— Bagian 3 · في هدىً، وإعتصامًا في شهوة، لا يضرُّه ما جهله، و… —
Bagian 3
في هدىً، وإعتصامًا في شهوة، لا يضرُّه ما جهله، ولا يدع إحصاء ما عمله، يستبطئ نفسه في العمل، وهو من صالح عمله على وَجل، يُصبح وشُغله الذِّكرُ، ويمسي
وهمه الشُّكْرُ، يَبيتُ حَذِرًا من سِنَة الغفلة، ويصبح فرحًا بما أصاب من الفضل والرحمة، رغبته فيما يبقى، وزهادته فيما يفنى، وقد قرن العلم بالعمل، والحلم بالعلم، دائمًا نشاطه، بعيدًا كسله، قريبًا أمله، قليلًا زلله، متوقعًا أجله، خاشعًا قلبه، ذاكرًا ربه، قانعة نفسه، مُحرزًا دينه، كَاظِمًا غيظه، آمنًا منه جاره، سهلًا أمره، معدومًا كبره، بيِّنًا صبره، كثيرًا ذكره، لا يعمل شيئًا من الخير رياءً، ولا يتركه حياءً. أولئك شيعتنا وأحبتنا، ومنا ومعنا، ألا ما أشوقنا إليهم! . فصاح همام صيحةً فوقع مغشيًا عليه، فحركوه فإذا هو قد فارق الدنيا، فغُسِل وصَلى عليه أمير المؤمنين ومن معه ﵀. فهؤلاء هم شيعته، لا من لا يَعْلَمُ من دينه إلا حلق اللحية أو قصها، وتعمير القدرة بالتنباك ومصها، وسبَّ الشيخين وبغضهما، ورفع النَّصير المُنَجّم وخفضهما، والطعن على الصحابة والصدر الأول، والتمسك بأكاذيب ما عليها معول، ونسبة أُم المؤمنين الصديقة عائشة ﵂ المبرأة في بِضْعِ عشرة آية من القرآن إلى الفاحشة. ولنِعْمَ ما قال زين العابدين علي بن الحسين السجاد ﵁ لجماعة نالوا من الصحابة عنده: هل أنتم من المهاجرين ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا. . .﴾ الآية؟ ، قالوا: لا. قال: هل أنتم من ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ. . .﴾ الآية؟ ، قالوا: لا. قال: فأنا أشهد بين يدي الله يوم القيامة أنكم لستم من الذين جاؤوا من بعدهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، فمن أنتم؟ ! نسأل الله العفو والعافية في الدارين، ونعوذ به من الخذلان والمكر والاستدراج، ومن يضلل الله فما له من هاد.
ِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، فمن أنتم؟ ! نسأل الله العفو والعافية في الدارين، ونعوذ به من الخذلان والمكر والاستدراج، ومن يضلل الله فما له من هاد.
ومنها: خروج (١) دَجّالين كَذّابين كلهم يَدّعي أنه رسول الله؛ كما أخبر به ﷺ: فقد روى أبو داود، والترمذي، وصححه ابن حِبّان، وهو طرفٌ من حديث أخرجه مسلم عن ثوبان؛ أنه ﷺ قال: "سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي". وفي رواية البخاري: "لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، دعواهما واحدة، وحتى يبعث دجالون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله". ولأحمد، وأبي يعلى من حديث عبد الله بن عمر ﵄: "وبين يدي الساعة ثلاثون دجالًا كذابًا". وفي حديث علي ﵁ عند أحمد نحوه، وفي حديث ابن مسعود ﵁ عند الطبراني نحوه. وفي حديث سمرة ﵁: "لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابًا، آخرهم الأعور الدجال" أخرجه أحمد، والطبراني، وأصله عند الترمذي وصححه. وفي حديث ابن الزبير ﵄: "إن بين يدي الساعة ثلاثين كذابًا؛ منهم الأسود العَنَسي صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة" يعني: مُسَيلمة. وفي حديث عبد الله بن عمر ﵄: "وثلاثون كذابًا أو أكثر، قلت: ما آيتهم؟ قال: يأتونكم بسُنّة لم تكونوا عليها، يغيرون سُنتكم، فإذا رأيتموهم فاجتنبوهم".
وفي رواية عبد الله بن عمرو ﵄ عند الطبراني: "لا تقوم الساعة حتى يخرج سبعون كذابًا". ونحوه عند أبي يعلى من حديث أنس ﵁. قال الحافظ ابن حجر: وسندهما ضعيف. وهو إن ثبت؛ محمولٌ على المبالغة لا على التحديد. وأما التحديد: ففيما أخرجه أحمد عن حذيفة ﵁ بسندٍ جيد: "سيكون في أمتي كذابون دجالون سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة، وأنا خاتم النبيين؛ لا نبي بعدي". وهذا يَدُل على أن رواية الثلاثين بالجزم على طريق جبر الكسر، ويُؤيده حديث البخاري المار قريب من ثلاثين. قال: ويحتمل أن يكون ما ذكره من الثلاثين أو نحوها يدَّعون النبوة، ومن زاد عليهم كما في رواية (أو أكثر)، ورواية (سبعون) يكون كذابًا فقط، لكن يدعون إلى الضلال؛ كغُلاة الرافضة والباطنية، والحلولية وسائر الفرق الدعاة إلى ما يُعلَمُ بالضرورة أنه خلاف ما جاء به سيدنا محمد ﷺ. قال: ويُؤيده أن في حديث علي ﵁ عند أحمد: فقال علي لعبد الله بن الكَوّاء: وإنك لمنهم. وابن الكواء لم يدع النبوة، وإنما كان يَغْلُو في الرفض. انتهى قُلْتُ: ويؤيده أيضًا ما في حديث ابن عمر ﵄ المار: "قلت: وما آيتهم؟ قال: يأتونكم بسُنّة لم تكونوا عليها. . ." إلخ. وقد كان منهم الأسود العنسي صاحب صنعاء، ومُسيلمة الكذاب صاحب اليمامة؛ كما أخبر به ﷺ، وقد مر آنفًا في حديث ابن الزبير. وكان من خبرهما؛ كما ذكره البقاعي في "اللامعة المنيرة": أن النبي ﷺ لما رجع من حَجّة الوداع حصل له مرضٌ عوفي منه، ثم مَرِض عن قريب مرض الموت، فطارت الأخبار في ذلك المرض الأول بأنه ﷺ قد اشتكى، فادعى الكذابان ما ادعيا، وفعلا من الشر ما فعلاه. فبلغ النبي - صلى الله عليه
رِض عن قريب مرض الموت، فطارت الأخبار في ذلك المرض الأول بأنه ﷺ قد اشتكى، فادعى الكذابان ما ادعيا، وفعلا من الشر ما فعلاه. فبلغ النبي - صلى الله عليه
وسلم - خبرهما وهو مَريضٌ بعد ما حزّب بعث أسامة ﵁. فخرج ﷺ عَاصبًا رأسه، فقال: "إني رأيتُ في يَديّ سوارين من ذهب، فكرهتهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما؛ صاحب اليمن، وصاحب اليمامة". فارتد الأسود العنسي في مذحج، وكان صاحب شعبذة يظهر بها عجائب، وله شيطانان يخبرانه بغالب أسرار الناس، يقال لأحدهما: سحيق، وللآخر شفيق، وله مَنْطِقٌ حُلو، فغلب على اليمن في ناحية صنعاء، وهرب منها أمراؤه ﷺ. وكان يقال له: ذو الخمار؛ لأنه لا يزال مُتَبرقعًا مُعتمًا، وقيل: ذو الحمار بالمهملة؛ لأنه كان له حِمارٌ مُعلَّم، يقال له: اسجد لربك فيسجد، ويقال له: ابرك فيبرك. ولما سمع أهل نجران خبر الأسود أرسلوا إليه فدعوه إلى بلادهم، فجاءهم، فتبعوه وارتدوا عن الإسلام، ثم أخذ منهم ست مئة وسار بهم إلى صنعاء فغلب عليها، ونزل غمدان واستنزل الأبناء. وأما مُسيلمة الكذاب فخرج في بني حنيفة، ونازعه قومه، فقال: إني أُشرِكتُ في الأمر، وجعل يَسجَعُ لهم بما يضاهي القرآن بزعمه، فاستخفهم بذلك. فلما مالوا إليه أسقط عنهم الصلاة، وأحل لهم الخمر والزنا، ونحو ذلك، وكثر أتباعه. وكتب النبي ﷺ إلى الأبناء في أمر الأسود، وكانوا قد ثبتوا على الإسلام، فقتله فيروز الديلمي غِيلةً بمواطأة زوجته المرزبانة، وكان قد قهرها على نكاحها، وكانت من الخَيِّرات، ومن عظماء أهل فارس، ونادوا بالأذان عند الصباح، فقالوا: نشهد أن الأسود كذاب، وشنوها غارة، فتراجع أصحاب النبي ﷺ، وتفرق أصحابه، فقتلوا منهم خَلقًا، وَجاءَ النبي ﷺ خَبرُ السماء بذلك، فأخبر الناس به قبل موته بيوم أو بليلة، وقيل بخمسة أيام. ثم وصل الكتاب بذلك بعد موته ﷺ بعشرة أيام، وكانت مُدة الأسود أربعة أشهر.
ﷺ خَبرُ السماء بذلك، فأخبر الناس به قبل موته بيوم أو بليلة، وقيل بخمسة أيام. ثم وصل الكتاب بذلك بعد موته ﷺ بعشرة أيام، وكانت مُدة الأسود أربعة أشهر.
وأما مُسيلمة فغزاه خالد بأمر أبي بكر ﵄، وقتل منهم خَلقًا كثيرًا، وصالح بقيتهم على ربع الخيل والسلاح، وقُتِلَ من الصحابة ﵃ خَلقٌ كثير من قُراءِ القرآن، وكان ذلك سبب جمع أبي بكر ﵁ القرآن في المصحف. وكذا ابن الصياد إن قُلنا إنه ليس الدجال الكبير؛ كما هو ظاهر حديث الجساسة التي رآها تميم الداري، وهو الذي رجحه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"، وسيأتي تحقيقه. وخرج في زمن أبي بكر ﵁ طليحة بن خويلد الأسدي في بني أسد بناحية خيبر، وآزرهم غطفان، وادعى النبوة، ثم تاب ورجع إلى الإسلام. كذا قال في "فتح الباري". لكن عند ابن عساكر من طُرق أنه خرج في عهد النبي ﷺ، فوجه إليه النبي ﷺ ضِرار بن الأزور، فأشجوا طليحة وأخافوه، ثم جاءهم موت النبي ﷺ، فَارفَضّ الناس إلى طليحة، واستطار أمره، فلم يقدروا عليه حتى غزاه خالد بأمر أبي بكر ﵄، فهزمه خالد، فهرب منه إلى الشام إلى ملوك غسان، ثم رجع إلى الإسلام وحسن إسلامه، فعلى هذا نسبة خروجه إلى زمان أبي بكر ﵁؛ لاستطارة أمره فيه. وتنبأت أيضًا سجاح بنت سويد بن يربوع في فرسان تغلب، واتفقت تميم كُلها على نصرها، وفيهم رؤساء الناس؛ كالأحنف بن قيس، وحارثة بن بدر ونظرائهما، وفيها يقول عطارد بن حاجب: أَضْحَتْ نَبِيَّتُنَا أُنْثَى نَطِيفُ بِهَا ... وَأَصْبَحَتْ أَنْبِيَاءُ النَّاسِ ذُكْرَانَا فركبت على ذياب، وقتلت فيهم قتلًا ذريعًا، ثم قصدت اليمامة، فلما سمع مُسيلمة ضاق ذرعًا وتحصن، فأحاطت جيوشها به، فاستشار وجوه قومه، فقالوا: الرأي أن تُسلم الأمر إليها وتنجو بنفسك. فقال: سأنظر في أمري. ثم أرسل إليها يقول: أما بعد فإنه أُنزِلَ عليك وَحيٌّ وعليَّ وَحيٌّ، فهلم نتدارس ما أُنزلَ علينا، فمن غلب صاحبه اتبعه الآخر. فأجابته إلى ما طلب، فضرب لها قُبة
من أدمٍ، وأمر بالعود المندلي فأحرق، وقال: كثروا لها الطيب؛ فإن المرأة إذا شمت الطيب تذكرت الباه، فانتهت إلى القبة، وسألته عما أنزل عليه، فقال: ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشى، وأمات وأحيى، وإلى الله المنتهى. قالت: ثم ماذا؟ قال: ألم تر أن الله خلقنا أفواجًا، وجعل النساء لنا أزواجًا، نُولج فيهن إيلاجًا، ونخرج منهن إذا شئنا إخراجًا. فضحكت، فأنشأ يقول: أَلاَ قُومِي إِلَى الْمِخْدَعْ ... فَقَدْ هُيِّئْ لَكِ الْمَضْجَعْ فَإِنْ شِئْتِ فَرَشْنَاكِ ... وَإِنْ شِئْتِ عَلَى أَرْبَعْ وَإِنْ شِئْتِ بِثُلْثَيْهِ ... وَإِنْ شِئْتِ بِهِ أَجْمَعْ قالت: بل به أجمع، قال: كذلك أُمرت. وواقعها. فلما قام عنها قالت: إن مثلي لا تُنْكح هكذا؛ فإنه وصمةٌ على قومي، ولكني مُسلمةٌ إليك النبوة، فإذا سلمتها إليك فاخطبني إلى أوليائي، ففعلت، واتبعته، فتزوجها، وسألوه عن المهر، قال: قد وضعتُ عنكم صلاة العصر. قال الرُّشَاطي: فبنو تميم إلى الآن بالرملة لا يصلون صلاة العصر، ويقولون: مَهْرُ كريمة لنا لا نرده. وفي ذلك قول الشاعر: إِنَّ سَجَاحِ لَاقَتِ الْكَذَّابَا ... بنِيَّةٍ فَحَلَّتِ الْكِتَابَا وَجَعَلَتْ كُتبهَا قِرَابَا ... أَوْقَبَ فِيهِ أَيْرَهُ إِيْقَابَا ثم رجعت إلى الإسلام في زمن معاوية ﵁، وحسن إسلامها. وخرج المختار في زمن ابن الزبير وعبد الملك؛ فإنه كان يدعي أنه يُوحى إليه، ويكتب في مكاتيبه: "من المختار رسول الله". وحكاياته، ووقائعه، وفتنته كثيرة شهيرة. عن عدي بن خالد؛ أنه ﷺ قال: "أحذركم الدجالين الثلاثة". قيل يا رسول الله؛ قد أخبرتنا عن الدجال الأعور، وعن أكذب الكذابين، فمن
ئعه، وفتنته كثيرة شهيرة. عن عدي بن خالد؛ أنه ﷺ قال: "أحذركم الدجالين الثلاثة". قيل يا رسول الله؛ قد أخبرتنا عن الدجال الأعور، وعن أكذب الكذابين، فمن
الثالث؟ قال: "رجلٌ من قوم أولهم مثبور، وآخرهم مثبور، عليهم اللعنة دائبة في فتنة يقال لها: الجارفة، وهو الدجال الأكلس، يأكل عباد الله بآل محمد، وهو أبعد الناس من سنته" رواه ابن خزيمة، والحاكم، والطبراني. وعن أسماء ﵂: "يخرج من ثقيف ثلاثة: الذيال، والكذاب، والمبير" رواه نُعيم بن حماد. وفي رواية: "يخرج من ثقيف كذاب ومبير". قالوا: الكذاب هو مختار بن أبي عبيد، والمُبِير هو الحجاج بن يوسف الثقفيان. وخرج المتنبي الشاعر المشهور، ثم تاب. وخرج جماعة في زمن بني العباس منهم في أيام المعتمد: قائد فتنة الزنج بهبود لعنه الله، الذي أفسد في العراق، وأهان آل الرسول ﷺ، وستأتي الإشارة إلى أحواله في أواخر هذا الباب. كان يدعي أنه أُرسل إلى الخلق فرد الرسالة، وأنه مُطلعٌ على المغيبات. وفي خلافة المكتفي: خرج يحيى بن زكرويه القَرمَطي، ثم بعده أخوه الحسين، وأظهر شامةً في وجهه، وزعم أنها آيته، وجاء ابن عمه عيسى بن مهرويه، وزعم أن لقبه المدثر، وأنه المعني في السورة، ولَقّب غُلامًا له: المطوَّق بالنور، فظهر على الشام، وعاث وأفسد، ودعا له الناس على المنابر، ثم قُتِلَ إلى لعنة الله تعالى. وخرج في خلافة المقتدر: أبو طاهر القَرمَطي الذي قلع الحجر الأسود. وكان يقول: أَنَا بِاللهِ وَبِاللهِ أَنَا ... يَخْلُقُ الْخَلْقَ وَأَفْنِيهِمْ أَنَا وستأتي الإشارة إلى فتنته. وفي خلافة الراضي: ظهر محمد بن علي الشلمغاني؛ المعروف بابن أبي العراق، وقد شاع عنه أنه يدعي الإلهية، وأنه يحيي الموتى، فقتل وصلب، وقتل معه جماعة من أصحابه.
افة الراضي: ظهر محمد بن علي الشلمغاني؛ المعروف بابن أبي العراق، وقد شاع عنه أنه يدعي الإلهية، وأنه يحيي الموتى، فقتل وصلب، وقتل معه جماعة من أصحابه.
وظهر في خلافة المطيع: قوم من التناسخية، فيهم شابٌّ يَزعُمُ أن روح علي ﵁ انتقلت إليه، وامرأته تزعم أن روح فاطمة ﵂ انتقلت إليها، وآخر يدعي أنه جبريل ﵇، فضربوا، فتعزوا بالانتماء إلى أهل البيت، فأمر معز الدولة بإطلاقهم. وفي خلافة المستظهر في سنة تسع وتسعين وأربع مئة: ظهر رَجلٌ بنواحي نهاوند، وادعى النبوة وتبعه خلق، فَأُخِذَ وقُتِل. وخرج جماعة آخرون بالمغرب وغيرها، في الرجال والنساء. فمنهم: رَجلٌ تسمى بـ (لا)، وحَرَّفَ الحديث المشهور: "لا نبي بعدي"، فجعله إخبارًا منه ﷺ بأن (لا)؛ أي: صاحب هذا الاسم نبي بعدي، ويقول: إنّ "لا" في الحديث مبتدأ، ونبي خبره. ومنهم: الفزاري الساحر الذي بمالقة، وأُخرج بسببه أبو جعفر بن الزبير إلى غرناطة، ثم اتفق قدوم الفزاري رسولًا من أميرها إلى غرناطة، فسعى أبو جعفر المذكور في قتله، فقتلوه. ومنهم امرأة ادعت النبوة، فذكروا لها الحديث، فقالت: إنما قال: "لا نبي"، ولم يقل: لا نبية ... إلى غير ذلك. والحاصل أن عددهم سبعة وعشرين قد تم أو كاد يتم، وأما مُطلق الكذابين فلا حصر لهم. ومن هذا القسم من يدعي أنه مهدي، وهؤلاء أيضًا كثيرون. وبعد تأليف الكتاب بأشهر خرج أيضًا بنواحي عقراء، خرج رجل اسمه عبد الله وكان سمّى ابنًا له محمّدًا ولقبه مهديًّا، فادعى أنَّ ابنه المهدي المنتظر، فاتبعه أجلاف الأكراد وعوامَّهم، فاستولى على بعض القلاع، ثم ركب عليه عامل الموصل، فقتل منهم جماعة، وهربَ ابنهُ إلى بعض النواحي، وحُبسَ هو، فادعى أنَّ ابنه قد غاب، وأنه الغيبة الأولى، فأثبت للمهديّ غيبتان كما في بعَض الروايات، ثم إنهم أخذوا ابنه أيضًا وأرسلوا بهما إلى استانبول.
ومنهم من ادعى أنه صحابي رأى النبي ﷺ؛ كالمعمر المشهور: رتن الهندي. ولا شك أن ما أخبر به الصادق لصادق، وأن الدين لواقع. ومنها: فتح بيت المقدس: عن عوف بن مالك ﵁ مرفوعًا: "اعدد بين يدي الساعة سِتًّا: موتي، وفتح بيت المقدس. . .". وقد فُتح مرتين: مرةً في زمن عمر ﵁؛ ومرة في زمن الأكراد الأيوبية، فتحه السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب الملك الناصر، وكان من أعظم فتوح الإسلام، ثم بعد موته رده بعض أولاده إلى النصارى، ثم استرده حفيده داود الملك الناصر. وأنشد في ذلك بعض الشعراء يُهنيه: اَلْمَسْجِدُ الأَقْصَى لَهُ عَادَةٌ ... سَارَتْ فَصَارَتْ مَثَلًا سَائِرَا إِذَا غَدَا بِالْكُفْرِ مُسْتَوْطِنًا ... أَنْ يَبْعَثَ اللهُ لَهُ نَاصِرَا فَنَاصِرٌ طَهَّرَهُ أَوَّلًا ... وَنَاصِرٌ طَهَّرَهُ آخِرَا ومنها: فتح المدائن: عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنه لا تقوم الساعة حتى يُفتح القصر الأبيض الذي في المدائن، ولا تقوم الساعة حتى تسير الظَّعِينَةُ من الحجاز إلى العراق آمنة لا تخاف شيئًا". قال عدي: فقد رأيتهما جميعا، وكان وقوعهما في زمن عمر ﵁. ومنها: هلاك العرب: أعني: زوال ملكهم. عن طلحة بن مالك قال: "من اقتراب الساعة هلاك العرب" رواه الترمذي، وقد زال ملك العرب بزوال المُلْكِ عن بني العباس، وقد مرَّ.
العرب: أعني: زوال ملكهم. عن طلحة بن مالك قال: "من اقتراب الساعة هلاك العرب" رواه الترمذي، وقد زال ملك العرب بزوال المُلْكِ عن بني العباس، وقد مرَّ.
ومنها: كثرة المال (١) وفيضه: روى الشيخان عن أبي هريرة ﵁: "لا تقوم الساعة حتى يكثر المال فيكم، فيفيض حتى يُهِمَّ رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه، فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب -أي: لا حاجة- لي فيه". وهذا وقع في زمن عثمان ﵁، كثرت الفتوح حتى اقتسموا أموال الفرس والروم، ووقع في زمان عمر بن عبد العزيز ﵁، أن الرجل يعرض ماله للصدقة فلا يجد من يقبل صدقته. وسيقع في آخر الزمان في زمن عيسى ﵊، وسيأتي في القسم الثالث. ومنها: أن تَزُول الجبال عن أماكنها: روى الطبراني عن سَمُرة ﵁: "لا تقوم الساعة حتى تزول الجبال عن أماكنها". ونقل السيوطي في "تاريخ الخلفاء" أن في سنة اثنتين وأربعين بعد المئتين في خلافة المتوكل سار جبل باليمن عليه مزارع لأهله حتى أتى مزارع آخرين، وفي سنة ثلاث مئة في خلافة المقتدر ساخ جبل بدينور في الأرض، وخرج من تحته ماءٌ كثير أغرق القرى. ومنها: فقد الصحابة رضوان الله عليهم: عن علي ﵁، عن النبي ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى يُلْتَمسَ الرجل من أصحابي كما تلتمس الضالة فلا توجد" رواه أحمد. ومنها: وقوع ثلاث خسوفات: عن أم سلمة ﵂: "سيكون بعدي خَسفٌ بالمشرق، وخَسفٌ بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب"، قيل: أتخسف الأرض وفيهم الصالحون؟ !
واه أحمد. ومنها: وقوع ثلاث خسوفات: عن أم سلمة ﵂: "سيكون بعدي خَسفٌ بالمشرق، وخَسفٌ بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب"، قيل: أتخسف الأرض وفيهم الصالحون؟ !
قال: "نعم؛ إذا أكثر أهلها الخبث" رواه الطبراني. وعن حذيفة بن أَسِيد ﵁ قال: اطلع علينا رسول الله ﷺ ونحن نتذاكر الساعة، فقال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات. . ."، فذكر منها ثلاثة خسوف: خسفًا بالمشرق، وخسفًا بالمغرب، وخسفًا بجزيرة العرب. رواه الستة إلا البخاري. وقد وقعت الخسوفات الثلاثة: فوقع في خلافة سليمان بن عبد الملك أنه ورد كتاب ابن هبيرة فيه: أن ببخارى وقت السّحَرِ سمع قعقعةٌ عظيمةٌ من السماء، ودويٌّ كالرعد القاصف، أسقطت منه الحوامل، فنظروا فإذا قد انفرج من السماء فرجةٌ عظيمةٌ، ونزل أشخاصٌ عِظامٌ؛ رؤوسهم في السماء وأرجلهم في الأرض، وقائلٌ يقول: يا أهل الأرض؛ اعتبروا بأهل السماء، هذا صفوائيل المَلَكْ عصى الله فَعُذّب، فلما طلع النهار أتى الناس إلى ذلك الموضع فوجدوا خسفًا عظيمًا لا يُدرك له قرار، يصعد منه دخانٌ أسود. أُثبتَ ذلك على قاضي بُخارى بأربعين عدلًا، كذا في "السكردان" وفيه شيء؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾، لكن تجوزه قصة هاروت وماروت، والله قادر على كل شيء. وفي سنة ثمان ومئتين خُسِفَ بثلاث عشرة قرية بالمغرب. وفي سنة أربع وثلاثين وثمان مئة في شعبان وقعت زلزلة بغرناطة، وخسف بعدة أماكن، وانهدم بعض القلعة. ذكر ذلك في "إنباء الغمر". وفي خلافة المطيع في سنة ست وأربعين وثلاث مئة وقع بالري ونواحيها زلازل عظيمة، وخسفٌ ببلد طالقان، ولم يفلت من أهلها إلا نحو ثلاثين نفسًا، وخُسِفَ بمئة وخمسين قرية من قرى الري، واتصل الأمر إلى حُلْوَان، فخسف بأكثرها، وقذفت الأرض عظام الموتى، وتفجرت فيها المياه، وتقطع بالري جبل، وعلقت قرية بين السماء والأرض بمن فيها نصف نهار، ثم خُسف بها، وانخرقت الأرض خُروقًا عظيمة، وخرج منها مياه مُنْتِنة، ودخانٌ عظيم. كذا نقله السيوطي عن ابن الجوزي.
وفي سنة سبع وتسعين وخمس مئة خُسفت قرية من أعمال بُصرى. وفي سنة ثلاث وثلاثين وخمس مئة: خُسف بلد بحيرة، وصار مكان البلد ماء أسود. وخُسف في زماننا بعدة قرى من ناحية أذربيجان وخراسان وغيرهما من ديار العجم. ولا تكاد تنحصر الخسوفات. ومنها: كثرة الزلازل وكثرة القتل والرجف: عن أبي هريرة ﵁[قال: قال النبي ﷺ]: "لا تقوم الساعة حتى يُقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج؛ وهو القتل" رواه البخاري، وابن ماجه. وعند ابن عساكر عن عروة بن رويم، عن [جابر] الأنصاري، عنه ﷺ: "يكون في أمتي رَجفةٌ يهلك فيها عشرة آلاف، عشرون ألفًا، ثلاثون ألفًا، يجعلها الله موعظة للمتقين، ورحمةً للمؤمنين، وعذابًا على الكافرين". وقد وقع في أول خلافة المتوكل سنة اثنتين وثلاثين ومئتين زلزلة مَهُولةٌ بدمشق، سقطت منها دور، وهلك تحتها خلق، وامتدت إلى أنطاكية فهدمتها، وإلى الجزيرة فأحرقتها، وإلى الموصل، فيقال: هلك من أهلها خمسون ألفًا. وفي سنة اثنتين وأربعين ومئتين: زُلْزلت الأرض زلزلة عظيمة بتونس وأعمالها، وخراسان، ونيسابور، وطبرستان، وأصبهان، وتقطعت جبال، وتشققت الأرض بقدر ما يدخل الرجل في الشِّق، وكان بين الزلزلتين عشر سنين. وفي سنة خمس وأربعين ومئتين: عَمّت الزلازل الدنيا، فأخربت المدن والقلاع والقناطر، وسقط من أنطاكية جبل في البحر. وفي خلافة المعتضد سنة مئتين وثمانين: وقعت في الدَّيبل زلزلة عظيمة هدمت عامة البلد، فكان عدة من أخرج من تحت الردم مئة ألف وخمسين ألفًا.
جبل في البحر. وفي خلافة المعتضد سنة مئتين وثمانين: وقعت في الدَّيبل زلزلة عظيمة هدمت عامة البلد، فكان عدة من أخرج من تحت الردم مئة ألف وخمسين ألفًا.
وفي سنة أربع مئة وستين: وقع بالرَّملة زلزلة هائلة، خَرّبتها حتى طلع الماء من رؤوس الآبار، وهلك من أهلها خمسة وعشرون ألفًا، وبَعُد البحر عن ساحله مسيرة يوم، فنزل الناس إلى أرضه يلتقطون؛ فرجع الماء عليهم فأهلكهم. وفي سنة أربع وأربعين وخمس مئة: وقعت زلزلة عظيمة، وماجت بغداد نحو عشر مرات، وتقطع بِحُلْوان منها جبل. وفي سنة سبع وتسعين وخمس مئة: جاءت زلزلة كبرى بمصر، والشام، والجزيرة، فأخربت أماكن كثيرة، وقلاعًا متعددة. وفي سنة اثنتين وخمس مئة: وقعت زلازل عظيمة بالشام، وحلب، وشيراز، وأنطاكية، وطرابلس، وهلك خَلْقٌ كثير حتى إنَّ مُعلمًا بحماة قام من المكتب، ثم عاد فوجد المكتب قد وقع على الصبيان فماتوا كلهم، ولم يأت أحدٌ يسأل عن ولده؛ لأنَّ أهلهم ماتوا أيضًا، وهلك كل من في شيراز إلَّا امرأة وخادمًا واحدًا، وانشق تَلٌّ في حران فظهر فيه بيوتٌ، وعمائر، ونواويس، وانشق في اللاذقية موضعٌ فظهر فيه صنم قائمٌ في الماء. وخربت صيدا، وبيروت، وطرابلس، وعكار، وصور، وجميع بلاد الفرنج، وانفرق البحر إلى قبرص وقذف بالمراكب إلى ساحله، وتعدى إلى ناحية الشرق، ومات خَلقٌ كثير. قال صاحب "المرآة" مات في هذه السنة نحو ألف ألف ومئة ألف إنسان. كذا في "السُّكْردان". وفي سنة اثنتين وستين وست مئة: زُلزلت مصر زلزلة عظيمة، وقد مرت الزلزلة الواقعة بالمدينة قبل خروج النار بها. ووقعت في سنة ثلاث وثلاثين وأربع مئة بحيرة زلزلةٌ عظيمة عشرة فراسخ في مثلها، فأهلكت خلائق كثيرة. وفي سنة اثنتين وعشرين وتسع مئة: وقع بأزرنكان زلزلةٌ عظيمة، وهلك بسببها عالمٌ كثير، والله يفعل ما يشاء.
ظيمة عشرة فراسخ في مثلها، فأهلكت خلائق كثيرة. وفي سنة اثنتين وعشرين وتسع مئة: وقع بأزرنكان زلزلةٌ عظيمة، وهلك بسببها عالمٌ كثير، والله يفعل ما يشاء.
وفي سنة ألف وقعت ببلدة لار زلزلةٌ عظيمة، انهدمت منها البيوت كلها واندكت، بحيث لا يكادون يعرفون محل بيوتهم. وكانت قبلها بأيام زلازل صغار في كل يوم، فخرجوا منها، فمن خرج منها نجا، ومن لا هلك. ووقعت بعد تأليف هذا الكتاب بنحو ستة أشهر زلزلةٌ هائلة ما نجى منها إلَّا القليل، فألحقناها بهذا المحل. فهذه هي الزلازل العظام والرجفات التي اعتني بنقلها في كتب التواريخ، وأما الزلازل الصغار فلا تكاد تنحصر، وبالله التوفيق. ومنها: المسخ والقذف: عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "يكون في أمتي خسفٌ، ومسخٌ، وقذف" رواه أحمد، ومسلم، والحاكم. وعن ابن مسعود ﵁: "بين يدي الساعة مسخٌ، وخسفٌ، وقذفٌ" رواه ابن ماجه. وعن أبي أمامة ﵁: "ليبيتن أقوام من أمتي على أكل، ولهو، ولعب، ثم ليصبحن قردة وخنازير" رواه الطبراني. وعن عائشة ﵂: "يكون في آخر هذه الأمة خسفٌ، ومسخٌ، وقذف"، قيل: يا رسول الله؛ أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا كثر الخبث" رواه الترمذي. وعن عبد الرحمن بن صحار، عن أبيه: "لا تقوم الساعة حتى يُخسف بقبائل حتى يقال: من بقي من بني فلان؟ " رواه أحمد، والبغوي، وابن قانع، والطبراني، والحاكم، وغيرهم. وعن ابنِ عمر ﵄: "يكون في هذه الأمة خَسفٌ، ومَسخٌ، وقذف" رواه الترمذي، وابن ماجه.
أما الخَسفُ فقد مَرّ. وأما المَسخُ (١): فقد وقع لأشخاص. فقد صح الخبر عن غير واحد أن في زمن فاطمية مصر كانوا يجتمعون بالمدينة يوم عاشوراء في قبة العباس ﵁ ويسُبُّون الشيخين والصحابة ﵃، فجاء رجل فقال: من يطعمني في محبة أبي بكر ﵁؟ فخرج إليه شيخٌ وأشار إليه أن اتبعني، فأخذه إلى بيته، وقطع لسانه، ووضعه في يده، وقال: هذه لمحبة أبي بكر. فذهب الرجل إلى المسجد وسلم على رسول الله ﷺ والشيخين بقلبه، ورجع ولسانه في يده، فقعد حزينًا عند باب المسجد وغلبه النوم، فرأى النبي ﷺ في منامه ومعه أبو بكر ﵁، فقال لأبي بكر: "إنَّ هذا قطعوا لسانه في محبتك، فرد عليه لسانه". قال: فأخرج لسانه من يده، ووضعه في محله، فانتبه فإذا لسانه كما كان قبل القطع وأحسن، فلم يخبر أحدًا بذلك، ورجع إلى بلاده. فلما كان العام القابل، رجع إلى المدينة، ودخل القبة يوم عاشوراء وطلب شيئًا بمحبة أبي بكر ﵁، فخرج إليه شابٌّ وقال: اتبعني. فتبعه، فأدخله الدار التي قطع فيها لسانه، فأكرمه الشاب، فقال الرجل: إني تعجبت من هذا البيت، لقيت فيه العام الماضي مُصيبةً ومَهانةً، وهذه السنة لقيت ما أرى من الإكرام. فقال الشاب: كيف القصة؟ فأخبره بالقصة، فأكب على يديه ورجليه، وقال: ذلك أبي وقد مسخه الله قردًا، وكشف عن ستارة فأراه قردًا مربوطًا، فأحسن إليه، وتاب عن مذهبه وقال: اكتم عليَّ أمر والدي.
ة، فأكب على يديه ورجليه، وقال: ذلك أبي وقد مسخه الله قردًا، وكشف عن ستارة فأراه قردًا مربوطًا، فأحسن إليه، وتاب عن مذهبه وقال: اكتم عليَّ أمر والدي.
ذكر هذه القصة السيد السمهودي، وابن حجر في "الزواجر"، و"الصواعق"، والقسطلاني في "المواهب اللدنية"، وغيرهم. وذكر في "الزواجر" أنه كان بحلب رَجلٌ سَبّابٌ للشيخين، فلما مات، اتفق شباب على أن ينبشوا قبره، فلما نبشوه، رأوه قد مسخ خنزيرًا، فأخرجوه، ثم أحرقوه بالنار. ويقال: قَلّ رافضيٌّ إلا ويمسخُ في قبره خنزيرًا، والله أعلم. وذكر السيوطي في "تاريخ الخلفاء" أنَّ في سنة اثنتين وثمانين وسبع مئة في خلافة المتوكل سادس الخلفاء العباسيين الذين كانوا بمصر، ورد كتابٌ من حلب يتضمن أن إمامًا قام يُصلِّي، وأن شخصًا عَبَثَ به في صلاته، فلم يقطع الإمام الصلاة حتى فرغ، وحين سلم انقلب وجه العابث وجه خنزير، وهرب إلى غابة هنالك. وكتب بذلك محضرًا. وأما القذف: فقد نقل السيوطي في "تاريخ الخلفاء": أنَّ في سنة خمس وثمانين ومئتين: مُطرت قريةٌ بالبصرة حجارة سوداء وبيضاء، ووقع بَردٌ، ووزن البَردَةُ مئة وخمسون درهمًا. وفي سنة اثنتين وأربعين ومئتين: رُجِمت قرية السويداء بالحجارة، وَوُزِنَ حَجرٌ من الحجارة فكان عشرة أرطال. وفي سنة ثمان وسبعين وأربع مئة في خلافة المقتدي: جاءت رِيحٌ سوداء ببغداد، واشتد الرعد والبرق، وسقط رمل وترابٌ كالمطر. وأخبرني ثِقةٌ أنَّ في سنة نيف وستين بعد الألف: مُطرت حجارة سوداء كثيرة عريضةٌ؛ قدر بيض الدجاج وأكبر، في الصيف والسماء مُصحيةٌ، ببلاد الأكراد بين هيزان وكفرا، وكان يُسمع لها حِسٌّ من مسافة يوم. وفي وسط شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وسبع مئة: ورد كتاب إلى مصر من حماة يُخْبر فيه أنه وقع في هذه الأيام ببارين؛ من عمل حماة بَرَدٌ على صور حيوانات مختلفة، منها: سِباعٌ، وحَيّاتٌ، وعَقاربٌ، وطُيورٌ، ومَعزٌ، وبلشون، ورجالٌ
ُخْبر فيه أنه وقع في هذه الأيام ببارين؛ من عمل حماة بَرَدٌ على صور حيوانات مختلفة، منها: سِباعٌ، وحَيّاتٌ، وعَقاربٌ، وطُيورٌ، ومَعزٌ، وبلشون، ورجالٌ
في أوساطهم حوايص، وإن ذلك ثبت بمحضرٍ شرعي عند قاضي الناحية، ثم نقل ثبوته إلى قاضي حماة. كذا في "السكردان"، والله يفعل ما يشاء. ومنها: الريح الحمراء -أي: الشديدة- والأمور العظام: عن علي بن أبي طالب، وأبي هريرة (١) ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ: "إذا اتُّخِذ الفيء دُولًا، والأمانة مَغْنمًا، والزكاة مَغْرمًا، وتُعُلِّم لغير الدِّين، وأطاع الرجل امرأته وَعقَّ أمه، وأدنى صديقه وأقصى أباه، وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وَأُكرِمَ الرجل مخافة شره، وظهرت القينات والمعازف، وشربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ذلك رِيحًا حمراء، وزلزلة، وخَسفًا، ومَسخًا، وقذفًا، وآيات تتابع؛ كنظام بالٍ قُطعَ سلكه فتتابع" رواه الترمذي. وعن عبد الله بن حوالة (٢) ﵁، عن النبي ﷺ: "إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة فقد دنت الزلازل، والبلابل، والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب من يدي هذه إلى رأسك" رواه أبو داود، والحاكم. وهذا إن أُريد بالخلافة النازلة إلى الأرض المقدسة مُلْكُ بني أمية، فقد وقع من الأمور العظام ما سنذكر بعضها. وإن أُريد خلافة المهدي فالمراد بها الآيات القريبة إلى الساعة؛ كالدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك. أما الريح: ففي سنة اثنتين وثلاثين ومئتين في أول خلافة المتوكل هبت بالعراق رِيحٌ شَديدةُ السموم ولم يُعهد مثلها، أحرقت زرع الكوفة، والبصرة، وبغداد، وقتلت المسافرين، ودامت خمسين يومًا، واتصلت بهمذان، فأحرقت الزرع والمواشي، واتصلت بالموصل وسنجار، ومنعت الناس من المعاش في الأسواق،
ومن المشي في الطرقات، وأهلكت خَلقًا عَظيمًا. وفي سنة ثمانين ومئتين في شوال في خلافة المعتضد أصبحت الدنيا مُظلمة إلى العصر، فهبت رِيحٌ سوداء، فدامت إلى ثلث الليل، وأعقبها زلزلة عظيمة أذهبت عامة بلد الدِّيبل. وفي سنة خمس وثمانين ومئتين في خلافته: هبت رِيحٌ صفراء بالبصرة، ثم صارت خضراء، ثم صارت سوداء، وامتدت في الأمصار. وفي خلافة المقتدر: جاءت رِيحٌ سوداء ببغداد، واشتد الرعد والبرق حتى ظُنَّ أنها القيامة. وفي خلافة المستظهر: هبت بمصر رِيحٌ سوداءُ مُظلمةٌ أخذت الأنفاس حتى لا يبصر الرجل يده، ونزل على الناس رمل، وأيقنوا بالهلاك، ثم انجلى قليلًا، وعاد إلى الصفرة. وفي سنة أربع وعشرين وخمس مئة: طلعت سَحابةٌ على بلد الموصل، فأمطرت نارًا، وأحرقت ما نزلت عليه، وظهر بالعراق عقارب طيارة، فقتلت خَلقًا عَظيمًا. ذكره ابن أبي حجلة. وفي سنة ست وتسعين وخمس مئة: هبت رِيحٌ سوداء مُظلمة بمكة عمت الدنيا، ووقع على الناس رمل أحمر، ووقع من الركن اليماني قطعة. وفي سنة ست وعشرين وثمان مئة في ولاية الأشرف برسباي: هبت بمصر رِيحٌ بَرِقةٌ تحمل تُرابا أصفر إلى الحمرة، وذلك قبل غروب الشمس، فاحمر الشفق جدًا بحيث صار من لا يدري يَظُنُّ أن بجواره حَريقًا، وصارت البيوت كلها ملأى تُرابًا ناعمًا جدًا يدخل الأنوف والأمتعة، ثم لما تكامل غيبوبة الشفق اسود الأفق، وعصفت الريح وكانت معلقة، فلو وصلت الأرض لكان أمرًا مَهُولًا، وكثر ضجيج الناس في الأسواق والبيوت بالذكر والدعاء والاستغفار إلى أن لطف الله بإدرار المطر، ولم تَهُب هذه الريح مُنذ ثلاثين سنة قبلها، وانتشرت حتى غطت الأهرام، والجيزة، والبحر، واشتدت حتى ظنوا أنها تُدَمِّرُ كل شيء، فدامت تلك الليلة ويومها إلى العصر، وكانت
ريح مُنذ ثلاثين سنة قبلها، وانتشرت حتى غطت الأهرام، والجيزة، والبحر، واشتدت حتى ظنوا أنها تُدَمِّرُ كل شيء، فدامت تلك الليلة ويومها إلى العصر، وكانت
سببًا في هيف الزرع، وغلاء السعر. ذكره الحافظ ابن حجر في "إنباء الغمر". وأما الأمور العظام: فوقع القحط الشديد مرات. منها: ما وقع في زمن الظاهر العُبيدي بمصر [مِن] الغلاء الذي لم يقع مثله منذ زمن يوسف ﵇، ودام سبع سنين حتى أكل الناس بعضهم بعضًا، وقيل: بيع فيه رغيف بخمسين دينارًا. وفي زمن المستنصر العُبيدي: وقع بمصر أيضًا القحط سنين متوالية حتى أكل الناس بعضهم بعضًا، وبلغ الإردبُّ: من الحنطة مئة دينار، والإردبُّ: أربعون صاعًا بصاع النبي ﷺ وشيء، وبيع الكلب بخمسة دنانير، والهرة بثلاثة دنانير. وفي سنة خمس وأربعين في خلافة المقتفي العباسي: جاء مطر باليمن كله دم، وصارت الأرض مرشوشة بالدم، وبقي أثره في ثياب الناس. وفي سنة ثمان وخمسين وأربع مئة: ظهر كوكب؛ كأنه دارة القمر ليلة التمام، بشعاع عظيم وهال الناس ذلك، وأقام عشر ليال، ثم تناقص ضوءه وغاب. وفي سنة ستين وأربع مئة في خلافة القائم: غرق بالرملة خلقٌ كثير. وفي سنة ست وستين وأربع مئة في خلافة القائم كان الغَرقُ العظيم ببغداد، وزادت دجلة ثلاثين ذراعًا، ولم يقع مثل ذلك قط، وهلكت الأموال والأنفس والدواب، وركب الناس في السفن، وأقيمت الجمعة في التيار على ظهر الماء مرتين، وصارت بغداد كلها مَلَقة، وانهدم مئة ألف دار. وفي سنة أربع وثمانين وأربع مئة في خلافة المقتدي: غلب الإفرنج على جميع جزيرة صقلية، وأسروا وسبوا ذراري المسلمين. وفي سنة اثنتين وخمسين وست مئة في خلافة المستعصم: ظهرت نارٌ في أرض عدن (١)، وكان يطير شررها في الليل إلى البحر، ويصعد منها دُخان عَظيمٌ في النهار.
ن. وفي سنة اثنتين وخمسين وست مئة في خلافة المستعصم: ظهرت نارٌ في أرض عدن (١)، وكان يطير شررها في الليل إلى البحر، ويصعد منها دُخان عَظيمٌ في النهار.
وفي أيام المعتمد في سنة ست وستين ومئتين دخلت الزنج البصرة وأعمالها، وخربوها، وبذلوا السيف وسبوا؛ وهم من الخوارج الذين قتلهم أمير المؤمنين علي ﵁، وأعقب ذلك الوباء العظيم، فمات خَلق كثير لا يحصون، ثم أعقبه هدات وزلازل، فمات تحت الردم ألوفٌ من الناس، واستمر القتال مع الزنج إلى سنة سبعين. قال الصولي: إنه قتل من المسلمين ألف ألف وخمس مئة آدمي، وقتل في يوم واحدٍ بالبصرة ثلاث مئة ألف، وكان له منبر في بلده يَصعَدُ عليه يسب عثمان، وعليًا، ومعاوية، وطلحة، والزبير، وعائشة ﵃، وكان ينادى على المرأة العلوية في عسكره بدرهمين وثلاثة، وكان عند الواحد منهم العشر من العلويات يستخدمهن ويطؤهن، فقُتل اللعين رئيس الزنج سنة سبعين، وكان اسمه بهبود، وكان يدعي أنه أُرسِلَ إلى الخلق فرد الرسالة، وأنه مطلع على المغيبات، وقع في زمنه غلاء مُفرطٌ بالحجاز والعراق، وبلغ كَرُّ الحنطة ببغداد مئة وخمسين دينارًا، والكَرُّ: ستة أحمال الحمير والبغال، أو اثنا عشر وسقًا. وفي أيامه انبثق في نهر عيسى بثقٌ، فجاء الماء إلى الكرخ فهدم سبعة آلاف دار. وفي زمنه ظهرت القرامطة (١) بالكوفة، وهم نوع من الملاحدة، وهم الباطنية يَدّعُونَ أنه لا غسل من الجنابة، وأن الخمر حلال، وأن الصوم في السنة يومان، ويزيدون في أذانهم: (محمدٌ ابن الحنفية رسول الله) وأن الحج والقِبلَة إلى بيت المقدس، وأشياء أخر. وفي سنة ست وتسعين وخمس مئة كان بمصر الغلاء المُفرط بحيث أكلوا الجيف والآدميين، وفشا أكل بني آدم واشتهر، وتعدوا إلى حفر القبور وأكل الموتى، وكثر الموت من الجوع؛ بحيث كان الماشي لا يقع قدمه أو بصره إلَّا على ميتٍ أو قريبٍ من
الموت، وهلك أهل القرى قاطبة، بحيث إن المسافر يمر بالقرية فلا يرى فيها نافخ نار، وتجد البيوت مُفتحةً وأهلها موتى، وصارت الطرق مزرعةً للموتى، ومأدبة بلحومهم للطير والسباع، وبيعت الأحرار والأولاد بالدراهم اليسيرة، واستمر ذلك سنتين. قال أبو شامة في "الذيل": إنَّ العادل الكبير في هذه السنة كَفّنَ من ماله في مدة يسيرة نحوًا من مئتي ألف وعشرين ألف ميت، وقيل: ثلاث مئة ألف من الغرباء، وَأُكلَتْ الكلاب والميتات في مصر، وأكل من الصغار والأطفال خَلقٌ كثير، حتى إن الوالد يشوي ولده ويأكله، وكَثُر في الناس هذا حتى صار لا ينكر عليهم، ثم صاروا يحتالون بعضهم على بعض، ويأكلون من يقدرون عليه، وإذا غلب القوي على الضعيف ذبحه وأكله، وفُقِدَ كثيرٌ من الأطباء يدعونهم إلى المرضى فيذبحونهم ويأكلونهم. انتهى. وفي سنة ثمان عشرة وسبع مئة حصل بديار بكر، والموصل، وإربل، وماردين، والجزيرة، وميافارقين، وغيرها الغلاء العظيم، وخربت البلاد، وبيع الأولاد، وكثر الموت في الناس، حتى إنه مات من جزيرة ابن عمر خمسة عشر ألفًا بالجوع، وبيع من الأولاد نحو ثلاثة آلاف صبي، وكان يُباع الصبي بنحو عشرة دراهم أو أكثر، ويشتريهم التتار. ومات أكثر أهل ميافارقين بحيث لم يبق من أسواقها غير ست حوانيت، والموصل كان الغلاء بها أكثر من ماردين، وبيع بها الأولاد بحيث خلت الدور من أهلها، وأكلوا الجيف والميتات، وباع رجل ولده باثني عشر درهما. وقال: قد أنفقت في ختانه خمسين دينارًا، وكان المشترون يَتحرّجُون من شراء أولاد المسلمين، فكانت المرأة والصبية تجعل نفسها نصرانية وتقر بالنصرانية؛ ليرغب فيها، وأهل إربل أكلوا النبات، ثم قشور الشجر، ثم الجيف، وجاءهم الموت الذريع، وجلا الباقي، ومات كثيرٌ منهم بالثلج. ذكر ذلك البِرْزَالي في "ذيل الروضتين"، وذكرت ملخصه. اللهم؛ إنا نعوذ بك من الجوع؛ فإنه بئس الضجيع.
الموت الذريع، وجلا الباقي، ومات كثيرٌ منهم بالثلج. ذكر ذلك البِرْزَالي في "ذيل الروضتين"، وذكرت ملخصه. اللهم؛ إنا نعوذ بك من الجوع؛ فإنه بئس الضجيع.
وفي سنة ثمان وثلاثين ومئتين في خلافة المتوكل: سمع أهل أخلاط صَيحةً عظيمةً من جو السماء، فمات منها خلقٌ كثير. وفي سنة اثنتين وأربعين: وقع بجبلٍ طائر أبيض دون الرَّخمة في رمضان، فصاح: معاشر الناس؛ اتّقوا الله، الله، الله. فصاح أربعين صوتًا، ثم طار وجاء من الغد، ففعل كذلك، وَكُتبَ البريد بذلك، وشهد خمس مئة إنسان سمعوه ... إلى غير ذلك من الأمور العظام التي وقعت. ومنها: انقطاع طريق الحج، ورفع الحجر الأسود من الكعبة: عن أبي سعيد ﵁: "لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت" رواه الحاكم وصححه، والبزار، وأبو يعلى، وابن حبان. وعن ابن عمر ﵄: "لا تقوم الساعة حتى يرفع الركن" رواه السِّجزي. وهذان كلاهما قد وقعا. أما انقطاع طريق الحج: ففي سنة عشرين وثلاث مئة انقطع الحج من بغداد إلى سنة سبع وعشرين بسبب فتنة القرامطة. وفي سنة تسع وأربعين وثلاث مئة: رجع حجيج مصر في مكة، فنزلوا واديًا، فجاءهم السيل، فأخذهم كلهم فألقاهم في البحر عن آخرهم. وفي سنة خمس وخمسين: قطعت بنو سُلَيم الطريق على الحجيج من أهل مصر، وأخذوا منهم عشرين ألف بعير بأحمالها، وعليها من الأمتعة ما لا يُقَومُ كثرة، وبقي الحجاج في البوادي فهلك أكثرهم. وفي سنة ثلاث وستين: خرج بنو هلال وطائفةٌ من العرب على الحجاج، فقتلوا منهم خلقًا كثيرًا، وعطلوا على من بقي منهم الحج في هذا العام، ولم يحصل لأحدٍ حج في هذه السنة سوى أهل درب العراق وحدهم. وفي سنة أربع وثمانين وثلاث مئة: رجع الحاج العراقي من الطريق؛ اعترضهم
نهم الحج في هذا العام، ولم يحصل لأحدٍ حج في هذه السنة سوى أهل درب العراق وحدهم. وفي سنة أربع وثمانين وثلاث مئة: رجع الحاج العراقي من الطريق؛ اعترضهم
الأصفر الأعرابي، ومنعهم الجواز إلَّا بالباج، فعادوا ولم يحجوا، ولا حج أيضًا أهل الشام ولا اليمن، إنما حَجَّ أهل مصر فقط. وانقطع في زمن بني عثمان من طريق الشام سنين في زمن الشيخ علوان الحموي. وفي سنة اثنتين وتسعين وثلاث مئة: انفرد المصريون بالحج، ولم يحج أحدٌ من بغداد وبلاد الشرق؛ لَعَبثِ الأعراب بالفساد، وكذا في سنة ثلاث وتسعين وثلاث مئة. وفي سنة سبع وتسعين: انفرد المصريون بالحج، ولم يحج أهل العراق؛ لفساد الطريق بالأعراب. وفي سنة سبع وأربع مئة: انفرد المصريون أيضًا، ولم يحج أحدٌ سواهم، وكذا في سنة ثمان وأربع مئة. وفي سبع عشرة وأربع مئة: انفرد المصريون أيضًا بالحج، ولم يحج غيرهم. وفي سنة ثمان عشرة وأربع مئة: لم يحج أحدٌ لا من المشرق ولا من مصر وغيرها، إلا طائفة من خراسان حجوا من البحر. وفي سنة ثلاث وثلاثين وأربع مئة: تعطل الحج من الأقاليم بأسرها، ومن السنة التي بعدها إلى سنة أربعين وأربع مئة لم يحج أحدٌ غير أهل مصر. ذكر هذا كله السيوطي في "حسن المحاضرة". وذكر الحافظ ابن حجر في "إنباء الغمر": أن في السنة الثالثة، والرابعة، والخامسة بعد الثمان مئة، لم يحج أحدٌ من طريق الشام، وذلك بعد أن طرق تيمور الشام، وعاث فيها. أما رفع الحجر: ففي خلافة المقتدر، وذلك أن المقتدر سير الحجَّاج مع منصور الديلي إلى مكة سالمين، فوافاهم يوم التروية عدو الله أبو طاهر القرمطي، فقتل الحجيج في المسجد الحرام قتلًا ذريعًا، وطرح القتلى في بئر زمزم، وضرب الحجر الأسود بدبوس فكسره، ثم اقتلعه، وأقام بها أحد عشر يومًا، ثم رحلوا وبقي الحجر الأسود عندهم أكثر من عشرين سنة، ودُفِعَ لهم فيه خمسون ألف دينار، فأبوا رَدّهُ حتى أُعيد في خلافة المطيع.
وقيل: إنهم لما أخذوه هلك تحته أربعون جملًا من مكة إلى هَجَرْ، فلما أُعيد حمل على قعود هزيل فسمن. قال محمد بن الربيع بن سليمان: كنت بمكة سنة القرامطة، فصعد رجل لقلع الميزاب وأنا أراه، فَعِيلَ صبري، وقلت: ربي ما أَحْلَمكَ! ! فسقط الرجل على دماغه فمات. وصعد القرمطي المنبر وهو يقول: أَنَا بِاللهِ وَبِاللهِ أَنَا ... يَخْلُقُ الْخَلْقَ وَأَفْنِيهِمْ أَنَا ولم يفلح أبو طاهر القرمطي بعد ذلك؛ تقطع جسده بالجدري. وقال محمد بن نافع الخزاعي: تأملت الحجر وهو مقلوع، فإذا السواد في رأسه فقط، وسائره أبيض، وطوله قدر عَظْمِ الذراع. وأما هدم البيت كله، وانقطاع الحج بالكلية فإنما يكون في آخر الزمان والعياذ بالله. وكذلك رفع القرآن، وسيأتي في القسم الثالث إن شاء الله تعالى. ومنها: رضخ رؤوس أقوامٍ بكواكب من السماء: عن ابن عباس ﵄: "لا تقوم الساعة حتى تُرضَخَ رؤوس أقوام بكواكب من السماء باستحلالهم عمل قوم لوط" رواه الديلمي. وفي سنة ثلاث وتسعين وخمس مئة: انقض كوكبٌ عظيم، سُمِعَ لانقضاضه صوتٌ هائل، واهتزت الدور والأماكن، فاستغاث الناس، وأعلنوا بالدعاء، وظنوا أنه من أمارات القيامة. وفي سنة إحدى وأربعين ومئتين: ماجت النجوم في السماء، وتناثرت الكواكب كالجراد أكثر الليل، وكان أمرًا مُزعجًا لم يُعْهد مثله. وفي سنة ثلاث وعشرين وثلاث مئة في خلافة الراضي في ذي القعدة: انقضّت النجوم سائر الليل انقضاضًا عَظيمًا ما رُئي مثله، وقد وقع بعد ذلك كثيرًا أن النجوم والشهب انقضّت وقتلت ناسًا.
ومنها: ظهور كوكب له ذنب: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "يا سلمان، إذا كان حج الملوك تَنزُّها، والأغنياء للتجارة، والمساكين للمسألة، والقراء رياءً وسمعة فعند ذلك يظهر نجم له ذنب" رواه ابن مردويه. وهذا الكوكب قد ظهر (١) مرات، آخرها في سنة خمس وسبعين وألف في شهر جمادى الآخرة، بقي شهرًا أو أكثر، وكان يسير سيرًا أسرع من القمر.
ب" رواه ابن مردويه. وهذا الكوكب قد ظهر (١) مرات، آخرها في سنة خمس وسبعين وألف في شهر جمادى الآخرة، بقي شهرًا أو أكثر، وكان يسير سيرًا أسرع من القمر.
فائِدَة جاء من بلاد النصارى إلى بلاد بني عثمان في سنة سبع وسبعين وألف في شهر جمادى الأولى وأنا إذ ذاك بأدرنة كتابٌ منقوشٌ فيه صورة حيوان، طوله عشرون ذراعًا، وسمكه خمسة أذرع، جسده جسد السمكة، له أربع قوائم، في يديه خمس أصابع كأصابع الأسد، وفي رجليه حافرٌ مثل حافر الفرس، ورأسه رأس الثور، له أربعة قرون، اثنان بين عينيه أسودان، واثنان أصغران بين أذنيه الآخرين واغربَ كلُّ اثنين إلى جهة الآخرين، وعلى فكه الأسفل أربعة كذلك، وله ذنب السمكة، وعلى كفله متصلًا مخلوقٌ نصف إنسان عريان له أربع أيدي، في كل واحدة خمس أصابع، وله ذؤابتان سوداوان، ولحيةٌ، وثديان كثدي المرأة. ومضمون الكتاب: أنَّ هذا الحيوان صار في جبال الإفرنج حين ظهر هذا النجم في سنة خمس وسبعين، وأنه ظهر على جسده مثل النجم المذكور، وهلك بِنَفَسِهِ خلقٌ كثير من دواب الأرض، وأنهم رموه بالمجانيق فلم تؤثر فيه، وأهلك منهم اثنين وثلاثين ألف آدمي، ثم بَعُدَ مُدةً عنه ذلك الكوكب الذي ندي عليه، فرموه بالمنجنيق فقتلوه، وكتبوا بذلك إلى البلدان، والله على كل شيء قدير.
ك منهم اثنين وثلاثين ألف آدمي، ثم بَعُدَ مُدةً عنه ذلك الكوكب الذي ندي عليه، فرموه بالمنجنيق فقتلوه، وكتبوا بذلك إلى البلدان، والله على كل شيء قدير.
ومنها: كثرة الموت: عن عوف بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "اعدد بين يدي الساعة ستًا: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم مُوْتانا كَقُعاص الغنم. . ." الحديث. رواه البخاري، وابن ماجه، والحاكم في "المستدرك". و(المُوتان)؛ بضم الميم، وإسكان الواو، على وزن بُطلان: الموت الكثير الوقوع. قاله في "النهاية". و(قُعاص الغنم)؛ بضم القاف، وبالعين والصاد المهملتين، بينهما ألف: داءٌ يأخذ الغنم فلا تلبث أن تموت، ومنه: ضربه فأقعصه؛ أي: مات مكانه. وهذا وقع في زمن عمر ﵁ في طاعون عمواس، وبعد ذلك في طاعون الجارف، وفي الطواعين والوباءات الواقعة في أقطار الأرض. ذكر الحافظ السيوطي في كتاب "ما رواه الواعون في أخبار الطاعون" ما لفظه: سرد الطواعين الواقعة في الإسلام. قال ابن أبي حجلة في تأليفه في "الطاعون": أول طَاعونٍ وقع في الإسلام على عهد النبي ﷺ سنة ست من الهجرة بالمدائن، ويُعْرفُ بطاعون شيرويه فيما حكاه المدائني، ولم أعلم كم مات فيه فأحكيه. قُلْتُ: ولم يمت فيه أحدٌ من المسلمين. وقد أخرج ابن عساكر في "تاريخ دمشق" من طريق حماد بن زيد، عن أيوب قال: قال محمد: لم يكن طاعون أشد من ثلاثة طواعين: طاعون ازدجرد، وطاعون عمواس، وطاعون الجارف. وقال المدائني: كانت الطواعين العظام المشهورة في الإسلام خمسة: طاعون شيرويه بالمدائن في عهد رسول الله ﷺ، ثم طاعون عمواس، ثم طاعون الجارف، ثم طاعون الفتيات، ثم طاعون الأشراف. انتهى.
الثاني: طاعون عَمواس؛ بفتح العين المهملة، وسكون الميم، وقد تحرك، وتخفيف الواو وآخره سين مهملة: اسم موضع بالشام. وكان في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ سنة سبع عشرة، وقيل: ثمان عشرة، ومات فيه من جيش المسلمين خمسة وعشرون ألفًا، وقيل: ثلاثون ألفًا، وقيل: سُمِّي طاعون عَمواس، لأنه لم يقع في شيء من المواضع سوى ما وقع فيه، حكاه الحافظ عبد الغني المقدسي. وذكر سيف بن عمر، عن شيوخه قالوا: لما كان طاعون عَمواس وقع مرتين لم ير مثلهما، وطال مكثه، وذلك أنه وقع بالشام في المحرم وصفر ثم ارتفع، ثم عاد، وفني فيه خلقٌ كثير من الناس حتى طمع العدو، وتخوفت قلوب المسلمين لذلك. قال سيف: وأصاب أهل البصرة أيضًا تلك السنة طاعون، فمات بشرٌ كثير، وجمٌّ غفير. في "مرآة الزمان": لما كان سنة ثمان عشرة أصاب جماعة من المسلمين بالشام الشراب، فجلدهم أبو عبيدة بأمر عمر ﵁، وقال ﵁ عند ذلك: ليحدثن في هذا العام حادث. فوقع الطاعون. وقال هشام: إنما حدث الطاعون بالشام؛ لأجل هؤلاء الذين شربوا الخمر. وممن مات في طاعون عَمواس من مشاهير الصحابة: أبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وشرحبيل بن حسنة، والفضل بن العباس؛ وهو ابن عم رسول الله ﷺ، وأبو مالك الأشعري، ويزيد بن أبي سفيان؛ أخو معاوية، والحارث بن هشام؛ أخو أبي جهل -وأبو جندل الذي جاء يوم الحديبية يَرسُفُ في قيوده، وسهيل بن عمرو الذي قام بمكة يوم مات النبي ﷺ فَثبّتَ الناس، وهو والد أبي جندل. ومما قيل في طاعون عَمواس من الشعر: قول امرئ القيس، حشيش الكندي، أورده أبو حذيفة البخاري في كتاب "المبتدأ"، وابن عساكر في "تاريخه". رُبَّ حرفٍ مِثْلَ الْهِلاَلِ وَبَيْضَا ... ء حصان بالجزع من عمواس
س، حشيش الكندي، أورده أبو حذيفة البخاري في كتاب "المبتدأ"، وابن عساكر في "تاريخه". رُبَّ حرفٍ مِثْلَ الْهِلاَلِ وَبَيْضَا ... ء حصان بالجزع من عمواس
قَدْ لَقُوا اللهَ غَيْرَ بَاغٍ عَلَيْهِمْ ... ثُمَّ أَضْحَوْا فِي غَيْرِ دَارِ التَّنَاسِي فَصبرنا لَهُمْ كَمَا عَلِم اللهُ ... وَكُنَّا فِي الْمَوْتِ أَهْلَ تَآسِي وقال سيف عن شيوخه: خرج الحارث بن هشام في سبعين من أهله إلى مرتفع الشام فلم يرجع منها إلا أربعة، فقال المهاجر بن خالد في ذلك: مَنْ يَسْكُنِ الشَّامَ يُقَدّسْ بِهِ ... وَالشَّام إِنْ لَمْ يَأْتِنَا كَارِبُ أَفْنَى بَنِي ريطة فُرْسَانُهُمْ ... عِشْرُونَ لَمْ يُقْصَصْ لَهُمْ شَارِبُ وَمِنْ بَنِي أَعْمَامِهِمْ مِثْلُهُمْ ... لِمِثْلِ هَذا يَعْجَبُ الْعَاجِبُ طَعْنًا وَطَاعُونًا مَنَايَاهُم ... ذَلِكَ مَا خَطَّ لَنَا الْكَاتِبُ وقال الحافظ عماد الدين ابن كثير: عَمواس: بُليدةٌ صَغِيرةٌ بين القدس والرملة، كان الطاعون أول ما نجم بها، ثم انتشر بالشام منها فَنُسب إليها. وقال البيهقي في "دلائل النبوة": باب ما جاء في إِخْبارِ النبي ﷺ بالطاعون الذي وقع بالشام في أصحابه في عهد عمر بن الخطاب ﵁. ئم أخرج عن عوف بن مالك الأشجعي قال: أتيت رسول الله ﷺ في غزوة تبوك وهو في خِبَاءٍ من أَدَمٍ، فقال: "يا عوف؛ احفظ خِلالًا سِتًّا بين يدي الساعة: إحداهن موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم مُوَتان يظهر فيكم، يستشهد الله به ذراريكم وأنفسكم، ويزكي به أعمالكم، ثم استفاضة المال بينكم". . . الحديث. وأخرج الحاكم عن عوف بن مالك؛ أنه قال في طاعون عَمواس: إن رسول الله ﷺ قال: "اعدد سِتًّا بين يدي الساعة". قال: فقد وقع منهن ثلاث. يعني: موته، وفتح بيت المقدس، والطاعون. قال: وبقي ثلاث. فقال معاذ: إن لها أمدًا. ثم وقع الطاعون بالكوفة سنة تسع وأربعين، فخرج المغيرة بن شعبة منها فارًّا. فلما ارتفع الطاعون رجع إليها فأصابه الطاعون، فمات في سنة خمسين. ذكره ابن كثير في "تاريخه". ثم وقع في سنة ثلاث وخمسين، ومات فيها زياد. ذكره في "مرآة الزمان".
فع الطاعون رجع إليها فأصابه الطاعون، فمات في سنة خمسين. ذكره ابن كثير في "تاريخه". ثم وقع في سنة ثلاث وخمسين، ومات فيها زياد. ذكره في "مرآة الزمان".
وقال ابن كثير: في سنة ثلاث وخمسين في رمضان توفي زياد بن أبي سفيان، -ويقال له: زياد ابن أبيه، وزياد بن سُمّية؛ وهي: أمه- مطعونًا. وكان سبب ذلك: أنه كتب إلى معاوية ﵁ يقول له: إني قد ضبطت لك العراق بشمالي ويميني فارغة. وهو يُعَرِّضُ له أن يستنيبه على بلاد الحجاز أيضًا، فلما بلغ أهل الحجاز جاؤوا إلى عبد الله بن عمر ﵄، فشكوا إليه ذلك، وخافوا أن يلي عليهم زياد فَيَعسِفهم كما عَسَفَ أهل العراق، فقام ابن عمر ﵄ فاستقبل القبلة، فدعا على زياد والناس يُؤمِنون، فَطُعِنَ زياد بالعراق في يده. فضاق ذرعًا بذلك؛ واستشار شُريحًا القاضي في قطع يده، فقال له شريح: إني لا أرى لك ذلك؛ فإنه إن لم يكن في الأجل فُسحة لقيت الله أجذم قد قطعت يدك خوفًا من لقائه، وإن كان لك أجل بقيت في الناس أجذم فيعير وَلَدُكَ بذلك، فصرفه عن ذلك. وَيُقال: إن زيادًا جعل يقول: أنام أنا والطاعون في فراشٍ واحد؟ ! ! وأخرج ابن أبي الدنيا، عن عبد الرحمن بن السائب الأنصاري قال: جمع زياد أهل الكوفة، فملأ منهم المسجد والرحبة والقصر؛ ليحرضهم على البراءة من علي بن أبي طالب ﵁. قال عبد الرحمن: فإني لمع نَفرٍ من أصحابي من الأنصار والناس في أمرٍ عظيم، فَهُوِّمْتُ تَهْويمة، فرأيت شيئًا أقبل طويل العنق مثل عنق البعير، أهدب أهدل، فقلت: ما أنت؟ فقال: أنا النقاد ذو الرقبة، بُعِثت إلى صاحب هذا القصر. فاستيقظت فزعًا، فقلت لأصحابي: هل رأيتم ما رأيت؟ قالوا: لا. فأخبرتهم. وخرج علينا خَارجٌ من القصر فقال: إن الأمير يقول لكم: انصرفوا عني؛ فإني عنكم مشغول. وإذا الطاعون قد أصابه. ثم وقع بالبصرة طاعون الجارف: وسُمِّي بذلك؛ لأنه جرف الناس كما يجرف السيل الأرض فيأخذ معظمها، واخْتُلِفَ في سنته. فقيل: وقع في سنة أربع وستين، وجزم به ابن الجوزي في "المنتظم"، وقيل: كان في شوال سنة تسع وستين.
قال ابن كثير: وهذا هو المشهور الذي ذكره شيخنا الذهبي وغيره، وقيل: سنة سبعين، وقيل: سنة ست وسبعين، وقيل: سنة ثمانين. قال ابن كثير: حكاه ابن جرير عن الواقدي، ومات فيه لأنس بن مالك ﵁ ثلاثة وثمانون ولدًا، ولأبي بكرة ﵁ أربعون ولدًا. قال ابن كثير: كان ثلاثة أيام، مات في أول يوم منه من أهل البصرة سبعون ألفًا، وفي اليوم الثاني منه واحدٌ وسبعون ألفًا، وفي اليوم الثالث منه ثلاثة وسبعون ألفًا. وأصبح الناس في اليوم الرابع موتى إلا القليل من آحاد الناس، حتى ذُكِر أن أُم الأمير بها ماتت، فلم يجد من يحملها. وقال صاحب "المرآة": مات فيه أهل الشام إلا اليسير. وقال الحافظ أبو نُعيم الأصفهاني: حدثنا عبيد الله، حدثنا أحمد بن عصام، حدثني معدي، عن رجل يُكنى أبا الفضل وكان قد أدرك زمن الطاعون، قال: كُنا نطوف في القبائل وندفن الموتى، فلما كثروا لم نقدر على الدفن، فكنا ندخل الدار وقد مات أهلها فَنسد بابها. فدخلنا دارًا نُفَتشها فلم نجد فيها أحدًا حيّا، فسددناها، فلما مضت الطواعين كُنا نَطوفُ فَننزعُ تلك السُّدَد عن الأبواب، ففتحنا سُدةَ الباب التي كنا قد فتشناها، فإذا نحن بغلام في وسط الدار طَريٌ دهين، كأنما أُخِذ ساعتئذ من حِجر أمه. قال: فنحن وقوفٌ على الغلام نتعجب منه، فدخلت كلبةٌ من شق الحائط، فجعلت تلوذُ بالغلام، والغلام يحبو إليها حتى مص من لبنها. قال معدي: وأنا رأيت ذلك الغلام في مسجد البصرة قد قبض على لحيته. وقال ابن أبي الدنيا في كتاب "الاعتبار": حدثني يحيى بن عبد الله الخثعمي، عن محمد بن سلام الجُمحي قال: زعم يحيى أنه لما وقع الطاعون الجارف بالبصرة، وذهب الناس فيه، وعجزوا عن موتاهم، وكانت السباع تدخل البيوت فتصيب من الموتى، وذلك سنة سبعين أيام مُصعب، وكان يموت في اليوم سبعون ألفًا فبقيت جاريةٌ من بني عجل ومات أهلها جميعا، فَسَمِعت عواء الذئب فقالت:
بيوت فتصيب من الموتى، وذلك سنة سبعين أيام مُصعب، وكان يموت في اليوم سبعون ألفًا فبقيت جاريةٌ من بني عجل ومات أهلها جميعا، فَسَمِعت عواء الذئب فقالت:
أَلاَ أَيُّهَا الذِّئْبُ الْمُنَادِي بِسَحْرَةٍ ... هَلُمَّ أُنبِّئْكَ الَّذِي قَدْ بَدَا لِيَا بَدَا لِي أَنِّي قَدْ يَتُمْتُ وَأَنَّنِي ... بقيَّةُ قَوْمٍ أَوْرَثُونِي الْمَبَاكِيَا وَلاَ ضَيْرَ أَنِّي سَوْفَ أَتْبَعُ مَنْ مَضَى ... وَيَتْبَعُنِي مِنْ بَعْدِي مَنْ كَانَ تَالِيَا وقال ابن أبي الدنيا: حدثني الفضل بن جعفر، حدثنا أحمد بن محمد البجلي، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي قال: نزل بنا حَيٌّ من العرب فأصابهم الطاعون، فماتوا وبقيت جويرية مريضة، فلما أفاقت جعلت تسأل عن أبيها وأمها وأختها، فيقال: مات، ماتت، ماتت. فرفعت يدها وقالت: وَلَوْلاَ الأَسَى مَا عِشْتُ فِي النَّاسِ سَاعَةً ... وَلكِنْ مَتَى نَادَيْتُ جَاوَبَنِي مِثْلِي قال الحافظ ابن حجر: وكان بمصر سنة ست وستين طاعون، ثم في سنة وفاة عبد العزيز بن مروان سنة خمس وثمانين، وقيل: سنة اثنتين، وقيل: سنة أربع، وقيل: سنة ست، وكان بالشام طاعون سنة تسع وسبعين، ذكره ابن جرير وغيره. ثم وقع بالبصرة طاعون الفتيات سنة سبع وثمانين. وسمي بذلك؛ لكثرة من مات فيها من النساء الشَّوابِ والعذارى. قال ابن أبي الدنيا في "الاعتبار": حدثني محمد بن علي بن عثام الكلابي قال: سمعت حامد بن عمر بن حفص البكراوي قال: حدثني أبو بحر البكراوي، عن أمه؛ قالت: خرجنا هاربين من طاعون الفتيات، فنزلنا قريبًا من سنام، قالت: وجاء رجل من العرب معه بنون له عشرة، فنزل قريبًا منا، فلم يمض إلا أيام حتى مات بنوه أجمعون، وكان يجلس بين قبورهم فيقول: بِنَفْسِي فِتْيَةٌ هَلَكُوا جَمِيعًا ... بِرَابِيَةٍ مُجَاوِرَةٍ سَنَامَا أَقُولُ إِذَا ذَكَرْتُ الْعَهْدَ مِنْهُمْ ... بِنَفْسِي تِلْكَ أَصْدَاءٌ وَهَامَا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُمْ هَلَكُوا جَمِيعًا ... وَلَمْ أَرَ مِثْلَ هَذَا الْعَامِ عَامَا قالت: وكان يُبْكِي من سمعه.
ِنَفْسِي تِلْكَ أَصْدَاءٌ وَهَامَا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُمْ هَلَكُوا جَمِيعًا ... وَلَمْ أَرَ مِثْلَ هَذَا الْعَامِ عَامَا قالت: وكان يُبْكِي من سمعه.
ثم طاعون الأشراف: وقع والحجاج بواسط حتى قيل فيه: لا يكون الطاعون والحجاج في بلد واحد. سُمي بذلك؛ لكثرة من مات فيها من أشراف الناس. ثم وقع بالشام طاعون، مات فيه ولي العهد أيوب بن الخليفة سليمان بن عبد الملك. أخرج ابن أبي الدنيا في "الاعتبار" من طريق عبد الله بن المبارك، عن أبي كنانة، قال: أخبرني يزيد بن المهلب قال: حملت حملين مِسكًا من خُراسان إلى سليمان بن عبد الملك، فانتهيت إلى باب ابنه أيوب؛ وهو ولي العهد، فدخلت عليه؛ فإذا دارٌ مجصصةٌ حيطانها وسقوفها خضر، وإذا وصِيف ووصائف عليهم حُلل خُضر وحليٌّ من الزمرد، فوضعت الحملين بين يدي أيوب وهو قاعدٌ على سريره، فانتهب المسك من بين يديه، ثم عُدت بعد أحد عشر يومًا، فإذا أيوب وجميع من معه في داره قد ماتوا بعد إصابتهم بالطاعون. وأخرج ابن أبي الدنيا عن حاتم بن عطارد قال: حدثني أبو الأبطال قال: بُعثت إلى سليمان بن عبد الملك ومعي ستة أحمال مسك، فمررت بدار أيوب بن سليمان فَأُدْخِلْتُ عليه، فمررت بدارٍ بيضاء، وما فيها من الثياب والنجد بياض، ثم أُدْخِلْتُ منها إلى دار أخرى صفراء، وما فيها كذلك، ثم أدخلت منها إلى دار حمراء، وما فيها كذلك، ثم أدخلت منها إلى دارٍ خضراء، وما فيها كذلك، فإذا أنا بأيوب على سرير، ولحقني من كان في تلك الدور، فانتهبوا ما معي من المسك، ثم مررت بدار أيوب بعد سبعة عشر يومًا، فإذا الدار بَلاقع. فقلت: ما هذا؟ قالوا: طاعون أصابهم. قال ابن أبي الدنيا: كان أيوب ولي عهد أبيه من بعده، قد رشحه للخلافة، فأصابه الطاعون، فمات في حياة أبيه، وكانت وفاته في سنة ثمان وتسعين. وقال الحافظ ابن حجر: وقع بالشام طاعون عدي بن أرطاة سنة مئة. قُلْتُ: وذلك في خلافة عمر بن عبد العزيز.
وأخرج ابن سعد، عن أرطاة بن المنذر، قال: كان عند عمر بن عبد العزيز نَفرٌ يسألونه أن يَتحفّظَ في طعامه، ويسألونه أن يكون له حَرسٌ إذا صلى؛ لئلا يثور ثائرٌ فيقتله، ويسألونه أن يتنحى عن الطاعون، ويخبرونه أنَّ الخلفاء قبله كانوا يفعلون ذلك. قال لهم عمر: فأين هم؟ فلما أكثروا عليه قال: اللهم؛ إن كُنتَ تعلم أني أخاف يومًا دون يوم القيامة، فلا تؤمِّن خَوفي. وأخرج محمد بن خلف المعروف بوكيع في كتاب "الغُرَر من الأخبار" عن أبي الزناد قال: قال عبد الله بن حسن بن حسن: كنت عند عمر بن عبد العزيز فوقع طاعون بالشام، فقال: ارحل؛ فإنك لن تَغْنَم أهلك مثل نفسك، فقضى حوائجي، وأتبعني إياها. قال الحافظ ابن حجر: ثم وقع أيضًا بالشام في سنة سبع ومئة، ثم سنة خمس عشرة، وكذا في "تاريخ" ابن كثير. وفي "المرآة": وقع في سنة ست عشرة طاعون شديد بالشام والعراق، وكان أعظم ذلك في واسط. ذكره ابن كثير أيضًا. ثم وقع بالبصرة طاعون غُراب؛ وهو رجل مات فيه سنة سبع وعشرين ومئة. ثم وقع بالبصرة طاعون مسلم بن قتيبة في رجب وشعبان ورمضان سنة إحدى وثلاثين ومئة، ثم خَفّ في شوال، وبلغ في كل يوم ألف جنازة. قال ابن سعد: وتوفي فيه إسحاق بن سويد العدوي، وفرقد بن يعقوب السَّبخي، وأيوب السَّختياني. قال ابن سعد: وأخبرنا علي بن عبد الله؛ حدثنا سفيان قال: سمعت داود بن أبي هند يقول: أصابني الطاعون فَأُغمي عَليَّ، فكأن اثنين أتياني فغمز أحدهما عكوة لساني، وغمز الآخر أخمص قَدميّ، فقال: أي شيء تجد؟ . قال: تسبيحًا وتكبيرًا، وشيئًا من خطوة إلى المسجد، وشيئًا من قراءة القرآن. قال: ولم أكن أخذت القرآن يومئذ. قال: فكنت أذهب في الحاجة فأقول: لو ذكرتُ الله حتى آتي حاجتي. قال: فعوفيت، فأقبلت على القرآن فَتعلّمتهُ.
راءة القرآن. قال: ولم أكن أخذت القرآن يومئذ. قال: فكنت أذهب في الحاجة فأقول: لو ذكرتُ الله حتى آتي حاجتي. قال: فعوفيت، فأقبلت على القرآن فَتعلّمتهُ.
هذا كله في الدولة الأموية، بل نقل بعض المؤرخين أن الطواعين في زمن بني أمية كانت لا تنقطع بالشام، حتى كان خلفاء بني أمية إذا جاء زمن الطاعون يخرجون إلى الصحراء، ومن ثم اتخذ هشام بن عبد الملك الرُّصافة منزلًا. ثم خَفَّ ذلك في الدولة العباسية، فيقال: إن بعض أمرائهم خطب بالشام، فقال: احمدوا الله الذي رفع عنكم الطاعون منذ وُلِّينَا عليكم، فقام بعض من له جراءةٌ، فقال: الله أعدل من أن يجمعكم علينا والطاعون، فقتله. وأخرج ذلك ابن عساكر في "تاريخه"، وَسمّى الذي قال: جَعوَنة بن الحارث. وأخرج ابن عساكر عن الأصمعي قال: لقي المنصور أعرابيًا بالشام، فقال: احمد الله يا أعرابي الذي رفع عنكم الطاعون بولايتنا أهل البيت، قال: إن الله لم يجمع علينا حَشفًا وَسُوء كَيل؛ ولايتكم والطاعون. ثم كان في سنة أربع وثلاثين بالري، ثم في سنة ست وأربعين ببغداد، ثم في سنة إحدى وعشرين ومئتين بالبصرة. قُلْتُ: كذا ذكره الحافظ ابن حجر والمؤرخون قبله، فكان بين هذين الطاعونين خمس وسبعون سنة، وفي هذه المدة كان مولد الإمام الشافعي ﵁ ووفاته، فلم يقع في حياته طاعون. وبذلك يُعْرف أن قوله السابق: (لم أر للوباء أنفع من البنفسج) لم يُرِد به الطاعون؛ لأنَّ الوباء غير الطاعون، كما تَقدّم الفرق بينهما، ويحتمل أنه أراد الطاعون، والمراد: الذي نَصَل صاحبه وقام واحتاج إلى علاجه، فَيدّهِنُ به كما يستعمل الناس الآن في علاجه الدهان بزبد اللبن البقري ودهن اللوز. وظن طائفةٌ من الناس أنَّ مراد الإمام: أنَّ الادهان بدُهن البنفسج يمنع الطاعون من أصله، وليس كما ظنوه، والله أعلم. ثم في سنة تسع وأربعين ومئتين بالعراق. ثم في سنة ثمان ومئتين بأذربيجان وبرذعة، فمات لمحمد بن أبي الساج ثمانون ولدًا. ذكره صاحب "المرآة".
والله أعلم. ثم في سنة تسع وأربعين ومئتين بالعراق. ثم في سنة ثمان ومئتين بأذربيجان وبرذعة، فمات لمحمد بن أبي الساج ثمانون ولدًا. ذكره صاحب "المرآة".
ثم في سنة تسع وتسعين ومئتين بأرض فارس. ثم في سنة إحدى وثلاث مئة ببغداد. ثم في سنة أربع وعشرين وثلاث مئة بأصبهان. ثم في سنة ست وأربعين وثلاث مئة بالعراق، وكثر فيه موت الفَجأة، حتى إن القاضي لبس ثيابه ليخرج إلى الحُكْم، فمات وهو يلبس إحدى خفيه.
تَذنيبٌ رأيت في كتاب "نِشْوار المحاضرة" للتنوخي أن موت الفجأة وقع للناس في كل حال، منهم من مات وهو يُصلي، ومنهم من مات وهو يأكل، ومنهم من مات وهو يمشي، ومنهم من مات بالجامع، ومنهم من مات في الحمام. وفي جميع الأحوال إلَّا حالة واحدة وهي الخطبة، فلم يُنقل قط أن خطيبًا مات فجأة على منبر. ثم وقع في سنة أربع مئة بالبصرة. ثم وقع في سنة ثلاث وعشرين وأربع مئة طاعونٌ عظيمٌ ببلاد الهند والعجم، وبلاد الجبل وامتد إلى بغداد، وَفَنِيَ الناس، ولم يشاهدوا مثله، ومات بالموصل في هذه السنة أربعة آلاف صبي بالجدري. ثم وقع بشيراز سنة خمس وعشرين وأربع مئة، ووصل إلى البصرة وبغداد. ثم في سنة تسع وثلاثين وأربع مئة بالموصل والجزيرة وبغداد، بحيث صَلّى الجمعة بالبصرة أربع مئة نفس، وكانوا أكثر من أربع مئة ألف. ثم وقع سنة ثمان وأربعين بمصر والشام وبغداد. ثم وقع بالعجم سنة تسع وأربعين. ثم وقع بمصر سنة خمس وخمسين وأربع مئة، ودام فيها عشرة أشهر. ثم بدمشق سنة تسع وستين، وكان أهلها نحو خمس مئة ألف، فلم يبق منهم سوى ثلاثة آلاف وخمس مئة.
ثم وقع في سنة ثمان وسبعين وأربع مئة بالعراق. ثم في سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة بالحجاز واليمن. ثم في سنة خمس وسبعين وخمس مئة ببغداد. ثم في سنة تسع وأربعين وسبع مئة لم يُعهد نظيره في الدنيا؛ فإنه طَبّق الأرض شرقًا وغربًا، ودخل البلاد كلها حتى دخل مكة المشرفة، ووقع في الحيوانات أيضًا، وعمل فيه ابن الوردي مقامةً مشهورة. وقلت في ذلك: فِي عَامِ تِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَا ... مِنْ بَعْدِ سَبْعِ مِئَةٍ سِنِينَا قَدْ دَهَمَ الْخَلائِقَ الطَّاعُوْنُ ... وَمَا أَرَادَ رَبُّنَا يَكُونُ طَبَّقَ الأَرْضَ مَشْرِقًا وَمَغْرِبًا ... أَوْسَعَ طَعْنًا فِي الْوَرَى وَمَضْرِبَا أَهَلَّ نِصْفَ النَّاسِ بَلْ وَأَكْثَرَا ... وَأَدْخَلَ الْفَنَاءَ فِي أُمِّ الْقُرَى فِيْ الْحَيَوَانِ قَدْ بَدَا تَأْثِيرُهُ ... لَمْ يُرَ فِي الدُّنْيَا أَخُو نَظِيرُهُ فِيهِ مَقَامَة عَنِ ابْنِ الْوَرْدِي ... خُذْ هَذِهِ عَنِ السِّيُوطِي الْفَرْدِ نَاظِمُهُ مُحَمَّدُ الْبَرْزَنْجِي ... يَرْجُو النَّجَاةَ وَالإِلهُ الْمُنْجِي وقال ابن أبي حَجَلة: مات فيه على جهة التقريب نصف العالم أو أكثر، وبلغ الموت في القاهرة كل يوم زيادةً على عشرين ألفًا. ثم وقع في سنة أربع وستين وسبع مئة بالقاهرة ودمشق. ثم في سنة إحدى وسبعين بدمشق. ثم في سنة إحدى وثمانين بالقاهرة. ثم في سنة إحدى وتسعين. ثم في سنة ثلاث عشرة وثمان مئة. ثم في سنة تسع عشرة.
قاهرة ودمشق. ثم في سنة إحدى وسبعين بدمشق. ثم في سنة إحدى وثمانين بالقاهرة. ثم في سنة إحدى وتسعين. ثم في سنة ثلاث عشرة وثمان مئة. ثم في سنة تسع عشرة.
ثم في سنة إحدى وعشرين. ثم في التي تليها. ثم في سنة ثلاث وثلاثين وثمان مئة، وهو أوسع هذه الطواعين كلها. ولم يقع بمصر بعد الطاعون العام الذي كان في سنة تسع وأربعين وسبع مئة نظير هذا. ثم وقع في سنة إحدى وأربعين بمصر، وكان خفيفًا وأكثر ما بلغ في اليوم ألف نفس. ثم وقع في سنة تسع وأربعين في ذي الحجة، ودام إلى ربيع الأول سنة خمسين. ثم في سنة ثلاث وخمسين، وبلغ في كل يوم خمسة آلاف. ثم في سنة أربع وستين بمصر والشام. ثم في سنة ثلاث وسبعين بهما. ثم في سنة إحدى وثمانين وثمان مئة. ثم بالروم سنة ست وتسعين وثمان مئة، ودخل حلب في افتتاح سنة سبع وتسعين. ثم وصل إلى مصر في شهر ربيع الآخر منها، أحسن الله ختامها في خير. هذا كلام الحافظ السيوطي ﵀. وقد وقع بعده أيضًا طواعين كثيرة يطول ذكرها. ومنها: استباحة مكة: عن الحسين بن علي ﵄ أنه حين خرج إلى الكوفة فنصحوه في الخروج قال: إن أبي حدثني أنه تُستحل حرمتها، ولأن أُقتل خارجها بشبر أحب إلي من أن أُقتل داخلها ... الحديث. وهذه وقعت في زمن يزيد كما مر، وفي زمن عبد الملك حين أرسل الحجاج، وقتل ابن الزبير ﵁، وهدم البيت، وفي زمن أبي طاهر القَرمطي كما مر أيضًا.
ووقع بعد ذلك مرات قُتِلُوا بها جماعة من الأشراف من بني حسن، وسيقع قبيل خروج المهدي. وآخر من يَستبيحُها ذو السَّويقتين من الحبشة؛ فإنه يبيحها ويهدم البيت حجرًا حجرًا. وهذان سيأتيان في الباب الثالث إن شاء الله تعالى. ومن راجع التواريخ؛ كتاريخ مصر، والشام، وبغداد، وغيرها، ولاسيما تاريخ بغداد لابن الجوزي المسمى بـ"المنتظم" وجد من ذلك شيئًا كثيرًا لا يُعد ولا يُحصى، فلنكتف من هذا القسم بهذا المقدار؛ فإنما المقصود التنبيه على وقوعه لا التحذير منه؛ فإنه قد فات، وإنما الحذر مما يأتي، وبالله التوفيق، والحمد لله رب العالمين.
ن هذا القسم بهذا المقدار؛ فإنما المقصود التنبيه على وقوعه لا التحذير منه؛ فإنه قد فات، وإنما الحذر مما يأتي، وبالله التوفيق، والحمد لله رب العالمين.
خَاتمَة الفتن الواقعة بين الصحابة رضوان الله عليهم، الحَقُّ في كلها مع أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه، وأنه المُصيب (١) دائمًا وغيره المُخطئُ؛ لقوله ﷺ: "عَليٌّ مع القرآن والقرآن معه"، وقوله: "عَليٌّ يدور مع الحق حيث دار"، وقوله: "يا عَلي؛ تُقَاتِل على تأويل القرآن كما قَاتلتُ أنا على تنزيله". وقوله للزبير ﵁: "تُقَاتله وأنت له ظالم"، وقوله: "ما خُيِّر عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما"، وقوله: "عمار تقتله الفئة الباغية". وعمار كان معه، وقتل في صفين؛ قتله أصحاب معاوية ﵁. ولقول حذيفة ﵁ حين قال: سيكون قتال بين المسلمين. فسئل مع من نكون؟ فقال: انظروا إلى الفئة التي تدعو إلى أمر عليِّ، فكونوا معها، فإنها على الحق. وغير ذلك من الأحاديث.
وحينئذ فنقول: أما طلحة، والزبير، وعائشة ﵃ فهم مُجتهدون قطعًا؛ لأنهم لم يطمعوا في الخلافة، ولم يكونوا جَاهلين بفضل أمير المؤمنين عليّ ﵁ وعلمه وقرابته وسابقته، وإنما حملهم على ذلك طلب دم عثمان ﵁ لِمَا أَدّى إليه اجتهادهم من وجوب قتلهم على الإمام، وكان أمير المؤمنين عليّ ﵁ ينتظر مُحاكمة الورثة إليه، وإقامة البينة على القاتل. وقد كان طلحة والزبير ﵄ من أهل بدر، وقد قال ﷺ لعمر في قصة حاطب بن أبي بلتعة ﵁: "وما يُدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟ ! ". وقال لغلام حاطب حين شكاه إليه: يا رسول الله؛ إن حاطبًا يدخل النار، قال: "كذبت، لا يدخل النار؛ إنه شهد بدرًا والحديبية"، ولأنهما من العشرة المبشرين بالجنة، وبشارته ﷺ حق، ولأنهما رجعا عن الخروج وتابا. أما الزبير ﵁: فحين ذَكّره عَليٌّ ﵁ بالحديث ترك القتال، وخرج من العسكرين. وأما طلحة ﵁: فبعدما جُرح وأُثْخِنَ، مرَّ به رَجلٌ من أصحاب علي ﵁ فسأله: ممن أنت؟ قال: من أصحاب علي. قال: مُدَّ يدك أبايعك عن علي. فلما سمع علي ﵁ ذلك قال: صدق رسول الله ﷺ؛ أبى الله أن يَدخُل طلحة الجنة إلَّا وبيعتي في عنقه. كما تقدم.
ل: من أصحاب علي. قال: مُدَّ يدك أبايعك عن علي. فلما سمع علي ﵁ ذلك قال: صدق رسول الله ﷺ؛ أبى الله أن يَدخُل طلحة الجنة إلَّا وبيعتي في عنقه. كما تقدم. وقال: أرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من الذين قال الله فيهم: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. وَأكرم ابن طلحة، وَردّ عليه جميع ماله. وأما عائشة ﵂: فإنها زوج النبي ﷺ في الدنيا والآخرة؛ كما ثبت في "الصحيح"، ولأنها أرادت الرجوع من الطريق حين سمعت كلاب حوأب نبحتها، وتذكرت الحديث. فقالوا: بل تَقدّمين، لعل الله أن يُصلح بك ذات بين المسلمين، فما قصدت إلَّا الصُّلح لا الفساد. وإنما قَتلةُ عثمان ﵁ أنشبوا الحرب خِيفةً على أنفسهم،
ولأنها أُمُّ المؤمنين وَحَبيبةُ رسول الله ﷺ، فكلهم مأجورون، إلا أن عليا له أجران؛ أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة، وغيره له أجر الاجتهاد فقط. وأما معاوية ﵁: فهو وإن كان باغيًا لم يدخل في البيعة، بل كان طالبًا للمُلك، وإنما جعل طلب الدم وسيلة إلى طاعة أهل الشام له، وقد ظهر له بغيه بقتل عمار بن ياسر (١) ﵁، فأخبروه بأن النبي ﷺ قال لعمار: "إنما تقتلك الفئة الباغية" (٢)، ولأنه لما تَولّى بعد نزول الحسن ﵁ عن الخلافة لم يَقتُل (٣) أحدًا بدم عثمان ﵁ ولا طالبه، ولم يكن له سابقة ولا هجرة على الأصح، فإنه من مُسلِمَةُ الفتح. وقد قال عمر ﵁: إن هذا الأمر في أهل بدر والمهاجرين الأولين ما بقي منهم أحد، وليس لطَليقٍ ولا لمُسلمة الفتح فيه نصيب. لكنه لكونه صِهرًا لرسول الله ﷺ، وكاتبًا للوحي، وله صحبة، وقد قال ﷺ: "إذا ذُكِر أصحابي فأمسكوا"، وقال: "الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضًا بعدي. . ." الحديث ينبغي الإمساكُ عن ذكره إلا بخير، على أنه ﷺ قد أخبره بأنه يتَولّى وقال: "يا معاوية؛ إذا وُليتَ فأحسن"، ودعا له فقال: "اللهم؛ اجعله هاديًا مهديًا، واهد به". وقال أمير المؤمنين عَليٌّ ﵁: لا تكرهوا إمرة معاوية، والله لو فقدتموه لرأيتم الرؤوس تنزل عن كواهلها كالحنظل. وأما الحَرُورية: فلا حاجة إلى الاعتذار عنهم بعدما قال ﷺ: "يمرقون من الدِّين مروق السهم من الرمية"، ونحوه من الأحاديث.



