— Bagian 45 · اللَّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل… —
Bagian 45
اللَّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما. قال: هذا حديث [حسن] غريب [ (٥) ] .
وخرجه الحاكم من حديث جرير بن عبد الحميد، عن الحسن بن عبد اللَّه النخعي، عن مسلم بن صبيح، عن زيد بن أرقم قال: قال رسول اللَّه ﷺ: إني تارك فيكم الثقلين، كتاب اللَّه وأهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض. قال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه [ (١) ] . وقد روى: إني تارك فيكم الثقلين، كتاب اللَّه وعترتي، كتاب اللَّه حبلا ممدودا من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، قال أبو البقاء: أما كتاب اللَّه وعترتي الأولين فبدلان من الثقلين. وأما كتابا الثاني فهو بدل من كتاب الأول، وجوّد ذلك وحسّنه ما اتصل به من زيادة المعنى، وهو قوله: حبلا ممدودا، وكذلك عترتي أهل بيتي، ونصب حبلا ممدودا على أنه حال أو مفعول ثانى لتارك، ولو روى كتاب اللَّه حبلا ممدودا جاز على أنه مستأنف. وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: إن الصدقة لا تحل لآل محمد [ (٢) ] ، وخرج البخاري ومسلم من حديث الزهري عن عروة، عن عائشة ﵂ أن فاطمة والعباس ﵄ أتيا أبا بكر ﵁ يلتمسان ميراثهما من رسول اللَّه ﷺ وهما حينئذ يطلبان أرضيهما من فدك وسهمهما من خيبر، فقال لهما أبو بكر ﵁: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: لا نورّث، ما تركناه صدقه، إنما يأكل آل محمد من [هذا المال] . قال أبو بكر ﵁ واللَّه لا أدع أمرا رأيت رسول اللَّه ﷺ [يصنعه] فيه إلا صنعته، قال: فهجرته فاطمة ﵂ فلم تكلمه حتى ماتت. اللفظ للبخاريّ، خرجه في الفرائض [ (٣) ] وخرجه في المغازي [ (٤) ] في حديث بنى النضر
ﷺ [يصنعه] فيه إلا صنعته، قال: فهجرته فاطمة ﵂ فلم تكلمه حتى ماتت. اللفظ للبخاريّ، خرجه في الفرائض [ (٣) ] وخرجه في المغازي [ (٤) ] في حديث بنى النضر
وقال في آخره: إنما يأكل آل محمد من هذا المال، واللَّه لقرابة رسول اللَّه ﷺ أحب إليّ أن أصل من قرابتي، وذكره في كتاب الفيء، أطول من هذا وأشبع من حديث عقيل وصالح بن كيسان ومعمر، وهي كلها مما اتفقا عليه، وقوله: إنما يأكل آل محمد من هذا المال، يعنى مال اللَّه، ليس لهم أن يزيدوا على المأكل، قال النبي ﷺ لهم خواصّ: منها حرمان الصدقة، ومنها أنهم لا يرثونه، ومنها استحقاقهم خمس الخمس، ومنها اختصاصهم بالصلاة عليه. وقد ثبت أن تحريم الصدقة، واستحقاق خمس الخمس، وعدم توريثهم، يختص ببعض أقاربه ﷺ، فكذلك الصلاة على آله خاصة ببعضهم غير عامة لهم. وخرج مسلم من حديث مالك عن الزهري، أن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن نوفل ابن الحارث بن عبد المطلب، حدثه أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث حدثه قال: اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب فقالا: واللَّه لو بعثنا هذين الغلامين- قال لي وللفضل بن عباس- إلى رسول اللَّه ﷺ فكلماه فأمّرهما على هذه الصدقات فأديا ما يؤدى الناس وأصابا ما تصيبه الناس. قال: فبينما هما في ذلك جاء على بن أبى طالب ﵁ فوقف عليهما، فذكرا له ذلك، فقال عليّ: لا تفعلا [فو اللَّه] [ (١) ] ما هو بفاعل، فانتحاه ربيعة بن الحارث فقال: واللَّه ما تصنع هذا إلا نفاسة منك علينا، فو اللَّه لقد نلت صهر رسول اللَّه ﷺ، فما نفسناه عليك، قال عليّ: أرسلوهما، فانطلقا واضطجع عليّ، قال: فلما صلى رسول اللَّه ﷺ الظهر سبقناه إلى الحجرة، فقمنا عندها حتى جاء فأخذ بآذاننا ثم قال: أخرجا ما تصررانه، ثم دخل ودخلنا عليه وهو يومئذ عند زينب بنت جحش. قال: فتواكلنا الكلام ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول اللَّه، أنت أبّر الناس وأوصل الناس، وقد بلغنا النكاح فجئنا لتؤمّرنا على بعض هذه الصدقات، فنؤدى إليك كما يؤدى الناس ونصيب كما يصيبون.
قال: فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه، قال: وجعلت زينب رضى اللَّه عنها تلمع علينا من وراء الحجاب أن لا تكلماه. قال: ثم قال: إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس، أدعوا لي محمية- وكان على الخمس- ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب. قال: فجاءاه فقال لمحمية: أنكح هذا الغلام ابنتك للفضل بن العباس، فأنكحه، وقال لنوفل بن الحارث: أنكح هذا الغلام ابنتك لي، فأنكحنى، وقال لمحمية: أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا. قال الزهري: ولم يسمه لي، [ (١) ] وخرجه أيضا من حديث يونس [بن يزيد] [ (٢) ] عن ابن شهاب، عن عبد اللَّه
ابن الحارث بن نوفل الهاشمي، أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، أخبره أن أباه ربيعة بن الحارث [بن عبد المطلب] [ (١) ] وعباس بن عبد المطلب قالا لعبد المطلب بن ربيعة وللفضل بن عباس: ائتيا رسول اللَّه ﷺ ... وساق الحديث بنحو حديث مالك وقال فيه: فألقى عليّ ﵁ رداءه ثم اضطجع وقال: أنا أبو حسن القرم، واللَّه لا أريم مكاني حتى يرجع إليكما ابناكما بحور ما بعثتما به إلى رسول اللَّه ﷺ، وقال في الحديث: ثم قال لنا: إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد. وقال أيضا ثم قال رسول اللَّه ﷺ: ادعوا إليّ محمية بن جزء- وهو رجل من بنى أسد كان رسول اللَّه ﷺ استعمله على الأخماس. قال كاتبه: هكذا وقع، وهو رجل من بنى أسد، وإنما هو من بنى زبيلة. وخرج مسلم وأبو داود من حديث حيوة، أخبرنى أبو صخر عن يزيد بن قسيط عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂، أن رسول اللَّه ﷺ أمر بكبش أقرن يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، فأتى به ليضحّى به فقال: يا عائشة هلمي المدية، ثم قال: اشحذيها بحجر [- وقال أبو داود: أشحثيها بحجر-] [ (٢) ] ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش فأضجعه، ثم ذبحه ثم قال: باسم اللَّه، اللَّهمّ تقبل من محمد، وآل محمد، ومن أمة محمد، ثم ضحى به [ (٣) ] . فانظر كيف غاير بين آله وأمته، فإن حقيقة العطف المغايرة، وأمته ﷺ
قال: باسم اللَّه، اللَّهمّ تقبل من محمد، وآل محمد، ومن أمة محمد، ثم ضحى به [ (٣) ] . فانظر كيف غاير بين آله وأمته، فإن حقيقة العطف المغايرة، وأمته ﷺ
أعمّ من آله، وتفسير الآل بكلام النبي ﷺ أولى من تفسيره بكلام غيره، وهذا القول من أن آل الرسول ﷺ هم الذين تحرم عليهم الصدقة، هو أصح الأقوال الأربعة. وأرجح ما في هذا القول من الأقوال الثلاثة مذهب الشافعيّ رحمة اللَّه، لما خرج البخاري من حديث الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب، عن جبير بن مطعم قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان ﵁ إلى رسول اللَّه ﷺ، فقلنا: يا رسول اللَّه! أعطيت بنى المطلب وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال رسول اللَّه ﷺ: إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد [ (١) ] . وقال الليث: حدثني يونس، وزاد قال جبير: ولم يقسم النبي ﷺ لبني عبد شمس ولا لبني نوفل [شيئا] [ (٢) ] . قال ابن إسحاق: وعبد شمس وهاشم والمطلب إخوة لأم- وهي عاتكة بنت مرة- وكان نوفل أخوهم لأبيهم، ذكره البخاري في كتاب فرض الخمس، وفي مناقب قريش في غزوة خيبر. فصح أنه لا يجوز أن يفرق بين حكم هاشم وبنى المطلب في شيء أصلا، لأنهم شيء واحد بنصّ كلام رسول اللَّه ﷺ، فصح أنهم آل محمد، وإذ هم آل محمد فالصدقة عليهم حرام، وخرج بنو عبد شمس وبنو نوفل ابني عبد مناف وسائر قريش عن هذين البطنين وباللَّه التوفيق. واعترض الحنفيون بأن قوله ﷺ: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، إنما أراد أنهم لم يفترقوا في الجاهلية لأنهم دخلوا مع بنى هاشم الشعب، إذ [كان] [ (٣) ] بنو عبد شمس حينئذ حزبا لرسول اللَّه ﷺ، [وأهل رسول اللَّه ﷺ هم بنو هاشم] [ (٤) ] فقط الذين هم بنو العباس، وبنو طالب، وبنو الحارث، وبنو أبى طالب، وبنو أبى لهب. فإنه لا خلاف أن عقب هاشم انحصر في عبد المطلب
ّه ﷺ هم بنو هاشم] [ (٤) ] فقط الذين هم بنو العباس، وبنو طالب، وبنو الحارث، وبنو أبى طالب، وبنو أبى لهب. فإنه لا خلاف أن عقب هاشم انحصر في عبد المطلب
فصار بنوه آل محمد بيقين. واعترض الشيعة العلوية على الحنفية وغيرهم بأنه ليس أهل البيت إلا من ذكرهم اللَّه تعالى بقوله: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [ (١) ] ، وقد فسرهم رسول اللَّه ﷺ حين سئل: من أهل بيتك؟ فقال: على وفاطمة، والحسن والحسين. خرج الترمذي من طريق يحى بن عبيد، عن عطاء بن أبى رباح، عن عمر بن أبى سلمة [ربيب النبي ﷺ] ، وزينب بنت النبي ﷺ قال: نزلت هذه الآية على النبي ﷺ: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [ (١) ] في بيت أم سلمة ﵂ فدعا النبي ﷺ فاطمة وحسنا وحسينا ﵃ فجلّلهم بكساء، وعلى ﵁ خلف ظهره [فجلله بكساء] ثم قال: اللَّهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، قالت أم سلمة: وأنا معهم يا رسول اللَّه؟ قال: أنت على مكانك وأنت إلى خير [ (٢) ] . قال: وهذا حديث غريب من هذا الوجه. ذكره في مناقب آل بيت النبي ﷺ. وذكره أيضا بهذا الإسناد في كتاب التفسير وقال: هذا حديث غريب من حديث عطاء عن عمر بن أبى سلمة [ (٣) ] . وخرج مسلم من حديث زكريا بن أبى زائدة، عن مصعب بن أبى شيبة، عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة ﵂: خرج النبي ﷺ
[غداة] [ (١) ] وعليه مرط مرحّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن على فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء عليّ فأدخله ثم قال: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [ (٢) ] . وخرج أبو بكر بن أبى شيبة من حديث محمد بن مصعب قال: حدثنا الأوزاعي عن شداد أبى عمار قال: دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم فذكروا عليا ﵁ فشتموه، فشتمته معهم، فقال: ألا أخبرك بما رأيت من رسول اللَّه ﷺ؟ قلت: بلى، قال: أتيت على فاطمة أسألها عن عليّ ﵁ عنهما فقالت: توجه إلى رسول اللَّه ﷺ، فجلست فجاء رسول اللَّه ﷺ ومعه على وحسن وحسين، أخذ كل واحد منهما بيده حتى دخل، فدخل علينا وفاطمة، فأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنا وحسينا كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم ثوبا أو قال: كساء، ثم تلا هذه الآية: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ثم قال: هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق. وأخرجه الحاكم من حديث بشر بن بكر، حدثنا الأوزاعي، حدثني أبو عمار، حدثني واثلة بن الأسقع قال: أتيت عليا فلم أجده، فقالت لي فاطمة: انطلق إلى رسول اللَّه ﷺ يدعوه، فجاء مع رسول اللَّه ﷺ فدخلا ودخلت معهما، فدعا رسول اللَّه ﷺ الحسن والحسين فأقعد كل واحد منهما على فخذيه، وأدنى فاطمة من حجره وزوجها، ثم لفّ عليهم ثوبا وقال: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، ثم قال: هؤلاء أهل بيتي، اللَّهمّ [أهل
ثوبا وقال: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً، ثم قال: هؤلاء أهل بيتي، اللَّهمّ [أهل
بيتي] [ (١) ] . قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم [ (٢) ] قال البخاري في تاريخه: محمد ابن مصعب القرقساني أبو عبد اللَّه [لم] يسمع الأوزاعي، وكان يحى بن معين يسيء الرأى فيه [ (٣) ] . وأخرج الحاكم من طريق عبد الرحمن [بن عبد اللَّه] [ (٤) ] بن دينار، عن شريك ابن أبى نمر، عن عطاء بن يسار، عن أم سلمة ﵂ قالت: في بيتي نزلت إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ، قالت: فأرسل رسول اللَّه ﷺ إلى عليّ وفاطمة والحسن والحسين ﵃ فقال: هؤلاء أهل بيتي. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري [ (٥) ] . وخرج أيضا من طريق الحسن بن عرفه قال: حدثني على بن ثابت الجزري، حدثنا بكير بن مسمار- مولى عامر بن سعد- قال: سمعت عامر بن سعد يقول: قال سعد: نزل على رسول اللَّه ﷺ الوحي، فأدخل عليا وفاطمة وابنيهما تحت ثوبه ثم قال: [اللَّهمّ] [ (٦) ] هؤلاء أهلي وأهل بيتي [ (٧) ] . وخرج من طريق أبى بكر بن أبى شيبة [الحزامي] [ (١) ] قال: حدثنا محمد
فاطمة وابنيهما تحت ثوبه ثم قال: [اللَّهمّ] [ (٦) ] هؤلاء أهلي وأهل بيتي [ (٧) ] . وخرج من طريق أبى بكر بن أبى شيبة [الحزامي] [ (١) ] قال: حدثنا محمد
ابن إسماعيل بن أبى فديك، حدثني عبد الرحمن بن أبى بكر المليكي عن إسماعيل ابن عبد اللَّه بن جعفر بن أبى طالب، عن أبيه قال: لما نظر رسول اللَّه ﷺ إلى الرحمة هابطة قال: ادعوا لي ادعوا لي، فقالت صفية: من يا رسول اللَّه؟ قال: أهل بيتي: عليا وفاطمة والحسن والحسين، فجيء بهم فألقى عليهم النبي ﷺ كساءه، ثم رفع يديه ثم قال: اللَّهمّ [هؤلاء] [ (١) ] آلى فصلّ على محمد وعلى آل محمد، وأنزل اللَّه ﷿ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد صحت الرواية على شرط الشيخين أنه علمهم الصلاة على أهل بيته كما علمهم الصلاة على آله [ (٢) ] وذكر من طريق البخاري حديث كعب بن عجرة ثم قال: وإنما خرجته ليعلم المستفيد أن أهل البيت والآل جميعا هم [ (٣) ] . وخرج الحاكم من طريق موسى بن هارون، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد عن أبيه قال: لما نزلت هذه الآية: نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ [ (٤) ] ، دعا رسول اللَّه ﷺ [عليا] [ (١) ] وفاطمة، وحسنا وحسينا فقال: اللَّهمّ [هؤلاء] [ (١) ] أهلي. قال الحاكم: هذا
ُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ [ (٤) ] ، دعا رسول اللَّه ﷺ [عليا] [ (١) ] وفاطمة، وحسنا وحسينا فقال: اللَّهمّ [هؤلاء] [ (١) ] أهلي. قال الحاكم: هذا
حديث صحيح على شرط الشيخين [ (١) ] . وخرجه ثانيا ثم قال: اتفق الشيخان على صحة هذا الإسناد واحتجّا به ولم يخرجاه وإنما خرجا بهذا الإسناد قصة أبي تراب. وخرج من طريق عفان بن مسلم، حدثنا حماد بن سلمة قال: أخبرنى حميد وعلى بن زيد، عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ كان يمرّ بباب فاطمة ﵂ ستة أشهر إذا خرج لصلاة الفجر يقول: الصلاة يا أهل البيت، إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. [ولم يخرجاه] [ (٢) ] . واعترض على الشيعة بأن قيل: لا نسلم أن أهل البيت في الآية من ذكرتم، بل هم نساء النبي ﷺ بدليل سياقها، وانتظام ما استدللتم به معه، فإن اللَّه تعالى قال: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ، إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ] [ (٣) ] ، ثم استطردها إلى أن قال: وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [ (٤) ] وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [ (٥) ] الآية، فخطاب نساء النبي مكتنفا لذكر أهل البيت قبله وبعده منتظما له، فاقتضى أنهن المراد به، وحينئذ لا يكون لكم في الآية متعلق أصلا، ويسقط الاستدلال بها بالكلية، وما أكدتم به قولكم من السنة فأخبار آحاد لا تقولون بها مع أن دلالتها ضعيفة. فأجاب الشيعة بأن قالوا: الدليل على أن أهل البيت في الآية من ذكرنا، النص والإجماع. أما النص فما ثبت عن النبي ﷺ أنه بقي بعد نزول الآية ستة أشهر
يمر وقت صلاة الفجر على بيت فاطمة ﵍ فينادي: الصلاة يا أهل البيت: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً: رواه الترمذي وغيره وهو تفسير منه ﷺ لأهل البيت بفاطمة ومن في بيتها، وهو نصّ، وأنصّ منه حديث أم سلمة أنه ﷺ أرسل خلف فاطمة وعليّ وولديهما، فجاءوا فأدخلهم تحت الكساء، ثم جعل يقول: اللَّهمّ إليك لا أبالى النار أنا وأهل بيتي، اللَّهمّ هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، وفي رواية: حامتي، اللَّهمّ أذهب عنهم الرجس [وطهرهم] تطهيرا، قالت أم سلمة: فقلت: يا رسول اللَّه، ألست من أهل بيتك؟ قال: أنت إلى خير، أنت منهم. وأما الإجماع: فلأن الأمة اتفقت على أن لفظ أهل البيت إذا أطلق إنما ينصرف إلى من ذكرناه دون النساء، ولو لم يكن إلا شهرته فيهم كفى، وإذا ثبت بما ذكرناه من النص والإجماع أن أهل البيت عليّ وزوجته وولداه، فما استدللتم به من سياق الآية ونظمه على خلافه لا يعارضه، لأنه مجمل يحتمل الأمرين، وقصارها أنه ظاهر فيما ادعيتم لا يعارضه النص والإجماع، ثم إن الكلام العربيّ يدخله الاستطراد [والاعتراض، والتخلل] الجملة الأجنبية بين الكلام المنتظم المتناسب كقوله تعالى: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ* وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ [ (١) ] ، فقوله: وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ جملة معترضة من جهة اللَّه تعالى بين كلام بلقيس، وقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ* وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ* إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [ (٢) ] ، أي لا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقرآن، وما بينهما اعتراض، وهو كثير في القرآن وغيره من الكلام العربيّ، فلم لا يجوز أن يكون قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ جملة معترضة متخللة لخطاب نساء النبي ﷺ على هذا النهج، وحينئذ يضعف اعتراضكم. وأما ما ذكرناه من اختيار الآحاد، فإنما أكدنا به دليل الكتاب، ثم هي لازمة لكم، فنحن أوردناها إلزاما لا استدلالا.
على هذا النهج، وحينئذ يضعف اعتراضكم. وأما ما ذكرناه من اختيار الآحاد، فإنما أكدنا به دليل الكتاب، ثم هي لازمة لكم، فنحن أوردناها إلزاما لا استدلالا.
القول الثاني: أن آل النبي ﷺ هم ذريته وأزواجه خاصة، قال ابن عبد البر- وقد ذكر حديث مالك عن عبد اللَّه بن أبى بكر، عن عمرو بن سليم، قال-: أرى أبو حميد قد كره استدلال قوم بهذا الحديث، على أن آل محمد هم أزواجه وذريته خاصة، لقوله في حديث مالك، عن نعيم المجمّر وفي غير ما حديث: اللَّهمّ [صل] على محمد وعلى آل محمد. وفي هذا الحديث: اللَّهمّ صل على محمد وأزواجه وذريته فقالوا: هذا يفسّر هذا الحديث، ويبين أن آل محمد هم أزواجه وذريته. قالوا: فجائز أن يقول الرجل لكل من كان من أزواج محمد وذريته: صلى اللَّه عليك إذا واجهه، وصلى اللَّه عليه إذا غاب عنه، ولا يجوز ذلك في غيرهم. قالوا: والآل والأهل سواء، وأهل الرجل وآله سواء، وهم الأزواج والذرية، بدليل هذا [الحديث. وقد] احتج أصحاب هذا القول بما في الصحيحين من حديث أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: اللَّهمّ اجعل رزق آل محمد قوتا [ (١) ]
ومعلوم أن هذه الدعوة المستجابة، ولم [يقل:] كل بنى هاشم ولا بنى المطلب، لأنه كان فيهم الأغنياء وأصحاب الجدة، وأما ذريته ﷺ وأزواجه وكان رزقهم قوتا، وما حصل من الأموال لأزواجه من بعده كن يتصدقن به، ويجعلن رزقهن قوتا، فقد جاء عائشة مال عظيم فقسمته كله في الحال وهي جالسة، فقالت لها الجارية لو تركت لنا منه درهما نشتري به لحما؟ فقالت: لو ذكّرتينى فعلت ومما في الصحيحين عن عائشة قالت: ما شبع آل محمد من خبز برّ مأدوم ثلاثة أيام حتى قبض [ (١) ] . ثانيه: قالوا: ومعلوم أن العباس وأولاده وبنى المطلب لم يدخلوا في لفظ عائشة ولا مرادها، قالوا: إنما دخلت الأزواج في الآل وخصوصا أزواج النبي ﷺ تشبيها بالنسب، لأن اتصاله بهن ﷺ غير مرتفع، فإنّهنّ محرمات على غيره من بعده، وهن زوجاته في الآخرة.
وا: إنما دخلت الأزواج في الآل وخصوصا أزواج النبي ﷺ تشبيها بالنسب، لأن اتصاله بهن ﷺ غير مرتفع، فإنّهنّ محرمات على غيره من بعده، وهن زوجاته في الآخرة.
فالنسب الّذي لهن بالنبيّ ﷺ قائم مقام النسب، وقد نصّ النبي ﷺ على الصلاة عليهنّ، وقد قال تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [ (١) ] إلى قوله: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ [ (٢) ] إلى قوله: وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً* وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [ (٣) ] فدخلن في أهل البيت، لأن هذا الخطاب كله في سياق ذكرهن، فلا يجوز إخراجهن من شيء منه. وزعم بعضهم أن الأهل يختص بالزوجات، ويدخل فيه الأولاد، لقوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ثم قال بعد [ذلك] : وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ، وهذا بخلاف الأول، فإن الأولاد يدخل فيه. واعترض بأن تنصيصه ﷺ على الأزواج والذرية لا يدل على الاختصاص، بل هو حجة على عدم الاختصاص بهم، لما خرج أبو داود من حديث نعيم المجمر، عن أبى هريرة ﵁ في الصلاة على النبي ﷺ اللَّهمّ صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم [إنك حميد مجيد] [ (٤) ] فجمع بين الأزواج والذرية والأهل، وإنما نص عليهم بتعيينهم ليبين أنهم حقيقيون بالدخول في الآل، وأنهم ليسوا بخارجين منه، بل هم أحق من دخل
فيه، وهذا كنظائره من عطف الخاص على العام تنبيها على شرفه وتخصيصا له بالذكر من بين النوع، لأنه أحق أنواع النوع بالدخول فيه، وهنا للناس طريقان، أحدهما: أن ذكر الخاص قبل العام أو بعده قرينة تدل على أن المراد بالعام ما عداه، والطريق الأخرى: أن الخاص ذكر مرتين مرة بخصوصه ومرة بشمول الاسم العام له، تنبيها على مزيد شرفه، وهذا لقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [ (١) ] وقوله: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ [ (٢) ] . القول الثالث: أن آله ﷺ أتباعه إلى يوم القيامة، حكاه ابن عبد البر عن بعض أهل العلم، وأقدم من روى عنه هذا القول جابر بن عبد اللَّه ﵁، ذكره البيهقي عنه، ورواه عن سفيان الثوري، واختاره بعض أصحاب النبي ﷺ، حكاه عنه أبو الطيب الطبري في تعليقه، ورجحه الشيخ أبو زكريا النووي في شرح مسلم، واختاره الأزهري، والحجة لهذا القول أن آل المعظم المتبوع هم أتباعه على دينه، وأمره قريبهم وبعيدهم، وأن اشتقاق هذه اللفظة تدل عليه، فإنه من آل يؤول إذا رجع، ومرجع الأتباع إلى متبوعهم، لأنه إمامهم [ومولاهم] ، ولهذا
كان قوله تعالى: إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ [ (١) ] المراد به أتباعه المؤمنون به من أقاربه وغيرهم، وقوله تعالى: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [ (٢) ] المراد به أتباعه وشيعته. وقد خرج البيهقي [ (٣) ] من حديث واثلة بن الأسقع، أن النبي ﷺ دعا حسنا وحسينا، فأجلس كل واحد منهما على فخذه، وأدنى فاطمة في حجره وزوجها، ثم لف عليهم ثوبه ثم قال: اللَّهمّ هؤلاء أهلي، قال واثلة: فقلت: يا رسول اللَّه! وأنا من أهلك؟ قال: وأنت من أهلي [قال: فإنّها لمن أرجى ما أرجو] [ (٤) ] ، قالوا: ومعلوم أن واثلة بن الأسقع من بنى ليث بن بكر بن عبد مناف، وإنما هو من أتباع النبي [ (٥) ] ﷺ.
من أهلي [قال: فإنّها لمن أرجى ما أرجو] [ (٤) ] ، قالوا: ومعلوم أن واثلة بن الأسقع من بنى ليث بن بكر بن عبد مناف، وإنما هو من أتباع النبي [ (٥) ] ﷺ.
واعترض على هذا القول بأن رسول اللَّه ﷺ قد رفع الشبهة وأزالها بقوله: إن الصدقة لا تحل لآل محمد، وبقوله: إنما يأكل آل محمد من هذا المال، وبقوله: اللَّهمّ اجعل رزق آل محمد قوتا، وهذا لا يجوز أن يراد به عموم الأمة قطعا، فأولى ما حمل عليه الآل في الصلاة الآل المذكورون في سائر ألفاظه، ولا يجوز العدول عن ذلك. وأيضا فإن الصلاة عليه ﷺ حق له ولآله دون سائر الأمة، ولهذا تجب على وعلى آله عند الشافعيّ وغيره كما تقدم ذكره، وإن كان عندهم في الآل اختلاف، ومن لم يوجب الصلاة عليه فإنه بلا شك يستحبها عليه وعلى آله، ويكرهها ولا يستحبها لسائر المؤمنين، ولا يجوزها لغير النبي ﷺ وآله، فمن قال: إن آله في الصلاة هم كل الأمة فقد أبعد غاية البعد، بدليل أن النبي ﷺ شرع في التشهد السلام والصلاة، فشرع في الصلاة تسليم المصلى على رسول ﷺ أولا، وبعده سلام المصلى على نفسه ثانيا، وعلى سائر عباد اللَّه الصالحين ثالثا، وقال ﷺ: إذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد اللَّه صالح في الأرض والسماء [ (١) ] .
ه سلام المصلى على نفسه ثانيا، وعلى سائر عباد اللَّه الصالحين ثالثا، وقال ﷺ: إذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد اللَّه صالح في الأرض والسماء [ (١) ] .
وأما الصلاة فلم يشرعها إلا عليه وعلى آله فقط، فدل على أن آله هم أهله وأقاربه، وهذا بين يؤيده أن اللَّه تعالى أمر عباده المؤمنين بالصلاة على نبيه ﷺ بعد ذكر حقوقه، وما خصه تعالى به دون أمته: من حل نكاحه لمن تهب نفسها له، ومن تحريم نكاح أزواجه على الأمة بعده، ومن سائر ما ذكر من حقوقه وتعظيمه وتوقيره وتبجيله، ثم قال: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً [ (١) ] ، ثم ذكر رفع الجناح عن أزواجه في تكليمهم إياهن وأبناؤهن، ومن ذكر دخولهن عليهنّ، ثم عقب ذلك بما حق من حقوقه الأكيدة على الأمة وهو أمرهم بصلاتهم عليه وسلامهم، مستفتحا ذلك الأمر بإخباره تعالى [بأنه] وملائكته يصلون عليه، فسأل الصحابة رسول اللَّه ﷺ: بأي [صيغة] يؤدون هذا الحق؟ فقال: قولوا: اللَّهمّ [صل] على محمد وعلى آل محمد [ (٢) ] ، فالصلاة على آله هي من تمام الصلاة عليه وتوابعها،
سول اللَّه ﷺ: بأي [صيغة] يؤدون هذا الحق؟ فقال: قولوا: اللَّهمّ [صل] على محمد وعلى آل محمد [ (٢) ] ، فالصلاة على آله هي من تمام الصلاة عليه وتوابعها،
[ () ] بها مرة، كالشهادة بنبوته ﷺ، وما عدا ذلك فهو مندوب. كذا في (اللمعات) . وقال في (المرقاة) : اعلم أن العلماء اختلفوا في أن الأمر في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً هل هو للندب أو للوجوب؟ ثم هل الصلاة عليه فرض عين أو فرض كفاية؟ ثم هل تتكرر كلما سمع ذكره أم لا؟ ثم إذا تكرر هل تتداخل في المجلس أم لا؟ فذهب الشافعيّ إلى أن الصلاة في القعدة الأخيرة فرض، والجمهور على أنها سنة، والمعتمد عندنا الوجوب والتداخل، والكلام في هذه المسألة طويل، وقد أجاد وأحسن وأطال الشيخ العلامة الخفاجي في (نسيم الرياض) شرح (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) للقاضي عياض، والإمام شمس الدين ابن القيم في (جلاء الأفهام) . وهو يدل على تأخير مشروعية الصلاة عن التشهد. «فكيف نصلي عليك» : فيه أنه يندب لمن أشكل عليه كيفية ما فهم جملته أن يسأل عنه من له به علم. «قولوا: اللَّهمّ إلخ» : استدل بذلك على وجوب الصلاة عليه ﷺ بعد التشهد، وإلى ذلك ذهب عمر، وابنه عبد اللَّه، وابن مسعود، وجابر بن زيد، والشعبي، ومحمد بن كعب القرظي، وأبو جعفر الباقر، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وابن المواز، واختاره القاضي أبو بكر بن العربيّ. وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، فهم: مالك، وأبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، وآخرون. قال الطبري والطحاوي: إنه أجمع المتقدمون والمتأخرون على عدم الوجوب.
لجمهور إلى عدم الوجوب، فهم: مالك، وأبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، وآخرون. قال الطبري والطحاوي: إنه أجمع المتقدمون والمتأخرون على عدم الوجوب. قال الشوكانى: دعوى الإجماع من الدعاوي الباطلة، لما عرفت من نسبة القول بالوجوب إلى جماعة من الصحابة، والتابعين، والفقهاء، ولكنه لا يتم الاستدلال على وجوب الصلاة بعد التشهد، بما في حديث الباب من الأمر بها، وبما في سائر أحاديث الباب، لأن غايتها الأمر بمطلق الصلاة عليه ﷺ، وهو يقتضي الوجوب في الجملة، فيحصل الامتثال بإيقاع فرد منها خارج الصلاة فليس فيها زيادة على ما في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً. ولكنه يمكن الاستدلال لوجوب الصلاة في الصلاة، بما أخرجه ابن حبان، والحاكم، والبيهقي. وصححوه، وابن خزيمة في صحيحه، والدار قطنى، من حديث أبى مسعود، بزيادة «كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا» وفي رواية: «كيف نصلي عليك في صلاتنا» وغاية هذه الزيادة أن يتعين بها محل الصلاة عليه ﷺ، وهو مطلق الصلاة وليس فيها ما يعين محل النزاع. وهو إيقاعها بعد التشهد الأخير. ويمكن الاعتذار عن القول بالوجوب، بأن الأوامر المذكورة في الأحاديث تعليم كيفية، وهي لا تفيد الوجوب، فإنه لا يشك من له ذوق أن من قال لغيره: إذا أعطيتك درهما فكيف أعطيك إياه؟ أسرا أم جهرا؟ فقال له: أعطينيه سرا، كان ذلك أمرا بالكيفية التي هي السرية، لا أمرا بالإعطاء، وتبادر هذا لغة، وشرعا، وعرفا، لا يدفع، وقد تكرر في السنة وكثر، فمنه: إذا قام أحدكم الليل فليفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين. الحديث. وفي (المرقاة) ، قيل: الآل من حرمت عليه الزكاة كبني هاشم، وبنى المطلب، وقيل: كل تقى آله ﷺ، وقيل: المراد بالآل: جميع أمة الإجابة، وقيل المراد بالآل الأزواج ومن حرمت عليه
[ () ] الصدقة ويدخل فيهم الذرية، وبذلك يجمع بين الأحاديث. قال ابن حجر المكيّ: هم مؤمنو بنى هاشم والمطلب عند الشافعيّ وجمهور العلماء، وقيل أولاد فاطمة ونسلهم، وقيل: أزواجه وذريته، لانهم ذكروا جملة في رواية. وردّ بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة في حديث واحد، وقيل: كل مسلم، ومال إليه مالك، واختاره الزهري وآخرون، وهو قول سفيان الثوري وغيره، ورجحه النووي في (شرح مسلم) . وقال الإمام الشوكانى في (نيل الأوطار) : واستشكل جماعة من العلماء التشبيه للصلاة عليه ﷺ بالصلاة على إبراهيم- كما وقع في هذه الرواية- أو على آل إبراهيم كما في بعض الرواية، مع أن المشبه دون المشبه به في الغالب، وهو ﷺ أفضل من إبراهيم وآله وأجيب عن ذلك بأجوبة: منها: أن المشبّه مجموع الصلاة على محمد وآله بمجموع الصلاة على إبراهيم وآله، وفي آل إبراهيم معظم الأنبياء فالمشبه به أقوى من هذه الحيثية. ومنها: أن التشبيه وقع لأصل الصلاة بأصل الصلاة، لا للقدر بالقدر. ومنها: أن التشبيه وقع في الصلاة على الآل لا على النبي ﷺ، وهو خلاف الظاهر. ومنها: أنه كان ذلك منه ﷺ. قبل أن يعلمه أنه أفضل من إبراهيم. ومنها: أن مراده ﷺ أن يتم النعمة عليه كما أتمها على إبراهيم وآله. ومنها: مراده ﷺ أن يبقى له لسان صدق في الآخرين كإبراهيم. ومنها: أنه سأله أن يتخذه اللَّه خليلا كإبراهيم. «وبارك على محمد» : البركة هي الثبوت والدوام، من قولهم: برك البعير إذا ثبت ودام، أي أدم شرفه، وكرامته، وتعظيمه. «إنك حميد مجيد» ، أي محمود الأفعال، مستحق لجميع المحامد، لما في الصيغة من المبالغة، وهو تعليل لطلب الصلاة منه. والمجيد: المتصف بالمجد، وهو كمال الشرف والكرم، والصفات المحمودة. قال المنذري: وأخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة (عون المعبود) : ٣/ ١٨٥- ١٨٨ مختصرا. وأخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه، (الإحسان) : ٥/ ٢٨٦ كتب الصلاة، باب (١٠) باب صفة الصلاة، ذكر وصف الصلاة على المصطفى ﷺ، حديث رقم (١٩٥٧) ، وقال في هامشه:
وأخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه، (الإحسان) : ٥/ ٢٨٦ كتب الصلاة، باب (١٠) باب صفة الصلاة، ذكر وصف الصلاة على المصطفى ﷺ، حديث رقم (١٩٥٧) ، وقال في هامشه: إسناده قوى، وذكر البيان بأن القوم إنما سألوا النبي ﷺ عن وصف الصلاة التي أمرهم اللَّه جلّ وعلا أن يصلوا بها على رسول ﷺ: ٢٨٦، حديث رقم (١٩٥٨) ، وقال في هامشه: إسناده صحيح على شرط الشيخين، ما خلا محمد بن عبد اللَّه الأنصاري، فإنه من رجال مسلم. وهو في (الموطأ) : ١/ ١٦٥- ١٦٦ في الصلاة، باب ما جاء في الصلاة على النبي ﷺ، (مسند الإمام الشافعيّ) : ٤٢، باب ومن كتاب استقبال القبلة في الصلاة، (مسند الإمام أحمد) : ٥/ ٩٧، بقية حديث أبى مسعود الأنصاري، حديث رقم (١٦٦٢٤) ، ٦/ ٣٦٨، حديث رقم (٢١٨٤٧) ، مسلم (٤٠٥) في الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد، والبيهقي في (السنن) ٢/ ١٤٦ وابن ماجة في (السنن) : ١/ ٢٩٢، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب (٢٥) الصلاة على النبي ﷺ حديث رقم (٩٠٣) ، (٩٠٤) بسياقات مختلفة.
لأن ذلك [مما يرفع اللَّه به قدره] [ (١) ] ، ويزيده اللَّه به شرفا وعلوا ﷺ، ولا ريب أن الأتباع يطلق عليهم لفظ الآل في بعض المواضع بقرينة، ولا يلزم من ذلك أنه حيث وقع لفظ الآل يراد الأتباع بما تقدم من النصوص، واللَّه أعلم. القول الرابع: أن آله ﷺ هم الأتقياء من أمته، حكاه القاضي حسين والراغب وجماعة، واحتج لهذا القول بما خرجه الطبراني من طريق نعيم بن حماد، حدثنا نوح بن أبى مريم، عن يحى بن سعيد الأنصاري، عن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه قال: سئل رسول اللَّه ﷺ: من آل محمد؟ فقال: كل تقى [ (٢) ] وتلا رسول اللَّه ﷺ: إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [ (٣) ] ، قال الطبراني: لم يروه عن يحيى إلا نوح، تفرد به نعيم. وقد رواه البيهقي من حديث أحمد بن عبد اللَّه بن يونس، حدثنا نافع أبو هرمز عن أنس فذكره، ونوح هذا ونافع بن هرمز لا يحتج بهما أحد من أهل العلم، قال ابن معين: نوح بن أبى مريم ليس بشيء ولا يكتب حديثه، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال السعدي: سقط حديثه، وقال ابن عدي:
ا يحتج بهما أحد من أهل العلم، قال ابن معين: نوح بن أبى مريم ليس بشيء ولا يكتب حديثه، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال السعدي: سقط حديثه، وقال ابن عدي: وعامة حديثه لا يتابع، ونافع أبو هرمز السلمي بصرى، قال ابن معين: ليس بشيء، ومرة قال: يروى عن أنس، ليس بثقة. كذاب، وقال أحمد: ضعيف الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن عدي: وعامة ما يرويه غير محفوظ، والضعف على رواياته بيّن. واحتجوا بأن اللَّه تعالى قال لنوح ﵇ عن ابنه: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ [ (٤) ] ، فأخرجه بشركه أن يكون من أهله، فعلم أن آل
[ () ] قال الإمام الحافظ أبو الفداء إسماعيل بن كثير القرشيّ الدمشقيّ: هذا سؤال استعلام وكشف من نوح ﵇ عن حال ولده الّذي غرق قال رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي أي وقد وعدتني بنجاة أهلي ووعدك الحق الّذي لا يخلف، فكيف غرق وأنت أحكم الحاكمين؟ قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أي الذين وعدت إنجاءهم، لأني إنما وعدتك بنجاة من آمن من أهلك، ولهذا قال: وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ فكان هذا الولد ممن سبق عليه القول بالغرق لكفره، ومخالفته أباه نبي اللَّه نوح ﵇. وقد نصّ غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب في تفسير هذا إلى أنه ليس بابنه. وإنما كان ابن زنية، ويحكى القول بأنه ليس بانه وإنما كان ابن امرأته، عن مجاهد، والحسن، وعبيد بن عمير، وأبي جعفر الباقر، وابن جريج، واحتج بعضهم بقوله: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، وبقوله: فَخانَتاهُما، فممن قاله، الحسن البصري، احتجّ بهاتين الآيتين، وبعضهم بقول: ابن امرأته، وهذا يحتمل أن يكون أراد ما أراد الحسن، أو أراد أنه نسب إليه مجازا لكونه كان ربيبا عنده، واللَّه تعالى أعلم.
بهاتين الآيتين، وبعضهم بقول: ابن امرأته، وهذا يحتمل أن يكون أراد ما أراد الحسن، أو أراد أنه نسب إليه مجازا لكونه كان ربيبا عنده، واللَّه تعالى أعلم. وقال ابن عباس وغير واحد من السلف: ما زنت امرأة نبي قط، قال: وقوله: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أي الذين وعدتك نجاتهم، وقول ابن عباس في هذا هو الحق الّذي لا محيد عنه، فإن اللَّه سبحانه أغير من أن يمكن امرأة نبي من الفاحشة، ولهذا غضب اللَّه على الذين رموا أم المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج النبي ﷺ، وأنكر على المؤمنين الذين تكلموا بهذا وأشاعوه، ولهذا قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ* لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ* لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ* وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ* إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة وغيره، عن عكرمة عن ابن عباس قال: هو ابنه، غير أنه خالفه في العمل والنية. قال عكرمة في بعض الحروف: إنه عمل عملا غير صالح، والخيانة تكون على غير باب، وقد ورد في الحديث أن رسول اللَّه ﷺ قرأ بذلك، فقال الإمام أحمد: حدثنا حماد ابن سلمة، عن ثابت، عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقرأ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ وسمعته يقول: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، ولا يبالي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
َفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً، ولا يبالي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وقال الإمام أحمد أيضا: حدثنا وكيع، حدثنا هارون النحويّ، عن ثابت البناني، عن شهر ابن حوشب، عن أم سلمة، أن رسول اللَّه ﷺ قرأها: إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ أعاده أحمد أيضا في مسنده، أم سلمة هي أم المؤمنين، والظاهر- واللَّه أعلم- أنها أسماء بنت يزيد، فإنّها تكنى بذلك أيضا. وقال عبد الرزاق أيضا: أنبأنا الثوري عن ابن عيينة، عن يونس بن أبى عائشة، عن سليمان ابن قبة، قال: سمعت ابن عباس سئل وهو إلى جنب الكعبة عن قول اللَّه تعالى: فَخانَتاهُما قال: أما إنه لم يكن بالزنا، ولكن كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون، وكانت هذه تدل على الأضياف،
الرسول هم أتباعه، وأجاب الشافعيّ- ﵀ عن هذا بأن المراد إنه ليس من أهلك الذين أمرناك بحملهم ووعدناك نجاتهم، لأن اللَّه تعالى قال له قبل ذلك: احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ، فليس ابنه من أهله الذين ضمن له نجاتهم، ويزيد صحة هذا الجواب أن سياق الآية يدل على أن المؤمنين قسم غير أهله الذين هم أهله، لأنه تعالى قال: قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ
[ (١) ] ، فمن آمن معطوف على المفعول بالحمل وهم أهل، والاثنان من كل زوجين، واحتجوا بحديث واثلة المتقدم، وتخصيص واثلة بذلك أقرب من تعميم الأمة به، وكأنه ﷺ جعل واثلة في حكم الأهل تشبيها بمن يستحق هذا الاسم. والصواب: أن الأتقياء من أمته ﷺ هم أولياؤه، فمن كان منهم من أقاربه فهو من أوليائه لا من آله، فقد يكون الرجل من آله وأوليائه كأهل بيته والمؤمنين به من أقاربه ولا يكون لا من آله ولا من أوليائه كمن لم يؤمن به، وقد يكون من أوليائه وإن لم يكن من آله، كخلفائه في أمته، الداعين إلى سنته، الذابين عنه، الناصرين لدينه، وإن لم يكن من أقاربه. وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: إن آل- أبى فلان- ليسوا لي بأولياء، إنّ أوليائي المتقون كانوا ومن كانوا [ (٢) ] ، فالمتقون هم أولياء رسول اللَّه ﷺ، وأولياؤه
[ () ] وسياق الحديث مشعر بأنهم من قبيلة النبي ﷺ وهي قريش، بل فيه إشعار بأنهم أخصّ من ذلك، لقوله: «إن لهم رحما» ، وأبعد من حمله على بنى بياضه، وهم بطن من الأنصار، لما فيه من التغير أو الرحم على رأى، ولا يناسب السياق أيضا، وقال ابن التين: حذفت التسمية لئلا يتؤذى بذلك المسلمون من أبنائهم. وقال النووي: هذه الكناية من بعض الرواة، خشي أن يصرح بالاسم، فيترتب عليه مفسدة، إما في حق نفسه، وإما في حق غيره، وإما معا. وقال القاضي عياض: إن المكنى عنه هنا هو الحكم بن أبى العاص. وقال ابن دقيق العيد: كذا وقع مبهما في السياق، وحمله بعضهم على بنى أمية، ولا يستقيم مع قوله: آل أبى، فلو كان بنى لأمكن، ولا يصح تقدير آل أبى العاص، لأنهم أخصّ من بنى أمية، والعام لا يفسّر بالخاص. قلت: لعل مراد القائل أنه أطلق العام وأراد الخاصّ، وقد وقع في رواية وهب بن حفص التي أشرت إليها «إن آل بنى» لكن وهب لا يعتمد عليه. وجزم الدمياطيّ في حواشيه بأنها آل أبى العاص ابن أمية، ثم قال ابن دقيق العيد: إنه رأى في كلام ابن العربيّ في هذا شيئا يراجع منه.
كن وهب لا يعتمد عليه. وجزم الدمياطيّ في حواشيه بأنها آل أبى العاص ابن أمية، ثم قال ابن دقيق العيد: إنه رأى في كلام ابن العربيّ في هذا شيئا يراجع منه. قلت: قال أبو بكر بن العربيّ في (سراج المريدين) : كان في أصل حديث عمرو بن العاص «إن آل أبى طالب» ، فغير «آل أبى فلان» ، كذا جزم به، وتعقبه بعض الناس وبالغ في التشنيع، ونسبه إلى التحامل على آل أبى طالب. قوله: «ليسوا بأوليائى» كذا للأكثر- وفي نسخة من رواية أبى ذرّ «بأولياء» فنقل ابن التبين عن الداوديّ أن المراد بهذا النفي من لم يسلم منهم، فهو من إطلاق الكل وإرادة البعض، والمنفي على هذا المجموع لا الجميع. وقال الخطابي: الولاية المنفية ولاية القرب والاختصاص لا ولاية الدين، ورجح ابن التين الأول، وهو الراجح، فإن من جملة آل أبى طالب: عليا، وجعفرا، أو هما أخصّ الناس بالنبيّ ﷺ لما لهما من السابقة والقدم في الإسلام، ونصر الدين. وقد استشكل بعض الناس صحة هذا الحديث- لما نسب إلى بعض راويه من النصب، وهو الانحراف عن عليّ ﵁ وآل بيته. قلت: أما قيس بن أبى حازم، فقال يعقوب بن شيبة: تكلم أصحابنا في قيس، فمنهم من رفع قدره وعظمه، وجعل الحديث عنه من أصحّ الأسانيد، حتى قال ابن معين: هو أوثق من الزهري. ومنهم من حمل عليه وقال: له أحاديث مناكير، وأجاب من أطراه بأنها غرائب، وإفراده لا يقدح فيه. ومنهم من حمل عليه في مذهبه وقال: كان يحمل على عليّ، ولذلك تجنب الرواية عنه كثير من قدماء الكوفيين. وأجاب من اطراه بأنه كان يقدم عثمان على عليّ. قلت: والمعتمد عليه أنه ثقة، ثبت، مقبول الرواية، وهو من كبار التابعين، سمع من أبى بكر الصديق فمن دونه، وقد روى عنه حديث الباب إسماعيل بن أبى خالد، وبيان بن بشر، وهما كوفيان، ولم ينسبا إلى النصب. لكن الراويّ عن بيان، وهو عنبسة بن عبد الواحد، أموى قد نسب إلى شيء من النصب، وأما عمرو بن العاص وإن كان بينه وبين على ما كان فحاشاه أن يتهم، وللحديث محل صحيح لا يستلزم نقصا في مؤمني أبى طالب، وهو أن المراد بالنفي المجموع كما تقدم، ويحتمل أن يكون المراد بآل
وبين على ما كان فحاشاه أن يتهم، وللحديث محل صحيح لا يستلزم نقصا في مؤمني أبى طالب، وهو أن المراد بالنفي المجموع كما تقدم، ويحتمل أن يكون المراد بآل
[ () ] أبى طالب أبو طالب نفسه، وهو إطلاق سائغ كقوله في أبى موسى: «إنه أوتى مزمارا من مزامير آل داود، وقوله ﷺ: «آل أبى أوفى» ، وخصه بالذكر مبالغة في الانتفاء ممن لم يسلم، لكونه عمّه، وشقيق أبيه، وكان القيم بأمره، ونصره، وحمايته، ومع ذلك فلما لم يتابع على دينه انتفى من موالاته. قوله ﷺ: «إنما ولى اللَّه وصالح المؤمنين» ، كذا للأكثر بالإفراد وإرادة الجملة، وهو اسم جنس- ووقع في رواية البرقاني: «وصالحوا المؤمنين بصيغة الجمع وقد أجاز بعض المفسرين أن الآية التي في التحريم كانت في الأصل: فإن اللَّه هو مولاه وجبريل [وصالحوا] المؤمنين لكن حذفت الواو من الخط على وفق النطق، وهو مثل قوله تعالى: سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ وقوله تعالى: يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ، وقوله تعالى: وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ. وقال النووي: معنى الحديث أن وليي من كان صالحا وإن بعد منى نسبه، وليس وليي من كان غير صالح وإن قرب منى نسبه. وقال القرطبي: فائدة الحديث انقطاع الولاية في الدين بين المسلم والكافر، ولو كان قريبا حميما. وقال ابن بطال: أوجب في هذا الحديث الولاية بالدين، ونفاها عن أهل رحمه إن لم يكونوا من أهل دينه، فدلّ ذلك على أن النسب يحتاج إلى الولاية التي يقع بها الموارثة بين المتناسبين، وأن الأقارب إذا لم يكونوا على دين واحد، لم يكن بينهم توارث ولا ولاية. قال: ويستفاد من هذا أن الرحم المأمور بصلتها، والمتوعد على قطعها، هي التي شرع لها ذلك فأما من أمر بقطعه من أجل الدين فيستثنى من ذلك ولا يلحق بالوعيد من قطعه، لأنه قطع من أمر اللَّه بقطعه لكن لو وصلوا بما يباح من أمر الدنيا لكان فضلا، كما دعا ﷺ لقريش بعد أن كانوا كذبوه فدعا لهم. قلت: ويتعقب كلامه في موضعين: أحدهما: يشاركه فيه كلام غيره، وهو قصره النفي على من ليس على الدين، وظاهر الحديث أن من كان غير صالح في أعمال الدين دخل في النفي أيضا لتقييده الولاية بقوله: وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ.
وهو قصره النفي على من ليس على الدين، وظاهر الحديث أن من كان غير صالح في أعمال الدين دخل في النفي أيضا لتقييده الولاية بقوله: وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ. والثاني: أن صلة الرحم الكافر، ينبغي تقيدها بما إذا أيس منه رجوعا عن الكفر، أو رجى أن يخرج من صلبه مسلم كما في الصورة التي استدل بها، وهي دعاء النبي ﷺ لقريش بالخصب، وعلل بنحو ذلك، فيحتاج من يترخص في صلة رحمه الكافر أن يقصد إلى شيء من ذلك وأما من كان على الدين ولكنه مقصّر في الأعمال مثلا فلا يشارك الكافر في ذلك. وقد وقع في (شرح المشكاة) : المعنى أنى لا أوالي أحدا بالقرابة، وإنما أحب اللَّه تعالى لما له من الحق الواجب على العباد، وأحب صالح المؤمنين لوجه اللَّه تعالى، وأوالي من أوالي بالإيمان والصلاح- سواء كان من ذوى رحم أو لا، ولكنى أرعى لذوي الرحم حقهم لصلة الرحم. وقد اختلف أهل التأويل في المراد بقوله تعالى: وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ على أقوال: أحدها: الأنبياء، أخرجه الطبري- وابن أبى حاتم عن قتادة، وذكره ابن أبى حاتم عن سفيان الثوري، وأخرجه النقاش عن العلاء بن زياد. الثاني: الصحابة، أخرجه ابن أبى حاتم عن السدي، ونحوه في تفسير الكلبي، قال: هم أبو بكر، وعمر وعثمان وعلى، وأشباههم ممن ليس بمنافق. الثالث: خيار المؤمنين، أخرجه ابن أبى حاتم عن الضحاك. الرابع: أبو بكر، وعمر، وعثمان، أخرجه ابن أبى حاتم عن الحسن البصريّ.
[ () ] الخامس: أبو بكر، وعمر، أخرجه الطبري وابن مردويه، عن ابن مسعود مرفوعا، وسنده ضعيف. وأخرجه الطبري وابن أبى حاتم عن الضحاك أيضا، وكذا هو في تفسير عبد الغنى بن سعيد الثقفي أحد الضعفاء بسنده عن ابن عباس موقوفا، وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر ضعيف عنه كذلك. قال ابن أبى حاتم: وروى عن عكرمة، وسعيد بن جبير، وعبد اللَّه بن بريدة، ومقاتل ابن حبان كذلك. السادس: أبو بكر خاصة، ذكره القرطبي عن المسيب بن شريك. السابع: عمر خاصة، أخرجه ابن أبى حاتم بسند صحيح عن سعيد بن جبير، وأخرجه الطبري بسند ضعيف عن مجاهد، وأخرجه ابن مردويه بسند واه جدا عن ابن عباس. الثامن: عليّ، أخرجه ابن أبى حاتم بسند منقطع عن عليّ نفسه مرفوعا، وأخرجه الطبري بسند ضعيف عن مجاهد، قال: هو عليّ. وأخرجه ابن مردويه بسندين ضعيفين من حديث أسماء بنت عميس مرفوعا قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ على بن أبى طالب. ومن طريق أبى مالك عن ابن عباس مثله موقوفا، وفي سنده راو ضعيف. وذكره النقاش عن ابن عباس، ومحمد بن على الباقر، وابن جعفر بن محمد الصادق، قلت: فإن ثبت هذا، ففيه دفع توهّم من توهّم أن في الحديث المرفوع نقصا من قدر عليّ ﵁، ويكون المنفىّ أبا طالب ومن مات من آله كافرا، والمثبت من كان منهم مؤمنا، وخصّ عليّ بالذكر لكونه رأسهم، وأشير بلفظ الحديث إلى لفظ الآية المذكورة، ونصّ فيها على عليّ تنويها بقدره، ودفعا لظن من يتوهم عليه في الحديث المذكور غضاضة، ولو تفطن من كنى عن أبى طالب لذلك لاستغنى عما صنع. قوله: «وزاد عنبسة بن عبد الواحد» ، أي ابن أمية بن عبد اللَّه بن سعيد بن العاص بن أبي أحيحة بمهملتين مصغرا، وهو سعيد بن العاص بن أمية، وهو موثوق عندهم، وما له في البخاري سوى هذا الموضوع المعلق، وقد وصله البخاري في كتاب البر والصلة فقال: حدثنا محمد بن عبد الواحد بن عنبسة، حدثنا جدي ... فذكره،
ق عندهم، وما له في البخاري سوى هذا الموضوع المعلق، وقد وصله البخاري في كتاب البر والصلة فقال: حدثنا محمد بن عبد الواحد بن عنبسة، حدثنا جدي ... فذكره، وأخرجه الإسماعيلي من رواية نهد بن سليمان عن محمد بن عبد الواحد المذكور، وساقه بلفظ: سمعت عمرو بن العاص بقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ ينادى جهرا غير سرّ: إن بنى فلان ليسوا بأوليائى، وإنما ولي اللَّه والذين آمنوا، ولكن لهم رحم ... الحديث وقد قدمت رواية الفضل، وإنما الفضل ابن الموفق عن عنبسة من عند أبى نعيم، وأنها أخص من هذا. قوله ﷺ: «ولكن لها رحم أبلها ببلالها، يعنى أصلها بصلتها» ، كذا لهم، لكن سقط التفسير من رواية النسفي، ووقع عند أبى ذر بعده «أبلها ببلالها» وبعده في الأصل: كذا وقع، وببلالها أجود وأصحّ. قال الخطابي وغيره: بللت الرحم بلا وبللا وبلالا، أي نديتها بالصلة، وقد أطلقوا على الإعطاء الندى، وقالوا في البخيل: ما تندى كفه بخير، فشبهت قطيعة الرحم بالحرارة، ووصلها بالماء الّذي يطفئ ببرده الحرارة، ومنه الحديث: بلوا أرحامكم ولو بالسلام. وقال الطيبي وغيره: شبه الرحم بالأرض التي إذا وقع عليها الماء وسقاها حتى إذا سقيها أزهرت
أحب إليه، قال تعالى: وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ [ (١) ] ، وسئل ﷺ: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قيل: من الرجال؟ قال: أبوها. متفق عليه [ (٢) ] وذلك أن المتقين هم أولياء اللَّه تعالى، كما قال عزّ من قائل: أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ [ (٣) ] ، فأولياء اللَّه تعالى أولياء رسوله ﷺ. تم بحمد اللَّه تعالى الجزء الخامس ويليه الجزء السادس وأوله: «فصل في ذكر ذرية رسول اللَّه ﷺ» .
[المجلد السادس] ﷽
فصل في ذكر ذرية رسول اللَّه ﷺ اعلم أن اشتقاق لفظ الذرية [على] ثلاثة أقوال، أحدها: أنها مشتقة من ذرأ، قال الكسائي: وذرية الرجل: النشؤ الذين خرجوا منه، وهو من ذروت وذريت، وليس بمهموز، قال أبو عبيدة: أصله مهموز ولكن العرب تركت الهمز فيه وفي آخر وغيره، وهو في مذهب أبي عبيدة من ذرأ اللَّه الخلق، كما قال تعالى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [ (١) ] أي أنشأهم وخلقهم، قال تعالى: يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ [ (٢) ] أي يخلقكم، فكأن ذرية الرجل من خلق اللَّه منه ومن نسله، ومن أنشأ من صلبه، وقال ابن فارس في (مقاييسه) : قولهم ذرأنا الأرض بذرناها [ذرءا] ذرىء على فعيل، ومن هذا الباب: ذرأ اللَّه الخلق يذرؤهم ذرءا، خلقهم، وفي التنزيل: يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ [ (٣) ] ، وقال ثعلب: معناه يكثركم فيه، أي في الخلق والذرية، وكان ينبغي أن تكون مهموزة فكثرت فأسقط الهمز. ثانيها: أنها من الذر الّذي هو النمل الصغار، وهذا قول ضعيف. ثالثها: أنها من ذرأ يذرأ إذا فرق، والقول الأول أصحها، لأن الاشتقاق والمعنى يشهد ان له، قال تعالى: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ [ (٣) ] ، وفي الحديث، أعوذ بكلمات اللَّه التامات
[اللاتي] لا يجاوزهن برّ ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ [ (١) ] ، [قال
َزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ [ (٣) ] ، وفي الحديث، أعوذ بكلمات اللَّه التامات
[اللاتي] لا يجاوزهن برّ ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ [ (١) ] ، [قال
تعالى:] وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [ (١) ] وقال تعالى: وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ [ (٢) ] ، فالذرية منه بمعنى مفعولة، أي مذرورة، ثم أبدلوها همزها ياء فقالوا: ذرية. ولا خلاف أن الذرية تقال على الأولاد الصغار والكبار، قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: الذريات عندنا إذا كانت بالألف: الأعقاب والنسل، فأما الذين في حجورهم خاصة فإنّهم الذرية، انتهى. وقد قال تعالى: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [ (٣) ] ، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ [ (٤) ] ، وقال تعالى: وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ (٥) ] وقال تعالى: وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً [ (٦) ] . وهل يقال الذرية على الآباء؟ فيه قولان ليس هذا موضع بسط القول فيهما، فإذا ثبت هذا فالذرية الأولاد وأولادهم، وهل يدخل فيها أولاد البنات؟ فيه قولان، أحدهما: يدخلون، وهو مذهب الشافعيّ وأحد قولي
هذا موضع بسط القول فيهما، فإذا ثبت هذا فالذرية الأولاد وأولادهم، وهل يدخل فيها أولاد البنات؟ فيه قولان، أحدهما: يدخلون، وهو مذهب الشافعيّ وأحد قولي
أحمد، ودليله إجماع المسلمين على دخول أولاد فاطمة رضى اللَّه عنها في ذرية النبي ﷺ، المطلوب لهم من اللَّه تعالى الصلاة عليهم، لأن أحدا من بناته لم يعقب عقباً باقيا غيرها، فمن انتسب إليه ﷺ من أولاد بيته فإنما هو من جهة فاطمة رضى اللَّه عنها خاصة. وقد قال ﷺ في الحسن ابن بنته، إن [ابني] هذا سيد [ (١) ] ، فسماه ابنه، ولما نزلت آية المباهلة [وهي قوله تعالى:] [ (٢) ] فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ [ (٣) ]
الآية، دعا رسول اللَّه ﷺ فاطمة وحسنا وحسينا للمباهلة. وخرج الحاكم من طريق أحمد الإمام ابن عفان، حدثنا وهيب حدثنا عبد اللَّه بن عثمان بن خيثم، عن سعيد بن أبي راشد، عن يعلى بن منية الثقفي قال: جاء الحسن والحسين يستبقان إلى رسول اللَّه ﷺ فضمهما إليه ثم قال: إن الولد مبخلة مجبنة محزنة [ (١) ] . قال صحيح على شرط مسلم.
وفي حديث شريك عن عبد الملك بن عمير قال: دخل يحى بن يعمر على الحجاج، ومن حديث صالح من موسى، حدثنا عاصم بن بهدلة قال: اجتمعوا عند الحجاج فذكر الحسين بن على، فقال الحجاج: لم يكن من ذرية رسول اللَّه ﷺ، وعنده يحى بن يعمر فقال له: كذبت أيها الأمير، فقال: لتأتينى على ما قلت بينة ومصداق من كتاب اللَّه تعالى أو لأقتلنّك، فقال: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى [ (١) ] إلى قوله تعالى: وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى [ (١) ] فأقرّ اللَّه تعالى أن عيسى من ذرية إبراهيم بأمه، والحسن بن على من ذرية محمد ﷺ بأمه، قال: صدقت، فما حملك على تكذيبي في مجلسى؟ قال: ما أخذ اللَّه على الأنبياء ليبيّننّه للناس ولا يكتمونه، قال اللَّه تعالى: فَنَبَذُوهُ وَراءَ [ظُهُورِهِمْ] وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا [ (٢) ] ، قال: فنفاه إلى خراسان [ (٣) ] .
وخرج من طريق عبيد اللَّه بن موسى، أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق، عن هانئ بن هانئ، عن عليّ رضى اللَّه عنه قال: لما ولدت فاطمة الحسن رضى اللَّه عنهما، جاء رسول اللَّه ﷺ فقال: أرونى ابني، ما سميتموه؟ قال: قلت: سميته حربا، قال: بل هو حسن، فلما ولدت الحسين رضى اللَّه عنه جاء رسول اللَّه ﷺ، فقال: أرونى ابني، ما سميتموه؟ قلت: سميته حربا، قال: بل هو حسين، ثم لما ولدت الثالث جاء رسول اللَّه ﷺ، [فقال] : أرونى ابني، ما سميتموه؟ قلت: سميته حربا، قال: بل هو محسن، قال: إنما أسميتهم باسم ولد هارون ﵇: شبر، وشبير، ومشبر [ (١) ] . ومن طريق محمد بن إسماعيل بن أبى فديك، حدثنا محمد بن موسى المخزومي، حدثنا عون بن محمد عن أبيه، عن أم جعفر أمه، عن جدتها أسماء، عن فاطمة رضى اللَّه عنها، أن رسول اللَّه ﷺ أتاها يوما فقال: أين ابناي؟ فقالت ذهب بهما عليّ، فتوجه رسول اللَّه ﷺ فوجدهما يلعبان في مشربة وبين أيديهما فضل من تمر، فقال: يا عليّ! ألا تقلب ابنىّ قبل
الحر؟ .. وذكر باقي الحديث. قال: محمد بن موسى هذا هو ابن مشمول مدينى ثقة، وعون هذا هو ابن محمد بن عبيد اللَّه بن أبي رافع، هو وأبوه ثقتان، وأم جعفر هي ابنة القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وجدّتها أسماء بنت أبى بكر الصديق رضى اللَّه عنهم، وكلهم أشراف ثقات [ (١) ] . وخرج أيضا من طريق وهب بن جرير بن حازم، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن أبي يعقوب، عن عبد اللَّه بن شداد بن الهاد، عن أبيه قال: خرج [علينا] رسول اللَّه ﷺ [في إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر] وهو حامل [أحد] ابنيه الحسن أو الحسين، فتقدم رسول اللَّه ﷺ إلى الصلاة فوضعه عند قدمه اليمنى، فسجد رسول اللَّه سجدة أطالها، قال أبى: فرفعت رأسي من بين الناس، فإذا رسول اللَّه ﷺ ساجد، وإذا الغلام راكب على ظهره، فعدت فسجدت، فلما انصرف رسول اللَّه ﷺ قال الناس: يا رسول اللَّه! لقد سجدت في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها، أفشيء أمرت به أو كان يوحى إليك؟ قال: كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضى حاجته. قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين [ (٢) ] .
ها، أفشيء أمرت به أو كان يوحى إليك؟ قال: كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضى حاجته. قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين [ (٢) ] . ومن طريق ابن نعيم الفضل بن دكين، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم عن أبى ظبيان.
عن سلمان قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: الحسن والحسين ابناي، من أحبهما أحبنى، ومن أحبنى أحبه [اللَّه] ، ومن أحبه اللَّه أدخله الجنة، ومن أبغضهما أبغضنى، ومن أبغضنى أبغضه اللَّه، ومن أبغضه اللَّه أدخله النار، قال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين [ (١) ] . ومن طريق عثمان بن سعيد الدارميّ، حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا عطاء بن عجلان، عن عكرمة، عن ابن عبّاس عن أم الفضل قالت: دخل عليّ رسول اللَّه ﷺ وأنا أرضع الحسين بن على بلبن ابن كان يقال له قثم، قلت: فتناوله رسول اللَّه ﷺ فناولته إياه، [فبال] عليه، قالت: فأوهيت بيدي إليه [فقال] رسول اللَّه ﷺ لا تزرمى ابني، قالت فرشّه بالماء [ (٢) ] . وقد ذكر اللَّه تعالى عسى بن مريم ﵇ فيمن ذكر من ذرية إبراهيم ﵇، فقال تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى
قالت فرشّه بالماء [ (٢) ] . وقد ذكر اللَّه تعالى عسى بن مريم ﵇ فيمن ذكر من ذرية إبراهيم ﵇، فقال تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى
قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ* وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ [ (١) ] . وفي ذكر عيسى هنا دليل على أن البنت داخلة في الذرية، وذلك أنه تعالى شك عيسى وسائر الأنبياء المذكورين معه في كونهم من ذرية إبراهيم، مع أن عيسى إنما ينتمى إليه من جهة أمه، فدلّ على ما قلناه. واللَّه أعلم. والقول الثاني: أنهم لا يدخلون، وهو مذهب أبي حنيفة وأحد قولي أحمد، وحجتهم أن ولد البنات إنما ينسبون إلى آبائهم حقيقة، فإن الهذلي والتيمي والعدوىّ إذا أولد هاشمية لم يكن ولده هاشميا، لأن الولد في النسب يتبع أباه، بخلاف الرّقّ والحرية والدين فإنه يتبع أمه، وقد قيل: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد ولو وصى أو وقف على قبيلة لم يدخل فيها أولاد بناتها من غيرها، وأما دخول أولاد فاطمة رضى اللَّه عنها في ذرية النبي ﷺ فلشرف هذا الأصل العظيم، والوالد الكريم، الّذي لا يدانيه أحد من العالمين، سرى ونفد إلى أولاد البنات لقوته وجلالته وعظم قدره. وأما دخول عيسى في ذرية إبراهيم ﵇، فإن المسيح لا أب له حتى يرجع إليه، فقامت أمه مقام أبيه، فنسبه اللَّه تعالى إليها، وهكذا كل من انقطع نسبه من جهة أبيه- إما بلعان أو غيره- قامت أمه في النسب مقام أبيه، وكذا في العصبة والولاء، كما هو مذكور في موضعه من كتب الفقه، واللَّه أعلم.
فصل في ذكر عترة رسول اللَّه ﷺ عترة الرجل أسرته وفصيلته، من قول اللَّه تعالى: وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ [ (١) ] . وقيل: عترته- رهطه الأدنون، والعترة: أصل شجرة تبقى بعد القطع، فتنبت من أصولها وعروقها، وقيل: العترة: صخرة عظيمة يتخذ الضب عندها حجرا يأوى إليها ليهتدى، وذلك لقلة هدايته، فكأن عترة الرجل هم أسرته وقومه الذين يأوى إليهم ويعتمد عليهم، ومنه قوله ﷺ: إني تارك فيكم الثقلين: كتاب اللَّه وعترتي، ويروى: كتاب اللَّه وأهل بيتي، وبادلوا في العترة هنا أهل بيته، قالوا: لأنهم أسرته وفصيلته التي تؤويه، ورهطه الأدنون [ (٢) ] .
خرج الترمذي من حديث زيد بن الحسن- هو الأنماطي- عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنه قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ في حجته يوم عرفه وهو على ناقته [القصواء] يخطب، فسمعته يقول: يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم [به] لن تضلوا، كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي. قال: وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، قال: وزيد بن الحسن قد روى عنه سعيد بن سليمان وغير واحد من أهل العلم [ (١) ] . وخطّأ ابن قتيبة من يقتصر بالعترة على الذرية فقط، ومن يجعل عترة رسول اللَّه ﷺ ولد فاطمة خاصة، ثم قال: وعترة الرجل ذريته وعشيرته الأدنون من مضى منهم ومن غبر، ويدلك على ذلك قول أبى
ترة على الذرية فقط، ومن يجعل عترة رسول اللَّه ﷺ ولد فاطمة خاصة، ثم قال: وعترة الرجل ذريته وعشيرته الأدنون من مضى منهم ومن غبر، ويدلك على ذلك قول أبى
[ () ] يقول: إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللَّه وعترتي؟ قال: نعم. وإسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح. وله طرق أخرى عند الطبراني: ٤٩٦٩- ٤٩٧١ و ٤٩٨٠ و ٤٩٨٠- ٤٩٨٢ و ٥٠٤٠، وبعضها عند الحاكم في (المستدرك) : ٣/ ١٠٩، ١٤٨، ٥٣٣، وصحيح هو والذهبي بعضها. وشاهد آخر من حديث عطية العوفيّ، عن أبى سعيد الخدريّ مرفوعا: إني أوشك أن أدعى فأجيب، وإني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي، الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب اللَّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض. ثم قال الألباني: واعلم أيها القارئ الكريم، أن من المعروف أن الحديث مما يحتج به الشيعة، ويلهجون بذلك كثيرا، حتى يتوهم بعض أهل السنة أنهم مصيبون في ذلك، وهم جميعا واهمون في ذلك، وبيانه ومن وجهين: الأول: أن المراد من الحديث في قوله ﷺ: «عترتي» أكثر مما يريده الشيعة، ولا يرده أهل السنة، بل هم مستمسكون به، ألا وأن العترة فيه هم أهل بيته ﷺ، وقد جاء ذلك موضحا في بعض طرقه، كحديث الترجمة: «وعترتي أهل بيتي» ،
ده الشيعة، ولا يرده أهل السنة، بل هم مستمسكون به، ألا وأن العترة فيه هم أهل بيته ﷺ، وقد جاء ذلك موضحا في بعض طرقه، كحديث الترجمة: «وعترتي أهل بيتي» ، وأهل بيته في الأصل هم نساؤه ﷺ، وفيهم الصديقة عائشة، رضى اللَّه عنهن جميعا، كما هو صريح في قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً بدليل الآية التي قبلها والتي بعدها: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً* وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً* وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً. وتخصيص الشيعة أهل البيت في الآية بعليّ وفاطمة والحسن والحسين رضى اللَّه تعالى عنهم دون نسائه ﷺ، من تحريفهم لآيات اللَّه تعالى، انتصاراً لأهوائهم، كما هو مشروح في موضعه، وحديث الكساء وما في معناه، غاية ما فيه توسيع دلالة الآية، ودخول على وأهله فيها. والوجه الآخر: أن المقصود من أهل البيت إنما هم العلماء الصالحون منهم، والمتمسكون بالكتاب والسنة، قال الإمام أبو جعفر الطحاوي رحمه اللَّه تعالى: «العترة» هم أهل بيته ﷺ الذين هم على دينه وعلى التمسك بأمره. وذكر نحوه الشيخ على القاري في الموضع المشار إليه آنفا ثم استظهر أن الوجه في تخصيص أهل البيت بالذكر ما أفاده بقوله: إن أهل البيت غالبا يكونون أعرف بصاحب البيت وأحواله، فالمراد بهم أهل العلم منهم المطلعون على سيرته، الواقفون على طريقته، العارفون بحكمه وحكمته، وبهذا يصلح أن يكون مقابلا لكتاب اللَّه سبحانه كما قال: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
لى سيرته، الواقفون على طريقته، العارفون بحكمه وحكمته، وبهذا يصلح أن يكون مقابلا لكتاب اللَّه سبحانه كما قال: وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
بكر رضى اللَّه عنه: نحن عترة رسول اللَّه التي خرج منها وبيضته التي تفتات عنه، وإنما جيبت العرب منا كما جيبت الرحا عن قطبها، وما كان أبو بكر ليدعى بحضرة القوم جميعاً إلا يعرفونه. واللَّه ﷾ أعلم.
فصل في ذكر سلالة النبي ﷺ قال ابن سيده: والسلالة والسليل: الولد، والأنثى سليلة، وقال غيره: السلالة: الصفوة من كل شيء، قال ابن فارس في (المقاييس) : السليل: الولد، كأنه سلّ من أمه سلّا، قالت امرأة في ابنها: سل من قلبي ومن كبدي ... قمر أين دونه قمر وقيل للحسن والحسين رضى اللَّه عنهما: سلالة رسول اللَّه ﷺ، أي هما الصفوة من ولده، وقيل: السليل: المنتوج، كأنه النقاح الخالص الصافي [ (١) ] . واللَّه أعلم.
فصل في ذكر سبط رسول اللَّه ﷺ الأسباط: ولد يعقوب- وهو إسرائيل بن إسحاق بن إبراهيم ﵈ وكانوا اثنى عشر رجلا، وفي الحديث المرفوع: الحسن والحسين سبطاي من هذه الأمة، والقبائل في العرب كالأسباط في بنى إسرائيل، فكان الأسباط قبائل الأنبياء، فلذلك سمى الحسن والحسين: السبطان، لأن أولادهما قبيلتا رسول اللَّه ﷺ من أجل أنهما ولد فاطمة الزهراء بنت رسول اللَّه ﷺ. قال ابن سيده: والسبط ولد الابن والابنة، ومنه الحسن والحسين سبطا رسول اللَّه ﷺ، والسبط من اليهود كالقبيلة من العرب، وهم الذين يرجعون إلى أب واحد سمى سبطا ليفرق بين ولد إسماعيل وولد إسحاق ﵉، وجمعه أسباط [ (١) ] . خرج أبو بكر بن أبى شيبة وأحمد بن حنبل من حديث عفان قال: حدثنا وهيب، حدثنا عبد اللَّه بن عثمان بن خيثم، عن سعيد بن أبى راشد، عن يعلى العامري، أنه خرج مع رسول اللَّه ﷺ إلى طعام دعوا له، فإذا حسين مع غلام يلعب في طريق، فاستقبل رسول اللَّه ﷺ أمام القوم، [وحسين مع الغلمان يلعب فأراد رسول اللَّه ﷺ أن يأخذه [ (٢) ]] . فطفق الصبى يفرّها هنا مرة، وهاهنا مرة، فجعل رسول اللَّه ﷺ يضاحكه حتى
أخذه رسول اللَّه ﷺ فوضع إحدى يديه تحت قفاه والأخرى تحت ذقنه فوضع فاه على فيه يقبله وقال: حسين منى وأنا من حسين، أحب اللَّه من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط [ (١) ]



