— Bagian 9 · عَنْهُم، كَمَا كَانَ يصنع بهم فِي غَيرهم، وَكَان… —
Bagian 9
عَنْهُم، كَمَا كَانَ يصنع بهم فِي غَيرهم، وَكَانُوا قد اشتطروا عَلَيْهِ أَنْ لَا يُضِيفَ أَحَدًا، وَلَكِنْ رَأَى مَنْ لَا يُمْكِنُ الْمَحِيدُ عَنْهُ. وَذَكَرَ قَتَادَةُ: أَنَّهُمْ وَرَدُوا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي أَرْضٍ لَهُ يعْمل فِيهَا، فتضيفوا فاستحيا مِنْهُمْ وَانْطَلَقَ أَمَامَهُمْ، وَجَعَلَ يُعَرِّضُ لَهُمْ فِي الْكَلَامِ لَعَلَّهُمْ يَنْصَرِفُونَ
عَنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَيَنْزِلُونَ فِي غَيْرِهَا، فَقَالَ لَهُمْ فِيمَا قَالَ: [وَاللَّهِ (١) ] يَا هَؤُلَاءِ مَا أَعْلَمُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَهْلَ بَلَدٍ أَخْبَثَ مِنْ هَؤُلَاءِ. ثُمَّ مَشَى قَلِيلًا، ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَتَّى كَرَّرَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، قَالَ: وَكَانُوا قَدْ أُمِرُوا أَنْ لَا يُهْلِكُوهُمْ حَتَّى شهد عَلَيْهِمْ نَبِيُّهُمْ بِذَلِكَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: خَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ من عِنْد إِبْرَاهِيم نَحْو قَرْيَة لُوطٍ، فَأَتَوْهَا نِصْفَ النَّهَارِ، فَلَمَّا بَلَغُوا نَهْرَ سَدُومَ لَقُوا ابْنَةَ لُوطٍ تَسْتَقِي مِنَ الْمَاءِ لاهلها، وَكَانَت لَهُ ابنتان: اسْم الْكُبْرَى " ريثا " وَالصُّغْرَى " زغرتا ". فَقَالُوا لَهَا: يَا جَارِيَةُ، هَلْ مِنْ مَنْزِلٍ؟ فَقَالَت لَهُم: [نعم (٢) ] مَكَانكُمْ لَا تدْخلُوا حَتَّى آتيكم. شَفَقَة (٣) عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْمِهَا، فَأَتَتْ أَبَاهَا فَقَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ! أَرَادَكَ فِتْيَانٌ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ، مَا رَأَيْتُ وُجُوهَ قَوْمٍ قَطُّ هِيَ أَحْسَنَ مِنْهُمْ، لَا يَأْخُذُهُمْ قَوْمُكَ فَيَفْضَحُوهُمْ. وَقَدْ كَانَ قَوْمُهُ (٤) نهوه أَن يضيف رجلا [فَقَالُوا: خل عَنَّا فلنضف الرِّجَال (٢) ] . فَجَاءَ بِهِمْ فَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ إِلَّا أَهْلُ الْبَيْتِ، فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ فَأَخْبَرَتْ قَوْمَهَا ; فَقَالَتْ: إِنَّ فِي بَيْتِ لُوطٍ رِجَالًا مَا رَأَيْتُ مِثْلَ وُجُوهِهِمْ قَطُّ. فَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ.
ُ فَأَخْبَرَتْ قَوْمَهَا ; فَقَالَتْ: إِنَّ فِي بَيْتِ لُوطٍ رِجَالًا مَا رَأَيْتُ مِثْلَ وُجُوهِهِمْ قَطُّ. فَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: " وَمن قبل كَانُوا يعْملُونَ السَّيِّئَات " أَيْ هَذَا مَعَ مَا سَلَفَ لَهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ الْعَظِيمَةِ الْكَبِيرَةِ الْكَثِيرَةِ، " قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بناتى هن أطهر لكم " يُرْشِدُهُمْ إِلَى غِشْيَانِ نِسَائِهِمْ وَهُنَّ بَنَاتُهُ شَرْعًا ; لَان النَّبِي
لِلْأُمَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: " النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أنفسهم وأزواجه أمهاتهم (١) " وفى قَول بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ: وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ: " أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ، بَلْ أَنْتُمْ قوم عادون (٢) ". وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَهُوَ الصَّوَابُ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ خَطَأٌ مَأْخُوذٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَدْ تَصَحَّفَ عَلَيْهِم كَمَا أخطأوا فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانُوا اثْنَيْنِ، وَإِنَّهُمْ تَعَشَّوْا عِنْدَهُ. وَقَدْ خَبَّطَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ تَخْبِيطًا عَظِيمًا. وَقَوْلُهُ: " فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي، أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رشيد؟ " نهى لَهُم عَن تعاطى مَالا يَلِيقُ مِنَ الْفَاحِشَةِ، وَشَهَادَةٌ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ رَجُلٌ لَهُ مُسْكَةٌ وَلَا فِيهِ خَيْرٌ، بل الْجَمِيع سُفَهَاء، فجرة أقوياء، كفرة أغبياء (٣) . وَكَانَ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا أَرَادَ الْمَلَائِكَةُ أَن يسمعوه مِنْهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْأَلُوهُ عَنْهُ. فَقَالَ قَوْمُهُ، عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ الْحَمِيدِ الْمَجِيدِ، مُجِيبِينَ لِنَبِيِّهِمْ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنَ الْأَمْرِ السَّدِيدِ: " لقد علمت مالنا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيد ". يَقُولُونَ - عَلَيْهِم لعائن الله - لقد علمت يالوط إِنَّهُ لَا أَرَبَ لَنَا فِي نِسَائِنَا، وَإِنَّكَ لتعلم مرادنا وغرضنا.
لَتَعْلَمُ مَا نُرِيد ". يَقُولُونَ - عَلَيْهِم لعائن الله - لقد علمت يالوط إِنَّهُ لَا أَرَبَ لَنَا فِي نِسَائِنَا، وَإِنَّكَ لتعلم مرادنا وغرضنا.
وَاجَهُوا بِهَذَا الْكَلَامِ الْقَبِيحِ رَسُولَهُمُ الْكَرِيمَ، وَلَمْ يَخَافُوا سَطْوَةَ الْعَظِيمِ، ذِي الْعَذَابِ الْأَلِيمِ. وَلِهَذَا قَالَ ﵇: " لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّة أَو آوى إِلَى ركن شَدِيد ". وَدَّ أَنْ لَوْ كَانَ لَهُ بِهِمْ قُوَّةٌ، أَوله مَنْعَة وشعيرة يَنْصُرُونَهُ عَلَيْهِمْ، لِيُحِلَّ بِهِمْ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الْعَذَابِ عَلَى هَذَا الْخِطَابِ. وَقَدْ قَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ ". وَرَوَاهُ أَبُو الزِّنَادِ (١) عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " رَحْمَةُ اللَّهِ على لوط، إِن كَانَ يَأْوِي (٢) إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ - يَعْنِي اللَّهَ عزوجل - فَمَا بَعَثَ اللَّهُ بَعْدَهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ ". وَقَالَ تَعَالَى: " وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ * قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ * قَالُوا أَو لم نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ * قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُم فاعلين ". فَأَمَرَهُمْ بِقُرْبَانِ نِسَائِهِمْ، وَحَذَّرَهُمُ الِاسْتِمْرَارَ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ وسيآتهم. هَذَا وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَنْتَهُونَ وَلَا يَرْعَوُونَ، بَلْ كُلَّمَا نَهَاهُمْ (٣) يُبَالِغُونَ فِي تَحْصِيلِ هَؤُلَاءِ الضيفان ويحرصون، وَلم يعلمُوا ماحم (٤) بِهِ الْقدر مماهم إِلَيْهِ صائرون وصبيحة ليلتهم إِلَيْهِ منقلبون.
مْ (٣) يُبَالِغُونَ فِي تَحْصِيلِ هَؤُلَاءِ الضيفان ويحرصون، وَلم يعلمُوا ماحم (٤) بِهِ الْقدر مماهم إِلَيْهِ صائرون وصبيحة ليلتهم إِلَيْهِ منقلبون.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُقْسِمًا بِحَيَاةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سكرتهم يعمهون " وَقَالَ تَعَالَى: " وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ * وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ " (١) . ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ وَغَيْرُهُمْ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ لُوطًا ﵇ جَعَلَ يُمَانِعُ قَوْمَهُ الدُّخُولَ وَيُدَافِعُهُمْ وَالْبَابُ مُغْلَقٌ، وَهُمْ يَرُومُونَ فَتْحَهُ وَوُلُوجَهُ، وَهُوَ يَعِظهُمْ وينهاهم من وَرَاء الْبَاب، وكل مَالهم فِي إلحاج وإنحاح (٢) ، فَلَمَّا ضَاقَ الْأَمْرُ وَعَسُرَ الْحَالُ قَالَ [مَا قَالَ (٣) ] " لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوى إِلَى ركن شَدِيد "، لَأَحْلَلْتُ بِكُمُ النَّكَالَ. قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: " يَا لُوطُ إِنَّا رسل رَبك لن يصلوا إِلَيْك " وَذَكَرُوا أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ خَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَضَرَبَ وُجُوهَهُمْ خَفْقَةً بِطَرَفِ جَنَاحِهِ فَطُمِسَتْ أَعْيُنُهُمْ، حَتَّى قِيلَ إِنَّهَا غَارَتْ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا مَحَلٌّ وَلَا عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ، فَرَجَعُوا يتحسسون مَعَ الْحِيطَانِ، وَيَتَوَعَّدُونَ رَسُولَ الرَّحْمَنِ، وَيَقُولُونَ إِذَا كَانَ الْغَدُ كَانَ لَنَا وَلَهُ شَأنٌ!. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَاب مُسْتَقر " (٤) . فَذَلِك أَن الْمَلَائِكَة تقدّمت إِلَى لوط، ﵇، آمِرِينَ لَهُ بِأَنْ يَسْرِيَ هُوَ وَأَهْلُهُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ. " وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ "، يعْنى عِنْد
سَمَاعِ صَوْتِ الْعَذَابِ إِذَا حَلَّ بِقَوْمِهِ. وَأَمَرُوهُ أَنْ يَكُونَ سَيْرُهُ فِي آخِرِهِمْ كَالسَّاقَةِ لَهُمْ. وَقَوله: " إِلَّا امْرَأَتك " عَلَى قِرَاءَةِ النَّصْبِ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى من قَوْله: " فَأسر بأهلك " كَأَنَّهُ يَقُول إِلَّا امْرَأَتك فَلَا تشربها، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِ: " وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُم أحد إِلَّا امْرَأَتَكَ " أَيْ فَإِنَّهَا سَتَلْتَفِتُ فَيُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ. وَيُقَوِّي هَذَا الِاحْتِمَالَ قِرَاءَةُ الرَّفْعِ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَاسْمُ امْرَأَةِ لُوطٍ " وَالِهَةُ "، وَاسْمُ امْرَأَةِ نُوحٍ " وَالِغَةُ " وَقَالُوا لَهُ مُبَشِّرِينَ بِهَلَاكِ هَؤُلَاءِ الْبُغَاةِ الْعُتَاةِ، الْمَلْعُونِينَ النُّظَرَاءِ وَالْأَشْبَاهِ الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللَّهُ سَلَفًا لِكُلِّ خَائِنٍ مُرِيبٍ: " إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْح أَلَيْسَ الصُّبْح بقريب ". فَلَمَّا خَرَجَ لُوطٌ ﵇ بِأَهْلِهِ، وَهُمُ ابنتاه، لم يَتْبَعْهُ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَيُقَالُ إِنَّ امْرَأَتَهُ خَرَجَتْ مَعَهُ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَلَمَّا خَلَصُوا مِنْ بِلَادهمْ وطلعت الشَّمْس فَكَانَت عِنْدَ شُرُوقِهَا، جَاءَهُمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا لايرد، وَمِنَ الْبَأْسِ الشَّدِيدِ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُصَدَّ. وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ: أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَمَرُوهُ أَنْ يَصْعَدَ إِلَى رَأْسِ الْجَبَلِ الَّذِي هُنَاكَ فَاسْتَبْعَدَهُ، وَسَأَلَ مِنْهُمْ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى قَرْيَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْهُمْ، فَقَالُوا اذْهَبْ فَإِنَّا نَنْتَظِرُكَ حَتَّى تَصِيرَ إِلَيْهَا وَتَسْتَقِرَّ فِيهَا، ثُمَّ نُحِلَّ بِهِمُ الْعَذَاب. فَذكرُوا أَنه ذهب إِلَى قَرْيَة " صوعر " (١) الَّتِي يَقُولُ النَّاسُ: غَوْرُ زُغَرَ، فَلَمَّا أَشْرَقَتِ الشَّمْس نزل بهم الْعَذَاب.
ِمُ الْعَذَاب. فَذكرُوا أَنه ذهب إِلَى قَرْيَة " صوعر " (١) الَّتِي يَقُولُ النَّاسُ: غَوْرُ زُغَرَ، فَلَمَّا أَشْرَقَتِ الشَّمْس نزل بهم الْعَذَاب.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمين بِبَعِيد ". قَالُوا: اقْتَلَعَهُنَّ جِبْرِيلُ بِطَرَفِ جَنَاحِهِ مِنْ قَرَارِهِنَّ - وَكُنَّ سَبْعَ مُدُنٍ - بِمَنْ فِيهِنَّ مِنَ الْأُمَمِ، فَقَالُوا إِنَّهُم كَانُوا أَرْبَعمِائَة نسمَة، وَقيل أَرْبَعَة آلَاف (١) نَسَمَةٍ، وَمَا مَعَهُمْ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ، وَمَا يَتْبَعُ تِلْكَ الْمُدُنَ مِنَ الْأَرَاضِي وَالْأَمَاكِنِ وَالْمُعْتَمَلَاتِ. فَرَفَعَ الْجَمِيعَ حَتَّى بَلَغَ بِهِنَّ عَنَانَ السَّمَاءِ، حَتَّى سَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ أَصْوَاتَ دِيَكَتِهِمْ وَنُبَاحَ كِلَابِهِمْ، ثُمَّ قَلَبَهَا عَلَيْهِمْ، فَجَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا. قَالَ مُجَاهِدٌ: فَكَانَ أَوَّلَ مَا سَقَطَ مِنْهَا شُرُفَاتُهَا. " وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم حِجَارَة من سجيل ". [وَالسِّجِّيلُ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ (٢) ] وَهُوَ الشَّدِيدُ الصُّلْبُ الْقَوِيُّ، " مَنْضُودٍ " أَيْ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا فِي نُزُولِهَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ.
ِيٌّ مُعَرَّبٌ (٢) ] وَهُوَ الشَّدِيدُ الصُّلْبُ الْقَوِيُّ، " مَنْضُودٍ " أَيْ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا فِي نُزُولِهَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ. " مُسَوَّمَةً " أَيْ مُعَلَّمَةً مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ حَجْرٍ اسْمُ صَاحِبِهِ الَّذِي يَهْبِطُ عَلَيْهِ فَيَدْمَغُهُ، كَمَا قَالَ: " مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ للمسرفين " وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: " وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مطر الْمُنْذرين "، وَقَالَ تَعَالَى: " وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى فبأى آلَاء رَبك تتمارى " يَعْنِي (٣) قَلَبَهَا فَأَهْوَى بِهَا مُنَكَّسَةً عَالِيَهَا سَافِلَهَا، وَغَشَّاهَا بِمَطَرٍ مِنْ حِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، مُتَتَابِعَةٍ، مسومة مرقومة عَلَى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ صَاحِبِهِ الَّذِي سَقَطَ عَلَيْهِ ; مِنَ الْحَاضِرِينَ مِنْهُمْ فِي بَلَدِهِمْ، وَالْغَائِبِينَ عَنْهَا مِنَ الْمُسَافِرِينَ وَالنَّازِحِينَ وَالشَّاذِّينَ مِنْهَا. وَيُقَالُ إِنَّ امْرَأَةَ لُوطٍ مَكَثَتْ مَعَ قَوْمِهَا، وَيُقَالُ إِنَّهَا خرجت مَعَ زَوجهَا
لْمُسَافِرِينَ وَالنَّازِحِينَ وَالشَّاذِّينَ مِنْهَا. وَيُقَالُ إِنَّ امْرَأَةَ لُوطٍ مَكَثَتْ مَعَ قَوْمِهَا، وَيُقَالُ إِنَّهَا خرجت مَعَ زَوجهَا
وَبِنْتَيْهَا، وَلَكِنَّهَا لَمَّا سَمِعَتِ الصَّيْحَةَ وَسُقُوطَ الْبَلْدَةِ، الْتفت إِلَى قَوْمِهَا وَخَالَفَتْ أَمْرَ رَبِّهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَقَالَتْ: وَاقَوْمَاهْ (١) ! فَسَقَطَ عَلَيْهَا حَجْرٌ فَدَمَغَهَا وَأَلْحَقَهَا بِقَوْمِهَا ; إِذْ كَانَتْ عَلَى دِينِهِمْ، وَكَانَتْ عَيْنًا لَهُمْ عَلَى مَنْ يَكُونُ عِنْدَ لُوطٍ مِنَ الضِّيفَانِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: " ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا للَّذين كفرُوا امْرَأَة نوح وَامْرَأَة لوط، كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ، فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يغنيا عَنْهُمَا من الله مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الداخلين " (٢) أَي خانتاهما فِي الدّين فَلم يتبعاهما فِيهِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمَا كَانَتَا عَلَى فَاحِشَةٍ - حاشا وكلا وَلما فَإِن الله لَا يقدر على نبى قطّ (٣) أَنْ تَبْغِيَ امْرَأَتُهُ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: مَا بَغَتِ امْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ. وَمَنْ قَالَ خِلَافَ هَذَا قد أَخْطَأَ خَطَأً كَبِيرًا (٤) . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ، لَمَّا أَنْزَلَ بَرَاءَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَة نبت الصِّدِّيقِ، زَوْجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا فَعَاتَبَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَّبَ وَزَجَرَ، وَوَعَظَ وحذر قَالَ فِيمَا قَالَ: " إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا، سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم " (٥) أَي سُبْحَانَكَ أَن تكون زَوْجَة نبيك بِهَذِهِ المثابة.
وَقَوله هُنَا: " وَمَا هِيَ من الظَّالِمين بِبَعِيد " أَيْ وَمَا هَذِهِ الْعُقُوبَةُ بِبَعِيدَةٍ مِمَّنْ أَشْبَهَهُمْ فِي فِعْلِهِمْ. وَلِهَذَا ذَهَبَ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ اللَّائِطَ يُرْجَمُ، سَوَاءٌ كَانَ مُحصنا أَولا. وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَطَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ ". وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَن اللائط يلقى من شَاهِق [جبل] (١) وَيُتْبَعُ بِالْحِجَارَةِ كَمَا فُعِلَ بِقَوْمِ لُوطٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " وَمَا هِيَ الظَّالِمين بِبَعِيد " وَجَعَلَ اللَّهُ مَكَانَ تِلْكَ الْبِلَادِ بَحْرَةً مُنْتِنَةً لَا يُنْتَفَعُ بِمَائِهَا، وَلَا بِمَا حَوْلَهَا مِنَ الْأَرَاضِي الْمُتَاخِمَةِ لِفِنَائِهَا، لِرَدَاءَتِهَا وَدَنَاءَتِهَا فَصَارَتْ عِبْرَةً وَمَثُلَةً وَعِظَةً وَآيَةً عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَظَمَتِهِ، وَعِزَّتِهِ فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنْ خَالَفَ أَمْرَهُ، وَكَذَّبَ رُسُلَهُ، وَاتَّبَعْ هَوَاهُ وَعَصَى مَوْلَاهُ، وَدَلِيلًا عَلَى رَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِنْجَائِهِ إِيَّاهُمْ مِنَ الْمُهْلِكَاتِ، وَإِخْرَاجِهِ إِيَّاهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهو الْعَزِيز الْحَكِيم ". وَقَالَ الله تَعَالَى: " فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِك لآيَة للْمُؤْمِنين " أَي من نظر بِعَين
نْ سِجِّيلٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِك لآيَة للْمُؤْمِنين " أَي من نظر بِعَين
الْفِرَاسَةِ وَالتَّوَسُّمِ فِيهِمْ (١) ، كَيْفَ غَيَّرَ اللَّهُ تِلْكَ الْبِلَادَ وَأَهْلَهَا؟ وَكَيْفَ جَعَلَهَا بَعْدَ مَا كَانَتْ آهِلَةً عَامِرَةً هَالِكَةً غَامِرَةً؟ كَمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مَرْفُوعًا: " اتَّقَوْا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ " ثُمَّ قَرَأَ: " إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات للمتوسمين ". وَقَوله: " وَإِنَّهَا لبسبيل مُقيم " أَيْ لَبِطَرِيقٍ مَهْيَعٍ مَسْلُوكٍ إِلَى الْآنَ. كَمَا قَالَ: " وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تعقلون ". وَقَالَ تَعَالَى: " وَلَقَد تركناها آيَة بَيِّنَة لقوم يعْقلُونَ " وَقَالَ تَعَالَى: " فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤمنِينَ * فَمَا وجدنَا فيخها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً للَّذين يخَافُونَ الْعَذَاب الاليم ". أَيْ تَرَكْنَاهَا عِبْرَةً وَعِظَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ، وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ، وَخَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، فَانْزَجَرَ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ وَتَرَكَ مَعَاصِيَهُ، وَخَافَ أَنْ يُشَابِهَ قَوْمَ لُوطٍ. وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَمِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ ; كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا قَوْمَ لُوطٍ بِعَيْنِهِمْ * فَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيد فالعاقل اللبيب الفاهم الْخَائِف من ربه، يمتثل مَا أمره الله بِهِ عزوجل، وَيقبل مَا أرشده إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِتْيَانِ مَا خُلِقَ لَهُ مِنَ الزَّوْجَاتِ الْحَلَالِ، وَالْجَوَارِي مِنَ السَّرَارِيِّ ذَوَاتِ الْجَمَالِ، وَإِيَّاهُ أَنْ يَتَّبِعَ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ، فَيَحِقَّ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ، وَيَدْخُلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: " وَمَا هِيَ من الظَّالِمين بِبَعِيد ".
اهُ أَنْ يَتَّبِعَ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ، فَيَحِقَّ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ، وَيَدْخُلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: " وَمَا هِيَ من الظَّالِمين بِبَعِيد ".
مَدين قصَّة قوم شُعَيْب ﵇ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ بَعْدَ قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ: " وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قوم اعبدوا الله مالكم مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ، فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ، وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا، وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ * وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا، فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا، وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا، قَالَ: أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ * قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا، وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا، وَسِعَ رَبُّنَا كل شئ عِلْمًا، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا، رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ * وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ: لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا، الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هم الخاسرين *.
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رسالات ربى وَنَصَحْت لكم فَكيف آمى على قوم كَافِرين " (١) . وَقَالَ فِي سُورَةِ هُودٍ بَعْدَ قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ أَيْضًا: " وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قوم اعبدوا الله مالكم مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إنى أَرَاكُم بِخَير، وإنى أخاد عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ، وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بحفيظ * قَالُوا يَا شُعَيْب أصلوتك تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا؟ أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ؟ إِنَّكَ لانت الْحَلِيم الرشيد * قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا، وَمَا أُرِيد أَن أخالفكم إِلَى مَا أَنَّهَا كم عَنْهُ، إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ، وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ * وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ، وَمَا قَوْمُ لوط مِنْك بِبَعِيد * وَاسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ توبو إِلَيْهِ إِن ربى رَحِيم ودود * قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ، وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا، وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ * قَالَ يَا قوم أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظهريا؟ إِن ربى بِمَا تعلمُونَ مُحِيط * وَيَا قوم
ا بِعَزِيزٍ * قَالَ يَا قوم أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظهريا؟ إِن ربى بِمَا تعلمُونَ مُحِيط * وَيَا قوم
اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ، سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ، وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ * وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا، وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لمدين كَمَا بَعدت ثَمُود " (١) . وَقَالَ فِي الْحجر بعد قصَّة قوم لوط أَيْضا: وَإِن كَانَ أَصْحَاب لايكة لظالمين * فانتقمنا مِنْهُم وإنهما لبإمام مُبين " (٢) . وَقَالَ تَعَالَى فِي الشُّعَرَاءِ بَعْدَ قِصَّتِهِمْ: " كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ * قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ، فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ، إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهو الْعَزِيز الرَّحِيم " (٣) .
نَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهو الْعَزِيز الرَّحِيم " (٣) .
-
-
- كَانَ أَهْلُ مَدْيَنَ قَوْمًا عَرَبًا يَسْكُنُونَ مَدِينَتَهُمْ " مَدين " الَّتِى هِيَ قريبَة (٤) مِنْ أَرْضِ مُعَانٍ مِنْ أَطْرَافِ الشَّامِ، مِمَّا يَلِي نَاحيَة الْحجاز قَرِيبا
-
مِنْ بُحَيْرَةِ قَوْمِ لُوطٍ، وَكَانُوا بَعْدَهُمْ بِمُدَّةٍ قريبَة. ومدين قَبيلَة عرفت بهم (١) وَهُمْ مِنْ بَنِي مَدْيَنَ بْنِ مديَانَ بْنِ إِبْرَاهِيم الْخَلِيل. وَشُعَيْبٌ نَبِيُّهُمْ هُوَ ابْنُ ميكيلَ (٢) بْنِ يَشْجَنَ، ذكره ابْن إِسْحَق. قَالَ: وَيُقَال لَهُ بالسُّرْيَانيَّة يترون، وفى هَذَا نظر. وَيُقَال شُعَيْب ابْن يشخر بْنِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ وَيُقَالُ شُعَيْبُ بْنُ نويب بن عيفا (٣) ابْن مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَيُقَالُ شُعَيْبُ بْنُ صِيفُورَ بن عيفا بن ثَابت ابْن مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي نَسَبِهِ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَيُقَالُ جَدَّتُهُ، وَيُقَالُ أُمُّهُ، بِنْتُ لُوطٍ. وَكَانَ مِمَّنْ آمَنَ بِإِبْرَاهِيمَ وَهَاجَرَ مَعَهُ وَدَخَلَ مَعَهُ دِمَشْقَ. وَعَنْ وَهْبِ ابْن مُنَبّه أَنه قَالَ: شُعَيْب وملغم مِمَّنْ آمَنَ بِإِبْرَاهِيمَ يَوْمَ أُحْرِقَ بِالنَّارِ، وَهَاجَرَا مَعَهُ إِلَى الشَّامِ، فَزَوَّجَهُمَا بِنْتَيْ لُوطٍ ﵇. ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وَفِي هَذَا كُلِّهِ نظر. وَالله تَعَالَى أعلم. وَذكر أَبُو عمر ابْن عَبْدِ الْبِرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ فِي تَرْجَمَةِ سَلَمَةَ بن سعد (٤) الْعَنزي: أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ وَانْتَسَبَ إِلَى عَنَزَةَ، فَقَالَ: " نِعْمَ الحى عنزة ; مبغى (٥) عَلَيْهِم منصورون رَهْط (٦) شُعَيْب وأختان (٧) مُوسَى ".
فَلَوْ صَحَّ هَذَا لَدَلَّ عَلَى أَنَّ شُعَيْبًا صِهْرُ (١) مُوسَى وَأَنَّهُ مِنْ قَبِيلَةٍ مِنَ الْعَرَبِ الْعَارِبَةِ يُقَالُ لَهُمْ عَنَزَةُ، لَا أَنَّهُمْ مِنْ عَنَزَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعْدِّ بْنِ عَدْنَانَ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ بَعْدَهُ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الَّذِي فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ فِي ذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ قَالَ: " أَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ: هُودٌ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ وَنَبِيُّكَ يَا أَبَا ذَرٍّ " وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يُسَمِّي شُعَيْبًا خَطِيبَ الْأَنْبِيَاءِ. يعْنى لفصاحته وعلزو عِبَارَتِهِ، وَبَلَاغَتِهِ فِي دِعَايَةِ قَوْمِهِ إِلَى الْإِيمَانِ برسالته. وَقد روى ابْن إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ جُوَيْبِرٍ وَمُقَاتِلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذَكَرَ شُعَيْبًا قَالَ: " ذَاكَ خَطِيبُ الْأَنْبِيَاءِ ". وَكَانَ أَهْلُ مَدْيَنَ كُفَّارًا يَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَيُخِيفُونَ الْمَارَّةَ، وَيَعْبُدُونَ الْأَيْكَةَ، وَهِيَ شَجَرَةٌ مِنَ الْأَيْكِ حَوْلَهَا غَيْضَةٌ ملتفة بهَا. وَكَانُوا من أسوإ النَّاسِ مُعَامَلَةً ; يَبْخَسُونَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، وَيُطَفِّفُونَ فِيهِمَا، يَأْخُذُونَ بِالزَّائِدِ ويدفعون بالناقس. فَبَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَجُلًا مِنْهُمْ وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ شُعَيْبٌ ﵇ فَدَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَهَاهُمْ عَنْ تَعَاطِي هَذِهِ الْأَفَاعِيلِ الْقَبِيحَةِ مِنْ بَخْسِ النَّاسِ أَشْيَاءَهُمْ وَإِخَافَتِهِمْ لَهُمْ فِي سُبُلِهِمْ وَطُرُقَاتِهِمْ، فَآمَنَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَكَفَرَ أَكْثَرُهُمْ، حَتَّى أَحَلَّ اللَّهُ بهم الْبَأْس الشَّديد. وَهُوَ الولى الحميد.
مْ فِي سُبُلِهِمْ وَطُرُقَاتِهِمْ، فَآمَنَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَكَفَرَ أَكْثَرُهُمْ، حَتَّى أَحَلَّ اللَّهُ بهم الْبَأْس الشَّديد. وَهُوَ الولى الحميد.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: " وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا، قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ ربكُم " أَي دلَالَة وَحجَّة وَاضِحَة، وبرهان قَاطع عَن صِدْقِ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ وَأَنَّهُ أَرْسَلَنِي، وَهُوَ مَا أَجْرَى اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِى لم ينْقل إِلَيْنَا تفصيلها (١) ، وَإِنْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ قَدْ دَلَّ عَلَيْهَا إِجْمَالا. " فأوفوا الْكَيْل وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تفسدوا فِي الارض بعد إصلاحها ". أَمَرَهُمْ بِالْعَدْلِ وَنَهَاهُمْ عَنِ الظُّلْمِ، وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَقَالَ: " ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُم مُؤمنين * وَلَا تقعدوا بِكُل صِرَاط " [أَيْ طَرِيقٍ (٢) ] " تُوعِدُونَ " أَيْ تَتَوَعَّدُونَ النَّاسَ بِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ مِنْ مُكُوسٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَتُخِيفُونَ السُّبُلَ. قَالَ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الصَّحَابَةِ: " وَلَا تقعدوا بِكُل صِرَاط توعدون " أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ الْعُشُورَ مِنْ أَمْوَالِ الْمَارَّةِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانُوا قَوْمًا طُغَاةً بُغَاةً يَجْلِسُونَ عَلَى الطَّرِيقِ، يَبْخَسُونَ النَّاسَ، يَعْنِي يَعْشُرُونَهُمْ. وَكَانُوا أَوَّلَ مَنْ سَنَّ ذَلِكَ. " وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وتبغونها عوجا " نَهَاهُم (٣) عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ الْحِسِّيَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَالْمَعْنَوِيَّةِ الدِّينِيَّةِ.
َبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وتبغونها عوجا " نَهَاهُم (٣) عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ الْحِسِّيَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَالْمَعْنَوِيَّةِ الدِّينِيَّةِ.
" وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ، وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة المفسدين " ذَكَّرَهُمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فِي تَكْثِيرِهِمْ بَعْدَ الْقِلَّةِ، وَحَذَّرَهُمْ نِقْمَةَ اللَّهِ بِهِمْ إِنْ (١) خَالَفُوا مَا أَرْشَدَهُمْ إِلَيْهِ وَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ. كَمَا قَالَ لَهُمْ فِي الْقِصَّةِ الْأُخْرَى: " وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ، وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم عَذَاب يَوْم مُحِيط " أَيْ لَا تَرْكَبُوا مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَتَسْتَمِرُّوا فِيهِ (٢) فَيَمْحَقَ اللَّهُ [بَرَكَةَ] (٣) مَا فِي أَيْدِيكُمْ (٤) ، وَيُفْقِرَكُمْ وَيُذْهِبَ مَا بِهِ يُغْنِيكُمْ. وَهَذَا مُضَافٌ إِلَى عَذَابِ الْآخِرَةِ، وَمَنْ جُمِعَ لَهُ هَذَا وَهَذَا، فَقَدْ بَاءَ بِالصَّفْقَةِ الْخَاسِرَةِ! * * * فَنَهَاهُمْ أَوَّلًا عَن تعاطى مَالا يَلِيقُ مِنَ التَّطْفِيفِ، وَحَذَّرَهُمْ سَلْبَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ، وَعَذَابَهُ الْأَلِيمَ فِي أُخْرَاهُمْ، وَعَنَّفَهُمْ أَشَدَّ تَعْنِيفٍ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ آمِرًا بعد مَا كَانَ عَن شده زَاجِرًا: " وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُم مُؤمنين، وَمَا أَنا عَلَيْكُم بحفيظ ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: " بَقِيَّةُ اللَّهِ خير لكم " أَيْ رِزْقُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَخْذِ أَمْوَال النَّاس. وَقَالَ ابْن جرير: مَا يفضل (٥) لَكُمْ مِنَ الرِّبْحِ بَعْدَ وَفَاءِ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ، خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالتَّطْفِيفِ. قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ وَحَكَاهُ حَسَنٌ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: " قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَو أعْجبك كَثْرَة الْخَبيث " يَعْنِي أَنَّ الْقَلِيلَ مِنَ الْحَلَالِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنَ الْكَثِيرِ مِنَ الْحَرَامِ، فَإِنَّ الْحَلَالَ مُبَارَكٌ وَإِنْ قَلَّ، وَالْحَرَامَ مَمْحُوقٌ وَإِنْ كَثُرَ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: " يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ " وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ فَإِنَّ مَصِيرَهُ إِلَى قُلٍّ ". رَوَاهُ أَحْمَدُ. أَيْ إِلَى قِلَّةٍ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنَّ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا " وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الرِّبْحَ الْحَلَالَ مُبَارَكٌ فِيهِ وَإِنَّ قَلَّ، وَالْحَرَامَ لَا يُجْدِي وَإِنْ كَثُرَ. وَلِهَذَا قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ شُعَيْبٌ: " بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ". وَقَوله: " وَمَا أَنا عَلَيْكُم بحفيظ " أَيِ افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَرَجَاءَ ثَوَابِهِ، لَا لِأَرَاكُمْ أَنَا وَغَيْرِي. " قَالُوا يَا شُعَيْب أصواتك تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا، أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ، إِنَّكَ لانت الْحَلِيم الرشيد ". يَقُولُونَ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ وَالتَّنَقُّصِ وَالتَّهَكُّمِ: أصلاتك هَذِهِ الَّتِي تُصَلِّيهَا، هِيَ الْآمِرَةُ لَكَ بِأَنْ تَحْجُرَ عَلَيْنَا فَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِلَهَكَ؟ وَنَتْرُكَ (١) مَا يعبد آبَاؤُنَا الاقدمون
َذِهِ الَّتِي تُصَلِّيهَا، هِيَ الْآمِرَةُ لَكَ بِأَنْ تَحْجُرَ عَلَيْنَا فَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِلَهَكَ؟ وَنَتْرُكَ (١) مَا يعبد آبَاؤُنَا الاقدمون
وأسلافنا الاولون؟ أَو أَن (١) لَا نَتَعَامَلُ إِلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَرْتَضِيهِ أَنْتَ، وَنَتْرُكُ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي تَأْبَاهَا وَإِنْ كُنَّا نَحن نرضاها؟ " أَنَّك لانت الْحَلِيم الرشيد " قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُونَ ذَلِكَ أَعْدَاءُ اللَّهِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ. " قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا، وَمَا أُرِيد أَن أخالفكم إِلَى مَا أَنَّهَا كم عَنْهُ، إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ، وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أنيب ". هَذَا تَلَطُّفٌ (٢) مَعَهُمْ فِي الْعِبَارَةِ، وَدَعْوَةٌ لَهُمْ إِلَى الْحَقِّ بِأَبْيَنِ إِشَارَةٍ. يَقُولُ لَهُمْ: " أَرَأَيْتُمْ أَيُّهَا الْمُكَذِّبُونَ " إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي " أَيْ عَلَى أَمْرٍ بَيِّنٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ، " وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حسنا " يَعْنِي النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ، يَعْنِي وَعَمَّى عَلَيْكُمْ مَعْرِفَتَهَا، فأى حِيلَة لى فِيكُم (٣) ؟ وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ نُوحٍ ﵇ أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ سَوَاءً. وَقَوْلُهُ: " وَمَا أُرِيدُ أَن أخالفكم إِلَى مَا أَنَّهَا كم عَنهُ " أَيْ لَسْتُ (٤) آمُرُكُمْ بِالْأَمْرِ إِلَّا وَأَنَا أَوَّلُ فَاعل لَهُ، وَإِذا نَهَيْتُكُمْ عَن الشئ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَتْرُكُهُ. وَهَذِهِ هِيَ الصِّفَةُ الْمَحْمُودَةُ الْعَظِيمَةُ، وَضِدُّهَا هِيَ الْمَرْدُودَةُ الذَّمِيمَةُ، كَمَا تَلَبَّسَ بِهَا عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي آخِرِ زمانهم، وخطباؤهم الجاهلون.
ُ الْعَظِيمَةُ، وَضِدُّهَا هِيَ الْمَرْدُودَةُ الذَّمِيمَةُ، كَمَا تَلَبَّسَ بِهَا عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي آخِرِ زمانهم، وخطباؤهم الجاهلون.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنفسكُم وَأَنْتُم تتلون الْكتاب أَفلا تعقلون؟ " وَذَكَرْنَا (١) عِنْدَهَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " يُؤْتَى بِالرجلِ فَيلقى فِي النَّار فتندلق أفتاب بَطْنِهِ - أَيْ تَخْرُجُ أَمْعَاؤُهُ مِنْ بَطْنِهِ - فَيَدُورُ [بهَا] (٢) كَمَا يَدُور الْحمار برحاه، فيجتمع أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ مَالَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: بَلَى. كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ ". وَهَذِهِ صِفَةُ (٣) مُخَالِفِي الْأَنْبِيَاءِ من الْفجار [و (٢) ] الاشقياء. فَأَمَّا السَّادَةُ مِنَ النُّجَبَاءِ، وَالْأَلِبَّاءِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ، فَحَالُهُمْ كَمَا قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ شُعَيْبٌ: " وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ، إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الاصلاح مَا اسْتَطَعْت " أَيْ مَا أُرِيدُ فِي جَمِيعِ أَمْرِي إِلَّا الْإِصْلَاحَ فِي الْفِعَالِ وَالْمَقَالِ بِجُهْدِي وَطَاقَتِي. " وَمَا توفيقي " أَيْ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِي " إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب " أَيْ عَلَيْهِ أَتَوَكَّلُ فِي سَائِرِ الْأُمُورِ، وَإِلَيْهِ مَرْجِعِي وَمَصِيرِي فِي كُلِّ أَمْرِي. وَهَذَا مَقَامُ تَرْغِيبٍ.
ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى نَوْعٍ مِنَ التَّرْهِيبِ فَقَالَ: " وَيَا قوم لَا يجر مِنْكُم شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ، وَمَا قوم لوط مِنْكُم بِبَعِيد ".
أَي لَا يحملنكم بخالفتى وَبُغْضُكُمْ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ عَلَى ضَلَالِكُمْ وَجَهْلِكُمْ وَمُخَالَفَتِكُمْ، فَيُحِلَّ اللَّهُ بِكُمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ، نَظِيرَ مَا أَحَلَّهُ بِنُظَرَائِكُمْ وَأَشْبَاهِكُمْ، مِنْ قَوْمِ نُوحٍ وَقَوْمِ هُودٍ وَقَوْمِ صَالِحٍ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الْمُخَالِفِينَ. وَقَوْلُهُ: " وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُم بِبَعِيد "، قِيلَ مَعْنَاهُ: فِي الزَّمَانِ، أَيْ مَا بِالْعَهْدِ مِنْ قِدَمٍ، مِمَّا قَدْ بَلَغَكُمْ مَا أَحَلَّ بهم على كفرهم وعتوهم. وَقيل مَعْنَاهُ: وماهم مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ فِي الْمَحَلَّةِ وَالْمَكَانِ. وَقِيلَ فِي الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ الْمُسْتَقْبَحَاتِ، مِنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ، وَأَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ جَهْرَةً وَخُفْيَةً بِأَنْوَاعِ الْحِيَلِ وَالشُّبُهَاتِ. وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُمْكِنٌ: فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا (١) بَعِيدِينَ مِنْهُمْ لَا زَمَانًا وَلَا مَكَانًا وَلَا صِفَاتٍ. ثُمَّ مَزَجَ التَّرْهِيبَ بِالتَّرْغِيبِ فَقَالَ: " وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيم ودود " أَيْ أَقْلِعُوا عَمَّا أَنْتُمْ فِيهِ، وَتُوبُوا إِلَى رَبِّكُمُ الرَّحِيمِ الْوَدُودِ، فَإِنَّهُ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ تَابَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ، أَرْحَمُ بِهِمْ مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا، " وَدُودٌ " وَهُوَ الْحَبِيبُ وَلَوْ بَعْدَ التَّوْبَةِ عَلَى عَبْدِهِ، وَلَوْ مِنَ الْمُوبِقَاتِ الْعِظَامِ. " قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقول وَإِنَّا لنراك فِينَا ضَعِيفا " رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالثَّوْرِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا: كَانَ ضَرِيرَ الْبَصَرِ. وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ: أَنَّهُ بَكَى مِنْ حب الله حَتَّى
ِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالثَّوْرِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا: كَانَ ضَرِيرَ الْبَصَرِ. وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ: أَنَّهُ بَكَى مِنْ حب الله حَتَّى
عَمِيَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ، وَقَالَ: " يَا شُعَيْبُ أَتَبْكِي خَوْفًا (١) مِنَ النَّارِ؟ أَوْ [مِنْ] (٢) شَوْقِكَ إِلَى الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ: بَلْ مِنْ مَحَبَّتِكَ (٣) ، فَإِذَا نَظَرْتُ إِلَيْكَ فَلَا أُبَالِي مَاذَا يُصْنَعُ بِي. فَأَوْحَى [اللَّهُ] (٢) إِلَيْهِ: هَنِيئًا لَكَ يَا شُعَيْبُ لِقَائِي، فَلِذَلِكَ أَخَدَمْتُكَ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ كَلِيمِي ". رَوَاهُ الْوَاحِدِيُّ عَنْ أَبِي الْفَتْحِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْكُوفِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بن بنْدَار، عَن عبد الله مُحَمَّد بن إِسْحَق الرَّمْلِيّ عَن هِشَام بن عمار، عَن إِسْمَعِيل بن عَبَّاس، عَن يحيى بن سعيد، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ (٤) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ. وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا، وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ.
-
-
- وَقَوْلُهُمْ: " وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ " هَذَا مِنْ كُفْرِهِمُ الْبَلِيغِ، وَعِنَادِهِمُ الشَّنِيعِ، حَيْثُ قَالُوا: " مَا نفقه كثيرا مِمَّا تَقول " أَي مَا نفهمه وَلَا نعقله، لانه لَا نُحِبُّهُ وَلَا نُرِيدُهُ، وَلَيْسَ لَنَا هِمَّةٌ إِلَيْهِ، وَلَا إِقْبَالٌ عَلَيْهِ. وَهُوَ كَمَا قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: " وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ، وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ، فاعمل إننا عاملون ".
-
ﷺ: " وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ، وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ، فاعمل إننا عاملون ".
وَقَوْلهمْ: " وَإِنَّا لنراك فِينَا ضَعِيفا " أَي مضطهدا مَهْجُورًا. " وَلَوْلَا رهطك " أَي قبيلتك وعغشيرتك فِينَا " لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ". " قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ " [أَي تخافون قبيلتي وعشيرتي وترعونى بسببهم، وَلَا تخافون عَذَاب (١) الله؟ وَلَا تراعوني لِأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَصَارَ رَهْطِي أَعَزَّ عَلَيْكُمْ من الله (٢) ] " واتخذتموه وراءكم ظهريا [أَي جَانِبَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ (٢) ] " إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيط " أَيْ هُوَ عَلِيمٌ بِمَا تَعْمَلُونَهُ وَمَا تَصْنَعُونَهُ، مُحِيطٌ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَسَيَجْزِيكُمْ عَلَيْهِ يَوْمَ تُرْجَعُونَ إِلَيْهِ. " وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامل فَسَوف تَعْمَلُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وارتقبوا إنى مَعكُمْ رَقِيب ". هَذَا أَمر تهديد شدى وَوَعِيدٍ أَكِيدٍ، بِأَنْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى طَرِيقَتِهِمْ وَمَنْهَجِهِمْ وَشَاكِلَتِهِمْ، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ، وَمَنْ يَحِلُّ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ وَالْبَوَارُ " مَنْ يَأْتِيهِ عَذَاب يخزيه " أَيْ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا " وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَاب مُقيم " أَي فِي الآخرى (٢) " وَمن هُوَ كَاذِب " أَيْ مِنِّي وَمِنْكُمْ فِيمَا أَخْبَرَ وَبَشَّرَ وَحَذَّرَ. " وارتقبوا إنى مَعكُمْ رَقِيب " هَذَا كَقَوْلِهِ: " وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا، فَاصْبِرُوا حَتَّى يحكم الله بَيْننَا وَهُوَ خير الْحَاكِمين ".
" قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَو لتعودن فِي ملتنا قَالَ أَو لَو كُنَّا كَارِهِينَ؟ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا، وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا، وَسِعَ رَبنَا كل شئ عِلْمًا، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَين قَومنَا بِالْحَقِّ وَأَنت خير الفاتحين ". طَلَبُوا بِزَعْمِهِمْ أَنْ يَرُدُّوا مَنْ آمَنُ مِنْهُمْ إِلَى مِلَّتِهِمْ، فَانْتَصَبَ شُعَيْبٌ لِلْمُحَاجَّةِ (١) عَنْ قَوْمِهِ فَقَالَ: " أولو كُنَّا كارهين؟ " [أَيْ] (٢) هَؤُلَاءِ لَا يَعُودُونَ إِلَيْكُمُ اخْتِيَارًا، وَإِنَّمَا يعودون إِلَيْكُم إِنْ عَادُوا، اضْطِرَارًا مُكْرَهِينَ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِيمَانَ إِذَا خَالَطَتْ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ، وَلَا يرْتَد أحد عَنْهُ، وَلَا مَحِيدَ لِأَحَدٍ مِنْهُ. وَلِهَذَا قَالَ: " قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا، وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا، وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شئ علما، على الله توكلنا " أَيْ فَهُوَ كَافِينَا، وَهُوَ الْعَاصِمُ لَنَا وَإِلَيْهِ ملجأنا فِي جَمِيعِ أَمْرِنَا. ثُمَّ اسْتَفْتَحَ عَلَى قَوْمِهِ، وَاسْتَنْصَرَ رَبَّهُ عَلَيْهِمْ فِي تَعْجِيلِ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: " رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنت خير الفاتحين " أَيِ الْحَاكِمِينَ. فَدَعَا عَلَيْهِمْ، وَاللَّهُ لَا يَرُدُّ دُعَاء رسله إِذا انتصروه على الَّذين جحدوه وكفروه، وَرَسُوله خالفوه.
نت خير الفاتحين " أَيِ الْحَاكِمِينَ. فَدَعَا عَلَيْهِمْ، وَاللَّهُ لَا يَرُدُّ دُعَاء رسله إِذا انتصروه على الَّذين جحدوه وكفروه، وَرَسُوله خالفوه.
وَمَعَ هَذَا صموا على ماهم عَلَيْهِ مشتملون، وَبِه متلبسون: " وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتبعتهم شعيبا إِنَّكُم إِذا لخاسرون ". قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارهم جاثمين " ذَكَرَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ أَنَّهُمْ أَخَذَتْهُمْ رَجْفَةٌ، أَيْ رَجَفَتْ بِهِمْ أَرْضُهُمْ، وَزُلْزِلَتْ زِلْزَالًا شَدِيدًا أزهقت أَرْوَاحهم من أجسادها، وصيرت حَيَوَان أَرضهم كجمادها، وأصبحت جثثهم جَاثِيَةً ; لَا أَرْوَاحَ فِيهَا وَلَا حَرَكَاتٍ بِهَا، وَلَا حَوَاسَّ لَهَا. وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أنواعا من العقبوبات، وصنوفا من المثلاث، وَأَشْكَالًا مِنَ الْبَلِيَّاتِ، وَذَلِكَ لِمَا اتَّصَفُوا بِهِ مِنْ قَبِيحِ الصِّفَاتِ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رَجْفَةً شَدِيدَةً أَسْكَنَتِ الْحَرَكَاتِ، وَصَيْحَةً عَظِيمَةً أَخْمَدَتِ الْأَصْوَاتَ، وَظُلَّةً أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ مِنْهَا شَرَرَ النَّارِ مِنْ سَائِرِ أَرْجَائِهَا وَالْجِهَاتِ. وَلَكِنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي كُلِّ سُورَةٍ بِمَا يُنَاسِبُ سِيَاقَهَا وَيُوَافِقُ طِبَاقَهَا ; فِي سِيَاقِ قِصَّةِ الْأَعْرَافِ أَرَجَفُوا نَبِيَّ اللَّهِ وَأَصْحَابَهُ، وَتَوَعَّدُوهُمْ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ قَرْيَتِهِمْ، أَوْ لَيَعُودُنَّ فِي مِلَّتِهِمْ رَاجِعِينَ. فَقَالَ تَعَالَى: " فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة فَأَصْبحُوا فِي دَارهم جاثمين " [فَقَابَلَ الْإِرْجَافَ بِالرَّجْفَةِ، وَالْإِخَافَةَ بِالْخِيفَةِ، وَهَذَا مُنَاسِبٌ لِهَذَا السِّيَاقِ وَمُتَعَلِّقٌ بِمَا تَقَدَّمَهُ مِنَ السِّيَاقِ.
َابَلَ الْإِرْجَافَ بِالرَّجْفَةِ، وَالْإِخَافَةَ بِالْخِيفَةِ، وَهَذَا مُنَاسِبٌ لِهَذَا السِّيَاقِ وَمُتَعَلِّقٌ بِمَا تَقَدَّمَهُ مِنَ السِّيَاقِ. وَأَمَّا فِي سُورَةِ هُودٍ: فَذَكَرَ أَنَّهُمْ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (١) ] وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ قَالُوا لِنَبِيِّ اللَّهِ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ وَالِاسْتِهْزَاءِ والتنقص: " أصلوتك تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَفْعل فِي أَمْوَالنَا مَا نشَاء
إِنَّك لانت الْحَلِيم الرشيد " فَنَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ الصَّيْحَةَ الَّتِي هِيَ كَالزَّجْرِ عَن تعاطى هَذَا الْكَلَام الْقَبِيح، الذى واجهوا بِهِ هَذَا الرَّسُولَ الْكَرِيمَ الْأَمِينَ الْفَصِيحَ، فَجَاءَتْهُمْ صَيْحَةٌ (١) أَسْكَتَتْهُمْ [مَعَ رَجْفَةٍ أَسْكَنَتْهُمْ (٢) ] . وَأَمَّا فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ: فَذَكَرَ أَنَّهُ أَخَذَهُمْ عَذَابُ [يَوْمِ (٢) ] الظلمَة، وَكَانَ ذَلِك إِجَابَة لما طلبُوا، تَقْرِيبًا إِلَى مَا إِلَيْهِ رَغِبُوا، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: " إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ ربى أعلم بِمَا تَعْمَلُونَ ". قَالَ الله تَعَالَى وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم: " فَكَذبُوهُ فَأَخذهُم عَذَاب يَوْم الظلمَة إِنَّه كَانَ عَذَاب يَوْم عَظِيم ". وَمَنْ زَعَمَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ [كَقَتَادَةَ (٢) ] وَغَيْرِهِ: أَنَّ أَصْحَابَ الْأَيْكَةِ أُمَّةٌ أُخْرَى غَيْرُ أَهْلِ مَدْيَنَ، فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ. وَإِنَّمَا عُمْدَتُهُمْ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ: " كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُم شُعَيْب " وَلَمْ يَقُلْ أَخُوهُمْ كَمَا قَالَ: " وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُم شعيبا ". وَالثَّانِي: أَنَّهُ ذَكَرَ عَذَابَهُمْ بِيَوْمِ الظُّلَّةِ، وَذَكَرَ فِي أُولَئِكَ الرَّجْفَةَ أَوِ الصَّيْحَةَ.
وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُم شعيبا ". وَالثَّانِي: أَنَّهُ ذَكَرَ عَذَابَهُمْ بِيَوْمِ الظُّلَّةِ، وَذَكَرَ فِي أُولَئِكَ الرَّجْفَةَ أَوِ الصَّيْحَةَ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ: أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْأُخُوَّةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: " كذب أَصْحَاب
الايكة الْمُرْسلين " لِأَنَّهُ وَصَفَهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَيْكَةِ، فَلَا يُنَاسِبُ ذِكْرُ الْأُخُوَّةِ هَاهُنَا. وَلَمَّا نَسَبَهُمْ إِلَى الْقَبِيلَةِ سَاغَ (١) ذِكْرُ شُعَيْبٍ بِأَنَّهُ أَخُوهُمْ. وَهَذَا الْفَرْقُ مِنَ النَّفَائِسِ اللَّطِيفَةِ الْعَزِيزَةِ الشَّرِيفَةِ. وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِيَوْمِ الظُّلَّةِ ; فَإِنْ كَانَ دَلِيلًا بِمُجَرَّدِهِ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ أُمَّةٌ أُخْرَى، فَلْيَكُنْ تَعْدَادُ الِانْتِقَامِ بِالرَّجْفَةِ وَالصَّيْحَةِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُمَا أُمَّتَانِ أُخْرَيَانِ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ يَفْهَمُ شَيْئًا مِنْ هَذَا الشَّأْنِ. [فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ النَّبِيِّ شُعَيْبٍ ﵇، مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِيه، عَن مُعَاوِيَة ابْن هِشَام، عَن هِشَام بن سعد، عَن شفيق بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ سَيْفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: " إِنَّ قوم مَدْيَنَ وَأَصْحَابَ الْأَيْكَةِ أُمَّتَانِ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمَا شُعَيْبًا النَّبِيَّ ﵇ ". فَإِنَّهُ حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَفِي رِجَالِهِ مَنْ تُكُلِّمَ فِيهِ. وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، مِمَّا أَصَابَهُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ مِنْ تِلْكَ الزَّامِلَتَيْنِ مِنْ أَخْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ] . (٢) ثُمَّ قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ عَنْ أَهْلِ الْأَيْكَةِ مِنَ الْمَذَمَّةِ مَا ذَكَرَهُ عَنْ أَهْلِ مَدْيَنَ مِنَ التَّطْفِيفِ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ، أُهْلِكُوا بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْعَذَابِ. وَذَكَرَ فِي كل مَوضِع مَا يُنَاسب من الْخطاب. وَقَوله: " فَأَخذهُم عَذَاب يَوْم الظلمَة إِنَّه كَانَ عَذَاب يَوْم عَظِيم " ذكرُوا
مِنَ الْعَذَابِ. وَذَكَرَ فِي كل مَوضِع مَا يُنَاسب من الْخطاب. وَقَوله: " فَأَخذهُم عَذَاب يَوْم الظلمَة إِنَّه كَانَ عَذَاب يَوْم عَظِيم " ذكرُوا
أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ حَرٌّ شَدِيدٌ، وَأَسْكَنَ اللَّهُ هُبُوبَ الْهَوَاءِ عَنْهُمْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، فَكَانَ لَا يَنْفَعُهُمْ مَعَ ذَلِكَ مَاءٌ وَلَا ظِلٌّ، وَلَا دُخُولُهُمْ فِي الْأَسْرَابِ، فَهَرَبُوا مِنْ مَحَلَّتِهِمْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، فأظلتهم سَحَابَة، فَاجْتمعُوا تحتهَا ليستظطلوا بظلها، فَلَمَّا تكاملوا فِيهِ أرسلها الله ترميهم بشرر وشهب، وَرَجَفَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ، وَجَاءَتْهُمْ صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَزْهَقَتِ الْأَرْوَاحَ، وَخَرَّبَتِ الْأَشْبَاحَ. " فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الذى كذبُوا شعيبا كَانُوا هم الخاسرين " وَنَجَّى اللَّهُ شُعَيْبًا وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، كَا قَالَ تَعَالَى وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ: " وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ منا، وَأخذت الذى ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَنْ لم يغنوزا فِيهَا أَلا بعد الْمَدِين كَمَا بَعدت ثَمُود " وَقَالَ تَعَالَى: " وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا، الَّذِينَ كذبُوا شعيبا كَانُوا هم الخاسرين " وَهَذَا فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِمْ: " لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُم إِذا لخاسرون ".
-
-
- ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى عَنْ نَبِيِّهِمْ: أَنَّهُ نَعَاهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ مُوَبِّخًا وَمُؤَنِّبًا وَمُقَرِّعًا، فَقَالَ تَعَالَى: " فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قوم كَافِرين ".
-
َالَ تَعَالَى: " فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قوم كَافِرين ". أَيْ أَعْرَضَ عَنْهُمْ مُوَلِّيًا عَنْ مَحَلَّتِهِمْ بَعْدَ هلكتهم قَائِلًا: " يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْت لكم ". أَي قد أدّيت مَا كَانَ (١٩ - قصَص الانبياء ١) (*)
وَاجِبًا عَلَيَّ مِنَ الْبَلَاغِ التَّامِّ وَالنُّصْحِ الْكَامِلِ، وَحَرَصْتُ عَلَى هِدَايَتِكُمْ بِكُلِّ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ وَأَتَوَصَّلُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَنْفَعْكُمْ ذَلِكَ، لِأَنَّ اللَّهَ لَا يهدى من يضل ومالهم مِنْ نَاصِرِينَ. فَلَسْتُ [أَتَأَسَّفُ] (١) بَعْدَ هَذَا عَلَيْكُمْ، لِأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا تَقْبَلُونَ النَّصِيحَةَ، وَلَا تَخَافُونَ يَوْم الفضيحة. وَلِهَذَا قَالَ: " فَكيف آسى " [أَي أَحْزَن] (١) " على قوم كَافِرين " أَي لَا يقبلُونَ الْحق وَلَا يرجعُونَ إِلَيْهِ وَلَا يلتفتون إِلَيْهِ (٢) فَحَلَّ بِهِمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ الَّذِي لَا يرد مَا لَا يدْفع وَلَا يُمَانَعُ، وَلَا مَحِيدَ لِأَحَدٍ أُرِيدَ بِهِ عَنهُ، وَلَا مناص عَنهُ (٣) . [وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ شُعَيْبًا ﵇ كَانَ بَعْدَ يُوسُفَ ﵇. وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أَنَّ شُعَيْبًا ﵇ مَاتَ بِمَكَّةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقُبُورُهُمْ غَرْبِيَّ الْكَعْبَةِ بَيْنَ دَارِ النَّدْوَةِ وَدَارِ بَنِي سَهْمٍ] (٤) .
بَاب ذكر ذُرِّيَّة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم قَدْ قَدَّمْنَا قِصَّتَهُ مَعَ قَوْمِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ ﵊ وَالتَّحِيَّةُ وَالْإِكْرَامُ. وَذَكَرْنَا مَا وَقَعَ فِي زَمَانِهِ مِنْ قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ، وَأَتْبَعْنَا ذَلِكَ بِقِصَّةِ مَدْيَنَ قَوْمِ شُعَيْبٍ ﵇، لِأَنَّهَا قَرِينَتُهَا فِي كتاب الله عزوجل فِي مَوَاضِع مُتعَدِّدَة ; فَذكر تَعَالَى بَعْدَ قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ، قِصَّةَ مَدْيَنَ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا قَدَّمْنَا (١) ; فَذَكَرْنَاهَا تَبَعًا لَهَا اقْتِدَاءً بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ. ثُمَّ نَشْرَعُ الْآنَ فِي الْكَلَامِ عَلَى تَفْصِيلِ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ، فَكُلُّ نَبِيٍّ أُرْسِلَ بَعْدَهُ فَمن وَلَده.
ذِكْرُ إِسْمَاعِيلَ ﵇ وَقَدْ كَانَ لِلْخَلِيلِ بَنُونَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَكِنَّ أَشْهَرَهُمُ الْأَخَوَانِ النَّبِيَّانِ الْعَظِيمَانِ الرَّسُولَانِ، أَسَنُّهُمَا وَأَجَلُّهُمَا: الَّذِي هُوَ الذَّبِيحُ عَلَى الصَّحِيحِ - إِسْمَاعِيلُ بِكْرُ إِبْرَاهِيمَ [الْخَلِيلِ] (١) مِنْ (٢) هَاجَرَ الْقِبْطِيَّةِ الْمِصْرِيَّةِ ﵍ مِنَ الْعَظِيمِ الْجَلِيل. وَمن قَالَ: إِن الذَّبِيح هُوَ إِسْحَق، فَإِنَّمَا تَلقاهُ من نقلة بنى إِسْرَائِيل الذى بدلُوا وحرفوا وَأولُوا التَّوْرَاة والانجيل، وخالفوا مَا بِأَيْدِيهِمْ فِي هَذَا مِنَ التَّنْزِيلِ، فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ أُمِرَ بِذَبْحِ وَلَدِهِ الْبِكْرِ، وَفِي رِوَايَةٍ: الْوَحِيدِ. وأياما (٣) كَانَ فَهُوَ إِسْمَاعِيلُ بِنَصِّ الدَّلِيلِ، فَفِي نَصِّ كِتَابِهِمْ: إِنَّ إِسْمَاعِيلَ وُلِدَ وَلِإِبْرَاهِيمَ مِنَ الْعُمُرِ سِتّ وَثَمَانُونَ سنة. وَإِنَّمَا ولد إِسْحَق بَعْدَ مُضِيِّ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ عُمُرِ الْخَلِيلِ، فَإِسْمَاعِيلُ هُوَ الْبِكْرُ لَا مَحَالَةَ، وَهُوَ الْوَحِيدُ صُورَةً وَمَعْنًى عَلَى كُلِّ حَالَةٍ.
مُضِيِّ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ عُمُرِ الْخَلِيلِ، فَإِسْمَاعِيلُ هُوَ الْبِكْرُ لَا مَحَالَةَ، وَهُوَ الْوَحِيدُ صُورَةً وَمَعْنًى عَلَى كُلِّ حَالَةٍ. أَمَّا فِي الصُّورَة، فُلَانُهُ كَانَ وَلَده أَزِيد من ثَلَاثَة عشر سَنَةً، وَأَمَّا أَنَّهُ وَحِيدٌ فِي الْمَعْنَى، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي هَاجَرَ بِهِ أَبُوهُ وَمَعَهُ أُمُّهُ هَاجَرُ، وَكَانَ صَغِيرًا رَضِيعًا - فِيمَا قِيلَ - فَوَضَعَهُمَا فِي وِهَادِ جِبَالِ فَارَانَ، وَهِيَ الْجِبَالُ الَّتِي حَوْلَ مَكَّةَ نِعْمَ الْمَقِيلُ، وَتَرَكَهُمَا هُنَالِكَ لَيْسَ مَعَهُمَا مِنَ الزَّادِ وَالْمَاءِ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَذَلِكَ ثِقَةً بِاللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ. فَحَاطَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى بِعِنَايَتِهِ وَكِفَايَتِهِ فَنِعْمَ الْحَسِيبُ وَالْكَافِي وَالْوَكِيلُ وَالْكَفِيلُ.
فَهَذَا هُوَ الْوَلَدُ الْوَحِيدُ فِي الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى. وَلَكِنْ أَيْنَ مَنْ يَتَفَطَّنُ لِهَذَا السِّرِّ؟ وَأَيْنَ مَنْ يَحُلُّ بِهَذَا الْمَحَلِّ؟ وَالْمَعْنَى لَا يُدْرِكُهُ وَيُحِيطُ بِعِلْمِهِ إِلَّا كُلُّ نَبِيهٍ نَبِيلٍ! وَقَدْ أثنى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَوَصفه بالحلم (١) وبالصبر وَصِدْقِ الْوَعْدِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ، وَالْأَمْرِ بِهَا لِأَهْلِهِ لِيَقِيَهُمُ الْعَذَابَ، مَعَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ من عبَادَة رب الارباب، قَالَ الله تَعَالَى: " فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى؟ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ، سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ الله من الصابرين * (٢) فطاوع أَبَاهُ على مَا إِلَيْهِ دَعَاهُ، ووعده بِأَن سيصبر، فوفى بذلك وصبر على ذَلِك.
عَلْ مَا تُؤْمَرُ، سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ الله من الصابرين * (٢) فطاوع أَبَاهُ على مَا إِلَيْهِ دَعَاهُ، ووعده بِأَن سيصبر، فوفى بذلك وصبر على ذَلِك. وَقَالَ تَعَالَى: " وَاذْكُر فِي الْكتاب إِسْمَاعِيل إِنَّه كَانَ صَادِق الْوَعْد وَكَانَ رَسُولا نَبيا * وَكَانَ يَأْمر أَهله بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَكَانَ عِنْد ربه مرضيا " (٣) وَقَالَ تَعَالَى: " وَاذْكُر عبادنَا إِبْرَاهِيم وَإِسْحَق وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ * وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الاخيار " (٤) وَقَالَ تَعَالَى: " وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وأدخلناهم فِي رَحْمَتنَا إِنَّهُم من الصَّالِحين " (٥) وَقَالَ تَعَالَى: " إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ. وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَق وَيَعْقُوب والاسباط ... الْآيَة (٦) "
[وَقَالَ تَعَالَى: " قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ (١) " الْآيَةَ. وَنَظِيرَتُهَا مِنَ السُّورَةِ الْأُخْرَى (٢) ] وَقَالَ تَعَالَى: " أم تَقولُونَ إِن إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَق وَيَعْقُوب والاسباط كَانُوا هودا ونصارى، قل أأنتم أعلم أم الله (٣) ... " الْآيَةَ. فَذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ صِفَةٍ جَمِيلَةٍ، وَجَعَلَهُ نَبِيَّهُ وَرَسُولَهُ، وَبَرَّأَهُ مِنْ كُلِّ مَا نَسَبَ إِلَيْهِ الْجَاهِلُونَ، وَأَمَرَ بِأَنْ يُؤْمِنَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ عِبَادُهُ الْمُؤْمِنُونَ. وَذَكَرَ عُلَمَاءُ النَّسَبِ وَأَيَّامِ النَّاسِ: أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ رَكِبَ الْخَيْلَ، وَكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وُحُوشًا فَأَنَّسَهَا وَرَكِبَهَا. وَقَدْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ فِي مَغَازِيهِ: حَدَّثَنَا شَيْخٌ مِنْ قُرَيْشٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ (٤) [رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (٥) ] قَالَ: " اتَّخذُوا الْخَيل واعتقبوها (٦) فَإِنَّهَا مِيرَاثُ أَبِيكُمْ إِسْمَاعِيلَ ". وَكَانَتْ هَذِهِ الْعِرَابُ وحوشا (٧) فَدَعَا لَهَا بِدَعْوَتِهِ الَّتِي كَانَ أُعْطِيَ فَأَجَابَتْهُ. وَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ الْفَصِيحَةِ الْبَلِيغَةِ، وَكَانَ قد تعلمهَا من الْعَرَب العاربة الذى نَزَلُوا عِنْدَهُمْ بِمَكَّةَ مِنْ جُرْهُمٍ وَالْعَمَالِيقِ وَأَهْلِ الْيَمَنِ ; مِنَ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْعَرَبِ قَبْلَ الْخَلِيلِ. قَالَ الْأُمَوِيُّ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدثنَا أَبُو عُبَيْدَة، مسمع بن مَالك،
لْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْعَرَبِ قَبْلَ الْخَلِيلِ. قَالَ الْأُمَوِيُّ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدثنَا أَبُو عُبَيْدَة، مسمع بن مَالك،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ آبَائِهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " أَوَّلُ مَنْ فَتَقَ لِسَانُهُ بِالْعَرَبِيَّةِ الْبَيِّنَةِ إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً "، فَقَالَ لَهُ يُونُس: صدقت يَا أَبَا سيار (١) ، هَكَذَا أَبُو جُرَيٍّ حَدَّثَنِي. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ تزوج لما شب [امْرَأَة (٢) ] من العماليق، وَأَنَّ أَبَاهُ أَمَرَهُ بِفِرَاقِهَا فَفَارَقَهَا. قَالَ الْأُمَوِيُّ: [هِيَ (٢) ] عمَارَة بنت سعد بن [أُسَامَة (٢) ] ابْن أكيل العماليقى (٣) . ثُمَّ نَكَحَ غَيْرَهَا فَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَمِرَّ بِهَا، فَاسْتَمَرَّ بِهَا، وَهِيَ السَّيِّدَةُ بِنْتُ مُضَاضِ بْنِ عَمْرٍو الْجُرْهُمِيُّ، وَقِيلَ هَذِهِ (٤) ثَالِثَةٌ، فَوَلَدَتْ لَهُ اثْنَيْ عَشَرَ وَلَدًا ذَكَرًا. وَقَدْ سَمَّاهُمْ مُحَمَّدُ بن إِسْحَق ﵀ [وهم (٣) ] نابت، وقيذر وإزبل، وميشى، ومسمع، وماش، ودوصا، وأرر، ويطور، ونبش، وَطِيمَا، وَقَيْذُمَا. وَهَكَذَا ذَكَرَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي كِتَابِهِمْ. وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُمُ الِاثْنَا عَشَرَ عَظِيمًا الْمُبَشَّرُ بِهِمُ، الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُمْ. وَكَذَبُوا (٥) فِي تَأْوِيلِهِمْ ذَلِكَ. وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ ﵇ رَسُولًا إِلَى أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَة وَمَا والاها ; من قبائل جزهم وَالْعَمَالِيقِ وَأَهْلِ الْيَمَنِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَلما حَضرته الْوَفَاة أوصى إِلَى أَخِيه إِسْحَق، وَزَوَّجَ ابْنَتَهُ " نَسَمَةَ " مِنِ ابْنِ أَخِيهِ " الْعِيصِ (٦) " بن إِسْحَق، فَوَلَدَتْ لَهُ الرُّومَ، وَيُقَالُ لَهُمْ بَنُو الْأَصْفَرِ ; لِصُفْرَةٍ كَانَتْ فِي الْعِيصِ. وَوَلَدَتْ لَهُ الْيُونَانَ فِي أَحَدِ الْأَقْوَالِ. وَمِنْ وَلَدِ الْعِيصِ الْأَشْبَانُ قيل مِنْهُمَا أَيْضًا. وَتَوَقَّفَ ابْنُ جَرِيرٍ ﵀.
ْعِيصِ. وَوَلَدَتْ لَهُ الْيُونَانَ فِي أَحَدِ الْأَقْوَالِ. وَمِنْ وَلَدِ الْعِيصِ الْأَشْبَانُ قيل مِنْهُمَا أَيْضًا. وَتَوَقَّفَ ابْنُ جَرِيرٍ ﵀.
وَدفن [نبى الله (١) ] إِسْمَاعِيلُ نَبِيُّ اللَّهِ بِالْحِجْرِ مَعَ أُمِّهِ هَاجَرَ، وَكَانَ عُمُرُهُ يَوْمَ مَاتَ مِائَةً وَسَبْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَالَ: شَكَا إِسْمَاعِيلُ ﵇ إِلَى ربه عزوجل حَرَّ مَكَّةَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنِّي سَأَفْتَحُ لَكَ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تدفن فِيهِ. يجرى عَلَيْكَ رَوْحُهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَعَرَبُ الْحِجَازِ كلهم ينتسبون إِلَى ولديه: نابت، وقيذار.
ذكر إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْكَرِيم بن الْكَرِيم عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالتَّسْلِيمُ (١) قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ وُلِدَ وَلِأَبِيهِ مِائَةُ سَنَةٍ، بَعْدَ أَخِيهِ إِسْمَاعِيلَ بِأَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَكَانَ عُمُرُ أُمِّهِ سَارَّةَ حِينَ بُشِّرَتْ بِهِ تِسْعِينَ سَنَةً. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " وبشرناه بإسحق نَبيا من الصَّالِحين * وباركنا عَلَيْهِ وعَلى إِسْحَق وَمن ذريتهما محسن وظالم لنَفسِهِ مُبين ". وَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ. وَقَدَّمْنَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: " إِن الْكَرِيم ابْن الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ". وَذَكَرَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّ إِسْحَاقَ لَمَّا تَزَوَّجَ " رِفْقَا " بِنْتَ بتواييل (٢) فِي حَيَاةِ أَبِيهِ، كَانَ عُمُرُهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَأَنَّهَا كَانَتْ عَاقِرًا فَدَعَا اللَّهَ لَهَا فَحَمَلَتْ، فَولدت غلامين توأمين: أَولهمَا اسْمه (٣) " عِيصُو " وَهُوَ الَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ " الْعِيصَ "، وَهُوَ وَالِدُ الرُّومِ. وَالثَّانِي خَرَجَ وَهُوَ آخِذٌ بِعَقِبِ أَخِيهِ فَسَمَّوْهُ " يَعْقُوبَ " وَهُوَ إِسْرَائِيلُ الَّذِي يَنْتَسِبُ إِلَيْهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ. قَالُوا: وَكَانَ إِسْحَاقُ يُحِبُّ عيصو أَكْثَرَ مِنْ يَعْقُوبَ ; لِأَنَّهُ بِكْرُهُ. وَكَانَتْ أُمُّهُمَا " رفقا " تحب يَعْقُوب أَكثر ; لانه الاصغر.
َالُوا: وَكَانَ إِسْحَاقُ يُحِبُّ عيصو أَكْثَرَ مِنْ يَعْقُوبَ ; لِأَنَّهُ بِكْرُهُ. وَكَانَتْ أُمُّهُمَا " رفقا " تحب يَعْقُوب أَكثر ; لانه الاصغر.
قَالُوا: فَلَمَّا كَبِرَ إِسْحَاقُ وَضَعُفَ بَصَرُهُ اشْتَهَى عَلَى ابْنِهِ الْعِيصِ طَعَامًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَذْهَبَ فَيَصْطَادَ لَهُ صَيْدًا وَيَطْبُخَهُ لَهُ ; لِيُبَارِكَ عَلَيْهِ وَيَدْعُوَ لَهُ. وَكَانَ الْعِيصُ صَاحِبَ صَيْدٍ، فَذَهَبَ يَبْتَغِي ذَلِكَ، فَأَمَرَتْ " رِفْقَا " ابْنَهَا يَعْقُوبَ أَنْ يذبح جديين من خِيَار غنمه، وينصع مِنْهُمَا طَعَامًا كَمَا اشْتَهَاهُ أَبُوهُ، وَيَأْتِيَ إِلَيْهِ بِهِ قبل أَخِيه ليدعو لَهُ، فَقَامَتْ فَأَلْبَسَتْهُ ثِيَابَ أَخِيهِ، وَجَعَلَتْ عَلَى ذِرَاعَيْهِ وَعُنُقِهِ من جلد الجلديين ; لِأَنَّ الْعِيصَ كَانَ أَشْعَرَ الْجَسَدِ وَيَعْقُوبَ لَيْسَ كَذَلِك. فَلَمَّا جَاءَ بِهِ وَقَرَّبَهُ إِلَيْهِ قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: وَلَدُكَ (١) . فَضَمَّهُ إِلَيْهِ وَجَسَّهُ وَجَعَلَ يَقُولُ: أَمَّا الصَّوْتُ فَصَوْتُ يَعْقُوبَ، وَأَمَّا الْجَسُّ وَالثِّيَابُ فَالْعِيصُ. فَلَمَّا أَكَلَ وَفَرَغَ دَعَا لَهُ أَنْ يَكُونَ أَكْبَرَ إِخْوَتِهِ قَدْرًا، وَكَلِمَتُهُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى الشُّعُوبِ بَعْدَهُ، وَأَنْ يَكْثُرَ رِزْقُهُ وَوَلَدُهُ. فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ جَاءَ أَخُوهُ الْعِيصُ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ وَالِده فقربه إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: ماهذا يَا بنى؟ قَالَ: [هَذَا] (٢) الطَّعَام الذى اشتهبته، فَقَالَ: أَمَا جِئْتَنِي بِهِ قَبْلَ السَّاعَةِ وَأَكَلْتُ مِنْهُ وَدَعَوْتُ لَكَ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَعَرَفَ أَنَّ أَخَاهُ قَدْ سَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ عَلَيْهِ وَجْدًا كَثِيرًا. وَذَكَرُوا أَنَّهُ تَوَاعَدَهُ بِالْقَتْلِ إِذَا مَاتَ أَبُوهُمَا، وَسَأَلَ أَبَاهُ فَدَعَا لَهُ بِدَعْوَةٍ أُخْرَى، وَأَنْ يَجْعَلَ لِذُرِّيَّتِهِ غيظ الْأَرْضِ، وَأَنْ يُكْثِرَ أَرْزَاقَهُمْ وَثِمَارَهُمْ.
ُوهُمَا، وَسَأَلَ أَبَاهُ فَدَعَا لَهُ بِدَعْوَةٍ أُخْرَى، وَأَنْ يَجْعَلَ لِذُرِّيَّتِهِ غيظ الْأَرْضِ، وَأَنْ يُكْثِرَ أَرْزَاقَهُمْ وَثِمَارَهُمْ. فَلَمَّا سَمِعَتْ أُمُّهُمَا مَا يَتَوَاعَدُ بِهِ الْعِيصُ أَخَاهُ يَعْقُوبَ، أَمَرَتِ ابْنَهَا يَعْقُوبَ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أَخِيهَا " لابان (٣) " الذى بِأَرْض حران، وَأَن يكون
عِنْده إِلَى حِين يسكن غضب أَخِيه، وَأَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْ بَنَاتِهِ. وَقَالَتْ لِزَوْجِهَا إِسْحَاقَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِذَلِكَ وَيُوصِيَهُ وَيَدْعُوَ لَهُ، فَفَعَلَ. فَخرج يَعْقُوب ﵇ من عِنْدهم من آخِرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَأَدْرَكَهُ الْمَسَاءُ فِي مَوْضِعٍ فَنَامَ فِيهِ، وَأخذ حَجَرًا فَوَضَعَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ وَنَامَ، فَرَأَى فِي نَوْمِهِ ذَلِكَ مِعْرَاجًا مَنْصُوبًا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى لارض، وَإِذَا الْمَلَائِكَةُ يَصْعَدُونَ فِيهِ وَيَنْزِلُونَ، وَالرَّبُّ ﵎ خاطبه، وَيَقُولُ لَهُ: إِنِّي سَأُبَارِكُ عَلَيْكَ وَأُكْثِرُ ذُرِّيَّتَكَ، وَأَجْعَلُ لَكَ هَذِهِ الْأَرْضَ وَلِعَقِبِكَ مِنْ بَعْدِكَ. فَلَمَّا هَبَّ مِنْ نَوْمِهِ فَرِحَ بِمَا رَأَى، وَنذر لله لئمن رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ سَالِمًا لَيَبْنِيَنَّ فِي هَذَا الْموضع معبدًا لله عزوجل وَأَن جَمِيع مَا يرزقه من شئ يَكُونُ لِلَّهِ عُشْرُهُ. ثُمَّ عَمَدَ إِلَى ذَلِكَ الْحَجَرِ فَجَعَلَ عَلَيْهِ دُهْنًا يَتَعَرَّفُهُ بِهِ، وَسَمَّى ذَلِكَ الْمَوْضِعَ: " بَيْتَ إِيلَ " أَيْ بَيْتَ اللَّهِ. وَهُوَ مَوْضِعُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ الْيَوْمَ الَّذِي بَنَاهُ يَعْقُوبُ بَعْدَ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي. قَالُوا: فَلَمَّا قَدِمَ يَعْقُوبُ عَلَى خَالِهِ أَرْضَ حَرَّانَ، إِذَا لَهُ ابْنَتَانِ: اسْمُ الْكُبْرَى: " لَيَا " وَاسْمُ الصُّغْرَى: " رَاحِيلَ " وَكَانَتْ أَحْسَنَهُمَا وَأَجْمَلَهُمَا، فَأَجَابَهُ (١) إِلَى ذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ يَرْعَى عَلَى غَنَمِهِ سَبْعَ سِنِينَ.



