— Bagian 2 · ا؟ —
Bagian 2
ا؟ ومنها: وقعة النهروان: عن مِخْنف بن سُلَيم قال: أتينا أبا أيوب ﵁ فقلنا: يا أبا أيوب؛ قاتلت المشركين بسيفك مع رسول الله ﷺ، ثم جئت تقاتل المسلمين؟ !
فقال: إنَّ رسول الله ﷺ أمرنا بقتال ثلاثة: الناكثين، والقاسطين، والمارقين، فقد قاتلت الناكثين، والقاسطين، وأنا مقاتلٌ إن شاء الله المارقين. رواه ابن جرير. وفي رواية أبي صادق عنه: عهد إلينا رسول الله ﷺ أن نقاتل مع عليٍّ الناكثين؛ فقد قاتلناهم -يعني: أهل الجَمل-، وعهد إلينا أن نقاتل معه القاسطين؛ فهذا وجهنا إليهم -يعني: معاوية وأصحابه-، وعهد إلينا أن نقاتل معه المارقين؛ فلم أرهم بَعْد. وَروى الزبير بن بكار في "الموفقيات": عن عليّ ﵁؛ أنه أوصى حين ضربه ابن مُلْجم في وصيته: إنَّ رسول الله ﷺ أخبرني بما يكون من اختلاف أمته بعده، وأمرني بقتال الناكثين، والمارقين، والقاسطين، وأخبرني بهذا الذي أصابني، وأخبرني أنه يملك معاوية وابنه يزيد، ثم يصير إلى بني مروان يتوارثونها، وأنَّ هذا الأمر صائرٌ إلى بني أُمية، ثم إلى بني العباس، وأراني التربة التي يُقْتلُ بها الحسين ﵁. وعن أبي سعيد ﵁ مرفوعًا: "إنه يخرج من ضِئْضِئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام، ويَدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم، لأقتلنهم قتل عاد وثمود". وعن أبي ذر ﵁ نحوه، وزاد: "هم شر الخَلْق والخَلِيقة". وعن علي ﵁ نحوه، وزاد: "فاقتلوهم؛ فإنَّ في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة". وعن أنس ﵁ نحوه، وزاد: "طُوبى لمن قتلهم وقتلوه، يَدْعُونَ إلى كتاب الله وليسوا منه، من قاتلهم كان أولى بالله منهم، سيماهم التحليق". وعن علي ﵁ أيضًا نحوه، وزاد: "لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قُضيَ لهم على لسان نبيهم، لاتَّكلوا عن العمل، وآية ذلك أنَّ فيهم رجلًا له عضد
التحليق". وعن علي ﵁ أيضًا نحوه، وزاد: "لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قُضيَ لهم على لسان نبيهم، لاتَّكلوا عن العمل، وآية ذلك أنَّ فيهم رجلًا له عضد
ليس فيه ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شَعراتٌ بيض". وعن أبي سعيد ﵁: تَمرقُ مَارقةٌ عند فُرقةٍ من المسلمين، فيقتلها أولى الطائفتين بالحق. أقول: وفي هذا دليلٌ على أن أصحاب معاوية ﵁ ما خرجوا عن الإسلام، بل لم يفسقوا؛ لأنهم مجتهدون، وأنهم مخطئون في اجتهادهم، وأنَّ أمير المؤمنين عليًا ﵁ وأصحابه كانوا أولى بالحق؛ لأنه الذي قَتلهم، وقد صرح به في رواية ابن عمرو: "يقتلهم علي بن أبي طالب". والأحاديث في الخوارج كثيرةٌ لا تكاد تنحصر. وسبب وقعتهم بالاختصار: أنهم لما حَكّمُوا الحكمين، قالت القراء: كفر عليّ، وكفر معاوية. فاعتزلوا أمير المؤمنين، ونزلوا بحروراء بضعة عشر ألفًا، فأرسل إليهم ابن عباس ﵄ يناشدهم الله: ارجعوا إلى خليفتكم، فبم نقضتم عليه: أفي قِسمةٍ أو قضاء؟ قالوا: نخاف أن ندخل في الفتنة. قال: فلا تعجلوا ضلالة العام مخافة فتنة عام قابل. فرجع بعضهم إلى الطاعة، وقال بعضهم: نكون على ناحيتنا، فإن قَبِلَ القضية -يعني: التحكيم- قاتلناه على ما قاتلنا عليه أهل الشام بصِفِّين، وإن نقضها؛ قاتلنا معه. فساروا حتى قطعوا النهر، وافترقت منهم فرقةٌ يقتلون الناس، فقال أصحابهم: ما على هذا فارقنا عليًا. فلما بلغ عليًا ﵁ صنيعهم، وكان متجهزًا إلى الشام قام فقال: أتسيرون إلى عدوكم، أو ترجعون إلى هؤلاء الذين خلفوكم في دياركم؟ فقالوا: بل نرجع إليهم. فقال: ابسطوا عليهم، فوالله لا يُقتل منكم عشرة، ولا ينجو منهم عشرة. فكان كذلك، فقال: اطلبوا رجلًا صفته كذا وكذا. فطلبوه فلم يجدوه، ثم طلبوه فوجدوه على النعت الذي ذكره رسول الله ﷺ، فقال رجلٌ: الحمد لله الذي أبادهم، وأراحنا منهم. فقال عليّ ﵁: كلا، والذي نفسي بيده إنَّ منهم لمن في أصلاب الرجال
لم تحمله النساء بعد، وليكونن آخرهم لصاصًا حَرّادِين. وروى عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: "يخرج ناسٌ من المشرق يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما قطع قرن نشأ قرن، حتى يكون آخرهم يخرج مع المسيح الدجال". وعن ابن عمر ﵄: من قَتلهُ الحرورية فهو شهيد. وعن الحسن قال: لما قَتلَ علي ﵁ الحرورية قالوا: من هؤلاء يا أمير المؤمنين؟ أكفارٌ هم؟ قال: من الكفر فروا. قيل: فمنافقون؟ قال: إنَّ المنافقين لا يذكرون الله إلَّا قليلًا، وهؤلاء يذكرون الله كثيرًا. قيل: فما هم؟ قال: قوم أصابتهم فتنةٌ فعموا فيها وصموا. ومن بقايا هؤلاء القرامطة، ومنهم: الباطنية، والإسماعيلية، وفتنتهم مشهورة أهلكوا العباد، وأفسدوا البلاد، وستأتي الإشارة إليهم. ومنها: نزول أمير المؤمنين الحسن بن عليّ لمعاوية ﵄: روى نُعيم، عن سفيان [بن الليل] قال: أتيت حسن بن عليّ ﵁ بعد رجوعه إلى المدينة، فقلت له: يا هَلاكَ المؤمنين. فكان مما احتج به عَليَّ أن قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تذهب الأيام والليالي حتى يجتمع أمر هذه الأمة على رجل واسع السَّرمِ، ضخم البلعُوم، يأكل ولا يشبع"؛ وهو معاوية، فعلمت أنَّ أمر الله واقع. وَروى الديلمي عن الحسن بن علي ﵄ قال: سمعت عليًا ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك معاوية". تَنبيْه قال في "النهاية": السَّرم: الدُّبر. والضخم: العظيم. ومعناه: الشديد الذي يملك الأرض كلها. انتهى [قوله ﷺ: "يأكل ولا يشبع"] أهو على حقيقته؟ فإن معاوية
قال في "النهاية": السَّرم: الدُّبر. والضخم: العظيم. ومعناه: الشديد الذي يملك الأرض كلها. انتهى [قوله ﷺ: "يأكل ولا يشبع"] أهو على حقيقته؟ فإن معاوية
- ﵁ دعا عليه النبي ﷺ أن لا يُشبع الله بطنه، فلم يشبع بَعْدُ. روى مسلم، والبيهقي واللفظ له، عن ابن عباس ﵄؛ أنَّ النبي ﷺ قال: "ادع لي معاوية". فقلت: إنه يأكل. فقال في الثالثة: "لا أشبع الله بطنه". فما شبع بطنه أبدًا. أورده السيوطي في "الخصائص". وقد كان سليمان بن عبد الملك من بني أمية كذلك، يأكل ولا يشبع، فيحتمل أن يكون هو المراد في الحديث، والله أعلم. وعن عمار بن ياسر ﵄ قال: إذا رأيتم الشام قد اجتمع أمره على ابن أبي سفيان فالحقوا بمكة. وَروى ابن عساكر، والطبراني عن عائشة ﵂؛ أنَّ النبي ﷺ قال لمعاوية ﵁: "إنَّ الله ولاك أمر هذه الأمة، فانظر ما أنت صانع". قالت أم حبيبة ﵂: أو يُعطِي الله أخي يا رسول الله؟ قال: "نعم، وفيها هنات، وهنات، وهنات". وروى أحمد عن أبي هريرة ﵁؛ أنَّ النبي ﷺ قال: "يا معاوية؛ إن وليت أمرًا فاتق الله واعدل. قال معاوية: فما زلت أظن أني مبتلىً بعملٍ لقول النبي ﷺ حتى ابتُلِيتُ". وسببه: أنه لما رجع علي ﵁ من قتال الخوارج، وتجهز للشام كما مر قُتِل في سابع عشر شهر رمضان وهو خارج لصلاة الصبح، قتله أشقى الآخرين؛ اللعين عبد الرحمن بن مُلْجَم، ضربه بسيفٍ مسموم على جبهته فأوصله دماغه، ليلة الجمعة سابع عشر رمضان سنة أربعين. فبويع للحسن ﵁ بالخلافة، فسار الحسن إلى معاوية ﵄ بكتائب أمثال الجبال يريد الشام، وخرج إليه معاوية يريد الكوفة، وأرسل عبد الله بن عامر، وعبد الرحمن بن سمرة إلى الحسن ﵁ يطلب الصُّلح. فقال الحسن: إني أحقن دماء المسلمين وأنزل عن الخلافة لمعاوية، ولكن إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال -أي: جُبِلْنا على الكرم، والتوسعة على
لح. فقال الحسن: إني أحقن دماء المسلمين وأنزل عن الخلافة لمعاوية، ولكن إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال -أي: جُبِلْنا على الكرم، والتوسعة على
أتباعنا حتى صار لنا عادة -فلا نقدر على القلة، وإنَّ هذه الأمة قد عاثت في دمائها- أي: العسكرين الشامي والعراقي -وقد قتل بعضهم من بعض- فلا يَكُفُّون إلَّا بالصفح، وعدم الانتقام. قالا: فإنه يَعرضُ عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك، قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به. فكتب إليه معاوية أن اطلب ما شئت، واشرط؛ فإني أُوفي لك بذلك. وأرسل إليه ورقًا بياضًا، وختم في أسفله، وقال: اكتب فيه ما شئت، فشرط الحسن أشياء منها: أن يكون له بيت مال الكوفة، وأن يكون له خراج دار أبجرد، وأن تكون الخلافة بعد معاوية ﵁ له ولأخيه الحسين. وفي رواية: تكون للمسلمين يولون من شاؤوا، وأن لا يَتعرّضَ لأهل العراق، ولا ينتقم منهم. فنزل الحسن ﵁ وبايعه، فقال معاوية ﵁: تكلم يا حسن. فقام، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: أيها الناس؛ إنَّ الله هداكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وإنَّ معاوية نازعني أمرًا أنا أحق به منه، وإنى تركته حقنًا لدماء المسلمين، وطلبًا لما عند الله. فشهد جماعة من الصحابة أنهم سمعوا رسول الله ﷺ يقول عن الحسن: "إنَّ ابني هذا سيِّدٌ، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين يكون بينهما مقتلةٌ عظيمة". وسميت تلك السنة: سنة الجماعة؛ لاجتماع الناس، ورفع القتال بينهم. وعن الحارث قال: لما رجع عليّ ﵁ من صفين علم أنه لا يملك أبدًا، فتكلم بأشياء كان لا يتكلم بها، وحَدّثَ بأحاديث كان لا يُحدِّث بها. وقال فيما يقول: أيها الناس؛ لا تكرهوا إمارة معاوية، والله لو فقدتموه لرأيتم الرؤوس تنزل عن كواهلها كالحنظل.
ومنها: مُلْكُ بني أمية؛ يزيد بن معاوية ومن بعده: المشتمل على الفتن العظام؛ كقطع الليل المظلم: عن عمران بن حصين ﵁ قال: أَبغضُ الناس إلى رسول الله ﷺ بنو أمية، وثقيف، وبنو حنيفة. وعن أبي ذر ﵁ مرفوعا: "إذا بلغت بنو أمية أربعين رجلًا اتخذوا عباد الله خَولًا، ومال الله نِحَلًا، وكتاب الله دَغَلًا". وفي رواية: "ومال الله نِحَلًا، وكتاب الله نفلًا". وفي رواية: "إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلًا اتخذوا دين الله دخلًا". إلخ. قال في "النهاية": الخَولُ: حَشَمُ الرجل وأتباعه، وأحدهم: خائلٌ، وقد يكون واحدًا ويقع على العبد والأمة. انتهى. وهذا الثاني هو المراد هنا. وعن ابن الموهب؛ أنه كان عند معاوية ﵁ فدخل عليه مروان، فقال له: اقض حاجتي يا أمير المؤمنين، فوالله إن مؤُنتي لعظيمة، وإني أبو عشرة، وعم عشرة، وأخو عشرة. فلما أدبر مروان، وابن عباس جالس مع معاوية على السرير فقال معاوية: يا بن عباس؛ أما تعلم أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلًا اتخذوا مال الله بينهم دُوَلًا، وعباد الله خَولًا، وكتاب الله دَغلًا، فإذا بلغوا تسعة وتسعين وأربع مئة رجل كان هلاكهم أسرع من أكل أَوَّلِ تمرة"، فقال ابن عباس: اللهم؛ نعم. وذكر مروان حاجةً له، فرد مروان عبد الملك إلى معاوية فكلمه فيها، فلما أدبر عبد الملك قال معاوية: يا بن عباس؛ أما تعلم أن رسول الله ﷺ ذكر هذا؟ فقال: "أبو الجبابرة الأربعة". فقال ابن عباس: اللهم؛ نعم. رواه البيهقي. وعن عليّ كرّم الله وجهه قال: لكل أمة آفة، وآفة هذه الأمة بنو أمية.
ﷺ ذكر هذا؟ فقال: "أبو الجبابرة الأربعة". فقال ابن عباس: اللهم؛ نعم. رواه البيهقي. وعن عليّ كرّم الله وجهه قال: لكل أمة آفة، وآفة هذه الأمة بنو أمية.
وعن عمران بن جابر الحنفي -وكان أحد الوفد- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويل لبني أمية" (ثلاث مرات). وعن محمد بن كعب القُرظِي قال: لعن رسول الله ﷺ الحكم وما وَلَدَ، إلَّا الصالحين منهم، وهم قليل. وعن عمرو بن مرة الجهني قال: استأذن الحكم بن أبي العاصي على رسول الله ﷺ، فعرف صوته، فقال: "ائذنوا له، حية، أو ولد حية، لعنة الله عليه وعلى كل من يخرج من صُلبه، إلَّا المؤمن منهم، وقليل ما هم". قُلْتُ: وهذا الاستثناء إشارةٌ إلى عمر بن عبد العزيز وأمثاله منهم، يشرفون في الدنيا، ويوضعون في الآخرة، ذوو مكر وخديعة، يُعظَّمُون في الدنيا، وما لهم في الآخرة من خلاق. وعن زهير بن الأقمر قال: كان الحكم بن أبي العاصي يجلس إلى رسول الله ﷺ، وينقل كلامه إلى قريش، فلعنه رسول الله ﷺ، وما يخرج من صلبه إلى يوم القيامة. وعن عبد الله بن الزبير ﵄؛ أنه قال وهو على المنبر: وربِّ هذا البيت الحرام والبلد الحرام؛ إنَّ الحكم بن أبي العاصي وولده ملعونون على لسان محمد ﷺ. وعنه وهو يطوف: وَربِّ هذه البَنِيَّة؛ لعن رسول الله ﷺ الحكم وما وَلَد. وعن أبي يحيى النخعي قال: كنت بين الحسن والحسين، والحسين ومروان يتشاتمان، فجعل الحسن يكف الحسين، فقال مروان: أهل بيت ملعونون. فغضب الحسن ﵁ وقال: أَقُلتَ أهل بيت ملعونون، فوالله لقد لعنك الله على لسان نبيه ﷺ وأنت في صلب أبيك. وفي لفظ: لعن الله أباك على لسان نبيه ﷺ وأنت في صلبه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "رأيت
لله لقد لعنك الله على لسان نبيه ﷺ وأنت في صلب أبيك. وفي لفظ: لعن الله أباك على لسان نبيه ﷺ وأنت في صلبه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "رأيت
في النوم بني الحكم ينزون على منبري؛ كما تنزو القردة". قال: "فما رئي النبي ﷺ ضاحكًا مستجمعا حتى تُوفي" رواه أبو يعلى، والحاكم، والبيهقي. وعن ابن المسيب ﵁ قال: رَأى النبيُّ ﷺ بني أمية على منبره، فساءه ذلك، فَأُوحي إليه: (إنما هي دنيا أُعْطُوهَا)، فقرَّت عينه. رواه البيهقي. وعن الحسن بن علي ﵉ قال: "إنَّ رسول الله ﷺ قد رأى بني أمية يَخْطُبونَ على منبره رجلًا رجلًا، فساءه ذلك، فنزلت: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، ونزلت: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ يملكها بنو أمية. قال القاسم بن الفضل: فَحَسبنا مدة مُلكَ بني أمية، فإذا هي ألف شهر، لا تزيد ولا تنقص. رواه الترمذي، والحاكم، والبيهقي. وعن الزُّهري، وعطاء الخراساني؛ أنَّ النبي ﷺ قال للحكم: "كأني أنظر إلى بَنِيكَ يصعدون منبري وينزلون". رواه الفاكهي. وعن جُبير بن مُطعم قال: كنا مع النبي ﷺ فمر الحكم بن أبي العاصي، فقال النبي ﷺ: "ويلٌ لأمتي مما في صلب هذا". وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ليَرْعُفَنَّ جبار من جبابرة بني أمية على منبري هذا"، فَرعفَ عمرو بن سعيد بن العاصي على منبر النبي ﷺ حتى سال الدم على درج المنبر. وعن ابن عمر ﵄ قال: هَجَّرتُ الرواح إلى رسول الله ﷺ، فجاء أبو الحسن، فقال له رسول الله ﷺ: ادن. فلم يزل يُدنيه حتى التقم أذنيه، فبينما النبي ﷺ يُسَارُّهُ؛ إذ رفع رأسه كالفزع، فإذا قَرعٌ بسِيفَةِ الباب، فقال لعلي: "اذهب فَقُدْهُ كما تُقَادُ الشاة إلى حالبها"، فإذا عليٌّ يُدْخِل الحكم بن أبي العاصي آخذًا بأذنه ولها زَنْمةٌ حتى أوقفه بين يدي النبي
- ﷺ، فلعنه نبي الله ثلاثًا، ثم قال: "أجلسه ناحية"، حتى راح إليه قومٌ من المهاجرين والأنصار، ثم دعاه فلعنه، ثم قال: "إنَّ هذا سيخالف كتاب الله وسنة نبيه، وسيخرج من صلبه فتنٌ يبلغ دخانها السماء"، فقال نَاسٌ من القوم: هو أقل وأذل أن يكون هذا منه، قال: "بلى، وبعضكم يومئذ شيعته". ثم إنه ﷺ نَفاهُ إلى الطائف فكان هناك حياته، ولم يرده أبو بكر ولا عمر ﵄، فرده عثمان ﵁ في خلافته. وهذا أحد الأمور التي انتقدوها عليه، وهم صاروا سبب قتله، فكانت دولتهم مقتضيةً لمفاسد كثيرة، ومظالم لا تُعد ولا تُحصى. فمما وقع في زمن يزيد: قتل الحسن بن عليّ ﵁: وسببه: أنَّ يزيد بن معاوية أرسل إلى زوجة الحسن جعدة الكندية أنها تَسُمَّهُ ويتزوجها، وبذل لها مئة ألف درهم، ففعلت، فمرض أربعين يومًا، وجهد به أخوه الحسين أن يخبره عمن سمَّه، فأبى، وقال: الله أشد نقمة، وأجد كبدي تَقَطَّع، وإني لعارفٌ من أين دُهِيتُ -أي: يشير إلى أنه من قِبَل يزيد-، فبحقي عليك لا تكلمت في ذلك بشيء. ثم قال: أُقسم عليك ألا تريق في أمري مَحْجَمة دم. ومن كلامه له: إياك وسفهاء الكوفة أن يستخفوك فيخرجوك، والله ما أرى أن يجمع الله فينا النبوة والخلافة، وقد كنت طلبت من عائشة أن أُدفنَ مع رسول الله ﷺ فأجابت، فإذا مِتُّ فاطلب منها وما أظن القوم -يعني: بني أمية- إلَّا سيمنعونك، فإن فعلوا فلا تراجعهم، وادفني عند أمي فاطمة بالبقيع. فمات رضي الله تعالى عنه بعد أربعين يومًا، والأكثرون أنه سنة خمسين. فلما مات سأل الحسين عائشة ﵂ فقالت: نعم وكرامة. فمنعهم مروان -وكان أميرًا بالمدينة من جهة معاوية ﵁ ومن معه من بني أمية، فَلَبس الحسين ﵁ ومن معه السلاح، وقالوا: نقاتل. وقال أبو هريرة ﵁: والله لا يمنعه إلَّا ظالم، والله إنه لابن رسول الله ﷺ. ثم قال أبو هريرة للحسين ﵄: لا تكن أول من ترك وصية أخيك؛
لاح، وقالوا: نقاتل. وقال أبو هريرة ﵁: والله لا يمنعه إلَّا ظالم، والله إنه لابن رسول الله ﷺ. ثم قال أبو هريرة للحسين ﵄: لا تكن أول من ترك وصية أخيك؛
فقد أوصاك بعدم القتال، فما زال به حتى رده، ودفنوه بالبقيع عند أمه. وأرسلت جعدة إلى يزيد تطلب ما وعدها به، فأبى ولم يتزوجها. ومنها: قتل الحسين ﵁: عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أمسك يا معاذَ وأحصِ، فلما بلغت خمسًا -يعني: من الخلفاء- قال: يزيد، لا بارك الله في يزيد، نُعي إليَّ حسين، وأُتيت بتربته، وأُخبرت بقاتله، والذي نفسي بيده لا يُقتل بين ظهراني قوم لا يمنعونه إلَّا خالف الله بين صدورهم وقلوبهم، وسلط عليهم شرارهم، وألبسهم شيعًا". قُلْتُ: في هذا ذمُّ الذين بايعوه وأخرجوه، ثم أَسلَمُوه إلى العدو ولم يمنعوه. "واهًا لفراخ آل محمد من خليفةٍ مُستخلف، يقتل خلفي وخلف الخلف، أمسك يا معاذ". قال: فلما بلغت عشرة وقال: الوليد اسم فرعون، هادم شرائع الإسلام، يَبوءُ بدمه رجل من أهل بيته. . ." الحديث. وقوله: (فلما بلغت عشرة): يحتمل عشرة مع الخلفاء الراشدين، وحينئذ فهو الوليد بن عبد الملك؛ لأنَّ الخلفاء أربعة، والخامس: معاوية، والسادس: يزيد، والسابع: ابنه معاوية، والثامن: ابن الزبير، أو مروان، والتاسع: عبد الملك، والعاشر: الوليد ابنه. وإن كان عشرة بعد يزيد فهو الوليد بن يزيد بن عبد الملك؛ لأنه تولى بعد الوليد هذا سليمان أخوه، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد وهشام ابنا عبد الملك، فهؤلاء أربعة، إذا انضموا إلى الخمسة يكونون تسعة، والعاشر الوليد بن يزيد. ويؤيد هذا الثاني: قوله ﷺ: "يبوء بدمه رجل من أهل بيته"؛ لأنه قتله ابن عمه يزيد بن الوليد، وكذا قوله ﷺ: "سَلَّ الله سيفه فلا إغماد له"؛ لأنهم اختلفوا فَقتلَ بعضهم بعضًا، فغلب عليهم بنو العباس، ومن ثَمَّ قال الزهري: إن تولَّى الوليد بن يزيد فهو هو، وإلَّا فهو الوليد بن عبد الملك. وجاء من طُرقٍ صَحّح الحاكم بعضها: أنَّ جبريل -وفي رواية: مَلكَ القَطْر- جاء
الزهري: إن تولَّى الوليد بن يزيد فهو هو، وإلَّا فهو الوليد بن عبد الملك. وجاء من طُرقٍ صَحّح الحاكم بعضها: أنَّ جبريل -وفي رواية: مَلكَ القَطْر- جاء
إلى النبي ﷺ فأخبره أنَّ الحسين مقتول، وأراه من تربة الأرض التي يُقتل فيها، فأعطاه لأُمّ سلمة وأخبرها أن يوم قتله يتحول دمًا، فكان كذلك. وشم ﷺ ذلك، فقال: "رِيحُ كَرْبٍ وبلاء". وسببه: أنه لما مات الحسن ﵁ أخذ معاوية ﵁ البيعة ليزيد من أهل الشام، وجاء حاجًّا، فأراد أن يأخذها من أهل الحجاز من المهاجرين والأنصار فامتنعوا، وقالوا: إن كان لك رغبةٌ فيها فهي لك، وإن سئمتها فردها على المسلمين. فلما مات معاوية ﵁، وبُويع ليزيد بالشام وغيرها أرسل يزيد لعامله بالمدينة أن يأخذ له البيعة على الحسين ﵁، فهرب الحسين إلى مكة خوفًا على نفسه، فأرسل إليه أهل الكوفة أن يأتيهم ليبايعوه، فنهاه ابن عباس ﵄، وذكر له غدرهم وقتلهم لأبيه، وَخِذْلانهم لأخيه، وأمره أن لا يذهب بأهله، فأبى، فبكى ابن عباس ﵄، وقال: واحسيناه. وقال له ابن عمر ﵄ نحو ذلك، فأبى، فقبّل بين عينيه، وقال: أستودعك الله من قتيل. وكذلك نهاه ابن الزبير ﵄، بل لم يبق بمكة أحدٌ إلَّا حَزن لمسيره. ولما بلغ أخاه محمد بن الحنفية بكى حتى ملأ طستًا بين يديه، وقَدّمَ أمامه مسلم بن عقيل، فبايعه من أهل الكوفة اثنا عشر ألفًا أو أكثر، فأرسل إليه يزيد ابن زياد وحرضه على قتله، وأخذوا مسلم بن عقيل فقتلوه، وتفرق المبايعون. وسار الحسين ﵁ غير عَالمٍ بذلك، فلقي الفرزدق فسأله، فقال: قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بني أمية، والقضاء ينزل من السماء. ولما قرب من القادسية تلقاه من أخبره الخبر، وأمره بالرجوع فهمَّ بالرجوع، فقالت إخوة مسلم بن عقيل: والله لا تَرجِع حتى نأخذ بثأرنا، أو نُقتل. فقال: لا خير في الحياة بعدكم. ثم سار فلقيه أوائل خيل ابن زياد، فعدل إلى كربلاء، فجهز إليه ابن زياد عشرين ألف مقاتل، فلما وصلوا إليه طلبوا منه النزول على حكم ابن زياد، والمبايعة ليزيد، فقال: دعوني أذهب إلى يزيد. فأبى ابن زياد إلَّا النزول على حكمه.
فقال: والله لا نَزلتُ على حكمه أبدًا. فقاتلوه، وكان أكثر مقاتليه المكاتبين له، والمبايعين له، فلعنة الله على قاتليه مرة، وعلى خاذليه مئة مرة؛ حيث جعلوا آل بيت رسول الله ﷺ فِداءً لأنفسهم، قاتلهم الله ما أغدرهم وأخذلهم! ! ومن ثَمَّ قال لهم أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه: والله لو قدرت لبعتكم بأهل الشام؛ صَرفَ الدرهم بالدينار، كل عشرة منكم بواحد منهم. فحارب ﵁ ذلك العدد الكثير، ومعه من أهله نيف وثمانون، فثبت في ذلك الموقف ثباتًا باهرًا، ولولا أنهم حالوا بينه وبين الماء ما قدروا عليه. فلما بلغ القتلى من أهله خمسين نادى: أما ذابٌّ يذُبُّ عن حريم رسول الله ﷺ؟ فخرج يزيد بن الحارث رجاء شفاعة جده ﷺ، فقاتل بين يديه حتى قتل، ثم فني أصحابه، وبقي بمفرده، فحمل عليهم حملة عمه حمزة وأبيه عليّ ﵄، وقتل كثيرًا من شُجعانهم، فكثروا عليه حتى حالوا بينه وبين حريمه. فصاح ﵇: كفوا سفهاءكم عن النساء والأطفال. فكفوا. ثم لم يزل يقاتلهم حتى أثخنوه بالجراح؛ لأنه طُعِنَ إحدى وثلاثين طعنة، وضرب أربعًا وثلاثين ضربة. ومع ذلك غلب عليه العطش فسقط على الأرض، وحزوا رأسه الشريف يوم الجمعة عاشر محرم عام إحدى وستين. ولما وضعه قاتله بين يدي اللعين ابن زياد أنشد متبجحًا شعرًا: أوقر ركابي فضة وذهبا ... أني قتلت ملكًا مُحجبا قتلت خير الناس أُمًّا وأبا ... وخيرهم إذ ينسبون نسبا فأمر بضرب عنقه، وقال: إذا علمت أنه كذلك فلم قتلته؟ ! والظاهر: أنه ما قتله إلَّا لأنه مدحه، لا لأنه قتله. ويَدُلّ لذلك أنه جعل الرأس الشريف في طست، وجعل يضرب ثناياه الشريفة بقضيبٍ، ويدخله أنفه، ويتعجب من حسن ثغره.
ه ما قتله إلَّا لأنه مدحه، لا لأنه قتله. ويَدُلّ لذلك أنه جعل الرأس الشريف في طست، وجعل يضرب ثناياه الشريفة بقضيبٍ، ويدخله أنفه، ويتعجب من حسن ثغره.
فبكى أنس ﵁، وقال: كان أشبههم برسول الله ﷺ. وقال زيد بن أرقم: ارفع قضيبك، فوالله لطالما رأيت رسول الله ﷺ يُقبّل ما بين الشفتين. وبكى، فأغلظ عليه اللعين ابن زياد، وهدده بالقتل، فقال: لأُحدّثَنّك بما هو أَغيظُ عليك من هذا: رأيت رسول الله ﷺ أقعد حَسنًا على فَخِذه اليمنى، وحُسينًا هذا على فَخِذه اليسرى، ثم وضع يده الكريمة على يافُوخِهما، ثم قال: "اللهم؛ إني استودعتك إياهما وصالحَ المؤمنين". فكيف كانت وديعة النبي ﷺ عندك يا بن زياد؟ ! وقد انتقم الله منه؛ فقد رَوى الترمذي بسندٍ صحيح؛ أنَّ رأس ابن زياد لما قتل وضع موضع رأس الحسين، وإذا حَيّةٌ عَظيمةٌ قد جاءت، فتفرق الناس عنها، فتخللت الرؤوس حتى جاءت رأس ابن زياد، فجعلت تدخل من فمه، وتخرج من منخريه، وتدخل من منخريه، وتخرج من فمه، فعلت ذلك مرتين، أو ثلاثًا. ولما دخل قصر الإمارة بالكوفة أُمر بالرأس فوضع على تُرْسٍ عن يمينه، والناس سِمَاطَان، ثم أُنزلَ، وَجُهزه مع رؤوس أصحابه، وسبايا آل الحسين على أقتاب الجمال موثقين في الحبال، والنساء مكشفات الوجوه والرؤوس إلى يزيد لعنه الله. ولما نزل الذين أرسلهم ابن زياد بالرأس أول منزل جعلوا يشربون بالرأس، فخرجت عليهم يَدٌ من الحائط فكتبت سطرًا بدم: أترجو أمة قتلت حُسينًا ... شفاعة جده يوم الحساب فهربوا وتركوا الرأس، ثم عادوا وأخذوه. ولما قَدِمُوا به على يزيد أقام الحريم على درج الجامع، حيث تقام الأسارى والسبي. ومما ظهر يوم قتله: أنَّ السماء أمطرت دمًا، وأنَّ أوانيهم مُلئت دمًا، وانكسفت الشمس، ورؤيت النجوم، واشتد الظلام حتى ظنَّ الناس أنَّ القيامة قد قامت، وأنَّ الكواكب ضربت بعضها بعضًا، وأنه لم يُرفع حَجرٌ إلَّا رُئِيَ تحته دَمٌ عبيط، وأنَّ الورس انقلب دمًا، وأنَّ الدنيا أظلمت ثلاثة أيام.
امة قد قامت، وأنَّ الكواكب ضربت بعضها بعضًا، وأنه لم يُرفع حَجرٌ إلَّا رُئِيَ تحته دَمٌ عبيط، وأنَّ الورس انقلب دمًا، وأنَّ الدنيا أظلمت ثلاثة أيام.
وقتل معه من إخوته، وبنيه، وبني أخيه الحسن، ومن أولاد جعفر، وعقيل تسعة عشر رجلًا. قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: وما كان على وجه الأرض لهم يومئذ شبيهٌ، وأنشدوا: عينُ ابكي بعبرةٍ وعَويل ... واندبي إن ندبت آل الرسول تسعة منهم لصلب عليٍّ ... قد أبيدوا وتسعة لعقيل ومنها: وقعة الحرة. روى عمر بن شَبّة، عن أبي هريرة ﵁ قال: "والذي نفسي بيده ليكونن بالمدينة مَلحمةٌ يقال لها: الحالقة، لا أقول حالقة الشعر، ولكن حالقة الدِّين، فاخرجوا من المدينة ولو على قدر بَرِيد". وَرُوي أيضًا: "ويل للعرب من شر قد اقترب (١)، على رأس الستين تصير الأمانة غنيمة، والصدقة غرامة، والشهادة بالمعرفة، والحُكم بالهوى" رواه الحاكم. وكان أبو هريرة ﵁، يقول: اللهم؛ لا تدركني سنة ستين، ولا إمارة الصبيان. يشير إلى قوله ﷺ: "هلاك أمتي على أيدي أُغَيلمةٍ من قريش" (٢)، فإنَّ يزيد فيها تولى. وعن أيوب بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "يُقتل في هذه الحرة خِيَارُ أمتي بعد أصحابي". وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: "يقتل بحرة زُهرة خِيَار أمتي".
وعن أبي عُبيدة: "لا يزال هذا الدِّين قائمًا بالقسط حتى يكون أول من يَثْلُمهُ رجلٌ من بني أمية". وعن أبي العالية قال: كنا بالشام مع أبي ذر ﵁، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أول رجل يُغَيّر سنتي، رجل من بني فلان -يعني: بني أمية-، فقال يزيد بن أبي سفيان؛ أخو معاوية: أنا هو؟ قال: لا". قال: وقد أخرج أبو يعلى، عن أبي عُبيدة مرفوعًا: "لا يزال أمر أمتي قائمًا بالقسط حتى يكون أول من يَثْلُمهُ رجل من بني أمية يقال له: يزيد". وأخرج الرُّوياني عن أبي الدرداء ﵁ مرفوعًا: "أول من يُبدِّل سنتي رجل من بني أمية يقال له: يزيد". وسبب هذه الوقعة: أنَّ معاوية ﵁ لما أراد أخذ البيعة ليزيد من أكابر أهل الحجاز؛ كابن عمر، وابن عباس، وعبد الرحمن بن أبي بكر ﵃ أرسل إليهم في ذلك، فلم يُجيبوه، فأرسل إلى ابن عمر ﵄ بمئة ألف درهم فأخذها، فَدّس إليه رجلًا فقال له: ما يمنعك أن تبايع؟ فقال له: إنَّ ذاك لذاك -يعني: عطاء المال للمبايعة-، إنَّ ديني إذًا عندي لرخيص، لا أُبايع أميرين أبدًا. وأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فأجابه بكلامٍ غليظ. وأرسل إلى عبد الله بن الزبير، فأجابه بنحو ذلك، فظن أنهم لا يرضون بخلافة يزيد، ولا يبايعونه. فلما احتضر معاوية ﵁ قال لابنه يزيد: لقد وَطّأتُ لك البلاد، ومَهدتُ لك الناس، ولست أخاف عليك إلَّا أهل الحجاز، فإن رابك منهم أمر فوجه إليهم مسلم بن عقبة؛ فإني قد جربته، ورأيت نصيحته. فلما مات وصار أمر الحسين ﵁ إلى ما ذكر أظهر ابن الزبير ﵄ الخلاف على يزيد، والتجأ إلى مكة، وقام أهل المدينة، فشاركوا ابن الزبير في الخلاف، وخلعوا يزيد بعد أن بايعوه، وحاصروا بني أمية الذين كانوا بالمدينة، فأرسل مروان: إنَّا حُصرنا، ومُنعنا الماء العذب، فواغوثاه.
وا ابن الزبير في الخلاف، وخلعوا يزيد بعد أن بايعوه، وحاصروا بني أمية الذين كانوا بالمدينة، فأرسل مروان: إنَّا حُصرنا، ومُنعنا الماء العذب، فواغوثاه.
فَوجّه إليهم يزيد مسلم بن عقبة المِرّي في اثني عشر ألفًا، وقيل: عشرين ألفًا، وقال: ادعهم ثلاثًا، فإن رجعوا، وإلَّا فقاتلهم، فإذا ظهرت فأبحها للجيش ثلاثًا، وأجهز على جريحهم، واتبع منهزمهم، فتوجه إليهم، فوصل في ذي الحجة سنة ثلاث وستين، فحاربوه. وكان الأمير على الأنصار: عبد الله بن حنظلة؛ غسيل الملائكة، وعلى قريش: عبد الله بن مُطيع، وعلى غيرهم من القبائل: مَعْقِل بن سنان الأشجعي، وكانوا اتخذوا خندقًا. فلما رآهم أهل الشام خافوهم، وكرهوا قتالهم، فأدخل بنو حارثة قومًا من الشاميين من جانبة الخندق، فلما سمعوا التكبير في جوف المدينة خافوا على أهلهم، فتركوا القتال، ودخلوا المدينة، فكانت الهزيمة. وأباح مُسلِمٌ المدينة ثلاثًا يقتلون الناس، ووقعوا على النساء، وقاتل عبد الله بن مُطيع حتى قُتِلَ هو وبنون له سبعة، وبُعِثَ برأسه إلى يزيد، وَقُتلَ من وجوه الناس أكثر من سبع مئة من قريش، ومن أخلاط الناس من الموالي والعبيد والصبيان والنساء أكثر من عشرة آلاف، وسبوا الذرية، واستباحوا الفروج، وأحبلوا أكثر من ألف امرأة من الزنا، وسمي أولادهن أولاد الحَرّة، وربطوا الخيل بسواري المسجد الشريف، وجالت الخيل فيه، وراثت، وبالت بين القبر الشريف والمنبر، وتعطل المسجد الشريف ثلاثة أيام؛ لم يُصل فيه. وكان ابن المسيب ﵁ في المسجد تلك الأيام يَسْمَعُ من القبر الشريف الأذان والإقامة، وكانوا يضحكون منه ويقولون: انظروا إلى هذا الشيخ المجنون يُصلي. وذلك أنهم جاؤوا به ليبايع يزيد على أنه عَبْدُ قِنٍّ ليزيد في طاعة الله ومعصيته كما بايع الناس، فقال: بل على كتاب الله، وسنَّة نبيه، وسيرة أبي بكر وعمر ﵄. فأمر بقتله، فقال بعض الناس: دعوه فإنه مجنون. فتركوه. وكل من أبى أن يبايع على أنه عَبْدٌ ليزيد في طاعة الله ومعصيته أُمِر بقتله، ودخلت
بي بكر وعمر ﵄. فأمر بقتله، فقال بعض الناس: دعوه فإنه مجنون. فتركوه. وكل من أبى أن يبايع على أنه عَبْدٌ ليزيد في طاعة الله ومعصيته أُمِر بقتله، ودخلت
طائفة بيت أبي سعيد الخُدري، فأخذوا ما فيه من المتاع، ودخلت طائفةٌ أخرى فلم يجدوا شيئًا، فأضجعوه، ومعطوا لحيته خصلة خصلة. ولم يَتعرّض لعلي بن الحسين زين العابدين؛ لأنَّ يزيد وصاه به، وقال: إنه لم يدخل في شيءٍ من أمرهم. وَسَمَّوا مُسلمًا: هذا مُسرفًا؛ لإسرافه في القتل والفساد. ثم توجَّهَ إلى ابن الزبير؛ فإنه قال له يزيد: إذا فرغت من أمر المدينة فتوجه إلى مكة، وكان مريضًا، فمات في الطريق. وكان من غاية جهله وضلاله يقول: اللهم؛ إني لم أعمل بعد شهادة أن لا إله إلَّا الله عملًا أرجى لي من قتل أهل المدينة، ولئن دخلت النار بعدها إني لشقي. ثم نادى حُصين بن نُمير، وقال له: أمير المؤمنين -يعني: يزيد- ولاك بعدي، فأسرع السير ولا تؤخر ابن الزبير. وأمره أن يَنْصِب المجانيق على مكة، وقال: إن يعوذوا بالبيت فارمه. فذهب وحاصر مكة أربعًا وستين يومًا، وجرى فيها قتال شديد، وَرمى البيت بالمجانيق، وأخذ رجلٌ قبسًا في رأس رمح فطارت به الريح فأحرق البيت، فجاءهم نَعْيُ يزيد. وكان بين الحرة وموته ثلاثة أشهر، وقيل دونه. واجترأ أهل مكة والمدينة على أهل الشام، فذلوا حتى كان لا ينفرد منهم رجلٌ إلَّا أُخذ بلجام دابته فنكس عنها، فقال لهم بنو أمية: لا تبرحوا حتى تحملونا معكم إلى الشام. ففعلوا، ومضى ذلك الجيش حتى دخل الشام، فبويع لابن الزبير بالحجاز، وبايع أهل الآفاق كلها لمعاوية بن يزيد، وكان رجلًا صالحًا فيه دين وعقل، فأقام فيها أربعين يومًا، وقيل: أقام فيها خمسة أشهر وأيامًا وخلع نفسه. وذكر غير واحدٍ أنَّ معاوية بن يزيد لما نزع نفسه صَعِد المنبر وجلس طويلًا، ثم حمد الله تعالى، وأثنى عليه بأبلغ ما يكون من الحمد والثناء، ثم ذكر النبي ﷺ بأحسن ما يُذْكَر به، ثم قال: أيها الناس؛ لست أنا بالراغب في الائتمار
عليكم؛ لعظيم ما أكرهه منكم، وإني أعلم أنكم تكرهوننا أيضًا؛ لأنّا بُلينا بكم، وبُليتُم بِنا، ألا إنَّ جدي معاوية نازع في هذا الأمر من كان أولى به منه ومن غيره؛ لقرابته من رسول الله ﷺ، وعظيم فضله وسابقته، أعظم المهاجرين قدرًا، وأشجعهم قلبًا، وأكثرهم عِلمًا، وأولهم إيمانًا، أشرفهم منزلة، وأقدمهم صحبة، ابن عم رسول الله ﷺ، وصهره، وأخوه، زَوَّجهُ رسول الله ﷺ ابنته، وجعله لها بعلًا باختياره لها، وجعلها له زوجةً باختيارها له، أبو سبطيه سيدا شباب أهل الجنة، وأفضلا هذه الأمة، تربية الرسول ﷺ، وابنا فاطمة البتول ﵂، من الشجرة الطاهرة الزكية، فركب جدي منه ما تعلمون، وركبتم ما لا تجهلون، حتى انتظمت لجدي الأمور، فلما جاء القدر المحتوم، واخترمته أيدي المنون بقي مُرتَهنًا بعمله، فريدًا في قبره، ووجد ما قدمت يداه، ورأى ما ركبه واعتداه، ثم انتقلت الخلافة إلى يزيد، فتقلد أمركم لهوىً كان أبوه فيه، ولقد كان أبي يزيد بسوء فعله وإسرافه على نفسه غير خَلِيقٍ بالخلافة على أمة محمد ﷺ، فركب هواه، واستحسن خَطَأهُ، وأقدم على ما أقدم من جراءته على الله، وبغيه على من استحل حرمته من أولاد رسول الله ﷺ، فَقَلَّتْ مُدته، وانقطع خبره، وضاجع عمله، وصار حليف حفرته، ورهين خطيئته، وبقيت أوزاره وتبعاته، وحَصّل ما قَدّم، وندم حيث لا ينفعه الندم، وشغلنا الحُزْنُ له عن الحُزنِ عليه. فليت شعري ماذا قال؟ وماذا قيل له؟ هل عُوقِب بإساءته وجوزي بعمله؟ وذلك ظني. ثم اختنقته العبرة؛ فبكى طويلًا، وعلا نحيبه، ثم قال: وصرت أنا ثالث القوم، والساخط عَليَّ أكثر من الراضي، وما كنت لأتحمل آثامكم، ولا يراني الله جلت قدرته مُتقلدًا أوزاركم وألقاه بتبعاتكم، شأنكم وأمركم فخذوه، ومن رضيتم به عليكم فولوه، وخَلعتُ بيعتي من أعناقكم، والسلام. فقال له مروان بن الحكم -وكان تحت المنبر-: أسُنّةٌ عمرية يا أبا ليلى؟ فقال: ابعد عني، أعن ديني تخدعني؟ ! ، فوالله ما ذقت حلاوة خلافتكم فأتجرع مرارتها، ائتني برجالٍ مثل رجال عمر على أنه ما كان حين جعلها شورى، وصرفها عمن
فقال: ابعد عني، أعن ديني تخدعني؟ ! ، فوالله ما ذقت حلاوة خلافتكم فأتجرع مرارتها، ائتني برجالٍ مثل رجال عمر على أنه ما كان حين جعلها شورى، وصرفها عمن
لا يشك في عدالته ظلومًا، والله لئن كانت الخلافة مغنمًا لقد نال أبي منها مغرمًا ومأثمًا. ولئن كانت شرًّا فحسبه منها ما أصابه. ثم نزل، فدخل عليه أقاربه وأمه فوجدوه يبكي، فقالت له أمه: ليتك كنت حَيْضَةً، ولم أسمع بخبرك. فقال: وددت والله ذلك. ثم قال: ويلي إن لم يرحمني ربي. ثم إنَّ بني أمية قالوا لِمُعَلِّمهِ عمرو المقصوص: أنت عَلّمته هذا، ولقنته إياه، وصددته عن الخلافة، وزينت له حُبّ عليٍّ وأولاده، وحملته على ما وسمنا به من الظلم، وحَسّنت له البدع حتى نطق بما نطق، وقال ما قال. فقال: والله ما فعلته، ولكنه مجبولٌ ومطبوعٌ على حُبِّ عليٍّ. فلم يقبلوا منه ذلك، وأخذوه ودفنوه حيًّا حتى مات. وتوفي معاوية بن يزيد بعد خلعه نفسه بأربعين يومًا، وقيل: تسعين ليلة، وكان عمره ثلاثًا وعشرين سنة، وقيل: إحدى وعشرين سنة، وقيل: ثماني عشرة سنة، وقيل: عشرين سنة. ويقال: إنه لما احتضر قيل له: أما تستخلف؟ فأبى، وقال: ما أصبت من حلاوتها شيئًا فلم أتحمل مرارتها. ولم يُعْقِب، ﵀ رحمة الأبرار، ورحم به. وكان قتل الحسين ﵁، ووقعة الحرة، وقتل ابن الزبير ﵁، ورمي الكعبة بالمنجنيق، واستحلال الحرم، من الشنائع التي وقعت في زمن يزيد. قال ابن حجر في "شرح الهمزية": ولا عجب؛ فإنَّ يزيد بلغ من قبائح الفسق والإخلال بالتقوى مبلغًا لا يستكثر عليه صدور تلك القبائح منه. بل قال الإمام أحمد بن حنبل بكفره، وناهيك به ورعًا وعِلمًا يقضيان بأنه لم يقل ذلك إلَّا لقضايا وقعت منه صريحة في ذلك، ثبتت عنده، وإن لم تثبت عند غيره؛ كالغزالي. وبالغ ابن العربي المالكي فقال: لم يقتل يزيد الحسين ﵁ إلَّا بسيف جده؛ أي لأنَّ البيعة سبقت ليزيد، وهو باغٍ عليه؛ لأنَّ كثيرين قدموا عليها مختارين
لي. وبالغ ابن العربي المالكي فقال: لم يقتل يزيد الحسين ﵁ إلَّا بسيف جده؛ أي لأنَّ البيعة سبقت ليزيد، وهو باغٍ عليه؛ لأنَّ كثيرين قدموا عليها مختارين
على أنَّ أباه قد استخلفه، ومع الاستخلاف لا يشترط ذلك، ولا شك أنَّ أباه قد صار خليفةً حقا بنزول الحسن ﵁ له، واجتماع الناس عليه. وَيُرَدُّ بأنَّ هذا إنما هو بعد استقرار الأحكام وانعقاد الإجماع على تحريم الخروج على الإمام الجائر، أما قبل ذلك فكان الأمر منوطًا بالاجتهاد، واجتهاد الحسين رضي الله تعالى عنه اقتضى جواز بل وجوب الخروج على يزيد؛ لجوره وقبائحه التي تصمُّ عنها الآذان، ويزيد لم تنعقد بيعته عند الحسين ﵁ وغيره ممن لم يبايعوه، والمبايعون له مكرهون على البيعة. وغاية أمر يزيد إن لم يكن كافرًا؛ أنه جائرٌ فاسقٌ متغلب، وحرمة الخروج على الجائر محلها بعد استقرار الأمور، وانقضاء تلك الأعصار. انتهى قُلْتُ: وأيضًا فإنَّ يزيد كان فاسقًا جاهلًا، وشرط الاستخلاف ابتداء العلم بالأحكام والعدالة، وقولهم: إنَّ الإمام الأعظم لا ينعزل بالفسق، إنما هو دوامًا لا ابتداء؛ فإنه يمنع من البيعة. وأما تَغلبُ يزيد فإنما حصل بعد قتل الحسين ﵁، بل وبعد الحَرّة، حيث قُتِلَ أكثر من يستحق الخلافة. على أنَّ أهل مكة لم يبايعوه، وأصروا مع ابن الزبير ﵄ على القتال زمنه وزمن أبيه معاوية. ثم بعد موت معاوية بن يزيد بايع أهل الآفاق كلها لابن الزبير، وانتظم له مُلك الحجاز، واليمن، ومصر، والعراق، والمشرق كله، وجميع بلاد الشام، حتى دمشق، لم يَتخلّف عن بيعته إلَّا بنو أمية ومن يهوى هواهم، وكانوا بفلسطين. حتى إنَّ مروان همَّ بالرحلة إلى مكة ليبايعه، فمنعه بنو أمية وبايعوه بالخلافة، وخرج بمن أطاعه إلى دمشق وقاتل الضحاك بن قيس المبايع لابن الزبير، فاقتتلوا بمرج راهط، فَقُتِل الضحاك، وغَلَبَ مروان على الشام، ثم توجه إلى مصر فحاصر عامل ابن الزبير بها حتى غلب عليها في ربيع الآخر سنة خمس وستين، ومات في تلك السنة، فكانت مدته ستة أشهر.
وعهد إلى ابنه عبد الملك فقام مقامه، وكَمُلَ له مُلك الشام، ومصر، والمغرب، ولابن الزبير ملك اليمن، والحجاز، والعراق، والمشرق. إلَّا أنَّ المختار بن أبي عبيد غلب على الكوفة، وكان يدعو إلى المهدي من أهل البيت، ويقول: إنه محمد ابن الحنفية، فأقام على ذلك نحو السنتين، ثم سار إليه مصعب بن الزبير أمير البصرة لأخيه عبد الله بن الزبير، فحاصره حتى قُتل في شهر رمضان في سنة سبع وستين. وانتظم أمر العراق كله لابن الزبير، فدام ذلك إلى سنة إحدى وسبعين، فسار عبد الملك إلى مصعب بن الزبير، وقاتله حتى قتله في جمادى منها، وملك العراق كله، ولم يبق مع ابن الزبير إلَّا الحجاز واليمن فقط. فجهز إليه عبد الملك الشقي الحجاج بن يوسف الثقفي، فحاصره في سنة اثنتين وسبعين إلى أن قُتل عبد الله بن الزبير في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين، وكان مجموع مدة ابن الزبير تسع سنين وشيء. ثم اجتمع الناس على عبد الملك بن مروان، ثم بعده على ابنه الوليد، ثم ابنه الآخر سليمان، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم ابنه الآخر يزيد، ثم ابنه الآخر هشام. فهؤلاء كلهم أولاد عبد الملك إلَّا عمر؛ فإنه ابن أخيه عبد العزيز. ثم بعد هشام تولّى ابن أخيه الوليد بن يزيد، فقام عليه ابن عمه يزيد بن الوليد فقتله، وقام عليه مروان الحمار بن محمد بن مروان. ولما مات ولي أخوه إبراهيم، فغلبه مروان، واختل أمرهم حتى غلب على المُلْكِ بنو العباس وقتلوهم أشد قِتلة. فلله الأمر من قَبلُ ومن بَعْد. ومنها: خراب المدينة بعد الحرة: أخرج ابن شَبّة، عن أبي هريرة ﵁: لَيخرُجَن أهل المدينة من المدينة أَعْمَرَ ما كانت، نصفًا زَهوًا ونصفًا رُطبًا، قيل: من يُخْرِجهم؟ قال: أمراء السوء. وروى أحمد برجال الصحيح؛ أنَّ النبي ﷺ صَعِد أُحُدًا، فأقبل
المدينة أَعْمَرَ ما كانت، نصفًا زَهوًا ونصفًا رُطبًا، قيل: من يُخْرِجهم؟ قال: أمراء السوء. وروى أحمد برجال الصحيح؛ أنَّ النبي ﷺ صَعِد أُحُدًا، فأقبل
على المدينة، فقال: "ويل أُمّها، قريةٌ يدعها أهلها كأينع ما تكون". وَروى ابن شبة عن شريحِ بن عبيد؛ أنه قرأ كتابًا لكعب: ليغشين أهل المدينة أمرٌ يُفْزِعهم حتى يتركوها وهي مُذللةٌ، وتبول السنانير على قطائف الخز ما يروعها شيء، وحتى تخرق الثعالب في أسواقها ما يروعها شيء. وفي "الموطأ": "لتتركنّ المدينة على أحسن ما كانت، حتى يدخل الكلب أو الذئب فيقذي -أي: يبول- على بعض سواري المسجد". ورواه ابن شَبّة، ولفظه: "فيقذي على سواري المسجد والمنبر". قال القاضي عياض: إنَّ هذا جرى في العصر الأول، وإنها تركت أحسن ما كانت من حيث الدين والدنيا، أما الدين: فلكثرة العلماء بها، وأما الدنيا: فلعمارتها واتساع حال أهلها. وذكر الإخباريون: أنه رحل عنها أكثر أهلها، وبقيت ثمارها للعوافي، وخلت مدة ثم تراجعوا. قال: وقد حكى قومٌ كثيرون أنهم رأوا ما أنذر به ﷺ من تقذية الكلاب على سواري مسجدها. انتهى وقال النووي: الظاهر المختار أن الترك لها يكون آخر الزمان. قال السيد السمهودي في "تاريخها": إنه ورد ما يقضي أن الترك لها يكون مُتعددًا؛ فقد روى ابن شبة: "ليخرجن أهل المدينة منها ثم ليعودون إليها، ثم ليخرجن منها ثم لا يعودون إليها". وروي أيضًا عن عمر ﵁ مرفوعًا: "يخرج أهل المدينة منها، ثم يعودون إليها فيعمرونها، ثم تمتلئ وتبنى، ثم يخرجون منها ولا يعودون إليها أبدًا". قال: فالظاهر أن ما ذكره القاضي عياض هو الترك الأول، وسببه كائنة الحرة؛ كما في حديث أبي هريرة ﵁: "يخرجهم أمراء السوء"، وأنه بقي الترك الذي يكون آخر الزمان. انتهى ملخصًا.
كره القاضي عياض هو الترك الأول، وسببه كائنة الحرة؛ كما في حديث أبي هريرة ﵁: "يخرجهم أمراء السوء"، وأنه بقي الترك الذي يكون آخر الزمان. انتهى ملخصًا.
قُلْتُ: ويؤيد ما ذكره ما في رواية شريح السابقة: "ليغشين أهل المدينة أمرٌ يفزعهم حتى يتركوها"، فإن خروجهم عنها آخر الزمان يكون للهجرة إلى بيت المقدس؛ طلبًا للجهاد لا للفزع. نعم؛ يمكن أن يقال: إن ذلك يقع في زمن السفياني أيضًا، وهو من أمراء السوء، وهو في آخر الزمان. لكن إذا ثبت التعدد سهل الأمر بأن يقال: يخرجون منها ثلاث مرات، وإنما ذُكِرَ في الحديث مرتين إيجازًا واختصارًا. وبالجملة: فقد وقع ذلك في زمن يزيد، وهو من جملة قبائحه الشنيعة، ولابد من وقوعها مرة أخرى في آخر الزمان؛ كما صرحت به الأحاديث الصحيحة، وسيأتي إن شاء الله هذا الترك الثاني في القسم الثالث، وبالله التوفيق. ومن الفتن التي وقعت في زمن بني مروان: قتل ابن الزبير، وهدم الكعبة، وتولية الحجاج؛ فإنه قتل مئة ألف وعشرين ألفًا وأربعة آلاف نفس حرام صبرًا، غير ما قتله في المحاربات، وأهان جماعةً من الصحابة، وختمهم في رقابهم إهانةً، منهم: أنس ﵁؛ خادم النبي ﷺ، ودسَّ على ابن عمر ﵄ من ضربه بحربة مسمومة فقتله ... إلى غير ذلك من القبائح، ولا شك أنه سيئة من سيئات عبد الملك؛ فإنه كان أميرًا له على العراق وعلى الحجاز. وعن حبيب بن أبي ثابت قال: قال علي ﵁ لرجل: لا متَّ حتى تدرك فتى ثقيف. قيل: ما فتى ثقيف؟ قال: ليُقالن له يوم القيامة: اكفنا زاويةً من زوايا جهنم؛ رجل يملك عشرين أو بضعًا وعشرين سنة، لا يدع لله معصية إلَّا ارتكبها، حتى لو لم تبق إلَّا معصيةٌ واحدة وكان بينه وبينها بابٌ مغلق لكسره حتى يرتكبها، يَقتُلُ بمن أطاعه من عصاه. رواه البيهقي في "الدلائل". ومنها: قتل زيد بن علي بن الحسين ﵁، وصلبه، وحرقه بالنار، وقتل ولده يحيى في زمانهم، وشربهم للخمر، وصلاتهم بالناس سكارى، وتقديمهم الجواري في المحراب، وغير ذلك من أنواع القبائح: بل نقل السيوطي في "تاريخ الخلفاء": أن الوليد بن يزيد عزم على الحج؛ لأجل
أن يشرب فوق ظهر الكعبة، فَقُتِلَ قبل أن يبلغ مراده. عن المسور بن مخرمة قال: قال عمر بن الخطاب لعبد الرحمن بن عوف ﵃: ألم يكن فيما تقرأ: (قاتلوا في الله في آخر مرة كما قاتلتم أول مرة)؟ قال: متى ذاك؟ قال: "إذا كانت بنو أمية الأمراء، وبنو مخزوم الوزراء"، رواه الخطيب. وقد مر لعنهم على لسان نبيهم ﷺ. هذا وطريق السلامة والورع السكوت عنهم، والاشتغال بعيوب النفس وبذكر الله تعالى؛ فإن الاشتغال بهم بابٌ عظيمٌ من أبواب الشيطان، ولقد أحسن من قال: لَعَمْرُكَ إِنَّ فِي ذَنْبِي لَشُغْلًا ... بِنَفْسِي عَنْ ذُنُوبِ بَنِي أُمَيَّه عَلَى رَبِّي حِسَابُهُمُ تَنَاهَى ... إِلَيْهِ عِلْمُ ذَلِكَ لا إِلَيَّه وَلَيْسَ بِضَائِرِي مَا قَدْ أَتَوْهُ ... إِذَا مَا اللهُ يَغْفِرُ مَا لَدَيَّه ومنها: دولة بني العباس: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أقبلت رايات ولد العباس من عقبات خراسان جاؤوا بنعي الإسلام، فمن سار تحت لوائهم لم تنله شفاعتي يوم القيامة" رواه أبو نُعيم في "الحلية". وعن أبي أمامة قال [: قال رسول الله ﷺ]: "ستخرج راياتٌ من المشرق لبني العباس، أولها مثبور، وآخرها مثبور، لا تنصروهم، لا ينصرهم الله، من مشى تحت راية من راياتهم أدخله الله تعالى النار يوم القيامة. ألا إنهم شرار خلق الله، وأتباعهم شرار خلق الله، يزعمون أنهم مني وما هم مني". رواه الطبراني. وعن ثوبان، وعن مكحول مرسلًا، وعن علي ﵁ موصولًا: "ما لي ولبني العباس؟ ! شيعوا أمتي، وسفكوا دماءها، وألبسوها ثياب السواد، ألبسهم الله ثياب النار" رواه الطبراني. لكن قد رَوى السهروردي وغيره بسندٍ جيد: أن جبريل ﵇ نزل لابسًا
شيعوا أمتي، وسفكوا دماءها، وألبسوها ثياب السواد، ألبسهم الله ثياب النار" رواه الطبراني. لكن قد رَوى السهروردي وغيره بسندٍ جيد: أن جبريل ﵇ نزل لابسًا
السواد، فقال: يا محمد؛ هذه ثياب بني عمك العباس، فدعا لهم ﷺ. وقال: اللهم؛ اغفر للعباس وولده. فَتُحْمل الأحاديث الأُول إن صحت على شرارهم، وهذا وأمثاله على خيارهم، على أن هذا أصح وله شواهد. ومن الفتن التي وقعت في زمنهم:
- قتال أهل المدينة.
- وقتل محمد النفس الزكية ابن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط.
- وقتل أخيه إبراهيم بن عبد الله.
- وقتل جماعةٍ كثيرةٍ من العلويين.
- وحبس الإمام جعفر الصادق في زمن المنصور.
- وموت الإمام موسى الكاظم في الحبس في زمن الرشيد.
- وإدخال الفلسفة في الإسلام.
- ونصرة الاعتزال في زمن المأمون.
- وقتل كثير من العلماء.
- وتكليفهم القول بخلق القرآن.
- وضرب الإمام أحمد بن حنبل في زمنه وزمن المعتصم والواثق وغيرهم. ولم تتفق الكلمة في زمنهم، ولم تَصْفُ لهم الخلافة، فكان أول من رجع عن الاعتزال منهم، ونصر السُنّة: المتوكل؛ فإنه رأى في المنام كأنَّ النبي ﷺ على تَلٍّ وحوله خلقٌ كثير، وهو ينادي بأعلى صوته: "ألا إن محمد بن إدريس الشافعي ترك فيكم عِلمًا نَفيسًا فاتبعوه تهتدوا"، فانتقل إلى مذهب الشافعي، وعين من بيت المال اثني عشر ألفًا لنشر حديث رسول الله ﷺ.
ا إن محمد بن إدريس الشافعي ترك فيكم عِلمًا نَفيسًا فاتبعوه تهتدوا"، فانتقل إلى مذهب الشافعي، وعين من بيت المال اثني عشر ألفًا لنشر حديث رسول الله ﷺ.
ثم لا زالوا في التناقص إلى أن بقي لهم من الخلافة مُجرد الاسم، وغلب آل سلجوق على معظم البلاد، فكان آخرهم بالعراق المستعصم الذي قتله التتار، ثم انتقلوا إلى مصر. وكان زمانهم مشحونًا بالعلماء في كل فنٍّ؛ من التفسير، والحديث، والنحو، واللغة، والقراءات، والفقه، والكلام، والتاريخ، وغير ذلك، حتى أن زمان الرشيد كان يسمى: عروس الدهر. ومنها: فتنة الفاطمية: واستيلاؤهم على المغرب ومصر نحوًا من ثلاث مئة سنة، وإظهارهم الرفض، ونصرهم مذهب الباطنية، وإلحادهم في الدين. وكان استيلاؤهم على جزيرة الفسطاط سنة ثمان وثلاث مئة، وكان انتزاعها منهم على يد صلاح الدين يوسف بن أيوب الملك الناصر، في سنة أربع وستين وأربع مئة، فرحم الله روحه، وجزاه عن الإسلام خيرًا. ومن فتن هؤلاء: أنَّ الحاكم منهم بنى دارًا وفرشها، وأجلس الفقهاء والمحدثين فيها، ثم بعد ثلاث سنين هدمها، وقتل الفقهاء والمحدثين. وأنَّ الظاهر بن الحاكم جمع ألفين وست مئة وستين جارية مزينات بحليهن في قصرٍ، وأمر ببناء أبوابه إلى أن مِتن كُلُّهن، وبعد ستة أشهر أضرم عليهن النار، فأحرقهن بثيابهن وحليهن، فلا ﵀، ولا رحم من خلفه. ذكر ذلك السيوطي في "حُسْنِ المحاضرة". قال ابن أبي حَجلَة في "السكردان": إن الحاكم قتل من العلماء ما لا يُحصى، وأمر بِسَبِّ الصحابة، وأمر بكتب ذلك على أبواب المساجد والشوارع، ثم محاه بعد مدة، وهدم قمامةً، وبنى مكانها مسجدًا، ثم أعادها كما كانت. وبنى المدارس، وجعل فيها العلماء والمشايخ، ثم قتلهم وهدمها، ونهى عن أكل الملوخية والجرجير، وعلل تحريمها بكون معاوية ﵁ يميل إلى الملوخية، وعائشة ﵂ إلى الجرجير.
ونهى عن بيع الرطب، ثم جمع منه شيئًا كثيرًا وأحرقه، وكان مقدار النفقة على إحراقه خمس مئة دينار. ونهى عن بيع العنب، وقلب خمسة آلاف ألف جرة من جرار العسل في البحر، وكسر جراره. وأمر النصارى واليهود بالدخول في الإسلام كُرهًا، ثم أمرهم بالعود إلى أديانهم، فارتد منهم في سبعة أيام ستة آلاف، وخرب كنائسهم ثم أعادها. وادعى الربوبية، وكتب: باسم الحاكم الرحمن الرحيم. واجتمع له كثير من الجهال، وبذل لهم المال، ونادوه باسم الإله، فكانوا إذا رأوه قالوا: يا واحد، يا أحد، يا محيي، يا مميت. وصَنَّف له بعض الباطنية كتابًا ذكر فيه: أن روح آدم انتقل إلى عليٍّ، ثم إليه، وقُرِئَ هذا الكتاب بجامع القاهرة، وَسُيِّر هذا المُصَنِّفُ إلى جبال الشام، فنزل بوادي التيم، وناحية بانياس، واستمال الناس، وأعطاهم المال، وأباح لهم الخمر والزنا، ودعاهم إلى معتقد الحاكم، فَأضلّ منهم خلقًا كثيرًا. وفي وادي التيم إلى يومنا هذا قرىً كَثيرة يعتقدون رجوع الحاكم، وأنه يعود ويمهد الأرض. هذا كلامه مُلخصًا. واستمروا بها ظالمين إلى أن أبادهم الله على أيدي السلاطين الأكراد الأيوبية، وتولى هؤلاء أيضًا قَريبًا من مئتي سنة؛ من سنة أربع وستين وأربع مئة إلى سنة ثمان وأربعين وست مئة، آخرهم الملك المعظم تورانشاه قتله أتباعهم الأتراك، وتولى أولئك أيضًا؛ من هذه السنة إلى سنة ثمان وسبعين وسبع مئة، ثم استولى على الأمر أتباعهم الجراكسة إلى سنة اثنتين وعشرين وتسع مئة، ثم غلبهم ملوك بني عُثمان إلى يومنا هذا. فالملك والأرض لله يُورِثُها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين، والحمد لله رب العالمين.
تين وعشرين وتسع مئة، ثم غلبهم ملوك بني عُثمان إلى يومنا هذا. فالملك والأرض لله يُورِثُها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين، والحمد لله رب العالمين.
ومنها: فتنة القرامطة: وإهانتهم الدين، واستحلالهم الحُرُمْ، وستأتي الإشارة إليهم فيما بعد (١). ومنها: قتال الترك وفتنتهم؛ وهم التتار: فقد رَوى الستة إلَّا النسائي: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر (٢)، وحتى تقاتلوا الترك؛ صغار الأعين، حمر الوجوه، ذلف الأنوف؛ كأن وجوههم المجان المطرقة". وفي رواية للبخاري: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوز وكرمان؛ قومًا من الأعاجم، حمر الوجوه". وفي لفظ له: "عراض الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين، وجوههم المجان المطرقة، ولا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا نعالهم الشعر". تَنبيه قوله: (نعالهم الشعر) على ظاهره. قال البيهقي: وقد وقع ذلك؛ فإن قومًا من الخوارج قد خرجوا بناحية الري وكانت نعالهم الشعر، وقوتلوا. ذكره السيوطي في "الخصائص الكبرى". قيل: ويحتمل أن يكون من جلود مشعرة غير مدبوغة، ويحتمل أن المراد: وفور شعرهم حتى يطؤوها بأقدامهم. قال المناوي في "تخريج المصابيح": وحمر الوجوه: بيض الوجوه مشربة بحمرة، وذلف الأنوف بالذال المعجمة في رواية الجمهور.
: وفور شعرهم حتى يطؤوها بأقدامهم. قال المناوي في "تخريج المصابيح": وحمر الوجوه: بيض الوجوه مشربة بحمرة، وذلف الأنوف بالذال المعجمة في رواية الجمهور.
قال صاحب "المشارق": وهو الصواب. ويروى بالمهملة؛ وهو بضم الدال، وسكون اللام: جمع أدلف؛ كأحمر. وَحُمر: معناه: فُطْسُ الأنُوف؛ كما في الرواية الأخرى؛ أي: قصارها مع انبطاح، وقيل: غلظ أرنبة الأنف. قاله النووي. والمَجانَّ؛ بفتح الميم، وتشديد النون: جمع مِجَنٍّ؛ بكسر الميم؛ وهو التُّرس. والمُطْرقة؛ بضم الميم، وسكون الطاء، وحكي: فتح الطاء، وتشديد الراء. قال النووي: الأول هو المشهور في الرواية وكتب اللغة، ومعناه: أنَّ وجوههم عريضة؛ كما في الرواية الأخرى، ووجناتهم ناتئةٌ كالتُّرس المطرقة. وخوز: ضبطه في "النهاية" بالخاء والزاي المعجمتين؛ مُضافًا إلى كرمان. قال: وهو جبل معروف، وهو من بلاد الأهواز من عراق العجم، بحيث قيل: إنه صِنْفٌ منهم. وكرمان: صقعٌ معروف في العجم. قال السخاوي: وهي بلدة معمورة من بلاد العجم بين خراسان وبحر الهند. قال في "النهاية": ويروى بالراء المهملة؛ وهو من أرض فارس. وصوبه الدارقطني قال: وروي خوزًا (١)، وكرمان، وقيل: إذا أضيف فبالراء، وإذا عطف فبالزاي المعجمة. وورد: "اتركوا التُّرك ما تركوكم؛ فإنَّ أوّل من يَسلُبُ أمتي مُلْكَهم بنو قنطوراء. . . ." الحديث. زاد في رواية: "فإنهم أصحاب بأسٍ شديد، وغنائمهم قليلة".
د: "اتركوا التُّرك ما تركوكم؛ فإنَّ أوّل من يَسلُبُ أمتي مُلْكَهم بنو قنطوراء. . . ." الحديث. زاد في رواية: "فإنهم أصحاب بأسٍ شديد، وغنائمهم قليلة".
قال النووي: هذه الأحاديث كلها معجزة لرسول الله ﷺ؛ فقد عُرِفَ هؤلاء الترك بجميع صفاتهم التي ذكرها النبي ﷺ، وقاتلهم المسلمون مرات. قال السخاوي (١) في "القناعة": ومن المرات التي قاتل فيها المسلمون الترك في دولة بني أمية، وكان ما بينهم وبين المسلمين مسدودًا، إلى أن فُتِحَ ذلك شيئا بعد شيء، وكثر السبي منهم؛ لما فيهم من الشدة والبأس، حتى كان أكثر عسكر المعتصم منهم، ثم غلبت الأتراك على المُلْك، فقتلوا ابنه المتوكل، ثم أولاده؛ واحدًا بعد واحد، إلى أن خالط المملكة الديلم. ثم كانت الملوك السامانية من الترك أيضًا، فملكوا بلاد العجم، ثم غلب على تلك المماليك آل سُبْكتُكِين، ثم آل سلجوق، وامتدت مملكتهم إلى العراق، والشام، والروم. وكان بقايا أتباعهم بالشام، وهم آل زِنْكي، وأتباع هؤلاء؛ وهم بيت أيوب، واستكثر هؤلاء أيضًا من الترك فغلبوهم بالديار المصرية، والشامية، والحجازية، وخرج على آل سلجوق في المئة الخامسة الغُزْ، فخربوا البلاد، وفتكوا في العباد. ثم جاءت الطامة الكبرى بالتتار بعد الست مئة، فكان خروج جنكيز خان، واستعرت الدنيا بهم نارًا، لاسيما المشرق بأسره، حتى لم يبق بلدٌ منه حتى دخله شرهم، ثم كان خراب بغداد، وقتل الخليفة المستعصم على أيديهم، وهو آخر الخلفاء العباسية ببغداد؛ الذي رثاه مصلح الدين السعدي الشيرازي بالقصيدة الفارسية التي مطلعها: آسمان راحق بُوَدُ كرون بكَريد برزمين ... برزوال ملك مستعصم أمير المؤمنين ومعناه: حُقَّ للسماء أن تبكي على الأرض؛ لزوال ملك المستعصم أمير المؤمنين في سنة ست وخمسين وست مئة. قال التاج السبكي في "طبقاته": لم يكن منذ خلق الله الدنيا فتنةٌ أكبر من فتنةِ
التتار؛ فإنهم خربوا المساجد، وحرقوا المصاحف والكتب، وقتلوا الرجال وسبوا النساء، وبقروا بطونهن، فأخرجوا أولادهن وقتلوهم. قال السخاوي: ثم لم تزل بقاياهم يخرجون إلى أن كان آخرهم الأمير تيمور الأعرج، فطرق الديار الشامية، وعاث فيها، وحرق دمشق حتى جعلها خاوية على عروشها، ودخل الروم والهند وما بين ذلك، وطالت مدته إلى أن مات، وتفرق بنوه في البلاد. وظهر بجميع ذلك مصداق قوله ﷺ: "إنَّ أول من يَسْلُبُ أمتي مُلكها بنو قنطوراء". قال في "القناعة": وقنطوراء؛ بالمد والقصر، قيل: كانت جارية لإبراهيم الخليل ﵊، فولدت له أولادًا، فانتشر منهم الترك، حكاه ابن الأثير واستبعده، وجزم به المجد في "القاموس". انتهى ومصداق ما رَوى الخطيب عن عليّ ﵁: تكون مدينة بين الفرات ودجلة، يكون فيها ملك بني العباس؛ وهي الزوراء، تكون فيها حرب مفظعة، تسبى فيها النساء، وتُذبح فيها الرجال؛ كما تذبح الغنم. قال: وإسناده شديد الضعف. قال الحافظ السيوطي في "الجامع الكبير": وقعت هذه الحرب بعد موت الخطيب بأكثر من مئتي سنة، وذلك مما يقوي الحديث. وقال ابن مسعود ﵁: كأني بالترك وقد أتتكم على براذين مخرمة الآذان، حتى تربطها بشط الفرات. وفي حديث آخر: يُلْحِقُونَ أهل الشام بمنابت الشِّيح؛ كأني أنظر إليهم وقد ربطوا خيولهم بسواري المسجد. فائِدَة قال السخاوي في "القناعة": أسند الحاكم صاحب "الصحيح" في "مستدركه" إلى محمد بن يحيى أبي بكر الصولي النحوي قال: أول من مدح الترك من شعراء
مسجد. فائِدَة قال السخاوي في "القناعة": أسند الحاكم صاحب "الصحيح" في "مستدركه" إلى محمد بن يحيى أبي بكر الصولي النحوي قال: أول من مدح الترك من شعراء
العرب علي بن عباس الرومي؛ حيث يقول: إِذَا ثَبَتُوا فَسَدٌّ مِنْ حَدِيدٍ ... تَخَالُ عُيونَنَا فِيهَا بِحَارَا وَإِنْ بَرَزُوا فَنِيرَانٌ تَلَظَّى ... عَلَى الأَعْدَاءِ يضرمها استعارا ومنها (١): نار الحجاز التي أضاءت أعناق الإبل ببصرى؛ كما أخبر به ﷺ: روى البخاري، والحاكم في "المستدرك": عن أبي هريرة ﵁: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نارٌ من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى". وروى ابن أبي شيبة، وأحمد، والحاكم وصححه: عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ليت شعري متى تخرج نار من جبل وراق تضيء لها أعناق البخت ببصرى كضوء النهار؟ ! ". وروى الطبراني بسنده عن عاصم بن عدي الأنصاري قال: سألَنا رسول الله ﷺ حدثان ما قَدِمَ -أي: أول ما قدم المدينة- قال: "أين حَبْسُ سيل؟ " قلنا: لا ندري. فمر بي رجل من بني سليم، فقلت: من أين جئت؟ قال: مِنْ حَبْس سيل. فدعوت بنعلي، فانحدرت إلى رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله؛ سألتنا عن حَبْس سيل، فقلنا: لا علم لنا به، وإنه مر بي هذا الرجل، فسألته، فزعم أنه من أهله. فسأله رسول الله ﷺ "فقال: أين أهلك؟ " فقال: بحبس سيل. فقال: "أخرج أهلك؛ فإنه يوشك أن تخرج منها نار تضيء أعناق الإبل ببصرى". وروى هو، وأبو يعلى، والإمام أحمد من رواية رافع بن بشر السُّلمي، عن أبيه -
سيل. فقال: "أخرج أهلك؛ فإنه يوشك أن تخرج منها نار تضيء أعناق الإبل ببصرى". وروى هو، وأبو يعلى، والإمام أحمد من رواية رافع بن بشر السُّلمي، عن أبيه -
قال الحافظ الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح، غير رافع، وهو ثقة- قال: "يُوشِكُ نار تخرج من حبس سيل، تسير سير بطيئة الإبل، تسير النهار، وتقيم الليل ... " الحديث. وفي "مسند الفردوس": عن عمر ﵁: "لا تقوم الساعة حتى يسيل وادٍ من أودية الحجاز بالنار، تضيء أعناق الإبل ببصرى". قال نور الدين السيد علي السمهودي في "تاريخ المدينة": وقد ظهرت هذه النار بالمدينة، واشتهرت اشتهارًا بلغ حد التواتر، وتقدمها زلازل مهولة، وأشفق أهل المدينة منها غاية الإشفاق، والتجؤوا إلى النبي ﷺ. وكان ابتداء الزلزلة بالمدينة مستهل جمادى الآخرة، وآخر جمادى الأولى، سنة أربع وخمسين وست مئة؛ أي: فيكون قبل قتل المستعصم وخراب بغداد بسنتين. قال: لكنها كانت خفيفة، واشتدت يوم الثلاثاء، وظهرت ظُهورًا عظيمًا، ثم لما كان ليلة الأربعاء؛ ثالث الشهر، أو رابعه في الثلث الأخير منها حدثت زلزلة عَظِيمة انزعجت القلوب لهيبتها، واستمرت بقية الليل إلى يوم الجمعة، ولها دَويٌّ أعظم من الرعد، فَتمُوجُ الأرض، وتُحَرِّكُ الجُدُرات، حتى وقع في يَومٍ وَاحدٍ دون ليلته ثمان عشرة حركة، فسكنت ضحى يوم الجمعة، ولما كان نصف النهار ظهرت تلك النار، فثار من محل ظُهورها دُخَانٌ متراكم غشي الأفق سواده. فلما تراكمت الظلمات، وأقبل الليل سطع شُعَاعُ النار، وظهر بقريظة بطرف الحرة ترى في صفة البلد العظيم، عليها سُورٌ محيط، عليه شراريف وأبراج ومنائر، وترى رجال يقودونها لا تمر على جبلٍ إلا دكته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك مثل النهر أحمر وأزرق، له دويٌّ كدوي الرعد، يأخذ الصخور من بين يديه، وينتهي إلى محط الركب العراقي، واجتمع من ذلك رَدْمٌ صار كالجبل العظيم، وانتهت النار إلى قرب المدينة، ومع ذلك، فكان يأتي المدينة نَسِيمٌ بَارِدٌ، وشوهد لهذه النار غليانٌ؛ كغليان البحر. وقال بعض أصحابنا: رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام، وسمعت أنها رُؤيَت من مكة، ومن جبال بصرى.
وقال القاضي سنان: وطلعت إلى الأمير -أي: أمير المدينة- وكان عز الدين منيف، وقلت له: قد أحاط بنا العذاب، فارجع إلى الله تعالى. قال: فأعتق كل مماليكه، ورد على الناس مظالمهم، وأبطل المكس، ثم هبط الأمير إلى النبي ﷺ، وبات في المسجد ليلة السبت، ومعه جميع أهل المدينة، حتى النساء والصغار، وحتى أهل النخيل، وباتوا يَتَضرعُون ويبكون، وأحاطوا بالحجرة الشريفة، كاشفين رؤوسهم، مقرين بذنوبهم، مستجيرين بنبيهم، فصرف الله عنهم تلك النار العظيمة ذات الشمال، فسارت من مخرجها وسارت ببحر عظيم من النار، وأخذت في وادي أُحْيليين، وأهل المدينة يشاهدونها من دورهم؛ كأنها عندهم، واستمرت مدة ثلاثة أشهر. قال المطري: وكانت تُذِيبُ الحجر، ولا تَحرقُ الشجر. وذكر القسطلاني: أن هذه النار لم تزل مارةً على سبيلها حتى اتصلت بالحرة ووادي الشظاة، وهي تسحق ما والاها، وتُذِيبُ ما لاقاها من الشجر الأخضر والحصى؛ من قوة الحر، وأن طرفها الشرقي آخذ بين الجبال، فحالت دونها فوقفت، وأن طرفها الغربي -وهو الذي يلي الحرم- اتصل بجبل يقال له: وعيرة؛ على قرب من شرقي جبل أُحُد، ومضت في الشظاة التي في طرفه وادي حمزة، ثم استمرت حتى استقرت تجاه حرم النبي ﷺ، فَطُفِئت. قال: وأخبرني من أعتمد عليه أنه عاين حجرًا ضخمًا من حجارة الحرة كان بعضه خارجًا عن حد الحرم، فعلقت بما خرج منه، فلما وصلت إلى ما دخل منه في الحرم طفئت، وخمدت. قال: وهذا أولى بالاعتماد من كلام المطري أنها كانت تحرق الحجر دون الشجر، وأن رجُلًا مد إليها نبلًا فأحرقت النصل ولم تحرق الخشب. فإن المطري لم يُدرك هذه النار. وقال المؤرخون: واستمرت هذه النار مدة ظهورها تأكل الأحجار والجبال، وتسير سيرًا ذريعا في وادٍ يكون مقداره أربعة فراسخ، وعرضه أربعة أميال، وعمقه
النار. وقال المؤرخون: واستمرت هذه النار مدة ظهورها تأكل الأحجار والجبال، وتسير سيرًا ذريعا في وادٍ يكون مقداره أربعة فراسخ، وعرضه أربعة أميال، وعمقه
قامتان ونصف، وهي تجري على وجه الأرض، والصخر يَذُوبُ حتى يبقى مثل الآنك، فإذا خمد اسود بعد أن كان أحمر. ولم يزل يجتمع من هذه النار الحجارة المذابة في آخر الوادي عند منتهى الحرة حتى قطعت في وسط وادي الشظاة إلى جهة جبل وعيرة، فسدت الوادي المذكور بسدٍّ عَظيمٍ من الحجر المسبوك ولا كسدِّ ذي القرنين؛ يُعْجَزُ عن وصفه، ولا مسلك لإنسان فيه ولا دابة. وقال العماد بن كثير: أخبرني القاضي صدر الدين الحنفي قال: أخبرني والدي صفي الدين؛ مدرس مدرسة بُصرى، أنه أخبره غير واحد من الأعراب ممن كان بحاضرة بلدة بُصرى: أنهم رأوا صفحات أعناق إبلهم في ضوء تلك النار مصداق قوله ﷺ. وقد كان إقبال هذه النار من جهة شرق المدينة في جهة طريق السوارقية، وهناك حَبْسُ سيل؛ فإنه بين حرة بني سُلَيم، والسوارقية. وبعد انطفاء النار في هذه السنة احترق مسجد النبي ﷺ، وزادت دجلة زيادةً عظيمةً، فغرق أكثر بغداد، وتهدمت دار الوزير، وكان ذلك إنذارًا لهم. وفي السنة التي تلي هذه السنة وقعت الطَّامةُ الكبرى (١)؛ وهي أخذ التتار لبغداد، وقتل الخليفة المستعصم، وبذل السيف ببغداد نَيفًا وثلاثين يومًا، وأُخرجت الكتب فألقيت تحت أرجل الدواب، وشوهد بالمدرسة النظامية معالف الدواب مبنية بالكتب موضع اللَّبِنْ، وخلت بغداد من أهلها، واستولى عليها الحريق، واحترقت دار الخلافة، وعم الحريق أكثر الأماكن حتى القصور البرانية وتربة الرِّصَافة مدفن ولاة الخلافة. ورُئِيَ على بعض حيطانها مكتوبًا شعر: إِنْ تُرِدْ عِبْرَةً فَهذِي بَنُو الْعَبَّـ ... ـاسِ دَارَتْ عَلَيْهِمُ الدَّائِرَاتُ اُسْتُبِيحَ الْحَرِيمُ إِذْ قُتِلَ الأَحْـ ... ـيَاءُ مِنْهُمْ وَأُحْرِقَ الأَمْوَاتُ
هذِي بَنُو الْعَبَّـ ... ـاسِ دَارَتْ عَلَيْهِمُ الدَّائِرَاتُ اُسْتُبِيحَ الْحَرِيمُ إِذْ قُتِلَ الأَحْـ ... ـيَاءُ مِنْهُمْ وَأُحْرِقَ الأَمْوَاتُ
وقال بعضهم شعرًا: سُبْحَانَ مَنْ أَصْبَحَتْ مَشِيئَتُهُ ... جَارِيَة فِي الْوَرَى بِمِقْدَارِ فِي سَنَةٍ أَغْرَقَ الْعِرَاقَ وَقَدْ ... أَحْرَقَ أَرْضَ الْحِجَازِ بِالنَّارِ ثم كثر الموت والفناء ببغداد، وطُوي بِسَاطُ الخلافة منها، فلله الأمر من قبل ومن بعد، يعز من يشاء ويذل من يشاء. هذا ملخص "تاريخ السمهودي". وهذه النار غير النار التي تَخْرُج آخر الزمان تحشر الناس إلى محشرهم، تبيت معهم وتقيل، وستأتي في القسم الثالث إن شاء الله تعالى. ومنها: ظهور الرفض، واستبداد الرافضة بالملك، وإظهار الطعن واللعن على جَنابِ الصحابة الكرام: وهذا أعظم الفتن، وأشد المِحَن، وموت السُّنن. فقد روى الدارقطني عن فضيل بن مرزوق، عن أبي الحجاف داود بن أبي عوف، عن محمد بن عمرو بن الحسين، عن زينب -يعني: بنت عليّ بن أبي طالب-، عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ؛ أنه ﷺ قال لعلي: "يا أبا الحسن؛ أما إنك وشيعَتك في الجنة، وإن قومًا يزعمون أنهم يحبونك يُصَغِّرُون الإسلام، ثم يرفضونه ويلفظونه، يمرقون منه كما يَمْرقُ السهم من الرمية، لهم نُبَزُ، يقال لهم: الرافضة، فإن أدركتهم فقاتلهم؛ فإنهم مشركون". وأخرجه من طريق أبي الحجاف، عن أبي جعفر الباقر، عن فاطمة الصغرى، عن فاطمة الكبرى، عن النبي ﷺ، به. ثم قال الدراقطني: ولهذا الحديث عندنا طُرقٌ كثيرة كتبناها في "مسند فاطمة ﵂"، وتقصيناها هناك. ثم أخرج عن أم سلمة ﵂ نحوه، وزادت في آخره: "قالوا: يا رسول الله؛ ما العلامة فيهم؟ قال: لا يشهدون جُمعة ولا جماعة، ويطعنون على السلف الأول".
وروى الطبراني، وأبو نُعيم في "الحلية"، والخطيب البغدادي، وابن الجوزي -وفي سنده محمد بن جحادة "ثقة غالٍ في التشيع، روى له الشيخان-، ورواه ابن أبي عاصم في "السُّنّة"، وابن شاهين، وابن بشران، والحاكم في "الكنى"، وخيثمة بن سليمان الطرابلسي في "فضائل الصحابة"، واللالكائيُّ في "السُّنّة"؛ كلهم عن علي كرم الله وجهه قال: قال لي رسول الله ﷺ: "أنت وشيعتك في الجنة، وسيأتي قوم لهم نَبزٌ -أي: لقب- يقال لهم: الرافضة، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإنهم مشركون". زاد ابن أبي عاصم، وابن شاهين في روايتهما: "قلت: يا رسول الله؛ ما العلامة فيهم؟ قال: يُقَرِّظُونك -أي: يمدحونك- بما ليس فيك، ويطعنون على أصحابي ويشتمونهم". وفي رواية ابن بشران، والحاكم: "ينتحلون حُبّكَ، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم". وفي رواية خيثمة، واللالكائي به: قال علي ﵁: سيكون بعدنا قوم ينتحلون مودتنا تكون علينا مارقة، وآية ذلك أنهم يَسُبون أبا بكر وعمر. وفي لفظ اللالكائي: لهم نبز، يسمون: الرافضة، يعرفون به، ينتحلون شيعتنا وليسوا من شيعتنا، وآية ذلك أنهم يشتمون أبا بكر وعمر. وروى أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "يكون في آخر الزمان قوم يسمون الرافضة، يرفضون الإسلام، فإذا رأيتموهم فاقتلوهم؛ فإنهم مشركون". ولفظ الطبراني بإسنادٍ حَسنٍ عنه: كنت عند النبي ﷺ وعنده علي، فقال ﷺ: "سيكون في أمتي قوم ينتحلون حُبَّ أهل البيت، لهم نبز يسمون الرافضة، فاقتلوهم فإنهم مشركون". وأخرج أيضًا من طُرقٍ من طريق أهل البيت، عن علي ﵁؛ مرفوعًا: "يظهر في أمتي آخر الزمان قوم يسمون الرافضة، يرفضون الإسلام".
فضة، فاقتلوهم فإنهم مشركون". وأخرج أيضًا من طُرقٍ من طريق أهل البيت، عن علي ﵁؛ مرفوعًا: "يظهر في أمتي آخر الزمان قوم يسمون الرافضة، يرفضون الإسلام".
وروى خشيش، وابن أبي عاصم، والأصبهاني، عنه كرم الله وجهه قال: يهلك فينا أهل البيت فريقان: مُحبٌّ مُفرط، وباهِتٌ مُفترٍ. وفي لفظ: يهلك فِيَّ رجلان مُحبٌّ مُفرط؛ يقرظني بما ليس فيّ، ومُبغضٌ مُفرط؛ يحمله شنآني على أن يبهتني. ورواه أحمد في "مسنده" بهذا اللفظ. وفي رواية: يحبني قَومٌ حتى يدخلهم حبي النار، ويبغضني قوم حتى يدخلهم بغضي النار. وفي رواية: اللهم؛ العَن كل مبغض لنا، وكل محب لنا غالٍ. وفي لفظ: يقتل في آخر الزمان كل من على رأي عليّ وحسن. وفي لفظ: كل من على رأي حسن وأبي حسن، وذلك إذا أفرطوا فيَّ؛ كما أفرطت النصارى في عيسى ابن مريم، فانثالوا على ولدي فأطاعوهم طلبًا للدنيا. وأخرج محمد بن سوقة، عنه كرّم الله وجهه قال: تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، شرها من ينتحل حُبنا ويفارق أمرنا. وصح أن من أشراط الساعة: أن يلعن آخر هذه الأمة أولها. ومن فتن هذه الطائفة: أنهم قتلوا العلماء بأكثر البلاد، بل ونبشوا قبورهم، واستهانوا بكثير من مشاهد هذه الأمة، حين استولوا على بغداد، ولار، وشيراز، وغيرها. وناهيك أن شيراز كان دار العلم والسُّنّة، والآن صار معدن الرفض، وحصر هؤلاء العبادة والدين في السبِّ، وضموا إلى الصحابة السلف الصالح وأئمة المذاهب؛ فلم يتركوا أحدًا من أهل السُّنّة والجماعة حيًا وميتًا إلا وسبوه على المنابر والمنائر، ويدعون أنهم شِيعةُ عليّ ﵁، وينتحلون حُبَّ أهل البيت، وليسوا من ذلك في شيء؛ فإن من علامة المُحِب الاقتداء بمن يُحبه، وأدنى صفاته كرّم الله وجهه: الزهد في الدنيا، وعدم شق عصا الإسلام. وعن موسى بن علي بن الحسين بن علي ﵃ وكان فاضلًا، عن أبيه، عن جده قال: إنما شيعتنا من أطاع الله تعالى وعمل مثل أعمالنا.
ي الدنيا، وعدم شق عصا الإسلام. وعن موسى بن علي بن الحسين بن علي ﵃ وكان فاضلًا، عن أبيه، عن جده قال: إنما شيعتنا من أطاع الله تعالى وعمل مثل أعمالنا.
وقد ورد غير ما حديث في مدح شيعته، وأنهم يدخلون الجنة معه، منها ما مر. ومنها: ما رواه الإمام علي بن موسى الرضا، عن آبائه، عن علي ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال له: "أنت وشيعتك تردون عليَّ الحوض رواء مرويين مبيضة وجوهكم، وإن عدوكم يردون عليّ الحوض ظماء مقمحين" أخرجه الطبراني في "الكبير" بسندٍ ضعيف. وما رواه الحافظ جمال الدين الزرندي، عن ابن عباس ﵄؛ لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ قال النبي ﷺ: "هو أنت وشيعتك؛ تأتون يوم القيامة راضين مرضيين، ويأتي عدوك غِضَابًا مقمحين، فقال: ومن عدوي؟ قال: من تبرأ منك ولعنك". فقد بيّن ﷺ عدوه، وأن من لم يفعل ذلك فهو من شيعته لا من عدوه، وقد بيّن عليٌّ كرم الله وجهه صِفات شيعته وعلاماتهم حتى لا يلتبس بهم مُدَّعٍ. فقد روى الدينوري، وابن عساكر عن المدائني، قال: نظر علي بن أبي طالب إلى قوم ببابه، فقال لقنبر: يا قنبر من هؤلاء؟ قال: هؤلاء شيعتك. قال: وما لي لا أرى فيهم سيما الشيعة؟ قال: وما سيما الشيعة؟ قال: خُمصُ البطون من الطوى، يُبسُ الشفاه من الظمأ، عُمشُ العُيون من البكاءِ. وقد صح عنه كرّم الله وجهه، قوله: لا يجتمع حبي وبُغْضُ أبي بكر وعمر ﵄ في قلب مؤمن. وروى صاحب "المطالب العالية": عن نوف البكالي، أن أمير المؤمنين عليًا كرّم الله وجهه خرج يَؤُمُّ المسجد وقد أقبل إليه جندب بن نصير، والربيع بن خثيم، وابن أخيه همام بن عباد بن خثيم، وكان من أصحاب البرانس المتعبدين، فأفضى عليّ وهم معه إلى نَفَرٍ، فأسرعوا إليه قيامًا وسلموا عليه، فرد التحية، ثم قال: من القوم؟ فقالوا: أناسٌ من شيعتك يا أمير المؤمنين. فقال لهم خيرًا، ثم قال: يا هؤلاء؛ ما لي لا أرى فيكم سمة شيعتنا، وحلية أحبتنا؟ ! فأمسك القوم حَياءً، فأقبل عليه جُنْدُب والربيع، فقالا له: ما سمة شيعتكم يا أمير المؤمنين؟ فسكت،
فقال همام -وكان عَابدًا مُجتهدًا-: أسألك بالذي أكرمكم أهل البيت، وخصكم وحباكم لما أنبأتنا بصفة شيعتكم. قال: فسأنبئكم جميعًا. ووضع يده على مَنْكِب همام وقال: شيعتنا هم العارفون بالله، العاملون بأمر الله، أهل الفضائل، الناطقون بالصواب، مأكولهم القوت، وملبوسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، نجعوا الله بطاعته، وخضعوا إليه بعبادته، مضوا غاضين أبصارهم عما حرّم الله عليهم، موقفين أسماعهم على العلم بدينهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت منهم في الرخاء؛ رضاءً عن الله بالقضاء، فلولا الآجال التي كتب الله تعالى لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين؛ شوقًا إلى لقاء الله تعالى والثواب، وخوفًا من أليم العقاب، عَظُمَ الخالق في أنفسهم، وصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن رآها، فهم على أَرائِكِهَا متكئون، وهم والنار كمن رآها، فهم فيها يعذبون، صبروا أيامًا قليلة، فأعقبهم راحةً طويلة، أرادتهم الدنيا فلم يُرِيدُوها، وطلبتهم فأعجزوها. أما الليل: فصافُّون أقدامهم، تالون لأجزاء القرآن ترتيلًا، يعظون أنفسهم بأمثاله، ويستشفون لدائهم بدوائه تارة، وتارة مفترشون جباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم، تجري دموعهم على خدودهم، يمجدون جبارًا عظيمًا، ويَجْأرُون إليه في فكاك رقابهم. هذا ليلهم. فأما نهارهم: فحكماء علماء، بررةٌ أتقياء، براهم خوف بارئهم؛ فهم تحسبهم مرضى أو قد خولطوا وما هم بذلك، بل خامرهم من عظمة ربهم وشدة سلطانه ما طاشت له قلوبهم، وذهلت منه عقولهم، فإذا استفاقوا من ذلك بادروا إلى الله تعالى بالأعمال الزكية، لا يرضون له بالقليل، ولا يستكثرون له الجزيل، فهم لأنفسهم متهمون، ومن أعمالهم مشفقون، ترى لأحدهم قوة في دين، وحزمًا في لين، وإيمانًا في يقين، وحرصًا على علم، وفهمًا في فقه، وعلمًا في حلم، وكيسًا في قصد، وقصدًا في غناء، وتَجمُّلًا في فاقة، وصبرًا في شدة، وخُشوعًا في عبادة، ورحمة لمجهود، وإعطاءً في حق، ورفقًا في كسب، وطلبًا في حلال، ونشاطا في هدىً، وإعتصامًا في شهوة، لا يضرُّه ما جهله، ولا يدع إحصاء ما عمله، يستبطئ نفسه في العمل، وهو من صالح عمله على وَجل، يُصبح وشُغله الذِّكرُ، ويمسي



