— Bagian 8 · لأربعاء، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وأقام… —
Bagian 8
لأربعاء، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وأقام بذي قرد يوما وليلة. وقسم في كل مائة من أصحابه جزورا ينحرونها، وكانوا خمسمائة، ويقال: كانوا سبعمائة.
حراسة المدينة وإمداد سعد بن عبادة المسلمين وأقام سعد بن عبادة- في ثلاثمائة من قومه- يحرسون المدينة خمس ليال حتى رجع ﷺ ليلة الاثنين. وأمدّ المسلمين سعد بن عبادة ﵁ بأحمال تمر، وبعشر جزائر بذي قرد: وبعث بذلك مع ابنه قيس بن سعد، فقال رسول اللَّه ﷺ: يا قيس! بعثك أبوك فارسا، وقرى المجاهدين، وحرس المدينة من العدو! اللَّهمّ ارحم سعدا وآل سعد! ثم قال: نعم المرء سعد بن عبادة! فقالت الأنصار: يا رسول اللَّه، هو بيننا وسيدنا وابن سيدنا. كانوا يطعمون في المحل [ (١) ] ، ويحملون الكل [ (٢) ] ، ويقرون الضيف، ويعطون في النائبة، ويحملون عن العشيرة [ (٣) ] . فقال: خيار الناس في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا في الدين.
الرجوع إلى المدينة وخبر امرأة أبي ذر ورجع ﷺ إلى المدينة ليلة الاثنين وقد غاب عنها خمس ليال. فأقبلت امرأة أبي ذر على ناقته القصواء. - وكانت في السرح- فدخلت عليه فأخبرته من أخبار الناس، ثم قالت: يا رسول اللَّه! إني نذرت إن نجاني اللَّه عليها أن أنحرها فآكل من كبدها وسنامها! فتبسم وقال: بئس ما جزيتها! أن حملك اللَّه عليها ونجاك [بها] [ (٤) ] ثم تنحرينها! إنه لا نذر في معصية اللَّه ولا فيما لا تملكين، إنما هي ناقة من إبلي، فارجعي إلى أهلك على بركة اللَّه.
خبر الهدية وقيل لرسول اللَّه ﷺ: هذه لقحتك السمراء على بابك، فخرج مستبشرا، فإذا رأسها بيد ابن أخي عيينة بن حصن، فلما نظر عرفها، فقال: أيم بك [ (١) ] ؟ فقال: يا رسول اللَّه! أهديت إليك هذه اللقحة، فتبسم وقبضها منه، وأمر له بثلاثة أواقي فضة، فتسخط، فصلى ﵇ الظهر وصعد المنبر فحمد اللَّه، ثم قال: إن الرجل أهدى لي الناقة من إبلي، أعرفها كما أعرف بعض أهلي ثم أثيبه عليها، فيظل يتسخط عليّ! ولقد هممت ألا أقبل هدية إلا من قريشي أو أنصاري. وفي رواية [ (٢) ] : أو ثقفي أو دوسي.
إبلي، أعرفها كما أعرف بعض أهلي ثم أثيبه عليها، فيظل يتسخط عليّ! ولقد هممت ألا أقبل هدية إلا من قريشي أو أنصاري. وفي رواية [ (٢) ] : أو ثقفي أو دوسي.
بعض تاريخ الغزوة ووقع في صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع في هذه القصة قال: فرجعنا إلى المدينة فلم نلبث إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر. وذهب قوم إلى غزوة المريسيع كانت في شعبان، بعد غزوة الغابة هذه [ (٣) ] .
يا خيل اللَّه اركبي وفي غزوة الغابة نودي عند ما جاء الفزع: يا خيل اللَّه اركبي: ولم يكن يقال قبلها.
سرية عكاشة بن محصن إلى الغمر ثم كانت سرية عكاشة بن محصن بن حرثان بن قيس بن مرة بن كبير بن غنم ابن دودان بن أسد بن خزيمة- الأسدي- إلى الغمر: وهو ماء لبني أسد على ليلتين من قيد [ (٤) ] في ربيع الأول سنة ست. فخرج في أربعين رجلا يغذ السير، فنذر به القوم فهربوا، وانتهى إلى علياء بلادهم فلم يلق أحدا. وبث سراياه فظفروا
بنعم فاستاقوا مائتي بعير وعادوا.
سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة ثم كانت سرية محمد بن مسلمة إلى ذي القصة- موضع بينه وبين المدينة أربعة وعشرين ميلا- يريد بني ثعلبة وبني عوال من ثعلبة [ (١) ] : وهم مائة رجل، في ربيع الأول، فسار في عشرة حتى وردوا ليلا وناموا، فأحاط بهم المائة رجل من بني ثعلبة ففزعوا، وراموهم ساعة بالنبل، ثم حملت الأعراب بالرماح عليهم فقتلوهم، وسقط محمد بن مسلمة جريحا، فحمل بعد ذلك إلى المدينة.
بهم المائة رجل من بني ثعلبة ففزعوا، وراموهم ساعة بالنبل، ثم حملت الأعراب بالرماح عليهم فقتلوهم، وسقط محمد بن مسلمة جريحا، فحمل بعد ذلك إلى المدينة.
سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة ثم كانت سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى ذي القصة في شهر ربيع الآخر سنة ست. خرج في ليلة السبت ومعه أربعون رجلا، فغاب ليلتين، وكانت بلاد بني ثعلبة وأنمار قد أجدبت، فتتبع بنو محارب وثعلبة وأنمار سحابة وقعت بالمراض إلى تغلمين، [والمراض على ستة وثلاثين ميلا من المدينة] ، وأجمعوا أن يغيروا على سرح المدينة ببطن هيفاء [ (٢) ] : [موضع على سبعة أميال من المدينة] . فبعث رسول اللَّه ﷺ أبا عبيدة ﵁ بمن معه بعد ما صلوا صلاة المغرب: فمشوا ليلهم حتى وافوا ذا القصة مع عماية الصبح [ (٣) ] ، فأغاروا على القوم فأعجزوهم هربا، وأخذوا رجلا، واستاقوا نعما، ووجدوا رثة من متاع، وعادوا، فخمس رسول اللَّه ﷺ الغنيمة، وقسم باقيها. وأسلم الرجل وترك لحاله.
سرية زيد بن حارثة إلى العيص وكانت سرية زيد بن حارثة ﵁ إلى العيص: على أربع ليال من المدينة، في جمادى الأولى منها، ومعه سبعون ومائة راكب، ليأخذوا عيرا لقريش قد أخذت طريق العراق. ودليلها فرات بن حيان العجليّ. فظفر بها زيد، وأسر أبا العاص بن الربيع، والمغيرة بن معاوية بن أبي العاص، ووجد فضة كثيرة لصفوان
ابن أمية. وقدم المدينة، فأجازت زينب [بنت رسول اللَّه] [ (١) ] ﵍ زوجها أبا العاص.
إسلام أبي العاص زوج زينب بنت رسول اللَّه ﷺ فقال رسول اللَّه ﷺ: المؤمنون يد على من سواهم، يجير عليهم أدناهم، وقد أجرنا من أجارت: ورد عليه كل ما أخذ من المال. فعاد إلى مكة وأدى إلى كل ذي حقّ حقه، وأسلم. ثم قدم المدينة مهاجرا، فرد رسول اللَّه ﷺ عليه زينب بذلك النكاح.
إفلات المغيرة بن معاوية من أسر عائشة ﵂ وأفلت المغيرة بن معاوية فتوجه إلى مكة، فأخذه خوات بن جبير أسيرا- وكان في سبعة نفر مع سعد بن أبي وقاص- فدخلوا به المدينة بعد العصر، فقال رسول اللَّه ﷺ لعائشة ﵂: احتفظي عليك بهذا الأسير، وخرج. فلهت عائشة مع امرأة بالحديث، فخرج وما شعرت به.
خبر دعاء رسول اللَّه ﷺ على عائشة ﵂ فدخل النبي ﷺ فلم يره وسألها، فقالت: غفلت عنه، وكان هاهنا آنفا! فقال: قطع اللَّه يدك. وخرج فصاح بالناس، فخرجوا في طلبه حتى أخذوه وأتوا به. فدخل ﷺ على عائشة وهي تقلّب يدها فقال: مالك؟ قالت: انظر كيف تقطع يدي! قد دعوت عليّ بدعوتك! فاستقبل ﷺ القبلة ورفع يديه ثم قال: اللَّهمّ إنما أنا بشر أغضب وآسف كما يغضب البشر، فأيما مؤمن أو مؤمنة دعوت عليه فاجعلها له رحمة [ (٢) ] .
سرية زيد بن حارثة إلى الطرف وكانت سرية زيد بن حارثة إلى الطّرف- ماء على ستة وثلاثين ميلا من المدينة، بناحية نخل من طريق العراق- في جمادى الآخرة منها، ومعه خمسة عشر
رجلا يريد بني ثعلبة، فأصاب لهم نعما وشاء. وقدم من غير قتال بعشرين بعيرا، ثم غاب أربع ليال.
نخل من طريق العراق- في جمادى الآخرة منها، ومعه خمسة عشر
رجلا يريد بني ثعلبة، فأصاب لهم نعما وشاء. وقدم من غير قتال بعشرين بعيرا، ثم غاب أربع ليال.
سرية زيد بن حارثة إلى حسمي وسببها وكانت سرية زيد أيضا إلى حسمي وراء وادي القرى، في جمادى الآخرة هذا. وسببها أن دحية الكلبي أقبل من عند قيصر ملك الروم بجائزة وكسوة، فلقيه بحسمي الهنيد بن عارض وابنه عارض بن الهنيد في جمع من جذام، فأخذوا ما معه. ودخل المدينة بسمل [ (١) ] ثوب، [ويقال: بل نفر إليه النعمان بن أبي جعال في نفر من بني الضّبيب فخلص له متاعه بعد حرب] . فبعث رسول اللَّه ﷺ زيدا على خمسمائة رجل ومعه دحية، فكان يسير ليلا ويكمن نهارا، حتى هجم مع الصبح على الهنيد وابنه فقتلهما، واستاق ألف بعير وخمسة آلاف شاة، ومائة ما بين امرأة وصبيّ. فأدركه بنو الضّبيب- وقد كانوا أسلموا وقرءوا من القرآن- وحدّثوه أن يرد عليهم ما أخذ. ثم قدم زيد بن رفاعة الجذامي في نفر من قومه على رسول اللَّه ﷺ المدينة، فذكر له ما صنع زيد بن حارثة، ورضوا بأخذ ما أصاب لهم من الأهل والمال، وأغضوا عمّن قتل. فبعث معهم علي بن أبي طالب ﵁ ومعه سيفه أمارة- ليردّ عليهم زيد ما أخذ منهم- فردّ جميع ذلك بعد ما فرّقه فيمن معه، وقد وطئوا النساء.
سرية عبد الرحمن بن عوف إلى كلب بدومة الجندل يدعوهم إلى الإسلام وكانت سرية عبد الرحمن بن عوف ﵁ إلى كلب بدومة الجندل في شعبان منها [ (٢) ] ، ليدعوا كلبا إلى الإسلام، ومعه سبعمائة رجل. فأقعده بين يديه، ونقض عمامته بيده الكريمة، ﷺ، ثم عمّمه بعمامة سوداء وأرخى بين كتيفيه منها، ثم قال: هكذا فاعتم يا ابن عوف! ثم قال ﷺ: أغد باسم اللَّه وفي سبيل اللَّه. فقاتل من كفر باللَّه. لا تغلّ ولا تغدر ولا تقتل وليدا.
خى بين كتيفيه منها، ثم قال: هكذا فاعتم يا ابن عوف! ثم قال ﷺ: أغد باسم اللَّه وفي سبيل اللَّه. فقاتل من كفر باللَّه. لا تغلّ ولا تغدر ولا تقتل وليدا.
الخمس المهلكات ثم بسط يده فقال: يا أيها الناس! اتقوا خمسا قبل أن تحلّ بكم: ما نقض [ (١) ] مكيال قوم إلا أخذهم اللَّه بالسنين [ (٢) ] ونقص من الثمرات لعلّهم يرجعون، وما نكث قوم عهدهم إلا سلّط اللَّه عليهم عدوهم، وما منع قوم الزكاة إلا أمسك اللَّه عنهم قطر السماء: ولولا البهائم لم يسقوا، وما ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط اللَّه عليهم الطاعون، وما حكم قوم بغير آي القرآن إلا ألبسهم شيعا [ (٣) ] وأذاق بعضهم بأس بعض.
إسلام الأصبغ ملك كلب، وزواج عبد الرحمن ابن عوف تماضر ابنته فسار عبد الرحمن بن عوف حتى قدم دومة الجندل، ودعا أهلها ثلاثة أيام إلى الإسلام وهم يأبون إلا محاربته. ثم أسلم الأصبغ بن عمرو بن ثعلبة بن حصن ابن ضمضم الكلبي: وكان نصرانيا وهو رأس القوم، فكتب عبد الرحمن بن عوف بذلك إلى رسول اللَّه ﷺ مع رافع بن مكيث، وأنه أراد أن يتزوج فيهم، فكتب إليه أن تزوج تماضر ابنة الأصبغ، فتزوجها، فهي أول كلبية تزوجها قرشيّ، فولدت له أبا سلمة، [العقية] [ (٤) ] . [وهي أخت النعمان بن المنذر لأمّه] . وأقبل بعد ما فرض الجزية على من أقام على دينه.
سرية علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر ثم كانت سرية علي بن أبي طالب ﵁ إلى بني سعد بن بكر [ (٥) ]
وكانوا بفدك [ (١) ] في شعبان منها، ومعه مائة رجل. وقد أجمعوا [يعني بني سعد ابن بكر] [ (٢) ] على أن يمدوا يهود خيبر. فسار ليلا وكمن نهارا، حتى [إذا] [ (٢) ] انتهى إلى ماء بين خيبر وفدك يقال له: الهمج، وجد عينا لبني سعد قد بعثوه إلى خيبر- لتجعل لهم يهود من ثمرها كما جعلوا لغيرهم، حتى يقدموا عليهم- فدلهم على القوم بعد ما أمّنوه. فسار عليّ حتى أغار على نعمهم وضمّها، وفرّت رعاتها فأنذرت القوم. وقد تجمّعوا مائتي رجل، وعليهم وبر بن عليم [ (٣) ] ، فتفرقوا. وانتهى عليّ بمن معه فلم ير منهم أحدا، وساق النّعم: وهي خمسمائة بعير وألفا شاة، فعزل الخمس وصفىّ رسول اللَّه ﷺ لقوحا تدعى (الحفذة) [ (٤) ] ، ثم قسم ما بقي، وقدم المدينة.
سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة [ (٥) ] ، وسببها ثم كانت سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة فاطمة بنت ربيعة بن بدر الفزارية، بناحية وادي القرى: على سبع ليال من المدينة، في رمضان سنة ست، وسببها أن زيدا خرج في تجارة إلى الشام، [ومعه بضائع لأصحاب النبي ﷺ] [ (٦) ] ، فخرج عليه- دوين وادي القرى- ناس من بني بدر من فزارة فضربوه، ومن معه حتى ظنوا أنهم قتلوه، وأخذوا ما كان معه، ثم تحامل حتى قدم المدينة. فبعثه رسول اللَّه ﷺ في سرية إلى بني فزارة، فكان يكمن نهاره ويسير ليله، ونذرت بهم بنو بدر فاستعدّوا، فلما كان زيد ومن معه على مسيرة ليلة أخطأ بهم دليلهم الطريق، حتى صبحوا القوم فأحاطوا بهم، فقتل سلمة بن الأكوع رجلا منهم، وأخذ [سلمة بن] [ (٧) ] سلامة بن وقش، [ويقال: بل سلمة بن الأكوع، واسم
بهم دليلهم الطريق، حتى صبحوا القوم فأحاطوا بهم، فقتل سلمة بن الأكوع رجلا منهم، وأخذ [سلمة بن] [ (٧) ] سلامة بن وقش، [ويقال: بل سلمة بن الأكوع، واسم
الأكوع سنان] ، جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر وأمّها أمّ قرفة: فاطمة بنت ربيعة بن بدر، وغنموا. ثم قدموا المدينة، فقرع زيد بن حارثة الباب، فقام إليه رسول اللَّه ﷺ يجرّ ثوبه عريانا حتى اعتنقه وقبّله، وساءله، فأخبره بما ظفّره اللَّه. وقتل في هذه السرية عبد اللَّه بن مسعدة، وقيس بن النعمان بن مسعدة بن حكمة بن مالك [بن حذيفة] [ (١) ] بن بدر، أحد بني قرفة. وأم قرفة قتلها قيس ابن المحسر [اليعمري] [ (٢) ] قتلا عنيفا: ربط بين رجليها حبلا، ثم ربطها بين بعيرين [ثم زجرهما فذهبا فقطعاها] [ (٣) ] وهي عجوز كبيرة. فأمر رسول اللَّه ﷺ برأسها فدير به في المدينة ليعلم قتلها، ويصدق قول رسول اللَّه ﷺ في قوله لقريش: «أرأيتم إن قتلت أمّ قرفة؟ فيقولون: أيكون ذلك؟» وكان زوجها مالك بن حذيفة ابن بدر. وأخذ رسول اللَّه ﷺ من سلمة بن الأكوع ابنة أم قرفة، فوهبها لحزن ابن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وهي مشركة وهو مشرك، فولدت له عبد الرحمن بن حزن، وكانت جميلة.
سرية عبد اللَّه بن رواحة إلى أسير بن زارم اليهودي بخيبر ثم كانت سرية أميرها عبد اللَّه بن رواحة إلى أسير بن زارم [ (٤) ] بخيبر، وكان من يهود، في شوال سنة ست. وكان قد بعثه رسول اللَّه ﷺ قبل ذلك في رمضان في ثلاثة نفر ينظر إلى خيبر وما تكلم به يهود، فوعى ذلك وعاد بعد إقامة ثلاثة أيام، فقدم لليال بقين منه، فأخبر رسول اللَّه ﷺ بما ندبه إليه.
خبر أسير بن زارم وكان أسير قد تأمّر على يهود بعد أبي رافع، فقام فيهم يريد حرب رسول اللَّه ﷺ، وسار في غطفان فجمعها ليسير إلى المدينة، فقدم بخبره خارجة بن حثيل
بن زارم وكان أسير قد تأمّر على يهود بعد أبي رافع، فقام فيهم يريد حرب رسول اللَّه ﷺ، وسار في غطفان فجمعها ليسير إلى المدينة، فقدم بخبره خارجة بن حثيل
الأشجعي [ (١) ] . فندب رسول اللَّه ﷺ الناس، فانتدب له ثلاثون رجلا، واستعمل عليهم عبد اللَّه بن رواحة ﵁. فقدموا خيبر، وبعثوا إلى أسير فأمّنهم حتى يأتوه [ (٢) ] ، فيما جاءوا فيه، فأتوه وقالوا له: إن رسول اللَّه قد بعثنا إليك أن تخرج إليه فيستعملك على خيبر ويحسن إليك. فطمع في ذلك، وخرج في ثلاثين من يهود، ثم ندم في أثناء الطريق حتى عرف ذلك منه.
غدرة لليهودي وهمّ بعبد اللَّه بن أنيس- وكان فيمن خرج مع ابن رواحة- ففطن عبد اللَّه بغدره وبادر ليقتله، فشجّه أسير ثم قتل. ومالوا على أصحابه فقتلوهم كلهم، إلا رجلا واحدا فرّ منهم، ولم يصب أحد من المسلمين. وقدموا المدينة- وقد خرج رسول اللَّه ﷺ يتحسب أخبارهم- فحدثوه الحديث، فقال: نجاكم اللَّه من القوم الظالمين- ونفث في شجة عبد اللَّه بن أنيس فلم تفح [ (٣) ] بعد ذلك ولم تؤذه، وكان العظم قد نقّل. ومسح على وجهه ودعا له، وقطع له قطعة من عصاه فقال: أمسك هذه علامة بيني وبينك يوم القيامة أعرفك بها، فإنك تأتي يوم القيامة متخصّرا. فجعلت معه في قبره تلي جلده، ويروى أن النبي ﷺ كان قد قال له: يا عبد اللَّه! لا أرى أسير بن زارم! أي اقتله.
سرية كرز بن جابر ثم كانت سرية كرز بن جابر بن حسل بن لاحب بن حبيب بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر بن مالك القرشيّ الفهريّ- لما أغير على لقاح النبي ﷺ بذي الجدر- في شوال سنة ست- وهي على ستة أميال من المدينة، وذلك أن نفرا من عرينة ثمانية قدموا على النبي ﷺ [فأسلموا، واستوبئوا المدينة. وطحلوا، فأمر بهم رسول اللَّه ﷺ [ (٤) ]] إلى لقاحه- وكان سرح المسلمين بذي الجدر ناحية
قباء قريبا من عير ترعى هناك- فكانوا فيها حتى [ (١) ] صحوا وسمنوا- وكانوا استأذنوه أن يشربوا من ألبانها وأبوالها فأذن لهم- فغدوا على اللقاح فاستاقوها، فيدركهم يسار مولى النبي ﷺ ومعه نفر فقاتلهم، فأخذوه فقطعوا يده ورجله وغرزوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات، وانطلقوا بالسرح. فأقبلت امرأة من بني عمرو بن عوف على حمار لها حتى تمرّ بيسار فتجده تحت شجرة، فلما رأته وما به رجعت إلى قومها فأخبرتهم، فخرجوا نحو يسار حتى جاءوا به إلى قباء ميتا. فبعث رسول اللَّه ﷺ في إثرهم عشرين فارسا، واستعمل عليهم كرز بن جابر الفهري، فخرجوا في طلبهم حتى أدركهم الليل فباتوا بالحرّة، وأصبحوا لا يدرون أين يسلكون، فإذا هم بامرأة تحمل كتف بعير فأخذوها، فقالوا: ما هذا معك؟ قالت: مررت بقوم قد نحروا بعيرا فأعطوني هذا. ودلتهم على موضعهم فأتوهم. فأحاطوا بهم وأسروهم جميعهم.
عقاب الأسرى وربطوهم وأردفوهم على الخيل حتى قدموا بهم المدينة- وقد خرج رسول اللَّه ﷺ إلى الغابة [ (٢) ]- فأتوه بهم. فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمل [ (٣) ] أعينهم، وصلبوا بالزّغابة.
النهي عن المثلة فنزلت هذه الآية: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ [ (٤) ] فلم تسمل بعد ذلك عين، ولا بعث ﷺ بعد ذلك بعثا إلا نهاهم عن المثلة. وروى جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده: لم يقطع رسول اللَّه ﷺ لسانا قط، ولم يسمل عينا ولم يزد على قطع اليد والرجل.
اللقاح ولما ظفر المسلمون باللقاح خلّفوا عليها سلمة بن الأكوع ومعه أبو رهم الغفاريّ. وكانت خمسة عشرة لقحة غزارا. فلما أقبل النبي ﷺ من الزّغابة إذا اللقاح على باب المسجد تحان [ (١) ] ، فلما نظر إليها تفقد منها لقحة يقال لها الحنّاء، وقد نحرها القوم، فردها إلى ذي الجدر فكانت هناك، وكان لبنها يروح به سلمة ابن الأكوع إلى رسول اللَّه ﷺ، كل ليلة وطب [ (٢) ] لبن.
قحة يقال لها الحنّاء، وقد نحرها القوم، فردها إلى ذي الجدر فكانت هناك، وكان لبنها يروح به سلمة ابن الأكوع إلى رسول اللَّه ﷺ، كل ليلة وطب [ (٢) ] لبن.
عمرة الحديبيّة ثم كانت عمرة الحديبيّة [على مقربة مكة] [ (٣) ] . وذلك أن رسول اللَّه ﷺ رأى في النوم أنه دخل البيت وحلق رأسه، وأخذ مفتاح البيت، وعرّف مع المعرّفين [ (٤) ] ، فاستنفر أصحابه إلى العمرة، فأسرعوا وتهيأوا للخروج.
إسلام بسر بن سفيان وشراؤه الهدي لرسول اللَّه ﷺ وقدم عليه بسر بن سفيان بن عمرو بن عويمر الخزاعيّ في ليال من شوال مسلما، فقال له: يا بسر! لا تبرح حتى تخرج معنا، فإنا إن شاء اللَّه معتمرون. فأقام وابتاع بدنا لرسول اللَّه ﷺ، فكان يبعث بها إلى ذي الجدر حتى حضر خروجه، فأمر بها فجلبت إلى المدينة، وسلمها إلى ناجية بن جندب بن عمير بن يعمر بن دارم بن عمرو بن واثلة بن سهم [ (٥) ] بن مازن بن سلامان بن أسلم بن أفصى الأسلمي ليقدمها إلى ذي الحليفة.
سلاح المسلمين وهديهم وخرج المسلمون لا يشكون في الفتح- للرؤيا المذكورة-، وليس معهم
سلاح إلا السيوف في القرب. وساق قوم الهدي [ (١) ] : منهم أبو بكر، وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد اللَّه، وسعد بن عبادة، رضوان اللَّه عليهم.
كلام عمر في أمر السلاح وقال عمر بن الخطاب ﵁: أتخشى يا رسول اللَّه علينا من أبي سفيان ابن حرب وأصحابه ولم تأخذ للحرب عدتها؟ فقال: ما أدري، ولست أحب أحمل السلاح معتمرا. وقال سعد بن عبادة ﵁: لو حملنا يا رسول اللَّه السلاح معنا، فإن رأينا من القوم ريبا كنا معدين لهم! فقال ﷺ: لست أحمل السلاح، إنما خرجت معتمرا.
يوم الخروج واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم. وخرج من المدينة يوم الاثنين لهلال ذي القعدة. هذا هو الصحيح، وإليه ذهب الزهري، وقتادة، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق، والواقدي [ (٢) ] ، واختلف فيه على عروة بن الزبير، فعنه: خرج رسول اللَّه ﷺ إلى الحديبيّة في رمضان، وكانت الحديبيّة في شوال [ (٣) ] . وعنه أنها كانت في ذي القعدة من سنة ست.
تلف فيه على عروة بن الزبير، فعنه: خرج رسول اللَّه ﷺ إلى الحديبيّة في رمضان، وكانت الحديبيّة في شوال [ (٣) ] . وعنه أنها كانت في ذي القعدة من سنة ست.
بدء الجهاز للعمرة قال الواقدي: فاغتسل في بيته، ولبس ثوبين من نسج صحار [ (٤) ] ، وركب راحلته القصواء من عند بابه، وخرج المسلمون. فصلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بالبدن فجلّلت [ (٥) ] ، ثم أشعر [ (٦) ] منها عدة- وهي موجهات إلى القبلة- في
الشق الأيمن.
إشعار الهدي وتقليده ثم أمر ناجية بن جندب بإشعار ما بقي، وقلد [ (١) ] نعلا نعلا، وهي سبعون بدنة: منها جمل أبي جهل الّذي غنمه يوم بدر. وأشعر المسلمون بدنهم، وقلدوا النعال في رقابها. وبعث بسر بن سفيان عينا له، وقدم عباد بن بشر طليعة في عشرين فرسا، ويقال: أميرهم سعد بن زيد الأشهلي.
إحرام رسول اللَّه ﷺ من ذي الحليفة ثم صلى ركعتين وركب من باب المسجد بذي الحليفة [ (٢) ] ، فلما انبعثت به راحلته مستقبلة القبلة أحرم فلبى: «لبيك اللَّهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» . وأحرم عامة الناس بإحرامه.
عدد المسلمين وسلك طريق البيداء [ (٣) ] ، وخرج معه من المسلمين ألف وستمائة، ويقال: ألف وأربعمائة، ويقال: ألف وخمسمائة وخمسة وعشرون رجلا، ويقال: ألف وثلاثمائة [ (٤) ] .
عدد النساء وأربع نسوة: أم سلمة أم المؤمنين، وأم عمارة، وأم منيع- أسماء بنت عمرو ابن عدي [بن سنان بن نابي] [ (٥) ] بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصارية، وأم عامر الأشهلية، وقال بعضهم: كانوا سبعمائة. قال ابن حزم:
وهذا وهم شديد البتة، قال: والصحيح بلا شك ما بين ألف وثلاثمائة إلى ألف وخمسمائة.
مقالة بني بكر ومزينة وجهينة ومر فيما بين مكة والمدينة بالأعراب بني بكر ومزينة وجهينة فاستنفرهم، فتشاغلوا بأبنائهم وأموالهم، وقالوا فيما بينهم: أيريد محمد أن يغزو بنا [ (١) ] إلى قوم معدّ في الكراع والسلاح؟ وإنما محمد وأصحابه أكلة جزور [ (٢) ] ! لن يرجع محمد وأصحابه من سفرهم هذا أبدا! قوم لا سلاح معهم ولا عدد!.
هدية بني نهد ثم قدم ناجية بن جندب مع الهدي في فتيان من أسلم، ومعهم هدي للمسلمين. ولقي بالروحاء طائفة من بني نهد، فدعاهم إلى الإسلام فأبوا، وبعثوا إليه بلبن من نعمهم فقال: لا أقبل هدية من مشرك.
رد هدية المشركين وردّه، فابتاعه المسلمون منهم. وابتاعوا ثلاثة أضب [ (٣) ] فأكل منها قوم أجلّة. وسأل المحرمون رسول اللَّه ﷺ عنها فقال: كلوا، فكلّ صيد البر لكم حلال في الإحرام تأكلونه إلا ما صدتم أو صيد لكم.
الصيد في الحرم ورأى أبو قتادة بالأبواء حمارا وحشيا- وكان محلا [ (٤) ] فحمل عليه فقتله، فأكل منه رسول اللَّه ﷺ. وجاءه يومئذ الصّعب بن جثامة بن قيس الليثيّ بحمار وحشيّ أهداه له فردّه، وقال: إنا لم نرده إلا أنا حرم.
هدية إيماء بن رحضة وأهدي له إيماء بن رحضة بن خربة الغفاريّ مائة شاة وبعيرين يحملان لبنا: بعث بهما مع ابنه خفاف بن إيماء ففرق ذلك وقال: بارك اللَّه فيكم. وأهدي له من ودان لياء [وهو حب أبيض كالحمص] وعتر [ (١) ] وضغابيس [ (٢) ] ، فجعل يأكل الضغابيس والعتر وأعجبه، وأدخل منه على أمّ سلمة.
خبر كعب الّذي آذاه القمل وهو محرم ورأى بالأبواء كعب بن عجرة بن أمية بن عدي بن عبيد بن الحارث البلوي ورأسه يتهافت قملا وهو محرم، فقال: هل تؤذيك هوامّك يا كعب؟ قال: نعم يا رسول اللَّه! قال: فاحلق رأسك. وفيه نزلت: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [ (٣) ] ، فأمره رسول اللَّه ﷺ أن يذبح شاة، أو يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستين مسكينا: لكل مسكين مدّين، أي ذلك فعل أجزأه. ويقال: إن كعب بن عجرة أهدي بقرة قلدها وأشعرها.
سول اللَّه ﷺ أن يذبح شاة، أو يصوم ثلاثة أيام، أو يطعم ستين مسكينا: لكل مسكين مدّين، أي ذلك فعل أجزأه. ويقال: إن كعب بن عجرة أهدي بقرة قلدها وأشعرها.
ما عطب من الهدي وعطب [ (٤) ] من ناجية بن جندب بعير من الهدي، فجاء بالأبواء إلى رسول اللَّه ﷺ وأخبره، فقال: أنحرها [ (٥) ] ، وأصبغ قلائدها في دمها، ولا تأكل أنت ولا أحد من أهل رفقتك منها، وخلّ بين الناس وبينها.
نزول الجحفة ولما نزل الجحفة لم يجد بها ماء، فبعث رجلا في الروايا إلى الخرّار، فرجع
بها وقال: يا رسول اللَّه! ما أستطيع أن أمضي رعبا! فبعث رجلا آخر بالروايا، فرجع وذكر كما ذكر الأول: فبعث آخر وخرج السقاء معه، فاستقوا وأتوا بالماء. ثم أمر بشجرة يقم [ (١) ] ما تحتها.
خطبة رسول اللَّه ﷺ وخطب الناس فقال: إني كائن لكم فرطا [ (٢) ] ، وقد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم [ (٣) ] تضلوا: كتاب اللَّه وسنة نبيه.
بلاغ خبر المسلمين إلى أهل مكة وخروجهم إليهم وبلغ أهل مكة خروج رسول اللَّه ﷺ فراعهم ذلك، وتشاوروا. ثم قدّموا عكرمة بن أبي جهل- ويقال: خالد بن الوليد- على مائتي فارس إلى كراع الغميم، واستنفروا من أطاعهم من الأحابيش، وأجلبت ثقيف معهم: ووضعوا العيون على الجبال، وهم عشرة رجال يوحي بعضهم إلى بعض بالصوت: فعل محمد كذا كذا، حتى ينتهي ذلك إلى قريش ببلدح [ (٤) ] . وخرجوا إلى بلدح وضربوا بها القباب والأبنية، ومعهم النساء والصبيان، فعسكروا هناك، وقد أجمعوا على منع رسول اللَّه ﷺ من دخول مكة ومحاربته.
إجماع قريش على منع المسلمين من دخول مكة، ومشورة المسلمين ورجع بسر بن سفيان من مكة وقد علم خبر القوم، فلقي رسول اللَّه ﷺ من وراء عسفان وأخبره الخبر. واستشار رسول اللَّه ﷺ [ (٥) ] الناس: هل يمضي لوجهته ويقاتل من صدّه عن البيت أو يخالف الذين استنفروا إلى أهليهم فيصيبهم؟
من وراء عسفان وأخبره الخبر. واستشار رسول اللَّه ﷺ [ (٥) ] الناس: هل يمضي لوجهته ويقاتل من صدّه عن البيت أو يخالف الذين استنفروا إلى أهليهم فيصيبهم؟
فأشار أبو بكر ﵁ أن يمضوا لوجوههم، ويقاتلوا من صدهم. وقال المقداد بن عمرو: يا رسول اللَّه لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون» ولكن: «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما [ (١) ] مقاتلون» . واللَّه يا رسول اللَّه! لو سرت بنا إلى برك الغماد لسرنا معك ما بقي منا رجل. وقال أسيد بن الحضير: يا رسول اللَّه! نرى أن نصمد لما خرجنا له، فمن صدنا قاتلناه. فقال: إنا لم نخرج لقتال أحد، إنما خرجنا عمارا.
بديل بن ورقاء وخبر قريش ولقيه بديل بن ورقاء بن عبد العزى بن ربيعة بن جرى بن عامر بن مازن ابن عدي بن عمرو بن ربيعة [وهو الحي] [ (٢) ] الخزاعي- في نفر من خزاعة، منهم الحليس بن علقمة الحارثي، من بني الحارث بن عبد مناة، فقال: يا محمد! لقد اغتررت بقتال قومك حلائب [ (٣) ] العرب، واللَّه ما أرى معك أحدا له وجه، مع أني أراكم قوما لا سلاح معكم! فقال أبو بكر ﵁: عضضت ببظر اللات! فقال بديل: أما واللَّه لولا يد لك عندي لأجبتك، فو اللَّه ما أتهم أنا ولا قومي ألا أكون أحب أن يظهر محمد. إني رأيت قريشا مقاتلتك عن ذراريها وأموالها، قد خرجوا إلى بلدح فاضطربوا [ (٤) ] الأبنية، معهم العوذ المطافيل [ (٥) ] ، وترافدوا على الطعام [ (٦) ] يطعمون الخزير [ (٧) ] من جاءهم، يتقوون به على حربك، فر رأيك [ (٨) ] . وكانت قريش قد ترافدوا وجمعوا أموالا يطعمون بها من ضوى إليهم من الأحابيش. وكان يطعم في أربعة أمكنة: في دار الندوة لجماعتهم، وكان صفوان ابن أمية، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وحويطب بن عبد العزى، كل منهم يطعم في داره.
دنو خالد بن الوليد في المشركين للقاء المسلمين ودنا خالد بن الوليد في خيله حتى نظر إلى المسلمين، فصفّ خيله فيما بينهم وبين القبلة، فقدم رسول اللَّه ﷺ عباد بن بشر في خيله، فقام بإزائه وصف أصحابه. وحانت صلاة الظهر، فأذن بلال وأقام، فصلى رسول اللَّه ﷺ بأصحابه مستقبل القبلة وهم خلفه، يركع بهم ويسجد. ثم قاموا، فكانوا على ما كانوا عليه من التعبئة. فقال خالد بن الوليد: قد كانوا على غرة، لو كنّا حملنا عليهم أصبنا منهم! ولكن تأتي الساعة صلاة هي أحب إليهم من أنفسهم وأبنائهم!.
صلاة الخوف فنزل جبريل ﵇ بين الظهر والعصر بهذه الآية: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً [ (١) ] فحانت العصر، فأذن بلال وأقام، فقام رسول اللَّه ﷺ مواجها للقبلة والعدو أمامه فكبر وكبّر الصفان جميعا، ثم ركع فركع الصفان جميعا، ثم سجد فسجد الصف الّذي يليه، وقام الآخرون يحرسونه. فلما قضى رسول اللَّه ﷺ السجود بالصف الأول، قام وقاموا معه، وسجد الصف المؤخر السجدتين، ثم استأخر الصفّ الّذي يلونه، وتقدم الصف المؤخر فكانوا يلون رسول اللَّه ﷺ، فقاموا جميعا. ثم ركع ﷺ فركع الصفان جميعا ثم سجد وسجد الصف الّذي يلونه، وقام الصف المؤخر يحرسونه مقبلين على العدو. فلما رفع رأسه من السجدتين، سجد الصف المؤخر السجدتين اللتين بقيتا عليهم، واستوى ﷺ جالسا فتشهد ثم سلّم.
نه، وقام الصف المؤخر يحرسونه مقبلين على العدو. فلما رفع رأسه من السجدتين، سجد الصف المؤخر السجدتين اللتين بقيتا عليهم، واستوى ﷺ جالسا فتشهد ثم سلّم.
الخلاف في أول صلاة الخوف وكان ابن عباس ﵁ يقول: هذه أول صلاة صلاها رسول اللَّه ﷺ في الخوف. وقال سفيان بن سعيد، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقيّ: أنه كان- يعني ابن عباس- مع النبي ﷺ يومئذ، فذكر أن النبي ﷺ صلى هكذا. وذكر أبو عيّاش أنها أول ما صلى رسول اللَّه ﷺ صلاة الخوف- يعني ابن عباس: وقال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان، عن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: صلى رسول اللَّه ﷺ أول صلاة الخوف في غزوة ذات الرّقاع، ثم صلاها بعد بعسفان، بينهما أربع سنين. قال الواقدي [ (١) ] : وهذا أثبت عندنا.
مسير المسلمين إلى ثنية ذات الحنظل وحيرة الدليل فلما أمسى رسول اللَّه ﷺ قال: تيامنوا في هذا العصل [ (٢) ] ، فإن عيون قريش بمرّ الظهران أو بضجنان، فأيكم يعرف ثنية ذات الحنظل؟ فقال بريدة بن الحصيب: أنا يا رسول اللَّه! فقال: اسلك أمامنا. فأخذ بريدة في العصل، قبل جبال سراوع قبل المغرب، فسار قليلا [ (٣) ] وحار. فنزل حمزة بن عمرو الأسلمي فسار بهم قليلا، ثم لم يدر أين يتوجه. فسار بهم عمرو بن [عبد] [ (٤) ] نهم الأسلمي حتى بلغها.
خبر الثنية وأن من جازها غفر له فقال رسول اللَّه ﷺ: والّذي نفسي بيده، ما مثل هذه الثنية إلا مثل الباب الّذي قال اللَّه لبني إسرائيل: ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ [ (٥) ] ثم قال: لا يجوز هذه الثنية أحد إلا غفر له. فجعل الناس يسرعون.
طعام المسلمين فلما نزل من الثنية قال: من كان معه ثقل [أي دقيق] فليصطنع [ (١) ] . فقال أبو سعيد الخدريّ ﵁: وأيّنا معه ثقل؟ إنما كان عامة زادنا التمر. فقالوا: يا رسول اللَّه! إنا نخاف من قريش أن ترانا! فقال: إنهم لن يروكم، إن اللَّه سيعينكم [ (٢) ] عليهم. فأوقدوا النيران، واصطنع من أراد أن يصطنع: فلقد أوقدوا خمسمائة نار.
إنا نخاف من قريش أن ترانا! فقال: إنهم لن يروكم، إن اللَّه سيعينكم [ (٢) ] عليهم. فأوقدوا النيران، واصطنع من أراد أن يصطنع: فلقد أوقدوا خمسمائة نار.
الغفران، وخبر الرجل المحروم من غفران اللَّه فلما أصبحوا صلى رسول اللَّه ﷺ الصبح ثم قال: والّذي نفسي بيده، لقد غفر اللَّه للركب أجمعين، إلا رويكبا واحدا على جمل أحمر التفت عليه رحال [ (٣) ] القوم: ليس منهم. فطلب في العسكر فإذا به ناحية، وهو من بني ضمرة من أهل سيف البحر [ (٤) ] ، قد أوى إلى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، قال له سعيد- وقد قيل له ما قال فيه رسول اللَّه ﷺ: ويحك! اذهب إلى رسول اللَّه يستغفر لك! فقال: بعيري أهمّ إليّ من أن يستغفر. وكان قد أضلّ بعيره. فقال سعيد: تحول عني، لا حياك اللَّه! فانطلق يطلب بعيره، فبينا هو في جبال سراوع [ (٥) ] إذ زلقت نعله فتردى فمات وأكلته السباع.
أهل اليمن وقال يومئذ: أتاكم أهل اليمن كأنهم قطع الحساب، هم خير من على الأرض.
الدنو من الحديبيّة، وخبر راحلة رسول اللَّه ﷺ وسار حتى [ (٦) ] دنا من الحديبيّة- وهي طرف الحرم، على تسعة أميال من
مكة، فوقعت يد راحلته ﷺ على ثنية تهبط على غائط [ (١) ] ، فبركت، فقال المسلمون: حل حل [يزجرونها]- فأبت أن تنبعث، فقالوا: خلأت القصواء [ (٢) ] ! فقال: إنها ما خلأت، ولا هو لها بعادة، ولكن حبسها حابس الفيل، أما واللَّه لا يسألوني اليوم خطة فيها تعظيم حرمة اللَّه إلا أعطيتهم إياها. ثم زجروها فقامت، فولى راجعا حتى نزل بالناس على ثمد من ثماد [ (٣) ] الحديبيّة [ظنون] قليل الماء.
خبر جيشان الماء من الثمد واشتكى الناس قلة الماء، فانتزع سهما من كنانته فأمر به فغرز في الثمد، فجاشت لهم بالرواء حتى صدروا عنه بعطن، وإنهم ليغترفون بآنيتهم جلوسا على شفير البئر. وكان الّذي نزل بالسهم ناجية بن جندب، وقيل: ناجية بن الأعجم، وقيل: خالد بن عبادة [ (٤) ] الغفاريّ، وقيل: البراء بن عازب.
مقالة المنافقين في دليل النبوة وكان على الماء نفر من المنافقين، الجدّ بن قيس، وأوس [بن خوليّ] [ (٥) ] ، وعبد اللَّه بن أبي، فقال أوس بن خولي: ويحك يا أبا الحباب! أما آن لك أن تبصر ما أنت عليه! أبعد هذا شيء؟ فقال: إني قد رأيت مثل هذا. فقال أوس: قبحك اللَّه وقبح رأيك! فأقبل ابن أبي [ (٦) ] يريد رسول اللَّه ﷺ، فقال: أي أبا الحباب! أين رأيت مثل ما رأيت اليوم؟ فقال: ما رأيت مثله قط! قال: فلم قلت ما قلت؟ فقال عبد اللَّه بن أبي: أستغفر اللَّه. فقال ابنه: يا رسول اللَّه! استغفر له! فاستغفر له.
المطر والصلاة في الرحال ومطر المسلمون بالحديبية مرارا وكثرت المياه، ومطروا مطرا ما ابتلت منه أسفل النعال، فنودي: إن الصلاة في الرّحال. وصلى رسول اللَّه ﷺ الصبح في الحديبيّة في إثر سماء [ (١) ] كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا اللَّه ورسوله أعلم.
الأنواء قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي، فأما من قال: مطرنا برحمة اللَّه وبرزق اللَّه وبفضل اللَّه فهو مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنجم كذا فهو مؤمن بالكواكب كافر بي [ (٢) ] . وكان ابن أبي قال: هذا نوء الخريف، مطرنا بالشّعرى.
اللَّه فهو مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنجم كذا فهو مؤمن بالكواكب كافر بي [ (٢) ] . وكان ابن أبي قال: هذا نوء الخريف، مطرنا بالشّعرى.
الهدايا وأهدى عمرو بن سالم وبسر بن سفيان الخزاعيان بالحديبية إلى رسول اللَّه ﷺ غنما وجزورا، وأهدى عمرو بن سالم لسعد بن عبادة جزرا، وكان صديقا له. فجاء سعد بالغنم إلى رسول اللَّه ﷺ، وأخبره أن عمرا أهداها له فقال: وعمرو قد أهدى إلينا ما ترى فبارك اللَّه في عمرو! ثم أمر بالجزر [ (٣) ] تنحر وتقسم في أصحابه، وفرق الغنم فيهم من أخراها. فدخل على أم سلمة بعضها، وأمر ﷺ للذي جاء بالهدية بكسوة.
خبر بديل بن ورقاء مع رسول اللَّه ﷺ ولما اطمأن بالحديبية، جاءه بديل بن ورقاء وركب من خزاعة- وهم عيبة [ (٤) ] نصح رسول اللَّه بتهامة، منهم المسلم ومنهم الموادع، لا يخفون عليه بتهامة
شيئا- فسلموا، ثم قال بديل: جئناك من عند قومك كعب بن لؤيّ وعامر بن لؤيّ، وقد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم، معهم العوذ المطافيل-[النساء [ (١) ] والصبيان]- يقسمون باللَّه لا يخلون بينك وبين البيت حتى تبيد خضراؤهم [ (٢) ] . فقال ﷺ: إنا لم نأت لقتال أحد، إنما جئنا لنطوف بهذا البيت، فمن صدنا عنه قاتلناه. وقريش قوم قد أضرت بهم الحرب ونهكتهم، فإن شاءوا ماددتهم مدة يأمنون فيها، ويخلون فيما بيننا وبين الناس- والناس أكثر منهم-، فإن ظهر أمري على الناس كانوا بين أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، أو يقاتلوا وقد جمّوا [ (٣) ] . واللَّه لأجهدن على أمري هذا إلى أن تنفرد سالفتي [ (٤) ] أو ينفذ اللَّه أمره! فعاد بديل وركبه إلى قريش، وقد تواصوا ألا يسألوا بديلا عما جاء فيه. فلما رأى أنهم لا يستخبرونه قال: إنا جئنا من عند محمد. أتحبون أن نخبركم؟ فقال عكرمة بن أبي جهل، والحكم بن أبي العاص: لا، واللَّه ما لنا حاجة بأن تخبرونا عنه، ولكن أخبره عنا: أنه لا يدخلها علينا عامه هذا حتى لا يبقى منا رجل.
ال عكرمة بن أبي جهل، والحكم بن أبي العاص: لا، واللَّه ما لنا حاجة بأن تخبرونا عنه، ولكن أخبره عنا: أنه لا يدخلها علينا عامه هذا حتى لا يبقى منا رجل.
سماع المشركين مقالة بديل فأشار عليهم عروة بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد ابن عوف بن ثقيف [واسمه قسي] [ (٥) ] بن منبه بن بكر بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان- أن يسمعوا كلام بديل، فإن أعجبهم قبلوه، وإلا تركوه، فقال صفوان بن أمية، والحارث بن هشام: أخبرنا بالذي رأيتم والّذي سمعتم. فأخبروه بمقالة النبي ﷺ، فقال عروة بن مسعود: فإن بديلا قد جاءكم بخطة رشد، لا يردها أحد إلا أخذ شرا منها، فاقبلوها منه، وابعثوني حتى آتيكم بمصداقها، وأكون لكم عينا.
بعثة قريش عروة بن مسعود إلى رسول اللَّه ﷺ فبعثوه. فقال: يا محمد! إني تركت قومك على أعداد [ (٦) ] مياه الحديبيّة قد
استنفروا لك، وهم يقسمون باللَّه لا يخلون بينك وبين البيت حتى تجتاحهم، وإنما أنت من قتالهم بين أحد أمرين: إما أن تجتاح قومك- فلم نسمع برجل اجتاح أصله قبلك- أو بين أن يخذلك من نرى معك، فإنّي لا أرى معك إلا أوباشا [ (١) ] من الناس لا أعرف وجوههم ولا أنسابهم، فغضب أبو بكر الصديق ﵁ وقال: امصص ببظر اللات! أنحن نخذله؟ فقال: أما واللَّه لولا يد لك عندي لأجبتك! وطفق عروة يمس لحية رسول اللَّه وهو يكلمه، والمغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك قائم على رأسه بالسيف، فقرع يد عروة [وهو عمه] وقال: اكفف يدك عن مس لحية رسول اللَّه قبل ألا تصل إليك، فلما فرغ عروة من كلامه، ورد عليه رسول اللَّه ﷺ كما قال لبديل بن ورقاء، عاد إلى قريش فقال: يا قوم، قد وفدت على كسرى وهرقل والنجاشي، وإني واللَّه ما رأيت ملكا قط أطوع فيمن هو بين ظهرانيه من محمد في أصحابه، واللَّه ما يشدون [ (٢) ] إليه النظر، وما يرفعون عنده الصوت، وما يكفيه إلا أن يشير إلى امرئ فيفعل، وما يتنخّم وما يبصق إلا وقعت في يدي رجل منهم يمسح بها جلده، وما يتوضأ من وضوء إلا ازدحموا عليه أيهم يظفر منه بشيء. وقد حزرت القوم، واعلموا أنكم إن أردتم السيف بذلوه لكم، وقد رأيت قوما لا يبالون ما يصنع بهم إذا منعوا صاحبهم، واللَّه لقد رأيت نسيّات [ (٣) ] معه، إن كنّ ليسلمنه أبدا على حال، فروا رأيكم. وقد عرض عليكم خطة، فمادوه [ (٤) ] يا قوم. أقبلوا ما عرض فإنّي لكم ناصح، مع أني أخاف ألا تنصروا عليه. رجل أتى هذا البيت معظّما له مع الهدي ينحره وينصرف! فقالوا: لا تكلم بهذا يا أبا يعفور! لو غيرك تكلم بهذا! ولكن نرده في عامنا هذا ويرجع إلى قابل.
بعثة مكرز بن حفص إلى رسول اللَّه ﷺ ثم جاء مكرز بن حفص بن الأخيف بن علقمة بن عبد الحارث بن الحارث ابن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤيّ بن غالب بن فهر- فلما طلع قال رسول اللَّه ﷺ: إن هذا رجل غادر (وفي رواية: هذا رجل فاجر) وجاء،
فكلمه بنحو مما كلم به أصحابه، وعاد بذلك إلى قريش.
لؤيّ بن غالب بن فهر- فلما طلع قال رسول اللَّه ﷺ: إن هذا رجل غادر (وفي رواية: هذا رجل فاجر) وجاء،
فكلمه بنحو مما كلم به أصحابه، وعاد بذلك إلى قريش.
بعثة الحليس سيد الأحابيش فبعثوا الحليس بن علقمة بن عمرو بن الأوقح بن عامر بن عوف بن الحارث ابن عبد مناة بن كنانة الحارثي الكناني سيد الأحابيش ورأسهم، فقال ﷺ: هذا من قوم يعظّمون الهدي، (وفي رواية يتألهون) [ (١) ] ، ابعثوا الهدي في وجهه، فبعثوه، فلما رأى الهدي يسيل في الوادي-: عليه القلائد، قد أكل أوباره (من طول الحبس عن محله [ (٢) ] ) ، يرجّع الحنين، واستقبله القوم في وجهه يلبون، وقد أقاموا نصف شهر فتفلوا وشعثوا [ (٣) ]- رجع، ولم يصل إلى النبي ﷺ إعظاما لما رأى. وقال لقريش: إني قد رأيت ما لا يحل صده! رأيت الهدي في قلائده قد أكل أوباره معكوفا [ (٤) ] عن محله، والرجال قد تفلوا وقملوا أن يطوفوا بهذا البيت! أما واللَّه ما على هذا حالفناكم ولا عاقدناكم: على أن تصدوا عن بيت اللَّه من جاء له معظما لحرمته مؤديا لحقه، والهدي معكوفا أن يبلغ محله! والّذي نفسي بيده، لتخلن بينه وبين ما جاء به، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد! قالوا: كل ما رأيت مكيدة من محمد وأصحابه، فاكفف عنا حتى نأخذ لأنفسنا بعض ما نرضى به. وفي رواية الزبير بن (بكار) [ (٥) ] أنه لما رجع قال: يا قوم! الهدي! البدن! القلائد! الدماء! فقالت قريش: ما نعجب منك، ولكن نعجب منا إذ أرسلناك، إنما أنت أعرابي جلف.
بعثة رسول اللَّه ﷺ خراش بن أمية إلى قريش وبعث رسول اللَّه ﷺ إلى قريش خراش بن أمية بن الفضل الكعبي الخزاعي- على جمل لرسول اللَّه ﷺ يقال له الثعلب- ليبلغ أشرافهم أنه إنما جاء معتمرا. فعقر الجمل عكرمة بن أبي جهل، وأرادوا قتله، فمنعه من هناك من قومه، فرجع. فأراد النبي ﷺ أن يبعث عمر بن الخطاب ﵁ فخاف على نفسه وأشار بعثمان ﵁.
معتمرا. فعقر الجمل عكرمة بن أبي جهل، وأرادوا قتله، فمنعه من هناك من قومه، فرجع. فأراد النبي ﷺ أن يبعث عمر بن الخطاب ﵁ فخاف على نفسه وأشار بعثمان ﵁.
بعثة عثمان بن عفان فبعثه ليخبرهم: إنا لم نأت [ (١) ] لقتال أحد، وإنما جئنا زوارا لهذا البيت معظمين لحرمته، ومعنا الهدي ننحره وننصرف. فأبوا على عثمان أن يدخل عليهم رسول اللَّه ﷺ ورحب به أبان بن سعيد بن العاص وأجاره، وحمله من بلدح [ (٢) ] إلى مكة وهو يقول: أقبل وأدبر ولا تخف أحدا، بنو سعيد أعزّة الحرم! فبلغ عثمان من بمكة ما جاء فيه، فقالوا جميعا: لا يدخل محمد علينا أبدا.
حراسة المسلمين وأسر بعض المشركين وكان يتناوب حراسة المسلمين بالحديبية ثلاثة: أوس بن خولي، وعباد بن بشر، ومحمد بن مسلمة. فبعثت قريش مكرز بن حفص على خمسين رجلا ليصيبوا من المسلمين غرة، فظفر بهم محمد بن مسلمة، وجاء بهم رسول اللَّه ﷺ فبلغ النبي ﷺ بعد إقامة عثمان بمكة ثلاثا- أنه قتل، وقتل معه عشرة رجال مسلمون قد دخلوا مكة بإذن رسول اللَّه ليروا أهليهم. وبلغ قريشا حبس أصحابهم، فجاء جمع منهم ورموا بالنبل والحجارة، فرماهم المسلمون، وأسروا منهم اثني عشر فارسا. وقتل من المسلمين زنيم، وقد اطلع الثنية من الحديبيّة، فرماه المشركون فقتلوه.
بدء الصلح فبعثت قريش سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نضر بن مالك ابن حسل بن عامر بن لؤيّ بن غالب بن فهر [ (٣) ] ، وحويطب بن عبد العزّى، ومكرز بن حفص (ليصالحوه) [ (٤) ] .
تحرك المسلمين إلى منازل بني مازن بعد خبر مقتل عثمان، والبيعة وأمّ رسول اللَّه ﷺ منازل بني مازن بن النجار، وقد نزلت في ناحية من
الحديبيّة جميعا، فجلس في رحالهم. وقد بلغه قتل عثمان ﵁، ثم قال: إن اللَّه أمرني بالبيعة. فأقبل الناس يبايعونه حتى تداكوا، فما بقي لهم متاع إلا وطئوه، ثم لبسوا السلاح، وهو معهم قليل. وقامت أم عمارة إلى عمود كانت تستظل به فأخذته بيدها وشدّت سكينا في وسطها. وكان رسول اللَّه ﷺ يبايع الناس، وعمر بن الخطاب ﵁ آخذ بيده، فبايعهم على ألا يفروا، وقيل بايعهم على الموت. ويقال: أول من بايع سنان بن أبي سنان وهب بن محصن فقال: يا رسول اللَّه، أبايعك على ما في نفسك. فكان رسول اللَّه ﷺ يبايع الناس على بيعة سنان، فبايعوه (إلا) [ (١) ] الجد بن قيس اختبأ تحت بطن بعير.
بعثة سهيل بن عمرو إلى رسول اللَّه ﷺ في الصلح والأسرى فلما جاء سهيل بن عمرو، قال رسول اللَّه ﷺ: سهّل أمرهم! فقال سهيل: يا محمد! إن هذا الّذي كان من حبس أصحابك، وما كان من قتال من قاتلك- لم يكن من رأي ذوي رأينا، بل كنا له كارهين حين بلغنا ولم نعلم به- وكان من سفهائنا. فابعث إلينا بأصحابنا الذين أسرت أول مرة والذين أسرت آخر مرة. قال: إني غير مرسلهم حتى ترسلوا [ (٢) ] أصحابي. قال: أنصفتنا. فبعث سهيل ومن معه إلى قريش بالشّتيم بن عبد مناف التيمي فبعثوا بمن كان عندهم، وهم: عثمان وعشرة من المهاجرين، وأرسل رسول اللَّه ﷺ أصحابهم الذين أسروا.
البيعة تحت الشجرة وخوف المشركين وكان ﷺ يبايع الناس تحت شجرة خضراء، وقد نادى عمر ﵁: إن روح القدس نزل على الرسول وأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم اللَّه فبايعوا. فلما رأى سهيل بن عمرو ومن معه، ورأت عيون قريش سرعة الناس إلى البيعة وتشميرهم إلى الحرب، اشتد رعبهم وخوفهم، وأسرعوا إلى القضية [ (٣) ] . ولما جاء عثمان ﵁ بايع تحت الشجرة. وقد كان قبل ذلك- حين بايع الناس- قال رسول اللَّه ﷺ: إن عثمان ذهب في حاجة اللَّه وحاجة رسوله، فأنا أبايع له، فضرب بيمينه شماله.
ان ﵁ بايع تحت الشجرة. وقد كان قبل ذلك- حين بايع الناس- قال رسول اللَّه ﷺ: إن عثمان ذهب في حاجة اللَّه وحاجة رسوله، فأنا أبايع له، فضرب بيمينه شماله.
بعثة قريش إلى عبد اللَّه بن أبيّ وبعثت قريش إلى عبد اللَّه بن أبي بن سلول: إن أحببت أن تدخل فتطوف بالبيت فافعل، فقال له ابنه: يا أبت! أذكرك اللَّه أن تفضحنا في كل موطن! تطوف ولم يطف رسول اللَّه ﷺ! فأبى حينئذ وقال: لا أطوف حتى يطوف رسول اللَّه. فبلغ رسول اللَّه ﷺ كلامه، فسرّ به.
رجوع سهيل إلى قريش وعودتهم إلى رسول اللَّه ﷺ ورجع سهيل وحويطب ومكرز فأخبروا قريشا بما رأوا من سرعة المسلمين إلى التنعيم [ (١) ] فأشار أهل الرأي بالصلح على أن يرجع رسول اللَّه ﷺ، ويعود من قابل فيقيم ثلاثا، فلما أجمعوا على ذلك أعادوا سهيلا وصاحبيه ليقروا هذا. فلما رآه النبي ﷺ قال: أراد القوم الصلح. وكلم رسول اللَّه، فأطالا الكلام وتراجعا، وارتفعت الأصوات، وكان ﷺ يومئذ جالسا متربعا، وعباد بن بشر، وسلمة ابن أسلم بن حريش مقنّعان بالحديد قائمان على رأسه. فلما رفع سهيل صوته قالا: اخفض صوتك عند رسول اللَّه! وسهيل بارك على ركبتيه [ (٢) ] ، رافع صوته، والمسلمون عند رسول اللَّه ﷺ جلوس.
خبر الصلح وغضب عمر بن الخطاب فلما اصطلحوا ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر ﵁ فقال: يا رسول اللَّه! ألسنا بالمسلمين؟ قال رسول اللَّه ﷺ: بلى! فقال: فعلام [ (٣) ] نعطي الدنية في ديننا؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: أنا عبد اللَّه ورسوله ولن أخالف أمره، ولن يضيعني. فذهب عمر إلى أبي بكر ﵄ فقال: يا أبا بكر! ألسنا بالمسلمين؟ قال: بلى! قال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ فقال: الزم غرزه [ (٤) ] ! فإنّي أشهد أنه رسول اللَّه، وأن الحق ما أمر به، ولن يخالف أمر اللَّه، ولن يضيعه اللَّه. ولقي عمر ﵁ من القضية أمرا كبيرا، وجعل يردّد على رسول
اللَّه ﷺ الكلام، وهو يقول: أنا رسوله ولن يضيعني! ويردد ذلك أبو عبيدة ابن الجراح ﵁: ألا تسمع يا ابن الخطاب رسول اللَّه يقول ما يقول! تعوذ باللَّه من الشيطان واتهم رأيك!. فجعل يتعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم حينا.
عبيدة ابن الجراح ﵁: ألا تسمع يا ابن الخطاب رسول اللَّه يقول ما يقول! تعوذ باللَّه من الشيطان واتهم رأيك!. فجعل يتعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم حينا.
كراهية المسلمين الصلح وكان المسلمون يكرهون الصلح، لأنهم خرجوا ولا يشكون في الفتح لرؤيا رسول اللَّه ﷺ أنه حلق رأسه، وأنه دخل البيت فأخذ مفتاح الكعبة وعرّف مع المعرفين، فلما رأوا الصلح داخلهم من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون. فجعل اللَّه عاقبة القضية خيرا- فأسلم في الهدنة أكثر ممن كان أسلم- من يوم دعا رسول اللَّه إلى يوم الحديبيّة-، وما كان في الإسلام فتح أعظم من الحديبيّة، فإن الحرب كانت قد حجزت بين الناس. فلما كانت الهدنة وضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس بعضهم بعضا، ودخل في تلك الهدنة صناديد قريش الذين كانوا يقومون بالشرك، وما يحدث عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وأشباههما، وفشا الإسلام في جميع نواحي العرب. وكانت الهدنة إلى أن نقضوا العهد اثنين وعشرين شهرا.
خبر أبي جندل بن سهيل بن عمرو وبينما الناس قد اصطلحوا والكتاب لم يكتب، أقبل أبو جندل بن سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ بن غالب القرشي العامري- وقد أفلت يرسف في القيد متوشح السيف خلال أسفل مكة، فخرج من أسفلها حتى أتى رسول اللَّه ﷺ وهو يكاتب أباه سهيلا، وكان سهيل قد أوثقه في الحديد وسجنه، فخرج من سجن سهيل، واجتنب الطريق وركب الجبال حتى هبط بالحديبية. ففرح المسلمون به وتلقوه حين هبط من الجبل فسلموا عليه وآووه، فرفع سهيل رأسه فإذا بابنه أبي جندل، فقام إليه فضرب وجهه بغصن شوك وأخذ بتلبينه [ (١) ] . فصاح أبو جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين! أأرد إلى المشركين يفتنونني في ديني؟ فزاد المسلمين ذلك شرا إلى ما بهم، وجعلوا يبكون لكلام أبي جندل. فقال حويطب بن عبد العزى لمكرز بن حفص: ما رأيت قوما قط أشد حبا لمن دخل معهم من أصحاب محمد لمحمد وبعضهم لبعض! أما إني
أقول لك: لا نأخذ من محمد نصفا [ (١) ] أبدا بعد هذا اليوم حتى يدخلها عنوة [ (٢) ] ! فقال مكرز: وأنا أرى ذلك.
رد أبي جندل إلى أسر المشركين وقال سهيل بن عمرو: هذا أول ما قاضيتك عليه، ردّه! فقال رسول اللَّه ﷺ: إنا لم نقض الكتاب بعد! فقال سهيل: واللَّه لا أكاتبك على شيء حتى ترده إليّ. فرده عليه، وكلمه أن يتركه، فأبى سهيل وضرب وجهه بغصن من شوك، فقال رسول اللَّه ﷺ: هبه لي أو أجره من العذاب! فقال: واللَّه لا أفعل. فقال مكرز وحويطب: يا محمد، نحن نجيره لك. فأدخلاه فسطاطا فأجاراه، فكف عنه أبوه. ثم رفع رسول اللَّه ﷺ صوته فقال: يا أبا جندل: اصبر واحتسب، فإن اللَّه جاعل لك ولمن معك فرجا ومخرجا. إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا، وأعطيناهم على ذلك عهدا، وإنا لا نغدر.
عودة عمر إلى مقالته وعاد عمر بن الخطاب ﵁ إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه! ألست برسول اللَّه؟ قال: بلى! قال: ألسنا على الحق؟ قال: بلى! قال: أليس عدونا على الباطل؟ قال: بلى! قال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ فقال: إني رسول اللَّه، ولن أعصيه ولن يضيعني. فانطلق إلى أبي بكر ﵁ فقال له مثل ذلك، فأجابه بنحو ما أجاب به رسول اللَّه، ثم قال: ودع عنك ما ترى يا عمر. فوثب إلى أبي جندل يمشي إلى جنبه، وسهيل يدفعه، وعمر يقول: اصبر يا أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب! وإنما هو رجل، ومعه [ (٣) ] السيف يحرضه على قتل أبيه. وجعل يقول: يا أبا جندل! إن الرجل يقتل أباه في اللَّه! واللَّه لو أدركنا آباءنا لقتلناهم في اللَّه، فرجل برجل. فقال له أبو جندل: مالك لا تقتله أنت؟ قال عمر: نهاني رسول اللَّه عن قتله وقتل غيره. قال أبو جندل: ما أنت أحق بطاعة رسول اللَّه مني.
للَّه، فرجل برجل. فقال له أبو جندل: مالك لا تقتله أنت؟ قال عمر: نهاني رسول اللَّه عن قتله وقتل غيره. قال أبو جندل: ما أنت أحق بطاعة رسول اللَّه مني.
مقالة المسلمين لرسول اللَّه ﷺ في الصلح وقال عمر ورجال معه: يا رسول اللَّه! ألم تكن حدثتنا أنك تدخل المسجد الحرام، وتأخذ مفتاح الكعبة، وتعرّف مع المعرّفين؟ وهدينا لم يصل إلى البيت ولا نحن! فقال: قلت لكم في سفركم هذا؟ قال عمر: لا. فقال ﷺ: أما إنكم ستدخلونه، وآخذ مفتاح الكعبة، وأحلّق رأسي ورءوسكم ببطن مكة، وأعرّف مع المعرفين، ثم أقبل على عمر ﵁ وقال: أنسيتم يوم أحد، إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، وأنا أدعوكم في أخراكم؟ أنسيتم يوم الأحزاب، إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر؟ أنسيتم يوم كذا؟ أنسيتم يوم كذا؟ والمسلمون يقولون: صدق اللَّه ورسوله، يا نبي اللَّه! ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأنت أعلم باللَّه وبأمره منا. فلما دخل ﷺ عام القضية [ (١) ] وحلق رأسه قال: هذا الّذي وعدتكم. فلما كان يوم الفتح، أخذ المفتاح وقال: ادعوا إليّ عمر بن الخطاب! فقال: هذا الّذي قلت لكم. فلما كان في حجة الوداع وقف بعرفة فقال: أي عمر! هذا الّذي قلت لكم. قال: أي رسول اللَّه! ما كان فتح في الإسلام أعظم من صلح الحديبيّة.
فتح الحديبيّة وخبر أبي بكر وكان أبو بكر الصديق ﵁ يقول: ما كان فتح أعظم في الإسلام من فتح الحديبيّة، ولكن الناس يومئذ قصر رأيهم عما كان بين محمد وربه، والعباد يعجلون، واللَّه لا يعجل كعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد. لقد نظرت إلى سهيل بن عمرو في حجة الوداع قائما عند النحر يقرّب إلى رسول اللَّه بدنة، ورسول اللَّه ﷺ ينحرها بيده! ودعا الحلاق فحلق رأسه، فأنظر إلى سهيل يلقط من شعره، وأراه يضعه على عينيه! وأذكر إباءه أن يقرّ يوم الحديبيّة بأن يكتب بسم اللَّه الرحمن الرحيم! وإباءه أن يكتب أن محمدا رسول اللَّه! فحمدت اللَّه الّذي هداه للإسلام. فصلوات اللَّه وبركاته على نبيّ الرحمة الّذي هدانا به، وأنقذنا به من الهلكة.
م! وإباءه أن يكتب أن محمدا رسول اللَّه! فحمدت اللَّه الّذي هداه للإسلام. فصلوات اللَّه وبركاته على نبيّ الرحمة الّذي هدانا به، وأنقذنا به من الهلكة.
كتاب الصلح فلما حضرت الدواة والصحيفة- بعد طول الكلام والمراجعة- دعا رسول اللَّه ﷺ أوس بن خولي يكتب، فقال سهيل: لا يكتب إلا ابن عمك علي، أو عثمان بن عفان، فأمر عليا فكتب، فقال: اكتب بسم اللَّه الرحمن الرحيم. فقال سهيل: لا أعرف الرحمن، اكتب ما نكتب، باسمك اللَّهمّ. فضاق المسلمون من ذلك، وقالوا: هو الرحمن، واللَّه ما نكتب إلا الرحمن. قال سهيل: إذا لا أقاضيه على شيء. فقال رسول اللَّه ﷺ: اكتب، باسمك اللَّهمّ. هذا ما اصطلح عليه محمد رسول اللَّه. فقال سهيل: لو أعلم أنك رسول اللَّه ما خالفتك واتبعتك، أفترغب عن اسمك واسم أبيك، محمد بن عبد اللَّه؟ فضجّ المسلمون منها ضجّة هي أشد من الأولى حتى ارتفعت الأصوات، وقام رجال يقولون: لا نكتب إلا محمد رسول اللَّه! وأخذ أسيد بن حضير وسعد بن عبادة ﵄ بيد الكاتب فأمسكاها وقالا: لا تكتب إلا محمد رسول اللَّه، وإلا فالسيف بيننا، علام نعطي هذه الدّنية في ديننا؟ فجعل رسول اللَّه ﷺ يخفّضهم ويومئ إليهم بيده: اسكتوا. وجعل حويطب يتعجب مما يصنعون، ويقول لمكرز: ما رأيت قوما أحوط لدينهم من هؤلاء! فقال رسول اللَّه ﷺ: أنا محمد بن عبد اللَّه، فاكتب. فكتب.
نص كتاب الصلح «باسمك اللَّهمّ، هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد اللَّه وسهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه لا إسلال ولا إغلال [ (١) ] ، وأنّ بيننا عيبة مكفوفة. وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل، وأنه من أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدها فعل، وأنه من أتى محمدا منهم بغير إذن وليه رده محمد إليه. وأنه من أتى قريشا من أصحاب محمد لم يردوه، وأن محمدا يرجع عنا عامه هذا بأصحابه، ويدخل علينا من قابل في أصحابه فيقيم بها ثلاثا، لا يدخل علينا بسلاح إلا سلاح المسافر: السيوف في القرب» .
شهود الكتاب شهد أبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن عفان، وأبو عبيدة بن الجراح، ومحمد بن مسلمة، وحويطب بن عبد العزّى، ومكرز بن حفص بن عبد الأخيف، وكتب عليّ صدر الكتاب.
نسخة كتاب الصلح ودخول خزاعة في عهد رسول اللَّه ﷺ وبني بكر في عهد قريش فقال سهيل: يكون عندي: وقال رسول اللَّه ﷺ: بل عندي! ثم كتب له نسخة، وأخذ رسول اللَّه ﷺ الكتاب الأول، وأخذ سهيل نسخته. ووثب من هناك من خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عهد محمد وعقده، ونحن على من وراءنا من قومنا. ووثبت بنو بكر فقالوا: ندخل مع قريش في عهدها وعقدها، ونحن على من وراءنا من قومنا. فقال حويطب لسهيل: بادأنا أخوالك بالعداوة، وقد كانوا يستترون منا، قد دخلوا في عقد محمد وعهده! وقال سهيل: ما هم إلا كغيرهم، هؤلاء أقاربنا ولحمتنا [ (١) ] قد دخلوا مع محمد، قوم اختاروا لأنفسهم أمرا فما نصنع بهم؟ قال حويطب: نصنع بهم أن ننصر عليهم حلفاءنا بني بكر! قال سهيل: إياك أن تسمع هذا منك بكر، فإنّهم أهل شؤم، فتقعوا بخزاعة، فيغضب محمد لحلفائه، فينتقض العهد بيننا وبينه.
مدة الهدنة وقال عبد اللَّه بن نافع، عن عاصم بن عمر، عن عبد اللَّه بن دينار [ (٢) ] ، عن ابن عمر قال: كانت الهدنة بين النبي ﷺ وبين أهل مكة بالحديبية أربع سنين، خرّجه الحاكم وصححه، وفي كتاب عمر [ (٣) ] بن شيبة في أخبار مكة: كانت
سنتين.
خبر أمر رسول اللَّه ﷺ المسلمين بالنحر والحلق والإحلال فلما فرغ رسول اللَّه ﷺ من الكتاب، وانطلق سهيل وأصحابه، قال: قوموا فانحروا واحلقوا وحلوا. فلم يجبه أحد إلى ذلك. فرددها ثلاث مرات، فلم يفعلوا. فدخل على أم سلمة ﵂ وهو شديد الغضب، فاضطجع، فقالت: مالك يا رسول اللَّه؟ مرارا، وهو لا يجيبها، ثم قال: عجبا يا أم سلمة، إني قلت للناس انحروا واحلقوا وحلوا مرارا، فلم يجبني أحد من الناس إلى ذلك، وهم يسمعون كلامي، وينظرون في وجهي. فقالت: يا رسول اللَّه، انطلق أنت إلى هديك فانحره، فإنّهم سيقتدون بك، فاضطبع [ (١) ] بثوبه وخرج، فأخذ الحربة ويمم هديه، وأهوى بالحربة إلى البدنة رافعا صوته: بسم اللَّه واللَّه أكبر. ونحر.
ديك فانحره، فإنّهم سيقتدون بك، فاضطبع [ (١) ] بثوبه وخرج، فأخذ الحربة ويمم هديه، وأهوى بالحربة إلى البدنة رافعا صوته: بسم اللَّه واللَّه أكبر. ونحر.
نحر الهدي فتواثب المسلمون إلى الهدي وازدحموا عليه ينحرونه، حتى كاد بعضهم يقع على بعض، وأشرك ﷺ بين أصحابه في الهدي، فنحر البدنة عن سبعة، وكان الهدي سبعين بدنة، وقيل: مائة. وكان الهدي دون الجبال التي تطلع على وادي الثنية، عرض له المشركون فردّوا وجوه البدن، فنحر رسول اللَّه بدنه حيث حبسوه، [وهي الحديبيّة] . وشرد جمل أبي جهل من الهدي وهو يرعى- وقد قلد وأشعر، وكان نجيبا مهريا- فمرّ من الحديبيّة حتى انتهى إلى دار أبي جهل بمكة. وخرج في إثره عمرو بن غنمة [ (٢) ] بن عدي بن نابي السلميّ الأنصاري، فأبى سفهاء مكة أن يعطوه حتى أمرهم سهيل بن عمرو بدفعه إليه، فدفعوا فيه مائة ناقة، فقال رسول اللَّه ﷺ: لولا أننا سميناه في الهدي فعلنا. ونحره عن سبعة. ونحر طلحة بن عبيد اللَّه وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان بدنات ساقوها. وكان رسول اللَّه ﷺ مضطربا [ (٣) ] في الحل، وإنما يصلى في الحرم. وحضره من يسأل من لحوم البدن معترا [ (٤) ] ، فأعطاهم من لحومها وجلودها. وأكل المسلمون من هديهم وأطعموا المساكين، وبعث ﷺ من الهدي بعشرين بدنة لتنحر عند المروة
مع رجل من أسلم، فنحرها عند المروة وفرّق لحمها.
دعاء رسول اللَّه ﷺ للمحلقين والمقصرين فلما فرغ رسول اللَّه ﷺ من نحر البدن، دخل قبة له من أدم حمراء، فيها الحلاق فحلّق رأسه، ثم أخرج رأسه من قبته وهو يقول: رحم اللَّه المحلقين! قيل: يا رسول اللَّه والمقصرين! قال: رحم اللَّه المحلقين! ثلاثا، ثم قال: والمقصرين. ورمى بشعره على شجرة كانت بجنبه من سمرة خضراء، فجعل الناس يأخذون الشعر من فوق الشجرة فيتحاصون فيه [ (١) ] . وأخذت أم عمارة طاقات من شعر، فكانت تغسلها للمريض وتسقيه حتى يبرأ، وحلّق ناس وقصّر آخرون. وكان الّذي حلقه ﷺ [ (٢) ] خراش بن أمية بن الفضل الكعبي، فلما حلقوا بالحديبية ونحروا، بعث اللَّه تعالى ريحا عاصفة فاحتملت أشعارهم فألقتها في الحرم.
. وكان الّذي حلقه ﷺ [ (٢) ] خراش بن أمية بن الفضل الكعبي، فلما حلقوا بالحديبية ونحروا، بعث اللَّه تعالى ريحا عاصفة فاحتملت أشعارهم فألقتها في الحرم.
خبر أم كلثوم بنت عقبة وخرجت يومئذ أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهي عاتق [لم تتزوج] فقبل رسول اللَّه ﷺ هجرتها ولم يردّها إلى المشركين [ (٣) ] ، وقدمت المدينة، فتزوجها زيد بن حارثة.
إقامة المسلمين بالحديبية، وما أصابهم من الجوع وأقام ﷺ بالحديبية بضعة عشر يوما، ويقال: عشرين يوما، ثم انصرف. فلما نزل عسفان أرمل [ (٤) ] المسلمون من الزاد، وشكوا أنهم قد بلغوا [ (٥) ] من الجوع، وسألوا أن ينحروا من إبلهم، فأذن لهم ﷺ في ذلك، فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول اللَّه! لا تفعل، فإن يك في الناس بقية ظهر يكن أمثل، ولكن ادعهم بأزوادهم، ثم ادع لهم فيها اللَّه. فأمر ﷺ بالأنطاع فبسطت، ثم
نادى مناديه: من كان عنده بقية زاد فلينثره على الأنطاع. فكان منهم من يأتي بالتمرة الواحدة وأكثرهم لا يأتي بشيء، ويؤتى بالكف من الدقيق والكف من السّويق، وذلك كله قليل. فلما اجتمعت أزوادهم وانقطعت موادهم مشى ﷺ إليها فدعا فيها بالبركة، ثم قال: قربوا بأوعيتكم. فجاءوا بأوعيتهم، فكان الرجل يأخذ ما شاء من الزاد حتى إنّ أحدهم ليأخذ ما لا يجد له محملا.
المطر ثم أذّن رسول اللَّه ﷺ بالرحيل، فلما ارتحلوا مطروا ما شاءوا وهم صائفون، فنزل ونزلوا معه فشربوا من ماء السماء، وقام ﷺ فخطبهم. فجاء ثلاثة نفر، فجلس اثنان وذهب واحد معرضا، فقال رسول اللَّه ﷺ: ألا أخبركم خبر الثلاثة؟ قالوا: بلى، يا رسول اللَّه! قال: أما واحد فاستحيا فاستحيا اللَّه منه، وأما الآخر فتاب فتاب اللَّه عليه، وأما الثالث فأعرض فأعرض اللَّه عنه.
سؤال عمر وسكوت رسول اللَّه ﷺ عن جوابه، ونزول سورة الفتح وبينا عمر بن الخطاب ﵁ يسير مع رسول اللَّه ﷺ، فسأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال: ثكلتك أمك يا عمر! بدرت [ (١) ] رسول اللَّه ثلاثا، كل ذلك لا يجيبك! وحرك بعيره حتى تقدم الناس، وخشي أن يكون نزل فيه قرآن، فأخذه ما قرب وما بعد: لمراجعته بالحديبية وكراهته القضية. وبينا هو يسير مهموما متقدما على الناس، إذ منادي رسول اللَّه ﷺ ينادي: يا عمر بن الخطاب! فوقع في نفسه ما اللَّه به أعلم، ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول اللَّه ﷺ فسلم، فردّ ﵇ وهو مسرور ثم قال: أنزلت عليّ سورة هي أحب مما طلعت عليه الشمس. فإذا هو يقرأ: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [ (٢) ] ، فأنزل اللَّه في ذلك سورة الفتح، فركض الناس وهم يقولون: أنزل على رسول اللَّه! حتى توافوا عنده وهو يقرؤها. ويقال: لما نزل جبريل عليه
السلام قال: نهنئك [ (١) ] يا رسول اللَّه! فلما هنأه جبريل هنأه المسلمون. وكان نزول سورة الفتح بكراع الغميم، ويقال [ (٢) ] : نزلت بضجنان. وعن قتادة عن أنس ﵃: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، قال: خيبر. وقال غيره: الحديبيّة، منحره وحلقه. وقيل: نزلت سورة الفتح منصرفه من خيبر.
جنان. وعن قتادة عن أنس ﵃: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، قال: خيبر. وقال غيره: الحديبيّة، منحره وحلقه. وقيل: نزلت سورة الفتح منصرفه من خيبر.
خبر فرار أبي بصير من أسر المشركين ولما قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة من الحديبيّة، في ذي الحجة جاء أبو بصير عتبة بن أسيد [وقيل: عبيد بن أسيد] بن جارية بن أسيد بن عبد اللَّه بن [أبي] [ (٣) ] سلمة بن عبد اللَّه بن غيرة بن عوف بن قسي [وهو ثقيف] حليف بني زهرة- مسلما، قد انفلت من قومه، وسار على قدميه سبعا [ (٤) ] .
كتاب قريش في أمر أبي بصير وكتب الأخنس بن شريق، وأزهر بن عوف الزهري إلى رسول اللَّه ﷺ كتابا مع خنيس بن جابر من بني عامر، واستأجراه ببكرين لبون، وحملاه على بعير، وخرج معه مولى يقال له: كوثر، وفي كتابهما ذكر الصلح، وأن يرد عليهم أبا بصير. فقدما بعد أبي بصير بثلاثة أيام، فقرأ أبيّ بن كعب الكتاب على رسول اللَّه ﷺ، فإذا فيه: «قد عرفت ما شارطناك عليه- وأشهدنا بيننا وبينك- من ردّ من قدم عليك من أصحابنا، فابعث إلينا بصاحبنا» .
رد أبي بصير إلى المشركين فأمر رسول اللَّه ﷺ أبا بصير أن يرجع معهم ودفعه إليهما، فقال: يا رسول اللَّه! تردني إلى المشركين يفتنوني في ديني! فقال: يا أبا بصير، إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر. وإن اللَّه جعل لك ولمن معك من المسلمين فرجا ومخرجا. فقال: يا رسول اللَّه! تردني إلى المشركين، قال: انطلق يا أبا بصير، فإن اللَّه سيجعل لك مخرجا. ودفعه إلى العامري وصاحبه. فخرج
معهما، وجعل المسلمون يسرّون إلى أبي بصير، يا أبا بصير، أبشر! فإن اللَّه جاعل لك مخرجا، والرجل يكون خيرا من ألف رجل، فافعل وافعل: يأمرونه بالذين معه فانتهيا به عند صلاة الظهر إلى ذي الحليفة. فصلى أبو بصير في مسجدها ركعتين صلاة المسافر. ومعه زاد له من تمر يحمله، ثم أكل منه ودعا العامريّ وصاحبه ليأكلا معه، فقدما سفرة فيها كسر وأكلوا جميعا.
فصلى أبو بصير في مسجدها ركعتين صلاة المسافر. ومعه زاد له من تمر يحمله، ثم أكل منه ودعا العامريّ وصاحبه ليأكلا معه، فقدما سفرة فيها كسر وأكلوا جميعا.
قتله العامري وقد علق العامري سيفه في الجدار، وتحادثوا، فقال أبو بصير: يا أخا بني عامر! ما اسمك؟ قال: خنيس. قال: ابن من؟ قال: ابن جابر. قال: يا أبا جابر، أصارم سيفك هذا؟ قال: نعم! قال: ناولينه انظر إليه إن شئت. فناوله، فأخذ أبو بصير بقائم السيف- والعامري ممسك بالجفن- فعلاه به حتى برد. وخرج كوثر هاربا يعدو نحو المدينة، وأبو بصير في أثره فأعجزه، حتى سبقه إلى رسول اللَّه ﷺ، ورسول اللَّه جالس في أصحابه بعد العصر، إذ طلع كوثر يعدو، فقال: هذا رجل قد رأى ذعرا! وأقبل حتى وقف فقال رسول اللَّه ﷺ: ويحك! مالك؟ قال: قتل صاحبكم صاحبي، وأفلتّ منه ولم أكد!.
مرجع أبي بصير إلى المدينة وأقبل أبو بصير فأناخ بعير العامري بباب المسجد، ودخل متوشحا سيفه، فقال: يا رسول اللَّه! وفت ذمتك، وأدى اللَّه عنك، وقد أسلمتني بيد العدو، وقد امتنعت بديني من أن أفتن، ويعبث بي أو أكذب بالحق. فقال ﵇: ويل أمه محشّ حرب [ (١) ] لو كان معه رجال! وقدم سلب العامري ورحله وسيفه ليخمسه رسول اللَّه ﷺ فقال: إني إذا خمسته رأوا [ (٢) ] أني لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه، ولكن شأنك بسلب صاحبك. ثم قال: لكوثر: ترجع به إلى أصحابك؟ فقال: يا محمد! ما لي به قوة ولا يدان! فقال ﷺ لأبي بصير: اذهب حيث شئت.
خروج أبي بصير إلى العيص فخرج حتى أتى العيص، فنزل منه ناحية على ساحل البحر على طريق عير قريش إلى الشأم، وعند ما خرج لم يكن معه إلا كف تمر فأكله ثلاثة أيام، وأصاب حيتانا قد ألقاها البحر بالساحل فأكلها، وبلغ المسلمين الذين قد حبسوا بمكة خبره. فتسللوا إليه. وكان عمر بن الخطاب ﵁ هو الّذي كتب إليهم بقول رسول اللَّه ﷺ لأبي بصير: ويل أمه محش حرب لو كان معه رجال، وأخبرهم أنه بالساحل. فاجتمع عند أبي بصير قريب من سبعين مسلما، فكانوا بالعيص. وضيقوا على قريش، فلا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه، ولا تمر عليهم عير إلا اقتطعوها، ومر بهم ركب يريدون الشأم، معهم ثمانون بعيرا، فأخذوا ذلك، وأصاب كل رجل منهم قيمة ثلاثين دينارا، وكانوا قد أمروا عليهم أبا بصير، فكان يصلى بهم ويقرئهم ويجمعهم، وهم له سامعون مطيعون، فغاظ قريشا صنيع أبي بصير وشق عليهم، وكتبوا إلى رسول اللَّه ﷺ يسألونه بأرحامهم إلا أدخل أبا بصير إليه ومن معه: فلا حاجة لنا بهم. فكتب ﷺ إلى أبي بصير أن يقدم بأصحابه معه، فجاءه الكتاب وهو يموت، فجعل يقرأه، ومات وهو في يده فدفنوه. وأقبل أصحابه إلى المدينة وهم سبعون فيهم الوليد بن الوليد بن المغيرة، فمات بعقب قدومه فبكته أم سلمة ﵂.
هجرة أم كلثوم بنت عقبة إلى المدينة وكانت أم كلثوم بنت عقبة [ (١) ] بن أبي معيط قد أسلمت بمكة، فكانت تخرج إلى بادية أهلها [لها بها أهل] ، فتقيم أياما بناحية التنعيم ثم ترجع. حتى أجمعت على المسير مهاجرة، فخرجت كأنها تريد البادية على عادتها، فوجدت رجلا من خزاعة فأعلمته بإسلامها، فأركبها بعيره حتى أقدمها المدينة بعد ثماني ليال، فدخلت على أم سلمة ﵂، وأعلمتها أنها جاءت مهاجرة، وتخوفت أن يردها رسول اللَّه ﷺ. فلما دخل رسول اللَّه ﷺ على أم سلمة أعلمته، فرحب بأم كلثوم وسهّل، فذكرت له هجرتها، وأنها تخاف أن يردها.
ا جاءت مهاجرة، وتخوفت أن يردها رسول اللَّه ﷺ. فلما دخل رسول اللَّه ﷺ على أم سلمة أعلمته، فرحب بأم كلثوم وسهّل، فذكرت له هجرتها، وأنها تخاف أن يردها.
ما نزل فيها من القرآن فأنزل اللَّه فيها آية الممتحنة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ، فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ، لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ، وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا، وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا، ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [ (١) ] .
طلب قريش رد أم كلثوم فكان رسول اللَّه ﷺ يرد من جاءه من الرجال، ولا يرد من جاءه من النساء، وقدم أخواها من غد قدومها- الوليد وعمارة ابنا عقبة بن أبي معيط- فقالا: يا محمد! ف [ (٢) ] لنا بشرطنا وما عاهدتنا عليه. فقال: قد نقض ذلك. فانصرفا إلى مكة فأخبرا قريشا، فلم يبعثوا أحدا، ورضوا بأن تحبس النساء.
فرار أميمة بنت بشر وهجرتها إلى المدينة ويقال: إن أميمة بنت بشر الأنصارية، ثم من بني عمرو بن عوف، كانت تحت حسان بن الدحداح [ (٣) ] [أو ابن الدحداحة] وهو يومئذ مشرك، ففرت من زوجها بمكة وأتت [ (٤) ] رسول اللَّه ﷺ تريد الإسلام، فهم أن يردها إلى زوجها، حتى أنزل اللَّه تعالى: فَامْتَحِنُوهُنَّ [ (٥) ] . ثم زوجها رسول اللَّه سهل بن حنيف، فولدت له عبد اللَّه بن سهل.
طلاق الكوافر وأنزل اللَّه تعالى: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ [ (٥) ] فطلق عمر بن الخطاب امرأتين هما: قريبة بنت أبي أمية، [بن المغيرة] [ (٦) ] ، فتزوجها معاوية بن أبي
تعالى: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ [ (٥) ] فطلق عمر بن الخطاب امرأتين هما: قريبة بنت أبي أمية، [بن المغيرة] [ (٦) ] ، فتزوجها معاوية بن أبي
سفيان، والأخرى أم كلثوم بنت جرول بن مالك بن المسيّب بن ربيعة بن أصرم ابن حبيش بن حرام بن حبيشة بن سلول بن كعب الخزاعية، فتزوجها أبو جهم ابن حذيفة. وطلق عياض بن غنم الفهري أم الحكم بنت أبي سفيان بن حرب. فتزوجها عبد اللَّه بن عثمان الثقفي فولدت له عبد الرحمن ابن أم الحكم، وكلهم يومئذ مشرك. ولم يعلم أن امرأة من المسلمين لحقت بالمشركين.
بعثة الرسل إلى الملوك وفي هذه السنة السادسة، بعث رسول اللَّه ﷺ رسله إلى الملوك بكتبه، فأرسل حاطب بن أبي بلتعة [عمرو، وقيل: راشد] بن معاذ اللخمي إلى المقوقس بمصر.
- أرسل شجاع بن وهب [ويقال: ابن أبي وهب] بن ربيعة بن أسد ابن صهيب بن مالك بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسديّ إلى الحارث ابن أبي شمر الغسّانّي.
- وأرسل دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج [ (١) ] [وهو زيد مناة] بن عامر بن بكر بن عامر الأكبر بن عوف بن غدرة ابن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب الكلبي، إلى قيصر ملك الروم.
- وأرسل سليط بن عمر بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حسل ابن عامر بن لؤيّ القرشي العامري، إلى هوذة بن علي الحنفي، وإلى ثمامة بن أنال [وهما] [ (٢) ] رئيسا اليمامة.
- وبعث عبد اللَّه بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم القرشي السهمي، إلى كسرى ملك فارس.
- وأرسل عمرو بن أمية بن خويلد بن عبد اللَّه بن إياس بن عبيد بن ناشرة [ (٣) ] ابن كعب الضمريّ، إلى النجاشي ملك الحبشة.
- وأرسل العلاء بن الحضرميّ [اسمه عبد اللَّه] بن عباد [وقيل: عبد اللَّه بن عمار، وقيل: عبد اللَّه بن ضمار، وقيل: عبد اللَّه بن عبيدة بن ضمار] بن مالك
وقيل: العلاء بن عبد اللَّه بن عمار بن أكبر بن ربيعة بن مالك بن أكبر بن عويف ابن مالك بن الخزرج بن أبي بن الصّدف، إلى المنذر بن ساوي ملك البحرين. وقيل: إن إرساله كان سنة ثمان.
ردود الملوك
- فأما المقوقس، فإنه قبل كتاب رسول اللَّه ﷺ، وأهدى إليه أربع جواري، منهن مارية [القبطية] .
- وأما قيصر [واسمه هرقل] ، فإنه قبل أيضا الكتاب واعترف بالنّبوّة، ثم خاف من قومه فأمسك.
- وأما الحارث بن أبي سمر الغسّاني، فإنه لما أتاه الكتاب قال: أنا سائر إليه [يعني محاربا] . فقال رسول اللَّه ﷺ، وقد بلغه ذلك عنه: باد ملكه.
- وأما النجاشي فإنه آمن برسول اللَّه واتبعه، وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب ﵁، وأرسل ابنه في ستين من الحبشة فغرقوا في البحر. وبعث إليه رسول اللَّه ﷺ أن يزوجه بأم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب- وكانت مهاجرة بالحبشة مع زوجها عبيد اللَّه بن جحش فتنصّر هناك- فزوجه إياها، وقام بصداقها: أربعمائة دينار من عنده.
- وأما كسرى أبرويز هرمز، فإنه مزق الكتاب، فقال رسول اللَّه ﷺ: مزق اللَّه ملكه، فسلط عليه ابنه شيرويه فقتله.
- وأما هوذة بن عليّ، فبعث وفدا بأن يجعل له رسول اللَّه ﷺ الأمر بعده حتى يسلم، وإلا قصده وحاربه، فقال النبي ﷺ: اللَّهمّ اكفنيه! فمات بعد قليل.
- وأما المنذر بن ساوي، فإنه أسلم وأسلم أهل البحرين.
سحر لبيد بن الأعصم لرسول اللَّه ﷺ وفي محرم سنة سبع سحر لبيد بن الأعصم رسول اللَّه ﷺ على مال جعله له من بقي بالمدينة من اليهود والمنافقين.
غزوة خيبر وكانت غزوة خيبر في صفر سنة سبع، وبينها وبين المدينة ثمانية برد، مشى ثلاثة أيام. وقيل: سميت بخيبر بن قانية بن هلال بن مهلهل بن عبيل بن عوض ابن إرم بن سام بن نوح [ (١) ] : وكان عثمان بن عفان مصرّها.



