الإبانة عن أصول الديانة

Kitab aqidah Ahlussunnah wal Jama'ah karya أبو الحسن الأشعري (w. 324 H). Tahqiq: العصيمي.

Bagian 2 dari 7 674 halaman

— Bagian 2 · لكتاب عن طريق أستاذ من أساتذته. وهذه أدلة قوية، … —

Bagian 2

لكتاب عن طريق أستاذ من أساتذته. وهذه أدلة قوية، عن مَدَى القيمة العلمية التي استحقَّها هذا الكتاب. وهو من الكتب القيمة التي يُنْصَح بشرحها وتوزيعها.

المبحث السابع نقد الكتاب لا تخلو كتب البشر مهما بلغوا من نقص فالكمال ليس لهم، وإنما لكتاب الله ﷿ ولسنة رسوله ﷺ الصحيحة الثابتة عنه، وليس معنى الإقدام على نقد كتاب لأحد من العلماء يعد تقليلاً من قدره، أو تنقيصاً لمكانته أو قدر كتابه، بل، ولا يدل هذا على أن الناقد أعلى منه وأرفع، بل قد يكون ما يراه الناقد خطأً هو الصواب، لأن هذه لا تعدو أن تكون ملاحظات يجتهد فيها الإنسان وتختلف فيها الأفهام، وإن من أعظم مزايا أهل السنة والجماعة أنهم لا يرون العصمة لأحد سوى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ولذا كان من منهجهم عرض الأقوال على الكتاب والسنة، وما كان من صواب قبلوه، وما كان من خطأ ردوه وأوضحوا الحق وبينوه، وبذلوا الجهد والغاية في الاعتذار للمخطئ متى ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، من غير تكلف، بل هم من أسس منهج الجرح والتعديل، وطالما أكدوا على قاعدتي العدل والورع، وإذا انخرمت هذه القاعدة نتج عنها فساد عريض من الجهل والظلم، وعندما أذكر بعض الملاحظات على هذا الكتاب فهي لا تعدو أن تكون ملاحظات يسيرة بالنسبة لتلك الحسنات العظيمة التي بذلها في كتابه هذا، ولعل أبرز

الملاحظات التي سأذكرها (¬١)، وهي كالآتي: ١ - لم يكن الإمام ﵀ صريحاً في قضايا إثبات بعض الصفات. فهو مثلاً عندما يثبت صفة النزول والمجيء، أو صفة الكلام، فإنه يورد هذه الصفات ويستدل بها، ولكنه لا يصرح التصريح الذي يزيل اللبس، خاصة عند من قرأ كُتبه السابقة، مع أنه في هذا الكتاب من المثبتة، ولكن الخلفية السابقة عنه قد تدفع بعض نفاة الصفات على حملها على أفهامهم بناءً على ما أسسه في كتبه السابقة على هذا الكتاب، كذلك قد نَدْفَعُ بعض المثبتة على مثل هذا، فيظن به التأويل والتعطيل. ٢ - استعماله لبعض الألفاظ التي قد تحتمل معنىً غير مقصده بل قد يفسرها البعض على حسب فهمه. فمثلاً: في مسألة الصورة قال: وليست له صورة تقال. وهذا لفظ مبهم، فيحمله المثبت على نفي الكيفية، ويحملها المعطل على نفي الصفة، كذلك قوله: (إذا لم يجز أن يكون لم يزل بخلاف العلم موصوفاً، استحال أن يكن لم يزل بخلاف الكلام موصوفاً)، فإثباته لصفة الكلام كإثباته لصفة العلم.

قد يفهم منه أن الكلام أزلي كالعلم. فهذا الكلام حَمَّالُ أوجه، فقد يفهم منه من جعله من المثبتة أنه يحتج على المعتزلة بحجة عقلية فيما سبق، وهي: أنه طالما أثبت صفة العلم، فعليكم أن تثبتوا صفة الكلام، ولا يقصدُ من خلاله أن الصفتين سواء بسواء، كما قد يحمله من لا يراه من المثبتة أنه يقصد أن صفة الكلام قديمة كصفة العلم، وبأن الله غير متكلم متى شاء. فهذا الكلام الموهم منه ﵀ تكرر في غير موطن في كتابه الإبانة. ٣ - كما أن من الملاحظات أنه نفى صفة السكوت عن الله ﷿ مع ثبوتها حيث قال ﵀ في معرض كلام عن الكلام: ( … لأن خلاف الكلام الذي لا يكون كلام إنما سكوت أو آفة) وصفة السكوت ثابت لله ﷿. كما صح في السنة النبوية الصحيحة؛ بل هي محل إجماع (¬١). وهذه قد تحمل على نفيه السكوت الدائم رداً على من نفوا أنه ـ عزل وجل ـ متكلم، وقد تحمل على المعنى المخالف لإجماع أهل السُنة، وهو نفي صفة السكوت، فعبارته حمّالة أوجه. ٤ - لم يسلك الإمام الأشعري في كتابه هذا ما سلكه علماء

متكلم، وقد تحمل على المعنى المخالف لإجماع أهل السُنة، وهو نفي صفة السكوت، فعبارته حمّالة أوجه. ٤ - لم يسلك الإمام الأشعري في كتابه هذا ما سلكه علماء

عصره. من إيراد الأحاديث بالأسانيد، فلا تجد له في هذا الكتاب حديثاً مسنداً، وهذا مخالف لما سلكه مصنفو زمانه، وقد يعزى هذا؛ لأنه عاش مع المعتزلة غالب حياته، مما حرمه من الاستفادة من علماء الحديث. فخلى كتابه هذا وكتبه الأخرى المتداولة بيننا من هذه المزية. ٥ - اعتمد الأشعري في كتابه هذا على الأحاديث والآثار، وبعضها مصادرها ضعيفة، مع أن أصلها في الصحيحين، وإنك لتعجب من عدم نقله أو عزوه للصحيحين مع أن الأمة تلقتهما بالقبول في زمنه، بل إن الإمام مسلم ﵀ قد مات وعمر الأشعري سنة، وكتابه مع كتاب البخاري قد تلقاهما الناس بالقبول فلم ينقل منهما، وكان غالب نقله من كتب غير معروفة، بل لم ينقل من الكتب المعروفة إلا من كتابي الموطأ ومصنف بن أبي شيبة، أما الكتب الستة ومسند الإمام أحمد فلم ينقل منهما قط - مع توافرهما في زمنه، وإن كان غالب الأحاديث التي أوردها في كتابه هذا موجودة أصولها في هذه الكتب كما سبق أن بينت. ولعل في ذلك كالعلة التي قبلها، بأن ذلك عائد لعدم اتصاله بأهل الحديث، وعدم معرفته بدواوينه. ولعل هذه أبرز الملاحظات التي وجدتها،

وهي كما ذكرت ملاحظات لم تأخذ حيزاً مقارنة بحسنات الكتاب العظيمة. فقد غمرت هذه الملاحظات في بحر الحسنات.

الفصل الثالث أثر الإبانة على الأشاعرة وفيه مبحثان: المبحث الأول: من لم تؤثر عليهم الإبانة. المبحث الثاني: من أثرت فيهم الإبانة.

الفصل الثالث أثر الإبانة على الأشاعرة إن من الأمور المهمة، معرفة موقف الأشاعرة من الإبانة، ومدى تأثيره عليهم، ومدى الصِّلة بين الأشعري والأشاعرة الذين انتسبوا إليه، وبيان صدق هذه النسبة من زيفها. لأن مواقفهم من هذا الكتاب مختلفة ومتباينة وسوف أورد بعض هذه المواقف حتى يتم التوصل إلى نتيجة، وهي مدى تأثير كتاب الإبانة عليهم، من خلال ذكر بعض مواقفهم من الكتاب من خلال المباحث الآتية:

اينة وسوف أورد بعض هذه المواقف حتى يتم التوصل إلى نتيجة، وهي مدى تأثير كتاب الإبانة عليهم، من خلال ذكر بعض مواقفهم من الكتاب من خلال المباحث الآتية:

المبحث الأول: من لم تؤثر عليهم الإبانة. المطلب الأول: هناك من أنكر نسبة الإبانة للأشعري. ومثل هذا لا يشك في أنه لن يكون للكتاب أي أثر عليه. أ- ما ذكره ابن درباس في كتابه رسالة الذب عن أبي الحسن الأشعري: - أن كتاب الإبانة قد عُرض على عظيم من عظماء الجهمية، المنتمين افتراءً إلى أبي الحسن الأشعري ـ ببيت المقدس ـ فأنكرها وجحده وقال: ما سمعنا به قط ولا هي من تصنيفه، واجتهد آخر في إعمال رؤيته ليزيل الشبهة بفطنته، فقال بعد تحريك لحيته «لعله ألفها لما كان حشوياً»، فما دريت من أي أمريه أعجب؟ أمن جهله بالكتاب مع شهرته وكثرة من ذكره في التصانيف من العلماء؟ أم من جهله بحال شيخه الذي يفتري عليه بانتمائه إليه واشتهاره قبل توبته بالاعتزال بين الأمة عالمها وجاهلها (¬١). فهذا أنكر كتاب الإبانة، أو على الأقل أنكر أن يكون آخر أطواره، ومن ثم فلن يكون للكتاب تأثيرٌ عليه. ب- وهناك من الأشاعرة من أنكر بعض ما جاء في الإبانة بحجة أن فيها إضافات ليست من قول الإمام الأشعري. وهذه الإضافات هي نسبة القول بخلق القرآن للإمام أبي حنيفة، ومن هؤلاء مثلاً عناية علي حيدر

الأبادي (¬١) وبين بأن في إيراد هذا القول ونسبته للإمام أبي حنيفة كافياً لرد هذه الزيادات واستدل على قوله بما يلي:

الشبهة الأولى: أن العلماء الأحناف مُتَّفِقُون على عدم خلق القرآن وعلى تكفير القائمين بخلقه (¬٢). قلت: ولا شك بأن هذا هو المعروف عن الأئمة الأحناف والمشهور عنهم، وقد تتابع العلماء على نقل ذلك عنهم. فمثلاً: الإمام الطحاوي ﵀ أثبت في عقيدته بأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق ككلام البرية (¬٣). وهو من أئمة الأحناف، كذلك قال أبو يوسف (¬٤). حيث قال: من قال: القرآن مخلوق ففرض منابذته (¬٥)، كذلك نقل هذا القول عن محمد بن

الحسن (¬١)، حيث قال: القرآن كلام الله، وليس من الله شيء مخلوق، وروي عنه أنه قال: من قال أن القرآن مخلوق فلا تُصَلُّوا خَلْفَه (¬٢)، وأقوال علماء الأحناف ـ ولله الحمد ـ لا تختلف عن بقية علماء أهل السنة. ولا يعني إيراده آثار ضعيفة أنه يؤيدها بل قد يكون مقصده التنبيه إليها كى لا يعتمد عليها أحد، وهذا مسلك معروف عند أهل العلم عندما يوردون الروايات بأسانيد ضعيفة.

الشبهة الثانية: أن الإمام البيهقي في كتابه (الأسماء والصفات) أورد آثاراً يبين من خلالها أن الإمام أبا حنيفة ما كان يقول بخلق القرآن، حيث قال: بأن أبا يوسف سئل أكان أبو حنيفة يقول: القرآن مخلوق؟ قال: معاذ الله، ولا أنا أقوله فقلت: أكان يرى رأي جهم؟ قال: لا. ولا أنا أقوله (¬٣). كذلك أورد قول أبي يوسف: كلمت أبا حنيفة سنة في أن

ل: القرآن مخلوق؟ قال: معاذ الله، ولا أنا أقوله فقلت: أكان يرى رأي جهم؟ قال: لا. ولا أنا أقوله (¬٣). كذلك أورد قول أبي يوسف: كلمت أبا حنيفة سنة في أن

القرآن مخلوق أم لا، فاتفق رأيه ورأي على أن من قال: أن القرآن مخلوق فهو كافر (¬١) فقال الحيدري بعد ذلك: يثبت من هذه الروايات للبيهقي أمران: الأمر الأول: أن تلك الروايات تدل بألفاظها وعباراتها على أن هذه العقيدة القبيحة ما خطرت في قلب الإمام ولا في قلوب أصحابه. الأمر الثاني: أننا إذا صرفنا النظر عن تلك الدلالة للروايات ورفعناها من البين فوقوعه في ذلك المقام يؤيد المقصد تأييداً بليغاً. بيانه: أن تلك الروايات في باب هو موضوع لسرد الروايات عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في كون القرآن غير مخلوق ـ لأن مقصود البيهقي إثبات المطلب والاحتجاج على المقصد الذي هو عدم كون القرآن مخلوقاً ـ لأن من روى عنه البيهقي في هذا الباب يكون من أئمة المسلمين ومحال أن يكون الكافر من أئمة المسلمين ـ فإن كان أبو حنيفة قائلاً بهذا القول يقتضي كفره ـ، ولكن هذه الروايات تنفي نسبة هذه العقيدة القبيحة إلى الإمام.

محال أن يكون الكافر من أئمة المسلمين ـ فإن كان أبو حنيفة قائلاً بهذا القول يقتضي كفره ـ، ولكن هذه الروايات تنفي نسبة هذه العقيدة القبيحة إلى الإمام.

الشبهة الثالثة: قال الحيدري: دلت هذه الروايات ـ روايات البيهقي ـ أن روايات الإبانة واهية، بل موضوعة مختلقة ؛ لأمور: أ ـ أن الإمام أبا حنيفة لم يكن معتقداً بخلق القرآن في زمن من الأزمان، لأن أبا يوسف عندما سُئل: أكان أبو حنيفة يقول القرآن مخلوق؟ قال: معاذ الله (¬١). ب ـ أما الرواية الأخرى التي أوردها البيهقي بأنه كلم أبا حنيفة سنة في هل القرآن مخلوق، فاتفق الرأيان على أن من يقول بأنه مخلوق كافر (¬٢). فليس فيها دلالة أن الإمام قائل بخلق القرآن قبل المباحثة كما يظهر من روايات الإبانة ثم رجع عنه، بل لعل الظاهر بأن القصد من هذا البحث من أجل أن يصير الأمر محكماً. جـ ـ البيهقي هو إمام المحدثين وكتابه الأسماء والصفات خزانة للروايات المسندة، والأشعري هو إمام أهل السنة في الكلام وكتابه هذا مخزن للاستدلالات الكلامية، ومن المسلمات أن يُتَبع كل قائل في الفن الذي غلب عليه، فكيف يُرجح ما نقله الأشعري من مرويات دون أن يوثق رواته أو يوثقهم غيره ويقدم على ما رواه البيهقي بسنده وَوَثَّقَ رواته!!

قائل في الفن الذي غلب عليه، فكيف يُرجح ما نقله الأشعري من مرويات دون أن يوثق رواته أو يوثقهم غيره ويقدم على ما رواه البيهقي بسنده وَوَثَّقَ رواته!!

د ـ إن عدم إيراد البيهقي لروايات الإبانة دليلٌ على كونها موضوعة؛ لأن هذا موضعها في هذا الكتاب لو صحت، وإغفاله عنها دليلٌ على عدم صحتها. هـ ـ البيهقي، احتج بأقوال الإمام وأصحابه في عدم خلق القرآن، واحتج الأشعري بمن أنكر على الإمام عقيدة الخلق، فالإمام أبو حنيفة ممدوح في كتاب البيهقي ومُحْتَجٌ به، أمّا في كتاب الأشعري الإبانة، فإنه مذموم غير محتج به، بل مُنكرٌ عليه، فهذان الصَّنِيْعَانِ للبيهقي والأشعري متضادان متدافعان، فتكون روايات البيهقي دافعة لروايات الأشعري. و ـ البيهقي قال في آخر كتابه: وقد تركت من الأحاديث التي رُوِيَت في أمثال ما أوردته ما دخل معناه فيما نقلته، أو وجدته بإسناد ضعيف لا يثبت مثله خشية التطويل (¬١). وهذه الروايات التي تركها لا يمكن أن يكون تركها لدخول معناها في روايات أخرى، إنما تركها لشدة الضعف في إسنادها بحيث لا يثبت بمثل هذا الضعف شيء. ز ـ رواية محمد بن الحسن (¬٢) تُوهِنُ هذه الروايات وتجعلها مخدوشة

وتقوي كونها مفتراة على الإمام أبي حنيفة وتجعلها مَقْدُوحة، وذلك بوجهين: الوجه الأول: أن هذه الروايات ليست في الإبانة، أي الروايات المنقولة عن محمد بن الحسن ـ مع أن العادة أنه يُذكر في معرض الاحتجاج وموضع الاستدلال غالب أقوال العلماء الذي يتقاربون ويتماثلون في العلم، ومع ذلك أهملت روايته مع أنه أبلغ في تشنيع القائلين بخلق القرآن مبلغاً عظيماً، وهناك احتمال أن تكون هذه الروايات في الكتاب ـ الإبانة ـ ولكنها أخرجت وألحقت هذه الروايات ـ عن أبي حنيفة ـ بدلاً منها لكونها قادحة فيه. الوجه الثاني: أن أَمْرَ الإمام محمد بن الحسن الناس بالتشنيع على من يقول بخلق القرآن ـ ولو فرضنا أن الإمام أبا حنيفة قال هذا القول، فكيف تتلمذ محمد بن الحسن عليه، بل واقتدى اقتداءً كلياً بمن قال أن القرآن مخلوق (¬١). ومناقشة هذه الشُبَة من وجوه: أولاً: ليس محل النزاع اعتبار الإمام البيهقي من خزانات السنة النبوية أو عدم اعتباره، فهذا أمر لا يختلف عليه، وليس محل النزاع، وإنما محل النزاع هو. هل هناك من دَسَّ في الإبانة ما ليس فيها ونسب للإمام الأشعري ما لم يقله أم لا؟ وهي روايات أن الإمام أبا حنيفة كان يقول

ل النزاع، وإنما محل النزاع هو. هل هناك من دَسَّ في الإبانة ما ليس فيها ونسب للإمام الأشعري ما لم يقله أم لا؟ وهي روايات أن الإمام أبا حنيفة كان يقول

بخلق القرآن، فأراد عناية الله الحيدري التشكيك في الإبانة لهذا السبب، مع أنه قد أوجد تبريرات تجعل ما أورده الأشعري بالإبانة مقبولاً وليس قادحاً في كلا الإمامين، وهي توجيهات واحتمالات مقبولة، وسوف أورد ما أورده صاحب الضميمة كرد مقنع يرد به بنفسه على نفسه مما يلغي تشكيكه حيث جعل أن هناك احتمالات تجعل قبول هذا الكلام الذي أورده الإمام الأشعري في الإبانة مقبولاً دون القدح في الإبانة بعلل واهية سلكها هو بنفسه حيث ذكر عللاً منها: ١ ـ إذا وردت الروايات الكثيرة لإثبات مقصد، لا يلزم منه صحة كل واحد من تلك الروايات، وعدم كونها مقدوحة مخدوشة، لاسيما إذا لم يكن الكتاب كتاب رواية يبحث فيه عن نفس الروايات، فمن أين يثبت أن تكون رواية خلق القرآن المنسوبة إلى الإمام ـ أبي حنيفة ـ المصدرة بلفظ ذكر صحيحه؟ وبعدم تسليمها يَخْتَلُّ ما هو بصدد إثباته. ٢ ـ ليس في الإبانة لفظ يثبت منه أن هذه الرواية صحيحة عند الأشعري، ولا سياق يتحقق منه أنه ألزم نفسه أن يكون كل ما يورده من الروايات صحيحاً لا مجال فيه للقدح، بل هو بصدد أن يثبت منه مقصده، ويؤيد به نوع تأييد للباب السابق، ويجعل هذا الباب مُتَمِّماً لذلك الباب وَمُكَمِّلاً له. ٣ ـ سوق الأشعري لتلك الرواية وذكرها ليس لبيان مذهب الإمام أبي حنيفة، بل لإظهار إنكار أمرٍ وقع على مذهب لإمام من الأئمة

ً لذلك الباب وَمُكَمِّلاً له. ٣ ـ سوق الأشعري لتلك الرواية وذكرها ليس لبيان مذهب الإمام أبي حنيفة، بل لإظهار إنكار أمرٍ وقع على مذهب لإمام من الأئمة

المعاصرين له، وللتنبيه بأن أولئك المنكرون كانوا من أشد الرادين على القائلين بهذا القول المنكر. ٤ ـ يظهر أن الأشعري ليس في صدد إثبات نسبة هذه العقيدة إلى الإمام أبي حنيفة ولا أنه ثابت عنده ـ إنه يقول بخلق القرآن ـ، بل يحتمل أن يكون نسبة هذا القول إلى الإمام أبي حنيفة غير ثابت عنده من مقتضى تلك الروايات نفسها أو من أمور أخرى، ولكنه ذكرها مضمومة ملحوظة مع الرواية الأخرى، لكونها مثبتة للطلب بصورتها الإنكارية المقتضية لإثبات عدم خلق القرآن، فإدراجها في روايات أخرى إنما هو لكونها على تلك الصورة وكل هذه أمور نفسية للروايات تُوهِنُ الروايات وتجعلها ساقطة من الاعتبار لا يمكن أن تنسب معها هذه العقيدة إلى الإمام. ٥ ـ أما الأمور التي هي خارجة من الرواية تقلع بنيانها وتجعلها خاوية على عروشها. فمن جملتها أن الأشعري ذكر الأئمة الثلاثة أحمد والشافعي ومالك، والإمام ابن المبارك فيمن يقولون بعدم خلق القرآن ويكفرون القائل بخلقه، وقال بعده: ولم نجد أحداً ممن تحمل عنه الآثار، وتنقل عنه الأخبار ويأثم به المؤتَمُّون من أهل العلم، يقول بخلق القرآن، وإنما قال ذلك رعاع الناس (¬١) وجهال من جهالهم لا موقع لهم (¬٢).

ل عنه الآثار، وتنقل عنه الأخبار ويأثم به المؤتَمُّون من أهل العلم، يقول بخلق القرآن، وإنما قال ذلك رعاع الناس (¬١) وجهال من جهالهم لا موقع لهم (¬٢).

والأئمة المذكورون كلهم يبالغون في منقبة الإمام ومدحه، وهذا يفضي إلى كفر الأئمة المذكورين، حيث بالغوا في مدح مثل هذا الرجل، كأنهم رضوا بعقيدته أعاذنا الله من هذا القول فيهم، ولكن الأشعري إما أنه لم يقف على مدحهم للإمام أو أنه وقف، ولكنه لم يقدر أن يفهم من ذلك المدح أنه ينفي نسبة هذه الأمور إلى الإمام ويوضح كون أمثال هذه الروايات كذباً مختلقاً وأن في نسبة هذا الأمر إلى الإمام يقع مادحوه في ورطة عظيمة لا ينجون منها (¬١). الوجه الثاني: فليت الشيخ عناية الله الحيدري اكتفى بهذا الكلام الطيب، خاصة أن من يرون بالأسانيد قد يوردوا روايات ليست ثابتة عندهم، ولكن من باب الإشارة أن هذه الروايات وصلت إليهم وهم على علم بها، وإنما يوردونها من باب التحذير. أو جعل العهدة على القارئ، لدراسة أسانيدها خاصة إذا لم يلتزم المحدث بالأ يورد في كتابه إلا الصحيح، وإيراد الإمام الأشعري لهذه الروايات ليست دليلاً أنها ثابتة عنده، وهذا يقتضي ألا تكون قادحة في صحة نسبة كتابه إليه، ولو سلكنا هذا المسلك لنُسفت العشرات من دواوين الإسلام، فليس من المنطق أن أي كتاب يقدح في الأحناف موضوع، أو مشكوك فيه أو أقحم في الكتاب من غير علم صاحبه، فهل سيلغى عناية الله بعض كتب السنة والتاريخ

لوجود أحاديث موضوعة أو ضعيفة فيها؟ هذا ليس مقبولاً إنما المقبول أن يكتفى بالحكم على تلك الروايات، مع عدم التشكيك في صحة نسبة الكتاب للمؤلف، وهذا هو المسلك الصحيح وليت الشيخ عناية الله حيدر أبادي سلكه. ثالثاً: ذكر عناية الله الحيدري: بأن عدم إيراد قول محمد بن الحسن ﵀ يشير إلى شيء ما، وكأنه يقصد أن الكتاب فيه تَحَامُلٌ على الأئمة الأحناف ﵏، بل وأعلن بأن هناك احتمالاً أن الأشعري قد أورد قول محمد بن الحسن ولكنه أُخرج من كتابه الإبانة من قبل بعض الآثمين، وكنت أتمنى أنه لم يسلك هذا المسلك لأمور. ١ ـ أن هذا قول بلا دليل ولا برهان، وما أدري من أين جاء بهذا الاحتمال؟! فإذا خلا الكلام من برهانه، فإنه غير مقبول، ولكن مع الأسف هذا منهج غالب المتكلمة إذا خالف كتاب منهجهم وكان المؤلف معتبراً عندهم قدحوا بالكتاب وشككوا به دونما دليل ولا برهان. ٢ ـ ليس غرض الأشعري إيراد جميع نقول العلماء وإلا لَتَحَوَّل الكتاب إلى مجلدات ضخمة، بل أعلن أن هدفه إبانة قول الحق مجملاً. ومع أن الكتاب مختصر إلا أن الإمام الأشعري ﵀ لم يهمل نقل روايات عن بعض الأحناف تفيد في عدم قولهم في خلق القرآن، فمثلاً

ذكر قول عبد الله بن المبارك (¬١) إنَّا نستطيع أن نحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية (¬٢)، فما أدري لماذا لم تخرج هذه الرواية من الإبانة كما أخرجت روايات محمد بن الحسن الشيباني المزعومة؟ بل نقل الأشعري قول أبي يوسف بأنه ناظر أبا حنيفة شهرين حتى رجع عن خلق القرآن (¬٣). فهذا وإن كان في ظاهره القدح في أبي حنيفة إلا أن فيه الثناء على أبي يوسف وهو من أئمة الأحناف. فالمؤلف إذاً ما كان يقصد عداوة الأحناف وهو ينقل عن أئمتهم كفر من قال بخلق القرآن. ٣ ـ الإمام الأشعري ليس ملزماً أن ينقل أقوال الإمام محمد بن الحسن أو غيره، وعدم نقله أقوال الإمام محمد بن الحسن ليس قادحاً لا في الإمام محمد بن الحسن ولا في الإبانة. ٤ ـ الإمام اللالكائي ذكر قول محمد بن الحسن، وذكر قول الإمام أبي حنيفة، وقول أبو يوسف، فهل نُشَكِّك بجزء منه ونثبت جزءاً آخر؟

ن الحسن ولا في الإبانة. ٤ ـ الإمام اللالكائي ذكر قول محمد بن الحسن، وذكر قول الإمام أبي حنيفة، وقول أبو يوسف، فهل نُشَكِّك بجزء منه ونثبت جزءاً آخر؟

رابعاً: احتجاج عناية الله الحيدري بأن ما في الإبانة ليس صحيحاً، وذلك بأن محمد بن الحسن قد شَنَّعَ على من قالوا بخلق القرآن، فكيف تتلمذ على أحد القائلين به؟ قلت: لا شك بأن هذا حجة قوية على عدم صحة نسبة القول بخلق القرآن للإمام أبي حنيفة، وليست حجةً على أن ما في الإبانة حول مسألة نسبة القول بخلق القرآن للإمام أبي حنيفة ﵀ أُقْحِمَ فيها من غير علم صاحبه ولم يتفوه به. وذلك لأن في الإبانة روايات مختلفة، بعضها صحيح وبعضها ضعيف، بل وبعضها بلا إسناد. خامساً: من العجيب أن عناية الله الحيدري قد رفض ما في الإبانة بحجة عدم إيراد البيهقي للآثار التي نسبت للإمام أبي حنيفة القول بخلق القرآن، وكأن الآثار محصورة مصادرها على كتاب الأسماء والصفات للإمام للبيهقي ﵀ بل أظن بأن البيهقي لو أورد هذه الروايات لقدح في كتابه أيضاً، مع أن رواية البيهقي بأن أبا يوسف كلم أبا حنيفة سنة في هل القرآن مخلوق؟ (¬١) توحي بأن هذا كان رأي أبي حنيفة، لكنه اقتنع بقول أبي يوسف ولكن هذه الرواية ليست صحيحة ـ ولله الحمد ـ ومحاولات عناية الله الحيدري بيان أن هذه الرواية ليست قادحة في أبي حنيفة، وإنما المقصود في طول المحاورة هو قوة الاحتجاج من أجل أن

حيحة ـ ولله الحمد ـ ومحاولات عناية الله الحيدري بيان أن هذه الرواية ليست قادحة في أبي حنيفة، وإنما المقصود في طول المحاورة هو قوة الاحتجاج من أجل أن

يصير الأمر محكماً حتى يثبتوا كفر القائل بالخلق بعدما بذلا أقصى جهدهما في تحقيق المسألة (¬١) ليس مقبولاً البتة. وهل تحتاج هذه المسألة التي دل عليها القرآن وذكرها خير الأنام ﷺ وآمن بها الصحابة ومن تبعهم بإحسان كل هذا الجهد. فالرواية لو صحت لكانت دلالة على صحة نسبة القول لأبي حنيفة، لكنها لم تصح ولله الحمد، ولذا كان عليه رفضها من خلال سندها ومتنها لا التكلف بتأويلها. سادساً: لقد حاول عناية الله الحيدري، أن يجعل الصراع والخلاف بين كتابي البيهقي والإبانة وهذا أمر عجيب؛ لأن كلاً منهما يبحث المسألة من خلال المنهج الذي ارتضاه لنفسه، وليس الموضع موضع عرض الروايات بعضها على بعض، فليت الشيخ الحيدري كما سبق أن ذكرت اقتصر في الحكم على الروايات دون الطعن في بعض ما جاء في كتاب الإبانة.

الشبهة الرابعة: احتجَّ الحيدري بأن ما في الإبانة موضوع بقوله: بأن البيهقي روى عن البخاري ﵀ أن القرآن كلام الله وليس بمخلوق عليه أدركنا علماء الحجاز ومكة والمدينة وأهل الكوفة والبصرة وأهل الشام ومصر وعلماء خراسان (¬٢)، فالبخاري بين أن هذه

أقوال العلماء وأهل الأمصار من غير أن يفيد أن جماعة معينة أو فرداً معيناً من تلك الجماعة كان يعتقد أولاً خلق القرآن ثم رجع عنه، فيكون الإمام أبوحنيفة الكوفي ابتداؤه وانتهاؤه على أن القرآن غير مخلوق (¬١). وأيده على هذا القول وهيبي سليمان غاوجي، حيث قال: لو كان الإمام أبو حنيفة قائلاً بخلق القرآن لذكره الإمام البخاري ﵀ (¬٢). قلت: كنت أتمنى ألا يجعلوا محل النزاع على صحة نسبة الإبانة: لمؤلفها سببه ما نسبه الأشعري فيها للإمام أبي حنيفة واحتجاجهم بأن ما في الإبانة موضوع بدليل عدم إيراد البخاري له مردود بأن البخاري ﵀ نسب هذا القول لأبي حنيفة، بل أشنع قول أورده الأشعري في الإبانة. أورده البخاري في كتابه التاريخ الكبير، حيث قال بسنده، بأن سفيان قال: قال لي حماد بن أبي سليمان أبلغ أبا حنيفة المشرك أني بريء منه، قال: وكان يقول: القرآن مخلوق (¬٣). فهل رجعتما عن هذا القول أم ستجعلون هذا قادحاً في كتاب التاريخ الكبير للبخاري ﵀ لأنه مقحم فيه فعلة القدح بالإبانة توفرت في التاريخ الكبير أيضاً فيكون التاريخ الكبير إما مفترى على البخاري، أو أدخلت روايات ليست من قول مؤلفه؟ بل وإليهم ما هو أشد وهو ما صنعه الإمام

أبو بكر بن شيبة صاحب المصنف حيث أورد في مصنفه كتاباً بأكمله يرد فيه على الإمام ويعنونه بقوله: كتاب الرد على أبي حنيفة في ١٢٤ مسألة (¬١) فهل يشك بالمصنف أيضاً أو يقدح بمؤلفه؟! فلا يقول بهذا باحث منصف، وما أظن هذا مسلك المنصفين؛ لأن في هذا تشكيك في دواوين أهل الإسلام. والمفترض أن يتم التعامل مع ما في المؤلفات من الأحاديث والآثار وفق القواعد التي وضعها أئمة الجرح والتعديل لا جعل الهوى والتعصب المذهبي هو الحاكم.

ام. والمفترض أن يتم التعامل مع ما في المؤلفات من الأحاديث والآثار وفق القواعد التي وضعها أئمة الجرح والتعديل لا جعل الهوى والتعصب المذهبي هو الحاكم.

الشبهة الخامسة: ذكر عناية الله الحيدري ثناء العلماء على أبي حنيفة ومنهم الحافظ الذهبي ﵀ (¬٢)، وقال وهبي غاوجي بأن الذهبي قد خص الإمام وصاحبيه بترجمة خاصة، وأثنى عليهم، ولم يذكر نسبة القول الشنيع إليهم (¬٣). والرد على هذه الشبهة بما يلي: ١ - ثناء الإمام الذهبي على الإمام وصاحبيه غير مُسْتَغْرَبٍ، وهم يستحقون ذلك وأكثر، ولكن هذا المدح والثناء من الذهبي على الإمام وصاحبيه ليس مبرراً للقدح في الإبانة.

٢ - الإمام الذهبي ﵀ الذي احتججتم بثنائه على الإمام وصاحبيه ـ ذكر في كتاب العلو قول أبي يوسف: ناظرت أبا حنيفة ستة أشهر فاتفق رأينا على أن من قال: القرآن مخلوق فهو كافر (¬١). فهذا الأثر لو صح لاستدل به الشأن على أبي حنيفة بأنه كان يقول بخلق القرآن، أما المنصف فقد يحمله على أمر آخر، وهو أن أبا حنيفة ما كان يقول بخلق القرآن، وإنما كان الخلاف بينه وبين مخالفيه بماذا يحكم على القائل بالخلق وأما مسالة القرآن، هل هو مخلوق أم مُنَزَّل؟ فما كانت موضع نقاش، وإنما محل النزاع هو الحكم على القائل بالخلق، فهل هذه الرواية التي أوردها الإمام الذهبي ستكون قادحة به؟ أم في كتابه؟ أم أنها أقحمت فيه فيشكك في كتابه كما شكك في الإبانة، وهكذا سيضع أتباع كل مذهب يقدحون في أي مؤلف لا ينسجم مع أهوائهم. ٣ - أما مسألة: هل قال أبو حنيفة بخلق القرآن أم لا؟ فهذه من المسائل التي تطرق لها العلماء في القديم والحديث، وهي لا شك محل خلاف وموطن نزاع ولعلي أتطرق إليها في عُجَالةٍ من أمري من خلال المسائل التالية: المسألة الأولى: إن المسلم يفرح ويسعد بسلامة اعتقاد أي إنسان.

ا شك محل خلاف وموطن نزاع ولعلي أتطرق إليها في عُجَالةٍ من أمري من خلال المسائل التالية: المسألة الأولى: إن المسلم يفرح ويسعد بسلامة اعتقاد أي إنسان.

فكيف إذا كان هذا اعتقاد إمام من أئمة الإسلام! ويتبع مذهبه عشرات الملايين من المسلمين في عامة الأمصار، فالسعادة تكون أشد، والفرح يكون أعظم. المسألة الثانية: إن الحكم على الإنسان ينبغي أن يكون مما ذكره في كتبه، أو نقله أتباعه أو نقله الثقات الأثبات عنه وعندما تسلك هذا المسلك نجد الإمام أبا حنيفة رأيه في مسألة عدم خلق القرآن لا يخرج ـ ولله الحمد ـ عن أقوال أئمة أهل السنة للروايات الآتية: ١ ـ ما كتبه الإمام أبو حنيفة في كتابه الفقه الأكبر (¬١). حيث قال: والقرآن غير مخلوق (¬٢)، فهذا كلام الإمام في كتبه. وهذا لوحده كافٍ لبيان موقفه. ٢ ـ نقل البغدادي في تاريخه بأن أبا حنفية كان يقول: جهم بن صفوان كافر (¬٣). ولا شك بأن حكمه على صاحب القول بخلق القرآن بالكفر دليل على كفر القائل بهذا القول عنده.

٣ ـ ونقل أيضاً عن بشر بن الوليد قول أبي يوسف ﵀ أن أبا حنيفة ﵀ كان يذم جهماً ويعيب قوله (¬١). ٤ ـ ونقل أيضاً بأن سفيان الثوري والنعمان بن ثابت ـ أبي حنيفة ـ كانا يقولان: القرآن كلام الله غير مخلوق (¬٢). ٥ ـ نقل أيضاً قدوم ابن المبارك على أبي حنيفة، فقال له أبو حنيفة: ما هذا الذي دبَّ فيكم؟ قال له: رجل يقال له: جهم، قال: وما يقول؟ قال: يقول القرآن مخلوق، فقال أبو حنيفة: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾ [الكهف] (¬٣). ٦ ـ بل وذكر أتباع الإمام أبي حنيفة عقيدته صراحة أيضاً بقولهم، أنه قال: ونقر بأن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق (¬٤)، وهي عقيدة صاحبيه محمد بن الحسن وأبي يوسف (¬٥). فإذا كان هذا كلام الإمام في كتابه وكتب أصحابه، فكان من المفترض الاقتصار عليها، ولكن لوجود

بعض الروايات والنقول التي تخالف ما ذكر في هذه المصادر، كان لابد من أن يزاد الأمر توثيقاً وإيضاحاً. ٧ ـ نقل ابن عبد البر في كتابه الانتقاء قوله: سمعت أبا يوسف يقول: جاء رجل إلى مسجد الكوفة يوم الجمعة، فدار على الخلق يسألهم عن القرآن، وأبو حنيفة غائب بمكة، فاختلف الناس في ذلك، والله ما أحسبه إلا شيطاناً تصور في صورة الإنس، حتى انتهى إلى حلقتنا، فسألنا عنها وسأل بعضنا بعضاً، وأمسكنا عن الجواب، وقلنا: ليس شيخنا حاضراً، ونكره أن نتقدم بكلام حتى يكون هو المبتدئ بالكلام. فلما قدم أبو حنيفة قلنا له بعد أن تمكنا منه رضي الله عنك، وقعت مسألة فما قولك فيها؟ فكأنه كان في قلوبنا وأنكر وجهه، وظن أنه وقعت مسألة مُعْنِيته وأنا قد تكلمنا فيها بشيء. فقال ما هي؟ قلنا: كذا وكذا، فأمسك ساكناً ساعة، ثم قال: فما كان جوابكم فيها؟ قلنا لم نتكلم فيها بشيء، وخشينا أن نتكلم فيها بشيء فتنكره فسري عنه، وقال: جزاكم الله خيراً، احفظوا عني وصيتي: لا تكلموا فيها، ولا تسألوا عنها أبداً، انتهوا إلى أنه كلام الله ﷿ بلا زيادة حرفٍ واحد، ما أحب هذه المسألة تنتهي حتى توقع أهل الإسلام في أمر لا يقومون، ولا يقعدون! أعاذنا الله وإياكم من الشيطان الرجيم (¬١).

م الله ﷿ بلا زيادة حرفٍ واحد، ما أحب هذه المسألة تنتهي حتى توقع أهل الإسلام في أمر لا يقومون، ولا يقعدون! أعاذنا الله وإياكم من الشيطان الرجيم (¬١).

٨ ـ وقال أبو يوسف: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال غير هذا فهو كافر، قال له ابنه: يا أبت هل تُخبر عن أبي حنيفة في هذا بشيء؟ قال: نعم، كان أبو حنيفة على هذا عهدي به، وما علمت منه غير هذا، ولو علمت منه غير هذا لم أصحبه. قال: وكان أبو حنيفة إمام الدنيا في زمانه فقهاً وعلماً وورعاً، قال: وكان أبو حنيفة محنةً يُعرف به أهل البدع من الجماعة، ولقد ضرب بالسياط على الدخول في الدنيا لهم فأبى (¬١). فانظر إلى قول أبي يوسف: ولو كان هذا قوله ما صحبته، وهذا يدل أن هؤلاء يعلمون قول إمامهم، ويعلمون بأنه لا يرى القرآن مخلوقاً وقول الإمام أبي حنيفة ونقول تلامذته عنه مقدم على أقوال غيرهم، بل وانظر إلى ما قال ابن المبارك ﵀، سمعت الناس منذ تسعة وأربعين عاماً. يقولون: من قال القرآن مخلوقاً فامرأته طالق ثلاثاً (¬٢). ومعلوم أن عبد الله المبارك من ألصق تلامذة أبي حنيفة فلو كان شيخه على غير هذا النهج لما صحبه. ٩ ـ كذلك نقل الثقات من أصحابه عقيدته، كالإمام أبي جعفر الطحاوي ﵀ عندما نقل معتقد إمامه حيث قال: والقرآن كلام الله ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد

كفر (¬١). فها هو الإمام الطحاوي يبين من خلال هذا الكلام عقيدته وعقيدة إمامه الذي يتبعه. ١٠ ـ بل ها هو إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل ﵀ يذكر بأن بعض أصحاب أبي حنيفة تابعوا جهماً بالقول بخلق القرآن (¬٢). فهنا يبين الإمام أحمد وهو من أعلم الناس بالرجال بأن القائل بخلق القرآن هم بعض أصحاب أبي حنيفة ولو كان الإمام أبو حنيفة قائلاً بمثل هذا القول لذكره الإمام عنه. وما قصر الذكر على بعض أصحابه. ١١ ـ بل ها هو الإمام أحمد بن حنبل ﵀ يشهد للإمام أبي حنيفة بالبراءة من هذا القول بما رواه النخعي (¬٣)، قال: حدثنا أبو بكر المروزي قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: لم يصح عندنا أن أبا حنيفة كان يقول: القرآن مخلوق (¬٤). فهذا الإمام أحمد الذي امتحن في

دثنا أبو بكر المروزي قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: لم يصح عندنا أن أبا حنيفة كان يقول: القرآن مخلوق (¬٤). فهذا الإمام أحمد الذي امتحن في

قضية خلق القرآن، وأكثر المدافعين عن السنة يشهد ببراءة الإمام أبي حنيفة ويبين عدم صحة نسبة هذا القول له وهي وربي كافية ببيان براءته، فكيف إذا اقترنت بشهادة غيره! ١٢ ـ كالإمام النخعي ﵀ حيث قال: ما تَكَلَّم أبو حنيفة ولا أبو يوسف ولا محمد، ولا أحدٌ من أصحابهم في القرآن، وإنما تكلم في القرآن بشر المريسي، وابن أبي دؤاد، فهؤلاء شانوا أصحاب أبي حنيفة (¬١). ١٣ ـ بل وهذا الإمام اللالكائي يبين في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، بأن معتقد الإمام أبي حنيفة هو القول بعدم خلق القرآن، بل ويبين بأن الإمام أبا حنيفة ممن يقولون بكفر من قال بأن القرآن مخلوق، حيث قال: ومن الطبقة الأولى من الفقهاء سفيان بن سعيد الثوري، والنعمان بن ثابت أبو حنيفة، وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، ومحمد بن الحسن إلى آخر من ذكر (¬٢). ١٤ ـ وها هو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يبين عقيدةَ الإمام أبي حنيفة في مسألة خلق القرآن، حيث قال ﵀: إن الأئمة المشهورين كلهم يثبتون الصفات لله تعالى، ويقولون: إن القرآن كلام الله

ليس بمخلوق، ويقولون: إن الله يُرى في الآخرة. هذا مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أهل البيت وغيرهم، وهذا مذهب الأئمة المتبوعين، مثل: مالك بن أنس والثوري، وأبي حنيفة والشافعي، وأحمد بن حنبل (¬١) فشيخ الإسلام يبين من خلال هذا الكلام بأن معتقد الإمام أبي حنيفة كغيره من الأئمة، بل وبين في موطن آخر بأن هذا المعتقد ليس معتقد الإمام ولا أصحابه المعروفين، بل هو معتقد بعض المنتسبين إليه في الفقه من المعتزلة (¬٢). ١٥ ـ بل وبين الحافظ ابن حجر ﵀ في لسان الميزان بأن ما نسب إلى الإمام في مسألة خلق القرآن كذب حيث قال عند ترجمته لإسماعيل بن حماد بن النعمان (¬٣). وهو من دعاة المأمون في المحنة بخلق القرآن، وكان يقول بدار المأمون: القرآن مخلوق هو ديني ودين أبي وجدي، وكذب عليهم (¬٤). ١٦ ـ كما بين كذب إسماعيل بن حماد على أبي حنيفة الإمام بشر بن

الوليد (¬١)، حيث قال: كنا عند أمير المؤمنين، وقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: القرآن مخلوق وهو رأيي ورأي آبائي. فقلت له، أي ـ بشر بن الوليد ـ أما رأيك فنعم أما رأي آبائك فلا (¬٢). ١٧ ـ ذكر الإمام الألباني (¬٣) ﵀ بأن في التاريخ للخطيب روايات عِدّة تُبين بأن أبا حنيفة كان يقول: القرآن مخلوق، إلا أنه دَقَّقَ النظر في بعضها فوجدها لا تخلو من قادح، ثم قال: ولعل سائرها كذلك، لاسيما وقد روى الخطيب عن الإمام أحمد أنه قال: لم يصح عندنا أن أبا

حنيفة كان يقول بأن القرآن مخلوق (¬١)، وهذا هو الظن بالإمام أبي حنيفة وعلمه ﵀ فإن صح عنه خلافه فلعل ذلك كان قبل أن يناظره أبو يوسف (¬٢). ١٨ ـ لو كان الإمام قائلٌ به لشنع عليه أهل عصره كما شنع على ابن أبي دؤاد وغيره، بل ولكان الإمام أبو حنيفة هو مبتدع هذا القول وليس الجعد ولا الجهم والعلماء على أن هؤلاء هم أول من قال بخلق القرآن، وما ذكر أحد السلف أن أبا حنيفة أول من قال بخلق القرآن مع أنه وجد قبل هؤلاء الضلال الجهمية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولا خلاف بين الأمة أن أول من قال: إن القرآن مخلوق الجعد بن درهم، ثم الجهم بن صفوان (¬٣). ١٩ ـ هل يترك قول هؤلاء الثقات الأعلام من أجل روايات واهية لا تثبت، وأصح هذه الروايات يدل على أن المناظرة كانت حول الحكم

على القائل لا على القول. وبهذا يتبين أن الإمام أبا حنيفة ما كان يقول بخلق القرآن، كما يتبين بأن طعن صاحب الضميمة ومن وافقه حول الإبانة منشؤه على قول واهٍ؛ وذلك لأن نسبة القول بخلق القرآن للإمام أبي حنيفة لم ينفرد فيه الأشعري وحده، بل سبقه إليها الإمام البخاري في تاريخه الكبير، ونقله اللالكائي والخطيب وغيرهم، مع أن انفراد الأشعري لو حصل لما قبل القدح فكيف مع عدم انفراده بهذا القول؟! والله أعلم.

مام البخاري في تاريخه الكبير، ونقله اللالكائي والخطيب وغيرهم، مع أن انفراد الأشعري لو حصل لما قبل القدح فكيف مع عدم انفراده بهذا القول؟! والله أعلم.

المطلب الثاني: مَنْ شكك في هدف التأليف: هناك من جعل هدف الأشعري في التأليف وقاية من الحنابلة، ومجاملة لهم، وأول من قال بهذه العبارة، هو عدو الأشعري الأهوازي (١) ثم تلقفها بعض المستشرقين حيث قال ماكدونالدز: - إن الأشعري اضطر إلى كتابة الإبانة وهو لا يؤمن بما فيها وذلك على سبيل التقية من الحنابلة، أصحاب النفوذ في بغداد في أخريات أيامه (٢). وتلقف هذه الشبهة والإفك المبين بعض الأشاعرة، فحمودة غرابة مثلاً نقل كلام ماكدونالدز ثم عقب بعده بقوله: ولعل ما يشهد لذلك قول بعضهم: - إن الأشاعرة قد جعلوا الإبانة من الحنابلة وقاية، ولكن السادة السلفية لا يرضيهم هذا التعليل (٣). ومستند هؤلاء القصة التى ذكرت للأشعري مع البربهاري شيخ الحنابلة في بغداد أن الأشعري لما قدم بغداد جاء إلى أبي محمد البربهاري، فجعل يقول: - رددت على الجبائي، رددت على المجوس، رددت على النصارى. فقال أبو محمد: لا أدرى ما تقول! ولا نعرف إلا ما قاله الإمام أحمد. فخرج وصنف الإبانة، فلم يقبل منه (٤)، ويضاف إلى هذا رد شيخ الإسلام ابن

على النصارى. فقال أبو محمد: لا أدرى ما تقول! ولا نعرف إلا ما قاله الإمام أحمد. فخرج وصنف الإبانة، فلم يقبل منه (٤)، ويضاف إلى هذا رد شيخ الإسلام ابن

تيمية ﵀ حيث قال: والأشعري ابتلي بطائفتين: طائفة تبغضه وطائفة تحبه، كل منهما يكذب عليه ويقول: إنما صنف هذه الكتب تقية وإظهار الموافقة أهل الحديث والسنة من الحنبلية وغيرهم وهذا كذب على الرجل، فإنه لم يوجد له قول باطن يخالف الأقوال التي أظهرها، ولا نقل أحد من خواص أصحابه، ولا غيرهم عنه ما يناقض هذه الأقوال الموجودة في مصنفاته، فدعوى المدعي أنه كان يبطن خلاف ما يظهر دعوي مردودة شرعا وعقلا، بل من تدبر كلامه في هذا الباب - في مواقع - تبين له قطعة أنه كان ينصر ما أظهره، ولكن الذين يحبونه ويخالفونه في إثبات الصفات الخبرية يقصدون نفي ذلك عنه، لئلا يقال إنهم خالفوه، مع كون ماذهبوا إليه من السنة، قد اقتدوا فيه بحجته التي على ذكرها يعولون، وعليها يعتمدون (١). والحافظ ابن عساكر (٢) ما يلي: أ- إن الإنسان لا يمكنه أن يتخلى عن عقيدته و أن يؤلف كتابا يضاد عقيدته، مع أنه على زعمهم لا يعتقد بصحة ما فيه، خاصة وقد كبرت

فظ ابن عساكر (٢) ما يلي: أ- إن الإنسان لا يمكنه أن يتخلى عن عقيدته و أن يؤلف كتابا يضاد عقيدته، مع أنه على زعمهم لا يعتقد بصحة ما فيه، خاصة وقد كبرت

سنه وهو في آخر أيام حياته. وفي هذا قدح به واتهام له بأنه منافق. ب ـ لم يعرف عن الأشعري الجبن والخوف، وقد مكث معتزلياً عشرات السنين، ولم يؤلف في تلك الفترة ما يخالف الفكر المعتزلي. تقيةً من الحنابلة، مع أنهم في فترة كونه معتزلياً كانوا في أوج مكانتهم ـ أي الحنابلة ـ، فكيف يقال أنه ألف هذا الكتاب وقاية منهم ـ أي الحنابلة ـ؟ وفي هذا قدح في أبي الحسن، وبأنه منافق وإلا فمن يثبت بأن بينه وبين الحنابلة عداوة؛ بل هو أثبت في الإبانة وفي المقالات بأنه تابع للإمام أحمد ﵀ فلو كان منافقاً لما كرر الكلام في كثير من المواطن، فلقد كان يكفيه أن يقول ذلك مرة واحدة، ويعلن الانتساب دون نصر المذهب. جـ ـ ثبات الأشعري على الاعتزال عشرات السنين في وقت ضعفت فيه مكانة المعتزلة دليل على أن الرجل لا ينافق ولا يمالئ ولا يخادع. وهذه حجة ينقطع دونها كلام الحاقدين على الرجل الطاعنين في دينه. د ـ لم ينقل هذا الخبر عن أحد مِنْ أتباع الأشعري، وإنما روج له أحد خصومه الذين انبرى لهم أحد الأشاعرة الذين لا يشك أحد بأشعريتهم، وهو الحافظ ابن عساكر (¬١) فلو كان ما قاله صحيحاً لأقره ابن عساكر أو سكت عنه أو على الأقل لم يرد على هذه الفرية.

هـ ـ أن الذين نقلوا هذه الفِرية أظهروا أن الحنابلة لم يقبلوا من الأشعري حتى كتابه الإبانة، كما أظهروا أن البربهاري لم يقبله منه، ولذا قال الذهبي: - فقيل (¬١): وهذه دلالة على شكه في أصل القصة، فهذه القصة فيما يظهر غير ثابتة. و ـ أظهر مروجو فرية أن الحنابلة كانوا مستبدين، الحنابلة بغير صورتهم الحقيقية، فقد أظهروا أهل العلم والفضل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعقيدة السلفية الصافية بما ليس واقعاً، ولو كان الأمر كما ذكروا لكانت محاربة المعتزلة، بل ومحاربة من هم أشر من المعتزلة، كالرافضة والخوارج أولى عند الحنابلة، ولوجدنا أتباع تلك المذاهب يتقربون إليهم ويتزلفون. ويؤلفون الكتب التي تناقض مذاهبهم قربة وتقية ووقاية من الحنابلة وهذا لم يحدث، ولكن أصحاب الكذب البارد، وأصحاب الإفك والبهتان لا يتوقفون عن إفكهم وبهتانهم ولا يتوقفون عن كذبهم. ز ـ إن الحقائق التاريخية، لم تظهر أو تعلن مثل هذه الأسباب، ولم تذكر عن الحنابلة مثل هذه المكانة عند الحاكم. بل إن من أعظم المؤكدات على هذه الفرية أن شيخ الحنابلة في ذلك الوقت، والذي قيل بأن الأشعري قد ألفه وقاية منه ومجاملة له، تعرض للابتلاءات والمحن، فلم يعش ﵀

من أعظم المؤكدات على هذه الفرية أن شيخ الحنابلة في ذلك الوقت، والذي قيل بأن الأشعري قد ألفه وقاية منه ومجاملة له، تعرض للابتلاءات والمحن، فلم يعش ﵀

قريباً من السلطة كما يزعمون، ومؤثراً على الحاكم كما يدعون، بل لوحق وتوبع، وهاهي كتب التاريخ تشهد بذلك وتنطق. ومن ذلك ما ذكر الذهبي وغيره. أنه كان للبربهاري مجاهدات ومقامات في الدين وكان المخالفون يغلظون قلب السلطان عليه، ففي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة أراد السلطان حبسه، فاختفى. وأُخذ كبار أصحابه، وحُملوا إلى البصرة فعاقب الله الوزير وأعاد الله البربهاري إلى حشمته، وكثر أصحابه، فبلغنا أنه اجتاز بالجانب الغربي فعطس فشمته أصحابه، فارتفعت ضجتهم حتى سمعها الخليفة فأُخبر بالحال فاستهولها، ثم لم تزل المبتدعة تُوحِّشُ قلب الراضي حتى نودي في بغداد: لا يجتمع اثنان من أصحاب البربهاري، فاختفى حتى مات. ودفن بدار اخته توزون فقيل إنه لما كفن وعنده الخادم صلى عليه وحده، فنظرت هي من الروشن فرأت البيت مُلِئَ رجالاً في ثياب بيض يصلون عليه فخافت وطلبت الخادم، فحلف أن الباب لم يفتح (¬١). فهل هذا الشيخ الجليل المهيب الذي لا ينجو من أذى حاكم إلا ويتلقاه حاكم آخر يصور بأن له هذه المكانة وهذه الحظوة التي تجعل رجلاً بمكانة الإمام الأشعري يُغَيِّرُ عقيدته من أجله؟! فأصحاب هذا الباطل يروحون لمثل هذه الأكاذيب لأهداف خبيثة من أجل أن يكذبوا على الناس بقولهم إن التجهم والاعتزال لم يقمع ولم يحذر مه وينهى عنه

إلا لخلافات سياسية وليس لأنه مضاد للدين، كذلك يسعون لزرع الكره في قلوب العامة والخاصة لأهل الاعتقاد السليم، وإظهارهم بصورة الاستبداد، ولكن ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (¬١). وأقول: إنه الحق، ولا شيء غير الحق، الذي آمن به الأشعري واعتقده والهداية من الله هي التي دفعت الإمام الأشعري ﵀ لتأليف هذا الكتاب، ولم يكن للحنابلة ولا للحكام وِصَاية على الأشعري ولا إكراه حتى يؤلف ما لا يعتقد.

ده والهداية من الله هي التي دفعت الإمام الأشعري ﵀ لتأليف هذا الكتاب، ولم يكن للحنابلة ولا للحكام وِصَاية على الأشعري ولا إكراه حتى يؤلف ما لا يعتقد.

المطلب الثالث: من شكك في المطبوع واتهم بأن بها إضافات. هناك من لا ينكر أصل كتاب الإبانة، ولكن شكك في المطبوع منه، فمثلاً: محمد زاهد الكوثري علق على كتاب الإبانة في حاشية كتاب التبيين وقال: والنسخة المطبوعة في الهند من الإبانة، نسخة مصحفة محرفة، تلاعبت بها الأيدي الأثيمة فيجب إعادة طبعها من أصل وثيق (¬١). فالكوثري هنا، ليست المشكلة عنده ما وقع فيه من أخطاء مطبعية، لكان معه في هذا الحق، وإنما المشكلة عنده أنها على منهج السلف الصالح في الإثبات. وإلا فطبعة الهند مليئة بالأخطاء المطبعية كما قال. ولكن هذه الأخطاء لم تخالف جوهر الموضوع، وهي لا تعدو أخطاءً مطبعية لسوء قراءة المخطوطة من قبل ناسخها الأول.

المبحث الثاني من أثرت فيهم الإبانة المطلب الأول: من أثرت عليهم من العلماء القدماء. لم أجد بعد بحث مضني، والسؤال، والتحري، أن أحداً من الأشاعرة المعروفين بأشعريتهم قد نقل من هذا الكتاب مباشرة. مع النسبة إليه إلى الإمام البيهقي ﵀، والذي لا يشك بأشعريته فقد نقل من الإبانة مباشرة في مواطن عدة. في كتابه الاعتقاد مستدلاً بها مؤيداً لها، وهذا يدل على تأثير الكتاب عليه، وسوف أذكر في هذه الجزئية مسألتين: المسألة الأولى: إثبات أشعرية البيهقي، حيث يعتبر الإمام البيهقي من الأئمة الأعلام وهذا مما لا شك فيه، ولكنه مع جلالة قدره وعلمه وفضله، إلا أنه تأثر تأثراً واضحاً بالمذهب الأشعري ولعل ذلك من تأثير شيخه الإمام ابن فورك ﵀. ومما يؤكد أشعريته ما قاله ﵀: يجب أن يعلم أن استواء - الله ﷾ ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج ولا استقرار في مكان، ولا مماسة لشيء من خلقه، لكنه مستوٍ على عرشه، كما أخبر بلا كيف، بائن من جميع خلقه، وأن إتيانه ليس بإتيان من مكان إلى مكان، وأن مجيئه ليس بحركة، وأن نزوله ليس بنقله، وأن نفسه ليس بجسم، وأن وجهه ليس بصورة، وأن يده ليست بجارحة، وأن عينه ليست

بِحَدَقة (¬١). وله في كُتبه أمثلة من هذا الكلام الذي لا يُقر عليه على وجه العموم؛ بل يحتاج إلى تفصيل في بعضها، وقد بين شيخ الإسلام ﵀ بأن البيهقي من الأشاعرة، وقال: ويميل إليهم فضلاءُ الأشعرية، كالباقلاني والبيهقي (¬٢). كما قام الدكتور أحمد الغامدي بدراسة عقيدة الأشعري في كتاب ماتع أسماه (البيهقي وموقفه من الإلهيات) فقال في موضع: أما البيهقي وأصحابه الأشاعرة (¬٣). المسألة الثانية: نقل البيهقي وتأثره بالإبانة، حيث نقل في كتابه الاعتقاد من كتاب الإبانة معتمداً عليه مستدلاً به وسوف أناقش هذا في جزئيتين: الجزئية الأولى: نقله منه مباشرة وذكره باسمه. فقال عن مسألة أن القرآن كلام الله غير مخلوق: (وهو مذهب كافة أهل العلم قديماً وحديثاً، ثم قال: وبمعناه ذكره أيضاً على بن إسماعيل في كتابه الإبانة، ثم قال: وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل - رحمه الله تعالى - في كتابه: فإن قال قائل: حَدِّثونا / أتقولون: إن كلام الله ﷿ في اللوح المحفوظ؟ قيل له: تقول ذلك؛ (لأن الله) قال: ﴿بَلْ

هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ (¬١) فالقرآن في اللوح المحفوظ (¬٢). الجزئية الثانية: تأثره المباشر ونقله من الإبانة من غير عزو، وهذا واضح وجلي في كتابه (الاعتقاد) وأذكر من ذلك نموذجاً واحداً لأن المسألة ليست مسألة استقراء مذهب الإمام البيهقي، وإنما ذكر نموذج من تأثره بالإبانة حيث نقل منه بحروفه ومعانيه معتمداً عليه مستدلاً به في كتابه (الاعتقاد)، ومن ذلك قوله ﵀: (باب القول في إثبات رؤية الله ﷿ في الآخرة بالأبصار)، قال الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ (¬٣) يعني يوم القيامة: «ناضرة» يعني مشرقة: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾، وليس يخلو النظر من وجوه، إما أن يكون الله ﷿ عنى به نظر الاعتبار كقوله: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ (¬٤). أو يكون عنى نظر الانتظار كقوله: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ (¬٥)، أو يكون عنى نظر التعطف والرحمة، كقوله: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ (¬٦)، أو يكون عنى نظر الرؤية،

: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ (¬٥)، أو يكون عنى نظر التعطف والرحمة، كقوله: ﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾ (¬٦)، أو يكون عنى نظر الرؤية،

كقوله: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ (¬١). ولا يجوز أن يكون الله سبحانه عنى بقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ نظر التفكير والاعتبار؛ لأن الآخرة ليست بدار استدلال واعتبار ولا يجوز أن يكون عني نظر الانتظار؛ لأنه ليس في شيء من أمر الجنة انتظار، لأن الانتظار معه تنقيص وتكوير، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون الله أراد بقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾. نظر الانتظار، ولأن النظر إذا ذكر مع ذكر الوجوه فمناه نظر العينين اللتين في الوجه. ولا يجوز أن يكون الله سبحانه أراد نظر التعطف والرحمة، لأن الخلق لا يجوز أن يتعطفوا على خالقهم، فإذا فسدت هذه الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع من أقسام النظر، وهو: أن معنى قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ أنها رائية ترى الله ﷿. ومما يدل على ذلك قول الله ﷿ لموسى ﵇: ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ (¬٢). فلما كان الله قادراً على أن يجعل الجبل مستقراً كان قادراً على الأمر الذي لو فعله لرآه موسى، فدل ذلك على أن الله قادر على أن يُريَ نفسه عباده المؤمنين، وأنه جائز رؤيته (¬٣). وقد حرصت على نقل هذا

المقطع الطويل لكي يتبين للقارئ أن ما نقله الإمام البيهقي من كتاب الإبانة دليل على تأثره به، وتأثيره عليه. مما يؤكد على قيمة هذا الكتاب وأهميته عند متقدمي الأشاعرة ومحدثيهم، والذين قاربوا السلف في الكثير من المسائل، وبهذا يتبين أن الذين نفوا نسبة الكتاب للأشعري قد انقطعت حجتهم. فها هو أحد أعلام الأشاعرة يثبته وينقل منه، فعسى الله أن يهدينا جميعاً لما يحبه ويرضى.

وبهذا يتبين أن الذين نفوا نسبة الكتاب للأشعري قد انقطعت حجتهم. فها هو أحد أعلام الأشاعرة يثبته وينقل منه، فعسى الله أن يهدينا جميعاً لما يحبه ويرضى.

المطلب الثاني: من أثرت عليهم من المعاصرين. كما أن هناك من أثرت عليهم ودعوا لإعادة النظر وذلك بعد اقتناعهم بما أقره الأشعري بالإبانة. ومن الأمثلة على ذلك الدكتورة: فوقية حسين محمود ـ رحمها الله ـ حيث قالت: من قال أن الأشعري صاحب موقف وسط فحكمه خاطئ من أساسه، بل الأشعري من أهل الاتباع ويدين بديانة السلف الصالح، وهذا المعيار الجديد الذي تبين بالنسبة للأشعري يسوق إلى إعادة النظر في آرائه على اختلافها، وهو ما يجب أن يتم في دراسات مقبلة - بإذن الله تعالى -. كما أنه يجب إخضاع المنتمين إلى مدرسة الأشعري لنفس المعيار لتبين صحة صدق انتمائهم إلى هذا الإمام، والفرق بينهما وبين من لم ينتم إليه (¬١). بل وردت على من شككوا في الكتاب؛ لقوله بالإثبات، وقالت: إن هذا التشكيك الذي يترتب عليه استبعاد أهم فصول من فصوله، وهو الذي يؤكد فيه انتماءه إلى السلف، بإعلان انتمائه إلى ابن حنبل، هذا الإعلان الذي يتفق تماما مع تفاصيل موقفه في مختلف المسائل التي عالجها، لأن موقفه يعتمد على نفس الأصول التي يعتمد عليها ابن حنبل - وهي إعطاء مكان الصدارة للنص المتنزل قرآناً أو سنة، وتطبيق أصول التفسير

الصحيح التي لا تخرج النص عن تأويله، على نحو ما كان عليه السلف الصالح، على نحو ما هو مبين في الحديث (¬١).

المطلب الثالث: من أثرت فيهم تأثيراً غير مباشر. بعد محاولة استقراء وبذل جهد لم أجد من أثرت عليه الإبانة تأثيراً واضحاً إلا البيهقي، بل ولم أجد من اتباع الأشعري المعروفين غيره من نص عليها، وغاية ما وجدت ما ذكره ابن كثير في طبقات الفقهاء الشافعيين بأن القاضي الباقلاني قام بشرحها (¬١). وقد بذلت جهداً بالحصول عليه ولم أجد له أثراً لا مطبوعاً ولا مخطوطاً. ووجدت أن شيخ الإسلام ﵀ قد أثنى على الإمام أبي بكر الباقلاني وقال: هو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري؛ ليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده. قال في (كتاب الإبانة) تصنيفه: فإن قال قائل: فما الدليل على أن لله وجهاً ويداً؟ قيل له: قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧] وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. فأثبت لنفسه وجهاً ويداً. وقال: فإن قال: فهل تقولون: إنه في كل مكان؟ قيل له: معاذ الله! بل مستوٍ على عرشه كما أخبر في كتابه، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾

َالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وقال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾

[الملك ١٦] قال: ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه، والحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها؛ ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها مالم يكن، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان، ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا وإلى يميننا والى شمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله. وقال أيضاً في هذا الكتاب: صفات الله ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفاً بها: هي الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والإرادة، والبقاء، والوجه والعينان واليدان، والغضب والرضا (¬١). وقد نقل شيخ الإسلام ﵀ من هذا الكتاب في كثير من كتبه (¬٢). كما نص على الإبانة للباقلاني الإمام ابن القيم في (اجتماع الجيوش الإسلامية) وبين ﵀ أن الأشعري أثبت لله في هذا الكتاب صفة الوجه واليدين والعينين (¬٣). فهنا الإمام الباقلاني من المثبتة، بل وله كتاب أشهر من هذا الكتاب، وهو كتابه (التمهيد) الذي نقل منه شيخ الإسلام في الكثير من كتبه (¬٤). ففي

التمهيد يظهر للمطلع أن الباقلاني من المثبتة بالجملة، فهو لا يقتصر على الصفات السبع، كعامة من جاء من الأشاعرة بعد الأشعري. وقسم الصفات إلى صفات ذات، وصفات فعل، ويثبت الصفات الخبرية، كالوجه والدين والعينين، كما يثبت صفات العلو والاستواء لله تعالى - ويرد على اليدين يؤولون الاستواء بالاستيلاء (¬١). وذكر جلال موسى بأن الباقلاني، استدل بنفس أدلة الأشعري في مسألة الاستواء - وبنفي أن يكون هو الاستيلاء، ثم قال: إن الباقلاني تابع شيخه بإثبات الاستواء بالأدلة السمعية من الكتاب والسنة (¬٢).

س أدلة الأشعري في مسألة الاستواء - وبنفي أن يكون هو الاستيلاء، ثم قال: إن الباقلاني تابع شيخه بإثبات الاستواء بالأدلة السمعية من الكتاب والسنة (¬٢).

والخلاصة أن مسألة تأثر الأشاعرة بالإبانة تأثراً مباشراً معلناً عنه، فغير موجود بعد بحث واستقصاء بذلتُ فيه الجهد والطاقة إلا عند البيهقي وكفى به إمام، ولكن تأثيرها غير المباشر ومنهج مؤلفها فظاهر في عامة ما يذكره أبرز أتباعه، وهو القاضي أبو بكر الباقلاني ﵀، أما عامة أتباع الأشعري فهم يخالفون شيخهم في كثير من الأمور، فيؤولون صفات الأفعال ويؤول علو الله بأنه علو المكانة والقدر، وكونه بالسماء، فهو بمعنى القهر والتدبير (¬١). ومن أولئك: ابن فُورك، حيث خالف شيخه في الكثير من المسائل، مما يؤكد عدم تأثره بها، أو أنه اطلع عليها فأعرض عنها، لأنه يميل إلى النفي في مسألة الاستواء ونحوها، فكان هواه في النفي يمنعه من تتبع ما جاء في الإثبات (¬٢). ولم تختلف آراء عامة الأشاعرة، أو تخرج عما سلكه ابن فورك، مما يدل على عدم تأثيرها عليهم. ولذا أدعو عامة الأشاعرة إذا كانوا حقاً ينتسبون لهذا الإمام فعليهم أن يثبتوا ذلك بالاعتماد على آخر ما سَطَّر. أو يدعوا بالانتساب إليه ظلماً وزوراً، بل وصل الحال ببعضهم إلى التجهُّم والاعتزال ولا حول ولا قوة إلا بالله.

القسم الثاني ويشمل ١ - الطبعات السابقة للكتاب. ٢ - وصف النسخ الخطية. ٣ - النص المحقق.

لحال ببعضهم إلى التجهُّم والاعتزال ولا حول ولا قوة إلا بالله.

القسم الثاني ويشمل ١ - الطبعات السابقة للكتاب. ٢ - وصف النسخ الخطية. ٣ - النص المحقق.

الطبعات السابقة للكتاب يوجد للكتاب عدة طبعات متداولة ومن أهمها وأشهرها ما يلي: (١) طبعة الدكتورة فوقية محمود وهي أشهر الطبعات وفيها كغيرها مزايا وعيوب، وقد تميزت هذه الطبعة بما يلي: ١ - أنها حازت قصب السبق في تحقيق هذا المخطوط النفيس. ٢ - بذلت - رحمها الله - جهداً كبيراً بالتعريف بالإمام الأشعري ﵀ وذكرت مؤلفاته. ٣ - ترجمت لغالب الأعلام باختصار شديد. ٤ - قامت بتخريج الكثير من الأحاديث تخريجاً مختصراً مع عدم الحكم عليها. ٥ - لها تعليقات لا بأس بها. وأما العيوب فهي: الأول: كثرة الأخطاء والتحريفات، إما بسبب الطباعة، أو بسبب الخطأ في قراءة بعض الكلمات أو الجمل، وقد يوضع ما هو خطأ حتمًا في الأصل، ثم تجد الصواب في الحاشية جاءت به إحدى النسخ الخطية، ولأجل هذه الملاحظات أصبحت قراءة النص متعبة وتحتاج إلى أن تكون لديك بعض الطبعات الأخرى حتى تستطيع التأكد من صحة العبارة. الثاني: فيهون الأول أمامه، ألا وهو اعتماد إحدى النسخ الخطية التي

انفردت بزيادات ليست موجودة في النسخ الأخرى، وقد أثبتت هذه الزيادات في النص الأصلي وتشير إليها في الحاشية. وهذه النسخة حفلت بزيادات من نوع خاص - وهو ما يضفي ظلالاً من الشك عليها - وقد أثار هذا انتباه المحققة فقالت في حديثها عن هذه النسخة في الدراسة: «وقد اعتبرتها النسخة الأم؛ لأنها تخلو من التقديم والتأخير المخلين بالمعنى، وليس بها خروم ذات قيمة، بخلاف النسخ الأخرى، ولأن ناسخها كان يضبط الألفاظ إلى حد كبير، غير أنه يجب أن يلاحظ أن ما بها من زيادات في حاجة إلى المراجعة الدقيقة، لاستبعاد ما علق بها من عبارات مدسوسة. ورغم أن هذه الزيادات تؤكد بصفة عامة اتجاه السلف فقد ظهر تصريح يخالف هذا الاتجاه. مثال ذلك ما ورد في صفحة (٨١) لتفسير الاستواء من أنه بالقهر والقدرة، فهذا تصريح لابد وأنه بيد أحد قراء المخطوط الميالين إلى الاعتزال والذين هم في نفس الوقت على جهل بحقيقة الأمور. ويؤكد هذا تعليقه بصفحة (٨٢) نصها [وهي في المطبوعة في الحاشية ص ١٢٠]: «قف على هذا الباب، فإن المؤلف تسامح في إيراده هذه العبارات فإنها تدل على الجهات تصريحًا وعلى الجسمية ضمنًا» يدل الكلام هنا على أن صاحبه يتجه إلى التنزيه المطلق الذي يقول به المعتزلة (¬١)، والذي ترتب

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

هنا على أن صاحبه يتجه إلى التنزيه المطلق الذي يقول به المعتزلة (¬١)، والذي ترتب

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

عليه نفي الصفات، على نحو ما بينا قبل ذلك، خاصة وأن الالتزام باتجاه السلف في هذه الزيادات واضح لكل فاحص مدقق. ويلاحظ أننا لم نقع على تاريخ نسخ هذا الأصل بسبب انتهاء الميكروفيلم مباشرة بعد نهاية النص، كما أنه بدأ ببدايته، وهي بخط معتاد، وقد رمزت إليها بالحرف (س)) (¬١) هذا ما قالته المحققة عن هذه النسخة (¬٢). وهنا لابد من التعليق بما يلي: ١ - كيف تجعل هذه النسخة هي الأصل - عند التحقيق - مع أنها مجهولة التاريخ والناسخ؟ وهل كون ناسخها يضبط الألفاظ مسوغًا لذلك؟ ثم هي مخرومة الآخر فعيبها مثل عيب النسخ الأخرى، ووجود الزيادات المدسوسة تقتضي صرف النظر عنها لا جعلها أصلاً ثم إدخال الزيادات في النص المحقق، وعلى الأقل جعلها نسخة ثانوية. ٢ - القول بأن هذه الزيادات كتبت بيد أحد الميالين إلى الاعتزال لا دليل عليه، ولم لا يكون أحد متأخري الأشعرية النافين للعلو [الجهة] وللصفات الخبرية كالوجه واليدين بناء على أنها مستلزمة للتجسيم. ٣ - حفلت هذه النسخة بزيادات لا تتوافق مع آراء المؤلف التي

أشعرية النافين للعلو [الجهة] وللصفات الخبرية كالوجه واليدين بناء على أنها مستلزمة للتجسيم. ٣ - حفلت هذه النسخة بزيادات لا تتوافق مع آراء المؤلف التي

ذكرها في الكتاب، خاصة في مسألة الاستواء والعلو، وإذا كانت زيادة «بالقهر والقدرة» في تفسير الاستواء واضحة في هذا، ولذلك لم تثبتها المحققة فهناك عبارات أخرى قريبة من هذه العبارات وقد انفردت بها هذه النسخة ومن ذلك: أ - في ص ٢١ في فصل إبانة قول أهل ا لحق والسنة ورد في النسخ الثلاث ما يلي: «وأن الله مستو على عرشه كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (¬١) أما في نسخة «س صاحبة الزيادات» فجاءت العبارة هكذا: «وأن الله تعالى استوى على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده، استواء منزهاً عن المماس [في المطبوعة الممارسة] والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، لا يحمله العرش، وحملة العرش محمولون بلطف قدرته، ومقهورون في قبضته، وهو فوق العرش، وفوق كل شيء إلى تخوم الثرى، فوقية لا تزيده قرباً إلى العرش والسماء، بل هو رفيع الدرجات عن العرش، كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى، وهو مع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد، وهو على كل شيء شهيد» (¬٢). فانظر إلى الفرق بينهما، وهل هذه الزيادة متوافقة مع مذهب السلف كما تدعي

ريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد، وهو على كل شيء شهيد» (¬٢). فانظر إلى الفرق بينهما، وهل هذه الزيادة متوافقة مع مذهب السلف كما تدعي

المحققة؟ هل قوله «استواء منزهاً عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال» وقوله «فوقية لا تزيده قرباً إلى العرش والسماء» هل هذا موافق لما يثبته السلف من صفة العلو؟ والأشعري في هذه المسألة إنما قال بقول السلف خلافًا لمتأخري الأشعرية. ثم إن هذا النص المقحم منقول بحروفه من كتاب الأربعين للغزالي (¬١). ب - في ص ١٢٦ - حول إثبات صفة اليدين لله تعالى ورد ما يلي تعقيباً على أحد الأحاديث: «وغرس شجرة طوبى [في المطبوعة طولى] بيده، (أي بيد قدرته سبحانه)» فهذه العبارة الشارحة انفردت بها نسخة (س) دون باقي النسخ، وهو تأويل لصفة اليد بما يوافق قول متأخري الأشعرية وليس هو قول الأشعري، بل رد عليه وناقشه فيما بعد ص ١٣٠ - ١٣٢، ولا شك أن هذه الزيادة مدسوسة. ج - هناك زيادات أخرى أو نقص انفردت به هذه النسخة وهي إن لم تكن ذات بال إلا أنها تدل على ما ذكرته سابقًا، فمثلاً في ص ١٥٦ سطر ٣ وردت عبارة «وجب أن ينفي ذلك عن الله تعالى» بينما الصواب ما في النسخ الأخرى «وجب أن لا ينفي ذلك عن الله تعالى»، وفي ص ١٩٣ سطر ١٠ - ١١ وردت زيادة «أعاذنا الله من ذلك» وقد انفردت

بها نسخة (س) وهي عبارة زائدة مخلة بسياق الكلام إلا إذا وضعت في مكان آخر كأن تكون بعد قوله (وأجلهم). د - وهناك فروق أخرى - ملفتة للانتباه - لكن شاركتها نسخة أخرى - خاصة نسخة (د) لكنها مخالفة للنسخ المطبوعة الأخرى (¬١) (¬٢). ٤ - تؤكد فوقية في مقدمتها على انتساب الأشعري للإمام أحمد بن حنبل إلا أنها تنظر إلى منهج الأخير وكأنه مغاير لمنهج السلف الذين وسمتهم بالحشوية. ٥ - الإشادة بالمذهب الأشعري ورجاله دون تفريق بين متقدميهم ومتأخريهم وما حصل منهم من مخالفة لمذهب الأشعري. وقد ظهر ذلك جلياً في التعليقات الملحقة بآخر التحقيق. ٦ - لم تقم بتخريج الآثار ولم تحكم على الأحاديث من حيث

الصحة والضعف. ٧ - الإحالات الخاطئة كما في ص ١٤ في الهامش ج ٣ والصواب هو ج ٦. ٨ - الأخطاء المطبعية الكثيرة كما في ص ١٧ السطر الأول (المعبري) والصحيح (المقيري) وكذلك ص ٤٧ (مقلات) والصحيح هل مقالات. ٩ - التكرار في الطباعة كما في ص ١٨ هامش ٥٠، ٥٤ ولما مات وفي ص ٩٣ سطر ٣، ٤. ١٠ - تضارب أقوالها في وجود تفسير لأبي الحسن الأشعري كما في ص ٥٥، مع العلم أنها ذكرت أن ابن عساكر ذكر تفسير المختزن في ص ١١٧، ووصل فيه سورة الكهف وذكر أيضاً تفسير المختزن في كتاب الواصم ص ٩٧ طبعة عمار طالبي. ١١ - أخطاؤها في التواريخ كما في ص ٧٠ - ٣٦٧ هـ والصحيح ٢٦٧ هـ و ٣٩٧ هـ، والصحيح ٢٩٧ هـ. ١٢ - التعريف بالأعلام عند فوقية مختصر جداً بل قد تشير في الغالب إلى تاريخ الوفاة. ١٣ - في ص ٥٣ من قسم التحقيق في جميع المخطوطات أنه سمع كلامهما وذكرت أنه يسمع كلاً منهما، وهذه قراءة خاطئة منها لنص المخطوط.

Bagian 2 dari 7