— Bagian 72 · شعبة، قال: سمعت أبا إسحاق يحدث عن صلة بن زفر، عن… —
Bagian 72
شعبة، قال: سمعت أبا إسحاق يحدث عن صلة بن زفر، عن حذيفة رضى اللَّه ﵎ عنه، قال: جاء أهل نجران إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول اللَّه ابعث لنا رجلا أمينا.
فقال: لأبعثن إليكم رجلا أمينا حق أمين، قال: فاستشرف [له] [ (١) ] الناس، قال: فبعث أبا عبيدة بن الجراح [ (٢) ] . وقال البخاري: «حق أمين» ، مرة واحدة. وخرجه الترمذي من حديث سفيان، عن أبى إسحاق، عن صلة بن زفر عن حذيفة بن اليمان، رضى اللَّه ﵎ عنه، قال: جاء العاقب والسيد إلى النبي ﷺ، فقالا: ابعث معنا أمينا، فقال: فإنّي سأبعث معكم أمينا حق أمين، فأشرف لها الناس، فبعث أبا عبيدة بن الجراح رضى اللَّه ﵎ عنه. وقال: وكان أبو إسحاق إذا حدث بهذا الحديث عن صلة، قال:
سمعته منذ ستين سنة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح [ (١) ] . [وقد روى عن ابن عمر وأنس رضى اللَّه ﵎ عنهما عن النبي ﷺ، قال: لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة عبيدة بن الجراح] . ولأبى داود حديث يونس بن بكير قال: أنبأنا أسباط بن نصر الهمذانيّ، عن إسماعيل بن عبد الرحمن القرشي [ (٢) ] ، عن ابن عباس قال: صالح رسول اللَّه ﷺ أهل نجران على ألفى حلة، النصف في صفر ... البقية في رجب.... يؤدونها إلى المسلمين، وعارية ثلاثين درعا، وثلاثين فرسا، وثلاثين بعيرا، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها، والمسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم إن كان باليمن كيد، أو غدرة [ (٣) ] على أن لا تهدم لهم بيعة، ولا يخرج لهم قس، ولا يفتنوا عن دينهم
ما لم يحدثوا حدثا، أو يأكلون الربا [ (١) ] . [قال إسماعيل: فقد أكلوا الربا] [ (٢) ] ، [قال أبو داود: إذا نقضوا به ما اشترط عليهم فقد أحدثوا] . وقال يونس بن بكير: عن ابن إسحاق، وبعث رسول اللَّه ﷺ على بن أبى طالب رضى اللَّه ﵎ عنه إلى أهل نجران ليجمع صدقائهم، ويقدم عليه بجزيتهم. قال ابن الأثير: وذلك في سنة عشر، ففعل، وعاد فلقى النبي ﷺ بمكة في حجة الوداع [ (٣) ] .
وأما أهل البحرين، فخرج البخاري من حديث الزهري قال: حدثني عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة، أنه أخبره أن عمرو بن عون الأنصاري، وهو حليف لبني عامر بن لؤيّ، وكان شهد بدرا، أخبره أن رسول اللَّه ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتى بجزيتها، وكان رسول اللَّه ﷺ هو صالح أهل البحرين، وأمر عليهم العلاء بن الحضرميّ، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبى عبيدة، فوافت صلاة الصبح مع النبي ﷺ، فلما صلّى بهم الفجر انصرف، فتعرضوا له، فتبسم رسول اللَّه ﷺ حين رآهم، وقال: أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء، فقالوا: أجل يا رسول اللَّه، قال: فأبشروا، وأملوا ما يسركم، فو اللَّه لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم. كرره من طرق عن الزهري [ (١) ] ، وأخرجه مسلم بهذا الإسناد أيضا [ (٢) ] . وخرج البخاري من حديث سفيان، قال: سمعت عمرا قال: كنت جالسا مع جابر بن زيد وعمرو بن أوس. فحدثها بجالة، سنة سبعين عام حج مصعب بن الزبير بأهل البصرة، عند درج زمزم. قال: كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم الأحنف، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب رضى اللَّه ﵎
ها بجالة، سنة سبعين عام حج مصعب بن الزبير بأهل البصرة، عند درج زمزم. قال: كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم الأحنف، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب رضى اللَّه ﵎
عنه قبل موته بسنة: فرّقوا بين كل ذي محرم من المجوس، ولم يكن عمر رضى اللَّه ﵎ عنه أخذ الجزية من المجوس، حتى شهد عبد الرحمن بن عوف رضى اللَّه ﵎ عنه أن رسول اللَّه ﷺ أخذها من مجوس هجر [ (١) ] . وخرجه أبو داود من حديث سفيان عن عمرو بن دينار، سمع بجالة يحدث عمرو بن أوس، وأبا الشعثاء [ (٢) ] قال: كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم الأحنف بن قيس، إذ جاءنا كتاب عمر رضى اللَّه ﵎ عنه قبل موته، بسنة: اقتلوا كل ساحر، وفرّقوا بين كل ذي محرم من المجوس، وانهوهم عن الزمزمة، فقتلنا في يوم ثلاثة سواحر، وفرقنا بين كل رجل من المجوس وحريمة في كتاب اللَّه ﷿، وصنع طعاما كثيرا فدعاهم، فعرض السيف على فخذه، فأكلوا، ولم يزمزموا، وألقوا وقر بغل أو بغلين من الورق، ولم يكن عمر رضى اللَّه ﵎ عنه أخذ الجزية من المجوس، حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول اللَّه ﷺ أخذها من مجوس هجر [ (٣) ] .
وخرجه النسائي من حديث سفيان، عن عمرو، سمع بجالة: لم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس، حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول اللَّه ﷺ أخذها من مجوس هجر [ (١) ] . ولأبى داود من حديث هشيم، قال: أنبأنا داود بن أبى هند، عن قشير ابن عمرو، عن بجالة بن عبدة، عن ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنهما، قال: جاء رجل من الأسبذيين [ (٢) ] من أهل البحرين، وهم مجوس أهل
داود بن أبى هند، عن قشير ابن عمرو، عن بجالة بن عبدة، عن ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنهما، قال: جاء رجل من الأسبذيين [ (٢) ] من أهل البحرين، وهم مجوس أهل
هجر [ (١) ] إلى رسول اللَّه ﷺ، فمكث عنده، ثم خرج فسألته: ما قضى اللَّه ورسوله فيكم؟ قال: شر، فقلت: مه؟ قال: الإسلام أو القتل، قال:، وقال عبد الرحمن بن عوف، قبل منهم الجزية، قال ابن عباس: فأخذ الناس بقول عبد الرحمن بن عوف، وتركوا ما سمعت أنا من الأسبذي [ (٢) ] . قال قتادة: أكبر مال قدم به على رسول اللَّه ﷺ، ثمانون ألفا من جزية مجوس البحرين، فأمر بها، فصبت على حصير فما ترك ساكنا، ولا حرم سائلا. ولأبى داود من حديث الأعمش، عن أبى وائل عن معاذ بن جبل رضى اللَّه ﵎ عنه، قال: أن النبي ﷺ لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم-[يعنى محتملا]- دينارا، أو عدله من المغافر [ (٣) ] [ثياب تكون باليمن] .
ولأبى داود من حديث محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر، عن أنس بن مالك رضى اللَّه ﵎ عنه، وعن عثمان بن أبى سليمان أن النبي ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة، فأخذ، فأتوه به فحقن له دمه، وصالحة على الجزية [ (١) ] . ولم يأخذ ﷺ [من] يهود خيبر جزية، فإنه صالحهم على أن مقرهم في الأرض ما شاء اللَّه، ولم تكن الجزية نزلت بعد، ثم أمره تعالى أن يقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، فلم يدخل في هذا يهود خيبر، لأن العقد قد تم بينه ﷺ وبينهم على إقرار، ثم أن يكونوا عمالا في الأرض بالشطر، فلم يطالبهم بغير ذلك، وطلب من إخوانهم من أهل الكتاب، ممن لم يكن بينه وبينهم عهد كنصارى نجران ويهود اليمن، وقد ظن بعضهم أن عدم أخذ
الجزية من يهود خيبر يختص بهم، فلا يؤخذ منهم جزية، وليس كذلك، بل الأمر كما بينته لك. وذكر الواقدي أن رسول اللَّه ﷺ وضع الجزية على أهل أيلة [ (١) ] ثلاثمائة دينار كل سنة، وكانوا ثلاثمائة رجل وعلى أهل أذرح [ (٢) ] مائة دينار في كل رجب [ (٣) ] .
فصل في ذكر عمال رسول اللَّه ﷺ على الجزية اعلم أنه قد تبين مما تقدم أن الذين بعثهم رسول اللَّه ﷺ لأخذ الجزية ثلاثة نفر، فبعث أبا عبيدة عامر، وقيل: عبد اللَّه بن عامر، والصحيح عامر ابن عبد اللَّه بن الجراح بن هلال بن اهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة القرشيّ الفهرىّ. أحد العشرة الذين شهد لهم رسول اللَّه ﷺ بالجنة، وأحد كبراء الصحابة، وفضلائهم، وأهل السابقة منهم، وأمين هذه الأمة إلى أهل نجران أيضا [ (١) ] ، وبعث معاذ بن جبل [ (٢) ] رضى اللَّه
تبارك وتعالى عنه إلى أهل نجران أيضا، وبعث على بن أبى طالب رضى اللَّه ﵎ عنه إلى أهل نجران أيضا، وبعث معاذ بن جبل رضى اللَّه ﵎ عنه إلى أهل اليمن، لأخذ الجزية، وغير ذلك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
فصل في ذكر عمال رسول اللَّه ﷺ على الزكاة اعلم أن رسول اللَّه ﷺ لما صدر من الحج سنة عشر، أقام بالمدينة حتى رأى هلال المحرم سنه إحدى عشر، فبعث المصدقين في العرب [ (١) ] ، فبعث عمر بن الخطاب رضى اللَّه ﵎ عنه على الصدقات، وبعث خالد بن سعيد بن العاص، وقد قدم قرة بن أشقر الجذاعى لملوك كندة، ومباعدا لهم فاستعمله رسول اللَّه ﷺ على صدقات زبيد ومذحج كلها، وبعثه معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة، وكان معه في بلاده حتى توفى رسول اللَّه ﷺ، وبعث معاذ بن جبل رضى اللَّه ﵎ عنه إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا أو تبيعة، وفي كل أربعين شاة شاة. رواه أبو داود [ (٢) ] .
وبعث أبى بن كعب مصدقا على بلى وعذرة وجميع بنى سعد بن هدم على ما رواه الإمام أحمد، وبعث عدي بن حاتم على طيِّئ وصدقاتها، وعلى بنى أسد. روى مسلم عن عدي بن حاتم، قال: أتيت عمر بن الخطاب رضى اللَّه ﵎ عنه، فقال: إن أول صدقة بيضت وجه رسول اللَّه
بن حاتم على طيِّئ وصدقاتها، وعلى بنى أسد. روى مسلم عن عدي بن حاتم، قال: أتيت عمر بن الخطاب رضى اللَّه ﵎ عنه، فقال: إن أول صدقة بيضت وجه رسول اللَّه
صلّى اللَّه عليه وسلّم ووجوه أصحابه صدقة طيِّئ جئت بها إلى رسول اللَّه ﷺ [ (١) ] ، وبعث الزبير، قال ابن زيد وقيس بن عاصم على صدقة بنى سعد، فبعث الزبير [ (٢) ] ، قال: على ناحية، وقيس بن عاصم [ (٣) ] على ناحية.
وذكر ابن قتيبة أن رسول اللَّه ﷺ استعمل الزبير قال ابن بدر: على صدقات قومه، وتوفى رسول اللَّه ﷺ، فذهب بالصدقة إلى أبى بكر رضى اللَّه ﵎ عنه، وهي سبعمائة بعير. قال عمر بن شبة: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: أنبأنا يوسف بن الماجشون قال: أخبرنا ابن شهاب أن عبد الرحمن بن عوف رضى اللَّه ﵎ عنه كان يلي صدقات الإبل والغنم في عهد رسول اللَّه ﷺ وكان بلال رضى اللَّه ﵎ عنه يلي صدقات الثمار، وكان محمية بن جزء يلي الخمس، وأن رسول اللَّه ﷺ دخل خزانة بلال التي يضع فيها الصدقات، فوجد فيها صبرة من تمر فقال: ما هذا التمر يا بلال؟ قال: يا رسول اللَّه أخذتها لنوائبك، قال: أفأمنت أن تصبح ولها في جهنم بخارا، أنفق، ولا تخش من ذي العرش إقلالا، أو إقتارا [ (١) ] .
فصل في ذكر الصدقة على عهد رسول اللَّه ﷺ قال الفقيه أبو الليث محمد بن على بن أحمد بن سعيد بن حزم: ﵀ في كتاب (جوامع السيرة) : وكان كاتب رسول اللَّه ﷺ في الصدقات
الزبير بن العوام رضى اللَّه ﵎ عنه، فإن غاب أو اعتذر كتب جهم بن الصلت، وحذيفة بن اليمان رضى اللَّه عنهما [ (١) ] .
كان كاتب رسول اللَّه ﷺ في الصدقات
الزبير بن العوام رضى اللَّه ﵎ عنه، فإن غاب أو اعتذر كتب جهم بن الصلت، وحذيفة بن اليمان رضى اللَّه عنهما [ (١) ] .
فصل في ذكر الخارص على عهد رسول اللَّه ﷺ قال ابن سيده: خرص العود يخرصه، خرصا حزرة، وقيل: الخرص المصدر، والخرص الاسم، والخراص الحراز، فكان رسول اللَّه ﷺ يبعث من يخرص الثمار على أربابها لأجل الزكاة الواجبة في تلك الثمار توسعة عليهم، ورفقا بهم، لأنهم لو منعوا من أجل سهم المساكين من أكلها طيبا، ومن التصرف فيها بالصلة والصدقة لأضر بهم ذلك، وكانت عليهم فيه مشقة كبيرة، ولو تركوا، والمتصرف بالأكل وغيره لأضرّ ذلك بالمساكين، ولتلف كثير مما يجب فيه الزكاة، ولهذا كان توجيه النبي ﷺ الخارص وإرساله إياه. وقد وقع في (الموطأ) من رواية مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب أن رسول اللَّه ﷺ قال ليهود خيبر [يوم الفتح] : أقركم [فيها] ، ما أقركم اللَّه [﷿] [ (٢) ] ، على أن الثمر بيننا وبينكم، قال: فكان رسول
اللَّه ﷺ يبعث عبد اللَّه بن رواحة فيخرّص بينه وبينهم، ثم يقول: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلي، فكانوا يأخذونه [ (١) ] . قال أبو عمر بن عبد البر: هكذا روى هذا الحديث بهذا الإسناد، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد جماعة رواة الموطأ، وكذلك رواه أكثر أصحاب الزهري، وقد وصله منهم صالح بن أبى الأخضر، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة رضى اللَّه ﵎ عنه، قال: أن رسول اللَّه ﷺ لما فتح خيبر دعي اليهود، فقال: نعطيكم الثمر على أن يعملوها على النصف، أقركم ما أقركم اللَّه، وكان رسول اللَّه ﷺ يبعث عبد اللَّه بن رواحة يخرصها عليهم، ثم يخبرهم أيأخذون بخرصه أم يتركون. وقال معمر عن الزهري: في هذا الحديث خمس رسول اللَّه ﷺ خيبر، ولم يكن له ولا لأصحابه عمال ليعملونها، ويزرعونها، فدعا يهود خيبر، وكانوا أخرجوا منها، فدفع إليهم خيبر أن تعملوها على النصف، يردونه إلى النبي ﷺ وأصحابه، وقال لهم: أقركم على ذلك ما أقركم اللَّه، فكان يبعث إليهم عبد اللَّه بن رواحة فيخرص النخل حين يطيب، ثم يحضر يهود يأخذونها بذلك الخرص، أو يدفعونها بذلك الخرص.
م: أقركم على ذلك ما أقركم اللَّه، فكان يبعث إليهم عبد اللَّه بن رواحة فيخرص النخل حين يطيب، ثم يحضر يهود يأخذونها بذلك الخرص، أو يدفعونها بذلك الخرص. قال: وإنما أمر رسول اللَّه ﷺ بذلك الخرص لكي تحصى الزكاة قبل أن يؤكل الثمر، ويفرق، وكانوا كذلك، وذكر تمام الخبر. وخرج الإمام أحمد من حديث عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن جريج، قال: أخبرت عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها أنها قالت وهي تذكر شأن خيبر: كان رسول اللَّه ﷺ يبعث ابن رواحة إلى اليهود، فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه، ثم يخبرون يهود أيأخذونه بذلك الخرص أم يدفعونه عليهم بذلك، وإنما كان أمر رسول اللَّه ﷺ بالخرص لكي يحصى الزكاة قبل أن تؤكل الثمرة، ويفرق [ (٢) ] .
وقد اختصره أبو داود [ (١) ] ، ولم يذكر الزكاة أيضا، ولأحمد من حديث وكيع أنبأنا العمرى، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ، بعث ابن رواحة إلى خيبر، يخرص عليهم، ثم خيرهم أن يأخذوا أو يردوا، فقالوا: هذا الحق بهذا قامت السموات والأرض [ (٢) ] . وذكر ابن إسحاق أن عبد اللَّه بن رواحة، خرص عاما واحدا، ثم أصيب بموته، وكان جبار بن صخر أخو بنى سلمة، هو الّذي يخرص عليهم بعد عبد اللَّه بن رواحة، وكان جبار جاء من أهل المدينة وحاسبهم. وقد روى أن رسول اللَّه ﷺ، بعث سهل بن خثيمة خارصا خيبر. وقال ابن شهاب، عن عتاب بن أسد أن رسول اللَّه ﷺ بعثه، وأمره أن يخرص العنب، كما يخرص النخل، وأن يأخذ زكاة العنب زبيبا، كما يأخذ زكاة النخل تمرا، وذكره أبو داود [ (٣) ] ، وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن
سابق، قال: أنبأنا إبراهيم بن طهمان، عن أبى الزبير، عن جابر رضى اللَّه ﵎ عنه أنه قال: أفاء اللَّه خيبر على رسول اللَّه ﷺ، فأقرهم رسول اللَّه ﷺ [كما كانوا] [ (١) ] ، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد اللَّه بن رواحة فخرصها عليهم، ثم قال: يا معشر اليهود أنتم أبغض [الخلق] إليّ، [قتلتم أنبياء اللَّه] وكذبتم على اللَّه، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم، قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر، فإن شئتم فلكم، وإن
غض [الخلق] إليّ، [قتلتم أنبياء اللَّه] وكذبتم على اللَّه، وليس يحملني بغضي إياكم على أن أحيف عليكم، قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر، فإن شئتم فلكم، وإن
[أبيتم] فلي، فقالوا: [لهذا] قامت السموات والأرض [ (١) ] . [قد أخذنا فاخرجوا عنا] . وذكر الواقدي أن رسول اللَّه ﷺ، لما فتح خيبر، سأله يهود، فقالوا: يا محمد نحن أرباب النخل، وأهل المعرفة بها، فساقاهم على الشطر من التمر، والزرع، وكان يزرع تحت النخل، فقال رسول اللَّه ﷺ: أقركم ما أقركم اللَّه، فكانوا على عهد رسول اللَّه ﷺ حتى توفى، وأبى بكر، وصدرا من خلافة عمر رضى اللَّه ﵎ عنهما، وكان رسول اللَّه ﷺ يبعث عبد اللَّه بن رواحة، يخرص عليهم النخل، فإذا خرص قال: إن شئتم فلكم وتضمنون نصف ما خرصت، وإن شئتم لنا، ويضمن لكم ما خرصت، وأنه خرص عليهم أربعين ألف وسق فجمعوا له حليا من حلى نسائهم. فقالوا: هذا لك وتجاوز في القسم، فقال: يا معشر يهود واللَّه إنكم لمن أبغض خلق اللَّه إلى، وما ذاك يحملني أن أحيف عليكم، قالوا: لهذا قامت السموات والأرض، وكان عبد اللَّه يخرص عليهم، فلما قتل يوم موته، بعث رسول اللَّه ﷺ أبا الهيثم بن التيهان، يخرص عليهم، ويقال جبار بن صخر، وكان نصنع بهم مثل ما كان يصنع ابن رواحة، ويقال: الّذي خرص بعد ابن رواحة عليهم فروة بن عمرو [ (٢) ] .
فصل في ذكر من ولى السوق في زمن رسول اللَّه ﷺ وتعرف هذه الولاية اليوم بالحسبة ومتوليها يقال له المحتسب [ (١) ] اعلم أن الحسبة أمر بالمعروف، إذا ظهر تركه، ونهى عن المنكر، إذا ظهر فعله، والأصل أن الاحتساب طلب الأجر، والاسم الحسبة [ (٢) ] .
ال له المحتسب [ (١) ] اعلم أن الحسبة أمر بالمعروف، إذا ظهر تركه، ونهى عن المنكر، إذا ظهر فعله، والأصل أن الاحتساب طلب الأجر، والاسم الحسبة [ (٢) ] .
[ () ] والنهى عن المنكر، والمقصود بالمعروف هنا هو كل قول أو فعل أو قصد حسنه الشارع وأمر به، والمنكر هو: هو كل قول أو فعل أو قصد قبحه الشارع ونهى عنه. وقد حبب اللَّه إلينا الخير، وأمرنا أن ندعو إليه، فكره إلينا المنكر ونهانا عنه، وأمرنا بمنع غيرنا منه، ونحن نجد في نصوص القرآن الكريم وفي الآيات البينات خير أدلة على ذلك، فقد صدر الأمر بها صراحة في قوله تعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ كذلك امتدحها في قوله: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وكذلك جعلها من صفات الإيمان وقرنها بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة وطاعة اللَّه مع تقديمها في الذكر في قوله:
َوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وكذلك جعلها من صفات الإيمان وقرنها بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة وطاعة اللَّه مع تقديمها في الذكر في قوله: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ كما قرنها بكثير من صفات المؤمنين في قوله: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ وجعل تركها والعمل بخلافها من صفات المنافقين في قوله: الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ، وذم من تركها وجعل تركها سببا للعنة في قوله: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ* كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ. ثم أضافت الدكتورة سعاد مصطفى أبو زيد في (المرجع نفسه) ، الملحق رقم (٥) وأثبتت به جدولا بأسماء أهم المحتسبين في مصر، وسنوات توليتهم، والحكام الذين تولوا في عهودهم، مؤيدا بالمراجع المتخصصة في الموضوع، وذلك من ص ٢٥٢- ٢٧٢، فليراجع هناك. وأفرد الدكتور أحمد عبد الرزاق أحمد، في كتابه (البذل والبرطلة زمن سلاطين المماليك، دراسة عن الرشوة) ، فصلا خاصا أسماه: الوظائف الدينية والبذل والبرطلة، فقال: أما الحسبة، خامس الوظائف الدينية الرفيعة التي كان لصاحبها مجلس بالحضرة السلطانية، وبدار العدل الشريف، فقد فسد أيضا أمرها نتيجة للبذل عليها طوال عصر سلاطين المماليك، وفي هذا المعنى يقول أحد كتاب القرن الثامن الهجريّ الرابع عشر الميلادى: «وأما أمر
[ () ] الحسبة فاعلموا- رحمكم اللَّه- أن أمرها قد فسد، واستحكم فساده، وكثر الطمع في أموال الناس يسببها، وقد بقيت سيئة فلا يحل للسلطان أن يوليها أحدا، ولا حاجة للناس بها. والحق أن البذل على هذه الوظيفة يعتبر أحد الأسباب الرئيسية، التي عجلت يتدهورها وانهيارها، خاصة وأن الأمر لم يعد يقتصر على توليها بالرشوة والبراطيل، وإنما استقر الحال على توليها حسب مصطلح العصر عن طريق البذل، مما أدى إلى كثرة الطامعين فيها وإلى المزايدة عليها فيما بينهم، وبالتالي لم يعد المحتسب بحاجة إلى مجرد تناول رشوة مقنعة أو خفية، وإنما وصل به الحال إلى فرض مقررات شهرية على الباعة والتجار وأصحاب الحرف والصنائع. ولهذا لم يكن عجيبا أن تسير الحسبة بخطي سريعة إلى الهاوية، بسبب تلاعب الجهلة بهذا المنصب الجليل، ففي سنة ٨٠٩ هـ ١٤٠٦ م، والتي يعدها وليها في الشهر الواحد ثلاثة أو أربعة، " بسبب ذلك أنهم فرضوا على المنصب مالا مقررا، فكان من قام في نفسه أن يليه يزن المبلغ ويخلع عليه، ثم يقوم آخر ويزن ويصرف الّذي قبله. وفي رمضان سنة ٧٨٩ هـ/ ١٣٨٧ م، استقر نجم الدين محمد الطنبدى، وكيل بيت المال في حسبة القاهرة، عوضا عن جمال الدين محمود القيصري بحكم انتقاله إلى قضاء العسكر بعد أن سعى فيها بخمسين ألف درهم، قيمتها يومئذ أكثر من ألفى دينار ذهب. ويبدو أن بهاء الدين محمد بن البرجي كان دائب السعي على هذه الوظيفة بدليل أنه عاد إليها في شهر ربيع الأول سنة ٧٩٩ هـ/ ١٣٩٧ م، بمال قام به في ذلك، إذ أنه لم يل قط إلا بمال، فتشاءم الناس من ولايته. وفي شعبان من نفس العام استقر زين الدين شعبان الآثاري في حسبة الفسطاط، عوضا عن نور الدين على بن عبد الوارث البكري بمال التزم به، يبدو أنه استدان أغلبه، لأنه يفهم من المصادر المعاصرة أنه اضطر إلى الفرار من هذا المنصب في شهر ذي القعدة سنة ٨٠٠ هـ ١٣٩٨ م، هربا من مطالبة أرباب الديون بمالهم، فخلع بها على شمس الدين محمد الشاذلى، الّذي كان عاريا من العلم، غاية في الجهل، حتى تولى بالبذل والبراطيل.
١٣٩٨ م، هربا من مطالبة أرباب الديون بمالهم، فخلع بها على شمس الدين محمد الشاذلى، الّذي كان عاريا من العلم، غاية في الجهل، حتى تولى بالبذل والبراطيل. وحل القرن التاسع الهجريّ لتدخل الحسبة أخطر مراحل تدهورها وانهيارها، بسبب كثرة البذل والسعي عليها، مما نتج عنه عدم استقرار هذه الوظيفة البالغة الأهمية بالنسبة للحياة الاقتصادية، ويكفى للتدليل على ذلك، أنه وليها على مدى هذا القرن مائة وثلاثة وعشرين
وخرج البخاري من حديث الليث عن يونس عن ابن شهاب قال: أخبرنى سالم بن عبد اللَّه، أن ابن عمر رضى اللَّه ﵎ عنهما، قال: رأيت الناس في عهد رسول اللَّه ﷺ يبتاعون جزافا [يعنى الطعام] يضربون أن يبيعون في مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم [ (١) ] .
وخرجه مسلم من حديث ابن وهب، قال: أخبرنى يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرنى سالم أن أباه قال: قد رأيت الناس في عهد رسول اللَّه ﷺ، إذا ابتاعوا الطعام جزافا يضربون أن يبيعوه في مكانهم، ذلك حتى تؤوي
إلى رحالهم [ (١) ] ، [قال ابن شهاب: وحدثني عبيد اللَّه بن عمر أن أباه كان يشترى طعاما جزافا فيحمله إلى أهله] [ (٢) ] . وخرجه البخاري أيضا في كتاب الحدود من حديث معمر، عن الزهري عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر، عن أبيه، أنهم كانوا يضربون على عهد رسول اللَّه ﷺ إذا اشتروا طعاما جزافا أن يبعوه في مكانهم حتى يؤووه إلى رحالهم. ذكره في باب كم التعزير والأدب [ (٣) ] . وخرجه مسلم بهذا السند، ولفظه: عن ابن عمر رضى اللَّه ﵎ عنه عنهما، أنهم كانوا يضربون على عهد رسول اللَّه ﷺ، إذا اشتروا طعاما جزافا، أن يبعوه في مكانه حتى يحولوه [ (٤) ] . وخرجه البخاري أيضا من حديث الأوزاعي [عن الزهري] عن سالم، عن أبيه رضى اللَّه ﵎ عنه قال: رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد رسول اللَّه ﷺ، أن يبيعوه، حتى يؤووه إلى رحالهم، ذكره في باب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة [ (٥) ] .
وخرج مسلم من حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضى اللَّه ﵎ عنهما، قال: كنا في زمان رسول اللَّه ﷺ نبتاع الطعام، فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الّذي اتبعناه فيه، إلى مكان سواه قبل أن نبيعه [ (١) ] .
عنهما، قال: كنا في زمان رسول اللَّه ﷺ نبتاع الطعام، فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الّذي اتبعناه فيه، إلى مكان سواه قبل أن نبيعه [ (١) ] .
وخرجه أبو داود، وزاد في آخره: «يعنى نشتري به جزافا [ (١) ] ، وخرجه النسائي أيضا [ (٢) ] . وخرج البخاري من حديث موسى بن عقبة، عن نافع قال: أنبأنا ابن عمر أنهم كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد رسول اللَّه ﷺ، فبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه، حتى ينقلوه حيث
يباع الطعام [ (١) ] . وذكر أبو عمر بن عبد البر، أن سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية ابن عبد شمس بن عبد مناف القرشي، استعمله رسول اللَّه ﷺ بعد الفتح على سوق مكة، فلما خرج رسول اللَّه ﷺ إلى الطائف، خرج معه، فاستشهد [ (٢) ] ، واستعمل عمر بن الخطاب رضى اللَّه ﵎ عنه على سوق المدينة السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة بن الأسود، مع عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود [ (٣) ]
[وسليمان بن أبى خيثمة] [ (١) ] . وقال ابن أبى خثيمة [كانت الشفاء ممن استعمله عمر على سوق المدينة] [ (٢) ] ، والشفاء هذه هي الشفاء أم سليمان بنت عبد اللَّه بن قرط بن رزاح ابن عدي بن كعب العدوية [ (٣) ] ، وكانت سمراء بنت نهيك الأسدية ممن أدركت رسول اللَّه ﷺ وعمرت وكانت تمر في الأسواق تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتضرب الناس على ذلك بسوط معها [ (٤) ] .
تم بحمد اللَّه تعالى الجزء التاسع ويليه الجزء العاشر وأوله: «فصل في ذكر من كان من رسول اللَّه ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير»
[المجلد العاشر] ﷽
فصل في ذكر من كان من رسول اللَّه ﷺ بمنزله صاحب الشرطة من الأمير [ (١) ] خرج البخاري في كتاب الأحكام من حديث محمد بن عبد اللَّه الأنصاري، قال: حدثني أبى عن ثمامة، عن أنس بن مالك رضى اللَّه ﵎ عنه، قال: إن قيس بن سعد كان يكون بين يدي رسول اللَّه ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير، ذكره في باب الحاكم يحكم بالقتل على من وجب عليه دون الإمام الّذي فوقه [ (٢) ] . وخرجه الترمذي [ (٣) ] في كتاب المناقب بهذا السند، ولفظه عن أنس رضى اللَّه ﵎ عنه، قال: كان قيس بن سعد، من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير. قال الأنصاري: يعنى مما يلي من أموره. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث الأنصاري [حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا محمد بن عبد اللَّه الأنصاري نحوه، ولم يذكر فيه قول الأنصاري] [ (٤) ] .
وخرج الحاكم من حديث محمد بن إسحاق الصغاني، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبى، قال: سمعت منصور بن زاذان يحدث عن ميمون بن أبى شبيب عن قيس بن سعد بن عبادة [قال] : إن أباه دفعه إلى النبي ﷺ يخدمه، قال: فأتى على النبي ﷺ، وقد صليت ركعتين، فضربني برجله، فقال: ألا أدلك على باب من أبواب الجنة؟ قلت: بلى يا رسول اللَّه، قال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه العلى العظيم، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه [ (١) ] . وكان القصد في ذكره في هذا الموضع أن الوالد له مباح يخدم ولده، ثم للموهوب له الخدمة أن يستخدم منه، ثم يعرف من فضل قيس بن سعد، أنه خدم النبي ﷺ حتى صار منه بمنزلة صاحب الشرطة. وقيس بن سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة الأنصاريّ، الخزرجىّ، أبو الفضل أحد كرام الصحابة رضى اللَّه ﵎ عنهم، وأحد الفضلاء الجلة، وأحد دهاة العرب، وأهل الرأى، والمكيدة في الحروب، مع النجدة والسخاء [والشجاعة] [ (٢) ] . وكان شريف قومه غير مدافع هو وأبوه وجده [كذلك] ، وصحب رسول اللَّه ﷺ هو، وأبوه، وأخوه سعيد بن سعد بن عبادة، ثم صحب عليّ ابن أبى طالب رضى اللَّه ﵎ عنه، وشهد معه الجمل، وصفين، والنهروان هو قومه، وولاه مصر، ثم صرفه، وتوفى بالمدينة سنه ستين أو تسع وخمسين [ (٣) ] .
صحب عليّ ابن أبى طالب رضى اللَّه ﵎ عنه، وشهد معه الجمل، وصفين، والنهروان هو قومه، وولاه مصر، ثم صرفه، وتوفى بالمدينة سنه ستين أو تسع وخمسين [ (٣) ] . وقد ذكرته ذكرا مبسوطا في كتاب (عقد جواهر الأسفاط فيمن ملك مصر الفسطاط) [ (٤) ] ، وذكرته أيضا في (التاريخ الكبير المقفى) [ (٥) ] فانظره.
فصل في ذكر من كان يقيم الحدود بين يدي رسول اللَّه ﷺ ومن كان يضرب الرقاب ذكر القاضي أبو بكر بن العربيّ [ (١) ] ، أن رسول اللَّه ﷺ جعل إقامة الحدود لجماعة منهم: على بن أبى طالب، ومحمد بن مسلمة الأنصاريّ، رضى اللَّه ﵎ عنهم. وقال الواقدي في وقعة بدر: وأقبل رسول اللَّه ﷺ بالأسرى حتى إذا كان بعرق الظبية، وقيل: بالصفراء، أمر عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح أن يضرب عنق عقبة بن أبى معيط، وكان أسره عبد اللَّه بن سلمة بن مالك العجلانىّ، جمح به فرسه فأخذه، فأخذ عقبة يقول: يا ويلى! علام أقتل يا معشر قريش من بين من هاهنا؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: لعداوتك للَّه ورسوله. قال: يا محمد منك أفضل، فاجعلني كرجل من قومي إن قتلتهم قتلتني، وإن مننت عليهم مننت على، وإن أخذت منهم الفداء كنت كأحدهم، يا محمد! من للصبية؟. قال رسول اللَّه ﷺ: النار قدمه يا عاصم، فاضرب عنقه! فقدمه عاصم، فضرب عنقه، فقال رسول اللَّه ﷺ: بئس الرجل كنت، واللَّه ما علمت كافرا باللَّه، وبرسوله، وكتابه، مؤذيا لنبيه منك، فأحمد اللَّه الّذي هو
قه! فقدمه عاصم، فضرب عنقه، فقال رسول اللَّه ﷺ: بئس الرجل كنت، واللَّه ما علمت كافرا باللَّه، وبرسوله، وكتابه، مؤذيا لنبيه منك، فأحمد اللَّه الّذي هو
قتلك، وأقر عيني منك [ (١) ] [قيل: إن رسول اللَّه ﷺ أمر به فصلب، وكان أول مصلوب في الإسلام] [ (٢) ] . [قال ابن الكلبي: كان أمية بن عبد شمس خرج إلى الشام فأقام بها عشر سنين، فوقع على أمة للخم يهودية من أهل صفورية يقال لها: ترنا، وكان لها زوج من أهل صفورية يهودي، فولدت له ذكوان فادعاه أمية واستخلفه وكناه أبا عمرو، ثم قدم به مكة، فلذلك قال النبي ﷺ لعقبة يوم أمر بقتله: إنما أنت يهودي من أهل صفورية، ولاه عمر رضى اللَّه ﵎ عنه على صدقات بنى تغلب، وولاه عثمان الكوفة بعد سعد بن أبى وقاص وكان أبو عزة عمرو بن عبد اللَّه الجمحيّ قد من عليه رسول اللَّه ﷺ يوم بدر، وكان فقيرا ذا عيال وحاجة، وكان في الأسارى فقال: إني فقير ذو عيال وحاجة، قد عرفتها، فامنن عليّ، فمن عليه رسول اللَّه ﷺ] . [فقال له صفوان ابن أمية: يا أبا عزة! إنك امرؤ شاعر، فأعنا بلسانك، فاخرج معنا، فقال: إن محمدا قد منّ عليّ، فلا أريد أن أظاهر عليه، قال: فأعنا بنفسك، فلك اللَّه عليّ إن رجعت أن أغنيك، وإن أصبت أن أجعل بناتك مع بناتي، يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر، فخرج أبو عزة في تهامة، ويدعو بنى كنانة ويقول: إيها بنى عبد مناة الرزام [ (٣) ] ... أنتم حماة وأبوكم حام [لا تعدونى نصركم بعد العام ... لا تسلموني لا يحل إسلام] [ (٤) ] ثم سار مع قريش فأسر، ولم يؤسر غيره من قريش، فقال: يا محمد إنما خرجت كرها، ولي بنات فامنن عليّ، فقال رسول اللَّه ﷺ: أين ما
أعطيتنى من العهد والميثاق [لا واللَّه لا تمسح عارضيك تقول: سخرت بمحمد مرتين] [ (١) ] ... شهد مرتين. وفي رواية أنه قال له: إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، يا عاصم [بن ثابت] قدمه، فاضرب عنقه، فقدمه عاصم، فضرب عنقه، وحمل رأسه إلى المدينة في رمح، فكان أول رأس حمل في الإسلام، وقيل: بل رأس كعب بن الأشرف أول رأس حمل في الإسلام [ (٢) ] . وذكر الواقدي أن حضير الكتائب [ (٣) ] جاء بنى عمرو بن عوف فكلم سويد بن الصامت بن خالد بن عطية [ (٤) ] بن حوط بن حبيب بن عمرو بن عوف ابن مالك، بن الأوس [ (٥) ] ، وخوات بن جبير [ (٦) ] ، وأبا لبابة بن عبد المنذر [ (٧) ] .
[ () ] (٦) هو خوات بن جبير الأنصاري، ومن حديثه: أنه حضر سوق عكاظ، فانتهى إلى امرأة من هذيل تبيع السمن، فأخذ نحيا من أنحائها [النحى بكسر النون: الزق الّذي يجعل فيه السمن خاصة] ، ففتحه وذاقه، ودفع فم النحى إليها، فأخذته بإحدى يديها، وفتح الآخر وذاقه ودفع فمه إليها، فأمسكته، بيدها الأخرى، ثم غشيها وهي لا تقدر على الدفع عن نفسها، لحفظها فم النحيين، فلما قام عنها، قالت: لا هناك، فرفع خوات عقيرته، يقول: وأم عيال واثاقين بكسبها ... خلجت لها جار استها خلجات شغلت يديها إذا أردت خلاطها ... بنحيين من سمن ذوى عجرات وأخرجته ريان ينطف رأسه ... من الرامك المخلوط بالمقرات فكان لها الويلات من ترك نحيها ... وويل لها من شدة الطعنات فشدت على النحيين كفى شحيحة ... على سمنها والفتك من فعلاتى فضربت العرب بهما المثل فقالت: «أنكح من خوات» ، «وأغلم من خوات» ، «أشغل من ذات النحيين» ، «أشح من ذات النحيين» . والرامك: ضرب من الطيب تتضايق به المرأة، كما تتضايق بعجم الزبيب، ومن ذلك ما قاله عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين في كتابه إلى الحجاج الثقفي يلومه لما تطاول على سيدنا أنس بن مالك: أما بعد، فإنك عبد من ثقيف طمحت بك الأمور، فعلوت فيها وطغيت، حتى عدوت قدرك، وتجاوزت طورك، يا ابن المستفرمة بعجم الزبيب، (الوافي) ٩/ ٤١٢.
أنس بن مالك: أما بعد، فإنك عبد من ثقيف طمحت بك الأمور، فعلوت فيها وطغيت، حتى عدوت قدرك، وتجاوزت طورك، يا ابن المستفرمة بعجم الزبيب، (الوافي) ٩/ ٤١٢. وقال موسى بن عقبة، عن ابن شهاب: خوات بن جبير هو صاحب النحيين- بكسر النون وسكون المهملة تثنية نحى، وهو ظرف السمن، فقد ذكر ابن أبى خيثمة القصة من طريق ابن سيرين، قال: كانت امرأة تبيع سمنا في الجاهلية، فدخل رجل فوجدها خالية، فراودها، فأبت، فخرج فتنكر ورجع، فقال: هل عندك سمن طيب؟ قالت: نعم، فحلت زقا فذاقه، فقال: أريد أطيب منه، فأمسكته وحلت آخر، فقال: أمسكيه فقد انفلت بعيري، قالت: اصبر حتى أوثق الأول، قال: لا، قالت: وإلا تركته من يدي يهراق، قال: فإنّي أخاف أن لا أجد بعيري، فأمسكته بيدها الأخرى، فانقض عليها، فلما قضى حاجته قالت له: لا هناك. قال الواقدي: عاش خوات إلى سنة أربعين، فمات فيها وهو ابن أربع وسبعين سنة بالمدينة، وكان ربعة من الرجال، له ترجمة في (الإصابة) : ٢/ ٣٤٦- ٣٤٨، ترجمة رقم
ويقال سهل بن حنيف [ (١) ] ، فقال: تزورونني فأسقكم من الشراب، وأنحر لكم، وتقيمون عندي أياما، قالوا: نحن نأتيك يوم كذا وكذا، فلما كان ذلك اليوم جاءوه، فنحر لهم جزورا، وسقاهم الخمر، وأقاموا عنده ثلاثة أيام، حتى تغير اللحم.
وتقيمون عندي أياما، قالوا: نحن نأتيك يوم كذا وكذا، فلما كان ذلك اليوم جاءوه، فنحر لهم جزورا، وسقاهم الخمر، وأقاموا عنده ثلاثة أيام، حتى تغير اللحم.
وكان سويد يومئذ شيخا كبيرا، فلما مضت الثلاث، قالوا: ما نرانا إلا راجعين إلى أهلنا، فقال حضير: ما أحببتم! إن أحببتم فأقيموا، وإن أحببتم فانصرفوا. فخرج الفتيان بسويد بحملانه حملا من الثمل، فمروا لاصقين بالحرة حتى كانوا قريبا من بنى غصينة، وهي وجاه بنى سالم إلى مطلع الشمس. فجلس سويد وهو يبول، وهو ممتلى سكرا، فبصر به إنسان من الخزرج. فخرج حتى أتى المجذر بن زياد فقال: هل لك في الغنيمة الباردة؟ قال: ما هي؟ قال: سويد أعزل لا سلاح معه، ثمل، قال: فخرج المجذر ابن زياد بالسيف صلتنا، فلما رآه الفتيان وليا، وهما أعزلان لا سلاح معهما- فذكرا العداوة بين الأوس والخزرج- فانصرفا سريعين، وثبت الشيخ ولا حراك به- فوقف عليه مجذر بن زياد فقال: قد أمكن اللَّه منك! فقال: ما تريد بى؟ قال: قتلك. قال: فارفع عن الطعام واخفض عن الدماغ، وإذا رجعت إلى أمك فقل: إني قتلت سويد بن الصامت، وكان قتله هيج وقعة بعاث. فلما قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة أسلم الحارث بن سويد بن الصامت ومجذر بن زياد، فشهدا بدرا فجعل الحارث يطلب مجذرا ليقتله بأبيه، فلا يقدر عليه يومئذ، فلما كان يوم أحد وجال المسلمون تلك الجولة، أتاه الحارث من خلفه فضرب عنقه، فرجع رسول اللَّه ﷺ إلى المدينة، ثم خرج إلى حمراء الأسد، فلما رجع من حمراء الأسد أتاه جبريل ﵇ فأخبره أن الحارث ابن سويد قتل مجذرا غيلة، وأمره بقتله، فركب رسول اللَّه ﷺ إلى قباء في اليوم الّذي أخبره جبريل، في يوم حار، وكان ذلك يوما لا يركب فيه رسول اللَّه ﷺ إلى قباء، إنما كانت الأيام التي يأتى فيها رسول اللَّه ﷺ قباء يوم السبت ويوم الاثنين، فلما دخل وسمعت الأنصار فجاءت تسلم عليه، وأنكروا إتيانه في تلك الساعة وفي ذلك اليوم، فجلس رسول اللَّه ﷺ يتحدث ويتصفح الناس حتى طلع الحارث بن سويد في ملحفة مورسة [ (١) ] ، فلما رآه رسول اللَّه ﷺ دعا عويم
ابن ساعدة فقال له: قدم الحارث بن سويد إلى باب المسجد فاضرب عنقه بمجذر بن زياد، فإنه قتله يوم أحد فأخذه عويم فقال الحارث: دعني أكلم رسول اللَّه! فأبى عويم عليه، فجابذه يريد كلام رسول اللَّه ﷺ، ونهض رسول اللَّه ﷺ يريد أن يركب، ودعا بحماره على باب المسجد، فجعل الحارث يقول: قد واللَّه قتلته يا رسول اللَّه، واللَّه ما كان قتلى إياه رجوعا عن الإسلام ولا ارتيابا فيه، ولكن حمية الشيطان وأمر وكلت فيه إلى نفسي، وإني أتوب إلى اللَّه وإلى رسوله مما عملت، وأخرج ديته، وأصوم شهرين متتابعين، وأعتق رقبة، وأطعم ستين مسكينا، إني أتوب إلى اللَّه ورسوله! وجعل يمسك بركاب رسول اللَّه ﷺ، وبنو المجذر حضور لا يقول لهم رسول اللَّه ﷺ شيئا حتى إذا استوعب كلامه قال: قدمه يا عويم فاضرب عنقه! وركب رسول اللَّه ﷺ، وقدمه عويم على باب المسجد فضرب عنقه. ويقال: إن خبيب بن يساف، نظر إليه حين ضرب عنقه فجاء إلى النبي ﷺ فأخبره، فركب رسول اللَّه ﷺ إليهم يمحص عن هذا الأمر، فبينا رسول اللَّه ﷺ على حماره، فنزل عليه جبريل فخبره بذلك في مسيره، فأمر رسول اللَّه ﷺ عويما فضرب عنقه، وقال حسان بن ثابت [للحارث بن سويد ابن الصامت الأنصاري] : يا حار في سنة من نوم أولكم ... أم كنت ويحك مغترا بجبريل أم كنت يا ابن زياد حين تقتله ... ذي غرة في فضاء الأرض مجهول وقلتم لن نرى واللَّه يبصركم ... وفيكم محكم الآيات والقيل محمد والعزيز اللَّه يخبره ... بما تكنّ سريرات الأقاويل [ (١) ] .
ذي غرة في فضاء الأرض مجهول وقلتم لن نرى واللَّه يبصركم ... وفيكم محكم الآيات والقيل محمد والعزيز اللَّه يخبره ... بما تكنّ سريرات الأقاويل [ (١) ] .
فصل في ذكر من أقام عليه رسول اللَّه ﷺ حد الزنا قال ابن سيده: زنا الرجل يزني زنا وزناء، وكذلك المراة أيضا وزانى مزاناة وزناء بالمد، عن اللحياني، وكذلك المرأة أيضا. والمرأة تزانى مزاناة وزناء أي تباغى، قال اللحياني: الزنى مقصور، لغة أهل الحجاز، قال اللَّه تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى بالقصر، والنسبة إلى المقصور زنوى، والزناء ممدود لغة بنى تميم، وفي (الصحاح) : المد لأهل نجد، والنسبة إلى الممدود: زنائى، وزناه زنية، نسبة إلى الزنا، وقال له: يا زانى. وفي الحديث: ذكر قسطنطينية الزانية، يريد الزاني أهلها، كقوله تعالى: وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً، أي كانت ظالمة الأهل. وقد زانى المرأة مزاناة وزناء، وقال اللحياني: قيل لابنة الخس: ما أزناك؟ قالت: قرب الوساد وطول السواد، فكأن قوله: ما أزناك؟ ما حملك على الزنا؟ قال: ولم يسمع هذا إلا في حديث ابنة الخس. وهو ابن زنية وزنية، والفتح أعلى، أي ابن زنا، ويقال للولد إذا كان من زنا: هو لزنية، وقد زناه: من التزنية، أي قذفه [ (١) ] . كانت عقوبة الزنا في صدر الإسلام، عقوبة خفيفة مؤقتة، لأن الناس كانوا حديثي عهد بحياة الجاهلية، ومن سنة اللَّه جل وعلا في تشريع الأحكام أن يسير بالأمة في طريق التدرج، ليكون أنجح في العلاج، وأحكم في التطبيق، وأسهل على النفوس لتقبل شريعة اللَّه، عن رضى واطمئنان. وقد كانت العقوبة في صدر الإسلام هي ما قصّه اللَّه تعالى علينا في سورة النساء في قوله جل شأنه: وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَ
نَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَ
الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا* وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً [ (١) ] . فكانت عقوبة المرأة: الحبس في البيت، وعدم الإذن لها بالخروج منه، وعقوبة الرجل، التأنيب، والتوبيخ بالقول والكلام، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ (٢) ] . ويظهر أن هذه العقوبة كانت في أول الإسلام من قبيل التعزير لا من قبيل الحد، بدليل التوقيت الّذي أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وقد استبدلت بهذه العقوبة عقوبة أشد، هي الجلد للبكر، والرجم للزاني المحصن، وانتهى ذلك الحكم المؤقت إلى تلك العقوبة الرادعة الزاجرة. خرج مسلم [ (٣) ] ، وأبو داود [ (٤) ] ، والترمذي [ (٥) ] من حديث عبادة بن الصامت رضي اللَّه ﵎ عنه أنه قال: كان نبي اللَّه ﷺ إذا أنزل عليه
[ () ] وأجمع العلماء على وجود جلد الزاني البكر مائة، ورجم المحصن وهو الثيب، ولم يخالف في هذا أحد من أهل القبلة إلا ما حكى القاضي عياض وغيره عن الخوارج وبعض المعتزلة كالنّظّام وأصحابه، فإنّهم لم يقولوا بالرجم، واختلفوا في جلد الثيب مع الرجم، فقالت طائفة: يجب الجمع بينهما فيجلد ثم يرجم، وبه قال على بن أبى طالب رضي اللَّه ﵎ عنه، والحسن البصري، وإسحاق بن راهويه، وداود، وأهل الظاهر، وبعض أصحاب الشافعيّ. وقال جمهور العلماء: الواجب الرجم وحده، وحكى القاضي عن طائفة من أهل الحديث، أنه يجب الجمع بينهما إذا كان الزاني شيخا ثيبا، فإن كان شابا ثيبا اقتصر على الرجم، وهذا مذهب باطل لا أصل له، وحجة الجمهور أن النبي ﷺ اقتصر على رجم الثياب في أحاديث كثيرة، منها قصة ماعز وقصة المرأة الغامدية، وفي قوله ﷺ: وأغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، قالوا: وحديث الجمع بين الجلد والرجم منسوخ، فإنه كان في أول الأمر. وأما قوله ﷺ في البكر: ونفى سنة ففيه حجة للشافعي، والجمهور: أنه يجب نفيه سنة، رجلا كان أو امرأة، وقال الحسن لا يجب النفي، وقال مالك والأوزاعي: لا نفى على النساء، وروى مثله عن عليّ رضي اللَّه ﵎ عنه، وقالوا: لأنها عورة، وفي نفيها تضييع لها، وتعريض لها للفتنة، ولهذا نهيت عن المسافرة إلا مع ذي محرم، وحجة الشافعيّ قوله ﷺ: البكر بالبكر جلد مائة ونفى سنة. وأما العبد والأمة ففيهما ثلاثة أقوال للشافعي: أحدهما: يغرب كل واحد منهما لظاهر الحديث، وبهذا قال سفيان الثوري، وأبو ثور، وداود، وابن جرير. والثاني: يغرب نصف سنة، لقوله تعالى فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ وهذا أصح الأقوال عند أصحابنا، وهذه الآية مخصصة لعموم الحديث، والصحيح عند الأصوليين جواز تخصيص السنة بالكتاب، لأنه إذا جاز تخصيص الكتاب بالكتاب فتخصيص السنة به أولى. والثالث: لا يغرب المملوك أصلا، وبه قال الحسن البصري، وحماد، ومالك، وأحمد، وإسحاق، لقوله ﷺ في الأمة إذا زنت: فليجلدها سيدها،
تاب فتخصيص السنة به أولى. والثالث: لا يغرب المملوك أصلا، وبه قال الحسن البصري، وحماد، ومالك، وأحمد، وإسحاق، لقوله ﷺ في الأمة إذا زنت: فليجلدها سيدها، ولم يذكروا النفي، لأن نفيه يضر سيده، مع أنه لا جناية من سيده، وأجاب أصحاب الشافعيّ عن حد الأمة إذا زنت، أنه ليس
[ () ] فيه تعرض للنفي، والآية ظاهرة في وجوب النفي فوجب العمل بها، وحمل الحديث على موافقتها. واللَّه ﵎ أعلم. وأما قوله ﷺ: «البكر بالبكر والثيب بالثيب» فليس هو على سبيل الاشتراط بل حد البكر الجلد والتغريب سواء زنى ببكر أم بثيب، وحد الثيب الرجم سواء زنى بثيب أم ببكر، فهو شبيه بالتقييد الّذي يخرج على الغالب. واعلم أن المراد بالبكر من الرجال والنساء من لم يجامع في نكاح صحيح وهو حر بالغ، سواء كان جامع بوطء شبهة، أو نكاح فاسد، أو غيرهما، أم لا. والمراد بالثيب، من جامع في دهره مرة من نكاح صحيح وهو بالغ، عاقل، حر، والرجل والمرأة في هذا سواء. واللَّه ﵎ أعلم. وسواء في كل هذا المسلم، والكافر، والرشيد، والمحجور عليه لسفه. واللَّه ﵎ أعلم. [ (٤) ] (سنن أبى داود) : ٤/ ٥٦٩- ٥٧١، كتاب الحدود، باب (٢٣) في الرجم، حديث رقم (٤٤١٥) . [ (٥) ] (سنن الترمذي) : ٤/ ٣٢، كتاب الحدود، باب (٨) ما جاء في الرجم على الثيب، حديث رقم (١٤٣٤) ، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ، منهم: على بن أبى طالب، وأبىّ بن كعب، وعبد اللَّه بن مسعود، وغيرهم، قالوا: الثيب تجلد وترجم، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم، وهو قول إسحاق. وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو بكر، وعمر، وغيرهما: الثيب إنما عليه الرجم ولا يجلد، وقد روى عن النبي ﷺ مثل هذا في غير حديث، في قصة ماعز وغيره، أنه أمر بالرجم، ولم يأمر أن يجلد قبل أن يرجم، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد. وأخرجه أيضا ابن ماجة في (السنن) : ٢/ ٨٥٣، كتاب الحدود، باب (٧) حد الزنا، حديث رقم (٢٥٥٠) .
لم، وهو قول سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد. وأخرجه أيضا ابن ماجة في (السنن) : ٢/ ٨٥٣، كتاب الحدود، باب (٧) حد الزنا، حديث رقم (٢٥٥٠) .
الوحي كرب لذلك وتربد [ (١) ] وجهه فأنزل اللَّه ﵎ عليه ذات يوم فلقى كذلك، فلما سرى عنه قال: خذوا عنى، خذوا عنى، قد جعل اللَّه لهن سبيلا: البكر بالبكر، جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب، جلد مائة والرجم. خرج البخاري [ (٢) ] ومسلم [ (٣) ] أن رجلا من أسلم جاء إلى النبي ﷺ، فاعترف بالزنى، فأعرض عنه النبي ﷺ حتى شهد على نفسه أربع مرات، فقال النبي ﷺ: أبك جنون؟ قال: لا، قال: أحصنت؟ قال: نعم: فأمر به فرجم في المصلى، فلما أذلقته الحجارة، فرّ، فأدرك، فرجم حتى مات، فقال له النبي ﷺ خيرا، وصلى عليه. وفي لفظ لهما [ (٤) ] : أنه قال له: أحق ما بلغني عنك؟ قال: وما بلغك عنى؟ قال: بلغني أنك وقعت بجارية بنى فلان، فقال: نعم، قال: فشهد على نفسه أربع شهادات، ثم دعاه النبي ﷺ فقال: أبك جنون؟ قال، لا: قال: أحصنت؟ قال: نعم، ثم أمر به فرجم. وفي لفظ لهما [ (٥) ] : فلما شهد على نفسه أربع شهادات، ودعاه النبي ﷺ، فقال: أبك جنون؟ قال: لا: قال أحصنت:؟ قال: نعم، قال: اذهبوا به فارجموه.
وفي لفظ للبخاريّ [ (١) ] : أن النبي ﷺ قال: لعلك قبلت، أو غمزت، أو نظرت، قال: لا يا رسول اللَّه، قال: ﷺ أنكتها؟ لا يكنى، قال: نعم، فعند ذلك أمر برجمه.
وفي لفظ لأبى دواد: أنه شهد على نفسه أربع مرات، كل ذلك يعرض عنه، فأقبل في الخامسة، قال: «أنكتها» ؟ قال نعم. قال: «حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ قال: نعم، قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ «قال: نعم، قال:» فهل تدري ما الزنى؟ قال: نعم. أتيت منها حراما ما يأتى الرجل من امرأته حلالا. قال: «فما تريد بهذا القول؟ «قال: أريد أن تطهرني، قال: فأمر به فرجم، فسمع النبي ﷺ رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الّذي ستر اللَّه عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب، فسكت عنهما، ثم سار ساعة حتى مر بجيفة حمار شائل برجله، فقال: «أين فلان وفلان» ؟ فقالا: نحن ذان يا رسول اللَّه، قال: «انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار» فقالا: يا نبي اللَّه، من يأكل من هذا؟ قال:
«فما نلتما من عرض أخيكما آنفا أشد من أكل منه، والّذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينقمس فيها. [ (١) ] وفيه: أنه لما وجد مس الحجارة صرخ بنا: يا قوم ردوني إلى رسول اللَّه ﷺ فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي، وأخبرونى أن رسول اللَّه ﷺ غير قاتلي [ (٢) ] [فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلما رجعنا إلى رسول اللَّه ﷺ وأخبرنا قال: «فهلا تركتموه وجئتونى به، ليستثبت رسول اللَّه ﷺ منه، فأما لترك حد فلا، قال: فعرفت وجه الحديث] [ (٣) ] .
لما رجعنا إلى رسول اللَّه ﷺ وأخبرنا قال: «فهلا تركتموه وجئتونى به، ليستثبت رسول اللَّه ﷺ منه، فأما لترك حد فلا، قال: فعرفت وجه الحديث] [ (٣) ] .
[فصل في ذكر من رجمه رسول اللَّه ﷺ من النساء المسلمات] فخرج مسلم [ (١) ] وأبو داود [ (٢) ] من حديث بريدة: ... فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول اللَّه، إني قد زنيت فطهرني، وأنه ردها، فلما كان من الغد، قالت: يا رسول اللَّه! لم تردني؟ لعلك تردني كما رددت ما عزا، فو اللَّه إني لحبلى، قال: «إما لا، فاذهبي حتى تلدي» ، فلما ولدت، أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: «اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي اللَّه قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبى إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها، فحفر إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، فيقبل خالد بن الوليد بحجر، فرمى رأسها، فتنضح الدم على وجه خالد، فسبها، فسمع رسول اللَّه ﷺ سبه إياها فقال:
«مهلا يا خالد! فو الّذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له، ثم أمر بها، فصلى عليها، ودفنت. وخرج البخاري [ (١) ] ومسلم [ (٢) ] .... أن رجلا قال له: أنشدك باللَّه إلا قضيت بيننا بكتاب اللَّه، فقام خصمه، وكان أفقه منه فقال: صدق، اقض بيننا
بكتاب اللَّه وائذن لي، فقال: «قل، قال: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته. فافتديت منه بمائة شاة وخادم، وإني سألت أهل العلم، فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال: والّذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب اللَّه: المائة والخادم ردّ عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، وأغد يا أنيس على امرأة هذا فاسألها، فإن اعترفت فارجمها» فاعترفت، فرجمها.
[فصل في ذكر من رجمه رسول اللَّه ﷺ من أهل الكتاب] فخرج البخاري ومسلم: أن اليهود جاءوا إلى رسول اللَّه ﷺ، فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال رسول اللَّه ﷺ: «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم» ؟ قال نفضحهم ويجلدون، فقال عبد اللَّه بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة، فنشروها، فوضع أحدهم يده على آيه الرجم، فقرأ
توراة في شأن الرجم» ؟ قال نفضحهم ويجلدون، فقال عبد اللَّه بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة، فنشروها، فوضع أحدهم يده على آيه الرجم، فقرأ
ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد اللَّه بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، إن فيها الرجم، فأمر بهما رسول اللَّه ﷺ فرجما [ (١) ] .
[ () ] قوله (أن النبي ﷺ أتى يهودي ويهودية قد زنيا إلى قوله فرجما) في هذا دليل لوجوب حد الزنا على الكافر وأنه يصح نكاحه لأنه لا يجب الرجم إلا على محصن فلو لم يصح نكاحه لم يثبت إحصانه ولم يرجم، وفيه أن الكافر مخاطبون بفروع الشرع وهو الصحيح وقيل لا يخاطبون بها وقيل أنهم مخاطبون بالنهى دون الأمر، وفيه أن الكفار إذا تحاكموا إلينا حكم القاضي بينهم بحكم شرعنا وإذا تحاكموا إلينا حكم القاضي بينهم بحكم شرعنا وقال مالك لا يصح إحصان الكافر قال وإنما رجمها لأنهما لم يكونا أهل ذمة وهذا تأويل باطل لأنهما كانا من أهل العهد ولأنه رجم المرأة والنساء لا يجوز قتلهن مطلقا. قوله ﷺ: (فقال ما تجدون في التوراة) قال العلماء: هذا السؤال ليس لتقليدهم ولا معرفة الحكم منهم فإنما هو لالزامهم بما يعتقدونه في كتابهم ولعله ﷺ قد أوحى اليه أن الرجم في التوراة الموجودة في أيديهم لم يغيروه كما غيروا أشياء أو أنه أخبره بذلك من أسلم منهم ولهذا لم يخف ذلك عليه حين كتموه. قوله (نسود وجوههما ونحملهما) هكذا هو في أكثر النسخ نحملهما بالحاء واللام، وفي بعضها نجملها بالجيم وفي بعضها نحممهما بميمين وكله متقارب فمعنى الأول نحملهما على الحمل ومعنى الثاني نجملهما جميعا على الجمل ومعنى الثالث نسود وجوههما بالحمم بضم الحاء وفتح الميم وهو الفحم وهذا الثالث ضعيف لأنه قال قبله نسود وجوههما فان قيل كيف رجم اليهوديان بالبينة أم بالإقرار قلنا الظاهر أنه بالإقرار وقد جاء في سنن أبى داود وغيره أنه شهد عليهما أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها فان صح هذا فان كان الشهود مسلمين فظاهر وإن كانوا كفارا فلا اعتبار بشهادتهم ويتعين أنهما أقرا بالزنا.
يره أنه شهد عليهما أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها فان صح هذا فان كان الشهود مسلمين فظاهر وإن كانوا كفارا فلا اعتبار بشهادتهم ويتعين أنهما أقرا بالزنا. قال العلامة ابن القيم في (زاد المعاد) : فتضمنت هذه الحكومة أن الإسلام ليس بشرط في الإحصان، وأن الذمي يحصن بالذمية، وإلى هذا ذهب أحمد والشافعيّ، ومن لم يقل بذلك اختلفوا في وجه هذا الحديث، فقال مالك في غير (الموطأ) : لم يكن اليهود بأهل ذمة، والّذي في (صحيح البخاري) : أنهم أهل ذمة، ولا شك أن هذا كان بعد العهد الّذي وقع بين النبي ﷺ وبينهم ولم يكونوا إذا ذاك حربا، كيف وقد تحاكموا إليه، ورضوا بحكمه؟ وفي بعض طرق الحديث: أنهم قالوا: اذهبوا بنا إلى هذا النبي، فإنه بعث بالتخفيف وفي بعض طرقه: أنهم دعوه إلى بيت مدارسهم، فأتاهم وحكم بينهم، فهم كانوا أهل عهد وصلح بلا شك.
فصل في ذكر من قطع رسول اللَّه ﷺ خرج البخاري [ (١) ] ومسلم [ (٢) ] وأبو داود [ (٣) ] من حديث ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها، قالت: إن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول اللَّه ﷺ؟ فقالوا: ومن
يجترئ عليه إلا أسامة رضى اللَّه ﵎ عنه؟ حب رسول اللَّه ﷺ، فكلمه أسامة رضى اللَّه ﵎ عنه، فقال: رسول اللَّه ﷺ أتشفع في حد من حدود اللَّه تعالى؟ ثم قام فاختطب فقال: أيها الناس: إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم اللَّه لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها. وفي رواية لمسلم إنما هلك الذين من قبلكم. ولم يقل البخاري وأبو داود والنسائي: أيها الناس. وخرجه البخاري في كتاب الحدود بهذا الإسناد ونحوه وقال فيه: ثم قام فخطب فقال: أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم. وقال في آخره: لقطع محمد يدها. وخرج مسلم [ (١) ] من حديث ابن وهب قال: أخبرنى يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: أخبرنى عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ عنها: أن قريشا أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد رسول اللَّه ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول اللَّه ﷺ، فأتى بها رسول اللَّه ﷺ فكلمه فيها أسامة بن زيد رضى اللَّه ﵎ عنه، فتلوّن وجه رسول اللَّه ﷺ فقال: أتشفع في حد من حدود اللَّه تعالى؟ فقال له أسامة رضى اللَّه ﵎ عنه: استغفر لي يا رسول اللَّه، فلما كان العشي قام رسول اللَّه ﷺ فاختطب فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والّذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. قال يونس: قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها: فحسنت توبتها بعد وتزوجت وكانت تأتى بعد ذلك فأرفع حاجتها
المرأة التي سرقت فقطعت يدها. قال يونس: قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها: فحسنت توبتها بعد وتزوجت وكانت تأتى بعد ذلك فأرفع حاجتها
إلى النبي ﷺ. ذكره في غزوة الفتح من حديث يونس عن الزهري بنحو حديث مسلم أو قريبا منه. وخرج مسلم [ (١) ] من حديث عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها قالت: كانت امرأة
مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ، أن تقطع يدها، فأتى أهلها أسامة بن زيد رضى اللَّه ﵎ عنه، فكلموه فكلم رسول اللَّه ﷺ فيها. ثم ذكر نحو حديث الليث ويونس. قال المؤلف، هذه المرأة التي سرقت وقطعت يدها التي كانت تستعير المتاع وتجحده، وهي فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بن عبد اللَّه بن عمرو ابن مخزوم، وهي بنت أخى أبى سلمة بن عبد الأسد الصحابي الجليل كان زوج أم سلمة قبل النبي ﷺ، قتل أبوها كافرا يوم بدر، قتله حمزة بن عبد المطلب، ووهم من زعم أن له صحبة. وقيل: هي أم عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد، وهي بنت عمر المذكورة، أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرنى بشر بن تيم أنها أم عمرو بن سفيان بن عبد الأسد. وخرج أبو داود [ (١) ] من حديث عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع رضى اللَّه ﵎ عنهما قال: إن امرأة مخزومية كانت تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي ﷺ بها فقطعت يدها، [وقص نحو حديث الليث، قال: فقطع النبي ﷺ يدها] . ومن حديث يونس عن ابن شهاب قال: كان عروة يحدث أن عائشة رضى اللَّه ﵎ عنها، قالت: استعارت امرأة- تعنى حليا- على ألسنة أناس يعرفون ولا تعرف هي، حليا فباعته، فأخذت ثمنه، فأتي بها رسول اللَّه ﷺ فأمر بقطع يدها، وهي التي شفع فيها أسامة بن زيد، وقال فيها رسول اللَّه ﷺ ما قال [ (٢) ] .
لا تعرف هي، حليا فباعته، فأخذت ثمنه، فأتي بها رسول اللَّه ﷺ فأمر بقطع يدها، وهي التي شفع فيها أسامة بن زيد، وقال فيها رسول اللَّه ﷺ ما قال [ (٢) ] .
وخرج النسائي [ (١) ] من حديث عبد اللَّه بن المبارك عن حماد بن سلمة عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبى طلحة عن أبى المنذر مولى أبى ذر، عن أبى أمية المخزوميّ قال: أن رسول اللَّه ﷺ أتى بلص اعترف اعترافا ولم يوجد معه متاع، فقال له رسول اللَّه ﷺ: ما إخالك سرقت؟ قال: بلى، قال رسول اللَّه ﷺ: اذهبوا به فاقطعوه ثم جيئوا به، فقطعوه ثم جاءوا به فقال له: قل أستغفر اللَّه وأتوب إليه، فقال: استغفر اللَّه وأتوب إليه، قال: اللَّهمّ تب عليه. ترجم عليه باب تلقين السارق. وخرجه أبو داود [ (٢) ] من حديث مصعب بن ثابت بن عبد اللَّه بن الزبير عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: جيء بسارق إلى رسول
اللَّه ﷺ فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول اللَّه! إنما سرق، فقال: اقطعوه، قال: فقطع، ثم جيء به الثانية فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول اللَّه! إنما سرق فقال: اقطعوه قال: فقطع، ثم جاء به الثالثة فقال: اقتلوه، فقالوا يا رسول اللَّه إنما سرق فقال: اقطعوه ثم أتى به الرابعة فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق، فقال: اقطعوه، فأتى به الخامسة فقال: اقتلوه، قال جابر رضى اللَّه ﵎ عنه: فانطلقنا به فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه في بئر ورمينا عليه الحجارة. وخرج أبو داود [ (١) ] من حديث عبد الرزاق قال: أنبأنا ابن جريح قال: أخبرنى إسماعيل بن أمية أن نافعا مولى عبد اللَّه بن عمر حدثة أن عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه ﵎ عنهما حدثهم أن النبي ﷺ قطع يد رجل سرق ترسا من صفّة النساء ثمنه ثلاثة دراهم. وخرج من حديث محمد بن إسحاق، عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس رضى اللَّه ﵎ عنهما، قال: قطع رسول اللَّه ﷺ يد رجل في مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم [ (٢) ] .
فصل في ذكره من جلده رسول اللَّه ﷺ خرج البخاري [ (١) ] من حديث يحى بن بكير قال: حدثني الليث قال حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضى اللَّه ﵎ عنه أن رجلا على عهد رسول اللَّه ﷺ كان اسمه عبد اللَّه وكان يلقب حمارا وكان يضحك رسول اللَّه ﷺ، وكان رسول اللَّه ﷺ قد جلده في الشراب فأتى به يوما فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم فقال اللَّهمّ العنة ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي ﷺ: لا تلعنوه فو اللَّه ما علمت إنه يحب اللَّه ورسوله. وخرج من حديث بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن أبى سلمة عن أبى هريرة رضى اللَّه ﵎ عنه قال: أتى النبي ﷺ بسكران فأمر يضربه، فمنا من ضربه بيده، ومنا من ضربه بنعله، ومنا من ضربه بثوبه، فلما انصرف قال رجل: ما له أخزاه اللَّه! فقال رسول اللَّه ﷺ: لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم. ترجم عليهما ما يكره من لعن شارب الخمر وأنه ليس بخارج عن الملة [ (٢) ] .
[ () ] كهذا الّذي يحب اللَّه ورسوله ولا سيما مع إقامة الحد عليه، بل يندب الدعاء له بالتوبة والمغفرة، وسبب هذا التفصيل عدل عن قوله في الترجمة كراهية لعن شارب الخمر إلى قوله: «ما يكره من» فأشار بذلك إلى التفصيل، وعلى هذا التقرير فلا حجة فيه لمنع الفاسق المعين مطلقا، وقيل: إن المنع خاص بما يقع في حضرة النبي ﷺ لئلا يتوهم الشارب عند عدم الإنكار أنه مستحق لذلك، فربما أوقع الشيطان في قلبه ما يتمكن به من فتنه، وإلى ذلك الإشارة بقوله في حديث أبى هريرة «لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم» وقيل المنع مطلقا في حق من أقيم عليه الحد، لأن الحد قد كفر عنه الذنب المذكور، وقيل المنع مطلقا في حق ذي الزلة والجواز مطلقا في حق المجاهرين. قال النووي في (الأذكار) : وأما الدعاء على إنسان بعينه ممن اتصف بشيء من المعاصي فظاهر الحديث أنه لا يحرم وأشار الغزالي إلى تحريمه وقال في «باب الدعاء على الظلمة» بعد أن أورد أحاديث صحيحة في الجواز قال الغزالي: وهي معنى اللعن الدعاء على الإنسان بالسوء حتى على الظالم مثل «لا أصح اللَّه جسمه» وكل ذلك مذموم انتهى. والأولى حمل كلام الغزالي على الأول.
ال الغزالي: وهي معنى اللعن الدعاء على الإنسان بالسوء حتى على الظالم مثل «لا أصح اللَّه جسمه» وكل ذلك مذموم انتهى. والأولى حمل كلام الغزالي على الأول. أما الأحاديث فتدل على الجواز كما ذكره النووي في قوله ﷺ للذي قال له كل: بيمينك فقال: لا أستطيع فقال «لا استطعت فيه دليل على جواز الدعاء من خالف الحكم الشرعي، ومال هنا إلى الجواز قبل إقامة الحد والمنع بعد إقامته. وصنيع البخاري يقتضي لعن المتصف بذلك من غير أن يعين باسمه فيجمع بين المصلحتين، لأن لعن المعين والدعاء عليه قد يحمله على التمادي أو يقنطه من قبول التوبة، بخلاف ما إذا صرف ذلك إلى المتصف فإن فيه زجرا وردعا عن ارتكاب ذلك وباعثا لفاعله على الإقلاع عنه، ويقويه النهى عن التثريب على الأمة إذا جلدت على الزنا كما سيأتي قريبا. واحتج شيخا الإمام البلقيني على جواز لعن المعين بالحديث الوارد في المرأة إذا دعاها زوجها إلى فراشه فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح وهو في الصحيح، وقد توقف فيه بعض من لقيناه بأن اللاعن لها الملائكة فيتوقف الاستدلال به على جواز التأسي بهم وعلى التسليم فليس في الخبر تسميتها، والّذي قاله شيخنا أقوى فإن الملك معصوم والتأسي بالمعصوم مشروع البحث في جواز لعن المعين وهو الموجود.
ز التأسي بهم وعلى التسليم فليس في الخبر تسميتها، والّذي قاله شيخنا أقوى فإن الملك معصوم والتأسي بالمعصوم مشروع البحث في جواز لعن المعين وهو الموجود.
[ () ] قوله: (إن رجلا كان على عهد النبي ﷺ كان اسمه عبد اللَّه وكان يلقب حمارا) ذكر الواقدي في غزوة خيبر من (مغازيه) عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال ووجد حصن الصعب ابن معاذ فذكر ما وجد من الثياب وغيرها إلى أن قال: (وزقاق خمر فأريقت، وشرب يومئذ من تلك الخمر رجل يقال له عبد اللَّه الحمار) وهو باسم الحيوان المشهور، وقد وقع في حديث الباب أن الأول اسمه والثاني لقبه وجوز ابن عبد البر أنه النعيمان المبهم في حديث عقبة بن الحارث فقال في ترجمة النعيمان «كان رجلا صالحا وكان له ابن انهمك في الشراب فجلده النبي ﷺ فعلى هذا يكون كل من النعيمان وولده عبد اللَّه جلد في الشرب. وقوى هذا عنده بما أخرجه الزبير بن بكار في (المفاكهة) من حديث محمد بن عمرو بن حزم قال: كان بالمدينة رجل يصيب الشراب فكان يؤتى به النبي ﷺ فيضربه بنعله ويأمر أصحابه فيضربونه بنعالهم ويحثون عليه التراب، فلما كثر ذلك منه قال له رجل هل الشارب النعيمان أو ابن النعيمان والراجح النعيمان فهو غير المذكور هنا لأن قصة عبد اللَّه كانت في خيبر فهي سابقة على قصة النعيمان فإن عقبة بن الحارث من مسلمة الفتح والفتح كان بعد خيبر بنحو من عشرين شهرا. قوله (وكان يضحك رسول اللَّه ﷺ أي يقول بحضرته أو يفعل ما يضحك منه، وقد أخرج أبو يعلى من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم بسند الباب «ان رجلا كان حمارا وكان يهدى لرسول اللَّه ﷺ العكة من السمن والعسل فإذا جاء صاحبه يتقاضاه جاء إلى النبي ﷺ فقال: أعط هذا متاعه، فما يزيد النبي ﷺ أن يتبسم ويأمر به فيعطى «ووقع في حديث محمد ابن عمرو بن حزم بعد قوله: «يحب اللَّه ورسوله» قال: «وكان لا يدخل إلى المدينة طرفة إلا اشترى منها ثم جاء فقال: يا رسول اللَّه هذا أهديته لك، فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه جاء به فقال: أعط هذا الثمن، فيقول ألم تهده إلى؟ فيقول: ليس عندي، فيضحك ويأمر بثمنه» وهذا مما يقوى أن صاحب الترجمة والنعيمان واحد واللَّه أعلم.
ب ثمنه جاء به فقال: أعط هذا الثمن، فيقول ألم تهده إلى؟ فيقول: ليس عندي، فيضحك ويأمر بثمنه» وهذا مما يقوى أن صاحب الترجمة والنعيمان واحد واللَّه أعلم. قوله: (قد جلده في الشراب) أي بسبب شربه الشراب المسكر وكان فيه مضمرة أي كان قد جلده، ووقع في رواية معمر عن زيد بن أسلم بسنده هذا عند عبد اللَّه الرزاق «أتى برجل قد شرب الخمر فحد، ثم أتى به فحد، ثم أتى به فحد، ثم أتى به فحد أربع مرات» . قوله: (ما أكثر ما يؤتى به) في رواية الواقدي «ما يضرب» وفي رواية معمر «ما أكثر ما يشرب وما أكثر ما يجلد» .
[ () ] قوله: (لا تلعنوه) في رواية الواقدي «لا تفعل يا عمر» وهذا قد يتمسك به من يدعى اتحاد القصتين، وهو لما بينته من اختلاف الوقتين، ويمكن الجمع بأن ذلك وقع للنعيمان ولابن النعيمان وأن اسمه عبد اللَّه ولقبه حمار، واللَّه أعلم. قوله: (فو اللَّه ما علمت إنه يحب اللَّه ورسوله) كذا للأكثر بكسر الهمزة، ويجوز على رواية ابن السكن الفتح والكسر، وقال بعضهم الرواية بفتح الهمزة. وفي هذا الحديث من الفوائد جواز التلقيب وقد تقدم القول فيه في كتاب الأدب، وهو محمول هنا على أنه كان لا يكرهه، أو أنه ذكر به على سبيل التعريف لكثرة من كان يسمى بعبد اللَّه، أو أنه لما تكرر منه الإقدام على الفعل المذكور نسب إلى البلادة فأطلق عليه اسم من يتصف بها ليرتدع بذلك. وفيه الرد على من زعم أن مرتكب الكبيرة كافر لثبوت النهى عن لعنه والأمر بالدعاء له. وفيه أن لا تنافى بين ارتكاب النهى وثبوت محبة اللَّه ورسوله في قلب المرتكب لأنه ﷺ أخبر بأن المذكور يحب اللَّه ورسوله مع وجوب ما صدر منه، وأن من تكررت منه المعصية لا تنزع منه محبة اللَّه ورسوله، ويؤخذ منه تأكيد ما تقدم أن نفى الايمان عن شارب الخمر لا يراد به زواله بالكلية بل نفى كماله كما تقدم، ويحتمل أن يكون استمرار ثبوت محبة اللَّه ورسوله في قلب العاصي مقيدا بما إذا ندم على وقوع المعصية وأقيم عليه الحد فكفر عنه الذنب المذكور، بخلاف من لم يقع منه ذلك فإنه يخشى عليه بتكرار الذنب أن يطبع على قلبه شيء حتى يسلب منه، نسأل اللَّه العفو والعافية. وفيه ما يدل على نسخ الأمر الوارد بقتل شارب الخمر إذا تكرر منه إلى الرابعة أو الخامسة، فقد ذكر ابن عبد البر أنه أتى به أكثر من خمسين مرة. وله من طريق أخرى عن أبى هريرة، أخرجها عبد الرزاق، وأحمد، والترمذي تعليقا، والنسائي، كلهم من رواية سهيل بن أبى صالح، عن أبيه عنه بلفظ «إذا شربوا فاجلدوهم ثلاثا، فإذا شربوا الرابعة فاقتلوهم «وروى عن عاصم بن بهدلة عن أبى صالح فقال أبو بكر بن عياش عن أبى صالح عن أبى سعيد كذا أخرجه حبان من رواية عثمان بن أبى شيبة عن أبى بكر.



