— Bagian 10 · ُ الصُّغْرَى: " رَاحِيلَ " وَكَانَتْ أَحْسَنَهُم… —
Bagian 10
ُ الصُّغْرَى: " رَاحِيلَ " وَكَانَتْ أَحْسَنَهُمَا وَأَجْمَلَهُمَا، فَأَجَابَهُ (١) إِلَى ذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ يَرْعَى عَلَى غَنَمِهِ سَبْعَ سِنِينَ. فَلَمَّا مَضَت الْمدَّة على خَاله " لابان " صنع طَعَامًا وَجَمَعَ النَّاسَ عَلَيْهِ، وَزَفَّ إِلَيْهِ [لَيْلًا (٢) ] ابْنَته الْكُبْرَى " ليا "، وَكَانَت ضَعِيفَة الْعَينَيْنِ
قَبِيحَةَ الْمَنْظَرِ. فَلَمَّا أَصْبَحَ يَعْقُوبُ إِذَا هِيَ " لَيَا "، فَقَالَ لِخَالِهِ: لِمَ غَدَرْتَ بِي؟ وَأَنْتَ إِنَّمَا خَطَبْتُ إِلَيْكَ رَاحِيلَ. فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ سُنَّتِنَا أَنْ نُزَوِّجَ الصُّغْرَى قَبْلَ الْكُبْرَى (١) ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ أُخْتَهَا فَاعْمَلْ سَبْعَ سِنِينَ أُخْرَى وأزواجكها. فَعمل سبّ سِنِينَ وَأَدْخَلَهَا عَلَيْهِ مَعَ أُخْتِهَا. وَكَانَ ذَلِكَ سَائِغًا فِي مِلَّتِهِمْ ثُمَّ نُسِخَ فِي شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ. وَهَذَا وَحْدَهُ دَلِيلٌ كَافٍ عَلَى وُقُوعِ النَّسْخِ لِأَنَّ فِعْلَ يَعْقُوبَ ﵇ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ هَذَا وَإِبَاحَتِهِ، لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ. وَوَهَبَ " لَابَانُ " لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنِ ابْنَتَيْهِ جَارِيَةً ; فَوَهَبَ لليا جَارِيَة اسْمهَا: " زلفى "، ووهب لراحيل جَارِيَة اسْمهَا: " بلهى ". وَجَبَرَ اللَّهُ تَعَالَى ضَعْفَ " لَيَا " بِأَنْ وَهَبَ لَهَا أَوْلَادًا، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ وَلَدَتْ لِيَعْقُوبَ، رُوبِيلُ، ثُمَّ شَمْعُونُ، ثُمَّ لَاوِي، ثُمَّ يَهُوذَا. فَغَارَتْ عِنْدَ ذَلِكَ " رَاحِيلُ " وَكَانَتْ لَا تَحْبَلُ، فَوهبت ليعقوب جاريتها " بلهى " فَوَطِئَهَا فَحملت، وَولدت لَهُ غُلَاما سمعته " دَان "، وحملت وَولدت غُلَاما آخر سمته " نيفتالى ". فعمدت عِنْد ذَلِك " ليا " فَوهبت جاريتها " زلفى " مِنْ يَعْقُوبَ ﵇ فَوَلَدَتْ لَهُ: جَادَ وَأَشِيرَ، غُلَامَيْنِ ذَكَرَيْنِ ثُمَّ حَمَلَتْ " لَيَا " أَيْضًا فَوَلَدَتْ غُلَامًا خَامِسًا مِنْهَا وَسَمَّتْهُ " أَيْسَاخَرَ " (٢) ثُمَّ حَمَلَتْ وَوَلَدَتْ غُلَامًا سَادِسًا سَمَّتْهُ " زَابِلُونَ ". ثُمَّ حملت وَولدت بِنْتا سمتها " دِينَار " (٢) فَصَارَ لَهَا سَبْعَةٌ مِنْ يَعْقُوبَ. ثُمَّ دَعَتِ اللَّهَ تَعَالَى " رَاحِيلُ " وَسَأَلَتْهُ أَنْ يَهَبَ لَهَا غُلَاما من يَعْقُوب
" دِينَار " (٢) فَصَارَ لَهَا سَبْعَةٌ مِنْ يَعْقُوبَ. ثُمَّ دَعَتِ اللَّهَ تَعَالَى " رَاحِيلُ " وَسَأَلَتْهُ أَنْ يَهَبَ لَهَا غُلَاما من يَعْقُوب
فَسَمِعَ اللَّهُ نِدَاءَهَا وَأَجَابَ دُعَاءَهَا، فَحَمَلَتْ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ يَعْقُوبَ، فَوَلَدَتْ لَهُ غُلَامًا عَظِيمًا شَرِيفًا حَسَنًا جَمِيلًا سَمَّتْهُ " يُوسُفَ ". كُلُّ هَذَا وَهُمْ مُقِيمُونَ بِأَرْضِ حَرَّانَ، وَهُوَ يَرْعَى عَلَى خَالِهِ غَنَمَهُ بَعْدَ دُخُولِهِ عَلَى الْبِنْتَيْنِ سِتَّ سِنِينَ أُخْرَى، فَصَارَ مُدَّةُ مُقَامِهِ عِشْرِينَ سَنَةً. فَطَلَبَ يَعْقُوبُ مِنْ خَالِهِ " لَابَانَ " أَنْ يُسَرِّحَهُ لِيَمُرَّ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ لَهُ خَالُهُ: إِنِّي قَدْ بُورِكَ لِي بِسَبَبِكَ فَسَلْنِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتَ. فَقَالَ: تُعْطِينِي كُلَّ حَمَلٍ يُولَدُ مِنْ غَنَمِكَ هَذِهِ السَّنَةَ أَبْقَعَ، (١) وَكُلَّ حَمَلٍ ملمع أَبيض سَواد، وَكُلَّ أَمْلَحَ (٢) بِبَيَاضٍ، وَكُلَّ أَجْلَحَ (٣) أَبْيَضَ مِنَ الْمَعْزِ فَقَالَ: نَعَمْ. فَعَمَدَ بَنُوهُ فَأَبْرَزُوا مِنْ غَنَمِ أَبِيهِمْ مَا كَانَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ من التيوس، لِئَلَّا يُولد شئ مِنَ الْحُمْلَانِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ. وَسَارُوا بِهَا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عَنْ غَنَمِ أَبِيهِمْ. قَالُوا: فَعَمَدَ يَعْقُوبُ ﵇ إِلَى قُضْبَانٍ رَطْبَةٍ بيض من لوز ولب (٤) ، فَكَانَ يقشرها بلقا، وينصبها فِي مساقى الْغنم من الْمِيَاه، لتنظر الْغَنَمُ إِلَيْهَا فَتَفْزَعَ وَتَتَحَرَّكَ أَوْلَادُهَا فِي بُطُونِهَا، فَتَصِيرَ أَلْوَانُ حُمْلَانِهَا كَذَلِكَ. وَهَذَا يَكُونُ مِنْ بَابِ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، وَيَنْتَظِمُ فِي سِلْكِ الْمُعْجِزَاتِ.
فِي بُطُونِهَا، فَتَصِيرَ أَلْوَانُ حُمْلَانِهَا كَذَلِكَ. وَهَذَا يَكُونُ مِنْ بَابِ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، وَيَنْتَظِمُ فِي سِلْكِ الْمُعْجِزَاتِ.
فَصَارَ لِيَعْقُوبَ ﵇ أَغْنَامٌ كَثِيرَةٌ وَدَوَابُّ وَعَبِيدٌ، وَتَغَيَّرَ لَهُ وَجْهُ خَالِهِ وَبَنِيهِ، وَكَأَنَّهُمُ انْحَصَرُوا مِنْهُ. وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى يَعْقُوبَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى بِلَادِ أَبِيهِ وَقَوْمِهِ، وَوَعَدَهُ بِأَنْ يَكُونَ مَعَهُ، فَعَرَضَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِهِ فَأَجَابُوهُ مُبَادِرِينَ إِلَى طَاعَتِهِ، فَتَحَمَّلَ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَسَرَقَتْ رَاحِيلُ أَصْنَامَ أَبِيهَا. فَلَمَّا جَاوَزُوا وَتَحَيَّزُوا عَنْ بِلَادِهِمْ، لِحَقَهُمْ " لَابَانُ " وَقَوْمُهُ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ لابان بِيَعْقُوب عاتبه فِي خُرُوجه بِغَيْر علمه، وهلا أعلمهُ (١) فيخرجهم فِي فَرح ومزاهر وَطُبُولٍ، وَحَتَّى يُوَدِّعَ بَنَاتِهِ وَأَوْلَادَهُنَّ، وَلِمَ أَخَذُوا أَصْنَامَهُ مَعَهُمْ؟ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ يَعْقُوبَ عِلْمٌ مِنْ أَصْنَامِهِ، فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ أَخَذُوا لَهُ أَصْنَامًا، فَدَخَلَ بُيُوتَ بَنَاتِهِ وَإِمَائِهِنَّ يُفَتِّشُ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، وَكَانَتْ رَاحِيلُ قَدْ جَعَلَتْهُنَّ فِي برذعة الْجَمَلِ وَهِيَ (٢) تَحْتَهَا، فَلَمْ تَقُمْ، وَاعْتَذَرَتْ بِأَنَّهَا طَامِثٌ. فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِنَّ. فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوَاثَقُوا عَلَى رَابِيَةٍ هُنَاكَ يُقَالُ لَهَا " جَلْعَادُ " عَلَى أَنَّهُ لَا يُهِينُ بَنَاتِهِ، وَلَا يَتَزَوَّجُ عَلَيْهِنَّ، وَلَا يُجَاوِزُ هَذِهِ الرَّابِيَةَ إِلَى بِلَادِ الْآخَرِ، لَا لَابَانُ وَلَا يَعْقُوبُ، وَعَمِلَا طَعَامًا وَأَكَلَ الْقَوْمُ مَعَهُمْ وَتَوَدَّعَ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنَ الْآخَرِ. وَتَفَارَقُوا رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ. فَلَمَّا اقْتَرَبَ يَعْقُوبُ من أَرض " ساعير " تَلَقَّتْهُ الْمَلَائِكَة يُبَشِّرُونَهُ
[بِالْقُدُومِ (١) ] . وَبَعَثَ يَعْقُوبُ الْبُرُدَ إِلَى أَخِيهِ الْعِيصُو يترفق لَهُ وَيَتَوَاضَعُ لَهُ. فَرَجَعَتِ الْبُرُدُ وَأَخْبَرَتْ يَعْقُوبَ بِأَنَّ الْعِيصَ قَدْ رَكِبَ إِلَيْكَ فِي أَرْبَعِمِائَةِ رَاجِلٍ. فَخَشِيَ يَعْقُوبُ مِنْ ذَلِكَ، وَدَعَا اللَّهَ ﷿ وَصَلَّى لَهُ، وَتَضَرَّعَ إِلَيْهِ وَتَمَسْكَنَ لَدَيْهِ، وَنَاشَدَهُ عَهْدَهُ وَوَعْدَهُ الَّذِي وَعَدَهُ بِهِ. وَسَأَلَهُ أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ شَرَّ أَخِيهِ الْعِيصَ. وَأَعَدَّ لِأَخِيهِ هَدِيَّةً عَظِيمَةً وَهِيَ: مِائَتَا شَاةٍ، وَعِشْرُونَ تَيْسًا [وَمِائَتَا نَعْجَةٍ، وَعِشْرُونَ كَبْشًا، وَثَلَاثُونَ لِقْحَةً (٢) ، وَأَرْبَعُونَ بَقَرَةً، وَعَشَرَةٌ مِنَ الثِّيرَانِ (٣) ] وَعِشْرُونَ أَتَانًا وَعَشَرَةٌ مِنَ الْحُمُرِ. وَأَمَرَ عَبِيدَهُ أَنْ يَسُوقُوا كُلًّا مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ وَحْدَهُ. وَلْيَكُنْ بَيْنَ كُلِّ قَطِيعٍ وَقَطِيعٍ مَسَافَةٌ، فَإِذَا لَقِيَهُمُ الْعِيصُ فَقَالَ لِلْأَوَّلِ لِمَنْ أَنْتَ؟ وَلِمَنْ هَذِهِ مَعَكَ؟ فَلْيَقُلْ: لِعَبْدِكَ يَعْقُوبَ، أَهْدَاهَا لِسَيِّدِي الْعِيصَ وَليقل الذى بعده كَذَلِك [وَكَذَلِكَ الَّذِي بَعْدَهُ (٤) ] وَكَذَا الَّذِي بَعْدَهُ، وَيَقُولُ كُلٌّ مِنْهُمْ: وَهُوَ جَاءَ بَعْدَنَا. وَتَأَخَّرَ يَعْقُوبُ بِزَوْجَتَيْهِ وَأَمَتَيْهِ وَبَنِيهِ الْأَحَدَ عَشَرَ بَعْدَ الْكُلِّ بِلَيْلَتَيْنِ، وَجَعَلَ يَسِيرُ فِيهِمَا لَيْلًا وَيَكْمُنُ نَهَارًا. فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْفَجْرِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ، تَبَدَّى لَهُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِي صُورَةِ رَجُلٍ، فَظَنَّهُ يَعْقُوبُ رَجُلًا مِنَ النَّاسِ، فَأَتَاهُ [يَعْقُوبُ (٣) ] لِيُصَارِعَهُ وَيُغَالِبَهُ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ يَعْقُوبُ فِيمَا يُرَى، إِلَّا أَنَّ الْمَلَكَ أَصَابَ وَرِكَهُ فَعَرَجَ يَعْقُوبُ. فَلَمَّا أَضَاءَ الْفَجْرُ قَالَ لَهُ الْمَلَكُ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: يَعْقُوبُ. قَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ تُدْعَى بَعْدَ الْيَوْمِ إِلَّا إِسْرَائِيلُ.
لَمَّا أَضَاءَ الْفَجْرُ قَالَ لَهُ الْمَلَكُ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: يَعْقُوبُ. قَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ تُدْعَى بَعْدَ الْيَوْمِ إِلَّا إِسْرَائِيلُ. فَقَالَ لَهُ يَعْقُوبُ: وَمَنْ أَنْتَ؟ وَمَا اسْمُكَ؟ فَذَهَبَ عَنْهُ. فَعلم أَنه ملك من
الْمَلَائِكَةِ، وَأَصْبَحَ يَعْقُوبُ وَهُوَ يَعْرُجُ مِنْ رِجْلِهِ. فَلذَلِك لَا يَأْكُل بَنو إِسْرَائِيل عرق النِّسَاء! وَرفع يَعْقُوب عَيْنَيْهِ فَإِذا أَخُوهُ عيصو قَدْ أَقْبَلَ فِي أَرْبَعِمِائَةِ رَاجِلٍ، فَتَقَدَّمَ أَمَامَ أَهله. فَلَمَّا أرى أَخَاهُ الْعِيصَ سَجَدَ لَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَكَانَتْ هَذِهِ تَحِيَّتَهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ. وَكَانَ مَشْرُوعًا لَهُمْ ; كَمَا سَجَدَتِ الْمَلَائِكَةُ لِآدَمَ تَحِيَّةً [لَهُ (١) ] وَكَمَا سَجَدَ إِخْوَةُ يُوسُفَ وَأَبَوَاهُ لَهُ كَمَا سَيَأْتِي. فَلَمَّا رَآهُ الْعِيصُ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ وَاحْتَضَنَهُ وَقَبَّلَهُ وَبَكَى، وَرَفَعَ الْعِيصُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ إِلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَهَبَ اللَّهُ لِعَبْدِكَ، فَدَنَتِ الْأَمَتَانِ وَبَنُوهُمَا فَسَجَدُوا لَهُ. وَدَنَتْ " لِيَا " وَبَنُوهَا فسجدوا لَهُ. وَدنت " راحيل " وَابْنهَا يُوسُف فخرا سجدا لَهُ. وَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْبَلَ هَدِيَّتَهُ وَأَلَحَّ عَلَيْهِ فَقَبِلَهَا. وَرَجَعَ الْعِيصُ فَتَقَدَّمَ أَمَامَهُ، وَلَحِقَهُ يَعْقُوبُ بِأَهْلِهِ وَمَا مَعَهُ مِنَ الْأَنْعَامِ وَالْمَوَاشِي وَالْعَبِيد قَاصِدين جبال " ساعير ". فَلَمَّا مر بساحور ابتنى لَهُ بَيْتا، ولدُوا بِهِ ضلالا، ثمَّ مر على أورشليم قَرْيَة شخيم فَنزل قبل (٢) الْقرْيَة، وَاشْترى مزرعة شخيم ابْن جمور بِمِائَةِ نَعْجَةٍ، فَضَرَبَ هُنَالِكَ فُسْطَاطَهُ، وَابْتَنَى ثَمَّ مَذْبَحًا فَسَمَّاهُ " إِيلَ " إِلَهَ إِسْرَائِيلَ وَأَمَرَهُ اللَّهُ بِبِنَائِهِ لِيَسْتَعْلِنَ لَهُ فِيهِ.
هُنَالِكَ فُسْطَاطَهُ، وَابْتَنَى ثَمَّ مَذْبَحًا فَسَمَّاهُ " إِيلَ " إِلَهَ إِسْرَائِيلَ وَأَمَرَهُ اللَّهُ بِبِنَائِهِ لِيَسْتَعْلِنَ لَهُ فِيهِ. وَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ الْيَوْمَ، الَّذِي جَدَّدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉: وَهُوَ مَكَانُ الصَّخْرَةِ الَّتِي علمهَا بِوَضْعِ الدُّهْنِ عَلَيْهَا قَبْلَ ذَلِكَ، كَمَا ذَكَرْنَا أَولا.
وَذَكَرَ أَهْلُ الْكِتَابِ هُنَا قِصَّةَ " دِينَا " بِنْتِ يَعْقُوب بنت " ليا " وَمَا كَانَ من أمرهَا مَعَ شخيم بن جمور الَّذِي قَهَرَهَا عَلَى نَفْسِهَا، وَأَدْخَلَهَا مَنْزِلَهُ ثُمَّ خطبهَا من أَبِيهَا وإخوتها، فَقَالَ إخوتها إِلَّا أَنْ تَخْتَتِنُوا كُلُّكُمْ فَنُصَاهِرَكُمْ وَتُصَاهِرُونَا، فَإِنَّا لَا نصاحر قَوْمًا غُلْفًا، فَأَجَابُوهُمْ إِلَى ذَلِكَ وَاخْتَتَنُوا كُلُّهُمْ. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ وَاشْتَدَّ وَجَعُهُمْ مِنْ أَلَمِ الْخِتَانِ، مَالَ عَلَيْهِمْ بَنُو يَعْقُوبَ فَقَتَلُوهُمْ عَن آخِرهم، وَقتلُوا شخيما وأباه جمور لِقَبِيحِ مَا صَنَعُوا إِلَيْهِمْ، مُضَافًا إِلَى كُفْرِهِمْ، وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُ مِنْ أَصْنَامِهِمْ، فَلِهَذَا قَتَلَهُمْ بَنو يَعْقُوب وَأخذُوا أَمْوَالهم غنيمَة. ثمَّ حملت راحيل فَولدت غُلَاما هُوَ " بِنْيَامِينُ " إِلَّا أَنَّهَا جَهَدَتْ فِي طَلْقِهَا [بِهِ (١) ] جَهْدًا [شَدِيدًا (١) ] وَمَاتَتْ عَقِيبَهُ، فَدَفَنَهَا يَعْقُوبُ فِي " أَفَرَاثٍ ". وَهِيَ بَيْتُ لَحْمٍ، وَصَنَعَ يَعْقُوبُ عَلَى قَبْرِهَا حَجَرًا، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِقَبْرِ رَاحِيلَ إِلَى الْيَوْمِ. وَكَانَ أَوْلَادُ يَعْقُوبَ الذُّكُورُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا. فَمِنْ لَيَا: رُوبِيلُ، وَشَمْعَونُ، وَلَاوِي، ويهودا، وَأَيْسَاخَرُ (٢) ، وَزَابِلُونَ. وَمِنْ رَاحِيلَ: يُوسُفُ، وَبِنْيَامِينُ. وَمِنْ أمة راحيل: دَان، ونفتالى. وَمِنْ أَمَةِ لَيَا: جَادٌ (٣) وَأَشِيرُ، ﵈.
يْسَاخَرُ (٢) ، وَزَابِلُونَ. وَمِنْ رَاحِيلَ: يُوسُفُ، وَبِنْيَامِينُ. وَمِنْ أمة راحيل: دَان، ونفتالى. وَمِنْ أَمَةِ لَيَا: جَادٌ (٣) وَأَشِيرُ، ﵈. وَجَاءَ يَعْقُوبُ إِلَى أَبِيهِ إِسْحَاقَ فَأَقَامَ عِنْدَهُ بِقَرْيَةِ حَبْرُونَ الَّتِي فِي أَرْضِ كَنْعَانَ حَيْثُ كَانَ يَسْكُنُ إِبْرَاهِيمُ. ثُمَّ مَرِضَ إِسْحَاقُ وَمَاتَ عَنْ مِائَةٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً: وَدَفَنَهُ ابْنَاهُ: الْعِيصُ وَيَعْقُوبُ مَعَ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ فِي الْمَغَارَةِ الَّتِى اشْتَرَاهَا (٤) . كَمَا قدمنَا.
ذِكْرُ مَا وَقَعَ مِنَ الْأُمُورِ الْعَجِيبَةِ فِي حَيَاة إِسْرَائِيل فَمن ذَلِك: قصَّة يُوسُف بن راحيل وَقد أنزل الله عزوجل فِي شَأْنِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، لِيُتَدَبَّرَ مَا فِيهَا مِنَ الْحِكَمِ وَالْمَوَاعِظِ وَالْآدَابِ وَالْأَمْرِ الْحَكِيمِ. أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الر * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ، وَإِن كنت من قبله لمن الغافلين ". قَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَّلِ تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة، فَمن أَرَادَ تَحْقِيقه فلينظره ثمَّ، وتكلمنا عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةِ مُسْتَقْصًى فِي مَوْضِعِهَا مِنَ التَّفْسِيرِ. وَنَحْنُ نَذْكُرُ هَاهُنَا نُبَذًا مِمَّا هُنَاكَ عَلَى وَجْهِ الْإِيجَازِ وَالنَّجَازِ. وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي هَذَا الْمَقَامِ: أَنَّهُ تَعَالَى يَمْدَحُ كِتَابَهُ الْعَظِيمَ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ الْكَرِيمِ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ فَصِيحٍ، بَيِّنٍ وَاضِحٍ جَلِيٍّ، يَفْهَمُهُ كُلُّ عَاقِلٍ ذَكِيٍّ [زَكِيٍّ. فَهُوَ أَشْرَفُ كِتَابٍ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، أَنْزَلَهُ أَشْرَفُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى أَشْرَفِ الْخَلْقِ (١) ] فِي أَشْرَفِ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، بِأَفْصَحِ لُغَةٍ وَأَظْهَرِ بَيَان.
َ السَّمَاءِ، أَنْزَلَهُ أَشْرَفُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى أَشْرَفِ الْخَلْقِ (١) ] فِي أَشْرَفِ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، بِأَفْصَحِ لُغَةٍ وَأَظْهَرِ بَيَان.
فَإِنْ كَانَ السِّيَاقُ فِي الْأَخْبَارِ الْمَاضِيَةِ أَوِ الْآتِيَةِ ذَكَرَ أَحْسَنَهَا وَأَبْيَنَهَا، وَأَظْهَرَ الْحَقَّ مِمَّا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ، وَدَمَغَ الْبَاطِلَ وَزَيَّفَهُ وَرَدَّهُ. وَإِنْ كَانَ فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي فَأَعْدَلُ الشَّرَائِعِ وَأَوْضَحُ الْمَنَاهِجِ، وَأَبْيَنُ حُكْمًا (١) وَأَعْدَلُ حَكَمًا. فَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: " وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا (٢) ". يعْنى صِدْقًا فِي الْأَخْبَارِ، وَعَدْلًا فِي الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: " نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين " أَيْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ فِيهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: " وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا، مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ، وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا، وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْضِ، أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الامور (٣) ". وَقَالَ تَعَالَى: " كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ، وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة حملا (٤) ". يَعْنِي مَنْ أَعْرَضَ عَنْ هَذَا الْقُرْآنِ وَاتَّبَعَ غَيره من الْكتب فَإِنَّهُ يَنَالهُ
ِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة حملا (٤) ". يَعْنِي مَنْ أَعْرَضَ عَنْ هَذَا الْقُرْآنِ وَاتَّبَعَ غَيره من الْكتب فَإِنَّهُ يَنَالهُ
هَذَا الْوَعِيدُ. كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي الْمُسْنَدِ وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ، مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا: " مَنِ ابْتَغَى (١) الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ " وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُرَيْجُ (٢) بْنُ النُّعْمَانِ، حَدثنَا هِشَام، أَنبأَنَا خَالِد عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَرَأَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَغَضب وَقَالَ: " أتتهوكون (٣) فِيهَا يَابْنَ الْخَطَّابِ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاء نقية، لَا تسألوهم عَن شئ فيخبروكم بِحَق فتكذبونه أَو بباطل فتصدقونه، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي ". إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عمر وَفِيهِ: " فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَصْبَحَ فِيكُمْ مُوسَى ثُمَّ اتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ إِنَّكُمْ حَظِّي مِنَ الْأُمَمِ وَأَنَا حَظُّكُمْ مِنَ النَّبِيِّينَ ". وَقَدْ أَوْرَدْتُ طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَلْفَاظَهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ يُوسُفَ. وَفِي بَعْضِهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: " أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ أُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلم وخواتيمه، وَاخْتصرَ لى اختصارا، وَقد أَتَيْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً فَلَا تَتَهَوَّكُوا، وَلَا يَغُرَّنَّكُمُ الْمُتَهَوِّكُونَ ". ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الصَّحِيفَةِ فَمُحِيَتْ حرفا حرفا.
" إِذْ قَالَ يُوسُف لابيه يَا أبث إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا. وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتهمْ لى ساجدين * قَالَ يَا بنى لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا، إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَكَذَلِكَ يحتبيك رَبك ويعلمك من تَأْوِيل الاحاديث، يتم نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا على أَبَوَيْك من قبل إِبْرَاهِيم وَإِسْحَق إِن رَبك عليم حَكِيم " قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ يَعْقُوبَ كَانَ لَهُ مِنَ الْبَنِينَ اثْنَا عَشَرَ وَلَدًا [ذَكَرًا] (١) وَسَمَّيْنَاهُمْ، وَإِلَيْهِمْ تُنْسَبُ أَسْبَاطُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كُلُّهُمْ، وَكَانَ أَشْرَفُهُمْ وَأَجَلُّهُمْ وَأَعْظَمُهُمْ يُوسُفَ ﵇. وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ نَبِيٌّ غَيْرُهُ، وَبَاقِي إِخْوَتِهِ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِمْ. وَظَاهِرُ مَا ذُكِرَ مِنْ فِعَالِهِمْ وَمَقَالِهِمْ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ (٢) يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ. وَمَنِ اسْتَدَلَّ عَلَى نُبُوَّتِهِمْ بِقَوْلِهِ: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَق وَيَعْقُوب والاسباط " وَزعم أَن هؤلاءهم الْأَسْبَاطُ فَلَيْسَ اسْتِدْلَالُهُ بِقَوِيٍّ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسْبَاطِ شُعُوبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمَا كَانَ يُوجَدُ فِيهِمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الْوَحْيُ مِنَ السَّمَاء (٣) وَالله أعلم. وَمَا يُؤَيِّدُ أَنَّ يُوسُفَ ﵇ هُوَ الْمُخْتَصُّ من بَين إخْوَته بالرسالة والنبوة - أَنه [مَا (٣) ] نَص عَلَى وَاحِدٍ مِنْ إِخْوَتِهِ سِوَاهُ، فَدَلَّ عَلَى مَا ذَكرْنَاهُ
وسُفَ ﵇ هُوَ الْمُخْتَصُّ من بَين إخْوَته بالرسالة والنبوة - أَنه [مَا (٣) ] نَص عَلَى وَاحِدٍ مِنْ إِخْوَتِهِ سِوَاهُ، فَدَلَّ عَلَى مَا ذَكرْنَاهُ
وَيُسْتَأْنَسُ لِهَذَا بِمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَن، عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَق بن إِبْرَاهِيم ". انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ. فَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعَبْدَةَ عَنْ عبد الصَّمد ابْن عَبْدِ الْوَارِثِ بِهِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا طُرُقَهُ فِي قصَّة إِبْرَاهِيم بِمَا أغْنى عَن إِعَادَته هُنَا. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ وَغَيْرُهُمْ: رَأَى يُوسُفُ ﵇ وَهُوَ صَغِيرٌ قَبْلَ أَنْ يَحْتَلِمَ، كَأَنَّ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا، وَهُمْ إِشَارَةٌ إِلَى بَقِيَّة إخْوَته، وَالشَّمْس وَالْقَمَر وهما عِبَارَةٌ عَنْ أَبَوَيْهِ، قَدْ سَجَدُوا لَهُ، فَهَالَهُ ذَلِكَ. فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ قَصَّهَا عَلَى أَبِيهِ، فَعَرَفَ أَبُوهُ أَنَّهُ سَيَنَالُ مَنْزِلَةً عَالِيَةً وَرِفْعَةً عَظِيمَةً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، بِحَيْثُ يَخْضَعُ لَهُ أَبَوَاهُ وَإِخْوَته فِيهَا. فَأمره يكتمانها وَأَنْ لَا يَقُصَّهَا عَلَى إِخْوَتِهِ ; كَيْلَا (١) يَحْسُدُوهُ وَيَبْغُوا لَهُ الْغَوَائِلَ وَيَكِيدُوهُ بِأَنْوَاعِ الْحِيَلِ [وَالْمَكْرِ] (٢) . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ (٣) . وَلِهَذَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ: " اسْتَعِينُوا عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِكُمْ بِكِتْمَانِهَا، فَإِن كَانَ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ ". وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ قَصَّهَا عَلَى أَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ مَعًا. وَهُوَ غَلَطٌ [مِنْهُم] (٤) .
ا، فَإِن كَانَ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ ". وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ قَصَّهَا عَلَى أَبِيهِ وَإِخْوَتِهِ مَعًا. وَهُوَ غَلَطٌ [مِنْهُم] (٤) .
" وَكَذَلِكَ يجتبيك رَبك " أَيْ وَكَمَا أَرَاكَ هَذِهِ الرُّؤْيَا الْعَظِيمَةَ، فَإِذَا كتمتها " يجتبيك رَبك " أَيْ يَخُصُّكَ بِأَنْوَاعِ اللُّطْفِ وَالرَّحْمَةِ، وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيل الاحاديث " أَيْ يُفَهِّمُكَ مِنْ مَعَانِي الْكَلَامِ وَتَعْبِيرِ الْمَنَامِ مَا لَا يفهمهُ غَيْرك. وَيتم نعْمَته عَلَيْك " أَي بالوحى إِلَيْك " وعَلى آل يَعْقُوب " أَيْ بِسَبَبِكَ، وَيَحْصُلُ لَهُمْ بِكَ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. " كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيم وَإِسْحَق " أَيْ يُنْعِمُ عَلَيْكَ وَيُحْسِنُ إِلَيْكَ بِالنُّبُوَّةِ، كَمَا أَعْطَاهَا أَبَاك يَعْقُوب، وَجدك إِسْحَق، وَوَالِدَ جَدِّكَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ، " إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيم " كَمَا قَالَ تَعَالَى: " اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسَالَته ". لهَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا سُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ؟ قَالَ: " يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ ". وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرَيْهِمَا، وَأَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا، مِنْ حَدِيثِ الْحَكَمِ بن ظهير - وَقد ضعفه الائمة - عَمَّن السُّدِّيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ: بُسْتَانَةُ الْيَهُودِيُّ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْكَوَاكِبِ الَّتِي رَآهَا يُوسُفُ أَنَّهَا سَاجِدَةٌ لَهُ مَا أَسْمَاؤُهَا؟ قَالَ: فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَلم يجبهُ بشئ، وَنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ بِأَسْمَائِهَا، قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: " هَلْ أَنْتَ مُؤْمِنٌ إِنْ أَخْبَرْتُكَ بِأَسْمَائِهَا؟ " قَالَ: نَعَمْ.
بْرِيلُ ﵇ بِأَسْمَائِهَا، قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: " هَلْ أَنْتَ مُؤْمِنٌ إِنْ أَخْبَرْتُكَ بِأَسْمَائِهَا؟ " قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: هِيَ جَرَيَان والطارق، وَالذَّيَّال، وَذُو الكتفان، وَقَابِس، وَوَثَّاب، وَعَمُودَان (١) وَالْفَيْلَق، وَالْمصْبح، وَالضَّرُوح، وَذُو الْفَرْع. والضياء والنور ".
فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: [إِي (١) ] وَاللَّهِ إِنَّهَا لَأَسْمَاؤُهَا. وَعِنْدَ أَبِي يَعْلَى: فَلَمَّا قَصَّهَا عَلَى أَبِيهِ قَالَ: هَذَا أَمْرٌ مُشَتَّتٌ يَجْمَعُهُ اللَّهُ، وَالشَّمْسُ أَبُوهُ وَالْقَمَرُ أُمُّهُ.
-
-
- " لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ * إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ، إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ، وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ، وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بعض السيارة إِن كُنْتُم فاعلين ". يُنَبه تَعَالَى على مَا فِي هَذِه الْقِصَّة من الْآيَات وَالْحكم، والدلالات والمواعظ والبينات (٢) . ثمَّ ذكر حسد إخْوَة يُوسُف لَهُ على محبَّة أَبِيه لَهُ ولاخيه - يعنون شقيقه لامه بنيامين - أَكثر مِنْهُم، وهم عصبَة أَي جمَاعَة يَقُولُونَ: فَكُنَّا نَحن أَحَق بالمحبة من هذَيْن " إِن أَبَانَا لفى ضلال مُبين " أَيْ بِتَقْدِيمِهِ حُبَّهُمَا عَلَيْنَا. ثُمَّ اشْتَوَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي قَتْلِ يُوسُفَ أَوْ إِبْعَادِهِ إِلَى أَرْضٍ لَا يَرْجِعُ (٣) مِنْهَا، لِيَخْلُوَ لَهُمْ وَجْهُ أَبِيهِم أَيْ لِتَتَمَحَّضَ مَحَبَّتُهُ لَهُمْ وَتَتَوَفَّرَ عَلَيْهِمْ، وَأَضْمَرُوا التَّوْبَةَ بَعْدَ (٤) ذَلِكَ. فَلَمَّا تَمَالَأُوا عَلَى ذَلِكَ وتوافقوا عَلَيْهِ " قَالَ قَائِل مِنْهُم " قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ شَمْعُونُ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: هُوَ يهوذا، وَقَالَ قَتَادَة وَمُحَمّد بن إِسْحَق: هُوَ أَكْبَرُهُمْ رُوبِيلُ: " لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غيابة الْجب يلتقطه
-
ُّدِّيُّ: هُوَ يهوذا، وَقَالَ قَتَادَة وَمُحَمّد بن إِسْحَق: هُوَ أَكْبَرُهُمْ رُوبِيلُ: " لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غيابة الْجب يلتقطه
بعض السيارة " أَيِ الْمَارَّةِ مِنَ الْمُسَافِرِينَ " إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ " مَا تَقُولُونَ لَا مَحَالَةَ، فَلْيَكُنْ هَذَا الَّذِي أَقُولُ لَكُمْ، فَهُوَ أَقْرَبُ حَالًا مِنْ قَتْلِهِ أَوْ نَفْيِهِ وَتَغْرِيبِهِ. فَأَجْمَعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى هَذَا، فَعِنْدَ ذَلِك " قَالُوا يَا أَبَانَا مَالك لَا تأمنا على يُوسُف وَإِنَّا لَهُ الناصحون * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لحافظون * قَالَ إنى ليحزني أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ * قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنحن عصبَة إِنَّا إِذا لخاسرون ". طَلَبُوا مِنْ أَبِيهِمْ أَنْ يُرْسِلُ مَعَهُمْ أَخَاهُمْ يُوسُفَ، وَأَظْهَرُوا لَهُ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَرْعَى مَعَهُمْ، وَأَنْ يَلْعَبَ وَيَنْبَسِطَ، وَقَدْ أَضْمَرُوا لَهُ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ. فَأَجَابَهُمُ الشَّيْخُ، عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ: يَا بَنِيَّ يَشُقُّ عَلَيَّ أَنْ أُفَارِقَهُ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، وَمَعَ هَذَا أَخْشَى أَنْ تَشْتَغِلُوا فِي لَعِبِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ فِيهِ (١) ، فَيَأْتِيَ الذِّئْبُ فَيَأْكُلَهُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ عَنْهُ لِصِغَرِهِ وَغَفْلَتِكُمْ عَنْهُ ". " قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذا لخاسرون " أَيْ لَئِنْ عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْبُ فَأَكَلَهُ مِنْ بَيْنِنَا، أَوِ اشْتَغَلْنَا عَنْهُ حَتَّى وَقَعَ هَذَا وَنحن جمَاعَة، إِنَّا إِذا لخاسرون، أَيْ عَاجِزُونَ هَالِكُونَ. وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ: أَنَّهُ أَرْسَلَهُ وَرَاءَهُمْ يَتْبَعُهُمْ، فَضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ حَتَّى أَرْشَدَهُ رَجُلٌ إِلَيْهِمْ.
ونَ هَالِكُونَ. وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ: أَنَّهُ أَرْسَلَهُ وَرَاءَهُمْ يَتْبَعُهُمْ، فَضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ حَتَّى أَرْشَدَهُ رَجُلٌ إِلَيْهِمْ. وَهَذَا أَيْضًا مِنْ غَلَطِهِمْ وخطئهم فِي التَّغْرِيب ; فَإِنَّ يَعْقُوبَ ﵇ كَانَ أَحْرَصَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَبْعَثَهُ مَعَهُمْ، فَكَيْفَ يَبْعَثُهُ وَحْدَهُ.
فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ، وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ، قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ * وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ". لَمْ يَزَالُوا بِأَبِيهِمْ حَتَّى بَعَثَهُ مَعَهُمْ، فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ غَابُوا عَنْ عَيْنَيْهِ (١) ، فَجَعَلُوا يَشْتُمُونَهُ وَيُهِينُونَهُ بِالْفَعَالِ وَالْمَقَالِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى إِلْقَائِهِ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ، أَيْ فِي قَعْرِهِ عَلَى رَاعُوفَتِهِ، وَهِيَ الصَّخْرَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي وَسَطِهِ يَقِفُ عَلَيْهَا الْمَائِحُ، وَهُوَ الَّذِي يَنْزِلُ لِيَمْلَأَ الدِّلَاءَ إِذَا قَلَّ الْمَاءُ، وَالَّذِي يَرْفَعُهَا بِالْحَبْلِ يُسَمَّى الْمَاتِحَ. فَلَمَّا أَلْقَوْهُ فِيهِ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنه لابد لَكَ مِنْ فَرَجٍ وَمَخْرَجٍ مِنْ هَذِهِ الشِّدَّةِ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا، وَلَتُخْبِرَنَّ إِخْوَتَكَ بِصَنِيعِهِمْ هَذَا فِي حَالٍ أَنْتَ فِيهَا عَزِيزٌ، وَهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَيْك خائفون مِنْك، " وهم لَا يَشْعُرُونَ ". قَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة: وهم لَا يَشْعُرُونَ بِإِيحَاءِ اللَّهِ إِلَيْهِ ذَلِكَ.
وَهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَيْك خائفون مِنْك، " وهم لَا يَشْعُرُونَ ". قَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة: وهم لَا يَشْعُرُونَ بِإِيحَاءِ اللَّهِ إِلَيْهِ ذَلِكَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " وهم لَا يَشْعُرُونَ " أَيْ لَتُخْبِرَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا فِي حَالٍ لَا يَعْرِفُونَكَ فِيهَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ. فَلَمَّا وَضَعُوهُ فِيهِ وَرَجَعُوا عَنْهُ، أَخَذُوا قَمِيصَهُ فَلَطَّخُوهُ بشئ مِنْ دَمٍ، وَرَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ عِشَاءً وَهُمْ يَبْكُونَ، أَيْ عَلَى أَخِيهِمْ. وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: لَا يَغُرَنَّكَ بُكَاءُ الْمُتَظَلِّمِ فَرُبَّ ظَالِمٍ وَهُوَ باك! وَذكر بكاء إخْوَة
يُوسُفَ وَقَدْ جَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ، أَيْ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ ; لِيَكُونَ أَمْشَى لِغَدْرِهِمْ لَا لِعُذْرِهِمْ. " قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَركنَا يُوسُف عِنْد متاعنا " أَي ثيابنا " فَأَكله الذِّئْب " أَيْ فِي غَيْبَتِنَا عَنْهُ فِي اسْتِبَاقِنَا. وَقَوْلُهُمْ " وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ " أَي وَمَا أَنْت بمصدق لمنا فِي الَّذِي أَخْبَرْنَاكَ مِنْ (١) أَكْلِ الذِّئْبِ لَهُ، وَلَوْ كُنَّا غَيْرَ مُتَّهَمِينَ عِنْدَكَ. فَكَيْفَ وَأَنْتَ تَتَّهِمُنَا فِي هَذَا؟ فَإِنَّكَ خَشِيتَ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ، وَضَمِنَّا لَكَ أَنْ لَا يَأْكُلَهُ لِكَثْرَتِنَا حَوْلَهُ، فَصِرْنَا غَيْرَ مُصَدَّقِينَ عِنْدَكَ، فَمَعْذُورٌ أَنْتَ فِي عَدَمِ تَصْدِيقِكَ لَنَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ. " وَجَاءُوا على قَمِيصه يدم كذب " أَيْ مَكْذُوبٍ مُفْتَعَلٍ ; لِأَنَّهُمْ عَمَدُوا إِلَى سَخْلَةٍ (٢) ذَبَحُوهَا، فَأَخَذُوا مِنْ دَمِهَا فَوَضَعُوهُ عَلَى قَمِيصِهِ، ليوهموه أَن أَكَلَهُ الذِّئْبُ. قَالُوا: وَنَسُوا أَنْ يَخْرِقُوهُ، وَآفَةُ الْكَذِبِ النِّسْيَانُ! وَلَمَّا ظَهَرَتْ عَلَيْهِمْ عَلَائِمُ الرِّيبَةِ لَمْ يَرُجْ صَنِيعُهُمْ عَلَى أَبِيهِمْ ; فَإِنَّهُ كَانَ يفهم عداوتم لَهُ، وَحَسَدَهُمْ إِيَّاهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ لَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ، لِمَا كَانَ يَتَوَسَّمُ فِيهِ مِنَ (٣) الْجَلَالَةِ وَالْمَهَابَةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ فِي صِغَرِهِ، لِمَا يُرِيدُ اللَّهَ أَنْ يَخُصَّهُ بِهِ مِنْ نُبُوَّتِهِ. وَلِمَا رَاوَدُوهُ عَنْ أَخْذِهِ فَبِمُجَرَّدِ مَا أَخَذُوهُ أعدموه، وغيبوه عَن عَيْنَيْهِ وَجَاءُوا وهم يتباكون، وعَلى مَا تمالاوا يتواطاون. وَلِهَذَا " قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ * وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ".
َا تمالاوا يتواطاون. وَلِهَذَا " قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ * وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ".
وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ: أَنَّ رُوبِيلَ أَشَارَ بِوَضْعِهِ فِي الْجُبِّ لِيَأْخُذَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ وَيَردهُ إِلَى أَبِيه، فغافلوه وباعوه لتكل الْقَافِلَة. فَلَمَّا جَاءَ روبيل آخِرِ النَّهَارِ لِيُخْرِجَ يُوسُفَ لَمْ يَجِدْهُ، فَصَاحَ وشق ثِيَابه، وَعَمَدَ أُولَئِكَ إِلَى جَدْيٍ فَذَبَحُوهُ، وَلَطَّخُوا مِنْ دَمِهِ جُبَّةَ يُوسُفَ، فَلَمَّا عَلِمَ يَعْقُوبُ شَقَّ ثِيَابَهُ، وَلَبِسَ مِئْزَرًا أَسْوَدَ وَحَزِنَ عَلَى ابْنِهِ أَيَّامًا كَثِيرَةً. وَهَذِهِ الرَّكَاكَةُ جَاءَتْ مِنْ خَطَئِهِمْ فِي التَّعْبِيرِ وَالتَّصْوِيرِ.
-
-
- " وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فأدلى دلوه قَالَ يَا بشرى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ * وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ * وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ، عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا، وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نجزى الْمُحْسِنِينَ " يخبر تَعَالَى عَن قصَّة يُوسُف حِين وضع فِي الْجب: أَنه جليس ينْتَظر فرج الله ولطفه بِهِ، فَجَاءَت سيارة، أَيْ مُسَافِرُونَ. قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: كَانَتْ بِضَاعَتُهُمْ من (١) الفتسق وَالصَّنَوْبَرِ وَالْبُطْمِ (٢) قَاصِدِينَ دِيَارَ مِصْرَ مِنَ الشَّامِ، فَأَرْسَلُوا بَعْضَهُمْ لِيَسْتَقُوا مِنْ ذَلِكَ الْبِئْرِ، فَلَمَّا أَدْلَى أَحَدُهُمْ دَلْوَهُ تَعَلَّقَ فِيهِ يُوسُفُ. فَلَمَّا رَآهُ ذَلِك الرجل " قَالَ يَا بشرى " أَي يَا بشارتى " هَذَا غُلَام
-
الْبِئْرِ، فَلَمَّا أَدْلَى أَحَدُهُمْ دَلْوَهُ تَعَلَّقَ فِيهِ يُوسُفُ. فَلَمَّا رَآهُ ذَلِك الرجل " قَالَ يَا بشرى " أَي يَا بشارتى " هَذَا غُلَام
وأسروه بضَاعَة " أَي أوهموا أَنه مَعَهم غُلَام مِنْ جُمْلَةِ مَتْجَرِهِمْ " وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ " أَيْ هُوَ عَالِمٌ بِمَا تَمَالَأَ عَلَيْهِ إِخْوَتُهُ، وَبِمَا يُسِرُّهُ وَاجِدُوهُ مِنْ أَنَّهُ بِضَاعَةٌ لَهُمْ. وَمَعَ هَذَا لَا يُغَيِّرُهُ تَعَالَى، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الْعَظِيمَةِ وَالْقَدَرِ السَّابِقِ وَالرَّحْمَة بِأَهْل مِصْرَ ; بِمَا (١) يُجْرِي اللَّهُ عَلَى يَدَيْ هَذَا الْغُلَامِ الَّذِي يَدْخُلُهَا فِي صُورَةِ أَسِيرٍ رَقِيقٍ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا يُمَلِّكُهُ أَزِمَّةِ الْأُمُورِ وَيَنْفَعُهُمُ اللَّهُ بِهِ فِي دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ، بِمَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ. وَلَمَّا اسْتَشْعَرَ إِخْوَةُ يُوسُفَ بِأخذ السيارة لَهُ لحقوقهم، وَقَالُوا هَذَا غُلَامُنَا أَبِقَ مِنَّا، فَاشْتَرَوْهُ مِنْهُمْ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، أَيْ قَلِيلٍ نَزْرٍ، وَقِيلَ هُوَ الزيف " دَرَاهِم مَعْدُودَة وَكَانُوا فِيهِ من لزاهدين ". قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَنَوْفٌ الْبِكَالِيُّ (٢) وَالسُّدِّيُّ وَقَتَادَةُ وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: بَاعُوهُ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا، اقتسموها دِرْهَمَيْنِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: اثْنَانِ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا. وَقَالَ عِكْرِمَة وَمُحَمّد بن إِسْحَق: أَرْبَعُونَ درهما. وَالله أَعْلَمُ. " وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أكرمي مثواه [أَيْ أَحْسِنِي إِلَيْهِ (٣) ] " عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نتخذه ولدا "، وَهَذَا مِنْ لُطْفِ اللَّهِ بِهِ وَرَحْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِ، بِمَا يُرِيدُ أَنْ يُؤَهِّلَهُ لَهُ (٤) وَيُعْطِيَهُ مِنْ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالُوا: وَكَانَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ عَزِيزَهَا وَهُوَ الْوَزِيرُ بهَا،
الذى الخزائن مسلمة إِلَيْهِ. قَالَ ابْن إِسْحَق: واسْمه إطفير ابْن روحيب قَالَ: وَكَانَ ملك مصر يَوْمئِذٍ الربان بْنَ الْوَلِيدِ رَجُلٌ مِنَ الْعَمَالِيقِ. قَالَ: وَاسْمُ امْرَأَة الْعَزِيز: " راعيل " بنت رعاييل. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ اسْمُهَا " زَلِيخَا " وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَقَبُهَا. وَقِيلَ " فَكَا " بِنْتُ يَنُوسَ (١) ، رَوَاهُ الثَّعْلَبِيُّ عَن ابْن هِشَام الرِّفَاعِي. وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَق، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ اسْمُ الَّذِي بَاعَهُ بِمصْر - يعْنى الذى جلبه إِلَيْهَا - مَالك ابْن زعر بن نويب بْنِ عَفْقَا بْنِ مِدْيَانَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. فَاللَّهُ أعلم. وَقَالَ ابْن إِسْحَق عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَفْرَسُ النَّاسِ ثَلَاثَةٌ: عَزِيزُ مِصْرَ حِينَ قَالَ لامْرَأَته: " أكرمي مثواه "، وَالْمَرْأَةُ الَّتِي قَالَتْ لِأَبِيهَا عَنْ مُوسَى: " يَا أَبَت اسْتَأْجرهُ إِن خير من اسْتَأْجَرت الْقوي الامين "، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵄. ثُمَّ قِيلَ: اشْتَرَاهُ الْعَزِيزُ بِعِشْرِينَ دِينَارًا، وَقِيلَ بِوَزْنِهِ مِسْكًا وَوَزْنِهِ حَرِيرًا وَوَزْنِهِ وَرِقًا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ: " وَكَذَلِكَ مكنا ليوسف فِي الارض " أَيْ وَكَمَا قَيَّضْنَا هَذَا الْعَزِيزَ وَامْرَأَتَهُ يُحْسِنَانِ إِلَيْهِ وَيَعْتَنِيَانِ بِهِ مَكَّنَّا لَهُ فِي أَرْضِ مصر " ولنعلمه من تَأْوِيل الاحاديث " أَيْ فَهْمِهَا، وَتَعْبِيرُ الرُّؤْيَا مِنْ ذَلِكَ. " وَاللَّهُ غَالب على أمره " أَيْ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا فَإِنَّهُ يُقَيِّضُ لَهُ أَسْبَابًا وَأُمُورًا لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا الْعِبَادُ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: " وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.
هُ يُقَيِّضُ لَهُ أَسْبَابًا وَأُمُورًا لَا يَهْتَدِي إِلَيْهَا الْعِبَادُ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: " وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.
" وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نجزى الْمُحْسِنِينَ ". فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا كُلَّهُ كَانَ وَهُوَ قَبْلَ بُلُوغِ الْأَشُدِّ، وَهُوَ حَدُّ الْأَرْبَعِينَ الَّذِي يُوحِي اللَّهُ فِيهِ إِلَى عِبَادِهِ النَّبِيِّينَ، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي مُدَّةِ الْعُمُرِ الَّذِي هُوَ بُلُوغُ الْأَشُدِّ: فَقَالَ مَالِكٌ وَرَبِيعَةُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَالشَّعْبِيُّ: هُوَ الْحُلُمُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: عِشْرُونَ سَنَةً. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً. وَقَالَ السُّدِّيُّ: ثَلَاثُونَ سَنَةً. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: " حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبلغ أَرْبَعِينَ سنة ".
-
-
- " وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ. قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ، إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ، كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ * وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ
-
هَانَ رَبِّهِ، كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ * وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ، وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ، قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا: إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ، قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لذنبك إِنَّك كنت من الخاطئين "
يَذْكُرُ تَعَالَى مَا كَانَ مِنْ مُرَاوَدَةِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ لِيُوسُفَ ﵇ عَنْ نَفْسِهِ وَطَلَبِهَا مِنْهُ مَالا يَلِيقُ بِحَالِهِ وَمَقَامِهِ، وَهِيَ فِي غَايَةِ الْجَمَالِ وَالْمَالِ. وَالْمَنْصِبِ وَالشَّبَابِ. وَكَيْفَ غَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ عَلَيْهَا وَعَلَيْهِ، وَتَهَيَّأَتْ لَهُ وَتَصَنَّعَتْ، وَلَبِسَتْ أَحْسَنَ ثِيَابِهَا وَأَفْخَرَ لِبَاسِهَا، وَهِيَ مَعَ هَذَا كُلِّهِ امْرَأَةُ الْوَزير. قَالَ ابْن إِسْحَق: وَبِنْتُ أُخْتِ [الْمَلِكِ] (١) الرَّيَّانِ بْنِ الْوَلِيدِ صَاحِبِ مِصْرَ.
اسِهَا، وَهِيَ مَعَ هَذَا كُلِّهِ امْرَأَةُ الْوَزير. قَالَ ابْن إِسْحَق: وَبِنْتُ أُخْتِ [الْمَلِكِ] (١) الرَّيَّانِ بْنِ الْوَلِيدِ صَاحِبِ مِصْرَ. وَهَذَا كُلُّهُ مَعَ أَنَّ يُوسُفَ ﵇ شَابٌّ بَدِيعُ الْجَمَالِ وَالْبَهَاءِ، إِلَّا أَنَّهُ نَبِيٌّ مِنْ سُلَالَةِ الْأَنْبِيَاءِ، فَعَصَمَهُ رَبُّهُ عَنِ الْفَحْشَاء، وحماه عَن مَكْرِ النِّسَاءِ، فَهُوَ سَيِّدُ السَّادَةِ النُّجَبَاءِ، السَّبْعَةِ الْأَتْقِيَاءِ، الْمَذْكُورِينَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ، فِي قَوْلِهِ ﵊ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ: " سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ مُعَلّق قبله بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرجل تصدق بِصَدقَة فأخفاها حَتَّى لاتعلم شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ". وَالْمَقْصُودُ أَنَّهَا دَعَتْهُ إِلَيْهَا وَحَرَصَتْ عَلَى ذَلِكَ أَشَدَّ الْحِرْصِ، فَقَالَ: " معَاذ الله إِنَّه ربى " يَعْنِي زَوْجَهَا صَاحِبَ الْمَنْزِلِ سَيِّدِي " أَحْسَنَ مَثْوَايَ " أَيْ أَحْسَنَ إِلَيَّ وَأَكْرَمَ مُقَامِي عِنْدَهُ " إِنَّهُ لَا يفلح الظَّالِمُونَ " وَقد تكلمنا على قَوْله تَعَالَى: " وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا [لَوْلَا أَنْ رأى برهَان ربه (١) ] بِمَا فِيهِ كِفَايَة ومقنع فِي التَّفْسِير.
وَأَكْثَرُ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ هَاهُنَا مُتَلَقًّى مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَالْإِعْرَاضُ عَنْهُ أَوْلَى بِنَا. وَالَّذِي يَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَصَمَهُ وَبَرَّأَهُ، وَنَزَّهَهُ عَنِ الْفَاحِشَةِ وَحَمَاهُ عَنْهَا وَصَانَهُ مِنْهَا، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: " كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ". " وَاسْتَبَقَا الْبَاب " أَي هرب مِنْهَا طَالبا الْبَابِ لِيَخْرُجَ مِنْهُ فِرَارًا مِنْهَا فَاتَّبَعَتْهُ فِي أَثَرِهِ " وَأَلْفَيَا " أَيْ وَجَدَا " سَيِّدَهَا " أَيْ زَوْجَهَا لَدَى الْبَاب، فبدرته بِالْكَلَامِ وَحَرَّضَتْهُ عَلَيْهِ، " قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَاب أَلِيم " اتَّهَمَتْهُ وَهِيَ الْمُتَّهَمَةُ، وَبَرَّأَتْ عِرْضَهَا وَنَزَّهَتْ سَاحَتَهَا. فَلِهَذَا قَالَ يُوسُفُ ﵇: " هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَفسِي "، احْتَاجَ إِلَى أَنْ يَقُولَ الْحَقَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ. " وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا ". قِيلَ كَانَ صَغِيرًا فِي الْمَهْدِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهِلَالِ بْنِ يَسَافٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَرَوَى فِيهِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَوَقَفَهُ غَيْرُهُ عَنْهُ. وَقِيلَ كَانَ رَجُلًا قَرِيبًا إِلَى " قطفير " بَعْلِهَا، وَقِيلَ قَرِيبًا إِلَيْهَا. وَمِمَّنْ قَالَ إِنَّهُ كَانَ رَجُلًا: ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ. فَقَالَ: " إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ من الْكَاذِبين " أَيْ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ رَاوَدَهَا فَدَافَعَتْهُ حَتَّى قدت مقدم قَمِيصه. " وَإِن كَانَ (٢١ - قصَص الانبياء ١)
َصَدَقَتْ وَهُوَ من الْكَاذِبين " أَيْ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ رَاوَدَهَا فَدَافَعَتْهُ حَتَّى قدت مقدم قَمِيصه. " وَإِن كَانَ (٢١ - قصَص الانبياء ١)
قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقين " [أَيْ] (١) لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ هَرَبَ مِنْهَا فَاتَّبَعَتْهُ وَتَعَلَّقَتْ فِيهِ فَانْشَقَّ قَمِيصُهُ لِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ كَانَ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: " فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كيدكن عَظِيم " أَيْ هَذَا الَّذِي جَرَى مِنْ مَكْرِكُنَّ، أَنْتِ (٢) راودتيه عَن نَفسه، ثمَّ اتهمتيه بِالْبَاطِلِ. ثُمَّ أَضْرَبَ بَعْلُهَا [عَنْ هَذَا (٣) ] صَفْحًا فَقَالَ: " يُوسُف أعرض عَن هَذَا " أَيْ لَا تَذْكُرُهُ لِأَحَدٍ، لِأَنَّ كِتْمَانَ مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ هُوَ الْأَلْيَقُ وَالْأَحْسَنُ وَأَمَرَهَا بِالِاسْتِغْفَارِ لِذَنْبِهَا الَّذِي صَدَرَ مِنْهَا، وَالتَّوْبَةِ إِلَى رَبِّهَا، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَابَ إِلَى اللَّهِ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَأهْلُ مِصْرَ وَإِنْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ إِلَّا أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي يَغْفِرُ الذُّنُوبَ وَيُؤَاخِذُ بِهَا هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي ذَلِكَ. وَلِهَذَا قَالَ لَهَا بَعْلُهَا، وَعَذَرَهَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ ; لِأَنَّهَا رَأَتْ مَا لَا صَبْرَ لَهَا عَلَى مِثْلِهِ، إِلَّا أَنَّهُ عَفِيفٌ نَزِيهٌ (٤) بَرِئُ الْعِرْضِ سَلِيمُ النَّاحِيَةِ فَقَالَ: " استغفري لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ".
" وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا، إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً، وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سكينا، وَقَالَت اخْرُج
نٍ * فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً، وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سكينا، وَقَالَت اخْرُج
عَلَيْهِنَّ، فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا، إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ، وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ، وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ * قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ، وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ". يَذْكُرُ تَعَالَى مَا كَانَ مِنْ قِبَلِ نِسَاءِ الْمَدِينَة، مِنْ نِسَاءِ الْأُمَرَاءِ وَبَنَاتِ الْكُبَرَاءِ فِي الطَّعْنِ عَلَى امْرَأَةِ الْعَزِيزِ وَعَيْبِهَا، وَالتَّشْنِيعِ عَلَيْهَا فِي مراودتها فتاها، وحبها الشَّديد لَهُ، وَهُوَ لَا يُسَاوِي هَذَا ; لِأَنَّهُ مَوْلًى مِنَ الْمَوَالِي وَلَيْسَ مِثْلُهُ أَهْلًا لِهَذَا. وَلِهَذَا قُلْنَ: " إِنَّا لنراها فِي ضلال مُبين " أَي فِي وَضعهَا الشئ فِي غير مَحَله. " فَلَمَّا سَمِعت بمكرهن " أَيْ بِتَشْنِيعِهِنَّ عَلَيْهَا وَالتَّنَقُّصِ لَهَا، وَالْإِشَارَةِ إِلَيْهَا بِالْعَيْبِ وَالْمَذَمَّةِ بِحُبِّ مَوْلَاهَا وَعِشْقِ فَتَاهَا، فَأَظْهَرْنَ ذَمًّا وَهِيَ مَعْذُورَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَلِهَذَا أَحَبَّتْ أَنْ تَبْسُطَ عُذْرَهَا عِنْدَهُنَّ، وَتُبَيِّنَ أَنَّ هَذَا الْفَتَى لَيْسَ كَمَا حَسِبْنَ، وَلَا مِنْ قبيل مالديهن. فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ فَجَمَعَتْهُنَّ فِي مَنْزِلِهَا، وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ ضِيَافَةَ مِثْلِهِنَّ، وَأَحْضَرَتْ فِي جُمْلَةِ ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا
فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ فَجَمَعَتْهُنَّ فِي مَنْزِلِهَا، وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ ضِيَافَةَ مِثْلِهِنَّ، وَأَحْضَرَتْ فِي جُمْلَةِ ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا يُقْطَعُ بِالسَّكَاكِينِ، كَالْأُتْرُجِّ وَنَحْوِهِ، وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَة مِنْهُنَّ سكينا، وَكَانَتْ قَدْ هَيَّأَتْ يُوسُفَ ﵇، وَأَلْبَسَتْهُ أَحْسَنَ الثِّيَابِ وَهُوَ فِي غَايَةِ طَرَاوَةِ الشَّبَابِ (١) وَأَمَرَتْهُ بِالْخُرُوجِ عَلَيْهِنَّ بِهَذِهِ (٢) الْحَالَةِ، فَخَرَجَ وَهُوَ أحسن من الْبَدْر لَا محَالة.
" فَلَمَّا رأينه أكبرنه " أَيْ أَعْظَمْنَهُ وَأَجْلَلْنَهُ وَهِبْنَهُ، وَمَا ظَنَنَّ أَنْ يكون مثلا هَذَا فِي بَنِي آدَمَ، وَبَهَرَهُنَّ حُسْنُهُ حَتَّى اشْتَغَلْنَ عَنْ أَنْفُسِهِنَّ، وَجَعَلْنَ يَحْزُزْنَ فِي أَيْدِيهِنَّ بِتِلْكَ السَّكَاكِينِ وَلَا يَشْعُرْنَ بِالْجِرَاحِ، وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا ملك كريم. وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ: فَمَرَرْتُ بِيُوسُفَ وَإِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ ". قَالَ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حُسْنِ آدَمَ ﵇، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، فَكَانَ فِي غَايَةِ نِهَايَاتِ الْحُسْنِ الْبَشَرِيِّ. وَلِهَذَا يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ عَلَى طُولِ آدَمَ وَحُسْنِهِ. وَيُوسُفُ كَانَ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حُسْنِ آدَمَ. وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا أَحْسَنُ مِنْهُمَا ; كَمَا أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ أُنْثَى بَعْدَ حَوَّاءَ أَشَبْهَ بِهَا مِنْ سَارَةَ امْرَأَةِ الْخَلِيلِ ﵇. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَكَانَ وَجْهُ يُوسُفَ مِثْلَ الْبَرْقِ، وَكَانَ إِذَا أَتَتْهُ امْرَأَةٌ لِحَاجَةٍ غَطَّى وَجْهَهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ فِي الْغَالِبِ مُبَرْقَعًا لِئَلَّا يَرَاهُ النَّاسُ. وَلِهَذَا لما قَامَ عذرن (١) امْرَأَةَ الْعَزِيزِ فِي مَحَبَّتِهَا لِهَذَا الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَجَرَى لَهُنَّ وَعَلَيْهِنَّ مَا جَرَى ; مِنْ تَقْطِيعِ أَيْدِيهِنَّ بِجِرَاحِ السَّكَاكِينِ، وَمَا رَكِبَهُنَّ مِنَ الْمَهَابَةِ وَالدَّهَشِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ وَمُعَايَنَتِهِ. " قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لمتننى فِيهِ " ثُمَّ مَدَحَتْهُ بِالْعِفَّةِ (٢) التَّامَّةِ فَقَالَتْ: " وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَن نَفسه فاستعصم " أَيِ امْتَنَعَ " وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ ليسجنن وليكونا من الصاغرين ". (١) ط: عذر. (٢) ط: بالعصمة. (*)
دْ رَاوَدْتُهُ عَن نَفسه فاستعصم " أَيِ امْتَنَعَ " وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ ليسجنن وليكونا من الصاغرين ". (١) ط: عذر. (٢) ط: بالعصمة. (*)
وَكَانَ بَقِيَّةُ النِّسَاءِ حَرَّضْنَهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِسَيِّدَتِهِ، فَأَبَى أَشَدَّ الْإِبَاءِ، وَنَأَى لِأَنَّهُ مِنْ سُلَالَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَدَعَا فَقَالَ فِي دُعَائِهِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ: " رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ، وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وأكن من الْجَاهِلين " يَعْنِي إِنْ وَكَلْتَنِي إِلَى نَفْسِي، فَلَيْسَ لِي مِنْ نَفْسِي إِلَّا الْعَجْزُ وَالضَّعْفُ، وَلَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ. فَأَنَا ضَعِيفٌ إِلَّا مَا قَوَّيْتَنِي وَعَصَمْتَنِي وَحَفِظْتَنِي، وَحُطْتَنِي بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: " فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيع الْعَلِيم * ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ * وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ; قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا، وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ، نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا، ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي، إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شئ،
مْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شئ، ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يشكرون * يَا صَاحِبي السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ؟ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ، أَمَرَ ان لَا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكثر النَّاس لَا يعْملُونَ * يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ: أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا، وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأسه قضى الامر الذى فِيهِ تستفتيان ".
يَذْكُرُ تَعَالَى عَنِ الْعَزِيزِ وَامْرَأَتِهِ أَنَّهُمْ بَدَا لَهُمْ، أَيْ ظَهَرَ لَهُمْ مِنَ الرَّأْيِ (١) بَعْدَ مَا عَلِمُوا بَرَاءَةَ يُوسُفَ أَنْ يَسْجُنُوهُ إِلَى وَقْتٍ ; لِيَكُونَ ذَلِكَ أَقَلَّ لِكَلَامِ النَّاسِ فِي تِلْكَ الْقَضِيَّة، وَأحمد لِأَمْرِهَا، وَلِيُظْهِرُوا أَنَّهُ رَاوَدَهَا عَنْ نَفْسِهَا فَسُجِنَ بِسَبَبِهَا، فَسَجَنُوهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا. وَكَانَ هَذَا مِمَّا قَدَّرَ اللَّهُ لَهُ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا عَصَمَهُ بِهِ ; فَإِنَّهُ أَبْعَدُ لَهُ عَنْ مُعَاشَرَتِهِمْ وَمُخَالَطَتِهِمْ. وَمِنْ هَاهُنَا اسْتَنْبَطَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ مَا حَكَاهُ عَنْهُمُ الشَّافِعِيُّ: أَنَّ مِنَ الْعِصْمَةِ أَنْ لَا تَجِد!. قَالَ الله: " وَدخل مَعَه السجْن فتيَان ": قِيلَ: كَانَ أَحَدُهُمَا سَاقِيَ الْمَلِكِ وَاسْمُهُ فِيمَا قيل " نبوا " وَالْآخَرُ خَبَّازَهُ، يَعْنِي الَّذِي يَلِي طَعَامَهُ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ لَهُ التُّرْكُ: " الْجَاشَنْكِيرُ " وَاسْمُهُ فِيمَا قيل " مجلث " وَكَانَ الْملك قد اتَّهَمَهُمَا قى بَعْضِ الْأُمُورِ فَسَجَنَهُمَا. فَلَمَّا رَأَيَا يُوسُفَ فِي السجْن أعجبهما سمته (٢) وهديه، ودله وطريقته، قَوْله وَفِعْلُهُ، وَكَثْرَةُ عِبَادَتِهِ رَبَّهُ، وَإِحْسَانُهُ إِلَى خَلْقِهِ، فَرَأى كل وَاحِد مهما رُؤْيَا تُنَاسِبُهُ. قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: رَأَيَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ. أَمَّا السَّاقِي فَرَأَى كَأَنَّ ثَلَاثَ قضبان من حبلة (٣) وَقد أَوْرَقَتْ وَأَيْنَعَتْ عَنَاقِيدُ الْعِنَبِ، فَأَخَذَهَا فَاعْتَصَرَهَا فِي كَأْسِ الْمَلِكِ وَسَقَاهُ. وَرَأَى الْخَبَّازُ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ سِلَالٍ مِنْ خُبْزٍ، وَضَوَارِي الطُّيُورِ تَأْكُلُ (٤) من السل الاعلى.
ا فِي كَأْسِ الْمَلِكِ وَسَقَاهُ. وَرَأَى الْخَبَّازُ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ سِلَالٍ مِنْ خُبْزٍ، وَضَوَارِي الطُّيُورِ تَأْكُلُ (٤) من السل الاعلى.
فقصاها عَلَيْهِ وطلبا مِنْهُ أَن يعبرها لَهما وَقَالا: " إِنَّا نرَاك من الْمُحْسِنِينَ " فَأَخْبرهُمَا أَنه عليم بتعبيرها خَبِير بأمرها، " وَقَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قبل أَن يأتيكما ". قِيلَ: مَعْنَاهُ مَهْمَا رَأَيْتُمَا مِنْ حُلْمٍ فَإِنِّي أعبره لكم قَبْلَ وُقُوعِهِ فَيَكُونُ كَمَا أَقُولُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إِنِّي أُخْبِرُكُمَا بِمَا يَأْتِيكُمَا مِنَ الطَّعَامِ قَبْلَ مَجِيئه حلوا وحامضا، كَمَا قَالَ عِيسَى: " وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ". وَقَالَ لَهُمَا: إِنَّ هَذَا مِنْ تَعْلِيمِ اللَّهِ إِيَّايَ، لِأَنِّي مُؤْمِنٌ بِهِ مُوَحِّدٌ لَهُ، مُتَّبِعٌ مِلَّةَ آبَائِي الْكِرَامِ: إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ. " مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شئ، ذَلِك من فضل الله علينا " أَي بِأَن هدَانَا لهَذَا، " وعَلى النَّاس " أَيْ بِأَنْ أَمَرَنَا أَنْ نَدْعُوَهُمْ إِلَيْهِ وَنُرْشِدَهُمْ وَنَدُلَّهُمْ عَلَيْهِ. وَهُوَ فِي فِطَرِهِمْ مَرْكُوزٌ، وَفِي جِبِلَّتِهِمْ مَغْرُوزٌ " وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ".
َنُرْشِدَهُمْ وَنَدُلَّهُمْ عَلَيْهِ. وَهُوَ فِي فِطَرِهِمْ مَرْكُوزٌ، وَفِي جِبِلَّتِهِمْ مَغْرُوزٌ " وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ". ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ وَذَمَّ عِبَادَةَ مَا سوى الله عزوجل، وَصغر أَمر الاوثان وحقرها، وَضعف أمرهَا فَقَالَ: " يَا صَاحِبي السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سميتوها أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان، إِن الحكم إِلَّا الله " [أَي الْمُتَصَرِّفُ فِي خَلْقِهِ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ، الَّذِي يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ (١) ] " أَمَرَ أَن لَا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه " [أَي وَحده لَا شريك لَهُ (١) ] و " ذَلِك الدّين الْقيم " أَيِ الْمُسْتَقِيمُ وَالصِّرَاطُ الْقَوِيمُ " وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يعلمُونَ " أَيْ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ إِلَيْهِ مَعَ وُضُوحِهِ وظهوره.
وَكَانَت دَعوته لَهما فِي هَذَا الْحَالِ فِي غَايَةِ الْكَمَالِ ; لِأَنَّ نُفُوسَهُمَا مُعَظِّمَةٌ لَهُ، مُنْبَعِثَةٌ عَلَى تَلَقِّي مَا يَقُولُ بِالْقَبُولِ، فَنَاسَبَ أَنْ يَدْعُوَهُمَا إِلَى مَا هُوَ الْأَنْفَعُ لَهُمَا مِمَّا سَأَلَا عَنْهُ وَطَلَبَا مِنْهُ. ثُمَّ لَمَّا قَامَ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَأَرْشَدَ إِلَى مَا أَرْشَدَ إِلَيْهِ قَالَ: " يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أما أَحَدكُمَا فيسقى ربه خمرًا " [قَالُوا وَهُوَ السَّاقِي (١) ] " وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطير من رَأسه " [قَالُوا وَهُوَ الْخَبَّازُ (١) ] " قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تستفتيان " أَيْ وَقَعَ هَذَا لَا مَحَالَةَ، وَوَجَبَ كَوْنُهُ عَلَى كُلِّ حَالَةٍ. وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ (٢) ; فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ ".
َوْنُهُ عَلَى كُلِّ حَالَةٍ. وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ (٢) ; فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ ". [وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمُجَاهِدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسلم أَنَّهُمَا قَالَا: لما نَرَ شَيْئًا فَقَالَ لَهُمَا: " قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تستفتيان (٣) "] " وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السجْن بضع سِنِين ". يخبر تَعَالَى أَن يُوسُف قَالَ للذى ظَنّه ناجيا مِنْهُمَا وَهُوَ الساقى: " اذْكُرْنِي عِنْد رَبك "، يَعْنِي اذْكُرْ أَمْرِي وَمَا أَنَا فِيهِ مِنَ السَّجْنِ بِغَيْرِ جُرْمٍ عِنْدَ الْمَلِكِ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ السَّعْيِ (٤) فِي الْأَسْبَابِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ التَّوَكُّلَ عَلَى رَبِّ الْأَرْبَابِ. وَقَوْلُهُ: " فأنساه الشَّيْطَان ذكر ربه " أَيْ فَأَنْسَى النَّاجِيَ مِنْهُمَا الشَّيْطَانُ أَنْ يَذْكُرَ مَا وَصَّاهُ بِهِ يُوسُفُ ﵇. قَالَهُ مُجَاهِد وَمُحَمّد بن
إِسْحَق وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَهُوَ الصَّوَابُ، وَهُوَ مَنْصُوصُ أَهْلِ الْكتاب. " فَلبث " يُوسُف " فِي السجْن بضع سِنِين ". وَالْبِضْعُ: مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ، وَقِيلَ إِلَى السَّبْعِ، وَقِيلَ إِلَى الْخَمْسِ، وَقِيلَ مَا دون الْعشْرَة حَكَاهَا الثَّعْلَبِيّ. وَيُقَال بضع نشوة وَبِضْعَةُ رِجَالٍ. وَمَنَعَ الْفَرَّاءُ اسْتِعْمَالَ الْبِضْعِ فِيمَا دُونَ الْعَشْرِ. قَالَ: وَإِنَّمَا يُقَالُ نَيِّفٌ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ " [وَقَالَ تَعَالَى: " فِي بضع سِنِين (١) "] . وَهَذَا رَدٌّ لِقَوْلِهِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: وَيُقَالُ بِضْعَةَ عَشَرَ وَبِضْعَةٌ وَعِشْرُونَ إِلَى التِّسْعِينَ، وَلَا يُقَالُ: بِضْعٌ وَمِائَةٌ، وَبِضْعٌ وَأَلْفٌ. وَخَالَفَ الْجَوْهَرِيُّ فِيمَا زَادَ عَلَى بِضْعَةَ عَشَرَ، فَمَنَعَ أَنْ يُقَالَ بِضْعَةٌ وَعِشْرُونَ إِلَى تِسْعِينَ. وَفِي الصَّحِيحِ: " الْإِيمَانُ بضع وَسِتُّونَ شُعْبَة، وفى رِوَايَة وَسَبْعُونَ شُعْبَة، وأعلاها (٢) قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الاذى عَن الطَّرِيق ". وَمن قَالَ إِن الصمير فِي قَوْله: " فأنساه الشَّيْطَان ذكر ربه " عَائِدٌ عَلَى يُوسُفَ فَقَدْ ضَعُفَ مَا قَالَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ. وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ضَعِيفٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. تَفَرَّدَ بِإِسْنَادِهِ إِبْرَاهِيم بن يزِيد الخورى الْمَكِّيُّ وَهُوَ مَتْرُوكٌ. وَمُرْسَلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ لَا يقبل، وَلَا هَاهُنَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَأَمَّا قَول ابْن حبَان فِي صَحِيحه، عِنْد ذِكْرُ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ لَبِثَ يُوسُفُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ: أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْحباب الجمحى، [حَدثنَا
ي صَحِيحه، عِنْد ذِكْرُ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ لَبِثَ يُوسُفُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ: أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ الْحباب الجمحى، [حَدثنَا
مُسَدّد بن مسرهد، حَدثنَا خَالِد بن عبد الله، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " رَحِمَ اللَّهُ يُوسُفَ لَوْلَا الْكَلِمَة الَّتِى قَالَهَا " اذْكُرْنِي عِنْد رَبك " مَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ، وَرَحِمَ اللَّهُ لُوطًا إِنْ كَانَ لَيَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: " لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ "، قَالَ: فَمَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا بَعْدَهُ إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ ". فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ لَهُ أَشْيَاءُ يَنْفَرِدُ بِهَا وَفِيهَا نَكَارَةٌ. وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ مِنْ أَنْكَرِهَا [وَأَشَدِّهَا (١) ] وَالَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ يَشْهَدُ بِغَلَطِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
-
-
- " وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عجاف، وَسبع سنبلات خضر وَأخر يابسات، يَا أَيهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ * وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بعد أمة، أَنا أنبئكم بتأويله فأرسلون. يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ، أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سمان يأكلهن سبع عجاف، وَسبع سنبلات خضر وَأخر يَا بسات، لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا، فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يغاث النَّاس وَفِيه يعصرون.
-
َادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يغاث النَّاس وَفِيه يعصرون. "
هَذَا كَانَ من جملَة أَسبَاب خُرُوج يُوسُف ﵇ من السجْن على وَجه الاحترام والاكرام، وَذَلِكَ أَن ملك مصر، وَهُوَ الريان بن الْوَلِيد (١) ابْن ثروان بن أراشة بن فاران بن عَمْرو بْنِ عِمْلَاقِ بْنِ لَاوَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نوح، رأى هَذِه الرُّؤْيَا. قَالَ أهل الْكتاب: رأى كَأَنَّهُ على حافة نهر، وَكَأَنَّهُ قد خرج مِنْهُ سبع بقرات سمان، فَجعلْنَ يرتعن فِي رَوْضَة هُنَاكَ، فَخرجت سبع هزال ضِعَاف من ذَلِك النَّهر، فرتعن مَعَهُنَّ ثمَّ ملن عَلَيْهِنَّ فأكلتهن، فَاسْتَيْقَظَ مذعورا. ثمَّ نَام فَرَأى سبع سنبلات خضر فِي قَصَبَة وَاحِدَة، وَإِذا سبع أخر دقاق يَا بسات فأكلنهن، فَاسْتَيْقَظَ مذعورا. فَلَمَّا قصها على ملئه وَقَومه لم يكن فيهم من يحسن تعبيرها، بل " قَالُوا أضغاث أَحْلَام " أَيْ أَخْلَاطُ أَحْلَامٍ مِنَ اللَّيْلِ، لَعَلَّهَا لَا تَعْبِيرَ لَهَا، وَمَعَ هَذَا فَلَا خِبْرَةَ لَنَا بِذَلِكَ. وَلِهَذَا قَالُوا: " وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بعالمين " فَعِنْدَ ذَلِكَ تَذَكَّرَ النَّاجِي مِنْهُمَا، الَّذِي وَصَّاهُ يُوسُف بِأَن يذكرهُ عِنْد ربه فنسيه إِلَى حِينِهِ هَذَا، وَذَلِكَ عَنْ تَقْدِيرِ اللَّهِ عزوجل وَلَهُ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ. فَلَمَّا سَمِعَ رُؤْيَا الْمَلِكِ، وَرَأَى عَجْزَ، النَّاسِ عَنْ تَعْبِيرِهَا، تَذَكَّرَ أَمْرَ يُوسُفَ، وَمَا كَانَ أَوْصَاهُ بِهِ مِنَ التَّذْكَارِ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: " وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وادكر " أَي تذكر " بعد أمة " أَيْ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ الزَّمَانِ، وَهُوَ بِضْعُ سِنِين. وَقَرَأَ بَعضهم



