— Bagian 68 · رٍ شَكُورٍ [ (٢) ] . —
Bagian 68
رٍ شَكُورٍ [ (٢) ] . وكان عمرو بن عامر عنده أثارة من علم بخراب سد مأرب [ (٣) ] ، [وتمزقهم] في البلاد، فعمل حيلة حتى باع عقاره بمأر، وخرج بأهله وولده
فتبعه الأزد كلها، فساروا حتى نزلوا على عك [ (١) ] ، وأقاموا بأرضهم مدة، فمات عمرو بن عامر، وقام من بعده ابنه [ثعلبة العنقاء] بن عمرو بن عامر بعهده إليه، فكانت بين قومه وبين عك [ (١) ] حروب، آلت إلى مسير ثعلبة [بمن] معه، ونزولهم في أرض همدان، وإخراجهم [منها] بعد حروب [كبيرة] ، ثم رحل عنها، وعادت همدان إليها. فمضى ثعلبة بقومه إلى نجران، وبها مدحج، فنزلوا معهم ثم احتربوا شهرا كاملا، حتى فرق بينهم سيل العرم، [وقد] خرب سد مأرب، فأتى السيل أرض مدحج، وهم في محاربة ثعلبة وقومه، فولوا هاربين، ونزل ثعلبة بقومه في أرض السراة، بعد ما تخلت عنه طوائف، وأقاموا بعدة مواضع.
وسار حارثة بن ثعلبة بابني الأوس والخزرج إلى يثرب، فأدركه أبوه ثعلبة قريب مكة، فلما مروا بمكة وبها جرهم، قاتلهم جرهم، فمضوا إلى الجحفة، وسار ثعلبة إلى الشام فمات، وقام من بعده ابنه حارثة بن ثعلبة، فنزل الشام وبها سليخ من قبل الروم، فنزلوا معهم حتى أتاهم جابى قيصر ملك الروم لأخذ الإتاوة، فأنف حارثة وقومه من ذلك، وجرت لهم [مع الروم] خطوب، آخرها أن سار حارثة وولده الأوس والخزرج و [بنو] أبيه إلى يثرب، وأقام بنو ضعيف بن عمرو بن عامر وأخوهم بالشام مع سليخ. وكان بيثرب يومئذ اليهود، وملكهم شريف بن كعب، فكتب بينه وبين حارثة بن ثعلبة كتاب عهد، أقاموا زمانا في هدوء، ثم وقع الشر بينهم واقتتلوا فقتل من اليهود عددا كبير، وملكت العرب المدينة بما فيها، فاجتمع يهود تيماء، وخبير، وفدك، والعوالي على حربهم، فآل أمرهم إلى الصلح. ونزل الأوس والخزرج بيثرب، وعمروها بجموعهم، فمات الملك حارثة ثم ثعلبة العنقاء، وقام من بعده ابنه العجلاء بن حارثة، وثارت يهود والأوس والخزرج، فقتلوا، وسلبوا، ونهبوا، فبعثوا إلى جبلة بن عمرو بن جبلة، ملك غسان يستصرخه، فأقبل من الشام لنصرتهم على اليهود، وحاربهم فقتل ملكهم شريف بن كعب في جمع كبير منهم، حتى ذلوا له، ثم عاد إلى الشام، فمات في طريقه.
، ملك غسان يستصرخه، فأقبل من الشام لنصرتهم على اليهود، وحاربهم فقتل ملكهم شريف بن كعب في جمع كبير منهم، حتى ذلوا له، ثم عاد إلى الشام، فمات في طريقه. وقام من بعده ابنه الحارث بن الجبلة، فسار إليه مالك بن العجلان ليهنئه بالملك، ففقد ليلا في بنى قريظة، وقد عرش بمنازلهم، فأوقع بهم العجلان، وقتل منهم بضعا وثمانون رجلا بحيل دبرها، وكان قد قام بأمر اليهود بعد ملكهم شريف بن كعب، ابنه القيطون بن شريف- واسمه جونى، والقيطون لقب- فجمع يهود الحجاز، وتيماء، وفدك، والعوالي، وزحف إلى يثرب، فكان بينه وبين الأوس والخزرج قتال شديد، قتل فيه كثير من الفريقين فبعث العجلان يستنصر بطيئ وهم بأطراف نجد، فأتوه، وهزموا اليهود، وقتل القيطون في عدد كبير من قومه.
وأقامت الأوس والخزرج بعد ذلك دهرا طويلا من الزمن بغير منازع حتى كثروا، وضاقت وبمن معهم من قبائل غسان أرض يثرب، فسارت قبائل غسان إلى الشام حتى لم يبق [بيثرب] إلا الأوس والخزرج، وبنو الحشحاش ابن جدع بن سنان. فلما رأت ذلك اليهود، جمعهم ملكهم لحرب العرب، واستصرخ بعملوق الطسمى، من أرض اليمامة، وبدليل بن شريك الجديسى، وبكامل بن علقمة الراسبي، فأتوه في جيوش عظيمة، وحصروا يثرب وقتلوا عدة من رجال الأوس والخزج، وسبوا النساء والذرية، فنزل بهم بلاء كبير من اليهود، وانقطع منهم الملك والتيجان من حينئذ، حتى جاء اللَّه بالإسلام.
فصل في ذكر بطون الأوس والخزرج أما الأوس فإنّها ترجع إلى أوس بن حارثة، ولم يكن له ولد إلا مالك، وكان لأخيه الخزرج خمسة: عمرو، وعوف، وجشم، والحارث، وكعب، فقال للأوس قومه: أمرناك بالنزوح فلم تفعل، فقال: لم يهلك هالك ترك مثل مالك، وإن كان الخزرج ذا عدد وليس لمالك ولد، فلعل الّذي استخرج العرق من الجريمة، والنار من الوثيمة، أن يجعل لمالك نسلا ورجالا، بكلام في كلام بليغ. واعلم أن بطون الأوس والخزرج كثيرة، وأشهر بطون الأوس: عبد الأشهل بن [جشم] بن الحارث بن الخزرج بن عمرو النبيت بن مالك بن الأوس، وأمه صخرة ابنة ظفر بن الخزرج بن عمرو النبيت. وحارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس. وظفر بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس. وخطمة، واسمه عبد اللَّه بن جشم بن مالك بن الأوس. وواقف، واسمه مالك بن امرئ القيس بن مالك بن الأوس. والسلم ابن امرئ القيس بن مالك بن الأوس. ووائل بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الأوس. وأمية بن زيد بن قيس بن عامر بن مرة بن مالك بن الأوس. وعمرو ابن عوف بن مالك بن الأوس. وفيهم بطون منها: أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف. وضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف وعبيد [بن] زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف. ويقال لآل حنش: أهل عوف. وحنش بن عوف ومعاوية بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف وحنش بن عوف بن عمرو بن عوف، ويقال لأهل حنش: أهل المسجد وحجاج ابن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف. وثعلبة بن عمرو بن عوف ابن مالك بن الأوس. وبنو السميعة، وهم بنو لوذان بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس وكان يقال لهم: الصماء، فسألهم رسول اللَّه ﷺ: من أنتم؟ فقالوا: نحن بنو
ابن مالك بن الأوس. وبنو السميعة، وهم بنو لوذان بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس وكان يقال لهم: الصماء، فسألهم رسول اللَّه ﷺ: من أنتم؟ فقالوا: نحن بنو
الصماء، فقال أنتم بنو السميعة، وهي من بلقين. وحبيب بن عمرو بن عوف ابن مالك بن الأوس. فهذه بطون الأوس، وكلها ترجع إلى مالك بن الأوس بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة، ويقال لهم: أوس اللَّه، وهم الجعاذره، وسموا بذلك لقصر فيهم، أو لأنهم [كانوا] إذا أجاروا جارا قالوا له: جعذر حيث شئت. ومن بطون الخزرج: النجار، واسمه تيم اللَّه [بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج] وقال الكلبي: اسمه العثر بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج وأمه الصدوف ابنة مالك من حمير، وسمى النجار لأنه ضرب وجه رجل فنجره، وقيل: بأنه اختتن بقدوم، وكان يقال له أيضا العثر. وفي النجار بطون منها: مالك بن النجار، وفيهم بطون منها غنم بن مالك بن النجار، وهو مغالة، وهم من بنى عمرو بن مالك بن النجار، ومغالة، أم عدي بن عمرو وبها يعرفون، ومبذول واسمه عامر بن مالك بن النجار، وعدي بن النجار، ومازن بن النجار، ودينار بن النجار. والحارث بن الخزرج، وفيهم بطون: هي جشم وزيد مناة ابنا الحارث بن الحارث بن الخزرج، وهم التوأمان، الأبخر بن عوف بن الحارث بن الخزرج، وجدارة بن عوف بن الحارث بن الخزرج، وكعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، وساعدة بن كعب بن الخزرج بن حارثة. وفيهم بطون: هي طريف بن الخزرج بن ساعدة وثعلبة بن الخزرج ابن ساعدة، وعمرو بن الخزرج بن ساعدة، وسالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج بن حارثة. والقواقلة وهم: قوقل واسمه غانم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، كانوا من أعز أهل يثرب، وكانوا يقولون للغريب إذا دخل المدينة: قوقل حيث شئت، أي انزل حيث شئت، فأنت آمن، فسموا: القواقلة، [وليس] أحد يقول هذا غيرهم. [والحبلى] ، وهو سالم بن غنم بن الخزرج بن حارثة، وإنما سمى الحبلى لعظم بطنه، والنسبة إليه الحبلىّ بفتح الباء، وهو شاذ النسب، وكان
أحد يقول هذا غيرهم. [والحبلى] ، وهو سالم بن غنم بن الخزرج بن حارثة، وإنما سمى الحبلى لعظم بطنه، والنسبة إليه الحبلىّ بفتح الباء، وهو شاذ النسب، وكان
القياس: حبلىّ بإسكان الباء، وحبلاوىّ. وسلمة بكسر اللام، بن سعد بن على ابن أسد بن ساردة بن يزيد بن جشم بن الخزرج بن حارثة. وفي سلمة بطون، وهم: [بنو] حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، وعبيد بن عدي بن غنم [بن] كعب بن سلمة، وسواد بن غنم بن كعب بن سلمة، وأدى بن سعد بن على بن أسد، أخو سلمة، وهم مع بنى سلمة، وزريق- بتقديم الزاى على الراء- ابن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب- بعين معجمة مفتوحة- ابن جشم بن الخزرج بن حارثة، وبياضة بن عامر، وزريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج بن حارثة، وحبيب بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج بن حارثة، فهذه قبائل الأنصار وبطونها من الأوس والخزرج ابني حارثة.
فصل في ذكر ما أكرم اللَّه تعالى به الأوس والخزرج من لقاء رسول اللَّه ﷺ ومبادرتهم إلى إجابته ودخولهم في طاعته، وتصديقهم برسالته ومسارعتهم إلى مبايعته [وحرصهم] على إيوائه ونصرته، بعد ما عرض نفسه على قبائل العرب فردوه ولم يقبلوه . [اعلم أن رسول اللَّه ﷺ، كان [ (١) ]] يقف بالموسم على [القبائل] [ (٢) ] فيقول: يا بنى فلان، إني رسول اللَّه إليكم، يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وكان يمشى خلفه أبو لهب ويقول: لا تطيعوه. وأتى رسول اللَّه ﷺ كندة في منازلهم، فدعاهم إلى اللَّه فأبوا، وأتى كلبا في منازلهم، فلم يقبلوا منه، وأتى بنى حنيفة في منازلهم، فردوا عليه أقبح ردّ، وأتى عامر بن صعصعة، وكان لا يدع من العرب من [له [ (١) ]] اسم وشرف إلا دعاه، وعرض عليه ما عنده. خرج الترمذي من حديث إسرائيل، حدثنا عثمان [بن [ (٢) ]] المغيرة عن سالم بن أبى الجعد، عن جابر رضى اللَّه ﵎ عنه قال: كان رسول اللَّه ﷺ يعرض نفسه بالموقف فقال: [إلا [ (٢) ]] رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريشا قد منعونى أن أبلغ كلام ربى. قال أبو عيسى: هذا حديث [غريب [ (٣) ]] صحيح [ (٤) ] .
وخرج أبو داود من حديث إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم ابن أبى الجعد، عن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه ﵎ عنه، قال: كان رسول اللَّه ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول: هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشا قد منعونى أن أبلغ كلام [ (١) ] ربى. زاد ابن إسحاق في روايته قال: فأتاه رجل من همدان فقال: أنا، فقال: وهل في قومك منعة؟ وسأله: من أين هو؟ فقال: من همدان، ثم إن الهمدانيّ خشي أن يخفره قومه، أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: آتيهم فأخبرهم، ثم ألقاك من عام قابل؟ قال: نعم، فانطلق، وجاء وفد الأنصار في رجب. وخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين [ (٢) ] . [ولم يخرجاه [ (٣) ]] . وقال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: وكان رسول اللَّه ﷺ في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب من كل موسم، ويكلم كل شريف قوم، لا يسألهم مع ذلك أن لا يؤذوه ويمنعوه، يقول: لا أكره أحدا منكم على [شيء] ، من رضى منكم بالذي أدعو إليه [قبله] ، ومن كره لم أكرهه، إنما أريد أن تحرزوني مما يراد بى من القتل، حتى أبلغ رسالات ربى، وحتى يقضى اللَّه ﷿ لي و [لمن] صحبني بما شاء، فلم يقبله أحد منهم، ولم يأت أحد من تلك القبائل إلا قال: قوم الرجل أعلم به، أترون أن رجلا يصلحنا
ات ربى، وحتى يقضى اللَّه ﷿ لي و [لمن] صحبني بما شاء، فلم يقبله أحد منهم، ولم يأت أحد من تلك القبائل إلا قال: قوم الرجل أعلم به، أترون أن رجلا يصلحنا
وقد أفسد قومه ولفظوه؟ فكان ذلك مما ادّخر اللَّه ﷿ للأنصار وأكرمهم به، [من البركة [ (١) ]] . فلما توفى أبو طالب ارتد البلاء على رسول اللَّه ﷺ أشد ما كان، فعهد إلى ثقيف بالطائف، رجاء أن يؤووه، فوجد ثلاثة نفر، هم سادة ثقيف يومئذ، وهم إخوة: عبد ياليل بن عمرو، وحبيب بن عمرو، ومسعود بن عمرو، فعرض عليهم نفسه، وشكا إليهم البلاء، وما انتهك منه قومه، فقال أحدهم: أنا أسرق أستار الكعبة إن كان اللَّه قد بعثك بشيء! وقال الآخر: أعجز اللَّه أن يرسل غيرك؟ وقال الآخر: واللَّه لا أكلمك بعد مجلسك هذا أبدا، واللَّه لئن كنت رسول اللَّه، لأنت أعظم شرفا وحقا من أن أكلمك، ولئن كنت تكذب على اللَّه، لأنت أشر من أن أكلمك، وهزءوا به، وأفشوا في قومهم الّذي راجعوه به، وقعدوا له صفين على طريقه، فلما مر رسول اللَّه ﷺ بين صفيهم، جعلوا لا يرفع رجليه ولا يضعها، إلا رضخوها بالحجارة، حتى دموا رجليه، فخلص منهم وهما يسيلان الدماء. فعمد إلى حائط من حوائطهم واستظل في ظل حبله [ (٢) ] منه، [وهو] مكروب موجع، تسيل رجلاه دما، فإذا في الحائط عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، فلما رآهما كره مكانهما، لما يعلم من عداوتهما للَّه ورسوله، فلما رأياه أرسلا إليه غلاما [لهما] يدعى عدّاس- هو نصرانىّ من أهل نينوى معه عنب- فلما جاءه عداس، قال له رسول اللَّه ﷺ: من أي أرض أنت يا عداس؟ قال: أنا من أهل نينوى، فقال له رسول اللَّه ﷺ: من مدينة الرجل الصالح يونس بن متى؟ فقال له عدّاس: وما يدريك من يونس بن متى؟ قال له رسول اللَّه ﷺ وكان لا يحقر أحدا أن يبلغه رسالة ربه-: أنا رسول اللَّه، واللَّه ﷿ أخبرنى خبر يونس [بن] متى، فلما أخبره بما أوحى اللَّه إليه من شأن يونس بن متى، خرّ عداس ساجدا لرسول اللَّه ﷺ، يقبل قدميه وهما يسيلان الدماء، فلما أبصر عتبة وشيبة ما صنع غلامهما، سكتا،
ره بما أوحى اللَّه إليه من شأن يونس بن متى، خرّ عداس ساجدا لرسول اللَّه ﷺ، يقبل قدميه وهما يسيلان الدماء، فلما أبصر عتبة وشيبة ما صنع غلامهما، سكتا،
فلما أتاهما قالا: ما شأنك؟ سجدت لمحمد وقبلت قدميه؟ ولم نرك فعلته بأحد منا! قال: هذا رجل صالح، أخبرنى بشيء عرفته، من شأن رسول بعثه اللَّه إلينا، يدعى يونس بن متى، فضحكا به وقالا: لا يفتنك عن نصرانيتك، فإنه رجل خداع، فرجع رسول اللَّه ﷺ إلى مكة [ (١) ] . وقال محمد بن سعد: حدثنا محمد بن عمر- يعنى الواقدي- قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن أبى الحويرث، عن محمد بن جبير ابن مطعم قال: خرج رسول اللَّه ﷺ بعد موت أبى طالب إلى الطائف، ومعه زيد بن حارثة رضى اللَّه ﵎ عنه، وذلك في الثالث من شوال سنة عشر. قال الواقدي: فأقام بالطائف عشرة أيام- قال غيره: شهرا- لا يدع أحدا من أشرافهم إلا جاءه فكلمه فلم يجيبوه، وخافوا على أحداثهم فقالوا: يا محمد! اخرج من بلدنا وألحق بمحالك من الأرض، وأغروا به سفهاءهم، فجعلوا يرجمونه بالحجارة، حتى إن رجليه لتدميان، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه، حتى لقد شج في رأسه شجاجا، فانصرف رسول اللَّه ﷺ إلى مكة وهو محزون. فلما نزل نخلة، قام يصلى من الليل، فصرف إليه نفر من الجن، سبعة من أهل نصيبين، فاستمعوا القرآن، وأقام بنخلة أياما، فقال له زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم وهم أخرجوك؟ فأرسل رجلا من خزاعة إلى مطعم ابن عدي، أدخل في جوارك؟ قال: نعم. ويروى أنه أن ذهب إلى الأخنس بن شريق فقال: هل أنت مجيري حتى أبلغ رسالة ربى؟ فقال: إن الحليف لا يجير على الصريح، فقال الرسول: ائت سهيل بن عمرو، فقل له: إن محمدا يقول لك: هل أنت مجيري حتى أبلغ رسالات ربى؟ فأتاه، فقال له ذلك، فقال: إن بنى عامر بن لؤيّ لا تجير على بنى كعب، فرجع إلى رسول اللَّه ﷺ. فأخبره فقال: ائت
المطعم ابن عدي فقل له: إن محمدا يقول لك: هل أنت مجيري حتى أبلغ رسالات ربى؟ قال: نعم، فليدخل، فرجع إليه فأخبره. وأصبح المطعم بن عدي قد لبس سلاحه هو وبنوه، وبنو أخيه، ودخلوا المسجد، فلما رآه أبو جهل قال: أمجير أم تابع؟ قال: بل مجير، قال: أجرنا من أجرت، فدخل رسول اللَّه ﷺ فانتهى إلى الركن فاستلمه، وصلّى ركعتين، وانصرف إلى بيته، ومطعم وأولاده مطيفون به [ (١) ] . وخرج الترمذي من حديث حماد بن سلمة قال: حدثنا ثابت، عن أنس رضى اللَّه ﵎ عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: لقد أخفت في اللَّه، وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في اللَّه، وما يؤذى أحد، ولقد أتت على ثلاثون من بين يوم وليلة، وما لي [ولبلال] طعام يأكله ذو كبد، إلا شيء يواريه إبط بلال [ (٢) ] ، قال أبو عيسى: هذا حديث [حسن غريب] [ (٣) ] . قال بعضهم: ومعناه أن رسول اللَّه ﷺ حين خرج فارا من مكة ومعه بلال، إنما كان مع بلال من الطعام ما يحمله تحت إبطه [ (٤) ] . وخرج البخاري [ (٥) ] من حديث ابن شهاب قال: أخبرنى عمرو بن الزبير أن عائشة [رضى اللَّه ﵎ عنها زوجة رسول اللَّه ﷺ]
الطعام ما يحمله تحت إبطه [ (٤) ] . وخرج البخاري [ (٥) ] من حديث ابن شهاب قال: أخبرنى عمرو بن الزبير أن عائشة [رضى اللَّه ﵎ عنها زوجة رسول اللَّه ﷺ]
حدثته أنها قالت لرسول اللَّه ﷺ: هل أتى عليك يوم أشد عليك من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك [ما لقيت و] كان أشد منه يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل [بن] عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتنى، فنظرت، فإذا فيها جبريل ﵇، فناداني فقال: إن اللَّه قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث اللَّه إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، ثم ناداني ملك الجبال، فسلم عليّ ثم قال: يا محمد إن اللَّه ﷿ قد سمع قومك، وأنا ملك الجبال، قد بعثني إليك ربك لتأمرنى بما شئت، إن شئت نطبق عليهم الأخشبين، فقال له رسول اللَّه ﷺ: بل أرجو أن يخرج اللَّه من أشرارهم [أو قال من أصلابهم] [ (١) ] من يعبد اللَّه لا يشرك به شيئا. قال يونس بن بكير: عن ابن إسحاق، قال: حدثني الزهري قال: أتى رسول اللَّه ﷺ ناسا من كندة [في] مياه لهم، وفيهم سيد لهم يقال له: مليح، فدعاهم إلى اللَّه ﷿، فعرض عليهم نفسه، فأبوا أن يقبلوا منه نفاسة، ثم أتى حيا من كلب، يقال لهم، بنو عبد اللَّه، فقال لهم: يا بنى عبد اللَّه! قد أحسن اللَّه اسم أبيكم، فلم يقبلوا ما عرض عليهم. قال أبو نعيم: وحمله عرض نفسه ﷺ على القبائل على تأكيد الحجة على منى لم يقبله، ولزوال اللائمة عنه ﷺ في الإساءة بهم إذا أعلاه اللَّه [لكي] لا ينسب إليه- إذا لم يعدم العذر، ويلزمهم الحجة- الغلظة والإساءة بقومه. وقيل: بل عرض نفسه على القبائل رياضة من اللَّه له، وتنبيها على التوكل عليه في كل أموره، فيبقى له العلو والتمكين، من حيث لا يحتسب،
فقيض له الأنصار مع بعد نسبهم، فصاروا له وزراء وأنصارا، دون أقاربه وقومه وعشيرته، الذين هم أولى بنصرته.
ه، فيبقى له العلو والتمكين، من حيث لا يحتسب،
فقيض له الأنصار مع بعد نسبهم، فصاروا له وزراء وأنصارا، دون أقاربه وقومه وعشيرته، الذين هم أولى بنصرته.
أول من لقيه من الأوس سويد بن الصامت قال يونس بن بكير [عن] ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أشياخ من قومه قالوا: قدم سويد بن الصامت أخو بنى عمرو بن عوف مكة حاجا أو معتمرا، وكان سويد [إنما] يسميه قومه فيهم: الكامل، لسنه، وجلده، وشعره [وشرفه، ونسبه] ، قال: فتصدى له رسول اللَّه ﷺ، [حين سمع به] ودعاه إلى اللَّه ﷿، وإلى الإسلام، فقال سويد: فلعل الّذي معك مثل الّذي معى، فقال له رسول اللَّه ﷺ: وما الّذي معك؟ فقال: مجلة لقمان، يعنى حكمته، فقال رسول اللَّه ﷺ: اعرضها عليّ، فعرضها عليه، فقال: إن هذا لكلام حسن، والّذي معى أفضل منه، قرآن أنزله اللَّه ﷿ عليّ، هو هدى ونور، فتلا عليه ﷺ القرآن، ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه، وقال: إن هذا لقول حسن، ثم انصرف [عنه] . فقدم المدينة على قومه، فلم يلبث أن قتلته الخزرج، وكان الّذي قتله المجذر بن [زياد] البلوى، حليف بنى عوف بن الخزرج، وكان رجال قومه يقولون: إنا لنرى أنه قتل وهو مسلم، وكان قتله قبل يوم بعاث [ (١) ] . وذكر ابن عبد البر: أن سويد بن الصامت هذا لقي رسول اللَّه ﷺ بسوق ذي المجاز من مكة، في حجة حجها سويد [على ما كانوا يحجون عليه في [الجاهلية] ، وذلك في أول مبعث رسول اللَّه ﷺ ودعائه إلى اللَّه
تعالى، فدعاه ﵇ إلى الإسلام، فلم يرد عليه سويد شيئا، ولم يظهر له قبول ما دعاه إليه وقال له: لا أبعد ما جئت به، ثم انصرف إلى قومه بالمدينة. قال أبو عمر: أنا شاك في إسلام سويد بن الصامت، كما شك فيه غيري [ (١) ] .
له قبول ما دعاه إليه وقال له: لا أبعد ما جئت به، ثم انصرف إلى قومه بالمدينة. قال أبو عمر: أنا شاك في إسلام سويد بن الصامت، كما شك فيه غيري [ (١) ] .
ثم لقي رسول اللَّه ﷺ بعد لقاء سويد بن الصامت فتية من بنى عبد الأشهل قال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني الحصين بن عبد الرحمن بن سعد بن معاذ، عن محمود بن لبيد، أخى بنى عبد الأشهل قال: لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة، ومعه فتية من بنى عبد الأشهل، فيهم إياس بن معاذ، [يلتمسون] [ (٢) ] الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول اللَّه ﷺ، فأتاهم، فجلس إليهم، فقال لهم: هل لكم [في] [ (٣) ] خير مما جئتم له؟ فقالوا [له] [ (٤) ] : وما ذاك؟ قال: أنا رسول اللَّه، بعثني إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وأنزل عليّ الكتاب، ثم ذكر لهم الإسلام، [وتلى] عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ- وكان غلاما حدثا-: [أي] [ (٥) ] قوم! هذا واللَّه خير مما جئتم له، [قال] [ (٦) ] فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع، حفنة من البطحاء، فضرب بها وجه إياس [
ابن معاذ] [ (١) ] وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا [قال: فصمت إياس] [ (٢) ] . وقام رسول اللَّه ﷺ عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، [وكانت] وقعة بعاث بين الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك. قال محمود ابن لبيد: فأخبرني من حضره [من] قومه [عند موته] أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل اللَّه تعالى، ويكبره، ويحمده، ويسبحه، حتى مات، وكانوا لا يشكون أن قد مات مسلما، [فقد] كان استشعر الإسلام في ذلك المجلس، حين سمع من رسول اللَّه ﷺ ما سمع [ (٣) ] . وخرج البخاري وأحمد من حديث أبى أسامة قال: أخبرنا هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها، قالت: كان يوم بعاث يوما قدمه اللَّه لرسوله ﷺ، فقدم رسول اللَّه ﷺ المدينة، وقد افترق ملأهم، وقتلت سرواتهم [ (٤) ] . وزاد أحمد: ورقوا للَّه ولرسوله في دخولهم في الإسلام [ (٥) ] .
وكان من خبر يوم بعاث [ (١) ] [اعلم] أن الأوس والخزرج لما استقروا بيثرب كما تقدم، وقع بينهم عدة حروب [في مدة] مائة وعشرين سنة، آخرها أن قريظة والنضير [حيان] من اليهود، جددوا مع الأوس العهود على المؤازرة والتناصر. وأدخلوا معهم قبائل أخر من اليهود، وجدّوا في أمرهم، فجمعت الخزرج، واستنفروا حلفاءهم من أشجع، وجهينة، فراسل الأوس أيضا حلفاءهم من مزينة، وأقام الفريقان مدة أربعين يوما يتجهزون للحرب، ثم التقوا ببعاث- وهي من أموال بنى قريظة- وعلى الأوس حضير الكتائب بن سماك بن عتيك بن رافع بن امرئ القيس [بن] زيد بن الأشهل بن جشم بن الحارث بن عمرو بن مالك بن الأوس [ (٢) ] وعلى الخزرج رحيلة بن ثعلبة بن خالد بن عامر بن بياضة بن زريق ابن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جشم بن الخزرج بن حارثة البياضيّ [ (٣) ] ، وتخلف عبد اللَّه بن أبىّ ابن سلول فيمن تبعه عن الخزرج، وتخلف بنو حارثة ابن الحارث عن الأوس، [فاقتتلوا] قتالا شديدا صبروا فيه جميعا، ثم انهزمت الأوس، فثبت حضير الكتائب، ونزل عن فرسه، وضرب بحربته ظهر قدمه، وصرخ وا عقراه، وصاح: واللَّه لا أبرح حتى أقتل، فعطفوا عليه، وقاتلوا، فقتل عمرو بن النعمان رئيس الخزرج، فانهزم الخزرج،
عن فرسه، وضرب بحربته ظهر قدمه، وصرخ وا عقراه، وصاح: واللَّه لا أبرح حتى أقتل، فعطفوا عليه، وقاتلوا، فقتل عمرو بن النعمان رئيس الخزرج، فانهزم الخزرج،
ووضع الأوس فيهم السلاح، ثم كفوا عنهم. وأما حضير الكتائب فمات من جراحته، وأحرق الأوس دور الخزرج ونخيلهم. وخرج الترمذي من حديث الفضل بن موسى، عن عيسى بن عبيد، عن غيلان بن عبد اللَّه، عن أبى زرعة بن عمرو بن جرير بن عبد اللَّه رضى اللَّه ﵎ عنه، عن رسول اللَّه ﷺ قال: إن اللَّه أوحى إليّ أي هؤلاء الثلاثة نزلت، فهي دار هجرتك: المدينة، أو البحرين، أو قنسرين [ (١) ] قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الفضل بن موسى [ (٢) ] . وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال، فلما اشتدوا على رسول اللَّه ﷺ والمسلمين، أمرهم رسول اللَّه ﷺ [بالخروج] إلى المدينة، فخرجوا
أرسالا أرسالا [ (١) ] فخرج منهم قبل خروج رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة: أبو سلمة ابن عبد الأسد، وامرأته أم سلمة بنت أبى أمية، وعامر بن ربيعة، وامرأته أم عبد اللَّه بنت أبى حثمة- ويقال: أول ظعينة قدمت المدينة أم سلمة، ويقول بعض الناس: أم عبد اللَّه، واللَّه أعلم- ومصعب بن عمير، وعثمان بن مظعون، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعبد اللَّه بن جحش، وعثمان بن الشريد، وعمار بن ياسر.
الناس: أم عبد اللَّه، واللَّه أعلم- ومصعب بن عمير، وعثمان بن مظعون، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعبد اللَّه بن جحش، وعثمان بن الشريد، وعمار بن ياسر. فنزل أبو سلمة، وعبد اللَّه بن جحش في بنى عمرو بن عوف، ثم خرج عمر بن الخطاب، وعباس بن أبى ربيعة في أصحاب لهم، فنزلوا في بنى عمرو بن عوف، وعدا أبو سفيان بن حرب على دار بنى جحش، وهي دار إياب بن عثمان عند الروم فيملكها، إذ بقيت [خرابا] لا أحد بها، لأنهم هاجروا بنسائهم، وطلب أبو جهل بن هشام، والحارث بن هشام، والعاص بن هشام، عباس بن أبى ربيعة- وهو أخوهم لأمهم- فقدموا المدينة، فذكروا له حزن أمه وقالا له: إنها حلفت أنها لا يظلها سقف بيت، ولا يمس رأسها دهن حتى تراك، [ولولا] ذاك لم نطلبك، فنذكرك اللَّه في أمك- وكان بها رحيما، وكان يعلم من حبها إياه، ورأفتها به- فصدق قولهم، [ورق] لها، لما ذكروا [له] منها، وأبى أن يتبعهما، حتى عقد له الحارث بن هشام عقدا، فلما خرجا به أوثقاه، فلم يزل به، قال: حتى خرج من خرج قبل فتح مكة، وكان رسول اللَّه ﷺ يدعو له بالخلاص. قال: وخرج عبد الرحمن بن عوف، على سعد بن الربيع، في بنى الحارث بن الخزرج، وخرج عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد اللَّه، والزبير ابن العوام، وطائفة أخرى، فأما طلحة فخرج إلى الشام، ثم تتابع أصحاب رسول اللَّه ﷺ [كذلك] إلى المدينة أرسالا. ومكث من أصحابه بمكة، حتى بعد مقدمه المدينة، منهم: سعد بن أبى وقاص- وقيل: بل قدم قبل قدوم رسول اللَّه ﷺ.
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: حدثني نافع عن عبد اللَّه ابن عمر، عن أبيه عمر بن الخطاب رضى اللَّه ﵎ عنهما قال: لما اجتمعنا للحرة، اتعدت أنا وعباس بن أبى ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل، وقلنا: الميعاد بيننا القاصب [ (١) ] من أضاة بنى غفار، فمن أصبح منكم لم يأتها فقد حبس، فليمض صاحباه، فأصبحت أنا وعباس بن أبى ربيعة، وحبس عنا هشام، وفتن فافتتن. وقدمنا المدينة، و [كنا] نقول: ما اللَّه يقبل من هؤلاء توبة، قوم عرفوا اللَّه وآمنوا به، وصدقوا رسوله، ثم رجعوا عن ذلك، لبلاء أصابهم من الدنيا، وكانوا يقولونه لأنفسهم، فأنزل اللَّه ﷿ فيهم: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ] [ (٢) ] . قال عمر رضى اللَّه ﵎ عنه: فكتبتها بيدي كتابا، ثم بعثت بها إلى هشام بن العاص، فقال هشام: فلما قدمت على، خرجت بها إلى ذي طوى، فجعلت أصعدها، وأصوب لأفهمها، فقلت: اللَّهمّ فهمنيها، فعرفت أنها أنزلت فينا، لما كنا نقول في أنفسنا، ويقال فينا. فرجعت، فجلست على بعيري، فلحقت برسول اللَّه ﷺ، فقتل هشام شهيدا بأجنادين [ (٣) ] ، في ولاية أبى بكر رضى اللَّه ﵎ عنه.
كنا نقول في أنفسنا، ويقال فينا. فرجعت، فجلست على بعيري، فلحقت برسول اللَّه ﷺ، فقتل هشام شهيدا بأجنادين [ (٣) ] ، في ولاية أبى بكر رضى اللَّه ﵎ عنه.
وقال عبد العزيز بن محمد، عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر [قال ابن إسحاق: ونزل عمر بن الخطاب حين قدم المدينة ومن لحق به من أهله وقومه، وأخوه زيد بن الخطاب، وعمرو، وعبد اللَّه ابنا سراقة بن المعتمر، وخنيس بن حذافة السهمي وكان صهره على ابنته حفصة بنت عمر مخلف عليها رسول اللَّه ﷺ بعده وسعيد بن زيد عمرو بن نفيل، وواقد ابن عبد اللَّه التميمي حليف لهم، وخولى بن أبى خولى، ومالك بن أبى خولى، حليفان لهم] [ (١) ] . وقال إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء، فذكر حديث الهجرة والقبلة، قال البراء: وكان أول من قدم علينا من المهاجرين، مصعب بن عمير، أخو بنى عبد الدار بن قصي، فقلنا له ما فعل رسول اللَّه ﷺ؟ فقال: هو مكانه، وأصحابه على إثري، ثم أتى بعده عمر، و [ابن] أم مكتوم الأعمى، أخو بنى فهر، فقلنا له: ما فعل من ورائك رسول اللَّه ﷺ وأصحابه؟ قال: هم على الإثر، ثم أتى بعده عمار بن ياسر، وسعد بن أبى وقاص، وعبد اللَّه بن مسعود، وبلال، ثم أتانا عمر بن الخطاب في عشرين راكبا، ثم أتانا بعدهم رسول اللَّه ﷺ، وأبو بكر رضى اللَّه ﵎ عنه معه. أخرجه مسلم.
وذكر محمد بن إسحاق أسماء من هاجر إلى المدينة، أتم من ذكر موسى بن عقبة، ثم قال: وكان آخر من قدم المدينة من الناس ممن لم يفتن في دينه أو يحبس، على بن أبى طالب رضى اللَّه ﵎ عنه، وذلك أن رسول اللَّه ﷺ أخره بمكة، وأمره أن ينام على فراشه، وأجله ثلاثا، وأمره أن يؤدى كل ذي حق حقه، ففعل، ثم لحق برسول اللَّه ﷺ.
لب رضى اللَّه ﵎ عنه، وذلك أن رسول اللَّه ﷺ أخره بمكة، وأمره أن ينام على فراشه، وأجله ثلاثا، وأمره أن يؤدى كل ذي حق حقه، ففعل، ثم لحق برسول اللَّه ﷺ.
فصل في ذكر خروج رسول اللَّه ﷺ من مكة إذ مكر به المشركون، وهجرته إلى المدينة دار هجرته ونزوله على الأنصار رضى اللَّه ﵎ عنهم وتلاحق المهاجرين به [ﷺ] قال ابن قتيبة: الهجرة، من هجرت الرجل هجرانا وهجرا، إذا قطعته، وكان الرجل إذا أسلم هجر قومه، فيفر إلى رسول اللَّه ﷺ، فسمى مسيره إليه هجرة. وقيل: هاجر، خرج من أرض، والمدينة [فعيلة تجمع [ (١) ] على مدائن بالهمز] ولذلك همزت في الجمع، لأنه لا أصل للياء في الحركة، وقيل: هي من دان، تدين دينا، إذا أطاع، والدين، الطاعة، والمدينة، موضع الطاعة. وقال أبو عبيد: دنته، ملكته، وقال ابن كيسان: مدينة، فعلة من مدنت، وتكون مفعله من دان يدين. وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب [عن] الزهري: ومكث رسول اللَّه ﷺ بعد الحج، بقية ذي الحجة، والمحرم، وصفر، ثم إن مشركي قريش أجمعوا أن يقتلوه، أو يخرجوه، حين ظنوا أنه خارج، وعلموا أن اللَّه قد جعل له مأوى ومنعة، ولأصحابه، وبلغهم إسلام من أسلم، ورأوا من يخرج إليهم من المهاجرين، فأجمعوا أن يقتلوا رسول اللَّه ﷺ، أو يثبتوه، فقال اللَّه ﷿: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [ (٢) ] . وبلغه ﷺ من ذلك اليوم الّذي آتى فيه أبا بكر رضى اللَّه ﵎ عنه، أنهم مبيتوه إذا أمسى على فراشه، فخرج وأبو بكر من جوف
َّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [ (٢) ] . وبلغه ﷺ من ذلك اليوم الّذي آتى فيه أبا بكر رضى اللَّه ﵎ عنه، أنهم مبيتوه إذا أمسى على فراشه، فخرج وأبو بكر من جوف
الليل قبل الغار- غار ثور- وهو الّذي ذكر اللَّه ﷿ في الكتاب، وعمد على بن أبى طالب رضى اللَّه ﵎ عنه، فرقد على فراش رسول اللَّه ﷺ على بن أبى طالب رضى اللَّه ﵎ عنه وباتت قريش يختلفون ويأتمرون، أيهم يجثم على صاحب الفراش فيوثقه، فكان ذلك أمرهم حتى أصبحوا، فإذا هم بعلي بن أبى طالب، فسألوه عن رسول اللَّه ﷺ فأخبرهم أنه لا علم له به، فعلموا عند ذلك أنه قد خرج فارا منهم، فركبوا في كل وجه يطلبونه. وقال يونس بن بكير، إن ابن إسحاق قال: فلما أيقنت قريش أن محمدا ﷺ قد بويع، وأمر من كان بمكة من أصحابه أن يلحقوا بإخوانهم بالمدينة [تآمروا] فيما بينهم فقالوا: الآن فأجمعوا في أمر محمد، فو اللَّه لكأنه قد كر عليكم بالرجال، فأثبتوه، أو اقتلوه، أو أخرجوه، فاجتمعوا له في دار الندوة ليقتلوه، فزعم ابن دريد في (الوشاح) ، أنهم كانوا خمسة عشر رجلا. وذكر ابن دحية في كتاب (المولد) ، أنهم كانوا مائة رجل. قال ابن [إسحاق] : فلما دخلوا الدار، اعترضهم الشيطان في صورة رجل [جميل] في بت له، قال: أدخل؟ قالوا: من أنت؟ قال: أنا رجل من أهل نجد، سمع بالذي اجتمعتم له، وأراد أن يحضره معكم، فعسى أن لا يعدمكم رأى ونصح، فقالوا: أجل، فادخل، فلما دخل قال بعضهم لبعض: قد كان من الأمر ما قد علمتم، [أجمعوا] في هذا الرجل رأيا واحدا، وكان ممن اجتمع له في دار الندوة: شيبة، وعتبة ابنا ربيعة، وأبو جهل بن هشام، والنضر بن الحارث، فقال قائل منهم: أرى أن تحبسوه، وتربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء، زهير بن أبى سلمى، والنابغة، وغيرهما، فقال النجدي: واللَّه ما هذا لكم برأي، واللَّه لئن فعلتم لخرج رأيه وحديثه حيث حبستموه، إلى من وراءه من أصحابه، فأوشك أن ينتزعوه من أيديكم، ثم يغلبوكم على ما في أيديكم من أمركم. فقال قائل منهم: بل نخرجه فننفيه من بلادنا، فإذا غيب عنا وجهه وحديثه، فو اللَّه ما نبالى أين وقع من البلاد، ولئن كان أجمعنا بعد ذلك أمرنا،
وأصلحنا ذات بيننا، قال [الشيخ] النجدي: لا، واللَّه ما هذا لكم برأي، أما رأيتم حلاوة منطقه، وحسن حديثه، وغلبته على ما يلقاه، دون من خالفه، واللَّه لكأنّي به إن فعلتم ذلك، قد دخل على قبيلة من قبائل العرب، فأصفقت معه على رأيه، ثم سار بهم إليكم، حتى بطأكم بهم، فلا واللَّه ما هذا لكم برأي. فقال أبو جهل بن هشام: واللَّه إن لي فيه لرأيا، ما أراكم وقعتم عليه، قالوا: وما هو؟ قال: أرى أن تأخذوا من كل قبيلة من قريش غلاما، فتيا، جلدا، نسيبا، وسيطا، ثم تعطوهم شفارا صارمة، ثم يجتمعوا، فيضربوه ضربة رجل واحد، فإذا قتلتموه، تفرق دمه في القبائل، فلم تدر عبد مناف بعد ذلك ما تصنع، يقعوا على حرب قومهم، فإنما قصرهم عند ذلك أن يأخذوا العقل، [فتؤدونه] لهم، قال الشيخ النجدي: للَّه در الفتى، هذا هو الرأى، وإلا فلا شيء، فتفرقوا على ذلك واجتمعوا له، وأتى رسول اللَّه ﷺ الخبر، وأمر أن لا ينام على فراشه تلك الليلة، فلم يبت حيث كان يبيت، وبيت عليا رضى اللَّه ﵎ عنه في مضجعه. وقال ابن إسحاق، عن عبد اللَّه بن أبى نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: وحدثني الكلبي عن باذان، مولى أم هانئ، عن عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه ﵎ عنهما، أن نفرا من قريش، من أشراف كل قبيلة، اجتمعوا، فذكر معنى هذه القصة، إلى أن قال: فأتى جبريل رسول اللَّه ﷺ، فأمره أن لا يبيت في مضجعه الّذي كان يبيت فيه، وأخبره بمكر القوم، فلم يبت في بيته تلك الليلة. وأذن اللَّه ﷿ عند ذلك بالخروج، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة في [سورة] الأنفال يذكر نعمته عليه، وبلاءه عنده: ﷺ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ
ءه عنده: ﷺ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ
الْماكِرِينَ [ (١) ] ، وأنزل في قولهم: تربصوا [به] حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء: أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ [ (٢) ] . وقال يونس عن ابن إسحاق: وأقام رسول اللَّه ﷺ ينتظر أمر اللَّه، حتى إذا اجتمعت قريش فمكرت، وأرادوا به [ما] أرادوه، أتاه جبريل ﵇، فأمره أن لا يبيت في مكانه الّذي كان يبيت به، ودعا رسول اللَّه ﷺ على بن أبى طالب، فأمره أن يبيت على فراشه، ويتشح ببرد له أخضر، ففعل، ثم خرج رسول اللَّه ﷺ على القوم وهم على بابه، وخرج [و] معه [حفنة] من تراب، فجعل ينثرها على رءوسهم، وأخذ اللَّه ﷿ بأبصارهم عن نبيه ﷺ [وهو] يقرأ: يس* وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ* إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ* عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ* لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ* لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ* وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [ (٣) ] وذكر الواقدي: أن الذين كانوا ينتظرونه: أبو جهل، والحكم بن أبى العاصي، وعقبة بن أبى معيط، والنضر بن الحارث، وأمية بن خلف، وابن القيطلة، وزمعة بن الأسود، والمطعم بن عدي، وأبو لهب، وأبى بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج. وذكر أن قريشا بعثت قائفين يقصان آثار رسول اللَّه ﷺ، أحدهما كرز ابن علقمة بن هلال الخزاعي، فاتبعاه حتى انتهيا إلى غار ثور، فرأى كرز عليه نسج العنكبوت، فقال: هاهنا انقطع الأثر، فانصرفوا، وقال بعضهم: ادخلوا الغار، فقال أمية بن خلف: وما أريكم إلى الغار، وعليه من نسج العنكبوت ما عليه، واللَّه إني لأرى هذا النسج قبل أن يولد محمد، وبال حتى جرى بوله بين رسول اللَّه ﷺ وأبى بكر.
خلف: وما أريكم إلى الغار، وعليه من نسج العنكبوت ما عليه، واللَّه إني لأرى هذا النسج قبل أن يولد محمد، وبال حتى جرى بوله بين رسول اللَّه ﷺ وأبى بكر.
وقال محمد بن عبد الملك بن هشام، عن زياد بن عبد اللَّه البكائي، عن ابن إسحاق: واذن اللَّه لنبيه ﷺ عند ذلك في الهجرة وكان أبو بكر رضى اللَّه ﵎ عنه رجلا ذا مال، فكان حين استأذن رسول اللَّه ﷺ في الهجرة قال له: لا تعجل، لعل اللَّه يجعل لك صاحبا، فيطمع [أبو بكر] بأن رسول اللَّه ﷺ إنما يعنى نفسه حين قال ذلك، [فابتاع] راحلتين، فحبسهما في داره يعلفهما إعدادا لذلك. فحدثني من لا أتهم، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين رضى اللَّه ﵎ عنها، أنها قالت: كان لا يخطئ رسول اللَّه ﷺ أن يأتى بيت أبى بكر رضى اللَّه ﵎ عنه، أحد طرفي النهار، إما بكرة، وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الّذي أذن اللَّه فيه لرسوله في الهجرة والخروج من مكة، من بين ظهري قومه، أتانا رسول اللَّه ﷺ بالهاجرة، في ساعة كان لا يأتى فيها، قالت: فلما رآه أبو بكر رضى اللَّه ﵎ عنه قال: ما جاء رسول اللَّه [ﷺ] هذه الساعة إلا لأمر حدث، قالت: فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول اللَّه ﷺ، وليس عند أبى بكر إلا أنا، وأختى أسماء، فقال رسول اللَّه ﷺ: أخرج عنى من عندك، فقال يا رسول اللَّه: إنما هما ابنتاى، وما ذاك؟ فداك أبى وأمى، قال: إن اللَّه ﷿ أذن لي في الخروج والهجرة. قالت: فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول اللَّه، قال: الصحبة، قالت فو اللَّه ما شعرت قط قبل ذلك اليوم، أن أحدا يبكى من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يبكى يومئذ، ثم قال: يا نبي اللَّه، إن هاتين راحلتان، كنت أعددتهما لهذا. وفي (طبقات ابن سعد) : أن ثمنها ثمان مائة درهم، اشتراهما من نعم بنى قشير، فأخذ ﷺ القصواء بثمنها. قال ابن هشام: فاستأجرا عبد اللَّه بن أريقط- رجلا من بنى الديل من بكر، وكانت أمه امرأة من بنى سهم بن عمرو، وكان مشركا يدلهما على الطريق، ودفعا إليه راحلتيهما، وكانتا عنده يرعاهما لميعادهما.
قال ابن إسحاق: ولم يعلم فيما بلغني بخروج رسول اللَّه ﷺ أحد حين خرج، إلا على بن أبى طالب، وأبو بكر الصديق، وآل أبى بكر، أما على رضى اللَّه ﵎ عنه، فإن رسول اللَّه ﷺ فيما بلغني أخبره بخروجه، وأمره أن يتخلف بمكة، حتى يؤدى عن رسول اللَّه ﷺ الودائع التي كانت عنده للناس، وكان رسول اللَّه ﷺ، وليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده، لما يعلم من صدقه وأمانته، فلما أجمع رسول اللَّه ﷺ الخروج، أتى أبا بكر رضى اللَّه ﵎ عنه فخرجا من خوخة لأبى بكر في ظهر بيته، ثم إلى غار بثور- جبل بأسفل مكة- فدخلاه وأمر أبو بكر رضى اللَّه ﵎ عنه، ابنه عبد اللَّه بن أبى بكر، أن يسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيها إذا أمسى، بما يكون في ذلك اليوم من الخبر، وأمر عامر بن فهيرة مولاه، أن يرعى غنمة نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى في الغار، وكانت أسماء بنت أبى بكر رضى اللَّه ﵎ عنهما تأتيهما من الطعام إذا أمست، بما يصلحهما. فأقام رسول اللَّه ﷺ في الغار ثلاثا، ومعه أبو بكر رضى اللَّه ﵎ عنه، وجعلت قريش فيه حين فقدوه مائة ناقة لمن يرده عليهم، وكان عبد اللَّه بن أبى بكر يكون في قريش [نهاره] معهم، يسمع ما يأتمرون به، وما يقولون في شأن رسول اللَّه ﷺ وأبى بكر رضى اللَّه ﵎ عنه، ثم يأتيهما إذا أمسى فيخبرهما الخبر، وكان عامر بن فهيرة مولى أبى بكر، يرعى في رعيان أهل مكة، فإذا أمسى أراح عليهما غنم أبى بكر رضى اللَّه ﵎ عنه فاحتلبا وذبحا، فإذا عبد اللَّه بن أبى بكر غدا من عندهما إلى مكة، اتبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم، حتى يعفى عليه. حتى إذا مضت الثلاث، وسكن عنهما الناس، أتاهما صاحبهما الّذي استأجراه ببعيريهما وبعير له، وأتتهما أسماء بنت أبى بكر بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها عصاما، فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس لها [عصام] [ (١) ] ،
ستأجراه ببعيريهما وبعير له، وأتتهما أسماء بنت أبى بكر بسفرتهما، ونسيت أن تجعل لها عصاما، فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس لها [عصام] [ (١) ] ،
فتحل نطاقها، فتجعله عصاما [ (١) ] ، ثم علقتها به، وكان يقال لأسماء: ذات [النطاقين] لذلك. فلما قرب أبو بكر رضى اللَّه ﵎ عنه الراحلتين إلى رسول اللَّه ﷺ قدم أفضلهما، ثم قال: اركب، فداك أبى وأمى، فقال رسول اللَّه ﷺ إني لا أركب بعيرا ليس لي، قال: فهي لك يا رسول اللَّه، بأبي أنت وأمى، قال لا، ولكن بالثمن الّذي ابتعتها به [ (١) ] ؟ قال: كذا وكذا، قال: قد أخذتها به، قال هي لك يا رسول اللَّه، فركبا وانطلقا، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة مولاه خلفه، ليخدمهما في الطريق، وحمل أبو بكر رضى اللَّه ﵎ عنه مع نفسه جميع ماله، وهو نحو ستة آلاف درهم. قال ابن إسحاق: ولما خرج بهما دليلهما عبد اللَّه بن أريقط، سلك بهما أسفل مكة، ثم مضى بهما على الساحل، أسفل من عسفان [ (٢) ] . وذكر المبارك، حتى قال: ثم قدم بهما قبائل بنى عمرو بن عوف، لاثنتي عشر ليلة خلت من شهر ربيع الأول، يوم الاثنين حين اشتد الضحى، وكادت الشمس أن تعتدل. قال ابن هاشم: ويقال بل نزل على سعد بن خيثمة، ونزل أبو بكر رضى اللَّه ﵎ عنه على حبيب بن إساف. ويقال: بل كان منزله على خارجة بن زيد. وأقام على رضى اللَّه ﵎ عنه بمكة ثلاث ليال وأيامها، حتى رد عن رسول اللَّه ﷺ الودائع التي كانت عنده للناس، حتى إذا فرغ منها لحق برسول اللَّه ﷺ، فنزل معه على كلثوم بن هدم، فأقام رسول اللَّه ﷺ بقباء في بنى عمرو بن عوف يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، ويوم الخميس، وأسس مسجده، ثم أخرجه اللَّه بين أظهرهم، يوم الجمعة،
م رسول اللَّه ﷺ بقباء في بنى عمرو بن عوف يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، ويوم الخميس، وأسس مسجده، ثم أخرجه اللَّه بين أظهرهم، يوم الجمعة،
حتى أسس مسجده- كما تقدم- ونزل بدار أبى أيوب الأنصاري رضى اللَّه ﵎ عنه، ثم تحول إلى مساكنه. قال محمد بن زبالة: ونزل رسول اللَّه ﷺ في سفل بيت أبى أيوب رضى اللَّه ﵎ عنه، [فكره] أبو أيوب أن [يكون] منزله فوق رأس رسول اللَّه، فلم يزل ساهرا حتى أصبح. فقال يا رسول اللَّه، إني أخشى أن أكون قد ظلمت نفسي، أنى فوق رأس رسول اللَّه، فينزل التراب من وطئ أقدامنا، وإنه أطيب لنفسي أن أكون تحتك، فقال رسول اللَّه ﷺ: السفل أرفق بنا وبمن يغشانا، فلم يزل أبو أيوب يتضرع إليه حتى انتقل رسول اللَّه ﷺ في العلو، فابتاع المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ذلك البيت من أبى أفلح، مولى أبى أيوب بألف دينار، فتصدق به، وقد بنى ولم يغير سقفه. وقال ابن إسحاق: وتلاحق المهاجرون إلى رسول اللَّه ﷺ فلم يبق منهم أحد إلا مفتون أو محبوس، قال: فأقام رسول اللَّه ﷺ بالمدينة، إذ قدمها شهر ربيع الأول، إلى صفر من السنة الداخلة، حتى بنى له فيها مسجده ومساكنه، فاستجمع له إسلام هذا الحي من الأنصار، فلم يبق دار من دور إلا أسلم أهلها، إلا من كان من خطمة، وواقف، ووائل، وأمية، وكذلك أوس اللَّه، وهم حي من الأوس، فإنّهم أقاموا على شركهم. وكتب رسول اللَّه ﷺ كتابا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه يهود، وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم، وشرط لهم، وقد تقدم ذكره [ (١) ] . قال ابن إسحاق: وآخى رسول اللَّه ﷺ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، ثم ذكرهم. وقد خرج البخاري حديث الهجرة من طريق يحى بن بكير، قال: حدثنا الليث عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها، فذكره في آخر كتاب الكفالة، وترجم عليه باب: جوار
أبى بكر رضى اللَّه ﵎ عنه [ (١) ] وذكره في كتاب الهجرة مطولا [ (٢) ] . وفرقه في عدة مواضع من طرق أخر [ (٣) ] . وخرجه مسلم من طرق [ (٤) ] . وأخرج الإمام أحمد من حديث عبد الرزاق قال: حدثنا معمر عن ثابت عن أنس رضى اللَّه ﵎ عنه قال: لما قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة، لعبت الحبشة بحرابها فرحا بذلك [ (٥) ] .
وقال عبد الأعلى: عن عوف، عن ثمامة، عن أنس، أن رسول اللَّه ﷺ مر بجوارى من الأنصار وهن يغنين يقلن: نحن جوار بنى النجار وحبذا محمد من جار فقال ﷺ: اللَّه يعلم أنى أحبكن [ (١) ] . وقال أبى خليفة، الفضل بن الحباب: سمعت ابن عائشة يقول: لما قدم رسول اللَّه ﷺ جعل النساء والصبيان [الولائد] يقلن: طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا للَّه داع [أيها المبعوث فينا ... جئت بالأمر المطاع [ (٢) ]] وخرج الحاكم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: شهدت يوم دخل رسول اللَّه ﷺ المدينة، فلم أر يوما أحسن أو أضوأ منه. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم [ (٣) ] . [ولم يخرجاه] [ (٤) ] . ومن حديث إسرائيل، عن ابن إسحاق، عن البراء، عن أبى بكر رضى اللَّه ﵎ عنه قال: ومضى رسول اللَّه [ﷺ] حتى قدم المدينة، وخرج الناس حتى دخلنا في الطريق، وصاح النساء، والخدام، والغلمان، جاء محمد، جاء رسول اللَّه، اللَّه أكبر، جاء رسول اللَّه، فلما أصبح انطلق، فنزل حيث أمر. قال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين [ (٥) ] . [ولم يخرجاه] [ (٦) ] وله ولابن حبان، من حديث الحسين بن واقد، عن يزيد النحويّ، أن عكرمة حدثه عن ابن عباس قال: لما قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة، كانوا من
[ولم يخرجاه] [ (٦) ] وله ولابن حبان، من حديث الحسين بن واقد، عن يزيد النحويّ، أن عكرمة حدثه عن ابن عباس قال: لما قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة، كانوا من
أخبث الناس كيلا، فأنزل اللَّه تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ* الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. [ (١) ] فأحسنوا الكيل بعد ذلك [ (٢) ] . قال هذا حديث صحيح. وفي كتاب (شرف المصطفى) : لما بركت الناقة على باب أبى أيوب، خرج جوار من بنى النجار يضربن بالدفوف ويقلن: نحن جوار بنى النجار ... يا حبذا محمد من جار فقال [ﷺ] : أتحبينني؟ قلن: نعم يا رسول اللَّه، فقال: أنا واللَّه أحبكن، قالها ﷺ ثلاثا. [ (٣) ]
فصل في ذكر مواساة الأنصار المهاجرين بأموالهم لما قدموا عليهم المدينة قال تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ، يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ (١) ] قال أبو عبد اللَّه القرطبي: لا خلاف أن الذين تبوءوا الدار هم الأنصار الذين استوطنوا المدينة قبل المهاجرين. قال: والتبوؤ، التمكن والاستقرار، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، لا يحسدون المهاجرين على ما خصوا به [من] الفيء وغيره.
طنوا المدينة قبل المهاجرين. قال: والتبوؤ، التمكن والاستقرار، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، لا يحسدون المهاجرين على ما خصوا به [من] الفيء وغيره. وخرج البخاري ومسلم، من حديث يونس عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك رضى اللَّه ﵎ عنه قال: لما قدم المهاجرون من مكة [إلى] المدينة، قدموا وليس بأيديهم شيء، وكان الأنصار أهل الأرض والعقار، فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم كل عام، ويكفونهم العمل والمؤنة، وكانت أم أنس [بن مالك وهي تدعى أم سليم، وكانت أم عبد اللَّه بن أبى طلحة، كان أخا لأنس] [ (٢) ] لأمه، كانت أعطت [أم أنس] [ (٢) ] رسول اللَّه [ﷺ عذاقا لها، فأعطاها رسول اللَّه ﷺ أم أيمن، مولاته، أم أسامة بن زيد، فلما فرغ رسول اللَّه ﷺ من قتال أهل خيبر وانصرف إلى المدينة، رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم، قال: فرد اللَّه ﷺ إلى أمى عذاقها، وأعطى رسول اللَّه ﷺ أم أيمن مكانهم من حائطه. وفي رواية: من خالصة [ (٣) ] زاد مسلم: قال ابن شهاب: وكان من
شأن أم أيمن- أم أسامة بن زيد- أنها كانت وصيفة لعبد المطلب، وكانت من الحبشة، فلما ولدت آمنة رسول اللَّه ﷺ بعد ما توفى أبوه، كانت أم أيمن تحضنه حتى كبر رسول اللَّه ﷺ فأعتقها، ثم أنكحها زيد بن حارثة، ثم توفيت بعد ما توفى رسول اللَّه ﷺ بخمسة أشهر وفي رواية قال: «كان الرجل يجعل للنّبيّ ﷺ النخلات من أرضه حتى افتتح قريظة والنضير، فجعل بعد ذلك يرد عليهم، وأن أهلي أمرونى أن آتى رسول اللَّه ﷺ فأسأله ما كان أهله أعطوه أو بعضه؟ وكان نبي اللَّه قد أعطاه أم أيمن فأتيت رسول اللَّه ﷺ فأعطانيهن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي، وقالت واللَّه لا يعطيكهن وقد أعطانيهن، فقال رسول اللَّه ﷺ: يا أم أيمن، اتركيه، ولك كذا، وتقول: كلا، واللَّه الّذي لا إله إلا هو، فجعل يقول كذا حتى أعطاها عشرة أمثاله، أو قريبا من عشرة أمثاله.
فصل في ذكر من بعثه رسول اللَّه ﷺ يعلم الأنصار وغيرهم القرآن ويفقههم في الدين اعلم أن رسول اللَّه ﷺ بعث عدة من أصحابه يعلمون الناس القرآن، ويفقهونهم في الدين، وكان أول من بعثه لذلك مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، القرشي، العبديّ، أبو عبد اللَّه، أحد الجلة من الصحابة، الذين أسلموا قديما، وهاجر إلى الحبشة، ثم بعثه رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة قبل الهجرة، بعد العقبة الثانية. يقرئهم القرآن [ويفقههم في الدين] وكان يدعى: القارئ والمقرئ وهو أول من سمى المقرئ، ويقال: إنه أول من جمّع- أي صلاة الجمعة- بالمدينة قبل الهجرة، وشهد بدرا، واستشهد يوم أحد [ (١) ] . قال الواقدي: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، وبكر بن الهيثم، قالا: حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا شعبة، عن أبى إسحاق عن البراء بن عازب رضى اللَّه ﵎ عنه قال: أول من قدم علينا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ من المدينة، مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم [ (٢) ] .
قال الواقدي: وقد روى أن مصعبا سار من المدينة إلى مكة، هاجر إليها مع رسول اللَّه ﷺ وأصحابه. وقال نصر بن على: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبى عن ابن إسحاق قال: ثم انصرفوا، وبعث معهم رسول اللَّه ﷺ مصعب بن عمير. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمران، أن رسول اللَّه ﷺ، إنما بعثه بعدهم، وإنما كتبوا إليه: أن الإسلام قد فشا فينا، فابعث إلينا رجلا من أصحابك، يقرئنا القرآن، ويفقهنا في الإسلام، ويقيمنا بسننه وشرائعه، ويؤمنا في صلاتنا، فبعث مصعب بن عمير، وكان منزل مصعب على أبى أمامة أسعد بن زرارة، وكان مصعب يسمى بالمدينة: المقرئ، وكان أبو أمامه يذهب به إلى دور الأنصار، يدعوهم إلى الإسلام، ويفقه من أسلم منهم. وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: يزيد بن أبى حبيب قال: لما انصرف عن رسول اللَّه ﷺ القوم، وبعث معهم مصعب بن عمير، فحدثني عاصم بن عمر، عن ابن قتادة، أن مصعب بن عمير، كان يصلى بهم،
اق: يزيد بن أبى حبيب قال: لما انصرف عن رسول اللَّه ﷺ القوم، وبعث معهم مصعب بن عمير، فحدثني عاصم بن عمر، عن ابن قتادة، أن مصعب بن عمير، كان يصلى بهم،
وذلك أن الأوس كره بعضهم أن يؤمه بعض، وحدثني عبد اللَّه بن أبى بكر بن حزم، وعبد اللَّه بن المغيرة بن معيقب قال: بعث رسول اللَّه ﷺ مصعب بن عمير. مع النفر الاثني عشر، الذين بايعوه في العقبة الأول إلى المدينة، [يفقه] أهلها، ويقرئهم القرآن. وذكر الخبر، ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة. وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، أن مصعب بن عمير، كان أول من جمع الجمعة بالمدينة للمسلمين، قبل أن يقدمها رسول اللَّه ﷺ وذكر غير الواقدي: أن الأنصار صلت قبل الهجرة سنتين إلى بيت المقدس وابن أم مكتوم كان ممن قدم المدينة معه مصعب بن عمير، قال الواقدي: قدمها بعد بدر بيسير [ (١) ] . ومعاذ بن جبل، بعثه رسول اللَّه ﷺ قاضيا الى الجند باليمن يعلم الناس القرآن. وشرائع الإسلام ويقضى بينهم، وقد تقدم التعريف به. وعمرو [بن] [حزم بن] زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن غنم ابن مالك بن النجار، الأنصاريّ، الخزرجىّ، النجارىّ، ومنهم من ينسبه في مالك بن جشم بن الخزرج، ومنهم من ينسبه في ثعلبة بن زيد بن مناة بن حبيب بن عبد حارثة بن مالك [يكنى] أبا الضحاك، أول مشاهده الخندق، واستعمله رسول اللَّه ﷺ على نجران، وهو ابن سبع عشرة سنة، ليفقههم في الدين، ويعلمهم القرآن ويأخذ صدقاتهم، وذلك في سنة عشر، وكتب له كتابا، فيه الفرائض، والسنن والديات، ومات [بالمدينة] سنة إحدى وخمسين وقيل: غير ذلك [ (٢) ] .
عقوبة من سب أصحاب رسول اللَّه ﷺ [حدثنا] [ (١) ] محمد بن الحسن بن زبالة، عن أبيه، أنبانا عبد اللَّه بن موسى بن جعفر، عن على بن موسى، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن على بن الحسين، عن أبيه، عن الحسين بن على، عن أبيه رضى اللَّه ﵎ عنه، أن رسول اللَّه ﷺ قال: من سب نبيا فاقتلوه، ومن سب أصحابى فاضربوه [ (٢) ] . ومن حديث أبى برزة: كنت يوما عند أبى بكر، رضى اللَّه ﵎ عنه، فغضب على رجل، حكى القاضي إسماعيل وغيره في هذا الحديث، أنه سب أبا بكر رضى اللَّه ﵎ عنه، وفي رواية النسائي
زة: كنت يوما عند أبى بكر، رضى اللَّه ﵎ عنه، فغضب على رجل، حكى القاضي إسماعيل وغيره في هذا الحديث، أنه سب أبا بكر رضى اللَّه ﵎ عنه، وفي رواية النسائي
قال: [أغلظ رجل لأبى بكر الصديق فقلت: أقتله] ؟ فانتهزنى، وقال: ليس هذا لأحد بعد رسول اللَّه ﷺ [ (١) ] .
[ () ] وقال الإمام إسحاق بن راهويه- أحد الأئمة الأعلام- أجمع المسلمون على أن من سبّ اللَّه، أو سب رسوله ﷺ، أو دفع شيئا مما أنزل اللَّه ﷿، أو قتل نبيا من أنبياء اللَّه ﷿: أنه كافر بذلك، وإن كان مقرا بكل ما أنزل اللَّه. قال الخطّابى: لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف في وجوب قتله. وقال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم رسول اللَّه ﷺ والمتنقص له كافر، والوعيد جاء عليه بعذاب اللَّه له، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر. وتحرير القول فيه: أن السابّ إن كان مسلما فإنه يكفّر ويقتل بغير خلاف، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وقد تقدم من حكى الإجماع على ذلك إسحاق بن راهويه وغيره، وإن كان ذميا فإنه يقتل أيضا في مذهب مالك وأهل المدينة، وسيأتي حكاية ألفاظهم، وهو مذهب أحمد وفقهاء الحديث. وقد نصّ أحمد على ذلك في مواضع متعددة. قال حنبل: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: كل من شتم رسول اللَّه ﷺ أو تنقصه مسلما كان أو كافرا فعليه القتل، وأرى أن يقتل ولا يستتاب. قال: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: كل من نقض العهد وأحدث في الإسلام حدثا مثل هذا رأيت عليه القتل، وليس على هذا أعطوا العهد والذمة. وكذلك قال أبو الصفراء: سالت أبا عبد اللَّه عن رجل من أهل الذمة شتم رسول اللَّه ﷺ، ماذا عليه؟ قال: إذا قامت البينة عليه يقتل من شتم رسول اللَّه ﷺ، مسلما كان أو كافرا، رواهما الخلّال. وفي رواية عبد اللَّه وأبى طالب وقد سئل عن شتم رسول اللَّه ﷺ، قال: يقتل، قيل له: فيه أحاديث؟ قال: نعم، أحاديث منها: حديث الأعمى الّذي قتل المراة، قال: سمعتها تشتم رسول اللَّه ﷺ، وحديث حصين أن ابن عمر قال: من شتم رسول اللَّه ﷺ قتل.
فيه أحاديث؟ قال: نعم، أحاديث منها: حديث الأعمى الّذي قتل المراة، قال: سمعتها تشتم رسول اللَّه ﷺ، وحديث حصين أن ابن عمر قال: من شتم رسول اللَّه ﷺ قتل. وكان عمر بن العزيز يقول: يقتل، وذلك أنه من شتم رسول اللَّه ﷺ فهو مرتد عن الإسلام، ولا يشتم مسلم رسول اللَّه ﷺ. زاد عبد اللَّه: سألت أبى عمن شتم رسول اللَّه ﷺ، يستتاب؟ قال: قد وجب عليه القتل، ولا يستتاب، لأن خالد بن الوليد قتل رجلا شتم رسول اللَّه ﷺ ولم يستتبه، رواهما أبو بكر في (الشافي) . وفي رواية أبى طالب: سئل أحمد عمن شتم رسول اللَّه ﷺ، قال: يقتل، قد نقض العهد وقال جرير: سالت أحمد عن رجل من أهل الذمة شتم رسول اللَّه ﷺ، قال: يقتل إذا شتم رسول اللَّه ﷺ، رواهما الخلال، وقد نصّ على هذا في غير هذه الجوابات، فأقواله كلها نصّ في وجوب
وفي صحيح مسلم، من طريق عبد اللَّه بن نمير، عن نافع، عن ابن عمر رضى اللَّه ﵎ عنهما، أن رسول اللَّه ﷺ قال: إذا كفّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما [ (١) ] . وأخرجه البخاري [ (٢) ] من حديث على بن المبارك، عن يحيى بن أبى كثير، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة رضى اللَّه ﵎ عنه، أن رسول اللَّه ﷺ قال: إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما. وقال عكرمة بن عمار، عن يحيى، بن عبد اللَّه بن يزيد: سمع أبا سلمة، سمع أبا هريرة رضى اللَّه ﵎ عنه يحدث عن رسول اللَّه ﷺ، ذكره البخاري في كتاب الأدب. وخرج مسلم [ (٣) ] من حديث إسماعيل بن جعفر، عن عبد اللَّه بن دينار، أنه سمع ابن عمر رضى اللَّه ﵎ عنهما، يقول: قال رسول اللَّه ﷺ أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه. وخرجه البخاري [ (٤) ] من حديث عبد الوارث، حدثنا حسين [المعلم] ، عن [عبد اللَّه بن بريدة] ، عن يحيى بن يعمر، أن أبا الأسود [الدؤلي] حدثه، عن أبى ذر رضى اللَّه ﵎ عنه، أنه سمع رسول اللَّه ﷺ
يقول: ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، [ومن ادعى ما ليس له فيهم نسب فليتبوَّأ مقعده من النار] . وخرجه البخاري [ (١) ] أيضا من حديث عبد الوارث، عن الحسين، عن عبد اللَّه بن بريدة، قال: حدثني يحيى بن يعمر، أن أبا الأسود [الدؤلي] ، حدثه عن أبى ذر، أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: لا يرمى رجل رجلا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك. قال الشيخ أبو زكريا النووي: هذا الحديث مما عده بعض العلماء من المشكلات، من حيث أن ظاهره غير مراد، وذلك أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفر المسلم بالمعاصي كالقتل، والزنا، وكذا قوله لأخيه: كافر من غير اعتقاد بطلان [دين] الإسلام، فإذا عرف ما ذكرناه [فقيل] في تأويل الحديث أوجه: أحدهما: أنه محمول على المستحل لذلك، وهذا يكفر، فعلى هذا معنى [باء] بها، أي بكلمة الكفر، وكذا، حار عليه، وهو بمعنى رجعت عليه، أي رجع عليه الكفر، فباء، وحار، ورجع بمعنى واحد. والوجه الثاني: معناه، رجعت عليه نقيصته لأخيه، ومعصية تكفيره.
فر، وكذا، حار عليه، وهو بمعنى رجعت عليه، أي رجع عليه الكفر، فباء، وحار، ورجع بمعنى واحد. والوجه الثاني: معناه، رجعت عليه نقيصته لأخيه، ومعصية تكفيره. والوجه الثالث: أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين، وهذا الوجه نقله القاضي عياض، عن الإمام مالك بن أنس، وهو ضعيف، لأن المذهب الصحيح المختار، الّذي قاله الأكثرون، والمحققون، أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع. والوجه الرابع: معناه أن ذلك يؤول به إلى الكفر، وذلك أن [المعاصي]- كما قالوا- بريد الكفر، ويخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها، المصير إلى [الكفر] ، ويؤيد هذا الوجه، ما جاء في رواية أبى عوانة الأسفراييني، في كتابه (المخرج على صحيح مسلم) : فإن كان
كما قال، وإلا فقد باء بالكفر، وفي رواية: إذا قال لأخيه: يا كافر، وجب الكفر على أحدهما. والوجه الخامس: معناه، فقد رجع عليه تكفيره، فليس الراجع عليه حقيقة الكفر، بل التكفير، لكونه جعل أخاه المؤمن كافرا، فكأنه كفر نفسه، إما لأنه كفر من هو مثله، وإما لأنه كفر من لا يكفره إلا كافر، يعتقد بطلان دين الإسلام واللَّه أعلم [ (١) ] . قال الشيخ الإمام أبو الفتح السبكى: كون الخوارج لا يكفرون، لست موافقا عليه، لأن رسول اللَّه ﷺ، صح عنه في صحيح مسلم [ (٢) ] ، من حديث على رضى اللَّه ﵎ عنه، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: سيخرج في آخر الزمان قوم، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرءون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا عند اللَّه لمن قتلهم يوم القيامة.
رءون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا عند اللَّه لمن قتلهم يوم القيامة. وقد رويت آثارا تدل على أنهم هم الذين قاتلهم عليّ رضى اللَّه ﵎ عنه، وهم الخوارج، وهم ومن كان مثلهم بهذه المنزلة، يجوز قتلهم بهذا الحديث، وإن ادعى الإسلام، ولا نترك ما عندنا إلا اعتقاده، ولا يلتفت إليه بنص هذا الحديث، فإن هذا نص في القتل، وأما مجرد سب أبى بكر وعمر رضى اللَّه ﵎ عنهما، وغيرهما من الصحابة، فلم يجئ قط ما يقتضي قتل قاتله ولا كفره، والحديث الّذي يروى: من سب صحابيا فاجلدوه، إن صح فمعناه صحيح، لان واجبه التعزير، وهو يقتضي أنه لا يقتضي كفرا ولا قتلا، وحديث أبى برزة يدل على أن إغضاب رسول اللَّه ﷺ
يوجب القتل دون غيره من الناس. قال: وفي الصحيحين [ (١) ] عن رسول اللَّه ﷺ: ولعن المؤمن كقتله. قال الشيخ تقى الدين ابن دقيق العيد [سؤال] . لا يمكن أن يزاد في أحكام الدنيا، لأن اللعن لا يوجب القصاص [في الدنيا] ولا في الآخرة، لأن الإثم يتفاوت. قال المازرنى: يشبهه في الإثم، لأن اللعن قطع الرحمة، والموت قطع التصرف. وقيل: لعنة، تقتضي قصد إخراجه من المسلمين، وقطع منافعه الأخروية عنه، وقيل: استواؤهما في التحريم، فاقتضى كلام ابن دقيق العيد، أن اللعنة تعريض بالدعاء، الّذي قد يقع في ساعة إجابة، إلى البعد من رحمة اللَّه تعالى، وهو أعظم من القتل الّذي هو تفويت الحياة. قال السبكى الشيخ محيي الدين: أخذ بظاهر المنقول من عدم التكفير، وذلك محمول على ما إذا لم يصدر منهم سبب يكفر، كما إذا لم يحصل إلا مجرد الخروج [والقتال] ، ونحوه، أما مع التكفير لمن تحقق إيمانه، فمن أين ذلك؟.
لتكفير، وذلك محمول على ما إذا لم يصدر منهم سبب يكفر، كما إذا لم يحصل إلا مجرد الخروج [والقتال] ، ونحوه، أما مع التكفير لمن تحقق إيمانه، فمن أين ذلك؟. فإن قلت: قد قال الأصوليون في أصول الدين- ومنهم سيف الدين المزي- جوابا عن قول المكفرين: كيف لا نكفر الشيعة والخوارج بتكفيرهم أعلام الصحابة، رضى اللَّه ﵎ عنهم؟ وبتكذيب رسول اللَّه ﷺ في قطعه لهم بالجنة؟ وأجاب: أن ذلك إنما هو إذا كان المكفر يعلم بتزكية من كفره، قطعا على الإطلاق إلى مماته، وليس كذلك، وهذا الجواب يمنع ما قلتم، قلت: هذا الجواب، إنما ننظر فيه إلى أن المكفر لا يلزمه بذلك تكذيب رسول اللَّه ﷺ ولم ينظر إلى ما قلناه من الحكم عليه بالكفر [بالحديث] الّذي ذكرناه، إن لم يكن في باطنه تكذيب، كما قاله إمام الحرمين وغيره في الحكم بالكفر على السجود للصنم والملقى للمصحف في القاذورات، وإن لم يكن في باطنه تكذيب.
فإن قلت: يلزم على هذا أن كل من قال لمسلم أنه كافر يحكم بكفره، قلت: إن كان ذلك المسلم مقطوعا بإيمانه، كالعشرة المشهود لهم بالجنة، فنعم، وكذا عبد اللَّه بن سلام [ونحوه] ، ممن ثبت عن رسول اللَّه ﷺ الشهادة لهم بالجنة، وكذا كل من بايع تحت الشجرة إلا صاحب الجمل الأحمر، وكذا أهل بدر، وأما إذا لم يكن ذلك المسلم مقطوعا بإيمانه، بل هو من عرض المسلمين، فلا قول فيه، ذلك، وإن كان إيمانه ثابتا من حيث الحكم الظاهر، لأن رسول اللَّه ﷺ، أشار إلى اعتبار الباطن بقوله: إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه، وبقوله: فقد باء بها أحدهما. بقي قسم آخر، وهو أن لا يكون من الصحابة رضى اللَّه ﵎ عنهم، المشهود لهم بالجنة، ولكن ممن [أجمعت] الأمة على جلالته وإمامته، كسعيد بن المسيب، والحسن، وابن سيرين، وأقرانهم من التابعين، ومن بعدهم من علماء المسلمين، المجمع عليهم، فهذا عندي أيضا ملتحق بمن ورد النص فيه، فيكفّر من كفّره. وحاصله أنّا نكفّر من يكفّر من نحن نقطع بإيمانه، إما بنص أو إجماع، فإن قلت: هذا طريق لم يذكره أحد من المتكلمين، ولا من الفقهاء، قلت الشريعة كالبحر، كل وقت يعطى جواهر، وإذا صح دليل، لم يضره خفاؤه على كثير من الناس في مدة طويله، على أننا قد ذكرنا من كلام مالك- ﵀ ما يشهد له، فإن قلت: الكفر هو جحد الربوبية [أو الوحدانية] ، أو الرسالة، وهذا رجل موحد- يعنى الرافضيّ- مؤمن برسول اللَّه ﷺ، وكثير من صحابته، فكيف يكفّر. قلت: التكفير، حكم شرعي، سببه جحد الربوبية، أو الوحدانية، أو الرسالة، أو قول، أو فعل حكم الشارع بأنه كفر وإن لم يكن جحدا، وهذا منه، فهذا دليل لم يرد في هذه المسألة [أحسن] منه، لسلامته عن اعتراض صحيح قادح فيه، وينضاف إليه قوله ﷺ [فيما يرويه عن ربه ﵎] : من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب، ولكن لا يقال بظاهره، بل هو
[أحسن] منه، لسلامته عن اعتراض صحيح قادح فيه، وينضاف إليه قوله ﷺ [فيما يرويه عن ربه ﵎] : من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب، ولكن لا يقال بظاهره، بل هو
كقوله تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ (١) ] ، على أنه يمكن التزامه، وأن المراد إذا لم يترك [الربا] ، ولا أقر به، كفر. ولا شك أن أبا بكر رضى اللَّه ﵎ عنه، ولى اللَّه، [فإن] مبارزته مبارزة للَّه تعالى ومحاربته محاربة للَّه تعالى، وقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «ولعن المؤمن كقتله» وأبو بكر رضى اللَّه ﵎ عنه مؤمن، وفي الحديث الأول كفاية، وهو في (صحيح مسلم) [ (٢) ] . الدليل الثاني: استحلاله لذلك، ومن استحل ما حرمه اللَّه تعالى، فقد كفر، ولا شك أن لعنه الصديق، رضى اللَّه ﵎ عنه، وسبه محرم. قال ابن حزم: واللعن، أشد من السب، وقد صح عن رسول اللَّه ﷺ: سباب المسلم فسوق، فسب أبى بكر رضى اللَّه ﵎ عنه فسق، واستحلال الفسق كفر، فإن قلت: إنما يكون استحلال الحرام كفر، إذا كان تحريمه معلوما من الدين بالضرورة، بالنقل المتواتر، من حسن إسلامه، وأفعاله أدلة على إيمانه، وأنه دام على ذلك، إلى أن قبضه اللَّه تعالى، هذا مما لا يشك فيه معلوم من الدين بالضرورة، فيكون مستحله كافرا. ولا يرد على هذا إلا شيء واحد، وهو أن يكفر مستحل ما علم تحريمه بالضرورة، فذلك كفرت الجهميّ والرافضيّ، لم يكن ذلك العلم الضروريّ بالتحريم، حاصلا عنده، فلم يلزم منه تكذيبه رسول اللَّه ﷺ ولا ينفصل من هذا إلا بأن يقال: إن تواتر ذلك عند عموم الخلق يكفى فلا يعذر الرافضيّ بالشبهة الفاسدة، التي غطت على قلبه، حتى لم يعلم ذلك، وهذا محل نظر وجدل، وان كان القلب يميل إلى بطلان هذا العذر [وهذا هو الدليل الثالث] [ (٣) ] .
ضيّ بالشبهة الفاسدة، التي غطت على قلبه، حتى لم يعلم ذلك، وهذا محل نظر وجدل، وان كان القلب يميل إلى بطلان هذا العذر [وهذا هو الدليل الثالث] [ (٣) ] .
[الدليل] الرابع: مذهب أبى حنيفة- ﵀ أن من أنكر خلافة الصديق، رضى اللَّه ﵎ عنه، فهو كافر، وكذلك من أنكر خلافة عمر رضى اللَّه ﵎ عنه، ومنهم من لم يحك في ذلك خلافا، ومنهم من ذكر في ذلك خلافا، وقال: الصحيح أنه كافر، [والمسألة] مذكورة في (الغاية) للسروجى، وفي (الفتاوى الطهيرية) ، وفي (الأصل) لمحمد بن الحسن، ﵀، والظاهر أنهم أخذوا ذلك عن إمامهم أبى حنيفة، وهو أعلم بالروافض، لأنه كوفى، والكوفة منبع الروافض، والروافض طوائف منهم من يجب تكفيره ومنهم من لا يجب تكفيره فإذا قال أبو حنيفة [﵀] بتكفير من ينكر إمامة الصديق فتكفير لا عنه أولى. والظاهر أن المستند، أن منكر امامة الصديق رضى اللَّه ﵎ عنه مخالف للإجماع، بناه على أن جاحد [الحكم] المجمع عليه كافر، وهو المشهور عند الأصوليين، وإمامة الصديق مجمع عليها، من حين بايعه عمر ابن الخطاب، رضى اللَّه ﵎ عنهما، ولا يمنع من ذلك تأخر بيعة بعض الصحابة، فإن الذين تأخرت بيعتهم، لم يكونوا مخالفين في صحة إمامته، ولهذا كانوا يأخذون [عطاءه] ويتحاكمون إليه، فالبيعة شيء، والإجماع شيء، لا يلزم من أحدهما الآخر، ولا من عدم أحدهما عدم الآخر، فافهم ذلك، فإنه قد يغلط فيه. وهذا قد يعترض عليه شيء من شيئين: أحدهما: قول: بعض الأصوليين: أن جاحد الحكم المجمع عليه، إنما يكفر إذا كان معلوما من الدين بالضرورة، وأما المجمع عليه الّذي ليس معلوما من الدين بالضرورة، فلا يكفر بإنكاره، مثل كون بنت الابن لها السدس مثل البنت، مجمع عليه، وليس معلوما بالضرورة، فلا يكفر منكره، ويجاب على هذا [بأن] خلافة الصديق، وبيعة الصحابة رضى اللَّه ﵎ عنهم له، ثبتت بالتواتر المنتهى إلى حد الضرورة، فصارت كالمجمع عليه: المعلوم بالضرورة، وهذا لا شك فيه، ولم يكن أحد من الروافض في أيام الصديق، ولا في أيام عمر، ولا في أيام عثمان، رضى اللَّه ﵎ عنهم، وإنما حدثوا بعده، وحدثت مقالتهم بعد حدوثهم.
الشيء الثاني: أن خلافة الصديق، رضى اللَّه ﵎ عنه، وإن علمت بالضرورة، فالخلافة من الوقائع الحادثة، ليست حكما شرعيا، والّذي يكفر جاحده إذا كان معلوما بالضرورة، إنما هو الحكم الشرعي، لأنه من الدين، كالصلاة، والزكاة، والحج، لأنه لا يلزم من جحده، تكذيب رسول اللَّه ﷺ وهذا محل يجب التمهل [فيه] والنظر، نعم، وجوب الطاعة وما أشبهه حكم شرعي يتعلق بالخلافة. قال: فإن قلت: قد جزم- يعنى القاضي حسين- في كتاب (الشهادات) بفسق سابّ الصحابة رضى اللَّه ﵎ عنهم، ولم يحك فيه خلافا، وكذلك ابن الصباغ في (الشامل) ، وغيره. وحكوه عن الشافعيّ، ﵀، فيكون ذلك ترجيحا لعدم الكفر، قلت: لا، وهما مسألتان المسألة المذكورة في (الشهادات) في السب المجرد دون التكفير وهو موجب لفسق، ولا فرق في الحكم بالفسق بين ساب أبى بكر، [وغيره من] أعلام الصحابة، رضى اللَّه ﵎ عنهم. والمسألة المذكورة في كلام القاضي حسين، في كتاب (الصلاة) - في الابتداء في ساب الشيخين [ (١) ] ، أو الحسنين [ (٢) ] ، رضى اللَّه ﵎ عنهم، وهي محل الوجهين في الكفر، أو الفسق، ولا مانع من أن يكون سب مطلق [الصحابة] رضى اللَّه ﵎ عنهم موجبا للفسق، وسب بهذا الصحابي مختلف في كونه موجبا للفسق أو الكفر. وأما المسألة الثالثة. وهي تكفير أبى بكر رضى اللَّه ﵎ عنه، ونظرائه من الصحابة، رضى اللَّه ﵎ عنهم، فهذه لم يتكلم فيها أصحابنا في كتاب (الشهادات) ولا في كتاب (الصلاة) ، وهي مسألتنا، والّذي أراه، أنه موجب للكفر قطعا، عملا بمقتضى الحديث المذكور.



