إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya المقريزي (w. 845 H).

Bagian 60 dari 128 6146 halaman

— Bagian 60 · عن أنس رضى اللَّه عنه، قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذ… —

Bagian 60

عن أنس رضى اللَّه عنه، قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أراد أن يصلى على راحلته، استقبل القبلة، وكبر للصلاة، ثم خلى عن راحلته، فصلى حيث توجهت به [ (١) ] .

وأمّا ما يقول إذا رجع من سفره فخرّج البخاري من حديث مالك عن نافع، عن ابن عمر [رضى اللَّه عنهما قال:] إن رسول اللَّه ﷺ كان إذا قفل من غزوة، أو حج، أو عمرة، يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آئبون، تائبون، عابدون، [ساجدون] لربنا حامدون، صدق اللَّه وعده، ونصر

عبده، وهزم الأحزاب وحده. وخرجه مسلم، فذكره من طرق عديدة [ (١) ] . ولأبى بكر الشافعيّ من حديث أبى الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس رضى اللَّه [عنهما] قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أراد الرجوع من سفر قال: آئبون تائبون، لربنا حامدون، فإذا دخل ﷺ على أهله قال: أوبا أوبا، لربنا توبا، لا [يغادر] علنيا حوبا [ (٢) ] .

وأمّا ما يصنع إذا قدم من سفر فخرج البخاري [ (١) ] من حديث محمد بن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، عن أبيه، وعمه عبيد اللَّه بن كعب بن مالك [رضى اللَّه عنه قال:] أن النبي ﷺ كان إذا قدم من سفر ضحى، دخل المسجد فصلى ركعتين قبل أن يجلس. وذكره مسلم بنحو ذلك [ (٢) ] . وخرّجه النسائي بهذا السند، ولفظه: أن رسول اللَّه ﷺ كان لا يقدم من سفر إلا نهارا ضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم جلس [ (٣) ] .

(٢) ] . وخرّجه النسائي بهذا السند، ولفظه: أن رسول اللَّه ﷺ كان لا يقدم من سفر إلا نهارا ضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم جلس [ (٣) ] .

وخرّجه ابن حيان من حديث الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن تميم، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، عن كعب بن مالك [رضى اللَّه عنه] قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين، ثم يقعد ما قدر له في مسائل الناس وسلامهم [ (١) ] . وخرّج البخاري من حديث شعبة، عن محارب بن دثار، عن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه [عنهما] ، أن رسول اللَّه ﷺ لما قدم المدينة، نحر جزورا أو بقرة، زاد معاذ عن شعبة، عن محارب، سمع جابر بن عبد اللَّه: اشترى منى النبي ﷺ بعيرا [بأوقيتين] ودرهم أو درهمين، فلما قدم صرارا، أمر ببقرة فذبحت، فأكلوا منها، فلما قدم المدينة أمرنى أن آتى المسجد فأصلى ركعتين، ووزن ثمن البعير. ذكره في كتاب الجهاد، وترجم عليه باب: الطعام عند القدوم [ (٢) ] .

وخرّج مسلم من حديث شعبة عن محارب [أنه] سمع جابر بن عبد اللَّه [رضى اللَّه عنهما] يقول: اشترى منى رسول اللَّه ﷺ بعيرا بأوقيتين ودرهم أو درهمين، قال: فلما قدم صرارا أمر ببقرة فذبحت، فأكلوا منها، فلما قدم المدينة، أمرنى أن آتى المسجد فأصلى ركعتين، ووزن ثمن البعير فأرجح لي [ (١) ] . وفي لفظ له: وقال أمر ببقرة فنحرت، ثم قسم لحمها [ (٢) ] .

وأما كونه ﷺ لا يطرق أهله ليلا فخرج البخاري من حديث همام عن إسحاق بن أبى عبد اللَّه بن أبى طلحة، عن أنس رضى اللَّه عنه قال: كان النبي ﷺ لا يطرق أهله ليلا، كان لا يدخل إلا غدوة أو عشية. وخرجه مسلم بهذا السند، ولفظه: كان لا يطرق أهله ليلا، وكان يأتيهم غدوة أو عشية [ (٣) ] .


[ () ] له ما يحذر، مثل الّذي يطيل الغيبة، كأن طول الغيبة مظنة الأمن من الهجوم، فيقع للذي يهجم بعد طول الغيبة غالبا ما يكره، إما أن يجد أهله على غير أهبة من التنظيف والتزين المطلوب من المرأة، فيكون ذلك سبب النفرة بينهما. قال: وإما أن يجدها على حالة غير مرضية، والشرع محرض على التستر، وقد أشار إلى ذلك بقوله: «أن يتخونهم ويتطلب عثراتهم» ، فعلى هذا من أعلم أهله بوصوله، وأنه يقدم في وقت كذا مثلا، لا يناوله النهى. قال الحافظ: وفي الحديث الحث على التواد والتحاب، خصوصا بين الزوجين، لأن الشارع راعى ذلك بين الزوجين، مع اطلاع كل منهما على ما جرت العادة بستره، حتى إن كل واحد منهما لا يخفى عنه من عيوب الآخر شيء في الغالب، ومع ذلك فقد نهى عن الطروق لئلا يطلع على ما تنفر نفسه عنه. قال: ويؤخذ منه أن الاستحداد ونحوه مما تتزين به المرأة ليس داخلا في النهى عن تغيير الخلقة، وفيه التحريض على ترك التعرض لما يوجب سوء الظن بالمسلم. (فتح الباري) . وفي رواية أخرى: «نهى أن يطرق أهله ليلا» وزاد في رواية: «لئلا يتخونهم أو يطلب عثراتهم» . وفي رواية: قال له رسول اللَّه ﷺ: «إذا جئت من سفر فلا تدخل على أهلك حتى تستحد المغيبة، وتمتشط الشعثة، وعليك بالكيس» هذه روايات البخاري ومسلم. وفي رواية أبى داود قال: «كنا مع رسول اللَّه ﷺ في سفر، فلما ذهبنا لندخل، قال: أمهلوا حتى لا ندخل ليلا، لكي تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة» . وفي رواية له: أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إن أحسن ما دخل الرجل على أهله إذا قدم من سفر: أول الليل» . وفي أخرى له، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يكره أن يأتى الرجل أهله طروقا» . وفي رواية الترمذي: «أن رسول اللَّه ﷺ نهاهم أن يطرقوا النساء ليلا» . وفي أخرى له أنه قال: «لا تلجوا على المغيبات، فإن الشيطان يجرى من أحدكم مجرى الدم، قلنا: ومنك؟ قال: ومنى، ولكن اللَّه أعاننى عليه فأسلم» . قال سفيان بن عيينة: معنى «أسلم» أي فأسلم أنا منه فإن الشيطان لا يسلم. قال: و «المغيبات» جمع مغيبة، وهي التي زوجها غائب.

ن اللَّه أعاننى عليه فأسلم» . قال سفيان بن عيينة: معنى «أسلم» أي فأسلم أنا منه فإن الشيطان لا يسلم. قال: و «المغيبات» جمع مغيبة، وهي التي زوجها غائب. يراجع في ذلك: البخاري في النكاح، باب لا يطرق أهله ليلا إذا أطال الغيبة، مخافة أن يخونهم أو يلتمس عثراتهم، وفي الحج باب لا يطرق أهله إذا بلغ المدينة. ومسلم في الإمارة، باب كراهة الطروق وهو الدخول ليلا. وأبو داود في الجهاد، باب في الطروق


[ () ] والترمذي في الرضاع والاستئذان، باب ما جاء في كراهية طروق الرجل أهله ليلا. وفي رواية ذكرها رزين قال: «كان رسول اللَّه ﷺ إذا قفل من غزاة أو سفر فوصل عشية، لم يدخل حتى يصبح، فإن وصل قبل أن يصبح، لم يدخل إلا وقت الغداة، ويقول، أمهلوا، كي تمتشط التفلة الشعثة، وتستحد المغيبة» . شرح الغريب: «يطرقوا» الطروق: أن يأتى الرجل المكان الّذي يريده ليلا. «يتخونهم» التخون: طلب الخيانة والتهمة. «تستحد» الاستحداد: حلق العانة، وهو استفعال من الحديد، كأنه استعمل الحديد، على طريق الكناية أو التورية. «المغيبة» : التي غاب عنها زوجها. «الشعثة» : البعيدة العهد بالغسل، وتسريح الشعر، والنظافة. «الكيس» : الجماع، والكيس: العقل، فيكون قد جعل طلب الولد من الجماع عقلا. «التفلة» ، امرأة تفلة: إذا كانت غير متطيبة، (جامع الأصول) : ٥/ ٢٨- ٣١.

ظافة. «الكيس» : الجماع، والكيس: العقل، فيكون قد جعل طلب الولد من الجماع عقلا. «التفلة» ، امرأة تفلة: إذا كانت غير متطيبة، (جامع الأصول) : ٥/ ٢٨- ٣١.

فصل في الأماكن التي حلها رسول اللَّه ﷺ وهي الرحلة النبويّة اعلم أن النبي ﷺ سافرت به أمه إلى المدينة وهو غلام، وسافر إلى الشام مرة مع عمه أبى طالب، وله من العمر نحو اثنتي عشرة سنة، ومرة في تجارة لخديجة بنت خويلد، فبلغ أرض بصرى، وأسرى به ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فاجتمع بالأنبياء ﵈، وصلّى بهم فيه، ثم رقا إلى السماء، [و] قد روى أنه نزل في ليلة الإسراء بطيبة، وطور سيناء [و] بيت لحم، وبقبر إبراهيم الخليل، وأنه ذهب إلى يأجوج ومأجوج، وإلى مدينة جابلقا بالمشرق، وإلى مدينة جابرسا بالمغرب، وخرج ﷺ إلى الطائف، وحضر مجنة، وعكاظ، [وذا المجاز] ، ثم هاجر إلى طيبة، واتخذها وطنا، وغزا منها سبعا وعشرين غزاة، وخرج إلى العمرة مرتين، صدّ عن البيت في الأولى، وطاف في الثانية بالبيت، وسعى [بين] الصفا والمروة، وقدم مكة مرتين بعد هجرته، سوى القدمة التي اعتمر فيها، ففتح مكة في إحدى قدمتيه، وسار منها إلى الطائف، وحج في الثانية ﷺ تسليما كثيرا.

وأمّا سفره ﷺ مع عمه فخرّج أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، من حديث قراد أبى نوح، واسمه عبد الرحمن بن غزوان قال: أخبرنا يونس بن أبى إسحاق، عن أبى بكر بن أبى موسى، عن أبيه قال: خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي ﷺ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا، فحلوا

رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت، قال: فهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول اللَّه ﷺ فقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه اللَّه رحمة للعالمين، فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ قال: إنكم حين أشرفتم من العقبة، لم يبق حجر، ولا شجر، إلا خرّ ساجدا، ولا يسجدان إلا لنبىّ، وإني لأعرفه بخاتم النبوة، أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، ثم رجع فصنع لهم طعاما، فلما أتاهم به، وكان هو في رعيه الإبل، قال: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا إلى القوم، وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه، قال: فبينما هو قائم عليهم، وهو يناشدهم [أن لا] يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إن رأوه، عرفوه بالصفة فيقتلونه، فالتفت فإذا بسبعة [من الروم قد أقبلوا] ، فاستقبلهم، فقال: ما جاء بكم؟. قالوا: جئنا [أن] هذا النبي، خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس، وإنا قد [أخبرنا خبره] وبعثنا إلى طريقك هذا، فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ فقالوا: إنما أخبرنا خبره لطريقك هذا، قال: أفرأيتم أمرا أراد اللَّه أن يقضيه، هل يستطيع أحد [من الناس] رده؟ قالوا: لا، قال: فبايعوه وأقاموا معه، قال: أنشدكم اللَّه، أيكم وليه؟ قالوا: أبو طالب، فلم يزل يناشده حتى ردّه أبو طالب، وبعث معه أبو بكر رضى اللَّه عنه بلالا، وزوده الراهب من الكعك والزيت. قال أبو عيسى: هذا حديث [حسن غريب] لا نعرفه إلا من هذا الوجه [ (١) ] .

أبو طالب، وبعث معه أبو بكر رضى اللَّه عنه بلالا، وزوده الراهب من الكعك والزيت. قال أبو عيسى: هذا حديث [حسن غريب] لا نعرفه إلا من هذا الوجه [ (١) ] .

[قال مؤلفه] عفى اللَّه عنه: في هذا الحديث وهم، وهو أن أبا بكر رضى اللَّه عنه لم يكن حاضرا، ولا كان في حال من يملك، ولا ملك بلالا إلا بعد ذلك بنحو ثلاثين عاما، فإنه ما اشتراه إلا بعد المبعث، وخروج النبي ﷺ مع عمه كان وله من العمر اثنى عشر سنة ونيف. وقال البيهقي [رحمة اللَّه عليه] : قال أبو العباس محمد بن يعقوب، سمعت العباس بن محمد يقول: ليس في الدنيا مخلوق يحدث به غير قراد [ (١) ] ، وسمع هذا أحمد ويحيى بن معين من قراد. قال البيهقي [ (٢) ] : وإنما أراد بإسناده هذا موصولا، فأما القصة، فهي عند أهل المغازي مشهورة [ (٣) ] .

وقال شيخنا العماد بن كثير: وهو إسناد صحيح، ولكن في متنه غرابة، وفيه ذكر الغمامة، ولم أر لها ذكرا في حديث ثابت أعلمه سواه [ (١) ] . [وفي هذا الحديث أمور ينبغي النظر فيها:] [ (٢) ] . [الأول: على أي شيء تابعوه أو بايعوه؟ وهل البيعة لرسول اللَّه ﷺ؟ أو

حديث ثابت أعلمه سواه [ (١) ] . [وفي هذا الحديث أمور ينبغي النظر فيها:] [ (٢) ] . [الأول: على أي شيء تابعوه أو بايعوه؟ وهل البيعة لرسول اللَّه ﷺ؟ أو

للراهب؟ فإن كانت للراهب فلا فائدة إذا، لأنه قد ناشدهم فتركوه عند المناشدة، وإن كانت لرسول اللَّه ﷺ وهو الظاهر، لأن سياق اللفظ إنما هو راجع إليه ﷺ، كان إذا ذاك في حيّز من لا يبايع، لأنه كان ابن تسع سنين] [ (١) ] . [الثاني: أبو بكر رضى اللَّه عنه لم يكن معهم في هذه السفرة، ولا كان في سنّ من يملك ولا ملك بلالا، إلا بعد هذا بنحو ثلاثين سنة، ولعل بعضهم وهم في هذا، ويشتبه أن يكون الحمل فيه على عبد الرحمن بن غزوان، الملقب بقراد، وإن كان البخاري قد خرّج حديثه، فإنه موصوف بالخطإ، والتفرد، وقلة العلم، وقد تفرد بهذا الحديث. قال العباس بن محمد الدوري، فيما ذكره ابن عساكر: ليس في الدنيا مخلوق يحدث بهذا غير قراد، أي نوح عن يونس بن أبى إسحاق، عن أبى بكر بن أبى موسى، عن أبيه] [ (١) ] . [وقال أبو الخطاب عمر بن دحية: يمكن أن يكون أبو بكر استأجر بلالا حينئذ، أو يكون أمية بن خلف بعثه معه، وذلك فيه أمران:] [ (١) ] . [أحدهما: أن أبا بكر رضى اللَّه عنه لم يكن معهم في هذه السفرة، ولا كان في سن من يملك، فإنه كان أصغر من رسول اللَّه ﷺ بنحو ثلاث سنين، وإذا كان رسول اللَّه ﷺ في هذه السفرة ابن تسع سنين، فيكون حينئذ أبو بكر له من العمر نحو ست سنين] [ (١) ] . [الثاني: أنّ بلالا رضى اللَّه عنه، توفى سنة عشرين، وقيل إحدى وعشرين، وسنه تسع وستون سنة، فيكون سنه في هذه السفرة نحو سنتين] [ (١) ] . [وشيء آخر: وهو أن أبا بكر رضى اللَّه عنه صحب رسول اللَّه ﷺ وهو

ن، وقيل إحدى وعشرين، وسنه تسع وستون سنة، فيكون سنه في هذه السفرة نحو سنتين] [ (١) ] . [وشيء آخر: وهو أن أبا بكر رضى اللَّه عنه صحب رسول اللَّه ﷺ وهو

ابن ثمان عشرة، والنبي ﷺ ابن عشرين سنة، فكيف يكون معه في هذه السفرة وهو لم يصحبه إلا بعدها بنحو إحدى عشرة سنة؟] [ (١) ] . وقال يونس بن بكير [﵀] : قال محمد بن إسحاق: وكان أبو طالب هو الّذي يلي أمر رسول اللَّه ﷺ بعد جده وكان معه، ثم إن أبا طالب خرج في ركب إلى الشام تاجرا، فلما تهيأ للرحيل، وأجمع السير، صب له [ (٢) ] رسول اللَّه ﷺ، فأخذ بزمام ناقته، وقال: يا عم! إلى من تكلني؟ لا أب لي ولا أم لي، فرق له أبو طالب وقال: واللَّه لأخرجن به معى ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا.. أو كما قال. فخرج به معه، فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام [ (٣) ] ، وبها راهب يقال له: بحيرا، في صومعة له، وكان أعلم أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة راهب بصير، وكان علمهم عن كتاب فيه فيما يزعمون، يتوارثونه كابرا عن كابر. فلما نزلوا ببحيرا ذلك العام، وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يعرض لهم، حتى إذا كان ذلك العام، نزلوا به قريبا من صومعته، فصنع لهم طعاما كثيرا، وذلك فيما يزعمون عن شيء رآه في صومعته في الركب حين أقبلوا، وغمامة بيضاء تظله من بين القوم، ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبا منه، فنظر إلى الغمامة، حتى أظلت

الشجرة، وشمرت أغصان الشجرة على رسول اللَّه ﷺ، حتى استظل تحتها. فلما رأى ذلك بحيرا، نزل من صومعته، وقد أمر بذلك الطعام فصنع، ثم أرسل إليهم فقال: إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، وأنا أحب أن تحضروا كلكم، صغيركم وكبيركم، وحركم وعبدكم، فقال له رجل منهم: يا بحيرا! إن لك اليوم لشأنا، ما كنت تصنع هذا فيما مضى، وقد كنا نمر بك كثيرا، فما شأنك اليوم؟ فقال له بحيرا: صدقت، قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف، وقد أحببت أن أكرمكم، وأصنع لكم طعاما تأكلون منه كلكم. فاجتمعوا إليه، وتخلف رسول اللَّه ﷺ من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة، فلما نظر بحيرا في القوم، لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده، قال: يا معشر قريش، لا يتخلف أحد منكم عن طعامي هذا، قالوا له: يا بحيرا. ما تخلف عنك أحد ينبغي أن يأتيك إلا غلام، وهو أحد القوم سنا، تخلف في رحالهم، قال: فلا تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم. فقال رجل من قريش مع القوم: [واللات والعزى] [ (١) ] إن هذا للؤم بنا أن يتخلف ابن عبد اللَّه بن عبد المطلب عن الطعام من بيننا [قال:] ثم قام إليه فاحتضنه، ثم أقبل حتى أجلسه مع القوم، فلما رآه بحيرا، جعل يلحظه لحظا شديدا، وينظر إلى أشياء من جسده، قد كان يجدها عنده في صفته، حتى إذا فرغ القوم من الطعام وتفرقوا، قام بحيرا [فقال] [ (١) ] له: يا غلام! أسألك باللات والعزى ألا أخبرتنى عما أسألك عنه، وإنما قال بحيرا ذلك، لأنه سمع قومه يحلفون بهما، فزعموا أن رسول اللَّه ﷺ قال: لا تسألنى

] له: يا غلام! أسألك باللات والعزى ألا أخبرتنى عما أسألك عنه، وإنما قال بحيرا ذلك، لأنه سمع قومه يحلفون بهما، فزعموا أن رسول اللَّه ﷺ قال: لا تسألنى

باللات والعزى شيئا، فو اللَّه ما أبغض بعضهما شيئا قط. فقال له بحيرا: فباللَّه إلا أخبرتنى عما أسألك عنه، [فقال] [ (١) ] : سلني عما بدا لك، فجعل يسأله عن أشياء، من حاله في نومه، وهيئته، وأموره، فجعل رسول اللَّه ﷺ يخبره، فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه، على موضعه من صفته التي عنده. [قال] [ (١) ] : فلما فرغ منه أقبل على عمه أبى طالب فقال له: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني، فقال له بحيرا: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال: فإنه ابن أخى، قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به، قال: صدقت، قال: ارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه اليهود فو اللَّه لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن، فأسرع به إلى بلاده. فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة، حين فرغ من تجارته بالشام، فزعموا فيما يتحدث الناس، أن زريرا [ (٢) ] ، وتماما [ (٣) ] ، ودريسا- وهم نفر من أهل الكتاب- قد كانوا رأوا من رسول اللَّه ﷺ في ذلك السفر الّذي كان فيه مع عمه أبى طالب أشياء، فأرادوه، فردهم عنه بحيرا، وذكرهم اللَّه، وما يجدون في الكتاب من ذكر وصفته، وأنهم إن أجمعوا بما أرادوا، لم يخلصوا إليه، حتى عرفوا ما قاله لهم وصدقوه بما قال فتركوه وانصرفوا [عنه] [ (٤) ] ، فقال أبو طالب في ذلك شعرا، يذكر مسيره برسول اللَّه ﷺ،

ا أرادوا، لم يخلصوا إليه، حتى عرفوا ما قاله لهم وصدقوه بما قال فتركوه وانصرفوا [عنه] [ (٤) ] ، فقال أبو طالب في ذلك شعرا، يذكر مسيره برسول اللَّه ﷺ،

وما أراد منه أولئك النفر، وما قال لهم فيه بحيرا [ (١) ] . وقال الواقدي [رحمه اللَّه تعالى] : حدثنا محمد بن أبى حبيبة، عن داود ابن الحصين، قالوا لما خرج أبو طالب إلى الشام، خرج معه رسول اللَّه ﷺ في المرة الأولى، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فلما نزل الركب بصرى، وبها راهب يقال له: بحيرا في صومعة له، وكان علماء النصارى يكونون في تلك الصومعة، يتوارثونها عن كتاب يدرسونه، فلما نزلوا ببحيرا، وكانوا كثيرا ما يمرون به لا يكلمهم، حتى إذا كان ذلك العام، نزلوا [منزلا] قريبا من صومعته [قد كانوا ينزلونه قبل ذلك كلما مروا به] ، فصنع لهم طعاما،

ثم دعاهم، وإنما حمله على دعائمهم، أنه رآهم حين طلعوا وغمامة تظل رسول اللَّه ﷺ من بين القوم، حتى نزلوا تحت الشجرة، ثم نظر إلى تلك الغمامة أظلت تلك الشجرة، فأخضلت أغصان الشجرة على رسول اللَّه ﷺ حين استظل تحتها. فلما رأى بحيرا، نزل من صومعته، وأمر بذلك الطعام، فأتى به وقال: إني صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، وأنا أحب أن تحضروه كلكم، ولا تخلفوا منكم صغيرا ولا كبيرا، حرا ولا عبدا، فإن هذا شيء تكرموني به، فقال رجل: إن لك لشأنا يا بحيرا، ما كنت تصنع بنا هذا، فما شأنك اليوم؟ قال: إني أحببت أن أكرمكم، ولكم حق، فاجتمعوا إليه.

عبدا، فإن هذا شيء تكرموني به، فقال رجل: إن لك لشأنا يا بحيرا، ما كنت تصنع بنا هذا، فما شأنك اليوم؟ قال: إني أحببت أن أكرمكم، ولكم حق، فاجتمعوا إليه. وتخلف رسول اللَّه ﷺ من بين القوم لحداثة سنه، ليس في القوم أصغر منه في رحالهم تحت الشجرة، فلما نظر بحيرا إلى القوم، ولم ير الصفة التي يعرف ويجدها عنده، جعل ينظر فلا يرى الغمامة على أحد من القوم، ويراها متخلفة على رأس رسول اللَّه ﷺ، قال: يا معشر قريش! لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي، قالوا: ما تخلف أحد إلا غلام هو أحدث القوم سنا في رحالهم، فقال: ادعوه ليحضر طعامي، فما أقبح أن تحضروا ويتخلف رجل واحد، مع أنى أراه من أنفسكم، فقال القوم: هو واللَّه أوسطنا نسبا، وهو ابن أخى هذا الرجل- يعنون أبا طالب- وهو من ولد عبد المطلب، فقال الحارث بن المطلب: واللَّه إن كان بنا للؤم أن يتخلف ابن عبد المطلب من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه، وأقبل به حتى أجلسه على الطعام، والغمامة تسير على رأسه. وجعل بحيرا يلحظه لحظا شديدا، وينظر إلى أشياء في جسده، قد كان [يجدها] عنده في صفته، فلما تفرقوا عن طعامهم، قام إليه الراهب فقال:

يا غلام! أسألك باللات والعزى إلا ما أخبرتنى عما أسألك، فقال رسول اللَّه ﷺ: لا تسألنى باللات والعزى، فو اللَّه ما أبغضت شيئا بعضهما، قال: فباللَّه إلا أخبرتنى عما أسألك، قال: سلني عما بدا لك، فجعل يسأله عن أشياء من حاله، حتى نومه، ورسول اللَّه ﷺ يخبره، فيوافق ذلك ما عنده، ثم جعل ينظر في عينيه، ثم كشف عن ظهره، فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على الصفة التي عنده، فقبل موضع الخاتم. وقالت قريش: إن لمحمد عند هذا الراهب لقدرا، وجعل أبو طالب لما يرى من الراهب، يخاف على ابن أخيه، فقال الراهب لأبى طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال أبو طالب: ابني، قال: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال: فابن أخى، قال: فما فعل أبوه؟ قال: هلك وأمه حبلى به، قال: فما فعلت أمه؟ قال: توفيت قريبا، قال: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه اليهود، فو اللَّه إن رأوه، وعرفوا منه ما أعرف ليبغنه سوءا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم نجده في كتابنا، وما درينا عن آبائنا، وأعلم أنى قد أديت إليك النصيحة. فلما فرغوا من تجارتهم، خرج به سريعا، وكان رجال من اليهود قد رأوا رسول اللَّه ﷺ وعرفوا صفته، فأرادوا أن يغتالوه، فذهبوا إلى بحيرا، فذاكروه أمره، فنهاهم أشد النهى وقال لهم: أتجدون صفته؟ قالوا: نعم، قال: فما لكم إليه سبيل، فصدقوه وتركوه، ورجع به أبو طالب، فما خرج به سفرا بعد ذلك خوفا عليه قال البلاذري [رحمة اللَّه عليه] فلما بلغ رسول اللَّه ﷺ اثنتي عشرة سنة، عرض لأبى طالب شخوص إلى الشام في تجارة، وكان رسول اللَّه ﷺ يألفه، فسأله إخراجه معه، فأبى ذلك ضنا عليه،

وصيانة له، فاغتم وبكى، فأخرجه، فرآه راهب من علماء الرهبان يقال له: بحيرا، وكانت قد أظلته غمامة، قال: ابن أخى، قال أما ترى هذه الغمامة كيف تظله وتنتقل معه، واللَّه إنه لنبي كريم، وإني لأحسبه الّذي بشر به عيسى ﵇، فإن زمانه قد قرب، وينبغي لك أن تحتفظ به، فرده أبو طالب إلى مكة. وذكر بعض الرواة أن أبا طالب أشخص رسول اللَّه ﷺ إلى الشام وهو ابن تسع، والأول أثبت.

، فإن زمانه قد قرب، وينبغي لك أن تحتفظ به، فرده أبو طالب إلى مكة. وذكر بعض الرواة أن أبا طالب أشخص رسول اللَّه ﷺ إلى الشام وهو ابن تسع، والأول أثبت.

وأمّا سفره ﷺ في تجارة خديجة رضى اللَّه تعالى عنها فخرج البيهقي من حديث محمد بن فضيل قال: حدثنا الربيع بن بدر، عن أبى الزبير عن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه [عنهما] قال: قال رسول اللَّه ﷺ آجرت نفسي من خديجة سفرتين بقلوص [ (١) ] . وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: وكانت خديجة بنت خويلد [رضى اللَّه عنها] امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعل لهم منه، وكانت قريش قوما تجارا، فلما بلغها عن رسول اللَّه ﷺ ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته، وكرم أخلاقه، بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مالها تاجرا إلى الشام، وتعطيه أفضل ما كانت تعطى غيره من التجار، مع غلام لها يقال له: ميسرة، فقبله منها رسول اللَّه ﷺ، وخرج في مالها، ذلك ومعه غلامها ميسرة، حتى قدم الشام. فنزل رسول اللَّه ﷺ في ظل شجرة، قريب من صومعة راهب من الرهبان، فأطلع الراهب إلى ميسرة فقال: من هذا الرجل الّذي نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال له ميسرة: هذا رجل من قريش من أهل الحرم، فقال له

ب من صومعة راهب من الرهبان، فأطلع الراهب إلى ميسرة فقال: من هذا الرجل الّذي نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال له ميسرة: هذا رجل من قريش من أهل الحرم، فقال له

الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي [ (١) ] ، ثم باع رسول اللَّه ﷺ سلعته التي خرج بها، واشترى ما أراد أن يشترى، ثم أقبل قافلا إلى مكة، ومعه ميسرة، وكان ميسرة- فيما يزعمون- إذا كانت الهاجرة واشتد الحر، يرى ملكين يظلانه من الشمس، وهو يسير على بعيره، فلما قدم مكة على خديجة بمالها، باعت ما جاء به فأضعفت أو قريبا، وحدثها ميسرة عن قول الراهب، وعما كان يرى من إظلال الملكين إياه. وكانت خديجة امرأة حازمة، شريفة لبيبة، مع ما أراد اللَّه [تعالى] بها من كرامته، فلما أخبرها ميسرة عما أخبرها به، بعثت إلى رسول اللَّه ﷺ فقالت: فيما يزعمون يا ابن عم؟ إني قدر رغبت فيك لقرابتك منى، وشرفك في قومك، ووسيطتك فيهم، وأمانتك عندهم، وحسن خلقك، وصدق حديثك، ثم عرضت عليه نفسها، وكانت خديجة يومئذ أوسط قريش نسبا، وأعظمهم شرفا، وأكثرهم مالا، وكل قومها قد كان حريصا على ذلك منها، لو يقدر على ذلك [ (٢) ] .

ثك، ثم عرضت عليه نفسها، وكانت خديجة يومئذ أوسط قريش نسبا، وأعظمهم شرفا، وأكثرهم مالا، وكل قومها قد كان حريصا على ذلك منها، لو يقدر على ذلك [ (٢) ] .

وقال محمد بن سعد: حدثنا محمد بن عمر الواقدي قال: حدثني موسى بن شيبة، عن عميرة بنت عبيد اللَّه بن كعب بن مالك، عن أم سعد بنت سعد بن الربيع، عن نفيسة بنت منية- أخت يعلى بن منية- قالت: لما بلغ رسول اللَّه ﷺ خمسا وعشرين سنة، قال له أبو طالب: أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد الزمان علينا، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك في عيراتها، فلو جئتها فعرضت نفسك عليها لأسرعت [إليك] ، وبلغ خديجة ما كان من [محاورة] عمه له، فأرسلت إليه في ذلك، وقالت له: أنا أعطيك ضعف ما أعطى رجلا من قومك، فقال أبو طالب: هذا رزق قد ساقه اللَّه إليك، فخرج مع غلامها ميسرة، وجعل عمومته يوصون به أهل العير، حتى قدما بصرى من [أرض] الشام [ (١) ] . فنزلا في ظل شجرة، فقال نسطور الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة [قط] [ (٢) ] إلا نبيّ، ثم قال لميسرة: أفي عينيه حمرة؟ قال: نعم، قال: لا تفارقه؟ قال نعم، قال: هو نبي، وهو آخر الأنبياء، ثم باع سلعته، فوقع بينه وبين رجل تلاح [ (٣) ] ، فقال له: احلف باللات والعزى، فقال له رسول اللَّه ﷺ: ما حلفت بهما قط، وإني لأمر [عليهما] فأعرض عنهما، فقال الرجل: القول قولك، ثم قال لميسرة: هذا واللَّه نبي تجده أحبارنا منعوتا في

كتبهم، وكان ميسرة إذا كانت الهاجرة، واشتد الحر، يرى ملكين يظلان رسول اللَّه ﷺ من الشمس، فوعى ذلك كله ميسر [ (١) ] . وباعوا تجارتهم، وربحوا ضعف ما كانوا يربحون [حتى] [ (٢) ] دخل مكة في ساعة الظهيرة، وخديجة [رضى اللَّه عنها] في علية لها، فرأت رسول اللَّه ﷺ وهو على بعيره، وملكان يظلان عليه، فأرته نساءها، فتعجبن لذلك، ودخل عليها رسول اللَّه ﷺ بما ربحوا في وجههم فسرّت بذلك، فلما دخل عليها فميسرة أخبرته بما رأت، فقال: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام، وأخبرها بما قال الراهب نسطور، وبما قال الآخر الّذي خالفه [في البيع] [ (٢) ] .

وأمّا الإسراء برسول اللَّه ﷺ ثم إلى السماوات العلى ورؤيته آيات ربه الكبرى فإنه ثابت بكتاب اللَّه العزيز، الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبسنة رسول اللَّه ﷺ الثابتة، المستفيضة عنه بالنقل، من حديث عبد اللَّه بن مسعود، وأبى ذر، وحذيفة، وعبد اللَّه بن عباس، وأبى هريرة، وأبى سعيد الخدريّ، ومالك بن صعصعة، وأبى بن كعب وأنس بن مالك، وشداد بن أوس، وأبى ليلى الأنصاري، وعبد الرحمن بن قرظ، وأم هاني بنت أبى طالب، رضى اللَّه عنهم، حتى صار في الثبوت مصير التواتر. قال اللَّه جلّ وعزّ سبحانه: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ (١) ] . اعلم ان التسبيح هو التنزيه، والتنزيه والتبعيد مأخوذ من قولهم: سبح الرجل في الأرض إذا ذهب فيها، ومنه قيل للفرس إذا كان جيد الركض: سابح، ومنه السبح في الماء، فقولك: سبحت اللَّه، أي نزّهته وبرأته مما لا يليق بجلاله، وأصل المعنى والاشتقاق، باعدته مما لا يليق به، أي جعلته بمعزل منها، متباعدا تباعد المنزلة والرتبة [ (٢) ] .

َّه، أي نزّهته وبرأته مما لا يليق بجلاله، وأصل المعنى والاشتقاق، باعدته مما لا يليق به، أي جعلته بمعزل منها، متباعدا تباعد المنزلة والرتبة [ (٢) ] .


[ () ] الجرى سبحا. وقال الأزهري في قوله ﷿: وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً، قيل: السابحات السفن، والسابقات الخيل. والتسبيح: التنزيه، وسبحان اللَّه: معناه: تنزيلها للَّه من الصاحبة والولد. وقيل: تنزيه للَّه تعالى عن كل ما لا ينبغي له أن يوصف. تقول: سبّحت اللَّه تسبيحا له أي نزّهته تنزيها، وكذلك روى عن النبي ﷺ. قال الزجّاج في قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا قال: منصوب على المصدر، المعنى: أسبح اللَّه تسبيحا، قال: وسبحان في اللغة تنزيه اللَّه ﷿ عن السوء. وسبّح الرجل: قال سبحان اللَّه، وفي التنزيل: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ. وقال قوم: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ أي ما من دابة إلا وفيه دليل على أن اللَّه ﷿ خالقه، وأن خالقه مبرأ من الأسواء، ولكنكم أيها الكفار لا تفقهون أثر الصنعة في هذه المخلوقات. قال الأزهري: ومما يدلك. على أن تسبيح هذه المخلوقات تسبيح تعبدت به، قول اللَّه ﷿ للجبال: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ، ومعنى أوبي: سبحي مع داود النهار كله إلى الليل ولا يجوز أن يكون معنى أمر اللَّه ﷿ للجبال بالتأويب إلا تعبدا لها. وكذلك قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فسجود هذه المخلوقات عبادة منها لخالقها، لا نفقهها عنها، كما لا نفقه تسبيحها. وكذلك قوله تعالى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وقد علم اللَّه تعالى هبوطها من خشيته، ولم يعرفنا ذلك، فنحن نؤمن بما أعلمنا، ولا ندعى بما لا نكلّف بأفهامنا من علم فعلها كيفية نحدها.

خَشْيَةِ اللَّهِ وقد علم اللَّه تعالى هبوطها من خشيته، ولم يعرفنا ذلك، فنحن نؤمن بما أعلمنا، ولا ندعى بما لا نكلّف بأفهامنا من علم فعلها كيفية نحدها. ومن صفات اللَّه ﷿: السّبوح القدوس، قال أبو إسحاق: السبوح: الّذي ينزه عن كل سوء، والقدوس: المبارك، وقيل: الطاهر. وقال ابن سيده: سبوح قدوس، من صفة اللَّه ﷿، لأنه تعالى يسبّح ويقدس، ويقال: سبّوح قدس، قال الحيانى: المجتمع عليه فيها الضم. وسبحات وجه اللَّه، بضم السين والباء: أنواره، وجلاله، وعظمته، وقال جبريل ﵇: إن للَّه دون العرش سبعين حجابا، لو دنونا من أحدها لأحرقتنا سبحات وجه ربنا، رواه صاحب (العين) . قال ابن شميل: سبحات وجهه، نور وجهه. وفي حديث آخر: حجابه النور والنار، لو كشفه

والإسراء: سير الليل، يقال: سرى سرى ومسرا، وأسرى إسراء، وقيل: أسرى، سار في أول الليل، وسرى، سار في آخره [ (١) ] .

والمراد بعبده: محمد ﷺ، وليلا: [أي] في جوف الليل، وقيل: في بعض الليل، لا في كله، وقيل: أي ذهب بعبده في سراة الأرض، أي متسعها [ (١) ] . والمسجد الحرام، قيل: المراد به نفس الكعبة، وقيل: نفس المسجد الّذي فيه الكعبة، وفيه يقع الطواف والصلاة إليها، وقيل: نفس مكة، وقيل: جميع الحرم، وقد أطلق لفظ المسجد الحرام بهذه الاعتبارات الأربعة، على الموضع الّذي [اسرى منه بالنبيّ ﵊] [ (٢) ] .

فقد ثبت من حديث أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، عن النبي [﵊] ، قال: بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان.. وذكر حديث الإسراء. وفي رواية: بينا أنا في الحطيم- وربما قال في الحجر- مضطجعا، إذا أتانى آت.. الحديث [ (١) ] ، فإن كان في الحجر، فقد وقع

الإسراء من نفس الكعبة، لأن معظم الحجر من البيت [ (١) ] . وإن كان من الحطيم، فقد وقع الإسراء من نفس المسجد، فإن الحطيم ما بين الركن والمقام، وما بين زمزم والحجر، على أن رواية «عند» محتملة للأمرين، فإن كان بالحجر، فإنه عند البيت، لأن الحجر لما أخرج من البيت، صار كأنه ليس منه، ولو لم يثبت أنه كان في الحجر، لصح لمن كان عند البيت أن يقال عنه أنه أسرى به من البيت، أي من عند البيت [ (٢) ] .

لما أخرج من البيت، صار كأنه ليس منه، ولو لم يثبت أنه كان في الحجر، لصح لمن كان عند البيت أن يقال عنه أنه أسرى به من البيت، أي من عند البيت [ (٢) ] .

وثبت أيضا من حديث أنس، عن أبى ذر [رضى اللَّه عنهما] ، عن النبي ﷺ قال: فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل. .. الحديث، وهذا صريح في أنه كان بمكة خارج المسجد لأن بيته بمكة لم يكن بالمسجد [ (١) ] . وروى الواقدي [﵀] ، أنه أسرى برسول اللَّه ﷺ من شعب أبى طالب [ (٢) ] إلى بيت المقدس، ليلة سبع عشرة من ربيع الأول، قبل الهجرة بسنة. قال الواقدي: وذلك غير ثبت، كذا رواية أنه أسرى به من بيت أم هانئ، فإنّها تدل على أن الإسراء كان من خارج المسجد. [وقد روى إسرائيل، عن ثور، عن مجاهد، وروى عبد اللَّه بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قالا: الحرم كله مسجد. وعن عطاء: الحرم مسجد كله. وعن عطاء، عن ابن عباس: الحرم كله المسجد الحرام. ذكره عمر بن [أبى] شيبة في كتاب (أخبار مكة) ] [ (٣) ] . والمسجد الأقصى، هو مسجد بيت المقدس، سمى بذلك لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام، وقيل: وصف بالأقصى من العرب، أو من أهل مكة، أو من النبي ﷺ، والأقصى: أفعل من القصي، والقاضي، وهو

البعيد [ (١) ] . وقد كثرت الأحاديث الواردة في صفة الإسراء، وتباينت كيفيته، وجاء في بعضها: أن الإسراء كان بجسده [ﷺ، وفي بعضها: أن الإسراء كان

ي، وهو

البعيد [ (١) ] . وقد كثرت الأحاديث الواردة في صفة الإسراء، وتباينت كيفيته، وجاء في بعضها: أن الإسراء كان بجسده [ﷺ، وفي بعضها: أن الإسراء كان

بروحه، فكان ذلك مناما، وفي بعضها: أن الإسراء كان بجسده] [ (١) ] في اليقظة إلى بيت المقدس فقط، فكانت رؤية عين، ثم عرج بروحه إلى السموات، فكانت رؤيا قلب. وذهب إلى كل من هذه الأحاديث جماعة، ثم من الناس من يقول: كان ذلك كله في ليلة واحدة، ومنهم من يقول: كان الإسراء في ليلة، والمعراج في أخرى، وأن المعراج غير الإسراء [ (٢) ] . واختلفوا في تاريخ الإسراء، فقال أبو بكر محمد بن على بن [القاسم] الدّهنى في تاريخه: ثم أسرى بالنبيّ ﷺ من مكة إلى بيت المقدس، وعرج به إلى السماء، بعد مبعثه بثمانية عشر شهرا [ (٣) ] . قال ابن عبد البر [﵀] : لا أعلم أحدا من أهل السّير، قال ما حكاه الذهبي، ولم يسند قوله إلى أحد ممن يضاف إليه هذا العلم، ولا رفعه إلى من يحتج به. وقال أبو إسحاق [الحربي، ﵀] : فلما كانت ليلة سبع وعشرين من ربيع الأول، قبل الهجرة بسنة، أسرى برسول اللَّه ﷺ، وفرض عليه خمسون صلاة، ثم نقصت إلى خمس صلوات، فأتاه جبريل [﵇] ، فأمّه عند البيت، فصلى الظهر أربعا، والعصر أربعا، والمغرب، ثلاثا، والعشاء أربعا، والفجر ركعتين، كل ذلك نحو بيت المقدس، فلما كان الموسم من هذه السنة، لقيه الأنصار [رضى اللَّه عنهم] فبايعوه ثم انصرفوا.

المغرب، ثلاثا، والعشاء أربعا، والفجر ركعتين، كل ذلك نحو بيت المقدس، فلما كان الموسم من هذه السنة، لقيه الأنصار [رضى اللَّه عنهم] فبايعوه ثم انصرفوا.

قال ابن عبد البر: هكذا قال في الإسراء، قبل الهجرة بسنة، وهو قول موسى بن عقبة واختلف في ذلك عن ابن شهاب، فذكر [رحمه اللَّه تعالى] من طريق محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: ثم أسرى به إلى بيت المقدس قبل خروجه إلى المدينة بسنة، وفرض اللَّه [تعالى] عليه الصلاة. قال ابن شهاب: وزعم ناس أنه كان يسجد نحو بيت المقدس، ويجعل وراء ظهره الكعبة وهو بمكة. ويزعم ناس أنه لم يزل يستقبل الكعبة حتى خرج منها، فلما قدم المدينة، استقبل بيت المقدس، وقد اختلف في ذلك. قال ابن عبد البر: هكذا قال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، أن الإسراء كان قبل الهجرة بسنة، وذلك بعد مبعثه بسبع سنين، أو باثني عشر سنة، على حسب اختلافهم في مقامه بمكة [بعد] مبعثه ﷺ. وروى يونس عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضى اللَّه عنها، قالت: توفيت خديجة قبل أن تفرض الصلاة، قال ابن شهاب: وذلك بعد مبعث النبي ﷺ بسبعة أعوام، وخالفه الوقاصى عن ابن شهاب فقال: أسرى به بعد مبعثه بخمس سنين، وقال يونس بن بكير: حدثنا عثمان بن عبد الرحمن- هو الوقاصى- عن الزهري، قال: فرضت الصلاة بمكة، بعد ما أوحى إلى النبي ﷺ بخمس سنين، وفرض الصيام بالمدينة قبل بدر، وفرضت الزكاة والحج بالمدينة، وحرّمت الخمر بعد أحد. وقال ابن إسحاق: أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى- وهو بيت المقدس- وقد فشا [ (١) ] الإسلام بمكة، وفي القبائل كلها. قال يونس بن بكير وغيره، عن ابن إسحاق: ثم إن جبريل أتى النبي ﷺ

حين افترضت عليه الصلاة- يعنى في الإسراء- فهمز له بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت عين ماء مزن، فتوضأ جبريل ﵇، ومحمد ﷺ ينظر، فوضأ وجهه واستنشق، ومضمض، ومسح برأسه وأذنيه، ورجليه إلى الكعبين، ونضح فرجه، ثم قام [فصلى] ركعتين وأربع سجدات، فرجع رسول اللَّه ﷺ، وقد أقرّ اللَّه تعالى عينه، وطابت نفسه، وجاءه ما يحب من أمر اللَّه، فأخذ بيد خديجة رضى اللَّه تعالى عنها، ثم أتى بها العين، فتوضأ كما توضأ جبريل [﵊] ، ثم ركع ركعتين وأربع سجدات، هو وخديجة [رضى اللَّه عنها] ، ثم كان هو وخديجة يصليان سواء. قال ابن عبد البر [رحمة اللَّه عليه] : هذا يدلك على أن الإسراء كان قبل الهجرة بأعوام، لأن خديجة [رضى اللَّه عنها] ، توفيت قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل: بثلاثة [أعوام] ، وقيل: بأربع [سنين] [ (١) ] . وقول ابن إسحاق مخالف لقول ابن شهاب في الإسراء، على أن ابن شهاب قد اختلف عنه في ذلك، على ما ذكرنا من رواية ابن عقبه، ورواية يونس بن بكير، ورواية الوقاصى، وهي روايات [مختلفات] على ما ترى. وروى أحمد بن زهير [عفا اللَّه عنه] : حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة [رضى اللَّه عنها] قالت: فتزوجني رسول اللَّه ﷺ بعد متوفّى خديجة [رضى اللَّه عنها] ، وقبل هجرته إلى المدينة بسنتين أو ثلاث. وقال يونس عن أسباط بن نصر، عن إسماعيل السّدى، قال: فرض على رسول اللَّه ﷺ [الصلوات] الخمس في بيت المقدس، ليلة أسرى به، قبل

لى المدينة بسنتين أو ثلاث. وقال يونس عن أسباط بن نصر، عن إسماعيل السّدى، قال: فرض على رسول اللَّه ﷺ [الصلوات] الخمس في بيت المقدس، ليلة أسرى به، قبل

مهاجره بستة عشر شهرا. وقال الواقدي: عن معمر بن راشد، عن عمرو بن عبد اللَّه، عن عكرمة، قال: أسرى بالنبيّ ﷺ من المسجد، وهو نائم في الحجر، بعد هدوء من الليل. وقال سفيان: عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما، في قول اللَّه ﷿: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [ (١) ] ، قال: رؤيا عين. وقال ابن أبى الزناد: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضى اللَّه عنها قال: أسرى بروح رسول اللَّه ﷺ، وهو نائم على فراشه. وقال عبد الرزاق: عن معمر، عن قتادة عن الحسن قال: أسرى بروح رسول اللَّه ﷺ وهو نائم على فراشه. قال الحافظ أبو نعيم [الأصفهاني] : وحقيقة الإسراء، أوضح وأبين من أن يستقصى فيه بآحاد الأخبار، ولورود نص القرآن الكريم، يذكر المسرى، وظاهر القرآن يدل [على] أنه أسرى ببدنه يقظانا، إذ لو كان ذلك مناما على ما ذكرته الزائفة، لما اعترض فيه المشركون، وطعنوا عليه، ونسبوه فيه إلى الاستحالة، فإنه غير مستنكر في الرؤيا- رؤيا المنام- قطع تلك المسافة بين المسجدين، الحرام والأقصى، في حكم ساعة من الليل.

وقال القاضي عياض: الحق والّذي عليه أكثر الناس، ومعظم السلف، وعامة المتأخرين من الفقهاء، والمحدثين، والمتكلمين: أنه أسرى بجسده ﷺ والآثار تدل عليه لمن طالعها، وبحث عنها، ولا يعدل عن ظاهرها إلا بدليل، ولا استحالة في حملها عليه، فيحتاج إلى تأويل [ (١) ] .

تكلمين: أنه أسرى بجسده ﷺ والآثار تدل عليه لمن طالعها، وبحث عنها، ولا يعدل عن ظاهرها إلا بدليل، ولا استحالة في حملها عليه، فيحتاج إلى تأويل [ (١) ] .

وقد تعقب العلامة شمس الدين أبو شامة، عبد الرحمن بن إسماعيل ابن إبراهيم، قول القاضي عياض، ﵀، فقال: أما أن هذا مذهب الأكثر فصحيح، وبه نقول، وأما أنه لم يكن إلا ذلك، فهذا موضع نظر، وأما أن الآثار تدل عليه، فإن أراد كل الآثار فممنوع، فإن فيها ما صرّح بأنه كان نائما، ثم ذكر حديث شريك، وفيه: أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام ... فذكره، وفي آخره: فاهبط [بسم] اللَّه، فاستيقظ وهو في المسجد الحرام. وهذا نصّ لا يحتمل التأويل [في أنه كان نائما، وإن أراد بعض الآثار أو معظمها] ، فهو صحيح، فقد ظهر وجه قول من زعم أن الإسراء كان مناما. واستدل أبو شامة [أيضا] بقوله تعالى: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ، وزعموا أن المراد بها ليلة الإسراء، [وقالوا: الرؤيا] ما كان في النوم، والّذي في اليقظة: رؤية، بالهاء، وفتنة الناس بها: أن منهم من ارتاب وتغيّر. واستدل من ذهب إلى أنه أسرى بجسده يقظة إلى السموات، بحديث حماد عن ثابت، عن أنس رضى اللَّه عنه، ظاهره أن الإسراء إلى بيت

المقدس، والمعراج كان في ليلة واحدة من غير نوم، ويؤيد ذلك: أنه ﷺ لما أخبر به، كذبه المشركون، وارتد جماعة ممّن أسلم! ولو كان مناما لم يستنكر لمن هو بمكة، أن يرى نفسه ببيت المقدس، وقد يرى الإنسان أعظم من ذلك، فيحدّث به، فلا ينكر عليه. وقد اختلف الصحابة [رضى اللَّه عنهم] في رؤيته ﵊ ربّه [ (١) ] ، [سبحانه و] تعالى، في ليلة الإسراء، حتى قالت عائشة رضى اللَّه


[ () ] وروى شريك عن أبى ذر رضى اللَّه عنه في تفسير الآية، قال: رأى النبي ﷺ ربه. وحكى السمر قندى عن محمد بن كعب القرظيّ، وربيع بن أنس أن النبي ﷺ سئل: هل رأيت ربك؟ قال: رأيته بفؤادى ولم أره بعيني. وروى مالك بن يخامر، عن معاذ، عن النبي ﷺ قال: رأيت ربى، وذكر كلمة، فقال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ ... الحديث. وحكى عبد الرزاق أن الحسن كان يحلف باللَّه لقد رأى محمد ربه، وحكاه أبو عمر الطّلمنكيّ عن عكرمة. وحكى بعض المتكلمين هذا المذهب عن ابن مسعود. وحكى ابن إسحاق أن مروان سأل أبا هريرة: هل رأى محمد ربه؟ فقال نعم. وحكى النقاش عن أحمد بن حنبل أنه قال: أنا أقول بحديث ابن عباس: بعينه رآه رآه، حتى انقطع نفسه- يعنى نفس أحمد. وقال أبو عمر: قال أحمد بن حنبل: رآه بقلبه وجبن عن القول برؤيته في الدنيا بالأبصار. وقال سعيد بن جبير: لا أقول رآه، ولا لم يره، وقد اختلف في تأويل الآية، عن ابن عباس، وعكرمة، والحسن، وابن مسعود، فحكى عن ابن عباس وعكرمة: رآه بقلبه، وعن الحسن وابن مسعود: رأى جبريل، وحكى عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل عن أبيه: أنه قال: رآه. وعن ابن عطاء في قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، قال: شرح صدره للرؤية، وشرح صدر موسى للكلام. وقال أبو الحسن على بن إسماعيل الأشعري رضى اللَّه عنه وجماعة من أصحابه، أنه رأى اللَّه تعالى ببصره وعيني رأسه، وقال: كل آية أوتيها نبي من الأنبياء ﵈، فقد أوتى مثلها نبينا ﷺ، وخصّ من بينهم بتفضيل الرؤية، ووقف بعض مشايخنا في هذا وقال: ليس عليه دليل واضح، ولكنه جائز أن يكون.

أوتيها نبي من الأنبياء ﵈، فقد أوتى مثلها نبينا ﷺ، وخصّ من بينهم بتفضيل الرؤية، ووقف بعض مشايخنا في هذا وقال: ليس عليه دليل واضح، ولكنه جائز أن يكون. قال القاضي أبو الفضل- وفقه اللَّه- والحق الّذي لا امتراء فيه، أن رؤيته تعالى في الدنيا جائزة عقلا، وليس في العقل ما يحيلها، والدليل على جوازه في الدنيا سؤال موسى ﵇ لها، ومحال أن يجهل نبي ما يجوز على اللَّه وما لا يجوز عليه، بل لم يسأل إلا جائزا غير مستحيل، ولكن وقوعه ومشاهدته من الغيب الّذي لا يعلمه إلا من علمه، فقال له اللَّه تعالى: لَنْ تَرانِي أي لن تطيق، ولا تحتمل رؤيتي، ثم ضرب له مثلا مما هو أقوى من بنية موسى وأثبت، وهو الجبل، وكل هذا ليس فيه ما يحيل رؤيته في الدنيا، بل فيه جوازها على الجملة، وليس في الشرع دليل قاطع على استحالتها، ولا امتناعها، إذ كل موجود فرؤيته جائزة غير مستحيلة، ولا حجة لمن استدل على منعها بقوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ لاختلاف التأويلات في الآية. وليس يقتضي قول من قال: في الدنيا الاستحالة، وقد استدل بعضهم بهذه الآية نفسها على

عنها: قفّ شعرى، لما سألها مسروق عن ذلك، ولو كان مناما، لما قفّ [ (١) ] شعرها من سؤاله، إذ آحاد الناس يرى ذلك مناما. وسأل أبو ذر رسول اللَّه ﷺ: هل رأيت ربك؟ وهذا دليل على أن مسراه جميعه المذكور في الحديث كان يقظة، ويرد على من زعم أنه كان مناما، بأن الرؤيا بمعنى الرؤية، وله شاهد. وقال عكرمة عن ابن عباس: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً

رد على من زعم أنه كان مناما، بأن الرؤيا بمعنى الرؤية، وله شاهد. وقال عكرمة عن ابن عباس: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً

للناس، قال: هي رؤيا عين أريها النبي ﷺ ليلة أسرى به، وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ، هي شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. وعن ابن عباس، أن هذه الرؤيا: [ما رآه] عليه [الصلاة و] السلام قبل عمرة الحديبيّة، أنه يدخل مكة، وأخبر بذلك، فخرج معتمرا، وصده المشركون بالحديبية، فكان ذلك فتنة للناس، وامتنعوا من الحلق والنحر، وشك قوم، وتكلم عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه بما تكلم به، وبأن حديث شريك إنما هو حكاية حكاها عن أنس من تلقاء نفسه، فلا تعارض الروايات المتصلة من حديث أنس [ (١) ] . فقد روى الزهري عن أنس، عن أبى ذر [رضى اللَّه عنهما] ، وروى قتادة عن أنس، عن مالك بن صعصعة، وروى ثابت عن أنس، حديث الإسراء، وهم أئمة حفاظ، ولم يقل أحد منهم في روايته ما قاله شريك عن أنس، [رضى اللَّه عنه] ، وقد عد جماعة من الحفاظ هذا من أوهام شريك التي أعكروها عليه، [ونبه] مسلم على ذلك بقوله: فقدم وأخر، وزاد ونقص [ (٢) ] ، فأما قوله: قبل أن يوحى إليه، فإنه غلط [منه] ، لم يوافق عليه، فإن الإسراء قد اختلف في تاريخه، فقال الزهري [في تاريخه] : أسرى برسول اللَّه ﷺ بعد مبعثه بثمانية وعشرين شهرا. وقال إسحاق بن إبراهيم الحربي: أسرى بالنبيّ ﷺ ليلة سبع وعشرين من [شهر] ربيع الآخر، قبل الهجرة بسنة، وفرضت الصلاة عليه.

بعد مبعثه بثمانية وعشرين شهرا. وقال إسحاق بن إبراهيم الحربي: أسرى بالنبيّ ﷺ ليلة سبع وعشرين من [شهر] ربيع الآخر، قبل الهجرة بسنة، وفرضت الصلاة عليه.

وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: أن الإسراء كان قبل الهجرة بسنة. وروى يونس بن بكير، عن عثمان بن عبد الرحمن الوحاطى، عن ابن شهاب: أن الصلاة فرضت بمكة، بعد ما أوحى إليه بخمس سنين. فعلى قول موسى بن عقبة، إذا كان الإسراء قبل الهجرة بسنة، فهو بعد مبعثه بتسع سنين، أو باثنتي عشرة سنة، على اختلافهم في مقامه بمكة قبل المبعث. وقول الزهري أولى من قول الوحاطى، لأن ابن إسحاق قال: أسرى به وقد [فشا] الإسلام بمكة، وفي القبائل كلها. ورواية الوحاطى من رواية موسى بن عقبة، لأنهم لم يختلفوا أن خديجة رضى اللَّه عنها، صلّت معه بعد فرض الصلاة عليه، وأنها توفيت قبل الهجرة بمدة، قيل: بثلاث سنين، وقيل: بخمس، وهذا يدل على أن الإسراء كان قبل الهجرة بأعوام. وقد أجمع العلماء على أن فرض الصلاة، كان ليلة الإسراء، فكيف يكون هذا قبل أن يوحى إليه؟. وأما قول شريك [ (١) ] : وهو نائم، وفي رواية: بينا أنا عند البيت بين النائم

واليقظان، فلا حجة فيه على أن الإسراء كان بروحه عليه [الصلاة و] السلام دون بدنه، أو قد يكون ذلك حالة أول وصول الملك إليه، وليس في الحديث ما يدل على كونه نائما في القصة [كلها] ، وقد أنكر أهل العلم [رضى اللَّه عنهم] ، رواية شريك. [واللَّه أعلم] . قال الحافظ عبد الحق [﵀] في كتاب (الجمع بين الصحيحين) : هذا الحديث بهذا اللفظ، من رواية شريك بن [عبد اللَّه بن] أبى تمر [ (١) ] ، عن أنس رضى اللَّه عنه، [وقد زاد فيه] زيادة مجهولة، وأتى فيه بألفاظ غير معروفة. وقد روى حديث الإسراء جماعة من الحفاظ المتقدمين، والأئمة المشهورين، كابن شهاب، وثابت البناني، وقتادة- يعنى عن أنس- فلم يأت أحد منهم بما أتى به شريك، وشريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث [ (٢) ] ، قال: والأحاديث التي تقدمت قبل هذا، هي المعول عليها. انتهى. ولئن سلمنا أنه كان نائما إذ أتاه الملك، فقد نبه، وأسرى به، كما جاء في حديث أبى سعيد الخدريّ، [رضى اللَّه عنه] عن النبي ﷺ قال: بينا أنا نائم عشاء في المسجد الحرام، إذ أتانى آت فأيقظنى، فاستيقظت، فلم أر شيئا، ثم عدت في النوم فأيقظنى، كذلك أربع مرات، فإذا أنا بكهيئة [الخيال] ، فأتبعته حتى خرجت من المسجد، فإذا أنا بدابة يقال لها:

ظنى، فاستيقظت، فلم أر شيئا، ثم عدت في النوم فأيقظنى، كذلك أربع مرات، فإذا أنا بكهيئة [الخيال] ، فأتبعته حتى خرجت من المسجد، فإذا أنا بدابة يقال لها:

البراق، فركبته.. الحديث. وزعم من قال: إن الإسراء إلى بيت المقدس، كان يقظة بجسده ﷺ، وأن الإسراء إلى السموات كان مناما بروحه، [﵊] ، أن المشركين إنما استبعدوا، وأنكروا، وشنعوا قول النبي ﷺ أنه [﵊] أتى بيت المقدس ورجع من ليلته، ولو كان صعوده ﷺ إلى السموات منضما إلى ذلك، لكان الاستبعاد أكبر، والشناعة به أتم، [واللَّه ﷾ أعلم] ، فحيث لم يذكروا ذلك البتة، علم أن النبي ﵇، إنما ادعى أنه أسرى بجسده إلى بيت المقدس فحسب، والعروج به إلى السموات كان مناما. وحديث شريك لا ينافي ذلك، لأنه ليس فيه ذكر [الإسراء] إلى بيت المقدس، إنما فيه بيان العروج إلى السماء في نومه، وأيضا فإن اللَّه تعالى تمدح بقوله: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، فلم يذكر إلا الانتهاء به إلى المسجد الأقصى، ولو كان انتهى به إلى أكثر من ذلك لذكره، فإنه كان أعظم للآية، وأبلغ في المدح. وأجيب بأن اللَّه تعالى قال: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى * عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى، ثم قال ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى * لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى، فأثبت- سبحانه- أن محمدا ﷺ رأى جبريل في الصورة التي خلق عليها بعين بصره، وهكذا كان كل شيء رآه في تلك الليلة، إنما هو بعين بصره. وأما اقتصار شناعة أهل الكفر على ذكرهم مسراه إلى بيت المقدس دون السموات، [فلأنهم] أرادوا تكذيبه ﵇ بما شاهده الناس وعلموه، دون ما غاب عنهم، مما لم يعلموا كنهه، ولم يذكروا أنه صعد السموات، لأنه عندهم معلوم كذبه فيه، فطلبوا منه نعت بيت المقدس، لأنهم كانوا

هده الناس وعلموه، دون ما غاب عنهم، مما لم يعلموا كنهه، ولم يذكروا أنه صعد السموات، لأنه عندهم معلوم كذبه فيه، فطلبوا منه نعت بيت المقدس، لأنهم كانوا

يخبروا به، [ومتحققون] أنه ﵇ لم يره قط، فعدوا قوله: أنه أسرى به إلى السموات من جنس قوله: أن الملك يأتيه منها في طرفة عين، وكان ذلك مستقرا عندهم استحالته، ولا يعلم إلا من جهته، إذ لا دليل عليه من خارج يشاهدونه، إلا قيام صدقه بالمعجزة، وقد عاندوا فيها، بخلاف إخباره أنه أتى بيت المقدس في ليلته، فإنه أمكنهم استعلام صدقه في ذلك، فطالبوه بنعته، فجلاه اللَّه له، فطفق يخبرهم عن آياته، وهو ينظر إليه، ولم يكن ﵇ أتى بيت المقدس قبل الإسراء، فكان معلوما عندهم من حاله أنه لم يره قط، وإلا لما طالبوه بنعته. وعلى هذا، جاءت الآية: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى تشنيعا عليهم، ونداءا بما علموا صدقه فيه، فأصروا على تكذيبه، فلهذا اقتصر اللَّه تعالى على ذلك، دون ذكر صعوده إلى السماء. وزعم من قال: بأن [الإسراء] إلى بيت المقدس وإلى السموات، وقع أكثر من مرة واحدة، تارة في المنام، وتارة في اليقظة، بأن هذا فيه جمع بين الأحاديث المختلفة، وعليه، يخرج أيضا الاختلاف في المكان الّذي وقع منه الإسراء، وهذه اختيار أبى نصر بن أبى القاسم القشيري، وأبى القاسم السهيليّ، وأبى بكر محمد بن العربيّ، والمهلب بن أبى صفرة، وإليه مال أبو سعيد عبد الملك بن محمد النيسابورىّ الواعظ. قال: وترتيب الأخبار أن يقال: كان لرسول اللَّه ﷺ معاريج، منها ما كان حقيقة، ومنها ما كان رؤيا، وعليه عوّل أبو شامة وقال: أنه أسرى بالنبيّ ﷺ مرارا قبل البعثة وبعدها. فأما قبل البعثة، فكان في النوم على ما شهد له حديث شريك، وكان ذلك من جملة ما أخبرت عنه عائشة رضى اللَّه عنها، وأجملته من حاله

حين قالت: أول ما بدئ به رسول اللَّه ﷺ من الوحي، الرؤيا الصادقة في النوم.. الحديث. وكانت الحكمة في ذلك، التدرج له، والتسهيل عليه، لضعف القوى البشرية. وأما بعد تحقق البعثة والوحي إليه، تركه اللَّه ما شاء أن يتركه، ثم أسرى به يقظة، واستدل لذلك، ثم قال: أول ما أسرى به يقظة كان إلى بيت المقدس، وقد جاءت أحاديث تدل على ذلك، ثم تارة عرج به إلى السماوات، ولم يأت فيها بيت المقدس، وهو ظاهر حديث أنس [رضى اللَّه عنه] ، عن مالك بن صعصعة، فوقع كل منهما مفردا. ثم جمع له الأمر، أن في ليلة أخرى أسرى به إلى بيت المقدس، ورفع منه إلى السماء، وهو ظاهر حديث ثابت عن أنس [رضى اللَّه عنه] ، ويجوز أن تكون هذه الحالة وقعت ثانية، لأنه كان ﵇ قد تأنس به لإسرائه إلى بيت المقدس، فكرر عليه ذلك، وتمم بصعوده إلى السماء، ثم لما تأنس بصعوده إلى السماء، استغنى عن توسط بيت المقدس، فرفع من مكة إلى السماء، والأحاديث على اختلافها لا تخرج عن هذه الأحوال، فنزل على كل حال ما يليق بها منها، وبعض ذلك ظاهر، وبعضه فيه خفاء. ويدل على أن الإسراء وقع مرارا، اختلاف رؤية النبي ﷺ لموسى، فإنه أخبر مرة أنه رآه قائما يصلى في قبره، ومرة أنه صلّى ببيت المقدس بجماعة من الأنبياء، وذكر موسى منهم، ومرة قال: إنه رآه في السماء السادسة، وفي حديث آخر رآه في السماء السابعة. وعلى ذلك أيضا، يحمل [الاختلاف] في وقته، فقيل: في رمضان، وقيل: في ربيع الأول، وقيل: في رجب، والكل صواب إن شاء اللَّه تعالى. ثم إنه ظاهر في بعض الأحاديث، أنه صعد إلى السماء على ظهر البراق، كما في حديث مالك بن صعصعة.

ربيع الأول، وقيل: في رجب، والكل صواب إن شاء اللَّه تعالى. ثم إنه ظاهر في بعض الأحاديث، أنه صعد إلى السماء على ظهر البراق، كما في حديث مالك بن صعصعة.

وقد ذهب العارف محيي الدين أبو عبد اللَّه محمد بن العربيّ الخاتمى الصوفىّ، إلى أن الإسراء وقع ثلاثين مرة، بحسب اختلاف الأحاديث التي جمعها في كتاب، فجعل كل حديث إسراء، ولم أقف على كتابه هذا. وقال البيهقي: وقد أوردوا أحاديث رؤية الأنبياء ليلة الإسراء، وليس بين هذه الأحاديث منافاة، فقد يراه قائما يصلى في قبره، ثم يساريه إلى بيت المقدس كما أسرى بالنبيّ ﷺ، فيراه فيه، ثم يعرج به إلى السماء السادسة، كما عرج بالنبيّ ﷺ، فيراه في السماء، وكذلك سائر من رآه من الأنبياء في الأرض ثم في السماء، والأنبياء أحياء عند ربهم كالشهداء، [فلا ينكر] حلولهم في أوقات بمواضع مختلفات، كما ورد خبر الصادق به .

فصل جامع في ذكر حديث الإسراء والمعراج [فقد] روى من حديث أنس، فتارة يرويه أنس عن مالك بن صعصعة، عن النبي ﷺ، وتارة يرويه عن أبى [ذرّ] عن النبي ﷺ، وتارة يرويه دون ذكرهما.

فأما رواية حديث الإسراء عن النبي ﷺ فخرج مسلم من حديث حماد بن سلمة، [قال] حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك رضى اللَّه [تعالى] عنه [قال] : إن رسول اللَّه ﷺ قال: أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار، ودون البغل، يضع حافرة عند منتهى طرفه، فركبته حتى أتيت بيت المقدس، [قال:] فربطته بالحلقة التي يربط فيها الأنبياء ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل ﵇، بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل ﵇: اخترت الفطرة [ (١) ] .

قال: ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك، قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، قال: ففتح لنا، فإذا أنا بآدم ﵇، فرحّب بى، ودعا لي بخير [ (١) ] .

: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك، قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، قال: ففتح لنا، فإذا أنا بآدم ﵇، فرحّب بى، ودعا لي بخير [ (١) ] .

[قال:] ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، [قيل] : وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، قال: ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا، ﵉، فرحبا بى، ودعوا لي بخير [ (١) ] . ثم عرج [بنا] إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال محمد، [قيل:] وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، قال: ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف ﵇، [إذ] هو قد أعطى شطر الحسن، قال فرحب بى، ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا، قال جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قال: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإدريس، فرحب ودعا لي بخير، قال اللَّه [تبارك و] تعالى: وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا.

ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بهارون ﵇، فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بموسى، ﵇، فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك، قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح، فإذا أنا بإبراهيم ﵇، مسند ظهره إلى البيت المعمور [ (١) ] ، وإذا يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه.

يل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح، فإذا أنا بإبراهيم ﵇، مسند ظهره إلى البيت المعمور [ (١) ] ، وإذا يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه. ثم ذهب بى إلى السدرة المنتهى [ (٢) ] ، وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال [ (٣) ] ، فلما غشيها اللَّه ما غشيها تغيرت، فما أحد من خلق اللَّه يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى إليّ ما أوحى، فعرض عليّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى ﵇، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإنّي قد بلوت بنى إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربى فقلت: [يا رب] ، خفف على أمتى،

فحط عنى خمسا، فرجعت إلى موسى، فقلت: حط عنى خمسا، قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فسله التخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربى [ (١) ] ﵎، وبين موسى ﵇، حتى قال يا محمد، انهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها، كتبت له حسنة، فإن عملها، كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها، لم تكتب له شيئا، فإن عملها، كتبت له سيئة واحدة. قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى، فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فسله التخفيف، فقال رسول اللَّه ﷺ: فقلت: قد رجعت إلى ربى حتى استحييت منه. [وفي بعض الطرق: أنه ﷺ راجع، وخفف عنه في كل مراجعة، وفي أخرى: أنه خفف عنه أولا الشطر، ثم خفف عنه ثانيا تخفيفا واحدا إلى الخمس، فتكون المراجعة على هذا مرتين، وفي أخرى: أن التخفيف كان عشرا عشرا، إلى المرة الأخيرة، فكان التخفيف فيها خمسا، وبقيت هذه الخمس] [ (٢) ] . [والجمع بينهما أن يقال: لا تعارض، إنما فيه إجمال في بعضها، وتفصيل في الأخرى، لأن قوله فخفف عنى الشطر، أعم من كونه خففه مرة واحدة، أو في مرار متعددة، ولذا ذكر التفصيل والإجمال، وحمل الإجمال على التفصيل ولا تعارض. وللَّه الحمد] [ (٢) ] . [وأما الحديث الّذي رواه حماد عن ثابت، عن أنس رضى اللَّه عنه، وفيه: فحط عنى خمسا، من أفراد مسلم، والّذي اتفقا عليه من حديث

أنس، أنه حطّ عنه عشرا عشرا، وزعم ابن الجوزي: أن هذه الرواية التي فيها فحط عنى خمسا، غلط من الراويّ.] [ (١) ] . وخرّج مسلم أيضا من حديث بهز [قال:] حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا [ثابت عن] أنس بن مالك [رضى اللَّه عنه قال:] قال رسول اللَّه ﷺ: أتيت فانطلقوا بى إلى زمزم، فشرح عن صدري، ثم غسل بماء زمزم، ثم أنزلت [ (٢) ] . ومن حديث حماد بن سلمة، [قال:] حدثنا ثابت عن أنس [رضى اللَّه عنه قال:] إن رسول اللَّه ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، ثم قال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان إلى أمه- يعنى ظئره- فقالوا: إن

ستخرج منه علقة، ثم قال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان إلى أمه- يعنى ظئره- فقالوا: إن

محمدا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون. قال أنس رضى اللَّه عنه: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره [ﷺ] [ (١) ] . وخرّج أيضا من حديث ابن وهب، قال: أخبرنى سليمان بن بلال قال: [حدثني] شريك بن عبد اللَّه بن أبى نمر قال: سمعت أنس بن مالك [رضى اللَّه عنه] ، يحدثنا عن ليلة أسرى برسول اللَّه ﷺ من مسجد الكعبة، أن جاءه ثلاثة نفر قبل أن [يوحى] إليه، وهو نائم في المسجد

الحرام ... وساق الحديث بقصته، نحو حديث ثابت البناني، [وقدّم] فيه شيئا وأخر، وزاد ونقص. هكذا قال مسلم [ (١) ] . وخرّجه البخاري من حديث سليمان عن شريك بن عبد اللَّه بن أبى نمر قال: سمعت أنس بن مالك [رضى اللَّه عنه] ، يحدثنا عن ليلة أسرى بالنبيّ ﷺ من مسجد الكعبة، جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام فقال [أولهم] : أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، أو قال آخرهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك، فلم يرهم حتى جاءوا ليلة أخرى في ما يرى قلبه، والنبي ﷺ نائمة عيناه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء، تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فتولاه جبريل ﵇ ثم عرج به إلى السماء.. هذا الّذي ذكره البخاري من هذا الحديث، وذكره في كتاب المناقب، وترجم عليه باب: كان النبي ﷺ تنام عيناه ولا [ينام قلبه] [ (٢) ] . وخرّجه في كتاب التوحيد، في باب: وكلم اللَّه موسى تكليما بهذا السند، ولفظة: سمعت ابن مالك يقول: ليلة أسرى برسول اللَّه ﷺ من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم: [هو خيرهم] ، [فقال] أحدهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى، [فيما] يرى قلبه، وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء ﵈، تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه، فوضعوه عند [بئر] زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبّته، حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده، حتى أنقى جوفه،

Bagian 60 dari 128