَدِينَةَ مِن بابِها اليَمَانِيِّ، فأتَى قِبْلَةَ إلمَسْجِدِ فَرَبَطَ فيهِ دابَّتَه ودَخَلنا المسجِد من بَابٍ فيهِ تَميْلُ الشَّمسُ والقَمَرُ، فصَلَّيتُ مِن المسجد حيثُ شاء الله، وَأخَذَني (١) مِن العَطَشِ أشَدُّ ما يكونُ أخَذَنِي، فأتِيتُ بإنَاءَين، فِي أحَدِهِما لَبَنٌ، وفي الآخَرِ عَسَلٌ, أُرْسِلَ إِلَيَّ بِهما جَميعًا، فَعَدَلْتُ بَيْنَهُما، ثمَّ هداني الله ﷿، فأخَذتُ الَّلبَنَ فَشَرِبْتُ حتَّى قَرَعْتُ به جَبيني، وبين يَدَيَّ شَيخٌ متَّكيء على مَثْراةٍ (٢) له، فقال: أخَذَ صَاحبُك الفِطرةَ، إنه لَيُهدي، ثُمَّ انطَلَقَ بي حَتَّى أتَينا الوادي الَّذي في المدينة، فإذا جهنَّم تَنْكَشِفُ عن مِثْلِ الروابي (٣) قُلْتُ: يا رسول الله كيف وَجَدتَهَا؟ قال: مِثلَ الحَمَّةِ السُّخْنَةِ، ثم انْصَرَفَ بي فَمَرَرنا ببَعِيرٍ لِقُرَيشٍ بمكان كذا وكذا قد أضلُّوا بَعِيرًا لهُم قد جَمَعَهُ فُلانٌ، فسَلَّمتُ عليهِمْ، فقالَ بَعْضُهُم: هَذا صوْتُ محمَّدٍ، ثُمَّ أتَيْتُ أصْحابي قَبْلَ الصُّبح بِمَكَّةَ،
قد أضلُّوا بَعِيرًا لهُم قد جَمَعَهُ فُلانٌ، فسَلَّمتُ عليهِمْ، فقالَ بَعْضُهُم: هَذا صوْتُ محمَّدٍ، ثُمَّ أتَيْتُ أصْحابي قَبْلَ الصُّبح بِمَكَّةَ، وأتانِي أبُو بَكرٍ، فقال: يا رسولَ
الله أين كُنْتَ الَّلَيلَةَ؟ فقد التَمَسْتُكَ في مَكانِكَ، فقالَ: أَعَلِمتَ أنِّي أتَيْتُ بيتَ المقْدِسِ الَّليلةَ؟ فقال: يا رسول الله إنَّه مسِيرَةُ شَهْرٍ فَصِفْهُ لِي، فَفُتِحَ لِي صِراطٌ كأنِّي أنظُرُ إِلَيهِ، يسألُني عن شيءٍ إلا أنْبَأتُهُ عَنْهُ. قال أبو بكر: أشهَدُ أنَّك رسُول الله، فقال المُشْرِكُون: انْظُروا إلى ابن أبي كَبْشَةَ يَزْعُمُ أنَّهُ أتى بَيْتَ المقدسِ من الَّليلة، قال: فقال: إنَّ مِن آيَةِ ما أقُولُ لَكُم، أنِّي مَرَرتُ بِعِيرِكُم بمكانِ كذا وكذا قد أضَلُّوا بَعِيرًا لهُم فَجَمَعَهُ فُلانٌ، وإِنَّ مسيْرَهُم يَنْزِلُونَ بِكَذا ثمَّ كذا، ويأتُوْنَكُم يومَ كَذَا وكَذَا يَقْدُمُهُم جَمَلٌ آدمٌ عليه أسْوَدُ وغِرَارَتَانِ سَودَاوانِ، فَلمَّا كانَ ذلِكَ اليومُ أشْرَفَ النَّاسُ يَنظُرونَ حتَّى كانَ قَرِيبٌ من نِصْفِ النَّهارِ، حتَّى أقْبَلَتِ العِيرُ يَقْدُمُهم ذَلكَ الجَمَلُ الَّذي وَصَفَهُ رسُول الله ﷺ. أخرجه البيهقي بإسناد، وقال: هذا إسناد صحيح (١). ٥٦ - وقال عن ابن شهاب: أنه أسري برسول الله ﷺ إلى بيت المقدس
قبْل خُرُوجه إلى المدينة بسنة. قال: وكذلك ذكره ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزُّبير (١).
ذكر الهجرة إلى المدينة وما كان في سني الهجرة ٥٧ - عن البراء قال: أوَّل من قدم المدينة علينا من أصحاب رسول الله ﷺ مصعب بن عمير وابنُ أُمِّ مكتُوم، فَجَعلا يُقرِئانِنا القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعدٌ، ثم جاء عمر بن الخطّاب في عشرين من أصحاب رسول الله ﷺ، ثم قدم النبيُّ ﷺ، فما رأيت أهل المدينة فَرِحوا بشيءٍ فَرَحَهُم به، حتى رأيت الولائد والصِّبيان يقولون: هذا رسول الله ﷺ قد جاء، فما جاء حتى قرأتُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في سُوَرٍ مثلها من المفصَّل. أخرجه البخاري ومسلم (٢). ٥٨ - قال الشيخ النواوي: قال الحاكم أبو أحمد - هو شيخ الحاكم أبي عبد الله - يقال: وُلِدَ النبيُّ ﷺ يوم الاثنين، ونبِّيء يوم الاثنين، وهاجر من مكة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، وتوفي يوم الاثنين (٣). ٥٩ - قال الشيخ النواوي: قدم المدينة يوم الاثنين لثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول، وأقام بها عشر سنين بلا خلاف (٤). وهذه أحرف في بيان جملة من الأمور المشهورة في كل سنة منها:
قدم المدينة يوم الاثنين لثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأول، وأقام بها عشر سنين بلا خلاف (٤). وهذه أحرف في بيان جملة من الأمور المشهورة في كل سنة منها:
السنة الأولى: فيها بنى النبي ﷺ مسجده ومساكِنَهُ، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وأسلم عبد الله بن سلام، وشُرِعَ الأذان. السنة الثانية: فيها حولت القبلة إلى الكعبة بعد ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا من الهجرة، وفي شعبان منها فرض صومُ رمضانَ، وفيها فُرِضَت صَدَقَةُ الفِطرِ، وفيها كانت "غزوة بدر" في رمضان، وفي شوال منها بنى بعائشة، وفيها تزوج عليٌّ فاطمة. السنة الثالثة: فيها غزواتٌ وسرايا، منها "غزوة أحد" يوم السبت السابع من شوال، ثم "غزوة بدر الصغرى" لهلال ذي القعدة، ومنها "غزوة النضير"، وحرمت الخمرُ بعد أُحُدٍ، وتزوَّج فيها حفصةَ، وتزوج عثمانُ أمَّ كلثومٍ، وولدَ الحسين بن علي ﵉. السنة الرابعة: فيها تزوج أمَّ سلمةَ، وقَصُرَتِ الصلاة، ونزل التيمُّم، وفيها "غزوة الخندق"، وقيل: الخندق في سنة خمس, وفيها قتل القراء ببئر معونة، ﵃. السنة الخامسة: فيها غزوة "دومة الجندل"، و"قريظة" ونزل الحجاب. السادسة: فيها "غزوة الحديبية"، وبيعة الرضوان، و"غزوة بني المصطلق"، وكسفت الشمس، ونزل الظهار. السابعة: فيها "غزوة خيبر"، وتزوج أم حبيبة، وميمونة، وصفية، وجاءت مارية وبغلته دُلْدُلْ، وقدم جعفر وأصحابه من الحبشة، وأسلم أبو هريرة. الثامنة: فيها "غزوة مؤتة"، و"ذات السلاسل" و"فتح مكة" في رمضان،
وولد إبراهيم، وتوفيت زينب بنت رسول الله ﷺ، وفيها "غزوة الطائف" وفيها غلا السِّعر، فقالوا: سَعِّرْ لنا (١). التاسعة: فيها "غزوة تبوك" وحج أبو بكر بالناس، وتوفيت أم كلثوم، والنجاشي، وتتابعت الوفود. العاشرة: فيها حج رسول الله ﷺ "حجة الوداع"، وتوفي إبراهيم ابن النبى ﷺ، وأسلم جرير، ونزل ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. ذكره الشيخ النواوي في "تهذيب الأسماء واللغات" (٢).
جة الوداع"، وتوفي إبراهيم ابن النبى ﷺ، وأسلم جرير، ونزل ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. ذكره الشيخ النواوي في "تهذيب الأسماء واللغات" (٢).
الفصل الثاني: في ذكر أوصافه الشريفة وأخلاقه ﷺ - ٦٠ - عن الحسن بن علي ﵄ قال: سألت خالي هند بن أبي هالة عن حِلْيَةِ رسول الله ﷺ وكان وصَّافًا، وأنا أرجو أن يصف لي منها شيئًا أتعلَّقُ به، فقال: كان رسول الله ﷺ فخمًا مُفخَّمًا، يتلألأ وجهُه تلألؤَ القمَرِ ليلَةَ البدْرِ، أطولَ من المربوع، وأقصَرَ من المشَذَّب، عظيمَ الهَامَةِ، رَجِلَ الشَّعْرِ، إن انفَرَقَتْ عقيقَتُه فرق، وإلا فلا يُجَاوِزُ شعرهُ شَحْمَةَ أذُنَيْه إذا هو وفَّرَه، أزهر اللون، واسع الجبين، أزجَّ الحواجبِ، سوابِغَ من غير قَرَن، بينهما عِرق يُدِرُّهُ الغضَبُ، أقنى العِرنِين، له نورٌ يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشمَّ، كَثَّ اللحية، أدعج سهلَ الخَدين، ضَليعَ الفَمِ، أشْنَبَ، مفلَّج الأسنانِ، دَقيقَ المسْرُبة، كأن عنقَهُ جيدُ دُميَةٍ في صفاءِ الفضَّة، معتدل الخلق، بادنًا متماسكًا، سواءَ البطنِ والصّدر، عَريضَ الصَّدر، بعيدَ ما بين المنكبين، ضَخْمَ الكَرَاديس، أنورَ المتجَرَّد، موصول ما بين اللبة والسُّرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصَّدر، طويل الزِّندين، رَحْبَ الرَّاحة، شَثْنُ الكَفَّين والقَدَمَينِ، سايِلُ أو سائل الأطراف، خمصانَ الأخمَصَين، مسيحَ القَدَمَينِ، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعًا، ويخطو تكفُّؤًا، ويمشي هونًا، ذريعَ المشية، إذا مشى كأنما ينحطُّ من
صبب، وإذا التفت التفت جميعًا، خافض الطَّرف، نظرُه إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جُلُّ نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدأ (١) من لقيه بالسلام. قلت: فصف لي منطقه، قال: كان رسول الله ﷺ متواصِلَ الأحزان، دائِم الفكرة، ليس له راحة، طويلَ السَّكتَةِ، لا يتكلم في غير حاجة، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، ويتكلم بجَوَامِعِ الكَلِمِ، فصلًا لا فضُول فيه ولا تقصير، دمثًا، ليس بالجافي ولا المهين، يُعظِّم النعمة وإن دقَّت، لا يذم شيئًا، لم يكن يذمُّ ذواقًا ولا يمدحه، ولا يُقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفِّها كلها، وإذا تعجَّب قلَبها، وإذا تحدَّث اتصل بها، فضرَبَ بإبهامه اليمنى راحته اليسرى، فإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جُلُّ ضَحِكِه التَّبسُّمُ، يَفترُّ عن مثل حبِّ الغَمَامِ. قال الحسن ﵁: فكتمتها الحسين بن على ﵄ زمانًا، ثم حدّثتُه، فوجدته قد سبقني إليه، فسأله عما سألته عنه، ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومخرجه وشكله، فلم يَدَع منه شيئًا. قال الحسين ﵁: سألت أبي ﵁ عن دخول رسول الله ﷺ، فقال: كان دخوله لنفسه مأذونًا له في ذلك، فكان إذا أوى إلى منزله جَزَّأ دخوله ثلاث أجزاء: جزءًا لله، وجزءًا لأهله، وجزءًا لنفسه، ثم جَزَّأ جُزءَه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة والخاصة (٢)، ولا يدَّخِر عنهم شيئًا.
دخوله ثلاث أجزاء: جزءًا لله، وجزءًا لأهله، وجزءًا لنفسه، ثم جَزَّأ جُزءَه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة والخاصة (٢)، ولا يدَّخِر عنهم شيئًا.
وكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمته على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم، ويشغلهم فيما أصلحهم، والأمة من مسألته عنهم (١) وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، ويقول: "لِيُبَلِّغ الشَّاهدُ منْكُم الغَائِبَ، وبلِّغوني حَاجَة مَن لا يَسْتَطِيع إبلاغي حاجَتَهُ، فإنَّه مَنْ أبلَغَ سُلطانًا حاجةَ من لا يستطيع إبلاغها ثَبَّتَ الله قدميْه يوم القيامة" لا يذكر عنده إلا ذلِك، ولا يقبل من أحد غيره. قال في رواية سفيان عن وكيع: يدخلون روَّادًا ولا يتفرقون إلا عن ذواق، ويَخرجون أدلَّةً على الخير. قلت: فَأخْبِرنِي عَن مَخرَجِهِ كَيفَ يَصنَعُ فيهِ؟ قَال: كَانَ رسولُ الله ﷺ يَخْزَنُ لِسانَهُ إلا فيما يَعنيه، ويؤلِّفهم ولا يُفَرِّقهم، يكرم كريم كلِّ قوم، ويُولِّيه عليهم، ويحذَرُ الناس ويحترس منهم من غير أن يطويَ عن أحد منهم بِشْرَهُ وخُلُقَه، ويتفقَّد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسِّن الحسن ويصوِّبه (٢)، ويُقَبِّح القبيحَ ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف، ولا يغفُل مخافة أن يغفُلوا أو يَملُّوا، لكلِّ حالٍ عنده عَتاد، لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه إلى غيره، الذين يلونَهُ من الناس خيارهم، وأفضلُهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظَمُهم عنده منزلة أحسنُهم مواساة ومؤازرة. قال: فسألته عن مجلسه، فقال: كان رسول الله ﷺ لا يجلس ولا يقوم إلا على (٣) ذكر، ولا يُوطِنُ الأماكن، وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلسُ، ويأمرُ بذلك، ويُعطِي كلَّ جلَسائه نصيبه حتى



