إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya المقريزي (w. 845 H).

Bagian 10 dari 128 6146 halaman

— Bagian 10 · تقاتلكم لأعنتها عليكم! فقال [أبو سفيان] [ (١) ] … —

Bagian 10

تقاتلكم لأعنتها عليكم! فقال [أبو سفيان] [ (١) ] : جزيت من ذي رحم شرا، ثم دخل على عثمان ﵁ فقال: إنه ليس في القوم أحد أقرب بي رحما منك! فزد في الهدنة وجدّد العهد، فإن صاحبك لن يردّه عليك أبدا! قال: جواري من جوار رسول اللَّه! فدخل على فاطمة وكلمها في أن تجير بين الناس، فقالت: إنما أنا امرأة! قال: مري أحد ابنيك يجير بين الناس! قالت: إنما هما صبيّان! وليس مثلهما يجير.

مناشدته عليا ومشورة علي فأتى علي بن أبي طالب ﵁ فقال: يا أبا الحسن! أجر بين الناس أو تكلم محمدا يزيد في المدة! فقال: ويحك يا أبا سفيان! إن رسول اللَّه قد عزم أن لا يفعل، وليس أحد يستطيع أن يكلمه في شيء يكرهه. قال: فما الرأي؟ يسّرني [ (٢) ] لأمري، فإنه قد ضاق عليّ، فمرني بأمر ترى أنه نافعي. قال: واللَّه ما أجد لك شيئا أمثل من أن تقوم فتجير بين الناس، فإنك سيّد كنانة. قال: ترى ذلك مغنيا عنّي شيئا؟ قال: لا أظن ذلك واللَّه، ولكني لا أجد لك غيره. فقام أبو سفيان بين ظهري الناس فصاح: ألا إني قد أجرت بين الناس، ولا أظنّ محمدا يخفرني! ثم دخل على النبي ﷺ فقال: يا محمد! ما أظنّ أن تردّ جواري! فقال: أنت تقول ذلك يا أبا سفيان!! ثم جاء [أبو سفيان] [ (٣) ] لسعد بن عبادة فقال: يا أبا ثابت! قد عرفت الّذي كان بيني وبينك! وأني كنت لك في قومنا جارا، وكنت لي بيثرب مثل ذلك، وأنت سيد هذه البحرة [ (٤) ] ، فأجر بين الناس وزد في المدة. فقال: يا أبا سفيان! جواري في جوار رسول اللَّه! ما يجير أحد على رسول اللَّه ﷺ. ويقال: خرج أبو سفيان على أنه قال له رسول اللَّه ﷺ: أنت تقول ذلك يا أبا سفيان!! ويقال: لما صاح لم يقرب النبيّ ﵇ وركب راحلته وانطلق إلى مكة.

اللَّه ﷺ. ويقال: خرج أبو سفيان على أنه قال له رسول اللَّه ﷺ: أنت تقول ذلك يا أبا سفيان!! ويقال: لما صاح لم يقرب النبيّ ﵇ وركب راحلته وانطلق إلى مكة.

مرجع أبي سفيان إلى مكة وما قيل له وكانت قد طالت غيبته، واتّهمته قريش أنه قد أسلم. فلما دخل على هند ليلا قالت: لقد حبست حتى اتهمك قومك! فإن كنت مع طول الإقامة جئتهم بنجح، فأنت الرّجل! ثم دنا منها فجلس منها مجلس الرجل من امرأته، فجعلت تقول: ما صنعت؟ فأخبرها الخبر وقال: لم أجد إلّا ما قال لي علي! فضربت برجليها في صدره، وقالت: قبّحت من رسول قوم! وأصبح فحلق رأسه عند إساف ونائلة [ (١) ] ، وذبح لهما ومسح بالدم رءوسهما، وقال: لا أفارق عبادتكما حتى أموت على ما مات عليه أبي. وقالت له قريش: ما وراءك؟ هل جئتنا بكتاب من محمد، أو زيادة في مدّة أمانا من أن يغزونا؟ فقال: واللَّه لقد أبى عليّ، ولقد كلمت أصحابه عليه فما قدرت على شيء منهم، إلا أنهم يرموني بكلمة واحدة. إلّا أن عليا قد قال- لما ضاقت بي الأمور-: أنت سيد كنانة، فأجر بين الناس!! فناديت بالجوار، ثم دخلت على محمد فقلت: إني قد أجرت الناس، وما أظنّ أن تردّ جواري! فقال: أنت تقول ذلك يا أبا سفيان!! لم يزدني على ذلك. قالوا: ما زاد على أن تلعّب بك تلعّبا!! قال: واللَّه ما وجدت غير ذلك.

جهاز رسول اللَّه ﷺ للفتح ولمّا ولّى أبو سفيان راجعا قال رسول اللَّه ﷺ لعائشة ﵂: جهّزينا وأخفي أمرك. وقال ﵇: اللَّهمّ خذ من قريش الأخبار والعيون حتى نأتيهم [ (٢) ] بغتة، [وفي رواية: اللَّهمّ خذ على أبصارهم فلا يروني إلا بغتة، ولا يسمعون بي إلا فجأة] . وأخذ ﷺ بالأنقاب [ (٣) ] ، وكان عمر بن الخطاب ﵁ يطوف عليها ويقول: لا تدعوا أحدا يمرّ بكم تنكرونه إلا رددتموه. وكانت الأنقاب مسلمة، إلا من سلك إلى مكة فإنه يتحفّظ به ويساءل عنه.

كان عمر بن الخطاب ﵁ يطوف عليها ويقول: لا تدعوا أحدا يمرّ بكم تنكرونه إلا رددتموه. وكانت الأنقاب مسلمة، إلا من سلك إلى مكة فإنه يتحفّظ به ويساءل عنه.

خبر أبي بكر ودخل أبو بكر ﵁ على عائشة ﵂ وهي تجهّز رسول اللَّه ﷺ، تعمل قمحا سويقا ودقيقا، فقال: يا عائشة، أهمّ رسول اللَّه يغزو؟ قالت: ما أدري! قال: إن كان همّ بسفر فآذنينا [ (١) ] نتهيأ له. قالت: ما أدري! لعله يريد بني سليم، لعله يريد ثقيفا! لعله يريد هوازن! فاستعجمت عليه [ (٢) ] حتى دخل رسول اللَّه ﷺ فقال له: يا رسول اللَّه، أردت سفرا؟ قال: نعم. قال: أفأتجهّز؟ قال: نعم، قال: فأين تريد يا رسول اللَّه؟ قال: قريشا، وأخف ذلك يا أبا بكر! وأمر ﷺ الناس بالجهاز، وطوى عنهم [ (٣) ] الوجه الّذي يريد، وقال أبو بكر: يا رسول اللَّه! أو ليس بيننا وبينهم مدة؟ قال: إنهم غدروا ونقضوا العهد، فأنا غازيهم، واطو ما ذكرت لك! فظان يظن أنه يريد الشأم، وظان يظن ثقيفا، وظان يظنّ هوازن.

خبر حاطب بن أبي بلتعة ورسالته إلى قريش فلما أجمع ﷺ المسير إلى قريش وعلم بذلك الناس، كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش، يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول اللَّه ﷺ في أمرهم. وكان كتابه إلى ثلاثة نفر: صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، فيقول فيه: «إن رسول اللَّه قد أذّن في الناس بالغزو، ولا أراه يريد غيركم، وقد أحببت أن يكون لي عندكم يد بكتابي إليكم» . وأعطى الكتاب إلى امرأة من مزينة من أهل العرج-[يقال لها كنود، ويقال لها سارة مولاة عمرو بن صيفي بن هاشم ابن عبد مناف]- وجعل لها دينارا [وقيل: عشرة دنانير] ، على أن تبلّغه قريشا، وقال: أخفيه ما استطعت، ولا تمرّي على الطريق فإن عليه حرسا [ (٤) ] . فجعلته في رأسها ثم فتلت عليه قرونها، وسلكت على غير نقب، حتى لقيت الطريق بالعقيق. وأتى رسول اللَّه ﷺ الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث عليا والزّبير رضي

اللَّه عنهما فقال: أدركا امرأة من مزينة، قد كتب معها حاطب كتابا يحذر قريشا. فخرجا، فأدركاها، فاستنزلاها، والتمساه [ (١) ] في رحلها فلم يجدا [ (٢) ] شيئا. فقالا لها: إنا نحلف باللَّه ما كذب رسول اللَّه ولا كذبنا، ولتخرجنّ هذا الكتاب! أو لنكشفنّك! فلما رأت منهما الجد قالت: أعرضا عنّي! فأعرضا عنها، فحلّت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب. فجاءا به رسول اللَّه ﷺ فدعا حاطبا فقال: ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول اللَّه! واللَّه إني لمؤمن باللَّه ورسوله، ما غيّرت ولا بدّلت، ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم أهل وولد، فصانعتهم. فقال عمر ﵁: قاتلك اللَّه! ترى رسول اللَّه يأخذ بالأنقاب، وتكتب إلى قريش تحذرهم!! دعني يا رسول اللَّه أضرب عنقه فإنه قد نافق. فقال: وما يدريك يا عمر؟ لعل اللَّه اطّلع يوم بدر على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم [ (٣) ] ، وأنزل اللَّه في حاطب: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ [ (٤) ] . ومضت سارّة إلى مكة، وكانت مغنّية، فأقبلت تتغنى بهجاء رسول اللَّه ﷺ، وقد ارتدت عن الإسلام.

دعوة المسلمين من القبائل فلما أبان رسول اللَّه ﷺ الغزو، أرسل إلى أهل البادية وإلى من حوله من

المسلمين يقول: من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فليحضر رمضان بالمدينة. وبعث رسلا في كل ناحية حتى قدموا. فقدمت أسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة، وأشجع، المدينة، وأتت بنو سليم بقديد، وعسكر ببئر أبي عنبة، وعقد الألوية والرايات.

وبعث رسلا في كل ناحية حتى قدموا. فقدمت أسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة، وأشجع، المدينة، وأتت بنو سليم بقديد، وعسكر ببئر أبي عنبة، وعقد الألوية والرايات.

عدة المسلمين وكان المهاجرون سبعمائة، ومعهم ثلاثمائة فرس، وكانت الأنصار أربعة آلاف، ومعهم خمسمائة فرس، وكانت مزينة ألفا، فيها مائة فرس ومائة درع، وكانت أسلم أربعمائة، فيها ثلاثون فرسا، وكانت جهينة ثمانمائة، معها خمسون فرسا، وكانت بنو كعب بن عمرو خمسمائة. ويقال: لم يعقد رسول اللَّه ﷺ الألوية والرايات حتى انتهى إلى قديد.

الخروج إلى الفتح وخرج يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان بعد العصر. وروى أبو خليفة الفضل بن الحباب من حديث شعبة بن قتادة عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: خرجنا مع رسول اللَّه حين فتح مكة لسبع عشرة أو تسع عشرة بقين من رمضان. الحديث. ورواه سعيد [ (١) ] بن أبي عروبة، عن قتادة بإسناده، فقال فيه: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ لثنتي عشرة. وقال هشام عن قتادة فيه بإسناده: لثمان عشرة. وعن عطية بن قيس، عن قزعة [ (٢) ] ، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: آذننا [ (٣) ] رسول اللَّه بالرحيل عام الفتح لليلتين خلتا من رمضان. الحديث.

مسير المسلمين وخرج المسلمون وقادوا الخيول، وامتطوا الإبل، وكانوا عشرة آلاف رجل، وقال الحاكم: اثنا عشر ألفا. وقدّم ﷺ أمامه الزبير بن العوام ﵁ في

مائتين، فلما كان بالبيداء قال: إني لأرى [ (١) ] السحاب يستهلّ بنصر بني كعب. ولما خرج من المدينة نادى مناديه: من أحبّ أن يصوم فليصم، ومن أحب أن يفطر فليفطر. وصام هو، حتى [إذا] [ (٢) ] كان بالعرج صبّ على رأسه ووجهه الماء من العطش، فلما كان بالكديد- بين الظهر والعصر أخذ إناء من ماء في يده حتى رآه المسلمون، ثم أفطر تلك الساعة، ويقال: كان فطره يومئذ بعد العصر. وبلغه أن قوما صاموا، فقال: أولئك العصاة! وقال بمرّ الظهران: إنكم مصبّحو [ (٣) ] عدوّكم. والفطر أقوى لكم.

لك الساعة، ويقال: كان فطره يومئذ بعد العصر. وبلغه أن قوما صاموا، فقال: أولئك العصاة! وقال بمرّ الظهران: إنكم مصبّحو [ (٣) ] عدوّكم. والفطر أقوى لكم.

منزل رسول اللَّه ﷺ بالعرج فلما نزل العرج- والناس لا يدرون أين يتوجه [ (٤) ] ! أإلى قريش، أو إلى هوازن، أو إلى ثقيف؟ وأحبّوا أن يعلموا أتى [ (٥) ]- كعب بن مالك رسول اللَّه ﷺ وقد جلس في أصحابه، وهو يتحدث- ليعلم ذلك، فأنشده شعرا، فتبسّم ولم يزد على ذلك. فلما نزل بقديد قيل: هل لك يا رسول اللَّه في بيض النساء وأدم الإبل؟ فقال: إن اللَّه حرّمهم عليّ بصلة الرحم، ووكزهم في لبّات الإبل. [وفي رواية: [إن] [ (٦) ] اللَّه حرّمهم عليّ ببر الوالدين ووكزهم في لبّات الإبل.] [ (٧) ] . وجاء عيينة بن حصن بالعرج وسار [ (٨) ] وكان الأقرع بن حابس قد وافى بالسّقيا في عشرة من قومه. فلما عقد ﷺ الألوية بقديد ندم عيينة ألّا يكون قدم بقومه.

خبر الكلبة ونظر ﵇ بعد مسيره من العرج إلى كلبة تهرّ [ (٩) ] على أولادها، وهنّ

حولها يرضعنها، فأمر جعيل بن سراقة يقوم حذاءها، لا يعرض لها أحد من الجيش ولا لأولادها.

الطلائع وقدم من العرج جريدة من خيل [ (١) ] طليعة، فأتوا بعين من هوازن، فسأله عنهم فقال: تركتهم ببقعاء قد جمعوا الجموع، وأجلبوا العرب، وبعثوا إلى جرش [ (٢) ] في عمل الدبابات [ (٣) ] والمنجنيق، وهم سائرون إلى هوازن فيكونوا جميعا. فقال [ﷺ] [ (٤) ] : وإلى من جعلوا أمرهم؟ قال: إلى مالك بن عوف. قال: وكل هوازن قد أجاب؟ قال: أبطأ من بني عامر كعب وكلاب. وقد مررت بمكة فرأيتهم ساخطين لما جاء به أبو سفيان، وهم خائفون. فقال النبي ﷺ: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل، ما أراه إلا صدقني! وأمر خالد بن الوليد فحبسه حتى دخل مكة وفتحها فأسلم، ثم خرج مع المسلمين إلى هوازن فقتل بأوطاس. [وأوطاس واد في ديار هوازن، وفيه كانت وقعة حنين] .

إسلام أبي سفيان وقدم بالأبواء أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يريد الإسلام، بعد ما عادى رسول اللَّه ﷺ عشرين سنة وهجاه، ولم يتخلف عن قتاله. فلما طلع ﷺ في موكبه، وقف تلقاء وجهه، فأعرض عنه، فتحرك إلى ناحيته، فأعرض عنه مرارا، وأعرض عنه الناس وتجهموا له، فجلس على باب منزل رسول اللَّه ﷺ يلازمة حتى فتح مكة، وهو لا يكلمه ولا أحد من المسلمين. فلما كان يوم هوازن، ثبت فيمن ثبت مع رسول اللَّه، وأخذ العباس ﵁ بلجام بغلته، وأخذ أبو سفيان بالجانب [ (٥) ] الآخر، فقال ﷺ: من هذا؟ فقال العباس:

يا رسول اللَّه! أخوك وابن عمك أبو سفيان بن الحارث [ (١) ] ! فارض عنه، أي رسول اللَّه! قال: قد فعلت، فغفر اللَّه له كلّ عداوة عاداها. فقبّل أبو سفيان رجله في الركاب. فالتفت ﵇ إليه، فقال: أخي لعمري! ويقال: إنه جاء هو وعبد اللَّه بن أبي أمية- أخو أم سلمة- إلى نيق العقاب [ (٢) ] فطردهما، فشفعت فيهما أم سلمة، وأبلغته عنهما ما رقّقه عليهما، فقبلهما.

العباس بن عبد المطلب ومخرمة بن نوفل وقدم العباس بن عبد المطلب ومخرمة بن نوفل، بالسقيا. وقيل: بل قدم العبّاس بذي الحليفة- وقيل: بالجحفة- فأسلم، وبعث ثقله [ (٣) ] ومضى مع رسول اللَّه ﷺ فأقام معه، ولم يخرج من عنده حتى راح ﵇. وكان ينزل معه في كل منزل حتى دخل مكة.

الحليفة- وقيل: بالجحفة- فأسلم، وبعث ثقله [ (٣) ] ومضى مع رسول اللَّه ﷺ فأقام معه، ولم يخرج من عنده حتى راح ﵇. وكان ينزل معه في كل منزل حتى دخل مكة.

رؤيا أبي بكر ورأى أبو بكر الصديق ﵁ في الليلة التي أصبح فيها بالجحفة- أن النبي ﷺ لما دنوا من مكة، خرجت عليهم كلبة تهرّ، فلما دنوا منها استلقت على ظهرها، فإذا أطباؤها تشخب لبنا [ (٤) ] . فذكرها أبو بكر. فقال رسول اللَّه ﷺ: ذهب كلبهم [ (٥) ] ، وأقبل درّهم [ (٦) ] . هم سائلوكم بأرحامكم! وأنتم لاقون بعضهم، فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه.

منزل المسلمين بقديد فلما نزل ﵇ قديدا لقيته سليم- وهم تسعمائة على الخيول جميعا، مع كل رجل رمحه وسلاحه، ويقال: إنهم ألف- فجعلهم مقدمته مع خالد بن الوليد ﵁ واجتمع المسلمون بمرّ الظهران، ولم يبلغ قريشا حرف واحد من مسيرهم، فأمر ﷺ المسلمين أن يوقدوا النيران، فأوقدوا عشرة آلاف نار، وأمر بالأجراس أن تقطع من أعناق الإبل ليالي فتح مكة، وفي غزوة بدر.

بعثة قريش أبا سفيان يتجسس وبعثت قريش أبا سفيان يتجسس الأخبار، وإن لقي محمدا يأخذ لهم منه جوارا، فإن رأى رقّة من أصحابه آذنه بالحرب، فخرج ومعه حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، فرأوا الأبنية والعسكر والنيران بمرّ الظهران، وسمعوا صهيل الخيل ورغاء الإبل، فأفزعهم ذلك فزعا شديدا وقالوا: هؤلاء بنو كعب جاشتها الحرب [ (١) ] ! فقال بديل: هؤلاء أكثر من بني كعب! قالوا: فتنجّعت [ (٢) ] هوازن على أرضنا! واللَّه ما نعرف هذا، إن هذا العسكر مثل حاجّ الناس! وكان على الحرس تلك الليلة عمر بن الخطاب ﵁.

خبر العباس وقدومه بأبي سفيان وصاحبيه على رسول اللَّه ﷺ وقد ركب العباس ﵁ دلدل [ (٣) ] ، على أن يصيب رسولا إلى قريش يخبرهم: أن رسول اللَّه ﷺ داخل عليهم في عشرة آلاف. فسمع صوت أبي سفيان، فقال: أبا حنظلة! فقال: يا لبيك! أبا الفضل؟ قال: نعم! قال: فما وراءك؟ قال: هذا رسول اللَّه في عشرة آلاف من المسلمين، فأسلم، ثكلتك أمك وعشيرتك، وأقبل على حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء فقال: أسلما، فإنّي لكما جار حتى تنتهوا إلى رسول اللَّه، فإنّي أخشى أن تقطعوا دون النبي! قالوا: فنحن معك.

يرتك، وأقبل على حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء فقال: أسلما، فإنّي لكما جار حتى تنتهوا إلى رسول اللَّه، فإنّي أخشى أن تقطعوا دون النبي! قالوا: فنحن معك.

ويروى أن أبا سفيان وحكيما وبديلا لما طلعوا مر [الظهران] [ (١) ] عشاء، ورأوا النيران والفساطيط والعسكر راعهم ذلك، فبينا هم كذلك لم يشعروا حتى أخذهم نفر- كان رسول اللَّه ﷺ بعثهم عيونا له- بخطم [ (٢) ] أبعرتهم، وأتوا بهم العسكر، فلقيهم عند ذلك العباس فأجارهم.

دخولهم على رسول اللَّه ﷺ وأتى بهم العباس ودخل رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه! أبو سفيان، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، قد أجرتهم، وهم يدخلون عليك! فقال: أدخلهم. فدخلوا عليه، فمكثوا عنده عامة الليل ليستخبرهم، ودعاهم إلى الإسلام، فأسلم حكيم وبديل. وقال أبو سفيان: أشهد أنّ لا إله إلا اللَّه. فقال رسول اللَّه: وأني رسول اللَّه. قال: واللَّه يا محمد، إن في النفس من هذا لشيئا بعد، فارجها [ (٣) ] . ثم قال للعباس: قد أجرناهم، اذهب بهم إلى منزلك. فذهب بهم.

خبر أبي سفيان بعد سماع الأذان فلما أذّن الصبح، أذّن العسكر كلهم، ففزع أبو سفيان من أذانهم وقال: ما يصنعون؟ أمروا فيّ بشيء؟ قال: لا! ولكنهم قاموا إلى الصلاة! قال أبو سفيان: كم يصلون في اليوم والليلة؟ قال: يصلون خمس صلوات. قال: كثير واللَّه! فلما رآهم أبو سفيان يبتدرون وضوء النبي ﷺ، قال: ما رأيت يا أبا الفضل ملكا كهذا! لا ملك [ (٤) ] كسرى ولا ملك بني الأصفر! فقال العباس: ويحك آمن! قال: أدخلني عليه. فأدخله، فقال: يا محمد! استنصرت إلهي واستنصرت إلهك، فلا واللَّه ما لقيتك من مرّة إلا ظفّرت عليّ، فلو كان إلهي حقا وإلهك مبطلا لقد غلبتك! وشهد أن محمدا رسول اللَّه.

مقالة أبي سفيان وحكيم بن حزام ثم قال أبو سفيان وحكيم: يا محمد! جئت بأوباش الناس- من نعرف ومن لا نعرف [ (١) ]- إلى عشيرتك وأصلك! فقال ﷺ: أنتم أظلم وأفجر، غدرتم عهد الحديبيّة، وظاهرتم على بني كعب بالإثم والعدوان في حرم اللَّه وأمنه. فقال أبو سفيان وحكيم بن [ (٢) ] حزام: يا رسول اللَّه! لو كنت جعلت حدّك [ (٣) ] ومكيدتك بهوازن، فهم أبعد رحما وأشدّ لك عداوة! فقال: إني لأرجو [ (٤) ] من ربّي أن يجمع ذلك لي كله: فتح مكة وإعزاز الإسلام بها، وهوازن، وأن يغنّمني اللَّه أموالهم وذراريهم، فإنّي راغب إلى اللَّه في ذلك. وقيل: إن أبا سفيان ركب خلف العباس، ورجع حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء.

خبر عمر بن الخطاب حين رأى أبا سفيان فلما مرّ العباس بعمر بن الخطاب، ورأى أبا سفيان قال: أبا سفيان! عدوّ اللَّه! الحمد للَّه الّذي أمكن منك بلا عهد ولا عقد. ثم خرج نحو رسول اللَّه ﷺ يشتدّ، فركض العباس البغلة حتى اجتمعوا على باب رسول اللَّه ﷺ، فدخلوا. فقال عمر: يا رسول اللَّه! هذا أبو سفيان عدوّ اللَّه، قد أمكن اللَّه منه بلا عهد ولا عقد، فدعني أضرب عنقه. فقال العباس: إني قد أجرته! ثم التزم [ (٥) ] رسول اللَّه، فقال: واللَّه لا يناجيه الليلة أحد دوني. فلما أكثر عمر في أبي سفيان قال العباس: مهلا يا عمر! وتلاحيا [ (٦) ] . فقال النبي ﵇ للعباس: اذهب به فقد أجرته، فليبت عندك حتى تغدو علينا إذا أصبحت. فغدا به. فقال له رسول اللَّه: ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك [ (٧) ] أن تعلم أن لا إله إلا اللَّه؟ قال: بأبي أنت! ما أحلمك وأكرمك وأعظم عفوك! قد كان يقع في نفسي أن لو كان مع اللَّه إله [ (٨) ] لقد أغنى عنّي شيئا بعد. قال: يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أني

رسول اللَّه؟ [قال] [ (١) ] : بأبي أنت وأمي! ما أحلمك وأكرمك وأعظم عفوك! أمّا هذه فو اللَّه إنّ في النفس منها لشيئا بعد، فقال العباس: ويحك! اشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه قبل واللَّه أن تقتل! فشهد شهادة الحق.

هذه فو اللَّه إنّ في النفس منها لشيئا بعد، فقال العباس: ويحك! اشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه قبل واللَّه أن تقتل! فشهد شهادة الحق.

من دخل دار أبي سفيان فهو آمن فقال العباس: يا رسول اللَّه! إنك قد عرفت أبا سفيان وحبّه الشّرف والفخر، اجعل له شيئا. قال: نعم! من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق [عليه] [ (١) ] داره فهو آمن. وأمر ألا يجهز على جريح، ولا يتّبع مدبر. ويروى أن أبا سفيان وحكيما قالا: يا رسول اللَّه! ادع الناس إلى الأمان! أرأيت إن اعتزلت قريش وكفت أيديها، آمنون هم؟ قال: نعم! من كفّ يده وأغلق [عليه] [ (١) ] بابه فهو آمن. قالوا: فابعثنا نؤذّن فيهم بذلك. قال: انطلقوا، فمن دخل دارك يا أبا سفيان فهو آمن، ودارك يا حكيم، و [ومن] [ (١) ] كفّ يده فهو آمن.

رد أبي سفيان بعد فراقه فلما توجهوا قال للعباس: إني لا آمن أبا سفيان أن يرجع عن إسلامه ويكفر، فاردده حتى يفقه ويرى جنود اللَّه معك. فأدركه عباس فحبسه، فقال: أغدرا يا بني هاشم؟ قال: ستعلم أنّا لسنا بغدر [ (٢) ] ، ولكن لي إليك حاجة، فأصبح حتى تنظر إلى جنود اللَّه، وإلى ما أعدّ للمشركين. فحبسه بالمضيق- دون الأراك إلى مكة- حتى أصبحوا. وقيل: بل قال ﵇ للعباس بعد ما خرج أبو سفيان: احبسه بمضيق الوادي حتى تمر به جنود اللَّه فيراها. فعدل به العباس في مضيق الوادي، وأمر رسول اللَّه ﷺ مناديا فنادى: لتصبح كلّ قبيلة قد ارتحلت ووقفت مع صاحبها عند رايته، وتظهر كل ما معها من العدّة.

تعبئة المسلمين ومرورهم على أبي سفيان فأصبح الناس على ظهر [ (١) ] ، وعبأ رسول اللَّه ﷺ أصحابه، فجعل أبا عبيدة ابن الجراح [ (٢) ] على المقدّمة،

وخالد بن الوليد [ (١) ] على الميمنة، والزبير بن العوام [ (٢) ]

على الميسرة، وهو ﷺ في القلب، وقدم بين يديه الكتائب فمرّت القبائل على قادتها، والكتائب على راياتها. فقدم خالد بن الوليد في بني سليم [ (١) ]- وهم ألف

يحمل لواءهم عباس بن مرداس [ (١) ] ،

وخفاف بن ندبة [ (١) ]- فقال أبو سفيان [ (٢) ] : من هؤلاء؟ قال العباس [ (٣) ] : خالد بن الوليد، فلما حاذى خالد العباس وأبا سفيان،

بن مرداس [ (١) ] ،

وخفاف بن ندبة [ (١) ]- فقال أبو سفيان [ (٢) ] : من هؤلاء؟ قال العباس [ (٣) ] : خالد بن الوليد، فلما حاذى خالد العباس وأبا سفيان،

كبر بمن معه ثلاثا ومضوا. ثم مرّ على إثره الزبير بن العوام: في خمسمائة ومعه راية سوداء، فلما حاذاهما كبّر ثلاثا وكبر أصحابه، فقال [أبو سفيان] : من هذا؟ قال [العباس] : الزبير بن العوام. قال: ابن أختك؟ قال: نعم! ومرّت بنو غفار [ (١) ] في ثلاثمائة يحمل رايتهم أبو ذرّ الغفاريّ [ (٢) ] [ويقال: إيماء

ابن رحضة] [ (١) ] ، فلما حاذوهما كبروا ثلاثا، فقال أبو سفيان: من هؤلاء؟ قال

العباس: بنو غفار. فقال: ما لي ولبني غفار!! ثم مضت أسلم [ (١) ] في أربعمائة فيها لواءان يحمل أحدهما بريدة بن الحصيب [ (٢) ] ، والآخر ناجية بن الأعجم [ (٣) ] .

فلما حاذوهما كبّروا، فقال: من هؤلاء؟ قال: أسلم. قال ما لي ولأسلم! ما كان بيننا وبينهم ترة [ (١) ] قط. قال العباس: هم قوم مسلمون دخلوا في الإسلام ثم مرّت بنو كعب بن عمرو [ (٢) ] في خمسمائة، يحمل لواءهم بسر بن سفيان [ (٣) ] . قال من هؤلاء؟ قال: بنو كعب بن عمرو. فلما حاذوه كبروا ثلاثا. ثم مرت مزينة [ (٤) ]

في ألف- فيها ثلاثة ألوية ومائة فرس، يحمل ألويتها: النعمان بن مقرّن [ (١) ] ، وبلال بن الحارث [ (٢) ] ، وعبد اللَّه بن عمر [ (٣) ]- فلما حاذوه كبّروا، فقال: من

هؤلاء؟ قال: مزينة. قال: ما لي ولمزينة! جاءتني تقعقع من شواهقها [ (١) ] ! ثم مرّت جهينة [ (٢) ] في ثمانمائة-

معها أربعة ألوية يحملها أبو روعة معبد بن خالد [ (١) ] ، وسويد بن صخر [ (٢) ] ، ورافع بن مكيث [ (٣) ]

وعبد اللَّه بن بدر [ (١) ]- فلما حاذوهما كبّروا ثلاثا. ثم مرت كنانة [ (٢) ] : [بنو ليث [ (٣) ] ، وضمرة، وسعد ابن بكر] [ (٤) ] في مائتين، يحمل لواءهم أبو واقد الليثي [ (٥) ] ، فلما حاذوهما كبروا

ثلاثا. فقال أبو سفيان: من هؤلاء؟ قال: بنو بكر. قال: أهل شؤم! هؤلاء الذين غزانا محمد بسببهم، أما واللَّه ما شوورت [ (١) ] فيه ولا علمته، ولقد كنت له كارها حيث بلغني، ولكنه أمر حمّ [ (٢) ] ! قال العباس: قد خار اللَّه لك [ (٣) ] في غزو محمد لكم. ودخلتم في الإسلام كافة. ومرّت بنو ليث [ (٤) ]- وهم مائتان وخمسون يحمل لواءهم الصعب بن جثامة [ (٥) ]- فلما حاذوهما كبروا ثلاثا فقال

أبو سفيان: من هؤلاء؟ قال: بنو ليث. ثم مرّت أشجع [ (١) ]- وهما ثلاثمائة معهم لواءان يحملهما معقل بن سنان [ (٢) ] ، ونعيم بن مسعود [ (٣) ]- فقال أبو سفيان:

[من هؤلاء؟ قال: بنو أشجع. قال] [ (١) ] : هؤلاء كانوا أشدّ العرب على محمد! فال العباس: أدخل اللَّه قلوبهم الإسلام، فهذا من فضل اللَّه.

ال أبو سفيان:

[من هؤلاء؟ قال: بنو أشجع. قال] [ (١) ] : هؤلاء كانوا أشدّ العرب على محمد! فال العباس: أدخل اللَّه قلوبهم الإسلام، فهذا من فضل اللَّه.

كتيبة رسول اللَّه ﷺ فلما طلعت كتيبة رسول اللَّه ﷺ الخضراء، طلع سواد وغبرة من سنابك الخيل، ومرّ الناس حتى مرّ رسول اللَّه ﷺ على ناقته القصواء بين أبي بكر [ (٢) ]


[ () ] إليه رسول اللَّه ﷺ رايته العظمى يوم تبوك، وأنه كان يملك يوم أسلم أربعين ألف درهم، فكان يعتق منها ويقوي المسلمين، وهو أول من جمع القرآن، وتنزّه عن شرب المسكر في الجاهلية والإسلام، وهو أول من قاء تحرجا من الشبهات. وذكر محمد بن إسحاق أنه أسلم على يده من العشرة خمسة: عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد اللَّه، والزبير، وسعد بن أبي وقّاص، وعبد الرحمن بن عوف ﵃. عن أبي سعيد قال: خطب رسول اللَّه ﷺ فقال: «إن اللَّه ﷿ خيّر عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عنده» . فبكى أبو بكر رحمة اللَّه عليه، فعجبنا من بكائه أن أخبر رسول اللَّه ﷺ من عبد خيّر، فكان رسول اللَّه ﷺ المخيّر، وكان أبو بكر أعلمنا به. فقال رسول اللَّه ﷺ إن من أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا غير ربي ﷿ لاتخذت أبا بكر، لكن أخوّة الإسلام ومودته، لا يبقى في المسجد باب إلا سدّ إلا باب أبي بكر. أخرجاه في الصحيحين، البخاري في باب قول النبي ﷺ: «سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر» ، ومسلم في باب من فضائل أبي بكر الصديق. وعن الحسن قال: قال عليّ ﵇: لما قبض رسول اللَّه ﷺ نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي ﷺ قد قدّم أبا بكر في الصلاة، فرضينا لدنيانا من رضي رسول اللَّه ﷺ لديننا، فقدمنا أبا بكر. وقالت عائشة: لما استخلف أبو بكر ألقى كل دينار ودرهم عنده في بيت المال وقال: قد كنت أتّجر فيه وألتمس به، فلما وليتهم شغلوني. وأخرج ابن سعد نحوه من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: لما ولي أبو بكر قال: قد علم قومي أن حرفتى لم تكن لتعجز عن مؤنة أهلي وقد شغلت بأمر المسلمين، وسأحترف للمسلمين في مالهم، وسيأكل آل أبي بكر من هذا المال.

ما ولي أبو بكر قال: قد علم قومي أن حرفتى لم تكن لتعجز عن مؤنة أهلي وقد شغلت بأمر المسلمين، وسأحترف للمسلمين في مالهم، وسيأكل آل أبي بكر من هذا المال. وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما ولي أبو بكر خطب الناس فحمد اللَّه وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «أما بعد أيها الناس، قد وليت أمركم ولست بخيركم، ولكن قد نزل القرآن، وسنّ النبي ﷺ السّنن فعلمنا، اعلموا أن أكيس الكيس التقوى، وأن أحمق الحمق الفجور، إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له بحقه، وإن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق، أيها الناس، إنما أنا متّبع ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني، وإن زغت فقوموني. وعن عائشة قالت: لما مرض أبو بكر مرضه الّذي مات فيه قال: انظروا ماذا زاد في مالي منذ دخلت في الإمارة، فابعثوا به إلى الخليفة من بعدي، فنظرنا فإذا عبد نوبيّ (نسبة إلى بلاد النوبة جنوبيّ مصر) كان يحمل صبيانه، وإذا ناضح (بعير يستقي عليه) كان يسقي بستانا له، فبعثنا بهما إلى عمر. قالت: فأخبرني جدي أن عمر بكى وقال: رحمة اللَّه على أبي بكر، لقد أتعب من بعده تعبا شديدا. روي أبو بكر ﵁ مائة حديث واثنين وأربعين حديثا. وتوفي أبو بكر ليلة الثلاثاء بين المغرب والعشاء، لثمان ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين، وأوصي أن تغسّله أسماء زوجته، فغسّلته، وأن يدفن إلى جنب رسول اللَّه ﷺ، وصلى عليه عمر بين القبر والمنبر، ونزل في حفرته ابنه عبد الرحمن، وعمر، وعثمان، وطلحة بن عبيد اللَّه. ﵀ ورضي عنه، وحشرنا في زمرته، وأماتنا على سنته ومحبته.

  • (طبقات ابن سعد) : ٣/ ١٦٩- ٢١٣، (تاريخ الطبري) : ٢/ ٣١٤، (المعارف) : ١٦٧- ١٧٨، (تاريخ الإسلام) : ٣/ ١٠٥- ١٢٢، (صفة الصفوة) : ١/ ١٢٣- ١٣٩،

وأسيد بن حضير [ (١) ]- وهو يحدثهما-، ومعه المهاجرون [ (٢) ] والأنصار، - فيها الرايات والألوية، مع كل بطن من بطون الأنصار راية ولواء- في الحديد لا يرى

منهم إلى الحدق، ولعمر بن الخطاب [ (١) ]


[ () ] جيشا، ورأس عليهم رجلا يدعى سارية، فبينما عمر يخطب، جعل ينادي: يا سارية الجبل، ثلاثا، ثم قدم رسول الجيش، فسأله عمر، فقال: يا أمير المؤمنين هزمنا، فبينا نحن كذلك إذا سمعت صوتا ينادي: يا سارية الجبل، ثلاثا، فأسندنا ظهورنا إلى الجبل، فهزمهم اللَّه! قيل لعمر: إنك كنت تصيح بذلك، وذلك الجبل الّذي كان سارية عنده وفد من أرض العجم. قال ابن حجر في الإصابة: إسناده حسن. وقال خزيمة بن ثابت: كان عمر إذا استعمل عاملا كتب له، واشترط عليه أن لا يركب برذونا، ولا يأكل نقيا، ولا يلبس رقيقا، ولا يغلق بابه دون ذوي الحاجات، فإن فعل فقد حلّت عليه العقوبة. ولي الخلافة بعهد من أبي بكر في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، قال الزهري: استخلف عمر يوم توفي أبو بكر، يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة. أخرجه الحاكم، فقام بالأمر أتمّ قيام وكثرت الفتوح في أيامه. وقال أبو رافع: كان أبو لؤلؤة مولى المغيرة يصنع الأرحاء (جمع رحى) ، وكان المغيرة يستغلّه كل يوم أربعة دراهم، فلقى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، إن المغيرة قد أثقل عليّ فكلّمه، فقال: أحسن إلى مولاك- ومن نية عمر أن يكلم المغيرة فيه- فغضب وقال: يسع الناس كلّهم عدله غيري، وأضمر قتله، واتخذ خنجرا، وشحذه وسمّه، وكان عمر يقول: «أقيموا صفوفكم» قبل أن يكبّر، فجاء فقام حذاءه في الصف، وضربه في كتفه وفي خاصرته فسقط عمر، وطعن ثلاثة عشر رجلا معه، فمات منهم ستة. وحمل عمر إلى أهله، وكادت الشمس تطلع، فصلى عبد الرحمن بن عوف بالناس بأقصر سورتين (الكوثر والنصر) . وأتي عمر بنبيذ فشربه، فخرج من جرحه، فلم يتبين، فسقوه لبنا، فخرج من جرحه، فقالوا: لا بأس عليك، فقال-: إن يكن بالقتل بأس فقد قتلت، فجعل الناس يثنون عليه ويقولون: كنت وكنت، فقال: أما واللَّه وددت أني خرجت منها كفافا لا عليّ ولا لي، وأن صحبة رسول اللَّه ﷺ سلمت لي.

قتل بأس فقد قتلت، فجعل الناس يثنون عليه ويقولون: كنت وكنت، فقال: أما واللَّه وددت أني خرجت منها كفافا لا عليّ ولا لي، وأن صحبة رسول اللَّه ﷺ سلمت لي. وأثنى عليه ابن عباس فقال: لو أن لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به من هول المطلع، وقد جعلتها شورى في عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد. وأمر صهيبا أن يصلى بالناس. أخرجه الحاكم. وقال ابن عباس: كان أبو لؤلؤة مجوسيا. وقال عمرو بن ميمون: قال عمر: الحمد للَّه الّذي لم يجعل منيّتي بيد رجل يدّعي الإسلام، ثم قال لابنه: يا عبد اللَّه، انظر ما عليّ من الدين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا أو نحوها، فقال: إن وفى مال آل عمر فأدّه من أموالهم، وإلا فاسأل في بني عدي، فإن لم تف أموالهم فاسأل في قريش. اذهب إلى أم المؤمنين عائشة فقل: يستأذن عمر أن يدفن مع صاحبيه، فذهب إليها فقالت: كنت أريده- تعني المكان- لنفسي، ولأوثرنّه اليوم على نفسي، فأتي عبد اللَّه فقال: قد أذنت، فحمد اللَّه تعالى، وقيل له: أوصي يا أمير المؤمنين واستخلف، قال: ما أرى أحدا أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول اللَّه ﷺ وهو عنهم راض، فسمي الستة. وأما أوّليات عمر ﵁:

  • فهو أول من سمي أمير المؤمنين. * وأول من كتب التاريخ من الهجرة.
  • وأول من اتخذ بيت المال. * وأول من سنّ قيام شهر رمضان في جماعة.

فيها زجل [ (١) ] ، وعليه الحديد، وهو يزعها [ (٢) ] فقال أبو سفيان: لقد أمر أمر بني عدّي [ (٣) ] بعد قلة وذلة! فقال العباس: إن اللَّه يرفع ما يشاء، وإن عمر ممن رفعه الإسلام.

مقالة سعد بن عبادة لأبي سفيان وكان في الكتيبة ألف دارع: وسعد بن عبادة يحمل راية رسول اللَّه ﷺ أمام الكتيبة، فنادى: يا أبا سفيان! اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الحرمة، اليوم أذلّ اللَّه قريشا! فنادى أبو سفيان- عند ما حاذاه النبي ﵇ يا رسول اللَّه، أمرت بقتل قومك؟ زعم سعد ومن معه كذا- وذكر ما قاله سعد- وإني أنشدك اللَّه في قومك! فأنت أبرّ الناس، وأرحم الناس وأوصل الناس!!.

لنبي ﵇ يا رسول اللَّه، أمرت بقتل قومك؟ زعم سعد ومن معه كذا- وذكر ما قاله سعد- وإني أنشدك اللَّه في قومك! فأنت أبرّ الناس، وأرحم الناس وأوصل الناس!!.

عزل سعد راية رسول اللَّه ﷺ فقال عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان: يا رسول اللَّه! ما نأمن من سعد أن تكون منه في قريش صولة. فقال رسول اللَّه ﷺ: يا أبا سفيان! اليوم يوم الرحمة [ (١) ] ، اليوم أعزّ اللَّه فيه قريشا! وأرسل إلى سعد فعزله، وجعل اللواء إلى قيس بن سعد، فأبى سعد أن يسلم اللواء إلا بأمارة، فأرسل ﷺ بعمامته، فدفع اللواء إلى ابنه قيس. ويقال: دخل سعد بلوائه حتى غرزه بالحجون. ويقال إن رسول اللَّه ﷺ أمر عليا فأخذ الراية، فذهب علي بها حتى دخل بها مكة فغرزها عن الركن، وقيل: بل أمر الزبير بن العوام فأخذ اللواء [ (٢) ] وصححه جماعة.

مقالة أبي سفيان حين رأى ما رأى وقال أبو سفيان: ما رأيت مثل هذه الكتيبة قط، ولا خبّرنيه مخبر! ما لأحد به طاقة ولا يدان! لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما! فقال له العباس: يا أبا سفيان! ليس بملك ولكنه نبوّة. قال: فنعر [ (٣) ] ! قال فانج ويحك فأدرك قومك قبل أن يدخل عليهم.

خروج أبي سفيان إلى مكة وما كان منه فخرج أبو سفيان فتقدم الناس كلهم حتى دخل مكة من كداء وهو يقول: من أغلق بابه فهو آمن! حتى انتهى إلى هند بنت عتبة فأخذت برأسه فقالت: ما وراءك؟ قال: هذا محمد في عشرة آلاف عليهم الحديد. وقد جعل لي: من دخل داري فهو آمن! قالت: قبحك اللَّه رسول قوم! وجعل يصرخ بمكة! يا معشر قريش! ويحكم! إنه قد جاء ما لا قبل لكم به! هذا محمد في عشرة آلاف عليهم الحديد فأسلموا تسلموا! قالوا! قبحك اللَّه وافد قوم! وجعلت هند تقول: اقتلوا وافدكم هذا، قبحك اللَّه وافد قوم! فيقول! ويلكم! لا تغرنكم هذه من أنفسكم! رأيت ما لم تروا [ (٤) ] رأيت الرجال والكراع والسلاح، فما لأحد [ (٥) ]

بهذا طاقة!

خبر العباس في مكة وذكر عمر بن شبّة [ (١) ] : أن العباس ركب بغلة رسول اللَّه ﷺ من مر [الظهران] [ (٢) ] ليدعو أهل مكة فقدمها وقال: يا أهل مكة أسلموا تسلموا. قد استبطنتم بأشهب بازل [ (٣) ] ، وأعلمهم بمسير الزبير من أعلى مكة، ومجيء خالد ابن الوليد من أسفلها لقتالهم، ثم قال: من ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.

موقف المسلمين وانتهى المسلمون إلى ذي طوى، فوقفوا ينظرون إلى رسول اللَّه ﷺ حتى تلاحق الناس، وقد كان صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو دعوا إلى القتال، واجتمع إليهم- من قريش وغيرهم- جماعة عليهم السلاح، يحلفون باللَّه لا يدخلها محمد عنوة أبدا.

دخول رسول اللَّه مكة وأقبل رسول اللَّه ﷺ في كتيبته الخضراء- على ناقته القصواء، معتجرا بشقّة برد حبرة، [وفي رواية: وهو معتجر بشقة برد أسود] ، وعليه عمامة سوداء، ورايته سوداء، ولواؤه أسود- حتى وقف بذي طوى وتوسط الناس، وإن عثنونه [ (٤) ] ليمسّ واسطة الرّحل أو يقرب منه، تواضعا للَّه تعالى حين رأى ما رأى من فتح اللَّه وكثرة المسلمين، ثم قال: العيش عيش الآخرة.

مداخل المسلمين إلى مكة وأمر الزبير بن العوام أن يدخل من كداء من أعلى مكة، وأن ينصب رايته بالحجون، وأمر خالد بن الوليد أن يدخل من اللّيط: وهي كداء من أسفل مكة. [ويقال: بعث الزبير بن العوام من أعلى مكة، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل من كداء] . ودخل رسول اللَّه ﷺ من أذخر.

أن يدخل من اللّيط: وهي كداء من أسفل مكة. [ويقال: بعث الزبير بن العوام من أعلى مكة، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل من كداء] . ودخل رسول اللَّه ﷺ من أذخر.

النهى عن القتال ونهى عن القتال. ويقال: بل أمرهم بقتال من قتالهم، فتراموا بشيء من النبل. فظهر عليهم رسول اللَّه ﷺ فأمن الناس إلا خزاعة عن [ (١) ] بني بكر. وذكر جماعة أنه لم يؤمّنهم. وقيل: أمر بقتل ستة نفر، وأربع نسوة: عكرمة بن أبي جهل، وهبّار بن الأسود، وعبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح، ومقيس بن صبابة الليثي، والحويرث بن نقيذ [ (٢) ] بن بجير بن عبد قصيّ، وهلال بن عبد اللَّه بن عبد مناف بن أسعد بن جابر بن كبير بن تيّم بن غالب بن فهر [ (٣) ] ، فتيم هو الأدرم [ (٤) ] [وعبد بن عبد مناف هو خطل بن خطل الأدرميّ] . وهند بنت عتبة بن ربيعة، وسارة مولاة عمرو بن هشام، وقينتين لابن خطل: قرينا وقريبة، ويقال فرتنا وأرنبة.

قتال خالد بن الوليد فكل الجنود دخل فلم يلق جمعا، إلا خالد بن الوليد، فإنه وجد جمعا من قريش وأحابيشها: فيهم صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، فمنعوه الدخول، وشهروا السلاح، ورموا بالنبل، وقالوا: لا تدخلها عنوة أبدا. فصاح خالد في أصحابه وقاتلهم، فقتل منهم أربعة وعشرين رجلا من قريش، وأربعة من هذيل، [وقيل: بل قتل من المشركين ثلاثة عشر رجلا] ،

وانهزموا أقبح هزيمة. وقتل من المسلمين ثلاثة.

خبر راعش المشرك وكان راعش [ (١) ] ، أحد بني صاهلة الهذليّ، [وقيل: حماس [ (٢) ] بن قيس بن خالد أحد بني بكر] ، يعدّ سلاحا، فقالت له امرأته: لم تعدّ ما أرى؟ قال: لمحمد وأصحابه! فقالت له: ما أرى أن يقوم لمحمد وأصحابه شيء! فقال: واللَّه إني لأرجو أن أخدمك بعضهم، ثم قال [ (٣) ] : إن تقدموا اليوم فما بي علة ... هذا سلاح كامل وألّة [ (٤) ] وذو غرارين سريع السّله [ (٥) ]

! فقال: واللَّه إني لأرجو أن أخدمك بعضهم، ثم قال [ (٣) ] : إن تقدموا اليوم فما بي علة ... هذا سلاح كامل وألّة [ (٤) ] وذو غرارين سريع السّله [ (٥) ]

هزيمة المشركين ثم شهد الخندمة مع صفوان وعكرمة وسهيل، فهزمهم خالد بن الوليد، فمرّ حماس [ (٦) ] منهزما حتى دخل بيته، وقال لامرأته: أغلقي عليّ بابي! فقالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال [ (٧) ] : إنك إن شهدت يوم الخندمة ... إذ فرّ صفوان وفر عكرمة واستقبلتنا بالسيوف المسلمة ... يقطعن كل ساعد وجمجمة ضربا فلا تسمع إلا غمغمه ... لهم نهيت خلفنا وهمهمه

لم تنطقي في اللوم [ (١) ] أدنى كلمه

التأمين واتبعهم المسلمون، وأبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام يصيحان: يا معشر قريش! علام تقتلون أنفسكم؟ من دخل داره فهو آمن. ومن وضع السلاح فهو آمن! فاقتحم الناس الدور وأغلقوا عليهم الأبواب، وطرحوا السلاح في الطّرق، فأخذها المسلمون، ويروي أن رسول اللَّه ﷺ عقد لأبي رويحة عبد اللَّه بن عبد الرحمن- أحد الفزع بن شهران بن عفرس بن خلف بن أفل [وهو خثعم]- لواء وأمره أن ينادي: من دخل تحت لواء أبي رويحة فهو آمن.

قتال خالد بن الوليد ولما ظهر [ (٢) ] رسول اللَّه ﷺ على ثنية أذاخر، نظر إلى البارقة [ (٣) ] فقال: «ما هذه البارقة؟ ألم أنه عن القتال؟» فقيل: يا رسول اللَّه، خالد بن الوليد قوتل، ولو لم يقاتل ما قاتل! فقال: «قضاء اللَّه خير» .

ابن خطل وأقبل ابن خطل من أعلى مكة في الحديد على فرس بيده قناة، وبنات سعيد ابن العاص قد نشرن رءوسهن ويضربن بخمرهن [ (٤) ] وجوه الخيل، فقال لهن: أما واللَّه لا يدخلها محمد حتى ترين ضربا كأفواه المزاد [ (٥) ] ! فلما انتهى إلى الخندمة،

ورأى خيل المسلمين وقتالهم، دخله رعب حتى ما يستمسك من الرّعدة، فانتهى إلى الكعبة فنزل، وطرح سلاحه، ودخل بين أستارها. فأخذ رجل من بني كعب درعه ومغفره وبيضته وسيفه وفرسه، ولحق بالنبيّ ﷺ بالحجون.

دخول الزبير مكة وأقبل الزبير بمن معه حتى انتهوا إلى الحجون، فغرز به الراية. ولم يقتل من المسلمين إلا رجلان [ (١) ] أخطئا الطريق، هما: كرز بن جابر الفهريّ، وخالد الأشعري الخزاعيّ.

منزل رسول اللَّه ﷺ بمكة ولما أشرف رسول اللَّه ﷺ على أذاخر فنظر بيوت مكة، وقف فحمد اللَّه وأثنى عليه، ونظر إلى موضع قبّته فقال: هذا منزلنا يا جابر، حيث تقاسمت علينا قريش في كفرها! وكان أبو رافع قد ضرب لرسول اللَّه ﷺ بالحجون قبة من أدم، فأقبل حتى انتهى إلى القبة في يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان، وقيل لثلاث عشرة [ (٢) ] مضت من رمضان. فمضى الزّبير بن العوام برايته حتى ركزها عند قبّة رسول اللَّه، وكان معه أم سلمة وميمونة ﵄. وقيل: يا رسول اللَّه، ألا تنزل منزلك من الشّعب؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل منزلا؟ وكان عقيل بن أبي طالب قد باع منزل رسول اللَّه ﷺ ومنزل إخوته، والرجال والنساء بمكة فقيل: يا رسول اللَّه، فانزل في بعض بيوت مكة في غير منازلك، فقال: لا أدخل البيوت. فلم يزل مضطربا [ (٣) ] بالحجون لم يدخل بيتا، وكان يأتي المسجد من الحجون لكل صلاة.

خبر إجارة أم هانئ عبد اللَّه بن أبي ربيعة والحارث بن هشام وكانت أم هانئ بنت أبي طالب تحت [ (٤) ] هبيرة بن أبي وهب المخزوميّ، فدخل

الحجون لكل صلاة.

خبر إجارة أم هانئ عبد اللَّه بن أبي ربيعة والحارث بن هشام وكانت أم هانئ بنت أبي طالب تحت [ (٤) ] هبيرة بن أبي وهب المخزوميّ، فدخل

عليها حموان لها- عبد اللَّه بن أبي ربيعة عمرو بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر [ (١) ] ابن مخزوم المخزومي، والحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر [ (١) ] ابن مخزوم- يستجيران بها فأجارتهما. فدخل عليها أخوها على بن أبي طالب يريد قتلهما، وقال: تجيرين المشركين؟ فحالت دونهما وقالت: واللَّه لتبدأنّ بي قبلهما! فخرج ولم يكد، فأغلقت عليهما بيتا، وذهبت إلى خباء رسول اللَّه ﷺ بالبطحاء، فشكت إلى فاطمة ﵍ عليا فلم تشكها، وقالت لها: لم تجيرين المشركين؟ وإذا برسول اللَّه ﷺ عليه [ (٢) ] رهجة الغبار [ (٣) ] ، فقال: مرحبا بفاختة أم هانئ، فقالت: ماذا لقيت من ابن أمّي علي! ما كدت أنفلت منه! أجرت حموين لي من المشركين، فتفلّت عليهم ليقتلهما، فقال: ما كان ذلك له! قد أمنّا من أمّنت، وأجرنا من أجرت. ثم أمر فاطمة ﵍ فسكبت له ماء فاغتسل، وصلى ثماني ركعات في ثوب واحد ملتحفا به، وذلك ضحى. ورجعت أم هانئ فأخبرتهما، فأقاما عندها يومين ثم مضيا. وأتى آت فقال: يا رسول اللَّه: الحارث ابن هشام وابن أبي ربيعة جالسان في ناديهما في الملاء المزعفر [ (٤) ] ! فقال: لا سبيل إليهما فقد أمّناهما.

تجهّز رسول اللَّه ﷺ للطواف بالبيت ومكث ﷺ في منزله ساعة من نهار، واغتسل وضفر رأسه ضفائر أربع، [وقيل: بل اغتسل في بيت أم هانئ بمكة] ، وصلى ثماني ركعات وذلك ضحى، وذلك في الصحيحين [ (٥) ] ، وزاد أبو داود: سلّم من كلّ ركعتين ثم لبس السلاح ومغفرا من حديد، وقد صف له الناس، وركب القصواء ومرّ وأبو بكر ﵁ إلى جنبه يحادثه، وعبد اللَّه بن أم مكتوم بين يديه من بين الصفا والمروة وهو يقول: يا حبذا مكة من وادي ... [أرض] بها أهلي وعوّادي [ (٦) ]

[أرض] بها أمشي بلا هادي ... [أرض] بها ترسخ أوتادي [ (١) ] حتى انتهى إلى الكعبة: فتقدم على راحلته فاستلم الركن بمحجته وكبّر، فكبّر المسلمون لتكبيره حتى ارتجت مكة تكبيرا. فأشار إليهم أن اسكتوا! والمشركون فوق الجبال ينظرون.

الكعبة: فتقدم على راحلته فاستلم الركن بمحجته وكبّر، فكبّر المسلمون لتكبيره حتى ارتجت مكة تكبيرا. فأشار إليهم أن اسكتوا! والمشركون فوق الجبال ينظرون.

الأصنام التي حول الكعبة ثم طاف، ومحمد بن مسلمة [ (٢) ] آخذ بزمامها، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما مرصصة بالرّصاص- وهبل أعظمها وهو وجاه الكعبة على بابها، وإساف ونائلة حيث ينحرون ويذبحون- فجعل رسول اللَّه ﷺ كلما مرّ بصنم منها يشير بقضيب في يده ويقول: «جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا» . فيقع الصنم لوجهه. فطاف سبعا يستلم الركن بمحجنه في كل طواف. فعطش ﷺ [ (٣) ]- وكان يوما صائفا- فاستسقى [ (٤) ] فأتى بقدح من شراب زبيب، فلما أدناه من فيه وجد له ريحا شديدة فردّه. ودعا بماء من زمزم فصبّه عليه حتى فاض من جوانبه، وشرب منه، ثم ناوله الّذي عن يمينه. فلما فرغ من [سبعة] [ (٥) ] نزل عن راحلته، وجاء معمر بن عبد اللَّه بن نضلة فأخرج راحلته. وانتهى رسول اللَّه إلى المقام- وهو يؤمئذ لاصق بالكعبة، والدّرع والمغفر عليه، وعمامة لها طرف بين كتفيه- فصلى ركعتين، ثم انصرف إلى زمزم فاطّلع فيها وقال: لولا أن يغلب بنو عبد المطلب لنزعت منها دلوا! فنزع له العباس بن عبد المطلب دلوا فشرب منه. ويقال: الّذي نزع الدلو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ولم يسع بين الصفا والمروة لأنه لم يكن يومئذ معتمرا.

كسر هبل وأمر بهبل فكسّر وهو واقف عليه، فقال الزبير بن العوّام لأبي سفيان ابن حرب: يا أبا سفيان! قد كسر هبل! أما إنك قد كنت منه يوم أحد في غرور،

حين تزعم أنه قد أنعم! فقال: دع عنك هذا يا ابن العوام، فقد أرى لو كان مع إله محمد غيره لكان غير ما كان.

خبر زمزم ثم انصرف رسول اللَّه ﷺ فجلس ناحية من [ (١) ] المسجد والناس حوله، فأتى بدلو من زمزم فغسل منها وجهه، فما يقع منه قطرة إلا في يد إنسان: إن كانت قدر ما يحسوها حساها، وإلا تمسح بها. والمشركون ينظرون، فقالوا: ما رأينا ملكا قطّ أعظم من اليوم. ولا قوما أحمق من القوم يتصل به.

إسلام قريش والبيعة وجاءته قريش فأسلموا طوعا وكرها وقالوا: يا رسول اللَّه اصنع بنا صنع أخ كريم. فقال: أنتم الطلقاء! وقال مثلي ومثلكم كما قال يوسف لإخوته: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. ثم اجتمعوا لمبايعته، فجلس على الصفا، وجلس عمر بن الخطاب أسفل مجلسه يأخذ على الناس، فبايعوا على السمع والطاعة للَّه ولرسوله ﷺ فيما استطاعوا، فقال: لا هجرة بعد الفتح.

غسل الكعبة وتجرد الرجال [ (٢) ] من الأزر، ثم أخذوا الدّلو فغسلوا ظهر الكعبة وبطنها حتى انبعج [ (٣) ] الوادي من الماء، فلم يدعوا فيه صورة ولا أثرا من آثار المشركين إلا محوه. وكان ﷺ لما جلس ناحية من المسجد، توضأ بسجل [ (٤) ] من زمزم قريبا من المقام، والمسلمون يبادرون وضوءه يصبونه على وجوههم والمشركين يتعجبون ويقولون: ما رأينا ملكا قط بلغ هذا ولا شبيها به!

مفتاح الكعبة ثم أرسل بلالا إلى عثمان بن طلحة ليأتيه بمفتاح الكعبة فمنعته أمه، حتى جاء

أبو بكر وعمر ﵄، فدفعته إلى ابنها فأتى به رسول اللَّه ﷺ. فلما تناولته قال العباس: يا رسول اللَّه، اجمع لنا السقايا والحجابة. فقال ﵇: «أعطيكم ما ترزءون فيه ولا أعطيكم ما ترزءون به» [ (١) ] . وقيل بل جاء عثمان ابن طلحة بالمفتاح إلى رسول اللَّه ﷺ لما بلغ رأس الثنية.

محو الصور وقيل: بعث ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ من البطحاء- ومعه عثمان ابن طلحة- ليفتح البيت، ولا يدع صورة إلا محاها، [ولا تمثالا] [ (٢) ] ، فترك عمر صورة إبراهيم ﵇ حتى محاها ﵇.

ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ من البطحاء- ومعه عثمان ابن طلحة- ليفتح البيت، ولا يدع صورة إلا محاها، [ولا تمثالا] [ (٢) ] ، فترك عمر صورة إبراهيم ﵇ حتى محاها ﵇.

دخوله الكعبة ودخل ﷺ الكعبة- ومعه أسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة- فمكث فيها وصلى ركعتين، ثم خرج والمفتاح في يده، ووقف على الباب خالد بن الوليد يذبّ الناس عنه حتى خرج رسول اللَّه ﷺ، فوقف على باب البيت وأخذ بعضادتيه [ (٣) ] ، وأشرف على الناس وفي يده المفتاح، ثم جعله في كمّه، وقال- وقد جلس الناس-:

خطبة رسول اللَّه ﷺ على باب البيت الحمد للَّه الّذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده: [يا معشر قريش] [ (٤) ] : ماذا تقولون؟ وماذا تظنون؟ قالوا: نقول خيرا ونظن خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت. فقال: فإنّي أقول كما قال أخي يوسف: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. ألا إن كل ربا في الجاهلية أو دم، أو مال، أو مأثرة فهو تحت قدمي هاتين

إلا سدانة البيت وسقايا الحاج. ألا وفي قتيل العصا والسوط الخطأ شبه العمد، والدّية مغلظة مائة ناقة، منها أربعون في بطونها أولادها. إن اللَّه قد أذهب نخوة الجاهلية وتكثرها بآبائها، كلكم لآدم وآدم من تراب، وأكرمكم عند اللَّه أتقاكم. ألا إن اللَّه حرم مكّة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام بحرام اللَّه، لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحلّ لأحد كائن بعدي، ولم تحلّ لي إلّا ساعة من النهار [ (١) ] ، ألا لا ينفر صيدها، ولا يعضد عضاهها [ (٢) ] ، ولا تحلّ لقطتها إلا لمنشد [ (٣) ] ، ولا يختلى خلاها [ (٤) ] ، فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول اللَّه، فإنه لا بد منه للقبور وطهور البيوت! فسكت ساعة ثم قال: إلا الإذخر فإنه حلال.

(٣) ] ، ولا يختلى خلاها [ (٤) ] ، فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول اللَّه، فإنه لا بد منه للقبور وطهور البيوت! فسكت ساعة ثم قال: إلا الإذخر فإنه حلال. ولا وصية لوارث: وإن الولد للفراش وللعاهر الحجر، ولا يحل لامرأة تعطى من مالها إلا بإذن زوجها. والمسلم أخو المسلم، والمسلمون إخوة، والمسلمون يد واحدة على من سواهم، يتكافئون دماءهم، يرد عليهم أقصاهم، ويعقد عليهم أدناهم، ومشدهم على مضعفهم [ (٥) ] ومسيّرهم [ (٦) ] على قاعدهم، ولا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده، ولا يتوارث أهل ملتين مختلفتين ولا جلب ولا جنب [ (٧) ] . ولا تؤخذ صدقات المسلمين إلا في بيوتهم وأفنيتهم. ولا تنكح المرأة على

عمتها وخالتها [ (١) ] . والبينة على من ادّعى، واليمين على من أنكر. ولا تسافر امرأة مسيرة ثلاث إلا مع ذي محرم [ (٢) ] . ولا صلاة بعد العصر ولا بعد الصبح. وأنهاكم عن صيام يومين [ (٣) ] : يوم الأضحى ويوم الفطر، وعن لبستين: لا يحتب أحدكم في ثوب واحد يفضي بعورته إلى السماء، ولا يشتمل الصّماء [ (٤) ] : ولا إخالكم إلا وقد عرفتموها.

رد المفتاح إلى عثمان بن طلحة ثم نزل ومعه المفتاح، فتنحى ناحية من المسجد فقال: ادعوا إليّ عثمان ابن طلحة، فدعي. وكان ﷺ قال له يوما بمكة وهو يدعوه إلى الإسلام، ومع عثمان المفتاح، فقال: لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت! فقال له عثمان: لقد هلكت إذن قريش وذلت! فقال ﷺ: بل عمرت وعزت يومئذ! فأقبل عثمان، فقال ﵇: خذوها يا بني أبي طلحة تالدة خالدة، ولا ينزعها منكم إلا ظالم! يا عثمان! إن اللَّه استأمنكم على بيته، فكلوا بالمعروف. فلما ولي عثمان ناداه ﵇ فرجع إليه، فقال له: ألم يكن الّذي قلت لك؟ فذكر عثمان قوله له بمكة، فقال: بلى أشهد أنك رسول اللَّه. فقال: قم على الباب، وكل بالمعروف. ودفع ﵇ السقايا إلى العباس ﵁.

معاتبة خالد بن الوليد من أجل قتاله وقال لخالد بن الوليد ﵁: لم قاتلت وقد نهيت عن القتال؟ فقال:

هم يا رسول اللَّه بدءونا بالقتال، ورشقونا بالنّبل، ووضعوا فينا السلاح، وقد كففت ما استطعت، ودعوتهم إلى الإسلام وأن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فأبوه، حتى إذا لم أجد بدا قاتلتهم، فظفرنا اللَّه عليهم وهربوا في كل وجه يا رسول اللَّه! فقال: فكف عن الطلب. قال: قد فعلت يا رسول اللَّه. قال: قضاء اللَّه خير.

النهي عن القتال إلا خزاعة عن بني بكر ثم قال: يا معشر المسلمين! كفّوا السلاح، إلا خزاعة عن بني بكر إلى صلاة العصر، فخبّطوهم ساعة. وهي الساعة التي أحلّت لرسول اللَّه ﷺ لم تحلّ لأحد قبله. وقيل: خبّطوهم إلى نصف النهار وكان ﷺ نهى أن يقتل من خزاعة أحد. وبعث تميم بن أسد الخزاعي فجدّد أنصاب الحرم. ودخل جنيدب بن الأدلغ [الهذليّ] [ (١) ] مكة يرتاد وينظر- والناس آمنون- فرآه جندب بن الأعجم [ (٢) ] الأسلمي. فقال: جنيدب بن الأدلغ! قاتل أحمر [بأسا] [ (٣) ] ! فقال: نعم فخرج جندب [بن الأعجم] يستجيش عليه حيّه، فلقي خراش بن أمية الكعبيّ فأخبره. فاشتمل خراش على السيف ثم أقبل إليه- والناس حوله وهو يحدثهم- فحمل عليه فقتله، ويقال إنه قتله بالمزدلفة.

خطبته ﷺ لما كثر القتل بين خزاعة وبني بكر فلما بلغ رسول اللَّه ﷺ قتله، قام خطيبا- الغد من يوم الفتح بعد الظهر- فقال: يا أيها الناس، إن اللَّه حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض، ويوم خلق الشمس والقمر، ووضع هذين الجبلين، فهي حرام إلى يوم القيامة لا يحل لمؤمن يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يسفك فيها دما. ولا يعضد فيها شجرا، لم تحلّ لأحد كان قبلي، ولا تحلّ لأحد [يكون] [ (٤) ] بعدي، ولم تحلّ لي إلا ساعة من نهار، ثم رجعت حرمتها بالأمس، فليبلغ شاهدكم غائبكم، فإن قال قائل: قد قاتل فيها رسول اللَّه! فقولوا: إن اللَّه قد أحلها لرسوله ولم يحلها لكم يا معشر خزاعة!

ثم رجعت حرمتها بالأمس، فليبلغ شاهدكم غائبكم، فإن قال قائل: قد قاتل فيها رسول اللَّه! فقولوا: إن اللَّه قد أحلها لرسوله ولم يحلها لكم يا معشر خزاعة!

ارفعوا أيديكم عن القتل، فقد واللَّه كثر إن نفع [ (١) ] . وقد قتلتم هذا القتيل، واللَّه لأدينّه! فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بالخيار: إن شاءوا فدم قتيلهم، وإن شاءوا فعقله [ (٢) ] . ويروي أنه قام خطيبا فقال: إنّ أعدى الناس على اللَّه: من قتل في الحرم، ومن قتل غير قاتله، ومن قتل بذحول الجاهلية [ (٣) ] . ويقال: إن قتل خراش لجنيدب كان بعد ما نهى النبي ﷺ عن القتل، وإنه ﵇ قال: لو كنت قاتلا مؤمنا بكافر لقتلت خراشا بالهذلىّ: ثم أمر خزاعة يخرجون ديته، فأخرجوها مائة من الإبل، فكان أول قتيل وداه [ (٤) ] رسول اللَّه ﷺ في الإسلام.

أذان بلال على ظهر الكعبة ومقالة قريش وجاءت الظّهر، فأمر رسول اللَّه ﷺ بلالا أن يؤذن فوق ظهر الكعبة، وكانت قريش فوق رءوس الجبال وقد فرّ وجوههم وتغيبوا خوفا أن يقتلوا. فلما أذّن بلال ورفع صوته كأشدّ ما يكون وقال: أشهد أن محمدا رسول اللَّه- قالت جويرية بنت أبي جهل: قد لعمري رفع لك ذكرك! أما الصلاة فسنصلّي، واللَّه لا نحب من قتل الأحبة أبدا، ولقد كان جاء أبي الّذي جاء محمدا من النبوة فردّها، وكره خلافة قومه. وقال خالد بن الأسيد: الحمد للَّه الّذي أكرم أبي فلم يسمع هذا اليوم! وقال الحارث بن هشام: وا ثكلاه! ليتني متّ قبل هذا اليوم قبل أن أسمع بلالا ينهق فوق الكعبة! وقال الحكم بن أبي العاص: هذا واللَّه الحدث العظيم. أن يصبح عبد بني جمح على بنيّة [ (٥) ] أبي طلحة! وقال سهيل بن عمرو: إن كان هذا سخطا للَّه فسيغيره، وإن كان للَّه رضي فسيقرّه. وقال أبو سفيان بن حرب أما أنا فلا أقول شيئا، لو قلت شيئا لأخبرته هذه الحصباء! فأتى جبريل ﵇ رسول اللَّه ﷺ فأخبره خبرهم.

أمية بن أبي عبيدة أتاه يعلي بن أميّة بأبيه. فقال: يا رسول اللَّه، بايع أبي على الهجرة، فقال: لا! بل أبايعه على الجهاد فقد انقضت الهجرة.

خبره خبرهم.

أمية بن أبي عبيدة أتاه يعلي بن أميّة بأبيه. فقال: يا رسول اللَّه، بايع أبي على الهجرة، فقال: لا! بل أبايعه على الجهاد فقد انقضت الهجرة.

سهيل بن عمرو وكان سهيل بن عمرو أغلق عليه [بابه] [ (١) ] ، وبعث إلى ابنه عبد اللَّه ابن سهيل أن يأخذ له أمانا، فأمّنه رسول اللَّه ﷺ وقال. من لقي سهيل بن عمرو، فلا يشد النظر إليه فلعمري إن سهيلا له عقل وشرف، وما مثل سهيل جهل الإسلام، ولقد رأى ما كان يوضع فيه [ (٢) ] أنه لم يكن له بنافع، فخرج عبد اللَّه إلى أبيه فأخبره، فقال سهيل: كان واللَّه برا صغيرا وكبيرا! فخرج وشهد حنينا، وأسلم بالجعرّانة.

هبيرة بن أبي وهب وابن الزبعري وهرب هبيرة بن أبي وهب زوج أم هانئ بنت أبي طالب- هو وعبد اللَّه ابن الزّبعرى بن قيس بن عديّ بن سعيد بن سهم القرشيّ السّهمي- إلى نجران. فبعث حسان بن ثابت بشعر إلى ابن الزبعري فجاء. ولما نظر رسول اللَّه ﷺ إليه قال: هذا ابن الزبعري ومعه وجه فيه نور الإسلام! فأسلم. ومات هبيرة بنجران مشركا.

حويطب بن عبد العزى وهرب حويطب بن عبد العزّي بن أبي القيس بن عبد ود بن نصر بن مالك ابن حسل بن عامر بن لؤيّ القرشي العامري! فأمّنه أبو ذر ﵁ ومشى معه، وجمع بينه وبين عياله.

إسلام نساء من قريش وأسلمت هند بنت عتبة، وأم حكيم بنت الحارث بن هشام: امرأة عكرمة

ابن أبي جهل، والبغوم بنت المعذّل [ (١) ] : امرأة صفوان بن أمية ، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وهند بنت منبّه بن الحجاج: أم عبد اللَّه بن عمرو بن العاص في عشر نسوة من قريش.

بيعة النساء وخبر هند بنت عتبة فأتين رسول اللَّه ﷺ بالأبطح- وعنده زوجتاه وفاطمة ابنته، في نساء من نساء بني عبد المطلب، فبايعنه، ولم تمسّ يده يد امرأة. وقيل-: وضع على يده ثوبا ثم مسحن على يده. وقيل: أدخل يده في قدح فيه ماء، ثم دفعه إليهن فأدخلن أيديهنّ فيه. وقيل: بل كانت بيعة النساء عقيب بيعة الرجال عند الصّفا. ورئيت [ (٢) ] فيهن هند وهي متنكّرة لأجل صنيعها بحمزة- وكان زوجها أبو سفيان حاضرا- فعرفها رسول اللَّه ﷺ وقال: إنك لهند! فقالت: أنا هند، فاعف عما سلف. فبايعهن عمر ﵁ واستغفر لهن رسول اللَّه ﷺ.

إسلام عكرمة بن أبي جهل وطلبت أم حكيم أمانا لعكرمة وقد هرب إلى اليمن فأمّنه. فخرجت إليه حتى قدم. فلما دنا من مكة قال رسول اللَّه ﷺ يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا، فلا تسبوا أباه، فإنّ سبّ الميت يؤذي الحىّ ولا يبلغ إليه! فلما رآه وثب إليه فرحا، فوقف- ومعه امرأته منتقبة- فقال: يا محمد، إنّ هذه أخبرتني أنك أمنتنى! فقال: صدقت، فأنت آمن! فأسلم. صفوان بن أمية وهرب صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح القرشيّ الجمحيّ. فأخذ له عمير بن وهب بن خلف بن وهب بن حذافة أمانا، وخرج في أثره حتى رجع، وشهد هوازن كافرا، وأسلم بالجعرّانة.

عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح وكان عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح ممن أهدر رسول اللَّه ﷺ دمه يوم الفتح،

فأتى به عثمان بن عفان ﵁، وسأله أن يهبه له، فوهب له جرمه. وأسلم.

الحويرث بن نقيذ وأهدر ﷺ دم الحويرث بن نقيذ [ (١) ] بن بجير بن عبد قصي، فضرب عليّ ﵁ عنقه، وكان مؤذيا للَّه ولرسوله ﷺ.

هبار بن الأسود وأهدر دم هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزّى بن قصي ابن الأسدي القرشيّ، فأسلم.

رب عليّ ﵁ عنقه، وكان مؤذيا للَّه ولرسوله ﷺ.

هبار بن الأسود وأهدر دم هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزّى بن قصي ابن الأسدي القرشيّ، فأسلم.

ابن خطل وأخرج أبو برزة الأسلميّ عبد اللَّه بن خطل- وهو متعلق بأستار الكعبة- فضرب عنقه بين الركن والمقام. [ويقال: قتله سعيد بن حريث المخزوميّ، ويقال: عمّار بن ياسر، وقيل: نضلة بن عبد اللَّه بن الحارث بن حيال بن ربيعة [ (٢) ] بن دعبل ابن أنس بن خزيمة بن حديدة بن مازن بن الحارث [ (٣) ] بن سلامان بن أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو مزيقياء [ (٤) ] ويقال: شريك بن عبدة العجلاني [ (٥) ] [وأثبته أبو برزة] . وفيه نزلت لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ وفي المستدرك للحاكم، عن السائب بن يزيد قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ أخرج عبد اللَّه بن خطل من بين أستار الكعبة فقتله صبرا [ (٦) ] ، ثم قال: لا يقتل أحد من قريش بعد هذا صبرا.

سارة وقتلت سارة مولاة عمرو بن هشام [ (١) ] ، وهي التي حملت كتاب حاطب بن أبي بلتعة. قتلها علي ﵁. ويقال غيره.

أرنب وقتلت أرنب [أو قيربة] وأسلمت فرتنى.

مقيس بن صبابة وقتل مقيس بن صبابة نميلة بن عبد اللَّه الليثي. وقيل رآه المسلمون بين الصفا والمروة فقتلوه بأسيافهم.

مقالة أبي سفيان في القتلى ولما قتل النفر الذين أمر رسول اللَّه ﷺ بقتلهم، سمع النّوح عليهم. وجاء أبو سفيان بن حرب فقال: فداك أبي وأمي! البقية في قومك! فقال ﷺ: لا تقتل قريش صبرا بعد اليوم [يعني على كفر] وفي رواية: لا تغزي قريش بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة. [يعني على كفر] .

الأمر بقتل وحشي وأمر ﵇ بقتل وحشي، ففرّ إلى الطائف حتى قدم في وفدهم فأسلم: فقال له ﵇: غيّب عني وجهك! فكان إذا رأى النبيّ ﷺ توارى [ (٢) ] عنه.

كفر] .

الأمر بقتل وحشي وأمر ﵇ بقتل وحشي، ففرّ إلى الطائف حتى قدم في وفدهم فأسلم: فقال له ﵇: غيّب عني وجهك! فكان إذا رأى النبيّ ﷺ توارى [ (٢) ] عنه.

سلف رسول اللَّه من بعض قريش واستسلف ﷺ من عبد اللَّه بن أبي ربيعة أربعين ألف درهم فأعطاه، فردّها عليه من غنائم هوازن، وقال: إنما جزاء السّلف الحمد والأداء. وقال بارك اللَّه لك في مالك وولدك؟ واستقرض من صفوان بن أمية خمسين ألف درهم فأقرضه. واستقرض من حويطب بن عبد العزى أربعين ألف درهم. فكانت ثلاثين ومائة ألف قسمها بين أهل الضّعف، فأصاب الرجل خمسين درهما وأقلّ وأكثر. وبعث من ذلك إلى بني جذيمة.

[المجلد الثاني] [تتمة غزوة الفتح] ﷽

هدية الخمر وأهدي له يومئذ راوية خمر فقال: إن اللَّه حرّمها! فسارّ الرجل غلامه: اذهب بها إلى الحزورة [ (١) ] فبعها. فقال: بم أمرته؟ قال: ببيعها! فقال: إن الّذي حرّم شربها حرّم بيعها! ففرّغت بالبطحاء. ونهي يومئذ عن ثمن الخمر. وثمن الخنزير، وثمن الميتة، وثمن الأصنام، وحلوان الكاهن.

تحريم شحوم الميتة وقيل له يومئذ: ما ترى في شحوم الميتة يدهن به السّقاء؟ فقال قاتل اللَّه يهودا! حرّم عليهم الشحوم فباعوها، فأكلوها ثمنها. وحرّم متعة النساء يومئذ، وقال يومئذ- وهو بالحزورة-: واللَّه إنك لخير أرض اللَّه إليّ، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت [ (٢) ] .

العفو عن بعض أهل مكة وهبط ثمانون من أهل مكة على رسول اللَّه ﷺ من جبل التّنعيم عند صلاة الفجر، فأخذهم سلما [ (٣) ] فعفا عنهم، ونزل فيهم: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً [ (٤) ] .

حد شارب الخمر وأتي بشارب فضربوه بما في أيديهم، فمنهم من ضرب بالسوط وبالنّعل وبالعصا، وحثا عليه النبي ﷺ التراب.

إسلام جبر وجاء جبر غلام بني عبد الدار- وقد كان يكتم إسلامه- فأعطاه ثمنه، فاشتري نفسه فعتق.

نذر رجل الصلاة في بيت المقدس وقال رجل يومئذ: إني نذرت أن أصلي في بيت المقدس إن فتح اللَّه عليك مكة، فقال ﷺ، والّذي نفسي بيده! لصلاة ها هنا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من البلدان.

نذر ميمونة أم المؤمنين وقالت ميمونة أم المؤمنين ﵂: يا رسول اللَّه، إني جعلت على نفسي- إن فتح اللَّه عليك مكة- أن أصلي في بيت المقدس! فقال: لا تقدرين على ذلك، ولكن ابعثي بزيت يستصبح [ (١) ] لك فيه به، فكأنك أتيته [ (٢) ] . وكانت ميمونة تبعث إلى بيت المقدس كل سنة بمال ليشترى به زيت يستصبح به في بيت المقدس، حتى ماتت فأوصت بذلك.

بح [ (١) ] لك فيه به، فكأنك أتيته [ (٢) ] . وكانت ميمونة تبعث إلى بيت المقدس كل سنة بمال ليشترى به زيت يستصبح به في بيت المقدس، حتى ماتت فأوصت بذلك.

نساء قريش وجمالهن وجلس عبد الرحمن بن عوف ﵁ في مجلس فيه جماعة- منهم سعد ابن عبادة ﵁ فمرّت نسوة من قريش فقال سعد: قد كان يذكر لنا من نساء قريش حسن وجمال [ (٣) ] ، ما رأيناهنّ كذلك! فغضب عبد الرحمن ابن عوف حتى كاد أن يقع بسعد وأغلظ له [ (٤) ] ، ففرّ منه سعد حتى أتى رسول

اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه، ماذا لقيت من عبد الرحمن؟ فقال: وما له؟ فأخبره بما كان، فغضب ﷺ حتى كان وجهه ليتوقد [ (١) ] ، ثم قال: رأيتهنّ وقد أصبن بآبائهن وأبنائهنّ وإخوانهنّ وأزواجهن! خير نساء ركبن الإبل نساء قريش! أحناه على ولد، وأبذله لزوج بما ملكت يد.

هدية هند بنت عتبة بعد إسلامها وأهدت هند بنت عتبة بعد إسلامها هدية لرسول اللَّه ﷺ وهو بالأبطح- مع مولاة لها، جديين [ (٢) ] مرضوفين وقدّا [ (٣) ] ، فانتهت الجارية إلي خيمته، فسلمت واستأذنت فأذن لها فدخلت ورسول اللَّه ﷺ بين أم سلمة وميمونة ونساء بني عبد المطلب، فقالت: إن مولاتي أرسلت إليك بهذه الهدية، وهي معتذرة إليك، وتقول: إن غنمنا اليوم قليلة الوالدة، فقال: بارك اللَّه لكم في غنمكم، وأكثر والدتها! فسرّت هند لما أخبرتها مولاتها بذلك، ورأوا من كثرة غنمهم ووالدتها ما لم يكن من قبل ولا قريبا. وكانت هند تقول: هذا بدعاء رسول اللَّه وبركته.

إحدى نساء بني سعد وخبر وفاة حليمة السعدية وأتته ﷺ إحدى نساء بني سعد بن بكر- إمّا خالة أو عمة- بنحي [ (٤) ] مملوء سمنا وجراب أقط [ (٥) ]- وهو بالأبطح- فعرفها، ودعاها إلى الإسلام فأسلمت، وأخبرته بوفاة حليمة [ (٦) ] فذرفت عيناه، وقالت: أخواك وأختاك محتاجون! فأمر لها بكسوة وجمل ومائتي درهم، فقالت: نعم واللَّه المكفول كنت صغيرا، ونعم المرء كنت كبيرا، عظيم البركة.

السرايا وهدم الأصنام وبثّ ﷺ سراياه وأمرهم أن يغيروا على من لم يسلم. فخرج هشام بن العاص

اللَّه المكفول كنت صغيرا، ونعم المرء كنت كبيرا، عظيم البركة.

السرايا وهدم الأصنام وبثّ ﷺ سراياه وأمرهم أن يغيروا على من لم يسلم. فخرج هشام بن العاص

في مائتين قبل يلملم. وخرج خالد بن سعيد بن العاص في ثلاثمائة قبل عرنة وبعث خالد بن الوليد إلى العزّى في ثلاثين فارسا فهدمها لخمس [ (١) ] بقين من رمضان، وكانت بنخلة. وبعث الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم ابن فهم [ (٢) ] الدّوسي إلى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة فحرّقه بالنار، وبعث سعد بن زيد الأشهليّ إلى مناة بالمشلّل [ (٣) ] فهدمه. وبعث عمرو بن العاص إلى صنم هذيل سواع فهدمه. ونادى منادى رسول اللَّه ﷺ من كان يؤمن باللَّه وبرسوله فلا يدعنّ في بيته صنما إلا كسره أو حرّقه، وثمنه حرام. فجعل المسلمون يكسرون الأصنام، ولم يكن رجل من قريش بمكة إلا وفي بيته صنم: إذا دخل مسحه وإذ خرج مسحه: تبركا به. وكان عكرمة بن أبي جهل لما أسلم لم يسمع بصنم في بيت إلا مشى إليه حتى يكسره. وجعلت هند بنت عتبة تضرب صنما في بيتها بالقدوم فلذة فلذة [ (٤) ] وهي تقول: كنا منك في غرور!!

مدة المقام بمكة وأقام ﷺ بمكة- على ما في صحيح البخاريّ- خمس عشرة ليلة. [وفي رواية تسع عشرة، وفي أبي داود تسع عشرة، وفي الترمذي ثماني عشرة، وقيل عشرا، وقيل بضع عشرة، وقيل: عشرين ليلة] يصلي ركعتين، ويأمر أهل مكة أن يتموا، كما رواه النسائي. وأفطر بقية شهر رمضان.

بعثة خالد بن الوليد إلى بني جذيمة وقتلهم، وكانوا مسلمين ولما رجع خالد بن الوليد من هدم العزّى، بعثه رسول اللَّه ﷺ إلى بني جذيمة ابن عامر بن عمرو بن مناة بن كنانة يدعوهم إلى الإسلام فخرج أول شوّال في ثلاثمائة وخمسين إلى أسفل مكة وانتهى إليهم، فقالوا: نحن مسلمون! فقال خالد: استأسروا! فكتف بعضهم بعضا، ودفع خالد إلى كل رجل من أصحابه رجلا أو رجلين، فباتوا في وثاق إلى السّحر. فنادى خالد: من كان معه أسير فليدافّه [ (٥) ] .

فقتل بنو سليم من كان في أيديهم، وكانوا قريبا من ثلاثين رجلا. وأما المهاجرون والأنصار فأرسلوا أسراهم وقالوا: اذهبوا حيث شئتم! فغضب خالد على من أرسل أسيره. فقال له أبو أسيد السّاعديّ: اتّق اللَّه يا خالد! ما كنا لنقتل قوما مسلمين! قال: وما يدريك؟ قال: تسمع إقرارهم بالإسلام، وهذه المساجد بساحتهم! فلما قدم خالد على رسول اللَّه ﷺ عاب [ (١) ] عبد الرحمن بن عوف عليه ما صنع، فتلاحيا، وأعانه عمر بن الخطاب ﵁ وأعرض رسول اللَّه ﷺ عنه وقال له- وقد بلغه ما صنع بعبد الرحمن بن عوف-: يا خالد! ذروا لي أصحابي! متى ينكأ أنف المرء يبجع [ (٢) ] ! لو كان أحد ذهبا تنفقه قيراطا قيراطا في سبيل اللَّه لم تدرك غدوة أو روحة من غدوات أو روحات عبد الرحمن بن عوف! ورفع ﷺ يديه حتى رئي بياض إبطيه، وهو يقول: اللَّهمّ إني أبرأ إليك مما صنع خالد!!

بعثة عليّ بالديات إلى بني جذيمة وبعث عليا ﵁ إلى بني جذيمة بمال فودى لهم ما أصاب خالد، ودفع إليهم مالهم، فبقيت لهم بقية مال، فبعث عليّ أبا رافع إلى النبي ﷺ ليستزيده فزاده مالا، فودى لهم كلّ ما أصاب [خالد] ، حتى إنه ليدي لهم ميلغة [ (٣) ] الكلب وبقي مع عليّ شيء من المال. فقال: هذه البقية من هذا المال لكم عن رسول اللَّه ﷺ مما أصاب خالد، مما لا يعلمه ولا تعلمونه. فأعطاهم ذلك وعاد فأخبر النبي ﷺ بما صنع فقال: أصبت! ما أمرت خالدا بالقتال، إنما أمرته بالدعاء! ثم أقبل على خالد ﵁ وقال: لا تسبوا خالدا ابن الوليد، فإنما هو سيف من سيوف اللَّه سله على المشركين.

فتح مكة وقد اختلف في فتح مكة، فقال الأوزاعيّ ومالك وأبو حنيفة: إنّها فتحت عنوة ثم أمّن أهلها. وقال مجاهد والشافعيّ: فتحت صلحا بأمان عقده. وقيل:

فتح أسفلها عنوة وأعلاها صلحا [ (١) ] . وروي أنه يوم فتح مكة حام حمام الحرم [ (٢) ] فأظلته ﷺ، فدعا لها بالبركة. وكان يحبّ الحمام.

غزوة حنين «هوازن» ثم خرج رسول اللَّه ﷺ إلى غزوة حنين: وذلك واد- ويقال ماء- بينه وبين مكة ثلاث ليال في قرب الطائف. سمّي بحنين بن قانية بن مهلائيل من جرهم، وقيل: حنين بن ماثقة بن مهلان بن مهليل بن عبيل بن عوص بن إرم ابن سام [ (٣) ] بن نوح.

ثلاث ليال في قرب الطائف. سمّي بحنين بن قانية بن مهلائيل من جرهم، وقيل: حنين بن ماثقة بن مهلان بن مهليل بن عبيل بن عوص بن إرم ابن سام [ (٣) ] بن نوح.

جموع هوازن وثقيف وذلك أن أشراف هوازن وثقيف حشدوا، وقد جعلوا أمرهم إلى مالك ابن عوف بن سعيد بن ربيعة بن يربوع بن واثلة [ (٤) ] بن دعمان بن نصر بن معاوية ابن بكر بن هوازن النصريّ، وهو ابن ثلاثين سنة. وأقبلت ثقيف ونصر وجشم، وكان في ثقيف سيّدان [ (٥) ] لهم هما: قارب بن عبد اللَّه بن الأسود بن مسعود الثقفيّ، وذو الخمار سبيع بن الحارث، [ويقال: الأحمر بن الحارث] ، واجتمع إليهم من بني هلال بن عامر نحو المائة، ولم يحضرهم أحد من كعب ولا كلاب

[من هوازن] [ (١) ] وحضر دريد بن الصّمّة بن [الحارث بن] [ (٢) ] بكر بن علقمة ابن خزاعة بن غزيّة [ (٣) ] بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن في بني جشم، وهو ابن ستين ومائة سنة لا شيء فيه، إلا أنهم يتيمنون برأيه ومعرفته بالحرب ودربته [ (٤) ] .

منزل هوازن وجاءوا جميعا بأموالهم ونسائهم وأبنائهم يريدون حرب رسول اللَّه ﷺ حتى نزلوا بأوطاس، فقال دريد: بأيّ واد أنتم: قالوا: بأوطاس فقال: مجال الخيل! لا حزن ضرس، ولا سهل دهس [ (٥) ] . ثم قال لمالك بن عوف: ما لي أسمع بكاء الصغير، ورغاء البعير، ونهاق الحمير، ويعار الشاة؟ قال مالك: يا أبا قرّه! إني سقت مع الناس أموالهم وذراريهم، وأردت أن أجعل خلف كلّ رجل منهم أهله وماله يقاتل عنه، فأنقض به دريد، ثم قال: رويعي ضأن واللَّه! وهل يردّ المنهزم شيء؟ وقال: هذا يوم لم أشهده [ (٦) ] ، ولم أغب عنه! وقال: يا ليتني فيها جذع [ (٧) ] ... أخب فيها وأضع [ (٨) ] أقود وطفاء الزّمع [ (٩) ] ... كأنها شاة صدع [ (١٠) ] [قوله: «أنقض به دريد» يريد أنه نقر بلسانه في فيه كما يزجر الشاة أو الحمار. وقوله: «رويعي [ (١١) ] ضأن» ، يستجهله] .

خروج رسول اللَّه إلى حنين فغدا ﷺ يريدهم يوم السبت لست خلون من شوال، وقيل قدم مكة لثماني

ر الشاة أو الحمار. وقوله: «رويعي [ (١١) ] ضأن» ، يستجهله] .

خروج رسول اللَّه إلى حنين فغدا ﷺ يريدهم يوم السبت لست خلون من شوال، وقيل قدم مكة لثماني

عشرة ليلة من شهر رمضان سنة ثمان، وأقام بها اثنتي عشرة ليلة، ثم أصبح غداة الفطر غاديا إلى حنين. وخرج معه أهل مكة- لم يتأخر منهم كبير أحد- ركبانا ومشاة، حتى خرج معه النساء يمشين: على غير دين نظارا ينظرون ويرجون الغنائم، ولا يكرهون الدّولة لرسول اللَّه ﷺ. واستعمل على مكة عتّاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس القرشيّ الأمويّ- وله نحو عشرين سنة-، وجعل معه معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عديّ بن كعب بن عمرو بن أديّ ابن سعيد بن علي بن أسد بن ساردة [ (١) ] بن زيد بن جشم بن الخزرج الأنصاريّ الخزرجي، يعلمهم السّنن والفقه. وخرج معه اثنا عشر ألف رجل: عشرة آلاف من المدينة وألفان من أهل مكة، وهم الطلقاء.

إعجاب المسلمين بكثرتهم يوم حنين فقال رجل من بني بكر: لو لقينا بني شيبان ما بالينا، ولا يغلبنا اليوم أحد من قلة! فأنزل اللَّه تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [ (٢) ] .

عارية السلاح واستعار رسول اللَّه ﷺ من صفوان بن أمية مائة درع، وقيل أربعمائة درع، بأداتها، وخرج [صفوان] [ (٣) ] وهو مشرك مع المسلمين.

خبر ذات الأنواط فمرّوا بشجرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط- كانت العرب من قريش وغيرها يأتونها كل سنة يعلقون عليها أسلحتهم، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوما- فقالوا: يا رسول اللَّه: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط: فقال: اللَّه أكبر! قلتم- والّذي نفسي بيده- كما قال قوم موسي:

اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [ (١) ] ، إنها السّنن، سنن من كان قبلكم [وفي رواية: لتركبن سنن من قبلكم] [ (٢) ] .

خبر الرجل الّذي أراد قتل رسول اللَّه ونزل رسول اللَّه تحت شجرة دوين أوطاس، وعلق بها سيفه وقوسه، فجاء رجل وهو نائم فسلّ السيف، وقام على رأسه ففزع به [ (٣) ] وهو يقول: يا محمد! من يمنعك منّي اليوم؟ فقال: اللَّه! فأتى أبو بردة بن نيار يريد أن يقتل الرجل، فمنعه النبي ﵇ من قتله وقال: يا أبا بردة، إن اللَّه مانعي وحافظي حتى يظهر دينه على الدّين كلّه. وانتهى ﷺ إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء لعشر ليال خلون من شوال.

عيون هوازن ورعب المشركين فبعث مالك بن عوف ثلاثة رجال متفرقين في العسكر [يأتونه بخبر أصحاب رسول اللَّه ﷺ] [ (٤) ] ، فرجعوا وقد تفرقت أوصالهم [من الرعب] [ (٤) ] ، وقالوا: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق، فو اللَّه ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى! وقالوا: ما نقاتل أهل الأرض إنما نقاتل إلا أهل السماء! وإن أطعتنا رجعت بقومك. فسبّهم وحبسهم. ثم بعث آخر فعاد إليه بمثل ما قال الثلاثة، فلم ينته. وبعث رسول اللَّه ﷺ عبد اللَّه بن حدرد مرثد بن أبي مرثد الغنويّ تلك الليلة على فرسه وهو يحرس المسلمين.

خروج غير المسلمين إلى حنين وكان قد خرج رجال من مكة على غير دين، ينظرون على من تكون الدائرة، فيصيبون من الغنائم، منهم أبو سفيان بن حرب [ (٥) ] ، ومنهم معاوية بن أبي سفيان- خرج ومعه الأزلام [ (٦) ] في كنانته، وكان يسير في أثر العسكر، كلّما مرّ بترس

ساقط أو رمح أو متاع حمله، حتى أوقر جمله [ (١) ]-، وصفوان بن أمية، ومعه حكيم بن حزام، وحويطب بن عبد العزّى، وسهيل بن عمرو، والحارث ابن هشام [ (٢) ] ، وعبد اللَّه بن أبي ربيعة، فلما كانت الحرب وقفوا خلف الناس.

Bagian 10 dari 128