— Bagian 21 · وابنا عقيل وهما محمد ... ومسلم والسائب الممجد —
Bagian 21
وابنا عقيل وهما محمد ... ومسلم والسائب الممجد ابن يزيد وهو جد الشافعي ... إمامنا الأعظم نجل شافع والحبر عبد اللَّه ذا ابن عامر ... ابن كريز العبشمي الفاخر وكابس والده ربيعه ... ابن عدي نسبة رفيعه كذا علي بن علي بن نجاد ... ابن رفاعة الرفاعي الجواد اليشكري وعد بعد اليشكري ... يحيى هو ابن القاسم بن جعفر ابن محمد مولانا علي ... ابن حسين بن علي الولي وولد العباس وهو قثم ... وابن معتب المسمى مسلم والقاسم الثبت ابن عبد الله ... بن محمد عظيم الجاه فجده عقيل الكريم ... كذا ابن عبد الله إبراهيم وجده فالحسن بن الحسن ... ابن علي يا له من محسن والسيد المهدي الذي سيظهر ... قبيل عيسى وبه يبشر وابن أبي طلحة عبد الله ... وذاك خولاني بلا اشتباه وابن عوانة الشريف المغربي ... أحمد لقب الشبيه بالنبي قد جاء في تاسع قرن قد مضى ... ووجهه على البدور قد أضا وقد رأيته لطيف الذات ... ممدحا بأحسن الصفات وذكروا عثمان في التشبيه ... بالمصطفى وليس بالوجيه وأثر فيه أتى موضوع ... مختلق في شبهه مصنوع وهو جميل الذكر عالي الدرجه ... وبابنتيه المصطفى قد زوجه صلى عليه ربنا وسلما ... والآل والصحب الكرام العظما وقد تممّ ما أفاد الناظم أقل تلامذة المؤلف- هو شيخنا الشيخ شمس الدين محمد بن محمد بن محب الدين أحمد بن أحمد القيسي المالكي فسح اللَّه تعالى في مدته آمين منبها على ما في النظم من مخالفة الأصل في تسمية أبي سفيان بن نوفل بنوفل فقال: وعد في أشباهه الخليل ... وآدم المعظم الجليل صلى عليهما الإله دائما ... مسلما ما لاح نجم في السما
كذاك عبد الله بن نوفل ... كذا أبو سفيان أخوه المعتلي وعده الناظم نوفلا بلا ... شك مخالف لما قد نقلا كذلك المهدي أيضاً منتقد ... لما مضى في الأصل وهو المعتمد وعد في الأشباه أيضاً ثابت ... هو البناني وكذا قتادة ابن دعامة كذاك القاسم ... كذاك عبد الله أبوه العالم وشافع ابن ذي الذكر الجميل ... والفضل والتبجيل مولانا عقيل وشافع جد الإمام الشافعي ... لما مضى عن صاحب الشّرائع صلّ عليه الرب ذو الجلال ... كذا الصحاب جملة والآل
جماع أبواب بعض الأمور الكائنة بعد مولده وقبل بعثته ﷺ
الإمام الشافعي ... لما مضى عن صاحب الشّرائع صلّ عليه الرب ذو الجلال ... كذا الصحاب جملة والآل
جماع أبواب بعض الأمور الكائنة بعد مولده وقبل بعثته ﷺ
الباب الأول في وفاة أمه آمنة بنت وهب وحضانة أم أيمن له توفيت أمه وهو ابن أربع سنين. وقدمه في الإشارة. وقيل ست. وقيل سبع. وقيل تسع. وقيل خمس. وقيل اثنتى عشرة سنة وشهر وعشرة أيام. بالأبواء. وقيل بشعب أبي دب بالحجون. وغلط قائله. قال ابن إسحاق: وكان رسول اللَّه ﷺ مع أمه آمنة بنت وهب وجده عبد المطلب في كلاءة اللَّه وحفظه ينبته اللَّه نباتا حسنا لما يريد به من كرامته، فلما بلغ رسول اللَّه ﷺ ست سنين توفيت أمه آمنة بالأبواء بين مكة والمدينة. قال البلاذري: وزعم بعض البصريين أنها ماتت بمكة ودفنت في شعب أبي دب الخزاعي وذلك غير ثبت. وقال ابن سعد: هو غلط وليس قبرها بمكة، قبرها بالأبواء وكانت أمه قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار تزيره إياهم فماتت وهي راجعة به إلى مكة. قال ابن هشام: أم عبد المطلب بن هاشم: سلمى بنت عمرو النجارية فهذه الخؤولة التي ذكر ابن إسحاق لرسول اللَّه ﷺ فيهم. وروى ابن سعد عن ابن عباس وغيره قالوا: كان رسول اللَّه ﷺ مع أمه آمنة بنت وهب فلما بلغ ست سنين خرجت به إلى أخواله بني عدي بن النجار تزورهم به ومعه أم أيمن رضي اللَّه تعالى عنها تحضنه، وهم على بعيرين، فنزلت به في دار النابغة فأقامت به عندهم شهرا، وكان رسول اللَّه ﷺ يذكر أمورا كانت في مقامه ذلك ولما نظر أطم بني عدي بن النجار عرفه فقال: كنت ألاعب أنيسة جارية من الأنصار على هذا الأطم، وكنت مع الغلمان من أخوالي نطير طائرا كان يقع عليه. ونظر إلى الدار فقال: ها هنا نزلت بي أمي وفي هذه الدار قبر أبي عبد الله وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار. وكان قوم من اليهود يختلفون إليه ينظرون إليه. قالت أم أيمن: فسمعت أحدهم يقول: هذا نبي هذه الأمة وهذه دار هجرته. فوعيت ذلك منه.
بئر بني عدي بن النجار. وكان قوم من اليهود يختلفون إليه ينظرون إليه. قالت أم أيمن: فسمعت أحدهم يقول: هذا نبي هذه الأمة وهذه دار هجرته. فوعيت ذلك منه.
ثم رجعت به أمه إلى مكة، فلما كانت بالأبواء توفيت أمه آمنة بنت وهب، فقبرها هناك فرجعت به أم أيمن إلى مكة وكانت تحضنه. وروى أبو نعيم عن محمد بن عمر الأسلمي عن شيوخه مثله وزاد: قال رسول اللَّه ﷺ: فنظر إلي رجل من اليهود يختلف ينظر إلي فقال: يا غلام ما اسمك؟ قلت: أحمد، ونظر إلى ظهري فأسمعه يقول: هذا نبي هذه الأمة، ثم راح إلى أخوالي فأخبرهم فأخبروا أمي فخافت علي فخرجنا من المدينة. وكانت أم أيمن تحدث تقول: أتاني رجلان من يهود يوما نصف النهار بالمدينة فقالا أخرجي لنا أحمد. فأخرجته فنظر إليه وقبلاه مليا ثم قال أحدهما لصاحبه: هذا نبي هذه الأمة وهذه دار هجرته وسيكون بهذه البلدة من القتل والسبي أمر عظيم. قالت أم أيمن: ووعيت ذلك كله من كلامهما. وروى أبو نعيم عن أم سماعة بنت أبي رهم عن أمها قالت: شهدت آمنة بنت وهب في علتها التي ماتت فيها ومحمد غلام يفع له خمس سنين عند رأسها فنظرت إلى وجهه ثم قالت: علتها التي ماتت فيها ومحمد غلام يفع له خمس سنين عند رأسها فنظرت إلى وجهه ثم قالت: بارك فيك اللَّه من غلام ... يا ابن الذي من حومة الحمام نجا بعون الملك المنعام ... فودي غداة الضرب بالسهام بمائة من إبل سوام ... إن صح ما أبصرت في منامي فأنت مبعوث إلى الأنام ... من عند ذي الجلال والإكرام تبعث في الحل وفي الحرام ... تبعث بالتحقيق والإسلام دين أبيك البر إبراهام ... تبعث بالتخفيف والإسلام أن لا تواليها مع الأقوام ... فاللَّه أنهاك عن الأصنام ثم قالت: كل حي ميت وكل جديد بال وكل كبير يفنى وأنا ميتة وذكري باق وقد تركت خيرا وولدت طهرا. ثم ماتت وكنا نسمع نوح الجن عليها فحفظنا من ذلك: نبكي الفتاة البرة الأمينة ... ذات الجمال العفة الرزينة زوجة عبد اللَّه والقرينة ... أم نبي اللَّه ذي السكينة وصاحب المنبر بالمدينة ... صارت لدى حفرتها رهينة لو فوديت لفوديت ثمينه ... وللمنايا شفرة سنينه لا تبقي ظعانا ولا ظعينة ... إلا أتت وقطعت وتينه
السكينة وصاحب المنبر بالمدينة ... صارت لدى حفرتها رهينة لو فوديت لفوديت ثمينه ... وللمنايا شفرة سنينه لا تبقي ظعانا ولا ظعينة ... إلا أتت وقطعت وتينه أما هلكت أيها الحزينة ... عن الذي ذو العرش يعلي دينه فكلنا والهة حزينه ... نبكيك للعطلة أو للزينه وللضعيفات وللمسكينة
تنبيه روى أبو حفص بن شاهين [ (١) ] في الناسخ والمنسوخ من طريق أحمد بن يحيى الحضرمي، والمحب الطبري في سيرته من طريق القاضي أبي بكر محمد بن عمر بن محمد بن الأخضر، والدارقطني وابن عساكر كلاهما في غرائب مالك، والخطيب في السابق واللاحق من طريق علي بن أيوب الكعبي، قالوا: حدثنا أبو غزية محمد بن يحيى الزهري، حدثنا عبد الوهاب بن موسى الزهري. قال الحضرمي وابن الأخضر عن عبد الرحمن بن أبي الزناد [ (٢) ] . وقال الكعبي عن مالك بن أنس [ (٣) ] ، قالا عن هاشم بن عروة [ (٤) ] ، عن أبيه، عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها قالت: حج بنا رسول اللَّه ﷺ حجة الوداع فمر بي على عقبة الحجون وهو باك حزين مغتم فبكيت لبكاء رسول اللَّه ﷺ ثم انه طفق يقول: يا حميراء استمسكي. فاستندت إلى جنب البعير فمكث عني طويلا ثم عاد إلي وهو فرح مبتسم فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه! نزلت من عندي وأنت باك حزين مغتم فبكيت لبكائك ثم إنك عدت إلي وأنت فرح مبتسم فمم ذاك؟ قال: ذهبت لقبر أمي فسألت اللَّه أن يحييها فأحياها فآمنت بي وردها اللَّه [ (٥) ] .
باك حزين مغتم فبكيت لبكائك ثم إنك عدت إلي وأنت فرح مبتسم فمم ذاك؟ قال: ذهبت لقبر أمي فسألت اللَّه أن يحييها فأحياها فآمنت بي وردها اللَّه [ (٥) ] .
تفرد بهذا الحديث أبو غزية وتفرد عنه الكعبي بذكر مالك في إسناده. قال الدارقطني: هذا كذب على مالك والحمل فيه على أبي غزية والمتهم بوضعه هو أو من حدث به عنه. وهذا الحديث قد حكم بوضعه الحافظ أبو الفضل بن ناصر والجوزقاني وابن الجوزي والذهبي وأقره الحافظ في اللسان، وحكم بوضعه جماعة سبق ذكرهم في ترجمة عبد الله والد النبي ﷺ. وجعله ابن شاهين ومن تبعه ناسخا لأحاديث النهي عن الاستغفار. قلت: وهذا غير جيد لأن أحاديث النهي عن الاستغفار لهما بعض طرقها صحيح. رواه مسلم وابن حبان في صحيحيهما وهذا الحديث على تسليم ضعفه لا يكون ناسخا للأحاديث الصحيحة واللَّه تعالى أعلم. قال أبو الخطاب بن دحية: الحديث في إحياء أبيه وأمه موضوع يرده القرآن والإجماع قال تعالى: وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ [النساء ١٨] وقال: فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ [البقرة ٢١٧] فمن مات وهو كافر لم ينفعه الإيمان بعد الرجعة بل لو آمن عند المعاينة لم ينفعه، فكيف بعد الإعادة؟ وفي التفسير أنه ﵊ قال: «ليت شعرى ما فعل أبواي [ (١) ] ؟» . فنزلت وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ [البقرة ١١٩] . قلت: لو اقتصر أبو الخطاب على الحكم بوضع الحديث فقط وسكت عما ذكره لكان جيدا وتأدبا مع النبي ﷺ في حق أبويه. وقد تعقبه القرطبي فقال: وفيما ذكره ابن دحية نظر. وذلك أن فضائل النبي ﷺ وخصائصه لم تزل تتوالى وتتتابع إلى حين مماته فيكون هذا مما فضله تعالى وأكرمه به، وليس إحياؤهما وإيمانهما به ممتنعا عقلا ولا شرعا، فقد ورد في الكتاب العزيز إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله وكان عيسى ﷺ يحيي الموتى وكذلك نبينا ﷺ أحيا اللَّه تعالى على يديه جماعة من الموتى. وإذا ثبت هذا فما يمتنع من إيمانهما بعد إحيائهما زيادة في كرامته وفضيلته مع ما ورد من الخبر في ذلك ويكون مخصوصا ممن مات كافرا. وقوله: «فمن مات كافرا»
وإذا ثبت هذا فما يمتنع من إيمانهما بعد إحيائهما زيادة في كرامته وفضيلته مع ما ورد من الخبر في ذلك ويكون مخصوصا ممن مات كافرا. وقوله: «فمن مات كافرا» إلى آخر كلامه مردود بما في الخبر أن اللَّه رد الشمس على نبيه ﷺ بعد مغيبها حتى صلى علي العصر. ذكره الطحاوي وقال إنه حديث ثابت. فلو لم
يكن رجوع الشمس نافعا وأنه لا يتجدد الوقت لما ردها عليه، فكذلك يكون إحياء أبوي النبي ﷺ، وقد قبل اللَّه تعالى إيمان قوم يونس وتوبتهم مع تلبسهم بالعذاب كما هو أحد الأقوال وهو ظاهر القرآن. وأما الجواب عن الآية فيكون ذلك قبل إيمانهما وكونهما في العذاب. انتهى كلام القرطبي. ونقله الحافظ في شرح الدرر ملخصا له. وأقره. قال الشيخ ﵀: استدلاله على عدم تجدد الوقت بقصة رجوع الشمس في غاية الحسن ولهذا حكم بكون الصلاة أداء وإلا لم يكن لرجوعها فائدة إذ كان يصح قضاء العصر بعد الغروب. قال: وقد ظفرت باستدلال أوضح منه، وهو ما ورد أن أصحاب الكهف يبعثون آخر الزمان ويحجون ويكونون من هذه الأمة تشريفا لهم بذلك. وورد عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما مرفوعا: أصحاب الكهف أعوان المهدي. رواه ابن مردويه في التفسير. فقد اعتد بما يفعله أصحاب الكهف بعد حياتهم عن الموت. ولا بدع في أن يكون اللَّه تعالى كتب لأبوي النبي ﷺ عمرا ثم قبضهما قبل استيفائه ثم أعادهما لاستيفاء تلك اللحظة الباقية وآمنا فيها فيعتد به ويكون تأخير تلك البقية بالمدة الفاصلة بينهما لاستدراك الإيمان، من جملة ما أكرم اللَّه بها نبيه ﷺ، كما أن تأخير أصحاب الكهف هذه المدة من جملة ما أكرموا به، فيحوزون شرف الدخول في هذه الأمة. وأما حديث: «ليت شعرى ما فعل أبواي» فإنه معضل ضعيف لا تقوم به حجة. وقال الحافظ ابن سيد الناس في «العيون» بعد أن ذكر أنه روى أن اللَّه تعالى أحيا أبويه فآمنا به قال: وهو مخالف لما أخرجه أحمد عن أبي رزين العقيلي قال: قلت: يا رسول اللَّه أين أمي؟ قال: أمك في النار. قلت: فأين من مضى من أهلك؟ قال: أما ترضى أن تكون أمك مع أمي.
ف لما أخرجه أحمد عن أبي رزين العقيلي قال: قلت: يا رسول اللَّه أين أمي؟ قال: أمك في النار. قلت: فأين من مضى من أهلك؟ قال: أما ترضى أن تكون أمك مع أمي. قال: وذكر بعض أهل العلم في الجمع بين هذه الروايات ما حاصله: أن النبي ﷺ لم يزل راقيا في المقامات السنية صاعدا إلى الدرجات العلية إلى أن قبض اللَّه روحه الطاهرة لديه وأزلفه بما خصه به لديه من كرامة القدوم عليه، فمن الجائز أن تكون هذه كرامة حصلت له ﷺ بعد أن لم تكن وأن يكون الإحياء والإيمان متأخرا عن تلك الأحاديث، فلا تعارض. انتهى.
فصل في الكلام على أحاديث النهي عن استغفار النبي ﷺ لأبويه . حديث أنه ﷺ قال: «ليت شعرى ما فعل أبواي» فنزل إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ فما ذكرهما حتى توفاه اللَّه. ورواه ابن جرير وغيره
عن محمد بن كعب القرظى مرسلا وسنده ضعيف لا تقوم به حجة. وروى أيضا عن داود بن أبي عاصم نحوه وهو معضل وسنده ضعيف لا تقوم به حجة. ثم إن هذا السبب مردود بوجوه أخرى من جهة الأصول والبلاغة وأسرار البيان، وذلك أن الآيات من قبل هذه الآيات ومن بعدها كلها في اليهود من قوله تعالى يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [البقرة ٤٠] إلى قوله: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ واختتمت القصة بمثل ما صدرت به وهو قوله يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ الآيتين فتبين أن المراد بأصحاب الجحيم كفار أهل الكتاب وقد ورد ذلك مصرحا به في الأثر. روى عبد بن حميد والفريابي عن مجاهد قال: من أول البقرة أربع آيات في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة آية في نعت المنافقين، ومن أربعين آية إلى عشرين ومائة في بني إسرائيل. ومما يؤيد ذلك أن السورة مدنية وأكثر ما خوطب فيها اليهود، ويرشح ذلك من حيث المناسبة أن الجحيم اسم لما عظم من النار كما هو مقتضى اللغة والآثار، روى ابن جرير عن مالك في الآية قال: الجحيم اسم لما عظم من النار. وروى ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله تعالى لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ قال: أولها جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم، ثم الهاوية. قال: والجحيم فيها أبو جهل. إسناده صحيح. فاللائق بهذه المنزلة من عظم كفره واشتد وزره وعاند عند الدعوة، وبدل وحرف وجحد بعد علم، لا من هو بمظنة التخفيف. وإذا كان قد صح في أبي طالب أنه أهون أهل النار عذابا لقرابته منه ﷺ وبره به، مع إدراكه الدعوة وامتناعه من الإجابة وطول عمره، فما ظنك بأبويه اللذين هما أشد منه قربا وآكد منه حبا، وأبسط عذرا وأقصر منه عمرا؟ فمعاذ اللَّه أن يظن بهما أنهما في طبقة الجحيم وأن يشدد عليهما العذاب العظيم هذا لا يفهمه من له أدنى ذوق. حديث: أنه ﷺ استغفر لأمه فضرب جبريل في صدره وقال لا تستغفر لمن مات مشركا. رواه البزار وفي سنده من لا يعرف فلا تقوم به حجة.
ذا لا يفهمه من له أدنى ذوق. حديث: أنه ﷺ استغفر لأمه فضرب جبريل في صدره وقال لا تستغفر لمن مات مشركا. رواه البزار وفي سنده من لا يعرف فلا تقوم به حجة. وأما ما يروى في سبب نزول قوله تعالى ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١١٣] من أن النبي ﷺ استغفر لأمه فنزلت الآية. فرواه الحاكم عن ابن
مسعود، وابن جرير من طريق عطية العوفي، والطبراني من طريق عكرمة، كلاهما عن ابن عباس وابن مردويه عن بريدة قال: وفيه أن قبرها بمكة. قال الشيخ رحمه اللَّه تعالى: فأما حديث ابن مسعود وإن صححه الحاكم فقد تعقبه الذهبي في مختصره فقال: في سنده أيوب بن هانئ ضعفه ابن معين. فهذه علة تقدح في صحته. وله علة ثانية وهي مخالفته لما في صحيح البخاري وغيره أن هذه الآية نزلت بمكة عقب موت أبي طالب واستغفار النبي ﷺ له كما سيأتي في باب موت أبي طالب. وأما حديث ابن عباس فله علتان: مخالفته للحديث الصحيح كما سبق وضعف إسناده. وأما حديث بريدة فله علتان: إحداهما المخالفة في سبب نزول الآية. والثانية: قال ابن سعد بعد تخريجه: هذا غلط وليس قبرها بمكة وقبرها بالأبواء. قال الشيخ رحمه اللَّه تعالى: وأصح هذه الطرق أن النبي ﷺ زار قبر أمه في ألفي مقنع فما رئي أكثر باكيا من ذلك اليوم. رواه الحاكم وصححه عن [بريدة] . وهذا القدر لا علة له، وليس فيه مخالفة لشيء من الأحاديث، ولا نهي عن الاستغفار، وقد يكون البكاء لمجرد الرقة التي تحصل عند زيارة الموتى من غير سبب تعذيب ونحو.
لقدر لا علة له، وليس فيه مخالفة لشيء من الأحاديث، ولا نهي عن الاستغفار، وقد يكون البكاء لمجرد الرقة التي تحصل عند زيارة الموتى من غير سبب تعذيب ونحو. ثم قال الشيخ: وقد ظفرت بأثر يدل على أنها ماتت وهي موحدة. فذكر أثر أم سماعة- بنت أبي رهم عن أمها- السابق ثم قال: فهذا القول من أم النبي ﷺ صريح في أنها موحدة إذ ذكرت دين إبراهيم وبعث ابنها ﷺ بالإسلام من عند ذي الجلال والإكرام ونهيه عن عبادة الأصنام وموالاتها مع الأقوام وهل التوحيد شيء غير هذا؟ التوحيد الاعتراف باللَّه وإلهيته وإنه لا شريك له والبراءة من عبادة الأصنام ونحوها. وهذا القدر كاف في التبري من الكفر وصفة ثبوت التوحيد في الجاهلية قبل البعثة. وقد قال العلماء في حديث الذي أمر بنيه عند موته أن يحرقوه ويسحقوه ويذروه في الريح وقوله: «إن قدر اللَّه علي» إن هذه الكلمة لا تنافي الحكم بإيمانه لأنه لم يشك في القدرة ولكن جهل فظن أنه إذا فعل ذلك لا يعاد. ولا يظن بكل من كان في الجاهلية أنه كان كافرا، فقد كان جماعة تحنفوا وتركوا ما كان عليه أهل الشرك وتمسكوا بدين إبراهيم ﷺ وهو التوحيد، كزيد بن عمرو بن نفيل وقس بن ساعدة وورقة بن نوفل، فكلهم محكوم بإيمانه في الحديث ومشهود له بالجنة، فلا بدع أن تكون أم النبي ﷺ منهم، كيف وأكثر من تحنف إنما كان سبب تحنفه ما سمعه من أهل الكتاب قرب زمنه ﷺ من أنه قرب بعث نبي من الحرم صفته كذا، وأم النبي ﷺ سمعت من ذلك أكثر مما سمعه غيرها، وشاهدت في حمله وولادته من آياته الباهرة ما يحمل على التحنف ضرورة، ورأت النور الذي خرج منها أضاءت له قصور الشام حتى رأتها كما ترى أمهات النبيين صلى اللَّه عليهم
أجمعين وقالت لحليمة حين جاءت به وقد شق صدره وهي مذعورة: أخشيتما عليه الشيطان؟ كلا واللَّه ما للشيطان عليه سبيل وإنه لكائن لابني هذا شأن. في كلمات أخرى من هذا النمط، وقدمت به المدينة عام وفاتها وسمعت كلام اليهود فيه وشهادتهم له بالنبوة ورجعت به فماتت في الطريق. فهذا كله مما يؤيد أنها تحنفت في حياتها. قال الشيخ رحمه اللَّه تعالى: فإن قلت كيف قررت أنها كانت موحدة في حياتها ومتحنفة وقد صح أنه استأذن ربه في الاستغفار لها فلم يؤذن له. وقوله في الحديث «أمي مع أمكما» يؤذن بخلاف ذلك وهبك أجبت عنهما فيما يتعلق بحديث الإحياء بأنهما متقدمان في التاريخ وذاك متأخر فكان ناسخا، فما تقول في هذا؟ فإن الموت على التوحيد ينفي التعذيب البتة؟. قلت: أما حديث: «أمي مع أمكما» وإن صححه الحاكم، فقد تقرر في علوم الحديث أن الحاكم يتساهل في التصحيح. وقال الذهبي بعد قول الحاكم في هذا الحديث: أنه صحيح: قلت: لا واللَّه فإن عثمان بن عمير ضعفه الدارقطنيّ. فبين الذهبي ضعف الحديث وحلف عليه يمينا. وعلى تقدير أن يكون صحيحا فأحسن ما يقرر به الجواب أن يقال: إن قوله «أمي مع أمكما» صدر قبل أن يوحى إليه أنها من أهل الجنة، كما قال ﷺ: «لا أدري تبعا كان نبيا أم لا» [ (١) ] رواه الحاكم وابن شاهين من حديث أبي هريرة. وقال ﷺ بعد أن أوحى إليه في شأنه: «لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم» [ (٢) ] رواه ابن شاهين في نسخه من حديث سهل ابن سعد وابن عباس. وكأنه ﷺ أولا لم يوح إليه في شأنها شيء ولم يبلغه الذي قالته عند موتها ولا تذكره فإنه كان إذ ذاك ابن خمس سنين، فأطلق القول بأنها مع أمهما جريا على قاعدة أهل الجاهلية، ثم أوحى إليه في أمرها بعد ذلك. ويؤيد ذلك أن في آخر الحديث نفسه «ما سألتهما ربي»
ابن خمس سنين، فأطلق القول بأنها مع أمهما جريا على قاعدة أهل الجاهلية، ثم أوحى إليه في أمرها بعد ذلك. ويؤيد ذلك أن في آخر الحديث نفسه «ما سألتهما ربي» فهذا يدل على إنه لم يكن بعد وقعت بينه وبين ربه مراجعة في أمرها ثم وقع بعد ذلك. وأما عدم الإذن في الاستغفار فلا يلزم منه الكفر بدليل أنه ﷺ كان ممنوعا في أول الإسلام من الصلاة على من عليه دين لم يترك وفاء ومن الاستغفار له وهو من المسلمين، وعلل ذلك بأن استغفاره مجاب على الفور، فمن استغفر له وصل عقب دعائه إلى منزله الكريم في الجنة والمديون محبوس عن مقامه حتى يقضى دينه كما ورد في الحديث «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى» فقد تكون أمّ
النبي ﷺ مع كونها متحنفة كانت محبوسة في البرزخ عن الجنة لأمور أخرى غير الكفر اقتضت أن لا يؤذن له في الاستغفار إذ ذاك بسببها إلى أن أذن اللَّه تعالى فيه بعد ذلك. ويحتمل أن يجاب عن الحديثين بأنها كانت موحدة غير أنها لم يبلغها شأن البعث والنشور وذلك أصل كبير، فأحياها اللَّه تعالى له حتى آمنت بالبعث وبجميع ما في شريعته ولذلك تأخر إحياؤها إلى حجة الوداع حتى تمت الشريعة ونزل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة ٣] فأحييت حتى آمنت بجميع ما أنزل وهذا معنى نفيس بليغ. وبسط الشيخ رحمه اللَّه تعالى الكلام على ذلك في كتابيه «الدرر الكامنة في إسلام السيدة آمنة» وفي «مسالك الحنفا في والدي المصطفى» والذي ذكرته خلاصتهما وفيه مناقشات ليس المقام لائقا لذكرها. وتقدم في ترجمة عبد الله والد النبي ﷺ ما فيه مقنع. وقد وقعت على فتوى بخط بعض علماء المغاربة بسط فيها الكلام على هذا المقام ورجح ما مشى عليه الشيخ، ومن جملة ما ذكره: أن المتكلم في هذا المقام على ثلاثة أقسام: قسم يوجب تكفير قائله وزندقته وليس فيه إلا القتل دون تلعثم، وهو حيث يتكلم بمثل هذا الكلام المؤذي في أبويه ﷺ قاصدا لأذيته وتعييره والإزراء به والتجسر على جهته العزيزة بما يصادم تعظيمه وتوقيره. وقسم ليس على المتكلم به وصم وهو حيث يدعوه داع ضروري إلى الكلام به، كما إذا تكلم على الحديث مفسرا له ومقررا، ونحو ذلك مما يدعو إلى الكلام به من الدواعي الشرعية.
لى المتكلم به وصم وهو حيث يدعوه داع ضروري إلى الكلام به، كما إذا تكلم على الحديث مفسرا له ومقررا، ونحو ذلك مما يدعو إلى الكلام به من الدواعي الشرعية. وقسم يحرم علينا التكلم فيه ولا يبلغ بالتكلم به إلى القتل، وهو حيث لا يدعوه داع شرعي إلى الكلام به فهذا يؤدب على حسب حاله ويشدد في أدبه إن علم منه الجرأة وعدم التحفظ في اللسان، ويعزل عن الوظائف الشرعية. واستدل بعزل عمر بن عبد العزيز عامله. وسبق ذلك في ترجمة عبد الله والد النبي ﷺ. ثم قال: ولا ينبغي لعاقل إنكار ذلك. أي حديث إحياء أبويه ﷺ فكرامته ﷺ على مولاه أعظم من ذلك، ولا يتشاغل في هذا المقام بكونه صحيحا، فقد قال العلماء: أحاديث الترغيب والترهيب لا يشترط فيها الصحة، فما بالك بهذا المقام؟ ولا مانع من صحته إن شاء اللَّه تعالى وذلك هو الذي يغلب على ظن كل محب للجناب الشريف ﷺ.
الباب الثاني في كفالة عبد المطلب رسول الله ﷺ ومعرفته بشأنه . لما توفيت آمنة أم رسول اللَّه ﷺ ضمه إليه جده عبد المطلب ورق عليه رقة لم يرقها على ولده. قال ابن إسحاق: حدثني العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله قال: كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة وكان لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له، وكان رسول اللَّه ﷺ يأتي حتى يجلس عليه فيذهب أعمامه يؤخرونه فيقول جده: دعوا ابني. فيمسح ظهره ويقول: إن لابني هذا لشأناً. وروى أبو نعيم عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما مثله. وزاد: دعوا ابني يجلس فإنه يحس من نفسه بشيء، وأرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغه عربي قبله ولا بعده. وروى ابن سعد وابن عساكر عن الزهري ومجاهد ونافع وابن جبير قالوا: كان النبي ﷺ يجلس على فراش جده فيذهب أعمامه ليؤخروه فيقول عبد المطلب: دعوا ابني ليؤنس ملكاً [ (١) ] . وقال قوم من بني مدلج لعبد المطلب: احتفظ به فإنا لم نر قدما أشبه بالقدم التي في المقام منه. وقال عبد المطلب لأم أيمن: يا بركة احتفظي به لا تغفلي عنه فإن أهل الكتاب يزعمون أنه نبي هذه الأمة. وروى المحاملي عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: سمعت أبي يقول: كان لعبد المطلب مفرش في الحجر لا يجلس عليه غيره وكان حرب بن أمية فمن دونه يجلسون حوله دون المفرش، فجاء رسول اللَّه ﷺ يوما وهو غلام لم يبلغ الحلم فجلس على المفرش فجذبه رجل فبكي رسول اللَّه ﷺ، فقال عبد المطلب- وذلك بعد ما كف بصره: ما لابني يبكي؟ قالوا له: أراد أن يجلس على المفرش فمنعوه. دعوا ابني يجلس عليه فإنه يحس من نفسه بشرف وأرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغه عربي قبله ولا بعده. وروى البلاذري عن الزهري ومحمد بن السائب أن عبد المطلب كان إذا أتي بالطعام أجلس رسول اللَّه ﷺ إلى جنبه وربما أقعده على فخذه فيؤثره بأطيب طعامه، وكان رقيقا
البلاذري عن الزهري ومحمد بن السائب أن عبد المطلب كان إذا أتي بالطعام أجلس رسول اللَّه ﷺ إلى جنبه وربما أقعده على فخذه فيؤثره بأطيب طعامه، وكان رقيقا
عليه برا به، فربما أتي بالطعام وليس رسول اللَّه ﷺ حاضرا فلا يمس شيئاً منه حتى يؤتى به. وكان يفرش له في ظل الكعبة ويجلس بنوه حول فراشه إلى خروجه فإذا خرج قاموا على رأسه مع عبيده إجلالا له وكان رسول اللَّه ﷺ يأتي وهو غلام جفر فيجلس على الفراش فيأخذه أعمامه ليؤخروه فيقول عبد المطلب: دعوا ابني ما تريدون منه؟ إن له لشأنا. ويقبل رأسه ويمسح صدره ويسر بكلامه وما يرى منه. وروى أبو نعيم عن محمد بن عمر الأسلمي عن شيوخه قالوا: بينا عبد المطلب يوما في الحجر وعنده أسقف نجران وهو يحادثه ويقول: إنا نجد صفة نبي بقي من ولد إسماعيل، هذا البلد مولده ومن صفته كذا وكذا. وأتى رسول اللَّه ﷺ فنظر إليه الأسقف وإلى عينيه وإلى ظهره وإلى قدميه فقال: هو هذا، ما هذا منك؟ قال: هذا ابني. قال الأسقف: لا، ما نجد أباه حيا. قال: هو ابن ابني وقد مات أبوه وأمه حبلى به. قال: صدقت. قال عبد المطلب لبنيه: تحفظوا بابن أخيكم ألا تسمعون ما يقال فيه؟. وروى البخاري في تاريخه وابن سعد والحاكم وصححه، عن كندير بن سعيد بن حيوة [ (١) ] ويقال حيدة، عن أبيه، والبيهقي عن معاوية بن حيدة [ (٢) ] قال الأول: خرجت حاجا في الجاهلية. وقال الثاني: خرجت معتمرا في الجاهلية. قالا: فإذا شيخ طويل يطوف بالبيت وهو يقول: رد إلي راكبي محمدا ... اردده ربي واتخذ عندي يدا فسألا عنه فقيل هذا سيد قريش عبد المطلب له إبل كثيرة فإذا ضل منها شيء بعث فيه بنيه يطلبونها فإذا غابوا بعث ابن ابنه ولم يبعثه في حاجة إلا أنجح فيها، وقد بعثه في حاجة أعيا عنها بنوه وقد أبطأ عليه. قالا: فلم نلبث حتى جاء رسول اللَّه ﷺ بالإبل معه، فقال له عبد المطلب: يا بني حزنت عليك حزنا لا تفارقني بعد أبدا. وروى ابن الجوزي عن أم أيمن رضي اللَّه تعالى عنها قالت: كنت أحضن رسول اللَّه ﷺ فغفلت عنه يوما فلم أدر إلا بعبد المطلب قائما على رأسه يقول: يا بركة.
ا. وروى ابن الجوزي عن أم أيمن رضي اللَّه تعالى عنها قالت: كنت أحضن رسول اللَّه ﷺ فغفلت عنه يوما فلم أدر إلا بعبد المطلب قائما على رأسه يقول: يا بركة. قلت: لبيك. قال: أتدرين أين وجدت ابني؟ قلت: لا أدري. قال: وجدته مع غلمان قريبا من السدرة، لا تغفلي عنه فإن أهل الكتاب يزعمون أنه نبي هذه الأمة وأنا لا آمنهم عليه.
الباب الثالث في استسقاء أهل مكة بجده وهو معهم وسقياهم ببركته روى ابن سعد والبلاذري وابن أبي الدنيا والطبراني والبيهقي عن رقيقة بنت أبي صيفي ابن هاشم وكانت لدة عبد المطلب قالت: تتابعت على قريش سنون جدبة أقحلت الجلد وأدقت العظم، فبينا أنا نائمة أو مهومة إذا هاتف يصرخ بصوت صحل يقول: يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم قد أظلتكم أيامه وهذا إبان مخرجه فحي هلا بالحيا والخصب، ألا فانظروا رجلا منكم وسيطا عظاما جساما أبيض بضا أوطف الأهداب سهل الخدين أشم العرنين له فخر يكظم عليه وسنة يهتدى إليها، فليخلص هو وولده وولد ولده، وليدلف إليه من كل بطن رجل، فليشنوا من الماء وليمسوا من الطيب ثم يستلم الركن، وليطوفوا بالبيت سبعا ثم ليرتقوا أبا قبيس فليستق الرجل وليؤمن القوم، ألا وفيهم الطيب الطاهر فغثتم إذا ما شئتم. قالت: فأصبحت مذعورة قد اقشعر جلدي ووله عقلي واقتصيت رؤياي فنمت في شعاب مكة، فما بقي أبطحي إلا قال: هذا شيبة الحمد. وتتامت عنده قريش وانقض إليه من كل بطن رجل فشنوا من الماء ومسوا من الطيب واستلموا وطافوا ثم ارتقوا أبا قبيس فطفق القوم يدلفون حوله ما إن يدرك سعيهم مهلة، حتى قر لذروته، فاستكفوا جانبيه ومعه رسول اللَّه ﷺ وهو يومئذ غلام قد أيفع أو كرب فقام عبد المطلب فقال: اللهم ساد الخلة وكاشف الكربة أنت عالم غير معلم ومسؤول غير مبخل وهذه عبادك وإماؤك بعذرات حرمك يشكون إليك سنتهم التي قد أقحلت الظلف والخف فأمطرنا اللَّه غيثا مريعا مغدقا. فما برحوا حتى انفجرت السماء بمائها وكظ الوادي بثجيجه فلسمعت شيخان قريش وهي تقول لعبد المطلب: هنيئا لك أبا البطحاء بك عاش أهل البطحاء. وفي ذلك تقول رقيقة بنت أبي صيفي: بشيبة الحمد أسقى اللَّه بلدتنا ... وقد فقدنا الحيا واجلوذ المطر
عبد المطلب: هنيئا لك أبا البطحاء بك عاش أهل البطحاء. وفي ذلك تقول رقيقة بنت أبي صيفي: بشيبة الحمد أسقى اللَّه بلدتنا ... وقد فقدنا الحيا واجلوذ المطر فجاد بالماء جوني له سبل ... سحا فعاشت به الأنعام والشجر سيل من اللَّه بالميمون طائره ... وخير من بشرت يوما به مضر مبارك الأمر يستسقى الغمام به ... ما في الأنام له عدل ولا خطر
تفسير الغريب رقيقة: براء مضمومة وقافين مصغرة، بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمية والدة مخرمة بن نوفل. ذكرها ابن سعد في المسلمات المهاجرات.
لدة الرجل [ (١) ] : تربه الذي ولد هو وإياه في وقت واحد. التتابع: بمثناتين فوقيتين فألف فمثناة تحتية فعين مهملة قال في النهاية: الوقوع في الشر من غير فكرة ولا روية والمتابعة عليه، ولا يكون في الخير. وقال غيره: التتابع بالموحدة يقال في الخير، والمثناة يقال في الشر. السنون: جمع سنة وهي الجدب بفتح الجيم وسكون الدال المهملة نقيض الخصب. أقحلت: بقاف فحاء مهملة: أيبست. مهومة: بضم الميم وفتح الهاء وكسر الواو المشددة قال في النهاية: التهويم: أول النوم. وهو دون النوم الشديد. الهاتف: ما يسمع صوته ولا يرى شخصه. بصوت صحل: بصاد مفتوحة فحاء مهملتين فلام أي غير حاد الصوت. إبان الشيء بكسر الهمزة وتشديد الموحدة: وقته. حي هلا: اسم فعل بمعني أقبلوا وأسرعوا، وهي كلمتان جعلتا كلمة فحي بمعني أقبل وهلا بمعنى أسرع. الحيا: بالقصر الغيث. الخصب: بالكسر نقيض الجدب. وسيطا: يقال فلان وسيط قومه إذا كان أوسطهم نسبا وأرفعهم محلا. عظاما [ (٢) ] : بضم العين المهملة بمعنى عظيم. جساما: بضم الجيم بمعنى جسيم. بضا: بموحدة فضاد معجمة مشددة قال في النهاية: البضاضة رقة اللون وصفاؤه الذي يؤثر فيه أدنى شيء. الوطف: بفتح الواو والطاء المهملة: طول شعر العين مع سعتها. الشمم: ارتفاع قصبة الأنف واستواء أعلاها وإشراف الأرنبة قليلا. العرنين: بكسر العين المهملة وسكون الراء: الأنف وهذا اللفظ كناية عن الرفعة والعلو وشرف النفس. يكظم عليه: بمثناة تحتية مفتوحة فكاف ساكنة فظاء مشالة مضمومة فميم أي لا يبديه ولا يظهره.
ن الراء: الأنف وهذا اللفظ كناية عن الرفعة والعلو وشرف النفس. يكظم عليه: بمثناة تحتية مفتوحة فكاف ساكنة فظاء مشالة مضمومة فميم أي لا يبديه ولا يظهره.
يدلفون: بدال مهملة وفاء: أي يقربون منه. شنوا من الماء: اغتسلوا به. تتام القوم: جاءوا كلهم وتموا. العذرات: بعين مهملة مفتوحة فذال معجمة فراء فتاء تأنيث جمع عذرة بفتح أوله وكسر ثانيه وهي فناء الدار، وهو سعة أمامها. وقيل: ما امتد من جوانبها. الغدق بفتح الغين المهملة: المطر الكبار القطر، والمغدق: مفعل منه. مريعا بفتح الميم: مخصبا. الحيا: هنا بالقصر المطر. اجلوذ المطر [ (١) ] : بجيم فلام مشددة مفتوحتين فذال معجمة قال في النهاية: امتد وقت تأخره وانقطاعه. جوني: بفتح الجيم وسكون الواو وتشديد الياء منسوب إلى الجون وهو من الألوان يقع على الأبيض والأسود، والجمع جون بضم الجيم، وقيل الياء فيه للمبالغة كما يقال في الأحمر أحمري. السبل: بسين مهملة فباء موحدة مفتوحتين المطر الجود الهاطل يقال أسبل المطر والدمع: إذا هطلا والاسم السبل بالتحريك. سحا: بسين فحاء مهملة مشددة مفتوحتين: يقال سح المطر والدمع وغيرهما يسح بالضم سحوحا وسحا: سال. ويقال السح: الصب الكثير. الميمون طائره: أي المبارك حظه ويجوز أن يكون أصله من الطير السارح والبارح. العدل بكسر العين: المثل. الخطر بخاء معجمة: الشبيه والمثل.
الباب الرابع فيما حصل له في سنة سبع من مولده قال الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي في «الوفا» في سنة سبع من مولده ﷺ أصابه رمد شديد فعولج بمكة فلم يغن فقيل لعبد المطلب: إن في ناحية عكاظ راهبا يعالج الأعين فركب إليه فناداه وديره مغلق فلم يجبه فتزلزل ديره حتى كاد أن يسقط عليه فخرج مبادرا فقال: يا عبد المطلب إن هذا الغلام نبي هذه الأمة ولو لم أخرج إليك لخر علي ديرى فارجع به واحفظه لا يقتله بعض أهل الكتاب. ثم عالجه وأعطاه ما يعالج به. وألقي له المحبة في قلوب قومه وكل من يراه. عكاظ: بضم العين وآخره ظاء مشالة معجمة: مكان بقرب عرفات.
يقتله بعض أهل الكتاب. ثم عالجه وأعطاه ما يعالج به. وألقي له المحبة في قلوب قومه وكل من يراه. عكاظ: بضم العين وآخره ظاء مشالة معجمة: مكان بقرب عرفات.
الباب الخامس في وفاة عبد المطلب ووصيته لأبي طالب برسول الله ﷺ وما ظهر في ذلك من الآيات اختلف في سن رسول اللَّه ﷺ حين مات جده فقيل: وله ثمان سنين وقدمه في الإشارة. وقيل بزيادة شهر وعشرة أيام. وقيل تسع وقيل عشر وقيل ست. ولعبد المطلب عشر ومائة سنة. وقدمه في الإشارة. وقيل اثنتان وثمانون سنة ويقال بلغ مائة وأربعة وأربعين سنة. ويقال خمسا وتسعين سنة. ويقال مائة وعشرين. قال الواقدي: وليس ذلك بثبت. وروى محمد بن عمر الأسلمي عن أم أيمن أنها حدثت أن رسول اللَّه ﷺ كان يبكي خلف سرير عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين ودفن بالحجون. وروى ابن سعد عن الواقدي عن شيوخه أنه قيل لرسول اللَّه ﷺ: أتذكر موت عبد المطلب؟ قال: نعم أنا يومئذ ابن ثمان سنين. قال ابن إسحاق وغيره: ولما حضرت عبد المطلب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظ رسول اللَّه ﷺ وحياطته والقيام عليه، وأوصى به إلى أبي طالب، لأن عبد الله وأبا طالب كانا لأم واحدة، فلما مات عبد المطلب كان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول اللَّه ﷺ بعد جده. وروى ابن سعد والحسن بن عرفة وابن عساكر عن ابن عباس وغيره قالوا: لما توفي عبد المطلب قبض أبو طالب رسول اللَّه ﷺ فكان يكون معه، وكان يحبه حبا شديدا لا يحبه ولده وكان لا ينام إلا إلى جنبه وصب به صبابة لم يصب مثلها قط، وكان يخصه بالطعام وكان عيال أبي طالب إذا أكلوا جميعا أو فرادى لم يشبعوا وإذا أكل معهم رسول اللَّه ﷺ شبعوا. وكان أبو طالب إذا أراد أن يغديهم أو يعشيهم يقول: كما أنتم حتى يحضر ابني. فيأتي رسول اللَّه ﷺ فيأكل معهم فيفضلون من طعامهم، وإن لم يكن معهم لم يشبعهم، وإن كان لبنا شرب أولهم ثم يتناول العيال القعب فيشربون منه فيروون عن آخرهم من القعب الواحد، وإن كان أحدهم ليشرب قعباً وحده فيقول أبو طالب: إنك لمبارك. وكان الصبيان يصيحون رمصاً شعثاً ويصبح رسول اللَّه ﷺ دهينا كحيلا.
عن آخرهم من القعب الواحد، وإن كان أحدهم ليشرب قعباً وحده فيقول أبو طالب: إنك لمبارك. وكان الصبيان يصيحون رمصاً شعثاً ويصبح رسول اللَّه ﷺ دهينا كحيلا. وروى أبو نعيم عن أم أيمن قالت: ما رأيت رسول اللَّه ﷺ شكا جوعا ولا عطشا لا في كبره ولا في صغره، وكان يغدو إذا أصبح فيشرب من ماء زمزم شربة فربما عرضنا عليه الغداء فيقول: أنا شبعان.
وروى الحسن بن سفيان عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: كان أبو طالب يقرب للصبيان تصبيحهم فيضعون أيديهم فينتهبون ويكف رسول اللَّه ﷺ يده فلما رأى ذلك أبو طالب عزل له طعامه.
تفسير الغريب صب به: يقال صب يصب بالفتح صبابة رق شوقه. القعب: [ (١) ] قدح من خشب: الرمص بالتحريك وسخ يجتمع في الموق فإن سال فهو غمص وإن جمد فهو رمص. الشَّعث: تلبد الشعر لقلة تعهده بالدهن. واللَّه تعالى أعلم.
الباب السادس في استسقاء أبي طالب برسول الله ﷺ وعطش أبي طالب وشكواه ذلك للنبي ﷺ روى ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال: قدمت مكة وقريش في قحط، فقائل منهم يقول: اعتمدوا واللات والعزى. وقائل منهم يقول: اعتمدوا مناة الثالثة الأخرى فقال شيخ وسيم حسن الوجه جيد الرأي: أنى تؤفكون وفيكم بقية إبراهيم وسلالة إسماعيل. قالوا: كأنك عنيت أبا طالب؟ قال: إيها. فقاموا بأجمعهم وقمت معهم فدققنا عليه بابه فخرج إلينا رجل حسن الوجه عليه إزار قد اتشح به فثاروا إليه فقالوا: يا أبا طالب أقحط الوادي وأجدب العيال فهلم فاستسق لنا فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجنة تجلت عليه سحابة قتماء وحوله أغيلمة فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ بإصبعه الغلام وما في السماء قزعة فأقبل السحاب من هاهنا وها هنا وأغدق واغدودق وانفجر له الوادي وأخصب النادي والبادي. وفي ذلك يقول أبو طالب: وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشمٍ ... فهم عنده في نعمة وفواضل وقال ابن سعد: حدثنا الأزرق، حدثنا عبد الله بن عون، عن عمرو بن سعيد أن أبا طالب قال: كنت بذي المجاز مع ابن أخي، يعني النبي ﷺ، فأدركني العطش فشكوت إليه فقلت: يا ابن أخي قد عطشت. وما قلت له ذلك وأنا أرى عنده شيئاً إلا الجزع قال: فثنى وركه ثم قال: يا عم عطشت؟ قلت: نعم. فأهوى بعقبه إلى الأرض فإذا أنا بالماء فقال اشرب فشربت. وله طرق أخرى رواها الخطيب وابن عساكر.
إلا الجزع قال: فثنى وركه ثم قال: يا عم عطشت؟ قلت: نعم. فأهوى بعقبه إلى الأرض فإذا أنا بالماء فقال اشرب فشربت. وله طرق أخرى رواها الخطيب وابن عساكر.
تفسير الغريب جلهمة: بجيم مضمومة ولام ساكنة وهاء مضمومة وميم مفتوحة. أني: بمعنى كيف. تؤفكون: تصرفون. ثاروا إليه: بالمثلثة قاموا. دجنة [ (١) ] بدال مهملة فجيم مضمومتين: الظلة والجمع دجنات. قتماء [ (٢) ] : بقاف فتاء
مثناة فوقية: الغبراء، من القتام بالفتح وهو الغبار. لاذ به: طاف. قزعة: سحابة. أغدق كذلك. اغدودق: كذلك. الثمال: تقدم الكلام عليه في أسمائه ﷺ. ذو المجاز: مكان على فرسخ من عرفة.
الباب السابع في سفره ﷺ مع عمه الزبير بن عبد المطلب إلى اليمن قال ابن الجوزي في «الوفا» لما أتت لرسول اللَّه ﷺ بضع عشرة سنة خرج في سفر مع عمه الزبير، فمروا بواد فيه فحل من الإبل يمنع من يجتاز، فلما رآه البعير برك وحك الأرض بكلكله، فنزل عن بعيره وركبه فسار حتى جاوز الوادي ثم خلى عنه، فلما رجعوا من سفرهم مروا بواد مملوء ماء يتدفق فوقفوا فقال رسول اللَّه ﷺ: اتبعوني. ثم اقتحمه فاتبعوه فأيبس اللَّه الماء. فلما وصلوا إلى مكة تحدثوا بذلك فقال الناس: إن لهذا الغلام شأنا. الكلكل والكلكال: الصدر.
سول اللَّه ﷺ: اتبعوني. ثم اقتحمه فاتبعوه فأيبس اللَّه الماء. فلما وصلوا إلى مكة تحدثوا بذلك فقال الناس: إن لهذا الغلام شأنا. الكلكل والكلكال: الصدر.
الباب الثامن في سفره ﷺ مع عمة أبي طالب إلى الشام روى ابن سعد وابن عساكر عن داود بن الحصين [ (١) ]- بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين- أن رسول اللَّه ﷺ كان ابن اثنتي عشرة سنة. قال البلاذري: وهو الثبت. وروى أبو نعيم عن علي بن أبي طالب رضي اللَّه تعالى عنه وابن سعد وابن عساكر عن عبد الله بن محمد بن عقيل وابن سعد عن عبد الرحمن بن أبزى، والبزار والترمذي وحسنه عن أبي موسى الأشعري، وابن سعد عن داود بن الحصين، وأبو نعيم عن محمد بن عمر الأسلمي، والبيهقي عن محمد بن إسحاق قالوا: إن أبا طالب أراد المسير في ركب إلى الشام فقال له رسول اللَّه ﷺ: أي عم إلى من تخلّفني ها هنا؟ وصب به رسول اللَّه ﷺ فرق له أبو طالب فلما سارا أردفه خلفه فخرج به فنزلوا على صاحب دير فقال صاحب الدير: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. قال: ما هو بابنك وما ينبغي أن يكون له أب حي. قال: ولم؟ قال: لأن وجهه وجه نبي وعينه عين نبي. قال: وما النبي؟ قال: الذي يوحى إليه من السماء فينبئ أهل الأرض. قال اللَّه أجل مما تقول. قال فاتق عليه اليهود. ثم خرج حتى نزل براهب أيضاً صاحب دير فقال: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني قال: ما هو بابنك وما ينبغي أن يكون له أب حي. قال: ولم؟ قال: لأن وجهه وجه نبي وعينه عين نبي. قال: سبحان اللَّه! أجل مما تقول. وقال أبو طالب للنبي ﷺ: يا ابن أخي ألا تسمع ما يقولون؟ قال: أي عم لا تنكر للَّه قدرة.
لأن وجهه وجه نبي وعينه عين نبي. قال: سبحان اللَّه! أجل مما تقول. وقال أبو طالب للنبي ﷺ: يا ابن أخي ألا تسمع ما يقولون؟ قال: أي عم لا تنكر للَّه قدرة. خبر بحيرا فلما نزل الركب بصرى وبها راهب يقال له بحيرا في صومعة له قال ابن إسحاق: وكان أعلم أهل النصرانية. فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك لا يكلمهم ولا يعرض لهم، حتى إذا كان ذلك العام نزلوا قريبا من صومعته فرأى وهو في صومعته رسول اللَّه ﷺ في ركب حين أقبلوا وغمامة تظله من بين القوم ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة وتهصرت أغصان الشجرة على رسول اللَّه ﷺ حين استظل تحتها، فلما رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته وجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول اللَّه ﷺ وقال: هذا سيد العالمين هذا يبعثه اللَّه رحمة للعالمين. فقال له أشياخ من قريش: وما علمك؟ قال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يمر بشجر ولا حجر إلا خر ساجدا ولا
يسجدان إلا لنبي وإني أعرفه بخاتم النبوة في أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة. ثم رجع وأمر بطعام كثير فصنع ثم أرسل إليهم فقال: إني صنعت لكم طعاما يا معشر قريش وإني أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وحركم وعبدكم. فقال رجل: يا بحيرا إن لك اليوم لشأناً ما كنت تصنع هذا فيما مضى وقد كنا نمر بك كثيرا فيما شأنك؟ فقال بحيرا: صدقت قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما تأكلون منه. فاجتمعوا إليه، فلما أتاهم به وكان رسول اللَّه ﷺ راح مع من يرعى الإبل. وفي رواية: فتخلف رسول اللَّه ﷺ من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم، فلما نظر بحيرا لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده، فقال: يا معشر قريش لا يتخلف أحد منكم عن طعامي هذا قالوا: ما تخلف عنك أحد يأتيك إلا غلام هو أحدث القوم سنا تخلف في رحالنا. فقال: لا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام. فقام الحارث بن عبد المطلب فأتى به، فلما أقبل وعليه غمامة تظله فقالوا: انظروا إليه عليه غمامة تظله. فلما دنا من القوم وجدهم سبقوه إلى فيء الشجرة فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا ما فيء الشجرة عليه هذا نبي هذه الأمة الذي يرسله اللَّه إلى الناس كافة.
من القوم وجدهم سبقوه إلى فيء الشجرة فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا ما فيء الشجرة عليه هذا نبي هذه الأمة الذي يرسله اللَّه إلى الناس كافة. وفي «الزهر» نقلا عن محمد بن عمر الأسلمي إن رسول اللَّه ﷺ لما فارق تلك الشجرة التي كان جالسا تحتها وقام انفلقت من أصلها حين فارقها وجعل يلحظه لحظا شديدا ينظر إلى أشياء من بدنه قد كان يجدها عنده في صفته وقال لقومه: هذه الحمرة التي في عينيه تأتي وتذهب أولا تفارقه؟ قالوا: ما رأيناها فارقته قط. فأقبل على النبي ﷺ فقال: يا غلام أسألك باللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه. وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما فقال له رسول اللَّه ﷺ: لا تسألني باللات والعزى فواللَّه ما أبغضت بغضهما شيئاً. فقال له بحيرا: فباللَّه إلا ما أخبرتني عما أسألك. فقال: سلني عما بدا لك. فجعل يسأله عن أشياء عن حال نومه ويقظته وجعل رسول اللَّه ﷺ يخبره فوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته عنده فلما فرغ منه أقبل على عمه أبي طالب فقال: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. فقال بحيرا: ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون له أب حي. قال: فإنه ابن أخي. قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حامل به. قال: صدقت ارجع بابن أخيك إلى بلدك واحذر عليه اليهود فواللَّه لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شراً فإنه كائن لابن أخيك شأن. فأسرع به إلى بلاده ولا تذهب به إلى الروم فإن الروم إذا رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه [ (١) ] .
وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شراً فإنه كائن لابن أخيك شأن. فأسرع به إلى بلاده ولا تذهب به إلى الروم فإن الروم إذا رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه [ (١) ] .
والتفت عنه بحيرا فإذا هو بسبعة نفر قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا إلى هذا النبي الذي هو خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليه ناس وإنا قد أخبرنا خبره بطريقك هذا. قال: أفرأيتم أمرا أراد اللَّه أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا فبايعوه وأقاموا معه. فأتى قريشا فقال: أنشدكم با اللَّه أيكم وليه قالوا: أبو طالب. فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب وأرسل معه رجلا وزودهم الراهب من الكعك والزيت. وقال: أبو طالب في هذه السّفرة قصائد منها ما ذكره ابن إسحاق وأبو هفان في ديوان شعر أبي طالب: إن ابن آمنة الأمين محمدا ... عندي بمثل منازل الأولاد لما تعلق بالزمام رحمته ... والعيس قد قلصن بالأزواد فارفض من عيني دمع ذارف ... مثل الجمان مفرق الأفراد راعيت منه قرابة موصولة ... وحفظت فيه وصية الأجداد وأمرته بالسير بين عمومة ... بيض الوجوه مصالت أنجاد ساروا لأبعد طية معلومة ... فلقد تباعد طية المرتاد حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا ... لاقوا على شرك من المرصاد حبرا فأخبرهم حديثاً صادقا ... عنه ورد معاشر الحساد قوما يهودا قد رأوا ما قد رأى ... ظل الغمامة ثاغري الأكباد ساروا لفتك محمد فنهاهم ... عنه وأجهد أحسن الإجهاد فثنى زبيراء بحير فانثنى ... في القوم بعد تجادل وتعاد ونهى دريسا فانتهى لما نهي ... عن قول حبر ناطق بسداد ومنها: بكى حزنا لما رآني محمد ... كأن لا يراني راجعا لمعاد فبت يجافيني تهلل دمعه ... وعبرته عن مضجعي ووسادي فقلت له قرب قتودك وارتحل ... لا تخش مني جفوة ببلاد وحل زمام العيس وارحل بنا معا ... على عزمة من أمرنا ورشاد رح رائحا في الرائحين مشيعا ... لذي رحم والقرم غير بعاد فرحنا مع القوم التي راح ركبها ... يؤمون من غورين أرض إياد
فما رجعوا حتى رأوا من محمد ... أحاديث تجلو رين كل فؤاد وحتى رأوا أحبار كل مدينة ... سجودا له من عصبة وفراد زبيرا وتماما وقد كان شاهدا ... دريس فهموا كلهم بفساد فقال لهم قولا بحيرا فأيقنوا ... به بعد تكذيب وطول بعاد كما قال للركب الذين تهودوا ... وجاهدهم في اللَّه حق جهاد وقال ولم يترك له النصح رده ... فإن له أرصاد كل مضاد فإني أخاف الحاسدين وإنه ... لفي الكتب مكتوب بأي مداد ومنها: ألم ترني من بعد هم هممته ... بفرقة حر الوالدين كرام بأحمد لما أن شددت مطيتي ... برحلي وقد ودعته بسلام بكى حزنا والعيس قد فصلت بنا ... وأمسك بالكفين فضل زمام ذكرت أباه ثم رقرقت عبرة ... بحورا من العينين ذات سجام فقلت تروح راشدا في عمومة ... مواسين في البأساء غير لئام فرحنا مع العير الّتي راح أهلها ... شام الهوى والأصل غير شام فلما هبطنا أرض بصرى تشرفوا ... لنا فوق دور ينظرون جسام فجاء بحيرا عند ذلك حاشدا ... لنا بشراب طيب وطعام فقال اجمعوا أصحابكم لطعامنا ... فقلنا جمعنا القوم غير غلام يتيما فقال ادعوه إنَّ طعامنا ... كثير عليه القوم غير حرام فلما رآه مقبلا نحو داره ... توقيه حر الشمس ظل غمام حنى رأسه شبه السجود وضمه ... إلى نحره والصدر أي ضمام وأقبل ركب يطلبون الذي رأى ... بحيرا من الأعلام وسط خيام فثار إليهم خشية لغرامهم ... وكانوا ذوي مكر معا وغرام دريس وتمام وقد كان فيهم ... زبير وكل القوم غير نيام فجاءوا وقد هموا بقتل محمد ... فردهم عنه بحسن خصام بتأويله التوراة حتى تفرقوا ... فقال لهم ما أنتم بطغام
فذلك من أعلامه وبيانه ... وليس نهار واضح كظلام [ (١) ]
هموا بقتل محمد ... فردهم عنه بحسن خصام بتأويله التوراة حتى تفرقوا ... فقال لهم ما أنتم بطغام
فذلك من أعلامه وبيانه ... وليس نهار واضح كظلام [ (١) ]
تنبيهات الأول: وقع في حديث أبي سعيد عن الترمذي: فلم يزل بحيرا يناشد جده حتى رده وبعث معه أبو بكر بلالا قال الحافظ شرف الدين الدمياطي وتبعه في المورد والعيون: في قوله: «وأرسل معه أبو بكر بلالا» نكارة كيف وأبو بكر حينئذ لم يبلغ العشر سنين فإن النبي ﷺ أسن من أبي بكر بأزيد من عامين وقد قدمنا ما كان سن النبي ﷺ حسين سافر هذه السفرة. وأيضاً فإن بلالا لم ينتقل لأبي بكر إلا بعد ذلك بأكثر من ثلاثين عاما، فإنه كان لبني خلف الجمحيّين وعند ما عذب في اللَّه على الإسلام اشتراه أبو بكر رحمة له واستنقاذا له من أيديهم وسيأتي بيان ذلك. وذكر نحو ذلك الحافظ في الإصابة وزاد أن هذا اللفظ مقتطع من حديث آخر أدرج في هذا الحديث وفي الجملة هو وهم من أحد رواته. وروى ابن منده بسند ضعيف عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنه قال: إن أبا بكر صحب رسول اللَّه ﷺ وهو ابن ثماني عشرة سنة والنبي ﷺ ابن عشرين سنة وهم يريدون الشام في تجارة، حتى إذا نزل منزلا فيه سدرة فقعد في ظلها ومضى أبو بكر إلى راهب يقال له بحيرا يسأله عن شيء فقال له: من الرجل الذي في ظل السدرة فقال له: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. فقال له: هذا واللَّه نبي هذه الأمة ما استظل تحتها بعد عيسى ابن مريم إلا محمد. وذكر الحديث. قال الحافظ: فهذا إن صح يحتمل أن يكون في سفرة أخرى بعد سفرة أبي طالب. وذكر نحوه في «الزهر» وزاد: وقول ابن دحية: يمكن أن يكون أبو بكر استأجر بلالا حينئذ أو يكون أمية بن خلف بعثه: غير جيد لأمرين. أحدهما: أن أبا بكر لم يكن معهم ولا كان في سن من يملك. وذكر نحو ما سبق في سن النبي ﷺ إذ ذاك. ثانيهما: أن بلالا كان أصغر من أبي بكر فلا يتجه ما قاله بحال.
ما: أن أبا بكر لم يكن معهم ولا كان في سن من يملك. وذكر نحو ما سبق في سن النبي ﷺ إذ ذاك. ثانيهما: أن بلالا كان أصغر من أبي بكر فلا يتجه ما قاله بحال.
الثاني: قوله في الحديث: «فبايعوه» في «العيون» إن كان المراد فبايعوا بحيرا على مسالمة النبي ﷺ فقريب. وإن كان غير ذلك فلا أدري ما هو. وقال في «الغرر» الأول هو الظاهر ليوافق الضمير في فيه وفي «وأقاموا معه» ومعناه: فبايعوه على أن لا يأخذوا النبي ﷺ ولا يؤذوه على حسب ما أرسلوا فيه، وأقاموا مع بحيرا خوفاً على أنفسهم إذا رجعوا بدونه. وهذا وجه حسن جدا. الثالث: وقع في سير الزهري أن بحيرا كان حبرا من يهود تيماء. قال الحافظ عماد الدين ابن كثير: والظاهر من سياق القصة أنه كان نصرانيا. قلت: وبذلك جزم ابن إسحاق. كما تقدم. وقال المسعودي في تاريخه: كان بحيرا نصرانيا من عبد القيس. وفي تاريخ ابن عساكر أنه كان يسكن ميفعة قرية وراء دير بالبلقاء. وذكر الإمام السروجي في مناسكه أن عند كفافة منزلة وادي الظباء بها شجر تمر الهندي تزعم العامة أن صومعة بحيراً كانت هناك. قال: ولا يوقف على حقيقة ذلك. وذكر القتبي في «المعارف» أنه سمع قبل الإسلام بقليل هاتف يهتف: ألا إن خير أهل الأرض بحيرا ورئاب بن البراء الشني والثالث المنتظر. فكان الثالث رسول اللَّه ﷺ. قال ابن قتيبة: وكان قبر رئاب الشني وقبر ولده من بعده لا يزال يرى عليه طش والطش: المطر الخفيف. ثم إن بحيرا بباء موحدة مفتوحة فحاء مهملة مكسورة فراء فألف قال: غير واحد مقصورة ورأيت بخط مغلطاي وصاحب الغرر وغيرهما عليها مدة. فاللَّه تعالى أعلم. قال المسعودي: واسمه سرجس. كذا فيما وقفت عليه من نسخ الروض. وفي النسخ التي وقفت عليها من الإشارة جرجيس بكسر الجيمين بينهما راء وبعد الثانية مثناة تحتية فسين مهملة. وهكذا رأيته بخط صاحبها في «الزهر» وصحح عليه. وكذلك هو في الإصابة للحافظ. وجزم الذهبي في ترجمة أبي الفتح سعيد بن عقبة من «الميزان» بأن بحيرا لم يدرك البعثة. وأقره الحافظ في اللسان. وهو غير مصروف للعجمة والعلمية. وهو في الأصل اسم نبي. الرابع: في بيان غريب ما سبق:
عقبة من «الميزان» بأن بحيرا لم يدرك البعثة. وأقره الحافظ في اللسان. وهو غير مصروف للعجمة والعلمية. وهو في الأصل اسم نبي. الرابع: في بيان غريب ما سبق: صب به- بصاد مهملة فباء موحدة: أي مال إليه ورق عليه. ويروى وضبث به بضاد معجمة فباء موحدة فمثلثة. أي تعلق به وأمسك. الصومعة: منزل الراهب، سميت بذلك لأنها محددة الرأس من قولهم ثريدة مصمعة إذا دقت وحدد رأسها.
تهصرت: مالت وتدلت عليه. احتضنه: أخذه مع حضنه أي مع جنبه. الغضروف- بضم الغين وإسكان الضاد المعجمتين فراء مضمومة فواو ساكنة ففاء: هو رأس لوح الكنف ويقال فيه غرضوف بتقديم الراء. فبايعوه- بفتح المثناة التحتية وهو خبر لا أمر. أنشدكم- بفتح الهمزة وضم الشين: أي أسألكم باللَّه. العيس [ (١) ]- بعين مهملة مكسورة وسين مهملتين بينهما مثناة تحتية: إبل بيض في بياضها ظلمة خفية، والواحدة عيساء بفتح العين. قلصن: ارتفعن. ارفض: سال. ذارف- بذال معجمة- يقال ذرف الدمع يذرف ذرفا وذرفانا: سال. الجمان: بضم الجيم: جمع جمانة، حبة تعمل من الفضة كالدرة. الصلت: الواضح الجبين. أنجاد: أقوياء. على شرك: على طريق. ثاغري الأكباد [ (٢) ] : أي سقطت أكبادهم من سرعة المشي. الفتك: البطش والقتل على غفلة. القتود [ (٣) ] والأقتاد جمع قتد: خشب الرحل. من غورين: تثنية غور وهو ما انخفض من الأرض. إياد: هم بنو إياد بن نزار من معد بن عدنان. الرين [ (٤) ] : الغشاء الذي على القلب من ظلمة الذنوب. رقرقت: براءين مهملتين وقافين قال في الصحاح: رقرقت الماء فترقرق: أي جاء وذهب، وكذلك الدمع إذا ملأ الحملاق. سجام: يقال سجم الدمع سجما وسجاما: سال.
وب. رقرقت: براءين مهملتين وقافين قال في الصحاح: رقرقت الماء فترقرق: أي جاء وذهب، وكذلك الدمع إذا ملأ الحملاق. سجام: يقال سجم الدمع سجما وسجاما: سال.
الباب التاسع في حفظ الله تعالى إياه في شبابه عما كان عليه أهل الجاهلية واشتهاره بالأخلاق الفاضلة والخصال الحميدة قبل بعثته وتعظيم قومه له ﷺ . قال داود بن الحصين، فيما رواه ابن سعد وابن عساكر، وابن إسحاق فيما رواه البيهقي وغيره: فشب رسول اللَّه ﷺ يكلؤه اللَّه ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية ومعايبها، لما يريد به من كرامته ورسالته، حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قومه مروءة وأحسنهم خلقا، وأكرمهم حسبا وأحسنهم جوارا، وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثاً، وأعظمهم أمانة، وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال تنزها وتكرما. ما رئي ملاحيا ولا مماريا أحدا حتى ما اسمه في قومه إلا الأمين لما جمع اللَّه فيه من الأمور الصالحة. وذكر أبو هاشم محمد بن ظفر في «خير البشر بخير البشر» : حج أكثم بن صيفي حكيم العرب، والنبي ﷺ في سن الحلم، فرآه أكثم فقال لأبي طالب: ما أسرع ما شب أخوك. فقال ليس بأخي ولكنه ابن أخي عبد الله. فقال أكثم أهو ابن الذبيحين؟ قال: نعم. فجعل يتوسمه ثم قال لأبي طالب ما تظنون به؟ قال: نحسن به الظن وإنه لوفي سخي. قال؟ هل غير هذا؟ قال: نعم إنه لذو شدة ولين ومجلس ركين وفضل متين. قال فهل غير هذا؟ قال: أنا لنتيمن بمشهده ونتعرف البركة فيما لمسه بيده. فقال أكثم: أقول غير هذا إنه ليضرب العرب قامطة- يعني جامعة- بيد حائطة ورجل لائطة ثم ينعق بهم إلى مرتع مريع وورد سريع فمن اخرورط إليه هداه ومن احروف عنه أرداه. وروى ابن سعد عن الربيع بن خثيم [ (١) ] قال: كان يتحاكم إلى رسول اللَّه ﷺ في الجاهلية قبل الإسلام.
وورد سريع فمن اخرورط إليه هداه ومن احروف عنه أرداه. وروى ابن سعد عن الربيع بن خثيم [ (١) ] قال: كان يتحاكم إلى رسول اللَّه ﷺ في الجاهلية قبل الإسلام. قال ابن إسحاق: وكان رسول اللَّه ﷺ يحدث عما كان اللَّه يحفظه في صغره من أمر الجاهلية وأنه قال: لقد رأيتني في غلمان من قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الصبيان كلنا قد تعرى وأخذ إزاره وجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة فإني لأقبل معهم وأدبر إذ لكمني لاكم لكمة شديدة ثم قال: شد عليك إزارك. قال: فأخذته فشددته علي ثم جعلت أنقل الحجارة علي رقبتي وإزاري على من بين أصحابي.
وهذه القصة شبيهة بما وقع عند بناء الكعبة. روى الطبراني والبيهقي في الدلائل من طريق عمرو بن قيس، وابن جرير في التهذيب من طريق هارون بن المغيرة، وأبو نعيم في المعرفة من طريق قيس بن الربيع، وفي الدلائل من طريق شعيب بن خالد، كلهم عن سماك بن حرب، وأبو نعيم من طريق الحكم بن أبان، كلاهما عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: حدثني أبي العباس بن عبد المطلب قال: لما بنت قريش الكعبة انفردت رجلين ينقلون الحجارة، فكنت أنا وابن أخي فجعلنا نأخذ أزرنا فنضعها على مناكبنا ونجعل عليها الحجارة فإذا دنونا من الناس لبسنا أزرنا فبينا هو أمامي إذ صرع فسعيت وهو شاخص ببصره إلى السماء فقلت: يا بن أخي ما شأنك؟ قال نهيت أن أمشي عريانا. قال: فكتمته حتى أظهره اللَّه بنبوته. وورد من حديث جابر وأبي الطفيل. ويأتيان. وروى الترمذي وغيره عن أبي موسى أن بحيرا حين حلف النبي ﷺ باللات والعزى قال له النبي ﷺ: لا تسألني باللات والعزى شيئاً فو اللَّه ما أبغضت بغضهما شيئاً [ (١) ] .
رمذي وغيره عن أبي موسى أن بحيرا حين حلف النبي ﷺ باللات والعزى قال له النبي ﷺ: لا تسألني باللات والعزى شيئاً فو اللَّه ما أبغضت بغضهما شيئاً [ (١) ] . وعن علي رضي اللَّه تعالى عنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمّون به من الغناء إلا ليلتين كلتاهما عصمني اللَّه منهما [ (٢) ] . قلت ليلة لبعض فتيان مكة ونحن في رعاية غنم أهلنا فقلت لصاحبي: أبصر لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الفتيان. فقال: بلى فدخلت حتى إذا جئت أول دار من دور مكة سمعت عزفا وغرابيل ومزامير. قلت ما هذا؟ قيل: تزوج فلان فلانة. فجلست أنظر. وضرب اللَّه على أذني، فو اللَّه ما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت: فقلت: ما فعلت شيئاً ثم أخبرته بالذي رأيت. ثم قلت له ليلة أخرى: أبصر لي غنمي حتى أسمر بمكة. ففعل فدخلت فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة فجلست أنظر وضرب اللَّه على أذني فو اللَّه ما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت فقلت لا شيء ثم أخبرته بالذي رأيت فو اللَّه ما هممت ولا عدت بعدهما لشيء من ذلك حتى أكرمني اللَّه بنبوته. رواه ابن إسحاق وإسحاق بن راهويه والبزار وابن حبان. قال الحافظ: وإسناده حسن متصل. وعن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ
[الشعراء ٢١٤] نادى رسول اللَّه ﷺ في قريش بطنا بطنا فقال: «أرأيتم لو قلت لكم إن خيلا بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟» قالوا: نعم ما جربنا عليك كذبا قط [ (١) ] . رواه الشيخان. وعن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها قالت سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يعيب كل ما ذبح لغير اللَّه فما ذقت شيئاً ذبح على النصب حتى أكرمني اللَّه برسالته [ (٢) ] . رواه أبو نعيم. وعن علي رضي اللَّه تعالى عنه قال: قيل للنبي ﷺ: هل عبدت وثنا قط؟ قال: لا. قالوا: فهل شربت خمرا قط؟ قال: «لا وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان» . رواه أبو نعيم وابن عساكر. وعن أم أيمن رضي اللَّه تعالى عنها قالت: كان بوانة صنما تحضره قريش يوما في السنة فكان أبو طالب يحضره مع قومه وكان يكلم رسول اللَّه ﷺ إن يحضر ذلك معه فيأبى حتى رأيت أبا طالب غضب عليه ورأيت عماته غضبن عليه وقلن يا محمد ما تريد أن تحضر لقومك عيدا ولا تكثر لهم جمحا. فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب ما شاء اللَّه ثم رجع مرعوبا فزعا فقالت عماته: ما دهاك؟ قال: إني أخشى أن يكون بي لمم فقلن: ما كان اللَّه يبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك، فما الذي رأيت؟ قال: إني كلما دعوت من صنم منها تمثل لي رجل أبيض طويل يصيح بي: وراءك يا محمد لا تمسه قالت: فما عاد إلى عيد لهم. رواه ابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر. وعن جبير بن مطعم قال: لقد رأيت رسول اللَّه ﷺ في الجاهلية وهو يقف على بعير له بعرفات من بين قومه حتى يدفع معهم توفيقا من اللَّه تعالى له. وعن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها قالت: كانت قريش ومن دان دينها وهم الحمس يقفون عشية عرفة بالمزدلفة ويقولون: نحن قطن البيت. وكانت بقية الناس والعرب يقفون بعرفات فأنزل اللَّه ﷿: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ [البقرة ١٩٩] فتقدموا فوقفوا مع الناس. رواه الشيخان.
وكانت بقية الناس والعرب يقفون بعرفات فأنزل اللَّه ﷿: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ [البقرة ١٩٩] فتقدموا فوقفوا مع الناس. رواه الشيخان.
وروى يعقوب بن سفيان عن الزهري أن قريشا سمت رسول اللَّه ﷺ الأمين قبل أن ينزل عليه الوحي فطفقوا ألا ينحروا جزورا إلا التمسوه فيه فيدعو لهم فيها. وروى الشيخان من حديث عائشة في حديث بدء الوحي لما أتاه جبريل بالوحي قال لخديجة: لقد خشيت على نفسي وأخبرها الخبر. فقالت له: كلا أبشر فو اللَّه لا يخزيك اللَّه أبدا إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق.
تنبيهات الأول: ما ذكره ابن إسحاق من قصة تعريه ﷺ وأنه في صغره وأنه أمر بالستر قال السهيلي وتبعه ابن كثير وأبو الفتح والحافظ: إن صح حمل على أن هذا الأمر كان مرتين مرة في حال صغره ومرة في أول اكتهاله عند بنيان الكعبة. واستبعد ذلك مغلطاي في كتابيه «الزهر» و «دلائل النبوة» بأنه ﷺ إذا نهي عن شيء مرة لا يعود إليه ثانيا بوجه من الوجوه. وأيضاً في حديث العباس- أي الآتي في باب بناء البيت- أنه لأول ما نودي. وأما ما رواه ابن سعد وأبو نعيم وابن عساكر من طريق النضر بن عبد الرحمن عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال كان أبو طالب يعالج زمزم وكان النبي ﷺ ينقل الحجارة وهو غلام يأخذ إزاره ويتقي به الحجارة فغشي عليه، فلما أفاق سأله أبو طالب فقال: أتاني آت عليه ثياب بيض فقال لي: استتر فكان أول شيء رآه رسول اللَّه ﷺ من النبوة أن قيل له استتر وهو غلام. قال: فما رئيت عورته من يومئذ [ (١) ] . فقد قال الحافظ في الفتح: إن النضر ضعيف وقد خبط في إسناده وفي متنه فإنه جعل القصة في معالجة زمزم ولم يذكر العباس وقد قدمنا أن عكرمة والحكم بن أبان رويا القصة عن ابن عباس عن أبيه في قصة بناء البيت.
في إسناده وفي متنه فإنه جعل القصة في معالجة زمزم ولم يذكر العباس وقد قدمنا أن عكرمة والحكم بن أبان رويا القصة عن ابن عباس عن أبيه في قصة بناء البيت. الثاني: روى أبو يعلى وابن عدي والبيهقي وابن عساكر عن جابر بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما قال: كان رسول اللَّه ﷺ يشهد مع المشركين مشاهدهم فسمع ملكين خلفه وأحدهما يقول لصاحبه: اذهب بنا حتى نقوم خلف رسول اللَّه ﷺ فقال: كيف نقوم خلفه وإنما عهده باستلام الأصنام قبيل؟ فلم يعد بعد ذلك يشهد مع المشركين مشاهدهم. وقول الملكين: وإنما عهده باستلام الأصنام قال الطبراني والبيهقي: يعني أنه شهد مع من استلمها. والمراد بالمشاهد التي شهدها مشاهد الحلف ونحوها لا مشاهد استلام الأصنام.
وقال الحافظ في المطالب العالية: هذا الحديث أنكره الناس على عثمان بن أبي شيبة فبالغوا، والمنكر منه قوله عن الملك: «عهده باستلام الأصنام» فإن ظاهره أنه باشر الاستلام. وليس ذلك مرادا، بل المراد أنه شهد مباشرة المشركين استلام أصنامهم. انتهى. الثالث: في بيان غريب ما سبق. ملاحيا: مخاصما لأحد ولا سابّا له. أكثم: بثاء مثلثة. ركين: أي له أركان عالية، أراد بذلك شدة قومه وركن الشيء جانبه. قامطة [ (١) ] : أي جامعة. لايطة بمثناة تحتية مكسورة وطاء مهملة: أي لاصقة لازمة. ينعق بهم: بكسر العين المهملة أي يصيح. المرتع. بفتح الميم: مكان الخصب والسعة. مريع: أي كثير النماء والزيادة. ورد سريع: مجيء قريب. اخرورط [ (٢) ] . بخاء معجمة فراء فواو ساكنة فراء مهملة فطاء مهملة: أي مال إليه وتبعه. احرورف [ (٣) ] . عنه: بحاء فراء مفتوحة مهملتين فواو ساكنة فراء ففاء أي عدل عنه. أرداه: أهلكه. رأيتني، بضم التاء: أي رأيت نفسي. السمر: الحديث بالليل. غناء بكسر الغين المعجمة وبالمد: معروف. العزف قال في الصحاح: المعازف الملاهي والعازف اللاعب بها والمغني، وقد عزف عزفا. الغرابيل: جمع غربال والمراد به هنا الدف سمي بذلك لأنه يشبه الغربال في استدارته. سفح الجبل بالسين، وبالصاد أجواد، مضجعة. بوانة بضم الباء الموحدة وتفتح ثم واو مخففة وبعد الألف نون مفتوحة ثم باء تأنيث.



