سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

Kitab sirah Nabi Muhammad ﷺ karya الصالحي الشامي (w. 942 H).

Bagian 22 dari 173 5757 halaman

— Bagian 22 · لأنه يشبه الغربال في استدارته. —

Bagian 22

لأنه يشبه الغربال في استدارته. سفح الجبل بالسين، وبالصاد أجواد، مضجعة. بوانة بضم الباء الموحدة وتفتح ثم واو مخففة وبعد الألف نون مفتوحة ثم باء تأنيث. النصب: الأصنام التي كانوا يذبحون عليها الذبائح تقربا لها. الحمس [ (٤) ] . يقال حمس بالكسر فهو أحمس أي شديد صلب في الدين والقتال، ومنه حمس قريش ومن ولدت وكنانة وجديلة قيس. قطن البيت: أي سكانه جمع قاطن.

الباب العاشر في شهوده ﷺ حرب الفجار وكان في شوال. كما قاله الواقدي. وقيل في شعبان كما في الروض. لما بلغ رسول اللَّه ﷺ أربع عشرة أو خمس عشرة فيما قال ابن هشام، وقال ابن إسحاق: عشرين سنة كان قبل المبعث بعشرين سنة هاجت حرب الفجار بين قريش ومن معها من كنانة وبين قيس عيلان. وكان الذي هاجها أن عروة الرحال ابن عتبة أجار لطيمة للنعمان بن المنذر فقال البراض بن قيس أحد بني ضمرة: أتجيرها على كنانة؟ قال: نعم وعلى الخلق. فخرج فيها عروة الرحال وخرج البراض يطلب غفلته حتى إذا كان بتيمن ذي طلال بالعالية غفل عروة فوثب عليه البراض فقتله في الشهر الحرام، فلذلك سمي الفجار. فأتى آت قريشا فقال: إن البراض قد قتل عروة وهم في الشهر الحرام بعكاظ. فارتحلوا وهوازن لا تشعر، ثم بلغهم الخبر فاتبعوهم فأدركوهم قبل أن يدخلوا الحرم فاقتتلوا حتى جاء الليل ودخلوا الحرم فأمسكت عنهم هوازن ثم التقوا بعد هذا اليوم أياما، وكان لكنانة وقيس فيه ستة أيام مذكورة: شمظة ويوم العبلاء وهما عند عكاظ، ويوم الشرب وهو أعظمها يوما وفيه قيد أبو سفيان وأمية وحرب أبناء أمية أنفسهم كي لا يفروا فسموا العنابس. ويوم الحريرة عند نخلة انهزمت قريش إلا بني نصر منهم فإنهم ثبتوا وشهد رسول اللَّه ﷺ بعض أيامهم أخرجه أعمامه معهم. وروى ابن سعد إن رسول اللَّه ﷺ قال: قد حضرته- يعني: حرب الفجار- مع عمومتي ورميت فيه بأسهم وما أحب أني لم أكن فعلته وكنت أنبل على أعمامي [ (١) ] .

عهم. وروى ابن سعد إن رسول اللَّه ﷺ قال: قد حضرته- يعني: حرب الفجار- مع عمومتي ورميت فيه بأسهم وما أحب أني لم أكن فعلته وكنت أنبل على أعمامي [ (١) ] . وكان آخر أيام الفجار أن هوازن وكنانة تواعدوا للعام القابل بعكاظ فجاءوا للموعد، وكان حرب بن أمية رئيس قريش وكنانة، وكان عتبة بن ربيعة يتيما في حجره فضربه حرب وأشفق من خروجه معه فخرج عتبة بغير إذنه فلم يشعر إلا وهو على بعيره بين الصفين ينادي: يا معشر مضر علام تفانون؟ فقالت له هوازن: ما تدعو إليه؟ قال: الصلح على أن ندفع لكم دية قتلاكم وتعفوا عن دمائنا. قالوا: وكيف ذاك؟ قال: ندفع إليكم رهنا منا. قالوا: ومن لنا بهذا، قال أنا: قالوا، ومن أنت: قال: أنا عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. فرضوا ورضيت كنانة ودفعوا إلى هوازن أربعين رجلا فيهم حكيم بن حزام فلما رأت بنو عامر بن صعصعة الرهن في أيديهم عفوا عن الدماء وأطلقوهم وانقضت حرب الفجار. وكان يقال: لم يسد من قريش مملق يعني فقيرا غير عتبة وأبي طالب فإنهما سادا بغير مال.

تنبيه: ذكر السهيلي إن النبي ﷺ لم يقاتل في حرب الفجار. وقد تقدم عن ابن سعد أن رسول اللَّه ﷺ قاتل فيه.

فقيرا غير عتبة وأبي طالب فإنهما سادا بغير مال.

تنبيه: ذكر السهيلي إن النبي ﷺ لم يقاتل في حرب الفجار. وقد تقدم عن ابن سعد أن رسول اللَّه ﷺ قاتل فيه.

تفسير الغريب الفجار بكسر الفاء بمعنى المفاجرة، كالقتال بمعنى المقاتلة، وذلك أنه كان قتالهم في الشهر الحرام ففجروا فيه جميعا فسمي الفجار. وكانت للعرب فجارات أربع ذكرها المسعودي. عيلان: بفتح العين المهملة. الرحال: براء مفتوحة فحاء مهملة مشددة. البراض: بفتح الباء الموحدة والراء المشددة وآخره ضاد معجمة ساقطة. تيمن: بفتح المثناةُ الفوقية بعدها مثناة تحتية فميم فنون. يوم شمظة: بشين معجمة مفتوحة فميم ساكنة فظاء معجمة. يوم العبلاء: بعين مهملة مفتوحة فباء موحدة ساكنة فلام فألف ممدودة. يوم شرب: بشين معجمة فراء مفتوحتين فباء موحدة. الحريرة: بحاء مهملة تصغير حرة. الأربعة أسماء أماكن. العنابس [ (١) ] : بعين مهملة فنون مخففة فألف فباء موحدة مكسورة فسين مهملة جمع عنبس وهو الأسد. قال في الصحاح: العنابيس من قريش: أولاد أمية بن عبد شمس الأكبر وهم ستة حرب وأبو حرب وسفيان وأبو سفيان وعمرو وأبو عمرو، وسموا بالأسد والباقون يقال لهم الأعياص بعين مهملة فمثناة تحتية فصاد مهملة وهم أولاد أمية بن عبد شمس الأكبر وهم أربعة: العاص وأبو العاص والعيص وأبو العيص. نخلة بلفظ واحدة شجر النخل: موضع قريب من مكة. في حجره: بكسر الحاء وفتحها. ضن به: بضاد معجمة مفتوحة ساقطة فنون مشددة: بخل به. أشفق: خاف. يشعر: يعلم. تفانون: بمثناة فوقية حذف منه أخرى مأخوذ من الفناء. رهنا بضم الهاء والراء.

ضن به: بضاد معجمة مفتوحة ساقطة فنون مشددة: بخل به. أشفق: خاف. يشعر: يعلم. تفانون: بمثناة فوقية حذف منه أخرى مأخوذ من الفناء. رهنا بضم الهاء والراء.

الباب الحادي عشر في شهوده ﷺ حلف الفضول كان هذا الحلف في ذي القعدة قبل المبعث بعشرين سنة منصرف قريش من الفجار ولرسول اللَّه ﷺ يومئذ عشرون سنة. وكان أكرم حلف سمع به وأشرفه في العرب. وكان أول من تكلم به ودعا إليه الزبير بن عبد المطلب عم رسول اللَّه ﷺ. وكان سببه أن رجلا من زبيد قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاصي بن وائل السهمي وكان ذا قدر وشرف بمكة فحبس عنه حقه فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف عبد الدار ومخزوماً وجمحاً وسهماً فأبوا أن يعينوا الزبيدي على العاصي بن وائل وزبروه ونهروه فلما رأى الزبيدي الشر رقى على أبي قبيس عند طلوع الشمس وقريش في أنديتهم حول الكعبة فقال بأعلى صوته: يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنفر ومحرم أشعث لم يقض عمرته ... يا للرجال وبين الحجر والحجر إن الحرام لمن تمت مكارمه ... ولا حرام لثوب الفاجر الغدر [ (١) ] . فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب وقال ألهذا مترك؟ فاجتمعت هاشم وزهرة وتيم في دار عبد الله بن جدعان فصنع لهم طعاما فحالفوا في القعدة في شهر حرام قياما فتعاقدوا وتعاهدوا ليكونن يدا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدى إليه حقه ما بل بحر صوفة وما رسا حراء وثبير مكانهما، وعلى التآسي في المعاش. فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول. وقالوا: لقد دخل هؤلاء في فضول من الأمر. ثم مشوا إلى العاصي بن وائل. فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها إليه. وروى ابن إسحاق عن طلحة بن عبيد الله وابن سعد والبيهقي عن جبير بن مطعم رضي اللَّه تعالى عنهما قالا قال رسول اللَّه ﷺ: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو دعي به في الإسلام لأجبت» [ (٢) ] . وروى البيهقي عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه إن رسول اللَّه ﷺ قال: ما شهدت حلفا لقريش إلا حلف المطيبين شهدته مع عمومتي وما أحب أن لي به حمر النعم وأني كنت نقضته. قال بعض رواته: والمطيبون هاشم وزهرة ومخزوم.

قال البيهقي: كذا روى هذا التفسير مدرجا ولا أدري من قاله. وزعم بعض أهل السير أنه أراد حلف الفضول فإن النبي ﷺ لم يدرك حلف المطيّبين.

تفسير الغريب الحلف: بكسر الحاء المهملة وإسكان اللام وهو العهد والبيعة. الفضول: اختلفوا فيه فقيل سمي بذلك لأنه كان قد سبق قريشا فيما قاله ابن قتيبة إلى مثل هذا الحلف جرهم في الزمن الأول فتحالف منهم ثلاثة هم ومن تبعهم أحدهم: الفضل بن فضالة. والثاني: الفضل بن وداعة. والثالث: الفضل بن الحارث. هذا قول القتبي. وقال الزبير: الفضل بن شراعة والفضل بن قضاعة فلما أشبه حلف الآخر فعل هؤلاء الجرهميين سمي حلف الفضول، والفضول جمع فضل وهي أسماء أولئك الذين تقدم ذكرهم. قال السهيلي: وهذا الذي قاله ابن قتيبة حسن ولكن في الحديث ما هو أقوى منه. روى الحميدي عن سفيان عن عبد الله بن محمد وعبد الرحمن بن أبي بكر قالا: قال رسول اللَّه ﷺ: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا لو دعيت به في الإسلام لأجبت تحالفوا أن يردوا الفضول على أهلها ولا يعز ظالم على مظلوم» . قلت: الظاهر أن قوله: تحالفوا إلى آخره- مدرج من بعض رواته وليس بمرفوع، فلا دلالة حينئذ فيه. وقيل: إنما سمي حلف الفضول لأنهم أخرجوا فضول أموالهم للأضياف. منصرف: بفتح الراء. جدعان: بضم الجيم وإسكان الدال فعين مهملتين فألف فنون. ما بل بحر صوفة: يعني الأبد، أي ما قام في البحر ماء ولو قطرة. حمر النعم: بحاء مضمومة فميم ساكنة والنعم هنا: الإبل خاصة.

الدال فعين مهملتين فألف فنون. ما بل بحر صوفة: يعني الأبد، أي ما قام في البحر ماء ولو قطرة. حمر النعم: بحاء مضمومة فميم ساكنة والنعم هنا: الإبل خاصة.

الباب الثاني عشر في رعيته ﷺ الغنم عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «ما بعث اللَّه نبيا إلا راعي غنم» . فقال له أصحابه: وأنت يا رسول اللَّه؟ قال: «وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط [ (١) ] » . رواه ابن سعد والبخاري وابن ماجة. وعن جابر بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ نجني الكباث، فقال: عليكم بالأسود منه فإنه أطيبه فإني كنت أجنيه إذ كنت أرعى الغنم. قلنا: وكنت ترعى الغنم يا رسول اللَّه؟ قال: نعم. وما من نبي إلا وقد رعاها [ (٢) ] . رواه الإمام أحمد وابن سعد والشيخان. وروى أبو داود الطيالسي والبغوي وابن منده وأبو نعيم وابن عساكر عن بشر بن حرب البصري مرسلا، والإمام أحمد وعبد بن حميد عن أبي سعيد ﵁ قالا: افتخر أهل الإبل والشاء، فقال رسول اللَّه ﷺ: «بعث موسى وهو راعي غنم وبعث داود وهو راعي غنم، وبعثت وأنا راعي غنم لأهلي بأجياد [ (٣) ] » .

تنبيهات الأول: قال العلماء رضي اللَّه تعالى عنهم: الحكمة في إلهام رعي الغنم قبل النبوة: أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما سيكلفونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها ما يحصل الحلم والشفقة، لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة ألفوا من ذلك الصبر على الأمة وعرفوا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها، فجبروا كسيرها ورفقوا بضعيفها وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهلة لما تحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم، وخصت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر لإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها في العادة المألوفة ومع أكثرية تفرقها فهي أسرع انقيادا من غيرها. وفي ذكر النبي ﷺ لذلك بعد أن علم أن أكرم الخلق على اللَّه

ط الإبل والبقر بالربط دونها في العادة المألوفة ومع أكثرية تفرقها فهي أسرع انقيادا من غيرها. وفي ذكر النبي ﷺ لذلك بعد أن علم أن أكرم الخلق على اللَّه

تعالى ما كان عليه من عظيم التواضع لربه والتصريح بمنته عليه وعلى إخوانه من الأنبياء ﷺ وعليهم أجمعين. الثاني: في فتاوى الشيخ رحمه اللَّه تعالى نقلا عن الحنفية والمالكية والحنابلة ومقتضى مذهب الشافعي: أنه يعزر من قال: كان النبي ﷺ راعي غنم. إذا عير برعيها. الثالث: في بيان غريب ما سبق. رعيته بكسر الراء المراد: الهيئة. والغنم: منصوب مفعول المصدر وهو رعيته. على قراريط: قال الحافظ: على بمعنى الباء، وهي للسببية. وقيل إنها للظرفية كما سيتبين. وفي رواية ابن ماجة، عن سويد بن سعيد، والإسماعيلي عن حسان بن محمد كلاهما عن عمرو بن يحيى: كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط قال سويد بن سعيد: يعني كل شاة بقيراط. يعني القيراط الذي هو جزء من الدينار أو الدرهم. وقال الإمام أبو إسحاق الحربي: قراريط: اسم موضع بمكة ولم يرد القراريط من الفضة. وصوبه ابن الجوزي تبعا لابن ناصر وخطأ سويدا في تفسيره. قال الحافظ: لكن رجح الأول بأن أهل مكة لا يعرفون بها مكانا يقال له قراريط. وزعم بعضهم أن في قوله ﷺ في الرواية الأخرى: «وبعثت وأنا راعي غنم بأجياد» رد لتأويل سويد لأنه ما كان يرعى بالأجرة لأهله، فتعين أنه أراد المكان فعبر تارة بأجياد وتارة بقراريط. وليس الرد بجيد إذ لا مانع من الجمع بأن يرعى لأهله بغير أجرة ولغيرهم بأجرة. والمراد بقوله: «أهلي» أهل مكة فيتحد الخبران ويكون في أحد الحديثين بين الأجرة وفي الآخر بين المكان فلا تنافي في ذلك. وقال بعضهم: لم تكن العرب تعرف القراريط الذي هو من النقد، ولذلك جاء في الصحيح: «ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط» وليس الاستدلال لما ذكر من نفي المعرفة بواضح. انتهى كلام الحافظ. قلت: تأويل سعيد هو الذي فهمه الإمام البخاري وهو الأجرة، ولذا ذكره في الإجارة. الكباث [ (١) ]- بكاف فباء موحدة مفتوحتين فألف فثاء مثلثة: النضيج من ثمر الأراك. جياد: موضع بأسفل مكة معروف من شعابها، ذكره بغير همز البكري في معجمه.

الكباث [ (١) ]- بكاف فباء موحدة مفتوحتين فألف فثاء مثلثة: النضيج من ثمر الأراك. جياد: موضع بأسفل مكة معروف من شعابها، ذكره بغير همز البكري في معجمه. أجياد: بفتح أوله وإسكان ثانيه وبالمثناة التحتية والدال المهملة: كأنه جمع جيد، موضع من بطحاء مكة من منازل قريش، فإذن يقال له جياد وأجياد بالهمز وعدمه.

الباب الثالث عشر في سفره ﷺ مرة ثانية إلى الشام قال ابن إسحاق: وله من العمر خمس وعشرون سنة. زاد غيره: لأربع عشرة ليلة من ذي الحجة. وروى ابن سعد وابن السكن وأبو نعيم عن نفيسة بنت منية [ (١) ] قالت: لما بلغ رسول اللَّه ﷺ خمسا وعشرين سنة وليس له بمكة اسم إلا الأمين لما تكامل فيه من خصال الخير، قال له أبو طالب: يا ابن أخي أنا رجل لا مال لي وقد اشتد الزمان علينا وألحت علينا سنون منكرة وليست لنا مادة ولا تجارة، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام وخديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك في عيراتها فيتجرون لها في مالها ويصيبون منافع، فلو جئتها وعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك وفضلتك على غيرك، لما يبلغها عنك من طهارتك وإن كنت أكره أن تأتي الشام، وأخاف عليك من يهود، ولكن لا تجد من ذلك بدا. وكانت خديجة امرأة تاجرة ذات شرف ومال كثير وتجارة تبعث بها إلى الشام فيكون عيرها كعامة عير قريش، وكانت تستأجر الرجال وتدفع إليهم الأموال مضاربة، وكانت قريش قوما تجارا ومن لم يكن تاجرا من قريش فليس عندهم بشيء فقال له رسول اللَّه ﷺ: فلعلها ترسل إلي في ذلك. فقال أبو طالب: إني أخاف أن تولي غيرك فتطلب أمرا مدبرا. فافترقا. وبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له وقبل ذلك ما كان من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، فقالت: ما علمت أنه يريد هذا. ثم أرسلت إليه فقالت: إنه دعاني إلى البعث إليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلا من قومك. ففعل رسول اللَّه ﷺ. ثم لقي عمه أبا طالب فذكر له ذلك فقال: إن هذا لرزق ساقه اللَّه إليك. فخرج رسول اللَّه ﷺ مع غلامها ميسرة، وقالت خديجة لميسرة: لا تعص له أمرا ولا تخالف له رأيا. فخرج هو وميسرة وعليه غمامة تظله وجعل عمومته يوصون به أهل العير. فخرج حتى قدم الشام فنزلا في سوق بصرى في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب يقال له نسطورا. فاطلع الراهب إلى ميسرة- وكان يعرفه- فقال: يا ميسرة من هذا الذي نزل

رج حتى قدم الشام فنزلا في سوق بصرى في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب يقال له نسطورا. فاطلع الراهب إلى ميسرة- وكان يعرفه- فقال: يا ميسرة من هذا الذي نزل

تحت هذه الشجرة؟ فقال ميسرة: رجل من قريش. فقال الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي، أفي عينيه حمرة؟ قال ميسرة: نعم لا تفارقه. فقال الراهب: هو هو، وهو آخر الأنبياء، ويا ليت أني أدركه حيث يؤمر بالخروج. وعند أبي سعد النيسابوري في الشرف: فلما رأى الغمامة فزع وقال: ما أنتم؟ قال: ميسرة غلام خديجة، فدنا إلى النبي ﷺ سرا من ميسرة وقبل رأسه وقدميه وقال: آمنت بك وأنا أشهد أنك الذي ذكره اللَّه في التوراة. ثم قال: يا محمد قد عرفت فيك العلامات كلها خلا خصلة واحدة فأوضح لي عن كتفك. فأوضح له، فإذا هو بخاتم النبوة يتلألأ، فأقبل عليه يقبله ويقول: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أنك رسول اللَّه النبي الأمي الذي بشر بك عيسى ابن مريم فإنه قال: لا ينزل بعدي تحت هذه الشجرة إلا النبي الأمي الهاشمي العربي المكي صاحب الحوض والشفاعة وصاحب لواء الحمد. انتهى. فوعى ميسرة ذلك. ثم حضر رسول اللَّه ﷺ سوق بصرى فباع سلعته التي خرج بها واشترى، فكان بينه وبين رجل اختلاف في سلعة فقال الرجل: احلف باللات والعزى. فقال رسول اللَّه ﷺ: «ما حلفت بهما قط [ (١) ] . فقال الرجل: القول قولك. ثم قال الميسرة وخلا به: يا ميسرة هذا نبي هذه الأمة والذي نفسي بيده إنه لهو تجده أحبارنا منعوتا في كتبهم، فوعى ميسرة ذلك. ثم انصرف أهل العير جميعا، وكان ميسرة يرى رسول اللَّه ﷺ إذا كانت الهاجرة واشتد الحر، يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو على بعيره. وكان اللَّه تعالى قد ألقى على رسول اللَّه ﷺ المحبة من ميسرة، فكأنه عبد لرسول اللَّه ﷺ. وعند أبي سعد في «الشرف» أنهم باعوا متاعهم وربحوا ربحا لم يربحوا مثله قط، فقال ميسرة: يا محمد اتجرنا لخديجة أربعين سنة ما رأيت ربحا قط أكثر من هذا الربح على وجهك.

في «الشرف» أنهم باعوا متاعهم وربحوا ربحا لم يربحوا مثله قط، فقال ميسرة: يا محمد اتجرنا لخديجة أربعين سنة ما رأيت ربحا قط أكثر من هذا الربح على وجهك. فلما كانوا بمر الظهران قال ميسرة للنبي ﷺ: هل لك أن تسبقني إلى خديجة فتخبرها بالذي جرى لعلها تزيدك بكرة إلى بكرتيك. فركب النبي ﷺ قعودا أحمر فتقدم حتى دخل مكة في ساعة الظهيرة وخديجة في علية لها معها نساء فيهن نفيسة بنت منية فرأت رسول اللَّه ﷺ حين دخل وهو راكب على بعيره وملكان يظلان عليه فأرته نساءها فعجبن لذلك. ودخل عليها رسول اللَّه ﷺ فخبرها بما ربحوا فسرت بذلك وقالت: أين ميسرة؟ قال: خلفته في البادية. قالت: عجل إليه ليعجل بالإقبال. وإنما أرادت أن تعلم أهو الذي رأت

أم غيره. فركب رسول اللَّه ﷺ وصعدت خديجة تنظر فرأته على الحالة الأولى فاستيقنت أنه هو، فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت وأخبرها بقول الراهب نسطورا وبقول الآخر الذي خالفه في البيع. قال ابن إسحاق: فلما رأت خديجة أن تجارتها قد ربحت أضعفت له ما سمت. وكانت قد ذكرت لورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى وكان ابن عمها وكان نصرانيا قد تتبع الكتب وعلم من علم الناس، ما ذكر لها غلامها ميسرة من قول الراهب وما كان يرى منه إذ كان الملكان يظلانه، فقال ورقة: يا خديجة إن محمدا لنبي هذه الأمة وقد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي ينتظر، هذا زمانه. أو كما قال: وجعل ورقة يستبطئ الأمر وله في ذلك أشعار منها ما رواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق: أتبكر أم أنت العشية رائح ... وفي الصدر من إضمارك الحزن فادح لفرقة قوم لا أحب فراقهم ... كأنك عنهم بعد يومين نازح وأخبار صدق خبرت عن محمد ... يخبرها عنه إذا غاب ناصح فتاك الذي وجهت يا خير حرة ... بغور وبالنجدين حيث الصحاصح إلى سوق بصرى في الركاب التي غدت ... وهن من الأحمال قعص دوالح فخبرنا عن كل حبر بعلمه ... وللحق أبواب لهن مفاتح بأن ابن عبد الله أحمد مرسل ... إلى كل من ضمت عليه الأباطح وظني به أن سوف يبعث صادقا ... كما أرسل العبدان هود وصالح وموسى وإبراهيم حتى يرى له ... بهاء ومنشور من الذكر واضح ويتبعه حيا لؤي بن غالب ... شبابهم والأشيبون الجحاجح

يبعث صادقا ... كما أرسل العبدان هود وصالح وموسى وإبراهيم حتى يرى له ... بهاء ومنشور من الذكر واضح ويتبعه حيا لؤي بن غالب ... شبابهم والأشيبون الجحاجح فإن أبق حتى يدرك الناس أمره ... فإني به مستبشر الود فارح وإلا فإني يا خديجة فاعلمي ... عن أرضك في الأرض العريضة نازح [ (١) ] وقال أيضاً: لججت وكنت في الذكرى لجوجا ... لهم طالما بعث النّشيجا

ووصف من خديجة بعد وصف ... فقد طال انتظاري يا خديجا ببطن المكتين على رجائي ... حديثك أن أرى منه خروجا بما أخبرتنا من قول قس ... من الرهبان أكره أن يعوجا بأن محمدا سيسود قوما ... ويخصم من يكون له حجيجا ويظهر في البلاد ضياء نور ... يقيم به البرية أن تموجا فيلقى من يحاربه خسارا ... ويلقى من يسالمه فلوجا فيا ليتي إذا ما كان ذاكم ... شهدت فكنت أولهم ولوجا ولوجا في الذي كرهت قريش ... ولو عجت بمكتها عجيجا أرجي بالذي كرهوا جميعا ... إلى ذي العرش إن سفلوا عروجا وهل أمر السفاهة غير كفر ... بمن يختار من سمك البروجا فإن يبقوا وأبق تكن أمور ... يضج الكافرون لها ضجيجا وإن أهلك فكل فتى سيلقى ... من الأقدار متلفة خروجا

تنبيهات الأول: قول الراهب: «ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي» قال السهيلي: يريد ما نزل تحتها هذه الساعة قط إلا نبي. ولم يرد ما نزل تحتها قط إلا نبي لبعد العهد بالأنبياء قبل ذلك، وإن كان في لفظ الخبر قط فقد يتكلم بها على جهة التوكيد للنفي، والشجرة لا تعمر في العادة هذا العمر الطويل حتى يدرى أنه لم ينزل تحتها إلا عيسى أو غيره من الأنبياء، ويبعد في العادة أيضاً أن تكون شجرة تخلو من أن ينزل تحتها إلا عيسى أو غيره من الأنبيا، ويبعد في العادة أيضاً أن تكون شجرة تخلو من أن ينزل تحتها أحد حتى يجيء نبي، إلا أن تصح رواية من قال: لم ينزل تحتها أحد بعد عيسى ابن مريم. وهي رواية عن غير ابن إسحاق فالشجرة على هذا مخصوصة بهذه الآية. انتهى. وأقره في «الزهر» و «النور» . وتعقبه الإمام العلامة عز الدين بن جماعة بأنه مجرد استبعاد لا دلالة فيه على امتناع ولا إحالة، وبأنه استبعاد يضعفه معارضة ظاهر الخبر وكون متعلقات الأنبياء مظنة خرق العادة، فلا يكون حينئذ ذلك من طول البقاء وصرف غير الأنبياء عن النزل تحتها ببعيد، وذلك واضح فتفطن. قلت: ويؤيد ما ذكره الشيخ عز الدين ما سبق نقله عن أبي سعد، وما في أسباب النزول للإمام الواحدي أن أبا بكر رضي اللَّه تعالى عنه صحب النبي ﷺ في سفره إلى الشام فنزلوا منزلا فيه سدرة، فقعد النبي ﷺ في ظلها وذهب أبو بكر يسأل عن الدين، فقال له الراهب:

ن أبا بكر رضي اللَّه تعالى عنه صحب النبي ﷺ في سفره إلى الشام فنزلوا منزلا فيه سدرة، فقعد النبي ﷺ في ظلها وذهب أبو بكر يسأل عن الدين، فقال له الراهب:

الرجل الذي في ظل الشجرة من هو؟. قال: محمد بن عبد الله. ابن عبد المطلب. قال: هذا واللَّه نبي. ما استظل تحتها أحد بعد عيسى ابن مريم إلا محمد ابن عبد الله. وذكر العلماء بالنبات أن الزيتون قد تعمر الشجرة منه ثلاثة آلاف سنة وما يقارب ذلك واللَّه تعالى أعلم. الثاني: قال في «النور» لم أر لميسرة ذكرا في كتب الصحابة، والظاهر أنه توفى قبل البعثة ولو أدرك النبي ﷺ لأسلم واللَّه تعالى أعلم. قلت: وذكره الحافظ في الإصابة في القسم الأول وقال: لم أقف على رواية صحيحة بأنه بقي إلى البعثة فكتبته على الاحتمال. الثالث: في بيان غريب ما سبق. نفيسة: صحابية رضي اللَّه تعالى عنها. منية بميم مضمومة فنون ساكنة فمثناة تحتية فتاء تأنيث. ألحت علينا: أقبلت ودامت. مادة الشيء: ما يمده ويقويه. السنون: القحوط. عيراتها: جمع عير: الإبل التي تحمل الميرة. المضاربة: والمقارضة والقراض بمعنى واحد. سميت مضاربة لأن كل واحد منهما يضرب في الربح بسهم. وقيل غير ذلك. تجار- بكسر المثناة الفوقية وتخفيف الجيم ويجوز ضم التاء وتشديد الجيم، وهما لغتان: جمع تاجر. ويقال أيضاً: تجر كصاحب وصحب. والتجارة: تقليب المال وتصريفه لأجل النماء. المحاورة: المجاذبة، والتحاور: التجاذب. نسطورا- بنون مفتوحة فسين ساكنة فطاء مضمومة مهملتين. قال في النور: وألفه مقصورة كذا أحفظه. مر الظهران: بفتح الميم وتشديد الراء وظاء معجمة مشالة بلفظ تثنية الظهر: واد بين مكة والمدينة وتسميه العامة بطن مرو. في ساعة الظهيرة: هي شدة الحر نصف النهار، ولا يقال في الشتاء ظهيرة. والجمع ظهائر. إضمارك: إخفاؤك. الحزن: بفتح النون مفعول المصدر وهو إضمارك. فادح- بالفاء والدال والحاء المهملتين أي ثقيل وفي نسخة من الروض والعيون: بالقاف. قال في الصحاح: القادح

ؤك. الحزن: بفتح النون مفعول المصدر وهو إضمارك. فادح- بالفاء والدال والحاء المهملتين أي ثقيل وفي نسخة من الروض والعيون: بالقاف. قال في الصحاح: القادح

الصّدع في العود. نازح: بعيد. وأخبار: بفتح الهمزة وخفض الراء معطوف على فرقة وهو جمع خبر. خبرت: بفتح الخاء المعجمة مبنى للفاعل. فتاك: أي غلامك ميسرة. الغور: المطمئن من الأرض. النّجد: المرتفع منها. الصحاصح [ (١) ] : بصادين وحائين مهملات: جمع صحصح وهو المكان المستوي. الركاب: بكسر الراء المشددة: الإبل التي يسار عليها، الواحدة راحلة ولا واحد لها من لفظها، والجمع الركب مثل الكتب. دوالج: بالجيم جمع دالج: السائر أول الليل. الأباطح: جمع أبطح. مسيل: متسع فيه دقاق الحصى. كما أرسل: بالبناء للمفعول. البهاء: بالمد الحسن. الأشيبون: بشين معجمة فمثناة تحتية فموحدة جمع أشيب وهو المبيض الرأس. الجحاجح [ (٢) ]- بجيم فحاء مهملة فألف فجيم مهملة جمع جحجاج وهو السيد. النشيج- بنون مفتوحة فشين معجمة فمثناة تحتية فجيم: البكاء مع صوت. القس- بضم القاف- واحد القسيسين وهم عباد النصارى. وقوله ببطن المكتين: ثنّى مكة وهي واحدة لأن لها بطاحا وظواهر، على أن للعرب مذهبا في أشعارها في تثنية البقعة الواحدة، ومقصدهم في هذه الإشارة إلى جانبي كل بلدة والإشارة إلى أعلى البلد وأسفله فيجعلونها اثنتين على هذا المغزى. تموج: أي يضرب بعضها في بعض. الفلوج- بفاء فلام مضمومتين آخره جيم. الظهور على الخصم. عجت: ارتفعت أصواتها. العروج: الصعود والعلو. سمك: بفتحات: رفع. يضج- بمثناة تحتية فضاد معجمة فجيم: أي يصيح. متلفة: بميم مفتوحة فمثناة فوقية فلام ففاء مفتوحتين أي مهلكة. الخروج- بخاء معجمة مفتوحة: أي الكثيرة التصرّف.

الباب الرابع عشر في نكاحه ﷺ خديجة بنت خويلد ﵂ وأرضاها وسبب ذلك ما حدّثها به غلامها ميسرة وما رأته من الآيات وما ذكره ابن إسحاق في المبتدأ قال: كان لنساء قريش عيد يجتمعن فيه في المسجد فاجتمعن يوما فيه فجاءهن يهودي فقال: يا معشر نساء قريش إنه يوشك فيكن نبي فأيكن استطاعت أن تكون فراشا له فلتفعل. فحصبه النساء وقبحنه وأغلظن له. وأغضت خديجة على قوله ولم تعرض فيما عرض فيه النساء ووقر ذلك في نفسها. فلما أخبرها ميسرة بما رآه من الآيات وما رأته هي قالت: إن كان ما قاله اليهودي حقا ما ذلك إلا هذا. واختلفوا في سبب الخطبة. فعند أبي سعيد النيسابوري في «الشرف» أن خديجة رضي اللَّه تعالى عنها قالت للنبي ﷺ: اذهب إلى عمك فقل له: عجل إلينا بالغداة. فلما جاء قالت له: يا أبا طالب ادخل على عمرو عمي فكلمه يزوجني من ابن أخيك محمد بن عبد الله. فقال أبو طالب: يا خديجة لا تستهزئي. فقالت: هذا صنع اللَّه. فقام أبو طالب مع عشرة من قومه. فذكر الحديث. وعند الزهري في سيرته إن رسول اللَّه ﷺ دخل على خديجة ليتحدث عندها فلما قام من عندها جاءت امرأة فقالت: خاطبا يا محمد؟ فقال: كلا. فقالت: ولم؟ فواللَّه ما في قريش امرأة وإن كانت خديجة إلا تراك كفئا لها. فرجع رسول اللَّه ﷺ خاطبا لخديجة مستحييا منها. وعند يعقوب بن سفيان في تاريخه عن عمار قال: مررت أنا ورسول اللَّه ﷺ بأخت خديجة فنادتني فانصرفت إليها ووقف لي رسول اللَّه ﷺ فقالت: أما لصاحبك هذا من حاجة في تزويج خديجة؟ فقال عمار: فأخبرته. فقال: بلى لعمري. فذكرت لها، فقالت: اغدوا علينا إذا أصبحنا. فغدونا عليهم فوجدناهم قد ذبحوا بقرة وألبسوا خديجة حلة. وذكر الحديث. وعند ابن إسحاق في المبتدأ أنها قالت له: يا محمد ألا تتزوج؟ قال: ومن؟ قالت: أنا قال: ومن لي بك، أنت أيم قريش وأنا يتيم قريش. قالت: اخطبني. وذكر الحديث.

عند ابن إسحاق في المبتدأ أنها قالت له: يا محمد ألا تتزوج؟ قال: ومن؟ قالت: أنا قال: ومن لي بك، أنت أيم قريش وأنا يتيم قريش. قالت: اخطبني. وذكر الحديث. وعنده في السيرة: فلما استقر عندها ذلك، أي ما أخبرها به ميسرة وما رأته وكانت امرأة حازمة شريفة لبيبة مع ما أراد اللَّه تعالى بها من الكرامة والخير، وهي يومئذ أوسط قريش نسبا وأعظمهن شرفا وأكثرهن مالا، وكل قومها حريص على نكاحها لو يقدر عليه، وعرضت نفسها على النبي ﷺ فقالت له فيما يزعمون: إني رغبت فيك لقرابتك وسطتك في قومك وأمانتك وحسن خلقك. فلما قالت له ذلك ذكره لأعمامه. وذكر الحديث. وروى ابن سعد عن نفيسة بنت منية قالت: كانت خديجة بنت خويلد امرأة حازمة

جلدة شريفة مع ما أراد اللَّه بها من الكرامة والخير، وهي يومئذ أوسط قريش نسبا وأعظمهم شرفا وأكثرهم مالا وكل قومها كان حريصا على نكاحها لو قدر على ذلك قد طلبوها وبذلوا لها الأموال، فأرسلتني دسيسا إلى محمد بعد أن رجع في عيرها من الشام فقلت: يا محمد ما يمنعك أن تتزوج؟ فقال: ما بيدي ما أتزوج به. قلت: فإن كفيت ذلك ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟ قال: فمن هي؟ قلت: خديجة. قال: وكيف لي بذلك؟ قالت: قلت: علي. قال: فأنا أفعل. فذهبت فأخبرتها فذكرت الحديث. قالت: فأرسلت إليه أن ائت ساعة كذا وكذا. فحضر وأرسلت إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها. وعند ابن إسحاق إن رسول اللَّه ﷺ دخل مع عمه حمزة. وعند النيسابوري في الشرف أن أبا طالب خرج مع عشرة من قومه حتى دخلوا على عمها فخطبها فزوجه. فقال عمرو بن أسد: هذا الفحل لا يقدع أنفه. قال ابن هشام: أصدقها عشرين بكرة. قال البلاذري والدمياطي: اثنتي عشرة أوقية ونشا. قال المحب الطبري: ذهبا. وذكر أبو الحسين بن فارس وغيره رحمهم اللَّه تعالى أن أبا طالب خطب يومئذ فقال:

. قال البلاذري والدمياطي: اثنتي عشرة أوقية ونشا. قال المحب الطبري: ذهبا. وذكر أبو الحسين بن فارس وغيره رحمهم اللَّه تعالى أن أبا طالب خطب يومئذ فقال: الحمد للَّه الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضئ معد مضر، وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا وجعلنا حكام الناس ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به رجل به شرفا ونبلا وفضلا وعقلا وإن كان في المال قلا فإن المال ظل زائل وأمر حائل وعارية مسترجعة، وهو واللَّه بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل، وقد خطب إليكم رغبة في كريمتكم خديجة وقد بذل لها من الصداق حكمكم عاجله وآجله اثنتا عشرة أوقية ونشا. فقال عمرو بن أسد عمها: هو الفحل لا يقدع أنفه. وأنكحها منه. ويقال: إن ورقة هو الذي قاله. قال ابن إسحاق في المبتدأ: وكان تزويجه لها بعد مجيئه من الشام بشهرين وخمسة وعشرين يوما عقب صفر سنة ست وعشرين. قال الزهري: وقال راجز من أهل مكة في ذلك: لا تزهدي خديج في محمّد ... نجم يضيء كما أضاء الفرقد

تنبيهات الأول: ما تقدم من أن عمها هو الذي زوجها رسول اللَّه ﷺ ذكره أكثر علماء أهل السير. قال السهيلي: وهو الصحيح، لما رواه الطبري عن جبير بن مطعم وابن عباس وعائشة

كلهم قال: إن عمرو بن أسد هو الذي أنكح خديجة رسول اللَّه ﷺ، وإن خويلد كان قد هلك قبل الفجار. ورجحه الواقدي وغلط من قال بخلافه. وقال عمر بن أبي بكر المؤملي: المجتمع عليه أن عمها عمرو بن أسد هو الذي زوجها منه. وذكر الزهري في سيرته أن خويلدا أباها الذي زوجها منه وكان قد سكر من خمر، فألقت عليه خديجة حلة وضمخته بخلوق فلما صحا من سكره قال: ما هذه الحلة والطيب؟ فقيل: إنك أنكحت محمدا خديجة وقد ابتنى بها. فأنكر ذلك ثم رضيه وأمضاه. ووافقه ابن إسحاق على ذلك، وذكر ابن إسحاق في آخر كتابه أن عمرو بن خويلد أخاها هو الذي زوجها. فاللَّه أعلم. الثاني: اختلف في قدر عمر خديجة وعمر رسول اللَّه ﷺ حينئذ فقيل: كان عمره ﷺ خمسا وعشرين سنة. قال في «الغرر» وهو الصحيح الذي عليه الجهور. وقطع به أبو عمرو الحافظ عبد الغني المقدسي. وقيل: إحدى وعشرين سنة وقدمه في «الإشارة» . وقيل: تسعا وعشرين وقد راهق الثلاثين. قاله البرقي. وقيل ثلاثين وقيل سبعا وثلاثين. وقيل غير ذلك. قال في «الغرر» وهذه الأقوال الأربعة ضعيفة ليس لها حجة تقوم على ساق. وقيل: كان عمرها رضي اللَّه تعالى عنها أربعين سنة. وصححه في «الغرر» وقيل خمسا وأربعين وقيل ثلاثين وقيل ثمانية وعشرين. الثالث: ذكر الحافظ يعقوب بن سفيان في كتاب «ما روى أهل الكوفة مخالفا لأهل المدينة» أن عليا ضمن المهر وقال: هذا غلط. قال في «الزهر» قد وجدنا ما ينفي الغلط وهو ما ذكره ابن إسحاق في المتبدإ: أن عليا قال: أرسلني أبي أنه يضمن لكم المهر فزوجوه. قال: فهذا يبين لك معنى ما أشكل على يعقوب ويوضحه. وتعقبه الحافظ في الحاشية بأن عليا كان كما ولد أو لم يكن حينئذ ولد، على جميع الأقوال في مقدار عمره. وتعقب في «الغرر» كلام «الزهر» أيضاً بأن عليا لم يكن ولد كما سنذكر الخلاف في سنه حين أسلم. والصحيح أنه ثمانية وعند آخرين عشرة وعلى الأول يكون مولده سنة اثنتين وثلاثين من مولد النبي ﷺ وعلى الثاني يكون سنة ثلاثين. فيكون

خلاف في سنه حين أسلم. والصحيح أنه ثمانية وعند آخرين عشرة وعلى الأول يكون مولده سنة اثنتين وثلاثين من مولد النبي ﷺ وعلى الثاني يكون سنة ثلاثين. فيكون

تزوج النبي ﷺ قبل مولده بسبع سنين أو خمس. واللَّه تعالى أعلم. الرابع: في بيان غريب ما سبق. جلدة- بفتح الجيم وإسكان اللام وبالدال المهملة: الصلبة القوية. الحزم: ضبط الشخص أمره وأخذه بالثقة، وقد حزم الرجل بضم فهو حازم. السطة- بسين مكسورة وطاء مفتوحة مهملتين. قال السهيلي: هي من الوسط مصدر كالعدة والزنة، يعني من الوعد والوزن. والكلمة أصلها الواو، والهاء عوض عنها. والوسط من أوصاف المدح والتفضيل ولكن في مقامين: في ذكر النسب وفي ذكر الشهادة. أما النسب: فلأن أوسط القبيلة أعرقها وأولادها بالصميم وأبعدها عن الأطراف وأجدر أن لا تضاف إليه الدعوى، لأن الآباء والأمهات قد أحاطوا به من كل جانب فكان الوسط من أجل هذا مدحا في النسب لهذا السبب. وأما في الشهادة فنحو قوله تعالى: قالَ أَوْسَطُهُمْ [ن ٢٨] وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة ١٤٣] وكان هذا مدحا في الشهادة لأن غاية العدالة في الشاهد أن يكون وسطا كالميزان لا يميل مع أحد بل يصمم على الحق تصميما، لا يجذبه هوى ولا تميل به رغبة ولا رهبة من هاهنا ولا من هاهنا فكان وصفه بالوسط غاية في التزكية والتعديل وظن كثير من الناس أن معنى الوسط الأفضل على الإطلاق، وقالوا معنى الصلاة الوسطى الفضلى، وليس كذلك بل هو في جميع الأوصاف لا مدح ولا ذم كما يقتضي لفظ التوسط فإذا كان وسطا في السمن فهو بين الممخة أي السمينة والعجفاء. والوسط في الجمال بين الحسناء والشّوطاء إلى غير ذلك من الأوصاف لا يعطي مدحا ولا ذما. غير أنهم قد قالوا في المثل: أثقل من مغن وسط على الذم لأن المغني إن كان مجيدا جدا أمتع وأطرب وإن كان باردا جدا أضحك وألهى وذلك أيضاً مما يمتع. قال الجاحظ: وإنما الكرب الذي يجثم على القلوب ويأخذ بالأنفاس الغناء الفاتر الوسط الذي لا يمتع بصوت. ولا يضحك بلهو.

جدا أضحك وألهى وذلك أيضاً مما يمتع. قال الجاحظ: وإنما الكرب الذي يجثم على القلوب ويأخذ بالأنفاس الغناء الفاتر الوسط الذي لا يمتع بصوت. ولا يضحك بلهو. وإذا ثبت هذا فلا يجوز أن يقال في رسول اللَّه ﷺ هو أوسط الناس أي أفضلهم ولا يوصف بأنه وسط في العلم ولا في الجود ولا في غير ذلك إلا في النسب والشهادة. دسيسا: بفتح الدال وسينين مهملتين الأولى مكسورة بينهما مثناة تحتية ساكنة يقال دسست الشيء في الشيء إذا أخفيته فيه. والدسيس إخفاء المكر. الضئضئ [ (١) ] بكسر الضادين المعجمتين وبهمزتين الأولى ساكنة ويقال فيه ضئضيء

بوزن قنديل وضؤضؤ بوزن هدهد، وضؤضوء بوزن سرسور، ويقال أيضاً بصادين وسينين مهملتين، وهو في الجميع: الأصل والمعدن. العنصر: بعين مهملة مضمومة فنون ساكنة وصاد مهملة مضمومة وقد تفتح: الأصل. الفحل: بفاء فحاء مهملة: معروف. لا يقدع: بمثناة تحتية مضمومة فقاف ساكنة فدال مفتوحة فعين مهملتين قال في الصحاح: قدعت فرسي أقدعه قدعا: كبحته وكففته، فهو فرس قدوع أي يحتاج إلى القدع ليكف بعض جريه. وهذا فحل لا يقدع أي لا يضرب أنفه، وذلك إذا كان كريما. وفي النهاية: يقال: قدعت الفحل وهو أن يكون غير كريم فإذا أراد ركوب الناقة الكريمة ضرب أنفه بالرمح أو غيره يرتدع وينكف. ويروى بالراء. التضمخ: التلطخ. الخلوق: بفتح المعجمة طيب يخلط بزعفران. النش: بنون مفتوحة فشين معجمة: نصف أوقية، والأوقية أربعون درهما، فيكون جملة الصداق خمسمائة درهم شرعي.

الباب الخامس عشر في بنيان قريش الكعبة وكان بناؤهم لها لأمور: الأول: توهينها من الحريق الذي أصابها، وذلك أن امرأة جمرت الكعبة فطارت شرارة من مجمرها في ثياب الكعبة فاحترقت. الثاني: أن السيل دخلها وصدع جدرانها بعد توهينها. الثالث: أن نفرا سرقوا حلي الكعبة وغزالين من ذهب. وقيل غزال واحد مرصع بدر وجوهر وكان في بئر في جوف الكعبة، وكان الذي وجد عنده دويك مولى لبني مليح بن عمرو من خزاعة فقطعت قريش يده. وتزعم قريش أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك. فأرادوا أن يشدوا بنيانها وأن يرفعوا بابها حتى لا يدخلها إلا من شاءوا، وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم اسمه باقوم- بباء موحدة فقاف مضمومة- وكان بانيا فتحطمت، فخرج الوليد بن المغيرة في نفر من قريش إلى السفينة فابتاعوا خشبها وكلموا الرومي باقوم فقدم معهم فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيف الكعبة. قال الأموي: كانت هذه السفينة لقيصر ملك الروم تحمل له آلات البناء من الرخام والخشب والحديد، سرحها قيصر مع باقوم إلى الكنيسة التي أحرقها الفرس بالحبشة، فلما بلغت مرساها من جدة بعث اللَّه تعالى عليها ريحا فحطمتها. قال ابن إسحاق: وكان بمكة رجل قبطي نجار، فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها، وكانت حية عظيمة تخرج من بئر الكعبة التي كان يطرح فيها ما يهدى لها فتشرق على جدار الكعبة، وكانت مما يهابون ذلك أنه لا يدنو منها أحد إلا اخزألت وكشت وفتحت فاها فكانوا يهابونها. وحكى السهيلي عن رزين أن سارقا دخل الكعبة في أيام جرهم ليسرق كنزها فانهار البئر عليه حتى جاءوا فأخرجوه وأخذوا ما كان أخذه. ثم سكنت البئر حية كرأس الجدي وبطنها أبيض وظهرها أسود. فأقامت فيه خمسمائة سنة، وهي التي ذكرها ابن إسحاق. قال ابن عقبة: وزعموا أنها إذا أحاطت بالبيت كان رأسها عند ذنبها. فبينا هي ذات يوم تشرق على جدار الكعبة كما كانت تصنع بعث اللَّه تعالى طائرا فاختطفها فذهب بها فقالت قريش عند ذلك: إنا لنرجو أن يكون اللَّه تعالى قد رضي ما أردنا، عندنا عامل رفيق وعندنا خشب، وقد كفانا اللَّه تعالى الحية. فلما أجمعوا أمرهم في أمرها وبنيانها قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ. قال ابن إسحاق:

ي ما أردنا، عندنا عامل رفيق وعندنا خشب، وقد كفانا اللَّه تعالى الحية. فلما أجمعوا أمرهم في أمرها وبنيانها قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ. قال ابن إسحاق: ابن عبد بن عمران. وقال ابن هشام: عائذ بن عمران ثم اتفقا فقالا: ابن مخزوم. وهو خال أبي

رسول اللَّه ﷺ وكان شريفا فتناول حجرا من الكعبة فوثب من يده حتى رجع إلى مكانه فقال: يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا لا يدخل فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس. وبعض الناس ينحل هذا الكلام إلى الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. ثم إن قريشا تجزأت الكعبة فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة. وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم. وكان ظهر الكعبة لبني جمح وبني سهم، وكان شق الحجر لبني عبد الدار بن قصي، ولبني أسد بن عبد العزى بن قصي ولبني عدي بن كعب، وهو الحطيم. فأمروا بالحجارة تجمع وكان رسول اللَّه ﷺ ينقل معهم. روى الشيخان عن جابر بن عبد الله رضي اللَّه تعالى عنهما قال: لما بنيت الكعبة ذهب رسول اللَّه ﷺ والعباس ينقلان الحجارة فقال العباس للنبي ﷺ: اجعل إزارك على رقبتك يقيك الحجارة. ففعل وكان ذلك قبل أن يبعث فخر إلى الأرض فطمحت عيناه إلى السماء فقال: إزاري. فشده عليه. وفي رواية: فسقط مغشيا عليه فما رئي بعد عريانا [ (١) ] .

حجارة. ففعل وكان ذلك قبل أن يبعث فخر إلى الأرض فطمحت عيناه إلى السماء فقال: إزاري. فشده عليه. وفي رواية: فسقط مغشيا عليه فما رئي بعد عريانا [ (١) ] . وروى عبد الرزاق والطبراني والحاكم عن أبي الطفيل رضي اللَّه تعالى عنه قال: كانت الكعبة في الجاهلية مبنية بالرضم ليس فيها مدر، وكانت قدر ما تقتحمها العناق، وكانت ثيابها توضع عليها تسدل سدلا، وكانت ذات ركنين كهيئة هذه الحلقة فأقبلت سفينة من الروم حتى إذا كانوا قريبا من جدة انكسرت فخرجت قريش لتأخذ خشبها فوجدوا الرومي الذي فيها نجارا، فقدموا به وبالخشب ليبنوا به البيت فكانوا كلما أرادوا القرب منه لهدمه بدت لهم حية فاتحة فاها، فبعث اللَّه تعالى طيرا أعظم من النسر فغرز مخالبه فيها فألقاها نحو أجياد، فهدمت قريش الكعبة وبنوها بحجارة الوادي فرفعوها في السماء عشرين ذراعا، فبينا النبي ﷺ يحمل الحجارة من أجياد وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة فذهب يضعها على عاتقه فبدت عورته من صغرها فنودي: يا محمد خمر عورتك. فلم ير عريانا بعد ذلك. قال ابن إسحاق: ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه. فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها. فأخذ المعول ثم قام عليها وهو يقول: اللهم لم ترع. ويقال لم نرع، اللهم لا نريد إلا الخير. ثم هدم من ناحية الركنين، فتربص الناس تلك الليلة وقالوا: ننتظر فإن أصيب لم نهدم منها شيئاً ورددناها كما كانت، وإن لم يصبه شيء هدمنا فقد رضي اللَّه تعالى ما صنعنا. فأصبح الوليد من ليلته غاديا إلى عمله فهدم وهدم الناس حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى

الأساس أساس إبراهيم ﷺ أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنمة آخذ بعضها ببعض، فأدخل رجل ممن كان يهدم عتلته بين حجرين منها ليقلع بها بعضها فلما تحرك الحجر تنقضت مكة بأسرها وأبصر القوم برقة خرجت من تحت الحجر كادت تخطف بصر الرجل فانتهوا عن ذلك الأساس. ووجدت قريش في الركن كتابا بالسريانية فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من يهود فإذا هو: أنا اللَّه ذو بكّة، خلقتها يوم خلقت السموات والأرض وصورت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا يزول أخشباها يبارك لأهلها في الماء واللبن. ووجدوا في المقام كتابا فيه: مكة اللَّه الحرام يأتيها من ثلاثة سبل، لا يحلها أول من أهلها. ووجدوا آخر مكتوب فيه: من يزرع خيرا يحصد غبطة ومن يزرع شرا يحصد ندامة تعملون السيئات وتجزون الحسنات أجل كما يجتنى من الشوك العنب. ثم بنوها حتى بلغ البنيان موضع الركن فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحاوزوا وتحالفوا وأعدوا للقتال، فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فسموا لعقة الدم. فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا ثم إنهم اجتمعوا في المسجد، فتشاوروا وتناصفوا، فزعم بعض أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وكان عامئذ أسن قريش كلها قال: يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم. فكان أول داخل رسول اللَّه ﷺ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين. رضينا، هذا محمد. فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال ﷺ: هلم إلي ثوبا. فأتي به فأخذ الركن فوضعه فيه بيده ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا. ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده ﷺ. وكانت قريش تسمي رسول اللَّه ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحي الأمين. قال في «الزهر» و «الإشارة» : وكان ذلك في يوم الاثنين.

إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده ﷺ. وكانت قريش تسمي رسول اللَّه ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحي الأمين. قال في «الزهر» و «الإشارة» : وكان ذلك في يوم الاثنين. وروى يعقوب بن سفيان عن ابن شهاب أن قريشا لما بنوا الكعبة فبلغوا موضع الركن اختصمت في الركن أي القبائل تلي رفعه فقالوا: نحكم أول من يطلع علينا. فطلع عليهم رسول اللَّه ﷺ وهو غلام فحكموه فأمر بالركن فوضع في ثوب ثم أخرج سيد كل قبيلة فأعطاه ناحية من الثوب ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن فوضعه هو، ثم طفق لا يزداد على السن إلا رضا حتى دعوه الأمين قبل أن ينزل عليه الوحي، فطفقوا لا ينحرون جزورا إلا التمسوه فيدعو لهم فيها.

وروى ابن سعد وأبو نعيم عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما، قال: لما وضع رسول اللَّه ﷺ الركن ذهب رجل من أهل نجد ليناول النبي ﷺ حجرا يشد به الركن فقال العباس: لا. وناول العباس رسول اللَّه ﷺ حجرا فشد به الركن فغضب النجدي وقال: وا عجبا لقوم أهل شرف وعقول وأموال عمدوا إلى رجل أصغرهم سنا وأقلهم مالا فرأسوه عليهم في مكرمتهم وحرزهم كأنهم خدم له! أما واللَّه ليفرقنهم شيعا وليقسمن بينهم حظوظا وجدودا. فيقال إنه إبليس- زاد غيره: فكاد يثير شرا فيما بينهم ثم سكنوا. وقال هبيرة بن أبي وهب المخزومي حين جعلت قريش رسول اللَّه ﷺ حكما: تشاجرت الأحياء في فصل خطة ... جرت طيرهم بالنحس من بعد أسعد تلاقوا لها بالبغض بعد مودة ... وأوقد نارا بينهم شر موقد فلما رأينا الأمر قد جد جده ... ولم يبق شيء غير سل المهند رضينا وقلنا العدل أول طالع ... يجيء من البطحاء عن غير موعد فلم يفجنا إلا الأمين محمد ... فقلنا رضينا بالأمين محمد بخير قريش كلها أمر ديمة ... وفي اليوم مع ما يحدث اللَّه في الغد فجاء بأمر لم ير الناس مثله ... أعم وأرضى في العواقب والبدي أخذنا بأكناف الرداء وكلنا ... له حصة من رفعه قبضة اليد فقال ارفعوا حتى إذا ما علت به ... أكف إليه فسر في خير مسند وكان رضينا ذاك عنه بعينه ... وأعظم به من رأى هاد ومهتد لتلك يد منه علينا عظيمة ... يروح بها ركب العراق ويغتدي

ما علت به ... أكف إليه فسر في خير مسند وكان رضينا ذاك عنه بعينه ... وأعظم به من رأى هاد ومهتد لتلك يد منه علينا عظيمة ... يروح بها ركب العراق ويغتدي ولما بنت قريش الكعبة جعلت ارتفاعها من خارجها من أعلاها إلى الأرض ثمانية عشر ذراعا، منها تسعة أذرع زائدة على طولها حين عمرها الخليل ﷺ واقتصروا من عرضها أذرعا جعلتها في الحجر لقصر النفقة الحلال التي أعدوها لعمارة الكعبة عن إدخال ذلك فيها، ورفعوا بابها ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، وجعلوا في داخلها ست دعائم في صفين، ثلاث في كل صف من الشق الذي يلي الحجر إلى الشق اليماني وجعلوا في ركنها الشامي من داخلها درجة يصعد منها إلى سطحها وجعلوه مسطحا وجعلوا فيه ميزابا يصب في الحجر.

تنبيهات الأول: اختلف في سن رسول اللَّه ﷺ حينئذ.

فقيل: كان ابن خمس وثلاثين. وقدمه في «الإشارة» . وحكى الأزرقي قولا أن النبي ﷺ لما بنيت الكعبة كان غلاما. قال الحافظ: ولعل عمدته ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: لما بلغ رسول اللَّه ﷺ الحلم أجمرت امرأة الكعبة شرارة من مجمرها في ثياب الكعبة فاحترقت فذكر القصة. وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن مجاهد أن ذلك قبل المبعث بخمس عشرة سنة وكذا رواه ابن عبد البر من طريق محمد بن جبير وبه جزم موسى بن عقبة في مغازيه. والذي جزم به ابن إسحاق أن بنيان قريش كان قبل المبعث بخمس سنين. قال الحافظ: وهو أشهر قال: ويمكن الجمع بينهما بأن يكون الحريق تقدم وقته على الشروع في البناء. وقيل: ابن خمس وعشرين، وغلط قائله. الثاني: في بيان غريب ما سبق. تجمرها [ (١) ] : بضم المثناة الفوقية وإسكان الجيم وكسر الميم يقال أجمر وجمر لغتان، أي تبخرها. شرارة: واحدة الشرار وهو ما يتطاير من النار. وكذا واحدة الشرر: شررة. المجمرة: بفتح الميم الأولى. دويك: تصغير ديك. مليح: بضم الميم وفتح اللام وبالحاء المهملة. باقوم بباء موحدة فقاف فواو. العتلة: الهرواة الغليظة. تنقضت: بمثناة فوقية فنون مفتوحتين فقاف فضاد معجمة. ساقطة: أي اهتزت. مرسى السفينة: مكان وقوفها بالبر. الرضم: الحجارة يجعل بعضها على بعض. تشرق: بمثناة فوقية فشين معجمة فراء مفتوحات فقاف، أي تبرز للشمس. اخزألت [ (٢) ] بخاء معجمة فزاي فهمزة مفتوحة فلام مشددة فتاء تأنيث أي رفعت ذنبها والمخزئل: المرتفع. كشت [ (٣) ] : صوتت. ويقال: الكشيش صوت جلدها. البغيّ: الفاجرة.

] بخاء معجمة فزاي فهمزة مفتوحة فلام مشددة فتاء تأنيث أي رفعت ذنبها والمخزئل: المرتفع. كشت [ (٣) ] : صوتت. ويقال: الكشيش صوت جلدها. البغيّ: الفاجرة.

الشق: هنا- بكسر الشين المعجمة الناحية والجانب. وأصل شق الشيء: نصفه يقال: هذا شق الشيء وشقته، بمعنى. الحطيم: سمي بذلك لأن الناس يزدحمون فيه حتى يحطم بعضهم بعضا. وقيل لأن الثياب كانت تجرد فيه عند الطواف. فرقوا: خافوا. تحاوزوا: بمثناة فوقية فحاء مهملة فألف فواو فزاي: أي انحازت كل قبيلة إلى جهة. هلم: كلمة سمي بها فعل. وفيها لغتان فلغة أهل الحجاز لا يثنونها ولا يجمعونها ولا يؤنثونها ولغة غيرهم ضد ذلك. ومعناها: أقبل. تجزأت: اقتسمت. لم ترع: بمثناة فوقية فراء مفتوحة: أي لم تفزع، أي الكعبة. فأضمرها لتقدم ذكرها. ويروى: لم نزغ بفتح النون وكسر الزاي وبالغين المعجمة أي لم نمل عن دينك ولا خرجنا عنه، يقال زاغ عن كذا إذا خرج عنه. الأسنمة: جمع سنام، وهو أعلى الظهر. وأراد: أن الحجارة دخل بعضها في بعض كما تدخل عظام السنام بعضها في بعض، فشبهها بها. ومن رواه: كالأسنة جمع سنان: الرمح، شبهها بالأسنة في الخضرة. حففتها: بحاء مهملة ففاءين ثانيهما ساكنة فتاء التكلم أحاطت الملائكة بها. أخشبا مكة: جبلاها: أبو قبيس وقعيقعان. السبل: جمع سبيل الطريق. الغبطة: تمني حصول مثل الخير الذي فيه غيرك. أجل: كنعم وزنا ومعنى. الجفنة: كالقصعة، والجمع جفان بالكسر وجفنات بالتحريك. موضع الركن: أي الحجر الأسود، سمي ركنا لأنه مبني في الركن. الأحياء: جمع حي. خطة: بالضم الأمر والقصة. طيرهم: حظهم وبختهم. موقد: بكسر القاف.

جماع أبواب مبعثه ﷺ

ن: أي الحجر الأسود، سمي ركنا لأنه مبني في الركن. الأحياء: جمع حي. خطة: بالضم الأمر والقصة. طيرهم: حظهم وبختهم. موقد: بكسر القاف.

جماع أبواب مبعثه ﷺ

الباب الأول في بدء عبادة الأصنام والإشراك بالله تعالى كان الناس قبل المبعث من زمن نوح ﷺ إلى زمن المبعث عباد أصنام إلا من استجاب للرسل منهم وهذه الضلالة اشترك فيها العرب والعجم، وعبد كثير من العجم النار وهم المجوس فاتخذوا بيوت نيران لا تزال تقد أبدا، وكانت إلى هذه النيران صلاتهم وقرا بينهم ويعتقدون فيها النفع والضر. وعلى هذه الضلالة كانت ملوك الأكاسرة. وعبدت طائفة منهم كواكب معلومة، وترى هذه الطوائف أن سائر ما في العالم السفلي المعبر عنه بالحياة الدنيا ناشئ وصادر عن الكواكب وأن الشمس هي المفيضة على الكل، واتخذت هذه الطائفة التماثيل من الجواهر والمعادن على أسماء الكواكب وعبدتها وصلت إليها وقربت لها القرابين واعتقدت أنها تجلب النفع وتدفع الضرر ويقال لهذه الطائفة الصابئة. وقد بسط أبو جعفر ابن جرير والمسعودي وغيرهما الكلام على ذلك ومبدئه ولا حاجة بنا إلى ذكره. وأما العرب، إلا القليل منهم، فإنهم اتخذوا الأصنام وعبدوها من دون اللَّه تعالى ويقال. لهم: «الذين أشركوا» سمة لهم واسما لزمهم وإن كان غيرهم ممن تقدم شاركهم في عبادة غير اللَّه تعالى فإن هذا الاسم لا يطلق إلا على العرب. وأول ما حدثت عبادة الأصنام في قوم نوح ﷺ، فأرسله اللَّه تعالى إليهم ينهاهم عن ذلك فمكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما كما قص اللَّه خبره في عدة آيات واستمرت هذه الضلالة في زمن إبراهيم ﷺ وقد قص اللَّه تعالى نبأه مع قومه في عدة آيات. واستمر هذا الأمر الشنيع إلى أن بعث اللَّه ﷾ فضلا منه ورحمة، عبده ورسوله محمدا ﷺ فدعا إلى عبادة اللَّه تعالى وحده فأنكر المشركون ذلك كما حكاه اللَّه تعالى عنهم في غير ما آية. والسبب في عبادة الناس الأصنام ما رواه الفاكهي عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: أول ما حدثت الأصنام على عهد نوح، وكانت الأبناء تبر الآباء، فمات رجل منهم فجزع عليه ابنه فجعل لا يصبر عنه فاتخذ مثالا على صورته فكلما اشتاق إليه نظره، فمات ففعل به كما

فعل حتى تتابعوا على ذلك فمات الآباء فقال الأبناء ما اتخذ هذه آباؤنا إلا أنها كانت آلهتهم. فعبدوها. وروى عبد بن حميد عن محمد بن كعب القرظى في قوله تعالى وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً [نوح ٢٣] قال: كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح فنشأ قوم بعدهم يأخذون في العبادة فقال لهم إبليس: لو صوّرتهم صورهم فكنتم تنظرون إليهم. فصوروا ثم ماتوا فنشأ قوم بعدهم فقال إبليس: إن الذين كانوا من قبلكم كانوا يعبدونها فعبدوها. وروى أبو الشيخ في العظمة عن محمد بن كعب القرظي قال كان لآدم خمسة بنين ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا، فكانوا عبادا، فمات رجل منهم فحزنوا عليه حزنا شديدا فجاءهم الشيطان فقال: حزنتم على صاحبكم هذا؟ قالوا نعم. قال: هل لكم أن أصور لكم مثله في قبلتكم إذا نظرتم إليه ذكرتموه؟ قالوا: نكره أن تجعل لنا في قبلتنا شيئاً نصلي إليه. قال فأجعله في مؤخر المسجد؟ قالوا: نعم. فصوره لهم حتى مات خمستهم فصور صورهم في مؤخر المسجد، فتنقضت الأشياء حتى تركوا عبادة اللَّه تعالى وعبدوا هؤلاء، فبعث اللَّه تعالى نوحا فقالوا «لا تذرن آلهتكم» إلى آخر الآية. وروى عبد بن حميد عن أبي جعفر بن يزيد بن المهلب قال: كان ود رجلا مسلما وكان محببا في قومه فلما مات عسكروا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان ثم قال: أرى جزعكم على هذا فهل لكم أن أصور مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه به؟ قالوا: نعم فصوّر لهم مثله فوضعوه في ناديهم وجعلوا يذكرونه فلما رأى ما بهم من ذكره قال: هل لكم أن أجعل في منزل كل رجل منكم تمثالا فيكون في بيته فيذكر به؟ قالوا: نعم. فمثل لكل أهل بيت تمثالا مثله فجعلوا يذكرونه به وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به وتناسلوا ودرس أمر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلها يعبدونه من دون اللَّه تعالى فكان أول من عبد من دون اللَّه ود، الصنم الذي سموا بود.

لوا يرون ما يصنعون به وتناسلوا ودرس أمر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلها يعبدونه من دون اللَّه تعالى فكان أول من عبد من دون اللَّه ود، الصنم الذي سموا بود. وروى البخاري وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما قال: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح تعبد، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي كلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم. ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت فلما كان أيام الطوفان دفنها الطين والتراب والماء فلم تزل مدفونة حتى أخرجها الشيطان إلى مشركي العرب.

وكان أول من حمل العرب على عبادة الأصنام عمرو بن لحي- بضم اللام وفتح الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية- ابن قمعة- بفتح القاف والميم وتخفيفها- وقيل غير ذلك، ابن خندف- بكسر الخاء المعجمة والدال المهملة ويجوز كسر الخاء وفتح الدال وآخرها فاء. روى ابن إسحاق عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول لأكثم بن الجون الخزاعي: «يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبة في النار، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا بك منه» فقال أكثم: عسى أن يضرني شبهه يا نبي اللَّه؟ قال: «لا إنك مؤمن وهو كافر، إنه كان أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان» الحديث ويأتي [ (١) ] . قال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره فلما قدم مآب من أرض البلقاء وبها يومئذ العماليق وهم ولد عملاق ويقال عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح، رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا. فقال لهم: أفلا تعطوني منها صنما فأسير به إلى العرب فيعبدونه. فأعطوه منها صنما يقال له هبل، فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه.

رها فتنصرنا. فقال لهم: أفلا تعطوني منها صنما فأسير به إلى العرب فيعبدونه. فأعطوه منها صنما يقال له هبل، فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه. وروى الفاكهي عن هشام بن السائب قال: كان لعمرو بن ربيعة رئي من الجن فأتاه فذكر له شعرا يأمره فيه بإخراج الأصنام من ساحل جدة فأتى عمرو ساحل جدة فوجد بها ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا وهي الأصنام التي عبدت زمن نوح وإدريس ثم إن الطوفان طرحها هناك، فسقى عليها الرمل، فاستخرجها عمرو وخرج بها إلى تهامة وحضر الموسم فدعا إلى عبادتها فأجيب. وقال ابن إسحاق: ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل: أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم حين ضاقت عليهم والتمسوا والفسح في البلاد إلا حمل معه حجرا من حجارة الحرم تعظيما للحرم فحيثما نزلوا وضعوه فطافوا به كطوافهم بالكعبة، حتى سلخ ذلك منهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة وأعجبهم حتى خلفت الخلوف ونسوا ما كانوا عليه واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل صلى اللَّه عليهما وسلم غيره فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالات وفيهم على ذلك بقايا من

عهد إبراهيم يتمسكون بها من تعظيم البيت والطواف به والوقوف على عرفة والمزدلفة وهدي البدن والإهلال بالحج والعمرة مع إدخالهم فيه ما ليس منه، فكانت كنانة وقريش إذا أهلوا قالوا: لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. فيوحدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده. يقول اللَّه تبارك لنبيه محمد ﷺ: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف ١٠٦] أي ما يوحدونني بمعرفة حقي إلا جعلوا معي شريكا من خلقي. قال ابن إسحاق: وكان لقوم نوح أصنام قد عكفوا عليها، فكان الذين اتخذوا تلك الأصنام من ولد إسماعيل أو غيرهم وسموها بأسمائها حين فارقوا دين إسماعيل، فاتخذ هذيل بن مدركة سواعا، وكان لهم برهاط، واتخذ كلب بن وبرة من قضاعة ودا بدومة الجندل، واتخذ كلب بن وبرة بن ثعلبة بن حلوان بن عمران وأهل جرش من مذحج اتخذوا يغوث. واتخذ خيوان، بطن من همدان، يعوق بأرض همدان من اليمن. واتخذ ذو الكلاع من حمير نسرا بأرض حمير، واتخذ الأديم، بطن من خولان، صنما يقال له عم أنس يقسمون له من أنعامهم وحروثهم قسما بينه وبين اللَّه تعالى بزعمهم، فما دخل في حق عم أنس من حق اللَّه تعالى الذي سموه له تركوه له، وما دخل في حق اللَّه تعالى من حق عم أنس ردوه عليه، فأنزل اللَّه تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا، فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ [الأنعام ١٣٦] . وكان لبني ملكان بن كنانة بن خزيمة بن مدركة صنم يقال له سعد، صخرة بفلاة من أرضهم طويلة، فأقبل رجل من بني ملكان بإبل له مؤبلة ليقفها عليه التماس بركته فيما يزعم، فلما رأته الإبل وكانت مرعية لا تركب وكان يهراق عليه الدماء نفرت منه فذهبت في كل وجه، وغضب ربها الملكاني فأخذ حجرا فرماه به ثم قال: لا بارك اللَّه فيك! نفرت علي إبلي. ثم خرج في طلبها حتى جمعها فلما اجتمعت له قال: أتينا إلى سعد ليجمع شملنا ... فشتتنا سعد فلا نحن من سعد

ه به ثم قال: لا بارك اللَّه فيك! نفرت علي إبلي. ثم خرج في طلبها حتى جمعها فلما اجتمعت له قال: أتينا إلى سعد ليجمع شملنا ... فشتتنا سعد فلا نحن من سعد وهل سعد إلا صخرة بتنوفة ... من الأرض لا يدعى لغي ولا رشد [ (١) ] واتخذت قريش صنما على بئر في جوف الكعبة يقال له هبل، واتخذوا إسافا ونائلة

على موضع زمزم ينحرون عندهما، وكان إساف ونائلة رجلا وامرأة من جرهم وهو إساف بن بغي. قالت عائشة رضي اللَّه تعالى عنها: ما زلنا نسمع أن إسافا ونائلة كانا رجلا وامرأة من جرهم أحدثا في جوف الكعبة فمسخهما اللَّه حجرين. رواه ابن إسحاق. قال ابن إسحاق: واتخذ أهل كل دار في دارهم صنما يعبدونه من دون اللَّه فإذا أراد الرجل منهم سفرا تمسح به حين يركب فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره، فإذا قدم من سفره تمسح به فكان أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله، فلما بعث اللَّه ﷾ نبيه محمدا ﷺ بالتوحيد قالت قريش: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ص ٥] . وذكر ابن إسحاق وغيره كثيرا من أسماء أصنام العرب. ولم أذكر ذلك إذ لا فائدة في ذكرها وذكرت منها ما سمي في القرآن العزيز مع زيادة. تنبيه: قال الواقدي: كان ود على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة طائر. قال في الفتح: وهذا شاذ، والمشهور أنهم كانوا على صورة البشر، وهو مقتضى الآثار في سبب عبادتها.

وث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة طائر. قال في الفتح: وهذا شاذ، والمشهور أنهم كانوا على صورة البشر، وهو مقتضى الآثار في سبب عبادتها. وقال المسعودي في مروج الذهب. كان كثير من أهل الهند والصين وغيرهم من الطوائف يعتقدون أن اللَّه تعالى جسم وأن الملائكة أجسام لها تمام وأن اللَّه تعالى احتجب بالسماء فدعاهم ذلك إلى أن اتخذوا تماثيل وأصناما على صورة الباري تعالى وبعضها على صورة الملائكة مختلفة القدور والأشكال في الصور، فمنها على صورة الإنسان ومنها على صورة غيره في الصور، فعبدوها وقربوا لها القرابين ونذروا لها النذور لشبهها عندهم بالباري تعالى وقربها منه، فأقاموا على ذلك برهة من الزمان وكثيرا من الأعصار حتى نبههم بعض ضلالهم على أن الأفلاك والكواكب أقرب الأجسام إلى الباري- تعالى عما يقول الجاهلون علوا كبيرا، وأنها حية ناطقة وأن كل ما يحدث في هذا العالم فإنما هو على قدر ما تجري به الكواكب عن أمر اللَّه تعالى فعظموها وقربوا لها القرابين لتنفعهم، ومكثوا على ذلك دهرا فلما رأوا الكواكب تخفى بالنهار وفي بعض أوقات الليل بما يعرض في الجو من السواتر، أمرهم بعض من كان فيهم من ضلّالهم أن يجعلوا أصناما وتماثيل على صورها وأشكالها وهيآتها، فجعلوا لها أصناما بعدد الكواكب المشهورة المتحيرة، فكل صنف منهم يعظم كوكبا منها ويقرب له نوعا من القربان. ولما طال عليهم العهد عبدوا الأصنام وألغوا عبادة الكواكب، فلم

يزالوا كذلك حتى ظهر بعض ضلالهم بأرض الهند وكان هنديا خرج من أرض الهند إلى السند ثم دخل بلاد العجم، وهو أول من أظهر مذهب الصابئة وجوز للناس عبادة الأصنام والسجود لها لشبهة ذكرها وقرب إلى عقولهم عبادتها بضرب من الحيل. قال المسعودي: وذكر ذوو الخبرة بشأن هذا العالم وأخبار ملوكه أن «جم» الملك أول من عظم النار ودعا الناس إلى تعظيمها وقال إنها تشبه ضوء الشمس والكواكب وجعل للنور مراتب، ثم تنازع هؤلاء بعده فعظم كل فريق منهم ما يرون تعظيمه من الأشياء. ثم ذكر المسعودي بعض ما تقدم من خبر عمرو بن لحي. ثم ذكر المسعودي عبادة الفرس للنار وبيوت النيران في كل بلد وأطال النفس في ذلك.

الباب الثاني في إخبار الأحبار والرهبان والكهان بمبعث حبيب الرحمن ﷺ قد تقدم في الباب التاسع أوائل الكتاب كثير من ذلك. وأذكر هنا ما لم أذكره هناك. قال ابن إسحاق رحمه اللَّه تعالى: وكانت الأحبار من يهود والرهبان من النصارى والكهان من العرب قد تحدثوا بأمر رسول اللَّه ﷺ قبل مبعثه، لما تقارب زمانه. أما الأحبار والرهبان فعما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه وما كان عهد إليهم أنبياؤهم فيه. وأما الكهان فأتتهم به الشياطين من الجن، فيما يسترقون من السمع إذا كانت وهي لا تحجب عن ذلك بالقذف بالنجوم، وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما ذكر بعض أمور ولا تلقي العرب لذلك بالا حتى بعثه اللَّه تعالى ووقعت تلك الأمور التي كانوا يذكرون فعرفوها.

نجوم، وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما ذكر بعض أمور ولا تلقي العرب لذلك بالا حتى بعثه اللَّه تعالى ووقعت تلك الأمور التي كانوا يذكرون فعرفوها.

ذكر خبر زيد بن عمرو بن نفيل ابن عبد العزى [ابن عبد الله] بن قرط بن رباح بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، وورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزيز بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، وعبيد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أنس بن خزيمة، وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب، وعثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى بن قرط بن رباح. قال ابن إسحاق: واجتمعت قريش في عيد لهم عند صنم من أصنامهم. قال محمد بن عمر الأسلمي: وهو بوانة، كانوا يعظمونه وينحرون له ويعكفون عنده ويديرون به، وكان ذلك عيدا لهم في كل سنة يوما، فخلص منهم هؤلاء الأربعة نجيا، ثم قال بعضهم لبعض: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض. قالوا: أجل. فقال بعضهم لبعض: تعلموا واللَّه ما قومكم على شيء، لقد أخطئوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجر نُطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع؟! يا قوم التمسوا لأنفسكم فإنكم واللَّه ما أنتم على شيء. فتفرقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم. فأما ورقة بن نوفل فاستحكم في النصرانية واتبع الكتب من أهلها حتى علم علما من أهل الكتاب. وأما عبيد الله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس. حتى أسلم ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة ومعه امرأته أم حبيبة ابنة أبي سفيان مسلمة فلما قدمها تنصر وفارق

لله بن جحش فأقام على ما هو عليه من الالتباس. حتى أسلم ثم هاجر مع المسلمين إلى الحبشة ومعه امرأته أم حبيبة ابنة أبي سفيان مسلمة فلما قدمها تنصر وفارق

الإسلام حتى هلك نصرانيا. وكان يمر بأصحاب النبي ﷺ وهم بالحبشة فيقول: فقحنا وصأصأتم. أي أبصرنا وأنتم تلتمسون البصر لم تبصروا بعد. وذلك أن ولد الكلب إذا أراد أن يفتح عينيه للنظر صأصأ لينظر. وأما عثمان بن الحويرث فقدم على قيصر ملك الروم فتنصر وحسنت منزلته عنده. وأما زيد بن عمرو بن نفيل فوقف فلم يدخل في يهودية ولا نصرانية وفارق دين قومه فاعتزل الأوثان والميتة والدم والذبائح التي تذبح على الأوثان ونهى عن قتل الموءودة وقال: أعبد رب إبراهيم وبادى قومه بعيب ما هم عليه. وعن أسماء بنت أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنهما قالت: رأيت زيد بن عمرو شيخا كبيرا مسندا ظهره إلى الكعبة وهو يقول: يا معشر قريش والذي نفس زيد بن عمرو بيده ما أصبح منكم أحد على دين إبراهيم غيري. ثم يقول: اللهم لو أني أعلم أي الوجوه أحب إليك عبدتك به ولكني لا أعلمه. ثم يسجد على راحلته. وكان يحيى الموءودة، يقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها أنا أكفيك مؤنتها فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك وإن شئت كفيتك مؤنتها. رواه ابن إسحاق والنسائي وأبو بكر بن أبي داود وعلقه البخاري جازما به [ (١) ] . وروى البخاري والبيهقي من طريق موسى بن عقبة عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما أن رسول اللَّه ﷺ لقى زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح قبل أن ينزل عليه الوحي فقدمت إلى رسول اللَّه ﷺ سفرة فيها لحم فأبى أن يأكل منها ثم قال لزيد: إني لست آكل مما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم اللَّه عليه. وإن زيد بن عمرو كان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها اللَّه تعالى وأنزل لها من السماء الماء وأنبت لها من الأرض ثم تذبحونها على غير اسم اللَّه تعالى! إنكارا لذلك وإعظاما له [ (٢) ] . وروى البخاري في المناقب وفي الذبائح من صحيحه والإسماعيلي والزبير بن بكار والفاكهي عن ابن عمر، إن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويبتغيه.

Bagian 22 dari 173